ولنا أنه بناء في هواء ملك قوم معينين أشبه إذا لم يكن له فيه باب ولا نسلم الأصل اذي قاسوا عليه فإن أذن أهل الدرب فيه جاز لأن الحق لهم فجاز بإذنهم كما لو كان لمالك واحد
(مسألة) (وإن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين) وقال القاضي وأصحاب الشافعي لا يجوز في الجناح والساباط لأنه بيع للهواء.
دون القرار ولنا أنه يبني فيه بإذنهم فجاز كما لو أذنوا له بغير عوض ولأنه ملك لهم فجاز لهم أخذ عوض كالقرار إذا ثبت هذا فإنما يجوز بشرط كون ما يخرجه معلوم المقدر في الخروج والعلو وهكذا الحكم فيما إذا أخرجه إلى ملك إنسان معين يجوز بإذنه بعوض وبغيره إذا كان معلوم المقدار (فصل) ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه سواء جعلها لماء المطر أو ليستخرج منها ماء ينتفع به ولا غير ذلك لما ذكرنا من قبل، وإن اراد حفرها للمسليمن ونفعهم أو لنفع الطريق مثل أن يحفرها ليسقي الناس من مائها ويشرب منه المارة أو لينزل فيها ماء المطر عن الطريق نظرنا
فإن كان الطريق ضيقاً أو كانت في ممر الناس بحيث يخاف سقوط إنسان فيها أو دابة أو يضيق عليهم ممرهم لم يجز لأن ضررها أكثر من نفعها، وإن حفرها في زاوية من طريق واسع وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها جاز لأن ذلك يقع بلا ضرر فجاز كتمهيدها وبناء رصيف فيها فأما ما فعله في درب غير فافذ فلا يجوز بغير إذن أهله لأن هذا ملك لقوم معينين فلم يجز فعل ذلك بغير إذنهم كما لو فعله في بستان إنسان، ولو صالح أهل الدرب عن ذلك بعوض جاز سواء حفرها لنفسه ليزل فيها ماء المطر عن داره أو ليستقي منها ماء لنفسه أو حفرها للسبيل ونفع الطريق وكذلك إن فعل ذلك في ملك إنسان معين
(مسألة) (وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ ففتح فيه باباً لغير الاستطراق جاز)
لأن له رفع جميع حائطه فبعضه أولى.
قال ابن عقيل ويحتمل أن لا يجوز لأن شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراقن فيضرباهل الدرب بخلاف رفع الحائط فإنه لا يدل على شئ (مسألة) (وإن فتحه للإستطراق لم يجز بغير إذنهم) لأنه ليس لهم حق في الدرب الذي هو ملك غيره وفيه وجه آخر أنه يجوز لأن له رفع جميع والأول أولى لأن الدرب لاحق له فيه فلم يجز أن يجعل له فيه حق استطراق فإن صالحهم جاز لأن الحق لهم فأشبه دورهم إذا صالحهم على شئ منها
(فصل) وإن كان ظهر داره إلى زقاق نافذ ففتح في حائطه باب اليه جاز لأنه يرتفق بما لم يتعين ملك أحد عليه فإن قيل هذا فيه إضرار بأهل الدرب لأنه يحعله نافذاً يستطرق إليه من الشارع قلنا لا يصير الدرب نافذاً وإنما تصير داره نافذة وليس لأحد استطراق داره
(مسألة) (ولو كان بابه في آخر الدرب ملك نقله إلى أوله ولم يملك نقله إلى داخل منه في أحد الوجهين)
كان له لأن حقه لم يسقط، فاما ان أراد نقل بابه إلى تلقاء صدر الزقاق لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، وفيه وجه آخر أنه يجوز لأنه كان له أن يجعل بابه في أول البناء في أي موضع شاء فتركه في موضع لا يسقط حقه كما أن تحويله بعد فتحه لا يسقطه ولأن له أن يرفع حائطه كله فلم يمنع من رفع بعضه والأول أولى لأنه لا يلزم من جواز رفع الحائط جواز الاستطراق كالمسألة التي قبلها (فصل) وإن كان في الدرب بابان لرجلين أحدهما قريب من باب الزقاق والآخر في داخله فأراد صاحب الداخل أن يحول بابه فله تحويله حيث شاء لأنه لا منازع له فيما يجاوز الباب الأول إذا قلنا
أن صاحب القريب ليس له أن يقذمه إلى داخل الدرب وإن قلنا له تقديمه جاز لكل واحد منهما فان كان في داخل الدرب باب لثالث فحكم الأوسط حكم الأول فيما ذكرناه (فصل) إذا كان لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحدة منهما إلى ظهر الأخرى وباب كل واحدة منهما إلى درب غير نافذ فرفع الحاجز بينهما وجعلهما دار واحدة جاز لأنه تصرف في ملكه المختص وإن فتح من كل واحدة منهما بابا إلى الأخرى ليتمكن إلى التطرق من كل واحدة منهما إلى كلى الدربين فقال القاضي لا يجوز لأن ذلك يثبت الاستطراق في الدرب الذي لا ينفذ من دار لم يكن لها فيه طريق ولأنه ربما أدى الى إثبات الشفعة في قول من يثبتها بالطريق لكل واحدة من الدارين في زقاق الأخرى، ويحتمل جواز ذلك لأن له رفع الحاجز جميعه فبعضه أولى قال شيخنا وهذا أشبه وما ذكرناه للمنع ينتقض بما إذا رفع الحائط جميعه، وفي كل موضع قلنا ليس له فعله إذا صالحه أهل الدرب جاز وكذلك إن أذنوا له بغير عوض
(فصل) إذا تنازع صاحبا البابين في الدرب ولم يكن فيه باب لغيرهما ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يحكم بالدرب من أوله الى الباب الذي يليه بينهما لأن لهما الاستطراق فيه جميعاً وما بعده إلى صدر الدرب للأخر لأن الاستطراق في ذلك له وحده فله اليد والتصرف (والثاني) أن من أوله الى أقصى حائط الأول بينهما لأن ما يقابل ذلك فلهما التصرف فيه بناء على أن للأول أن يفتح بابه فيما شاء من حائطه والباقي للثاني لأنه ليس بفناء للأول ولا له فيه استطراق والثالث يكون بينهما لأن لهم يداً وتصرفاً، وهكذا الحكم فيما إذا كان لرجل علو خان ولآخر سفله ولصاحب العلو درجة في أثناء صحن الخان فاختلفا في الصحن فالذي من الدرجة إلى باب الخان بينهما وما زاد على ذلك إلى صدر الخان على الوجهين، فإن كانت الدرجة في صدر الصحن فالصحن بينهما لوجود اليد والتصرف منهما جميعاً فعلى الوجه الذي يقول أن صدر الدرب مختص بصاحب الباب الصدراني له أن يستبد له أن يستبد بما يختص به منه بان
يجعله دهليز النفسه أو يدخله في داره على وجه لا يضر بجاره ولا يضع على حائطه شيئاً لأن ذلك ملك له ينفرد به
(مسألة) (وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقاً بغير إذن صاحبه)
لأن ذلك انتفاع بملك غيره وتصرف فيه بما يضره وكذلك لا يجوز أن يغرز فيه وتداً ولا يحدث عليه حائطاً ولا سترة ولا يتصرف فيه بنوع تصرف لأنه يضر بحائط غيره فهو كنقصه وإن صالحه على ذلك بعوض جاز فأما الاستناد إليه واسناد شئ لا يضره فلا بأس به لكونه لا مضره فيه ولا يمكن التحرز منه أشبه الاستظلال به
(مسألة) (وليس له وضع خشبة عليه الاعند الضرورة بأن لا يمكنه التسقيف إلا به)
أما وضع خشبة عليه فلا يجوز إذا كان يضر بالحائط لا نعمل فيه خلافاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وإن كان لا يضر به إلا أن به عنه غنى لامكان وضعه على غيره فقال أكثر أصحابنا لا يجوز أيضاً وهو قول الشافعي وأني ثور لأنه انتفاع بملك غيره بغير إذنه من غير ضرورة فلم يجز كبناء
حائط عليه واختار ابن عقيل جوازه لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره) متفق عليه ولأن ما أبيح للحاجة العامة لم يعتبر فيه حقيقة الحاجة كالشفعة والفسخ بالخيار أو بالعيب واتخاذ الكلب للصيد وإباحة السلم ورخص السفر وغير ذلك، فأما ان دعت الحاجة إلى وضعه على جدار جاره أو الحائط المشترك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به فإنه يجوز وضعه بغير إذن الشريك وهو قومل الشافعي في القديم وقال في الجديد ليس له وضعه وهو قول أبي حنيفة ومالك لأنه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة فلم يجز كزراعته ولنا الخبر وانه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر به أشبه الاستناد إليه والاستظلال به ويفارق الزرع فإنه يضر ولم تدع إليه حاجة.
