رام بالزنا لم يأت بأربعة شهداء فيجب عليه الحد كما لو لم يأت بأحد (مسألة) (وإن كانوا افساقا أو عمياناً أو بعضهم فعليهم الحد وعنه انه لاحد عليهم) إذا كانوا اربعة غير مرضيين كالعبيد والفساق والعميان ففيهم ثلاث روايات (إحداهن) عليهم الحد وهو قول مالك قال القاضي وهو الصحيح لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو لم يكمل العدد (والثانية) لا حد عليهم وهو قال الحسن والشعبي وابي حنيفة ومحمد لأن هؤلاء قد جاءوا بأربعة شهداء فدخلوا في عموم الآية ولأن عددهم قد كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم ولا فسقهم (الثالث) إن كانوا عمياناً أو بعضهم جلدوا وإن كانوا عبيداً أو فساقاً فلا حد عليهم وهو قول الثوري واسحاق لأن العميان معلوم كذبهم لكونهم شهدوا بما لم يروه يقينا والآخرون يجوز صدقهم وقد كمل عددهم فأشبهوا مستوري الحال.
وقال أصحاب الشافعي إن كان رد الشهادة لمعنى ظاهر كالعمى والرق والفسق الظاهر ففيهم قولان وإن كان لمعنى خفي فلا حد عليهم لأن ما يخفى يخفى على الشهود فلا يكون ذلك تفريطاً منهم بخلاف ما يظهر، فان شهد ثلاثة رجال وامرأتان حد الجميع لأن شهادة النساء في هذا الباب كعدمها وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وهذا يقوي رواية إيجاب الحد على الأولين وينبه على إيجاب الحد فيما إذا كانوا عمياناً أو بعضهم لأن المرأتين يحتمل صدقهما وهما من أهل الشهادة في الجملة والأعمى كاذب يقيناً وليس من أهل الشهادة على الأفعال فوجوب الحد عليهم وعلى من معهم أولى
(مسألة) (وإن كان أحدهم زوجا حد لثلاثة ولاعن الزوج إن شاء) لأن الزوج لا تقبل شهادته على امرأته لأنه بشهادته مقر بعداونه لها فلا تقبل شهادته عليها فيبقى الشهود ثلاثة فيحدون كما يحد شهود المغيرة بن شعبة ولأن الله سبحانه قال (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (مسألة) (وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد واثنان أنه زنا بها في بيت أو بلد آخر فهم فذفة وعليهم الحد وعنه يحد المشهود عليه وهو بعيد) وجملة ذلك أنه إذا شهد اثنان أنه زنا بها في هذا البيت واثنان أنه زنا بها في بيت آخر وشهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد صاحباهما أو اختلفوا في اليوم فالجميع قذفة وعليهم الحد وبهذا قال مالك والشافعي، واختار أبو بكر: أنه لا حد عليهم وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنهم كملوا أربعة ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنا واحد فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان وأما المشهود عليه فلا حد عليه في قولهم جميعاً، وقال أبو بكر عليه الحد، وحكاه قولا لأحمد وهو بعيد لأنه لم يثبت زنا واحد بشهادة أربعة فلم يجب الحد ولأن جميع ما يعتبر له البينة يعتبر كمالها في حق واحد فالموجب للحد اول لأنه مما يحتاط له ويدرء بالشبهات وقد قال أبو بكر أنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء وشهد اثنان انه زنا بسوداء فهم قذفة ذكره القاضي وهذا ينقض قوله (مسألة) وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد اثنان أنه زنى بها في زواية منه أخرى كملت شهادتهم إن كانت الزاويتان متقاربتين وحد المشهود عليه)
وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه لأن شهادتهم لم تكمل ولانهم اختلفو في المكان أشبه ما لو اختلفا في البيتين، فأما إن كانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول في البيتين وعلى قول أبي بكر تكمل الشهادة سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا
ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى أو ينسبه كل اثنين الى إحدى الزوايتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلاً واحداً، فإن قيل فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين فلم أوجبتهم الحد مع الاحتمال والحد يدرأ بالشبهات، قلنا ليس هذا شبهة بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد فان هذا يحتمل فيه والحد واجب والقول في الزمان كالقول في هذا متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم ومتى تقاربا كملت شهادتهم.
