الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، نصف يوم)).2
وفي لفظ: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام)).3
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً)).4
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)).5
والجمع بين الحديثين، والله أعلم: أن الفقراء منهم من يسبق الأغنياء
بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عام، بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، كما يتأخر مكث العصاة الموحِّدين بحسب أحوالهم. ولا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاعُ منازلهم عليهم؛ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلةً، وإن سبقه غيره في الدخول، فالغني إذا حوسب على غناه فوُجِدَ قد شكر الله تعالى فيه، وتقرّب إليه بأنواع البر، والخير، والصدقة، والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمال، ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله، وزاده عليه فيها، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً. فالمزيَّة مزيتان: السبق، والرفعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين، أو لأحدهما، وعدمه، وبالله التوفيق.1
## ثانياً: أول من يُقضى عليه يوم القيامة ثلاثة: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن أول من يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت، لأن يقال جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقي في النار.
ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم، وعلمتُهُ،
وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم ليُقالَ: عالم، وقرأت القرآن ليُقالَ: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّعَ الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليُقال هو جوادٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار)).1
فقوله - صلى الله عليه وسلم - في الغازي، والعالم، والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله، وإدخالهم النار، دليل على تغليظ تحريم الرياء، وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمولٌ على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً.2
والله أسأل لي ولجميع المسلمين الإخلاص في القول والعمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.