إذا ثبت هذا فاشترط القاضي وابو الخطاب للجواز أن يكون له حائط واحد ولجاره ثلاثة حوائط، وليس هذا في كلام أحمد إنما قال في رواية أبي داود لا يمنعه إذا لم
يكن فيه ضرور كان الحائط يبقى ولأنه قد يمتنع التسقيف على حائطين إذا كانا غير متقابلين أو كان البيت واسعاً يحتاج إلى أن يجعل إليه جسراً ثم يضع الخشب على ذلك الجسر، قال شيخنا والأولى اعتباره بما ذكرنا من امتناع التسقيف بدونه، ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون لما ذكرنا
(مسألة) (وعنه ليس له وضع خشبة على جدار المسجد وهذا تنبيه على أنه لا يضعه على جدار جاره)
اختلفت الرواية عن أحمد في وضع خشبة على جدار المسجد مع وجود الشرطين فعنه الجواز لانه ادا جار وضعه في ملك الجار مع أن حق مبني على الشح والضيق ففي حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة أولى وعنه لا يجوز نقلها عنه أبو طالب لأن القياس يقتضي المنع في حق الكل ترك في حق الجار للخبر الوارد فيه فوجب البقاء في غيره على مقتضى القياس اختاره أبو بكر، وخرج أبو الخطاب من هذه الرواية وجهاً للمنع من وضع الخشب في ملك الجار لأنه إذا منع من وضع الخشب في الجدار المشترك بين المسلمين وللواضع فيه حق فلأن يمنع من الملك المختص بغيره أولى ولانه إذا منع في حق
الله تعالى مع انه مبني على المسامحة لغنى الله تعالى وكرمه فلان يمنع في حق الآدمي مع شحه وضيقه أولى والمذهب الأول، فإن قيل فلم لا تجيزون فتح الطاق والباب في الحائط قياساً على وضع الخشب؟ قلنا الخشب يمسك الحائط وينفعه بخلاف الطاق والباب فإنه يضعف الحائط لانه يبقى مفتوحاً والذي يفتحه للخشبة يسده بها ولأن وضع الخشب تدعو إليه الحاجة دون غيره (فصل) ومن ملك وضع خشبة على حائط فزال لسقوطه أو فعله أو سقوط الحائط ثم أعيد فله إعادة خشبه لأن السبب المجوز لوضعه مستمر فاستمر الاستحقاق وإن زال السبب مثل أن خشي على الحائط من وضعه عليه أو استغنى عن وضعه لم تجز إعادته لزوال السبب المبيح فإن خيف سقوط الحائط بعد وضعه عليه لزم إزالته لأنه يضر بالمالك وإن لم يخف عليه لكن استغنى عن إبقائه عليه لم تلزم إزالته لأن في إزالته ضرراً بصاحبه ولا ضرر على صاحب الحائط في إبقائه بخلاف مالو خشي سقوطه (فصل) وإذا كان له وضع خشبة على جدار غيره لم يملك إجارته ولا إعارته لأنه إنما ملك ذلك لحاجته الماسة إلى وضع خشبه ولا حاجة الى وضع خشب غيره فلم يملكه وكذلك لا يملك بيع حقه من وضع خشبه ولا المصالحة عنه للمالك ولا لغيره لأنه أبيح له من حق غيره لحاجته فلم يجز له ذلك فيه كطعام غيره
إذا أبيح له في حال الضرورة، ولو أراد صاحب الحائط إعارة الحائط أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبه لم يملك ذلك لأنه وسيلة إلى منع ذي الحق من حقه فلم يملكه كمنعه، ولو أراد هدم الحائط لغير حاجة لم يملك ذلك لما فيه من تفويت الحق وإن احتاج الى ذلك للخوف من انهدامه أو لتحويله مكان آخر أو لغرض صحيح ملك ذلك لأن صاحب الخشب إنما يثبت حقه للإرفاق به مشروطاً بعدم الضرر بصاحب الحائط فمتى أفضى إلى الضرر زال الاستحقاق لزوال شرطه (فصل) فإن أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه أو وضع سترة عليه أو وضع خشبه عليه في الوضع الذي لا يستحق وضعه جاز لأن الحق له فجاز بإذنه فإذا فعل ما أذن فيه صارت العارية لازمة تذكر في باب العارية (فصل) وإن أذن له في وضع خشبه أو البناء على جدار هـ بعوض جداره بعوض جاز سواء كان إجارة في مدة
معلومة أو صلحاً على وضعه على التأبيد ومتى زال فله إعادته سواء زال لسقوطه أو سقوط الحائط أو غير ذلك لأنه استحق إبقاءه بعوض ويحتاج أن يكون البناء معلوم العرض والطول والسمك والآلات من الطين واللبن والآجر وما أشبه ذلك لأن هذا يختلف فيحتاج إلى معرفته، وإذا سقط الحائط الذي عليه البناء أو الخشب في أثناء مدة الإجارة سقوطاً لا يعود انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة ورجع من الأجرة بقسط ما بقي من المدة، وإن أعيد رجع من الأجرة بقدر المدة التي سقط البناء والخشب عنه، وان صالحه مالك الحائط على رفع خشبه أو بنائه بشئ معلوم جاز كما يجوز الصلح على وضعه سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه أو أقل أو أكثر لأن هذا عوض عن المنفعة المستحقة له وكذلك لو كان له مسيل في أرض غيره أو ميزاب أو غيره فصالح صاحب الأرض مستحق ذلك بعوض لبزيله عنه جاز، وإن كان الخشب أو الحائط قد سقط فصالحه بشئ على أن لا يعيده جاز لانه لما جاز أن يبيع ذلك منه جاز أن يصالح عنه لأن الصلح بيع
(فصل) واذا وجد بناءه أو خشبه على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه فمتى زال فله إعادته لأن الظاهر أن هذا الوضع بحق من صلح أو غيره فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره وما أشبه هذا فهو له لأن الظاهر أنه له بحق فجرى مجرى اليد الثابتة، ومتى اختلفا في ذلك هل هو بحق أو بعد وان فاقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه لأن الظاهر معه (فصل) إذا ادعى رجل داراً في يد أخوين فأنكره أحدهما وأقر له له الآخر ثم صالحه على ما اقر له بعوض صح الصلح ولأخيه الأخذ بالشفعة ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كان الإنكار مطلقاً وبين ما إذا قال هذه لنا ورثناها جميعاً عن أبينا أو أخينا فيقال إذا كان الإنكار مطلقاً كان له الأخذ بالشفعة وإن قال ورثناها فلا شفعة له لأن المنكر يزعم إن الملك لا خيه المقر لم يزل وإن الصلح باطل