(مسألة) (وإن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد آخران أنه زنى بها في قميص أحمر كملت شهادتهم ويحتمل أن لا تكمل كما لو شهد كل اثنان أنه زنى بها في بيت غير الذي شهد به صاحباهما) وكذلك إن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص كتان أو شهد إثنان أنه زنى بها في قميص خز تكمل الشهادة، وقال الشافعي لا تكمل لتنافي الشهادتين.
ولنا أنه لا تنافي بينهما فإنه يمكن أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين واحداً وتركا ذكر الآخر ويمكن أن يكون عليه قميص أبيض وعليها قميص أحمر وإذا أمكن التصديق لم يجز التكذيب.
(مسألة) (وإن شهد أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة فلا حد عليها إجماعاً، لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد وفي الرجل وجهان.
(أحدهما) لا حد عليه وهو قول أبي بكر والقاضي وأكثر الأصحاب وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، لأن البينة لا تكمل على فعل واحد فان فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين وذلك يمنع قبول الشهادة أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن أن يكون كل واحد منهما مكذبا للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما ومكرهة في الآخر وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها ولا تكمل البينة عليها فلا تقبل شهادتهم على غيرها والوجه الثاني يجب الحد على الرجل اختاره أبو الخطاب وهو قول أبي يوسف ومحمد ووجه ثان
للشافعي، لأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله فلا يمنع كمال الشهادة عليه.
(مسألة) (وهل يحد الجميع أو شاهد المطاوعة؟ على وجهين) في الشهود ثلاثة أوجه (أحدها) لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم (والثاني) عليهم الحد لأنهم شهدوا بالزنا فلم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم (والثالث) يجب الحد على شاهدي المطاوعة لأنهما قذفا المرأة بالزنا فلم تكمل شهادتهما عليها ولا يجب على شاهدي الاكراه لأنهما لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهم على الرجل وإنما انتفى عنه الحد للشبهة وعند أبي الخطاب يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود وقد ذكرناه.
(مسألة) (وإن شهد أربعة فرجع احدهم فلا شئ على الراجع ويحد الثلاثة وإن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة ويغرم الرابع ربع ما أتلفوه) .
وجملة ذلك أن الشهود إذا رجعوا عن الشهادة أو واحد منهم ففيهم روايتان (إحداهما) يجب الحد على الجميع لأنه نقص عدد الشهود فلزمهم الحد كما كانوا ثلاثة وإن رجعوا كلهم فعليهم الحد لأنهم يقرون أنهم قذفة، وهو قول أبي حنيفة (والثانية) يحد الثلاثة دون الراجع اختارها أبو بكر وابن حامد لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله فيسقط عنه الحد لأن في درء الحد عنه تمكيناً له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة الشهود وفي إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد فتفوت تلك المصلحة وتتحقق المفسدة فناسب ذلك نفي الحد عنه، وقال الشافعي يحد الراجع دون الثلاثة لأنه أقر على نفسه بالكذب في قذفه وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الرابع ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفا فلم يحد كما لو لم يرجع أحد.
ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة وقولهم وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم وبالراجع وحده فان الحد وجب ثم
سقط ووجب الحد بسقوطه ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه باسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه واحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف فعلى غيره أولى فأما إن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة لأن إقامة الحد كحكم الحاكم الحاكم لا تسقط برجوع الشاهد بعده وعلى الراجع ربع ما تلف بشهادتهم ويذكر ذلك في الرجوع عن الشهادة إن شاء الله تعالى.
(فصل) وإذا ثبتت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه لم يسقط الحد وقال أبو حنيفة يسقط لأن صحة البينة يشترط لها الإنكار وما كمل بالاقرار.
ولنا قول الله (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا)
وبين النبي صلى الله عليه وسلم (السبيل بالحد فتجب إقامته ولأن البينة تمت عليه فوجب الحد كما لو لم يعترف ولأن البينة أحد حجتي الزنا فلم تبطل بوجود الحجة الأخرى وبعضها كالاقرار يحققه أن وجود الاقرار يؤكد البينة ويوافقها ولا ينافيها فلا يقدح فيها كتزكية الشهود والثناء عليهم ولا نسلم اشتراط الانكار وإنما يكتفى بالإقرار في غير الحد إذا وجد بكماله وههنا لم يكمل فلم يجب الإكتفاء به ووجب سماع البينة والعمل بها وعلى هذا لو أقر مرة أو دون الأربع لم يمنع ذلك سماع البينة عليه ولو تمت البينة وأقر على نفسه إقراراً تاماً ثم رجع عن إقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه وقوله يقتصي خلاف ذلك (فصل) فإن شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البينة ولم يجب الحد لا نعلم في ذلك خلافاً بين من اعتبر اقرار اربع مرات وهو قول أصحاب الرأي لأن احدى الحجتين لم تكمل ولا تلفق إحداهما بالأخرى كاقرار بعض مرة.