فيؤاخذ بذلك فلا يستحق به شفعة، ووجه الأول أن الملك ثبت للمدعي حكماً وقد رجع إلى المقر بالبيع وهو معترف بأنه بيع صحيح فتثبت فيه الشفعة كما لو كان الإنكار مطلقاً ويجوز أن يكون نصيب المقر انتقل إلى المدعي ببيع أو هبة أو سبب من الأسباب فلا ينافي انكار النمكر واقرار المقر كجالة إطلاق الإنكار وهذا أصح
(مسألة) (وإن كان بينهما حائط فانهدم فطالب أحدهما صاحبه ببنائه أجبر عليه وعنه لا يجبر)
إذا كان بين الشريكين حائط فانهدم فطلب أحدهما إعادته وأبى الآخر فذكر القاضي فيه روايتين (إحداهما) يجبر نقلها ابن القاسم وحرب وسندي قال القاضي هي أصح قال ابن عقيل وعلى ذلك أصحابنا وهو إحدى الروايتين عن مالك وقول الشافعي القديم واختاره بعض أصحابه لأن في ترك بنائه أضراراً فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى نقض الحائط عند خوف سقوطه
عليهما ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا إضرار) وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه (والرواية الثانية) لا يجبر نقل عن أحمد ما يدل على ذلك وهو أقوى في النظر ومذهب أبي حنيفة لأنه ملك لاحرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه كما لو انفرد به ولانه بناء حائط فلم يجبر عليه كالابتداء ولأنه لا يخلو إما أن يجبر على بنائه لحق نفسه أو لحق جاره أو لهما جميعاً لا يجوز أن يجبر لحق نفسه بدليل مالو انفرد به ولا لحق غيره كما لو انفرد به جاره وإذا لم يكن واحد منهما موجباً فعليه فكذلك إذا اجتمعا وفارق القسمة فإنها دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه والبناء فيه ضرر لما فيه من الغرامة وانفلق ماله ولا يلزم من إجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه إجباره على إزالته بما فيه ضرر بدليل قسمة ما في قمسته ضرر ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه لأنه يخاف سقوطه على ما يتلفه فيجبر على ما يزيل ذلك ولذلك يجبر عليه وإن انفرد الحائط بخلاف مسئلتنا ولا نسلم أن في تركه أضراراً فإن الضرر إنما حصل بانهدامه وإنما ترك النباء ترك لما يحصل النفع
به وهذا لا يمنع الإنسان منه بدليل حالة الإبتداء وإن سلمنا أنه أضرار لكن في الإجبار أضرار ولا يزال الضرر بالضرر ولأنه قد يكون الممتنع لانفع له في الحائط أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع أو يكون معسراً ليس معه شي فيكلف الغرامة مع عجزه عنها
(مسألة) (وليس له منعه من بنائه) على الرواية التي تقول لا يجبر الممتنع إذا أراد شريكه البناء فليس له منعه لأن له حقاً في الحمل ورسماً فلا يجوز منعه منه
(مسألة) (فإن بناه بآلته فهو بينهما وإن بناه بآلة من عنده فهو له وليس للآخر الانتفاع به وإن طلب الانتفاع به خير الثاني بين أخذ نصف قيمته وبين أخذ آلته)
وجملة ذلك أن للشريك بناء الحائط بأنقاضه وله بناؤ بآلة من عنده، فان بناء بآلته وأنقاضه فهو على الشركة كما كان لأن المنفق إنما أنفق على التالف وذلك أثر لاعين يملكها، وإن بناه بآلة من عنده فالحائط ملكه خاصة، وله مع شريكه من الانتفاع ومن وضع خشبة ورسومه عليه لأن الحائط له فإن أراد نقضه وكان بناه بآلته فليس له نقضه لأنه ملكهما فلم يكن له التصرف فيه بما فيه مضرة
عليهما وإن كان بناه بآلة من عنده فله نقضه لأنه يختص بملكه فإن قال شريكه أنا أدفع إليك نصف قيمة البناء ولا تتقضه لم يجبر لأنه لما لم يجبر على البناء لم يجبر على الإبقاء وإن أراد غير الباني نقضه وإجبار بانيه على نقضه لم يكن له ذلك على كلتا الروايتين لأنه إذا لم يملك منعه من بنائه فلأن لا يملك إجباره على نقضه أولى، فإن كان له على الحائط رسم انتفاع أو وضع خشب قال له اما أن تأخذ مني نصف قيمته وتمكنني من انتفاعي وإما أن تقلع حائطك لنعيد البناء من بيننا فيلزم الآخر إجابته لأنه لا يملك إبطال رسومه وانتفاعه ببنائه، وإن لم يرد الانتفاع به فطالبه الثاني بالغرامة أو القيمة لم يلزمه ذلك لأنه إذا لم يجبر على البناء فأولى أن لا يجبر على الغرامة إلا أن يكون قد أذن في البناء والإنفاق فيلزمه ما أذن فيه فأما على الرواية الأولى فمتى امتنع أجبره الحاكم على ذلك فإن لم يفعل أخذ الحكام من ماله وأنفق عليه وإن لم يكن له مال فانفق عليه الشريك بإذن الحاكم أو أذن الشريك رجع عليه متى قدر، وإذا أراد بناء لم يملك الشريك منعه، وما أنفق أن تبرع به لم يكن له الرجوع به وإن نوى الرجوع به فهل له الرجوع بذلك؟ يحتمل وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه، وإن بناه لنفسه بآلته فهو بينهما وإن بناه بآلة من عنده فهو له خاصة فإن أراد نقضه فله ذلك إلا أن يدفع اليه شريكه نصف قيمته فلا يكون له نقضه لأنه إذا أجبر على بنائه فأولى أن يجبر على إبقائه