(فصل) فان كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا جاز الحكم بها وإقامة الحد، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقام الحد لجواز أن يكونوا رجعوا وهذا شبهة تدرأ الحد ولنا أن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود جاز الحكم مع غيبتهم كسائر الشهادات واحتمال رجوعهم ليس بشبهة كما لو حكم بشادتهم.
(فصل) وان شهدوا بزنا قديم أو أقر به وجب الحد، وبهذا قال مالك والاوزاعي والثوري
واسحاق وأبو ثور وقال أبو حنيفة لا أقبل بينة على زنا قديم وأحده بالاقرار به وهذا قول ابن حامد وذكره ابن موسى مذهباً لأحمد لما روي عن عمر أنه قال أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا بحضرته فانما هم شهود ضغن ولأن تأخيره للشهادة إلى هذا الوقت يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد ولنا عموم الآية وانه حق ثبت على الفور فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق والحديث
مرسل رواه الحسن ومراسيل الحسن ليست بالقوية والتأخير يجوز أن يكون لعذر أو غيبة والحد لا يسقط بمجرد الاحتمال فانه لو سقط بكل احتمال لم يجب حد أصلا.
(فصل) وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع لا نعلم فيه اختلافاً ونص عليه أحمد واحتج بقصة أبي بكرة حيث شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى وشهد الجارود وصاحبه على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه دعوى، ولأن الحد حق لله تعالى لم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى كسائر العبادات يبينه ان الدعوى في سائر الحقوق إنما تكون من المستحقين وهذا لا حق فيه لأحد من الآدميين فيدعيه فلو وقفت الشهادة به على الدعوى لامتنع إقامتها (مسألة) (وإن شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا الشهود نص عليه) وبهذا قال الشعبي والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال مالك عليها الحد، لأن شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود فلا يسقط بشهادتهن ولنا أن البكارة تثبت بشهادة النساء ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا لان الزنا لا يحصل بدون الايلاچ في الفرج ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة لأن البكر هي التي لم توطأ في قبلها وإذا انتفى الزنا لم يجب الحد كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب وإنما لم يجب الحد على الشهود لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم بأنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم غير موجب له عليها فإن الحد لا يجب بالشهات ويكتفى بشهادة امرأة واحدة لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال فأما إن شهدت بأنها رتقاء أو ثبت أن الرجل المشهود عليه
مجبوب فينبغي أن يجب الحد على الشهود لأنه يتيقن كذبهم في شهادتهم بأمر لا يعلمه كثير من الناس فوجب عليهم الحد.
(مسألة) (وإن شهد أربعة أنه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه وهل يحد الشهود الأولون حد الزنا؟ على روايتين) (إحداهما) لا يجب الحد على واحد منهم، وهذا قول أبي حنيفة لأن الأولين قد جرحهم الآخرون بشهادتهم عليهم والآخرون تتطرق اليهم التهمة (والثانية) يجب الحد على الشهود الأولين اختارها أبو الخطاب لأن شهادة الآخرين صحيحة فيجب الحكم بها، وهذا قول أبي يوسف وذكر أبو الخطاب في صدر المسألة كلاما معناه لا يحد أحد منهم حد الزنا وهل يحد الاولون حدالقذف؟ على وجهين بناء على القاذف إذا جاء مجئ الشاهد هل يحد على روايتين (فصل) وكل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له بقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) ويدخل فيه اللواط ووطئ المرأة في دبرها لأنه زنا وعند أبي حنيفة يثبت بشهاهدين بناء على أصله بأنه لا يوجب الحد وقد بينا وجوب الحد به ويخص هذا بأن الوطئ في الدبر فاحشة بدليل قوله تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟ وقال تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) فاذا وطئت في الدبر دخلت في عموم الآية.