(فصل) فإن لم يكن بين ملكيهما حائط فطلب أحد هما من الآخر أن بينيا حائطاً يحجز بين ملكيهما لم يجبرا الآخر عليه رواية واحدة فإن أراد البناء وحده فليس له إلا في ملكه لأنه لا يملك التصرف في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغير ماله فيه رسم وهذا لا رسم له فيه (فصل) فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما فطلب أحد هما المباناة من الآخر فامتنع فهل يجبر؟ على روايتين كالحائط بين البيتين وللشافعي فيه قولان، فإن انهدمت حيطان السفل فطالبه صاحب العلو بإعادتها ففيه روايتان (إحداهما) يجبر وهو قول مالك وأبي ثور وأحد قولي الشافعي فعلى هذه الرواية يجبر على البناء وحده لأنه ملكه خاصة (والثانية) لا يجبر وهو قول أبي حنيفة فإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الروايتين جميعاً، فإن بناه بآلته فهو على ما كان وإن بناه بآلة من عنده فقد روي عن أحمد لا ينتفع به صاحب السفل يعني حتى يؤدي القيمة فيحتمل أنه لا يسكن وهو قول أبي حنيفة لان البيت إنما يبني للسكنى فلم يملكه كغيره ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطاق وتكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره وهو مذهب الشافعي لأن السكنى إنما هي إقامته في فناء الحيطان من غير تصرف فيها أشبه الاستظلال
بها من خارج فأما إن طالب صاحب السفل بالبناء وأبى صاحب العلوففيه روايتان: (إحداهما) لا يجبر على بنائه ولا مساعدته وهو قول الشافعي لأن الحائط ملك صاحب السفل فلم يجبر غيره على بنائه ولا المساعدة فيه كما لو لم يكن عليه علو (والثانية) يجبر على مساعدته والبناء معه، وهو قول أبي الدرداء لأنه حائط بشتركان في الإنتفاع به أشبه الحائط بين الدارين.
(فصل) فإن كان بين البيتين حائط لأحدهما فانهدم فطلب أحدهما من الآخر بناءه أو المساعدة في بنائه لم يجبر لأنه إن كان الممتنع مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به كحائط الآخر وإن كان
الممتنع الآخر لم يجبر على بناء ملك غيره ولا المساعدة فيه ولا يلزم على هذا حائط السفل حيث يجبر صاحبه على بنائه مع اختصاصه بملكه لأن الظاهر أن صاحب العلو ملكه مستحقا لا بقائه على حيطان السفل دائماً فلزم صاحب السفل تمكينه مما يتسحقه وطريقة البناء فلذلك وجب بخلاف مسئلتنا وإن أراد
صاحب الحائط بناءه أو نقضه بعد بنائه لم يكن لجاره منعه لأنه ملكه خاصة وإن أراد جاره بناءه أو نقضه أو التصرف فيه لم يملك ذلك لأنه لاحق له فيه (فصل) ومتى هدم أحد الشريكين الحائط المشترك أو السقف الذي بينهما نظرت فإن خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شيء على هادمه ويكون كما لو النهدم بنفسه لأنه فعل الواجب وأزال الضرر الحاصل بسقوطه، وإن هدمه لغير ذلك فعليه إعادته سواء كان هدمه لحاجة أو غيرها وسواء التزم إعادته أو لم يلتزم لأن الضرر حصل بفعله فلزمته إزالته (فصل) فإن اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين وملكه بينهما الثلث والثلثان لم يصح لأنه يصالح عن بعض ملكه ببعض فلم يصح كما لو أقر له بدار فصالحه على سكناها ولو اتفقا على أن يحمله كل واحد منهما ما شاء لم يجز لجهالة الحمل فإنه يحمله من الاثقال ما لا طاقة له بحمله وإن اتفقا على أن يكون بينهما نصفين جاز.
(مسألة) (وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة فاحتاج إلى عمارة ففي إجبار الممتنع وجهان)
بناء على الحائط المشترك إذا انهدم وحكي عن أبي حنيفة أنه يجبر ههنا على الإنفاق لأنه لا يتمكن شريكه من مقاسمته فيتضرر بخلاف الحائط فإنه يمكنهما قسمة العرصة قال شيخنا: والأولى التسوية لأن في قسمة العرصة أضراراً بهما والإنفاق أرفق بهما فكانا سواء
(مسألة) (وليس لأحدهما منع صاحبه من عمارته)
فإن عمره فالماء بينهما على الشركة أما الدولاب والناعورة فالحكم فيه كالحكم في الحائط على ما ذكرناه وأما النهر والبئر فلكل واحد منهما الإنفاق عليه وإذا أنفق عليه لم يكن له منع الآخر من نصيبه من الماء لأنه ينبع من ملكهما وإنما أثر أحدهما في نقل الطين منه وليس له فيه عين مال فأشبه الحائط إذا بناه بآلته والحكم في الرجوع بالنفقة حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى (فصل) وليس للرجل التصرف في ملكه بما يضر بجاره نحو أن يبني حما ما بين الدور او يفتح
خبازاً بين العطارين أو يجعله دكان قصارة بهز الحيطان ويخربها أو يحفر بئراً إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها وبهذا قال بعض الحنفية وعن أحمد رواية أخرى لايمنع وبه قال الشافعي وبعض الحنفية لأنه تصرف في ملكه المختص به ولم يتعلق به حق غيره فلم يمنع منه كما لو طبخ في داره أو خبز فيها وسلموا انه يمنع من الدق الذي يهدم الحيطان وينزها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا إضرار) ولأن هذا إضرار بجير انه فمنع منه كالذي سلموء وكسقي
الأرض الذي يتعدى إلى هدم حائط جاره أو إشعال نار يتعدى إلى إحراقها، قالوا ههنا تعدت النار التي أضرمها والماء الذي أرسله فكان مرسلاً لذلك في ملك غيره أشبه مالو أرسله إليها قصداً، قلنا والدخان الذي هو اجزا الحريق الذي أحرقه فكان مرسلاً له في ملك جاره فهو كالنار والماء وأما دخان الخبز والطبيخ فإن ضرره يسير ولا يمكن التحرز منه وتدخله المسامحة (فصل) فإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب الأعلى الصعود على سطحه
على وجه يشرف على سطح جاره إلا أن يبني سترة تستره وقال الشافعي لا يلزمه ستره لأن هذا حاجز بين ملكيهما فلم يجبر أحدهما عليه كالأسفل ولنا أنه أضر بجاره فمنع منه كدق يهز الحيطان وذلك أنه يكشف جاره ويطلع على حرمه فأشبه ما لو اطلع عليه من صئر بابه أو خصاصه وقد دل على المنع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أن رجلا اطلع إليك فحذمته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) ويفارق الأسفل فإن تصرفه لا يضر بالأعلى ولا يكشف داره.
باب الحوالة
الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع) متفق عليه وفي لفظ من (أحيل بحقه على ملئ فليحتل) وأجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة، واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، وقد قيل إنها بيع فإن المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال عليه وجاز تأخير القبض رخصة لأنه موضوع على الرفق فيدخلها خيار المجلس لذلك والصحيح أنها عقد ارفاق منفد بنفسه ليس بمحمول على غيره لأنها لو كانت بيعاً لما جازت لأنه بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض لأنه بيع مال الربا بجنسه ولجازت بلفظ البيع ولجازت بين جنسين كالبيع ولأن لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع فعلى هذا لا يدخلها خيار وتلزم بمجرد العقد وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله، ولابدء فيها من محيل ومحتال ومحال عليه (مسألة) (والحوالة تنقل احق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يملك المحتال الرجوع عليه بحال
إذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه في قول عامة أهل العلم وروى عن الحسن أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه وعن زفر أنه قال لا تنقل الحق وأجراها مجرى الضمان ولنا أن الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان فإنه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة فعلق على كل واحد مقتضاه وما دل عليه لفظه.
إذا ثبت ذلك فمتى رضي بها المحتال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبداً سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيره وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي، وقال شريح والشعبي والنخعي متى أفلس أو مات رجع على صاحبه وقال أبو حنيفة يرجع عليه في حالين إذا مات المحال عليه مفلساً وإذا جحده وحلف عليه عند الحاكم وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليه في هاتين الحالتين وإذا
حجر عليه لفلس لأنه روي عن عثمان أنه سئل عن رجل أحيل بحقه فمات المحال عليه مفلساً فقال يرجع بحقه لأنه لا توى على مال امرئ مسلم ولأنه عقد معاوضة لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضين فكان له الفسخ كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه ولنا أن حزنا حد سعيد بن المسيب كان له على علي رضي الله عنه دين فأحاله به فمات المحال
عليه فأخبره فقال اخترت علينا أبعدك الله فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره إن له الرجوع ولأنها براءة من دين ليس فيها قبض ممن هي عليه ولا ممن يدفع عنه فلم يكن فيها رجوع كما لو أبرأه من الدين وحديث عثمان لم يصح يرويه خلد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان ولم يصح سماعه وقد روي أنه قال في حوالة أو كفالة وهذا يوجب التوقف ولو صح كان قول علي مخالفاً له، وقولهم هو معاوضة لا يصح لأنه يفضي إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه ويقارق المعاوضة بالثوب لأن في ذلك قبضاً يقف استقرار العقد عليه وههنا الحوالة بمنزلة القبض والاكان بيع دين بدين
(مسألة) (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة (أحدها) أن يحيل على دين مستقر فإن أحال على مال الكتابة أو السلم قبل قبضه أو الصداق قبل الدخول لم يصح وإن أحال المكاتب سيده أو الزوج امرأته صح)
لا تصح الحوالة على دين غير مستقر لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقاً ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط ولا يعتبر ان يحيل بدين مستقر إلا أن السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه لأن دين السلم ليس بمستقر لكونه متعرضاً للفسخ بانقطاع المسلم فيه ولا تصح الحوالة به لأنها لا تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه ولا يجوز ذلك في السلم لقوله عليه الصلاة والسلام (من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى
غيره فلا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة لأنه غير مستقر لأن له أن يمتنع من أدائه ويسقط بعجزه وتصح الحوالة عليه بدين غير دين الكتابة لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات، وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة ويكون ذلك بمنزلة القبض وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لأنه غير مستقر يحتمل أن يسقط بانفساخ
النكاح بسبب من جهتها، وإن أحالها الزوج به صح لأن له تسليمه إليها وحوالته به تقوم مقام تسليمه وإن أحالت به بعد الدخول صح لأنه مستقر، وإن أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار لم يصح في قياس ما ذكرنا وإن أحاله المشتري به صح لأنه بمنزلة الوفاء قبل الاستقرار، وإن أحال البائع بالثمن على المشتري ثم ظهر على عيب لم يتبين أن الحوالة كانت باطلة لأن الثمن كان ثابتاً مستقراً والبيع كان لازماً وانما ثبت الجاز بعد العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري، ويحتمل أن تبطل الحوالة لأن سبب الجواز عيب المبيع وقد كان موجوداً وقت الحوالة.
وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به ثم سقط الدين كالزوجة ينفسخ نكاحها بسبب من جهتها أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع فإن كان ذلك قبل القبض من المحال عليه ففيه وجهان (أحدهما) تبطل الحوالة لعدم الفائدة في بقائها ويرجع
المحيل بدينه على المحال عليه والثاني لا تبطل لأن الحق انتقل عن المحيل فلم يعد إليه وثبت للمحتال فلم يزل عنه ولأن الحوالة بمنزلة القبض فكأن المحيل أقبض المحتال فيرجع عليه به ويأخذ المحتال من المحال عليه وسواء تعذر القبض من المحال عليه أو لم يتعذر وإن كان بعد القبض لم تبطل وجها واحداً ويرجع المحيل على المحتال به (فصل) وإن أحال من لادين عليه على من له عليه دين فهي وكالة يثبت فيها أحكامها وليست بحوالة لأن الحوالة مأخوذة من تحويل الحق وانتقاله ولا حق ههنا ينتقل ويتحول وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة لاشتراكهما في استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحتال، وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد فلا يلزم المحال عليه الأداء ولا المحتال القبول لأن الحوالة معاوضة ولا معاوضة ههنا وإنما هو اقتراض فإن قبض المحتال منه الدين رجع على المحيل لأنه قرض وإن أبرأه لم تصح البراءة لأنها براءة لمن لادين عليه وإن وهبه إياه بعد أن قبضه منه رجع المحال عليه على على المحيل به لأنه قد غرم عنه وإنما عاد إليه المال بعقد مستأنف ويحتمل أن لا يرجع إليه لكونه ما
غرم عنه شيئاً، وإن أحال من لادين عليه على من لادين عليه فهي وكالة في اقتراض وليست حوالة لأن الحوالة إنما تكون بدين على دين (الشرط الثاني) اتفاقن الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل لأنها تحويل للحق ونقل له فينتقل على صفته ويعتبر تماثلهما في الأمور المذكورة (أحدها) الجنس فيحيل من عليه ذهب بذهب ومن عليه فضة بفضة ولو أحال من عليه ذهب بفضة أو بالعكس لم يصح (الثاني) الصفة فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح (الثالث) الحلول والتأجيل ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين فإن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً أو كان أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة، ولو كان الحقان حالين فشرط على المحتال أن يؤخر حقه أو بعضه إلى أجل لم تصح الحوالة لأن الحال لا يتأجل ولأنه شرط ما لو كان ثابتاً في نفس الأمر لم تصح الحوالة فكذلك إذا اشترطه.
فإذا اجتمعت هذه الأمور وصحت الحوالة فتراضيا بأن يدفع المحال عليه إلى المحتال خيراً من حقه أو رضي المحتال بدون الصفة أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله أو من له الحال بالظاره جاز لأن ذلك يجوز في القرض ففي الحوالة أولى فإن مات المحيل أو المحتال فالأجل بحال وإن مات المحال عليه انبنى على حول الدين بالموت وفيه روايتان (الشرط الثالث) ان يحيل برضاه لان الحق
عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه ولا خلاف في هذا (فصل) ويعتبر لصحة الحوالة أن تكون بمال معلوم لأنها إن كانت بيعاً فلا يصح في مجهول وإن كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه لأنه لا يثبت في الذمة، ومن شرط الحوالة تساوي الدينين فأما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات كالمعدود والمذروع ففي صحة الحوالة به وجهان (أحدهما) لا يصح لأن المثل فيه لا يتحرر ولهذا لا يضمن بمثله في الإتلاف وهذا ظاهر مذهب الشافعي (والثاني) يصح ذكره القاضي لأنه حق ثابت في الذمة فاشبه ماله مثل ويحتمل أن يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقضي به قرض هذه الأموال فإن كان عليه إبل من الدية وله على آخر مثلها في السن فقال القاضي يصح لأنها تختص بأقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر القصات، وقال أبو الخطاب لا تصح في أحد الوجهين لأنها مجهولة ولأن الإبل ليست من المثليات التي تضمن بمثلها في الإتلاف فلا تثبت في الذمة سلماً في رواية، وإن كان عليه إبل في دية وله على آخر مثلها قرضاً فأحاله عليه فان قلنا يرد القرض قيمتها لم تصح الحوالة لاختلاف الجنس وإن قلنا يرد مثلها اقتضى قول القاضي صحة الحوالة
لأنه أمكن استيفاء الحق على صفته من المحال عليه ولأن الخيرة في التسليم إلى من عليه الدية وقد رضي بتسليم ماله في ذمة المقترض فإن كانت بالعكس فاحتال المقرض بابل الدية لم يصح لأننا إن قلنا تجب القيمة في القرض فقد اختلف الجنس وإن قلنا يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك
(مسألة) (ولا يعتبر رضى المحال عليه ولارضى المحتال إن كان المحال عليه مليئا)
أما المحال عليه فلا يعتبر رضاه لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد افام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع اليه كالوكيل وإنما تعتبر الملاءة في رضى المحتال بقرض الملئ غير المعدوم قال الشاعر: تطيلين لياني وأنت مليئة وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا يعني قادرة على وفائي قال أحمد في تفسير الملئ أن يكون مليئاً بماله وقوله وبدنه فمتى أحيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال عليه القبول ولم يعتبر رضاهما، وقال أبو حنيفة يعتبر رضاهما لأنه معاوضة فيعتبر الرضا من المتعاقدين، وقال مالك والشافعي يعتبر رضى المحتال لأن حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه كما لا يجوز أن يجبره على أن يأخذ بالدين عوضاً، فأما المحال عليه فقال مالك لا يعتبر رضاؤه إلا أن يكون المحتال عدوه وللشافعي في اعتبار رضاه قولان:
(أحدهما) يعتبر وهو يحكي عن الزهري لأنه أحد من تتم به الحوالة فأشبه المحيل (والثاني) لا يعتبر لأنه أقامه في القبض مقام نفسه فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق كالتوكيل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع، ولأن للمحيل أن يوفي الحق
الذي عليه بنفسه وبوكيله وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض قلزم المحتال القبول كما لو وكل رجلاً في إيفائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضا لأنه يعطيه غير ما وجب له فلم يلزمه قبوله وإن لم يكن المحال عليه مليئاً لم يلزمه أن يحتال لمفهوم الحديث ولأن عليه ضرراً في ذلك فلم يلزمه كما لو بذل له دون حقه في الصفة (ففصل) فإن شرط المحتال ملاءة المحال عليه فبان معسراً رجع على المحيل وبه قال بعض الشافعية وقال بعضهم لا يرجع لأن الحوالة لا ترد بالإعسار إذا لم يشترط الملاءة فلا ترد به وإن شرط كما لو شرط كونه مسلماً ويفارق البيع فإن الفسخ يثبت بالإعسار فيه من غير شرط بخلاف الحوالة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولأنه شرط ما فيه مصلحة العقد في عقد معاوضة فيثبت الفسخ بفواته كما لو شرط صفة في المبيع وقد يثبت بالشرط مالا يثبت بإطلاق العقد بدليل إشتراط صفة في المبيع.
(مسألة) (وإن ظنه مليئاً فبان مفلساً ولم يكن رضي بالحوالة رجع عليه وإلا فلا ويحتمل أن يرجع)
أما إذا لم يرض المحتال بالحوالة ثم بأن المحال عليه مفلساً أو ميتاً رجع على المحيل بغير خلاف، ولا يلزمه الإحتيال على غير الملئ لما عليه فيه من الضرر وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الحوالة على الملئ، وإن كان رضي بالحوالة لم يرجع لأنه رضي بدون حقه ويحتمل أن يرجع لان الفلس عيب في الذمة فاشبه مالو اشترى شيئاً يظنه سليما فبان معيبا.
(مسألة) (وإذا أحال المشتري البائع بالثمن أو أحال البائع عليه به فبان البيع باطلاً فالحوالة باطلة) مثل أن يشتري عبداً فيحيل المشتري البائع بالثمن ثم يظهر العبد حرا وأو مستحقاً فالبيع باطل والحوالة باطلة لأنا تبينا أن لاثمن على المشتري وكذلك إن أحال البائع على المشتري أجنبياً بالثمن متى بطل البيع بطلت الحوالة لذلك والحرية إنما ثبتت ببينة أو اتفاقهم فإن اتفق المحيل والمحال عليه على حريته وكذبهما المحتال ولابينة بذلك لم يقبل قولهما عليه لأنهما يبطلان حقه فأشبه ما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حراً لم يقبل قولهما على المشتري الثاني وإن أقاما بينه لم تسمع لأنهما
كذباها بدخولهما في التبايع، وإن أقام العبد بينة بحريته قبلت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال وادعى ان الحوالة بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل صحة الحوالة وهما يدعيان بطلانها فكان جنبته أقوى فإن أقام البينة أن الحوالة كانت بالثمن قبلت لأنهما لم يكذباها، وإن اتفق المحيل والمحتال على حرية العبد وكذبهما المحال عليه لم يقبل قولهما عليه في حرية العبد لأنه اقرار على غيرهما وتبطل
الحوالة لاتفاق المرجوع عليه بالدين والراجع به على استحقاق الرجوع والمحال عليه يعترف للمحتال بدين لا يصدقه فيه فلا يأخذ منه شيئاً، وإن اعترف المحتال والمحال عليه بحرية العبد عتق لإقرار من هو في يده بحريته وبطلت الحوالة بالنسبة إليهما ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لأن دخوله معه في الحوالة اعتراف ببراءته فلم يكن له الرجوع عليه (مسألة) (فإن العقد بعيب أو إقالة لم تبطل الحوالة) يعني إذا فسخ العقد بعيب أو إقالة بعدا لقبض فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن فقد برئ المحال عليه لأنه قبض منه بإذنه ويرجع المشتري على البائع فإن كان ذلك قبل القبض فقال القاضي تبطل الحوالة ويعود المشتري إلى ذمة المحال عليه ويبرأ البائع فلا يبقى له دين ولا عليه لأن الحوالة بالثمن وقد سقط بالفسخ، ويجب أن تبطل الحوالة لذهاب حقه من المال المحال به، وقال أبو الخطاب لا تبطل في أحد الوجهين لأن المشتري عوض البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه ونقل حقه اليه نقلا صحيحا وبرئ من الثمن ويرئ المحال عليه من دين المشتري فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الأول كما لو أعطاه بالثمن ثوباً وسلمة اليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب كذا ههنا، فإن قلنا ببطلان الحوالة رجع المحيل على المحال عليه بدينه ولم يبق بينهما وبين البائع معاملة وإن قلنا لا تبطل رجع المشتري على البائع بالثمن ويأخذه البائع من المحال عليه وإن كانت المسألة بحالها لكن أحال البائع أجنبياً بالثمن على المشتري ثم رد البعد المبيع ففي الحوالة وجهان:
(أحدهما) لا تبطل لأن ذمة المشتري برئت بالحوالة من حق البائع وصار الحق عليه للمحتال فأشبه مالو دفعه المشتري الى المحيل فعلى هذا يرجع المشتري على البائع بالثمن ويسلم للمحتال ما أحاله به (والثاني) تبطل الحوالة إن كان الرد قبل القبض لسقوط الثمن الذي كانت الحوالة به ولا فائدة في بقاء الحوالة فيعود البائع بدينه ويبرأ المشتري منهما كالمسألة قبلها (مسألة) (وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى وللمشتري أن يحيل المتحال عليه على البائع في الثانية) إذا قلنا إن الحوالة لا تبطل وبحتمل أن تبطل إذا لم يكن قبضها وقد ذكرناه (فصل) إذا أحال رجلاً على زيد بألف فأحاله زيد بها على عمرو فالحوالة صحيحة لأن حق الثاني ثابت مستقر في الذمة فصح ان يحيل به كالا ول وهكذا لو أحال الرجل عمراً على زيد بما يثبت له في ذمته صح أيضاً لما ذكرنا وتكرر المحتال والمحيل لا يضر
(مسألة) (وإذا قال أحلتك قال بل وكلتني أو قال وكلتك قال بل احلتني فالقول قول مدعي الوكالة)
إذا كان لرجل دين على آخر فأذن لرجل في قبضه ثم اختلفا فقال احلتك بدينك قال بل وكلتني وديني باق في ذمتك أو قال وكلتك في قبض ديني بلفظ التوكيل قال بل احلتني
بلفظ الحوالة فالقول قول مدعي الوكالة مع يمينه لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله والأصل معه فإن كان لأحدهما بينة حكم بها لأن اختلافهما في اللفظ وهو مما يمكن إقامة البينة عليه
(مسألة) (وإذا اتفقا على أنه قال أحلتك بالمال الذي قبل زيد ثم اختلفا فقال المحيل إنما وكلتك في القبض لي وقال الآخر بل أحلتني بديني عليك فالقول قول مدعي الحوالة في أحد الوجهين) لأن الظاهر معه فإن اللفظ حقيقة في الحوالة دون الوكالة فيجب حمل اللفظ على ظاهره كما لو اختلفا في دار في يد أحدهما (والثاني) القول قول المحيل لأن الأصل بقاء حق المحيل على المحال عليه والمحتال يدعي نقله والمحيل ينكره والقول قول المنكر.
فعلى الوجه الأول يحلف المحتال ويثبت حقه في ذمة المحال عليه ويستحق مطالبته ويسقط عن المحيل، وعلى الوجه الثاني يحلف المحيل ويبقى حقه في ذمة المحال عليه، وعلى كلا الوجهين إن كان المحتال قد قبض من المحال عليه وتلف في يده فقد برئ كل واحد منهما من صاحبه ولا ضمان عليه سواء تلف بتفريط أو غيره لأنه إن تلف بتفريط وكان المحتال محقاً فقد أتلف ماله وإن كان مبطلاً ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر ما في ذمته له فيتقاصان ويسقطان وإن تلف بغير تفريط فالمحتال يقول قد قبضت حقي وتلف في يدي وبرئ منه المحيل بالحوالة والمحال عليه بتسليمه والمحيل يقول قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط فلا ضمان عليه وإن لم يتلف احتمل أن لا يملك المحيل طلبه لأنه معترف أن له عليه من الدين مثل ماله في يده وهو مستحق لقبضه فلا فائدة في أن يقبضه منه ثم يسلمه اليه ويحتمل أن يملك أخذه منه ويملك المحتال مطلبته بدينه وقيل يملك المحيل أخذه منه ولا يملك المحتال
المطالبة بدينه لا عترافه ببراءة المحيل منه بالحوالة وليس بصحيح لأن المحتل إن اعترف بذلك فهو يدعي أنه قبض هذا المال منه بغير حق وإنه لا يستحق المطالبة به فعلى كلا الحالين هو مستحق للمطالبة بمثل هذا المال المقبوض منه في قولهما جميعاً فلا وجه لا سقاطه ولا موضع للبينة في هذه المسألة لأنهما لا يختلفان في لفظ يسمع ولا فعل يرى وإنما يدعي المحيل نيته وهذا لا تشهد به البينة نفياً ولا إثباتاً.
(فصل) فإن قال احلتك بدينك قال بل وكلتني ففيهما وجهان أيضاً لما قدمنا فإن قلنا القول قول المحيل فحلف برئ من حق المحتال وللمحتال قبض المال من المحال عليه لنفسه لأنه يجوز ذلك بقولهما معاً فإذا قفبضه كان له بحقه، وإن قلنا القول قول المححتال فحلف كان له مطالبة المحيل بحقه ومطالبة المحتال عليه لأنه إما وكيل أو محتال، فإن قبض منه قبل أخذه من المحيل فله أخذ ما قبض لنفسه لأنه يجوز ذلك لأن المحيل يقول هو لك والمحتال يقول هو أمانة في يدي ولي مثله على صاحبه وقد أذن له في أخذه ضمناً فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه ولم يأخذ من المحيل شيئاً، وإن استوفى من المحيل، دون المحال عليه رجع المحيل على المحال عليه في أحد الوجهين لأن الوكالة قد ثبتت بيمين المحتال وبقي في ذمة المحال عليه للمحيل (والثاني) لا يرجع عليه لأنه يعترف أنه قد برئ من حقه وإنما
المحيل ظلمه بأخذ ما كان عليه، قال القاضي والأول أصح وإن كان قد أخذ الحوالة فتلفت في يده بتفريط أو أتلفها سقط حقه وجهاً واحداً لأنه إن كان محقاً فقد أتلف حقه وإن كان مبطلاً فقد أبطل مثل دينه فيثبت في ذمته فيتقاصان وإن تلف بغير تقريطه فعلى الوجه الأول يسقط حقه أيضاً لأن ماله تلف تحت يده وعلى الثاني له أن يرجع على المحيل بحقه وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه لأنه يقر ببرأته
(مسألة) (وإن قال احتلك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجهاً واحداً) إذا اتفقا على أنه قال احتلك بدينك ثم اختلفا فالقول قول مدعي الحوالة وجهاً واحداً لأن الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة فلم يقبل قول مدعيها وسواء اعترف المحيل بدين المحتال أو قال لادين لك علي لأن قوله أحتلك بدينك اعتراف بدينه فلا يقبل جحده بعد ذلك فأما إن لم يقل بدينك بل قال أحلتك ثم قال ليس لك علي دين وإنما أردت التوكيل بلفظ الحوالة أو قال أردت أن أقول وكلتك فسبق لساني فقلت أحلتك وادعى المحتال أنه حوالة بدينه وإن دينه كان ثابتاً على المحيل فهل هو اعتراف بالدين أولاء فيه وجهان سبق توجيهما (فصل) وإن كان لرجل دين على آخر فطالبه به فقال قد أحلت به علي فلاناً الغائب وأنكر صاحب الدين فالقول قوله مع يمينه فإن كان لمن عليه الدين بينة بدعواه سمعت بينته لإسقاط حق المحيل عليه، وإن ادعى رجل ان فلانا الغائب أحالني عليك فأنكر المدعي عليه فالقول قوله فإن اقام المدعي بينه ثبتت في حقه وحق الغائب لأن البينة يقضي بها على الغائب ولزم الدفع الى المحتال، وإن لم يكن له بينة فأنكر الندعى عليه فهل يلزمه اليمين؟ فيه وجهان بناء على مالو اعترف له هل يلزمه الدفع على وجهين (أحدهما) يلزمه الدفع إليه لأنه لا يأمن إنكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط لنفسه كما لو ادعى أني وكيل فلان في قبض دينه منك فصدقه وقال لا أدفعه اليك فإذا قلنا يلزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار فإذا حلف برئ ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لإعترافه ببراءته وكذلك إن قلنا لا يلزمه اليمين فليس للمحتال الرجوع على المخيل، ثم ينظر في المحيل فإن صدق المدعي في أنه أحاله ثبتت الحوالة لأن رضا المحال عليه لا يعتبر وإن أنكر الحوالة حلف وسقط حكم الحوالة فإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضي عليك بالنكول واستوفى الحق منه ثم إن المحيل صدق المدعي فلا كلام وإن أنكر الحوالة فالقول قوله وله أن يستوفي من المحال عليه لأنه معترف له بالحق ويدعي أن المحتال ظلمه وببقى دين المحتال على المحيل فإن أنكر المحيل أن له عليه دينا فالعقول قوله بغير يمين لأن المحتال يقر ببراءته منه لا يستيفائه من المحال عليه وإن كان المحيل
يعترف به لم يكن للمحتال المطالبة به لأنه يقر أنه قد برئ منه بالحوالة والمحيل يصدق المحال عليه في كون المحتال قد ظلمه واستوفى منه بغير حق والمحتال يزعم ان المحيل قذ أخذ منه ايضاً بغير حق وإنه يجب عليه أن يرد ما أخذ منه إليه فينبغي أن يقبضها المحتال ويسلمها الى المحال عليه أو يأذن للمحيل في ذفعها الى المحال عليه وإن صدق المحال عليه المحتال في الحوالة ودفع اليه فأنكر المحيل الحوالة حلف ورجع على المحال عليه، والحكم في الرجوع بما على المحيل من الدين على ما ذكرنا في التي قبلها (فصل) فإن كان عليه ألف ضمنه رجل فأحال الضامن صاحب الدين به برئت ذمته وذمة المضمون عنه لأن الحوالة كالتسليم ويكون الحكم ههنا كالحكم فيما لو قضى عنه الدين على ما ذكرنا فإن كان الألف على رجلين على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد كفيل عن الآخر بذلك فأحاله أحدهما بالألف برئت ذمتهما معا كما لو قضاها وإن أحال ضاحب الألف رجلاً على أحدهما بعينه صحت الحوالة لأن الدين على كل واحد منهما مستقر، وإن أحال عليهما جميعاً ليستوفي منهما أو من أيهما شاء صحت الحوالة أيضاً عند القاضي لأنه لا فضل ههنا في نوع ولا أجل ولا عدد وإنما هو زيادة استيثاق فلم فلم يمنع ذلك صحة الحوالة كحوالة المعسر على الملئ، وقال بعض الشافعية لا تصح الحوالة لأن الفضل قد دخلها فإن المحتال ارتفق بالتخيير الاستيفاء من أيهما شاء فأشبه مالو أحاله على رجلين له على كل واحد منهما ألف ليستوفي من أيهما شاء والأول أصح، والفرق وبين هذه المسألة وبين ما إذا
أحاله بألفين أنه لا فضل بينهما في العدد ههنا وثم تفاضلا ولأن الحوالة ههنا بألف معين وثم الحوالة بأحدهما من غير تعيين وإنه إذا قضاه أحدهما الألف فقد قضاه جميع الدين وثم إذا قضى أحدهما بقي ما على الآخر ولو لم يكن كل واحد من الرجلين ضامناً عن صاحبه فأحال عليهما حصت الحوالة بغير إشكال لأنه لما كان له أن يستوفي الألف من واحد كان له أن يستوفي من اثنين كالوكلين
باب الضمان
وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت في ذمتهما جميعاً ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واستقاقه من الضم وقيل من التضمين لأن ذمة الضامن تتضمن الحق، والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
اما اكتاب فقوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم والزعيم الكفيل قاله بان عباس.
وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الزعيم غارم) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، وأجمع المسلمون على الضمان في الجملة واختلفوا في فروع تذكر إن شاء الله تعالى، يقال ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير بمعنى واحد ولا بد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له.
(مسألة) (ولصاحب لحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت) وجملة ذلك أن المضمون عنه لا يبرأ بنفس الضمان كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض بل يثبت