واما وطئ البهيمة إن قلنا بوجوب الحد به لم يثبت إلا بشهود أربعة، وإن قلنا لا يوجب الا التعزير ففيه وجهان: (أحدهما) يثبت بشاهدين لأنه لا يوجب الحد فيثبت بشاهدين كسائر الحقوق (والثاني) لا يثبت الا بأربعة وهو قول القاضي لانه فاحشة ولأنه إيلاج في فرج محرم فأشبه الزنا وعلى قياس هذا كل وطئ يوجب التعزير ولا يوجب الحد كوطئ الأمة المشتركة وأمته المزوجة فإن لم يكن وطئاً كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين وجهاً واحداً لأنه ليس بوطئ أشبه سائر الحقوق
(مسألة) (وإن حملت امرة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده لكنها تسأل فان ادعت أنها أكرهت ووطئت بشبهة أو لم تعرف بالزنا لم تحد) وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك عليها الحد إذا كانت مقيمة غير غريبة إلا أن تظهر إمارات الإكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة لقول عمر رضي الله عنه والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً إذا قلعت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وروي أن عثمان أتي بامرأة ولدت لستة أشهر فأمر بها عثمان أن ترجم فقال علي ليس لك عليها سبيل.
قال الله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها، وعن عمر نحو من هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال أيها الناس إن الزنا زناآن زنا سر وزنا علانية فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمي وزنا العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف فيكون الامام أول من يرمي، وهذا قول سادة الصحابة لم يظهر لهم في عصرهم مخالف فيكون إجماعاً ولنا أنه يحتمل أنه من وطئ اكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات وقد قيل إن المرأة تحمل من غير وطئ بأن يدخل ماء الرجل في فرجها اما بفعلها أو فعل غيرها ولهذا تصور حمل البكر وقد وجد ذلك، وأما قول الصحابة فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد ثنا خلف بن خليفة ثنا أبو هشام أن امرأة رفعت الى عمر رضي الله عنه ليس لها زوج وقد حملت فسألها عمر فقالت إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد، وروى النوال بن سبرة عن عمر أنه أتي بامرأة حامل فادعت أنها أكرهت فقال خل سبيلها وكتب إلى أمراء الاجناد أن لا يقتل احد الا بإذنه، وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم
قالوا إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت ولا خلاف أن الحد يدرأ بالشبهات وهي متحققة ههنا (فصل) ويستحب للامام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالاقرار التعريض له بالرجوع إذا تم والوقوف عن اتمامه إذا لم يتم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعرض عن ماعز حين أقر عنده ثم جاءه من الناحية الأخرى فأعرض عنه حتى تمم إقراره أربعا ثم قال (لعلك قبلت لعلك لمست) وروي أنه قال للذي أقر بالسرقة (ما أخالك فعلت) رواه سعيد عن سفيان عن يزيد بن خصفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ثنا هشيم عن الحكم بن عتبة عن يزيد بن أبي كبشة عن أبي الدرداء أنه أتي بجارية سوداء سرقت فقال لها أسرقت قولي لا فقالت لا فخلى سبيلها، ولا بأس أن يعرض بعض الحاضرين بالرجوع أو بأن لا يقر وروينا عن الأحنف أنه كان جالساً عند معاوية فأتي بسارق فقال له معاوية أسرقت؟ فقال له بعض الشرطة اصدق الامير فقال الأحنف الصدق في كل المواطن معجزة فعرض له بترك الاقرار وروي عن بعض السلف أنه قال: لا يقطع ظريف يعني أنه إذا قامت عليه بينة ادعى شبهة فدفع عنه القطع فلا يقطع، ويكره لمن علم حاله أن يحثه على الاقرار لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهزال وقد كان قال لماعز بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل فيك قرآن (ألا سترته بثوبك كان خيراً لك؟) رواه سعيد وروى باسناده أيضاً عن سعيد بن المسيب قال جاء ماعز بن مالك إلى عمر بن الخطاب فقال له إنه أصاب فاحشة فقال له أخبرت بهذا أحداً قبلي؟ قال لا قال فاستر يستر الله وتب إلى الله فان الناس يعيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يعير فتب الى الله ولا تخبر به أحداً فانطلق إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال عمر فلم تقره نفسه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك
(باب القذف) وهو الرمي بالزنا وهو محرم باجماع الامة والأصل في تحريمه الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون) وقال سبحانه (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: وما هن يارسول الله؟ قال (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله واكل الرابا وأكل
مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات) متفق عليه.
(مسألة) (ومن قذف حراً محصنا فعليه جلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حراً وأربعين إن كان عبداً وقذف غير المحصن يوجب التعزير) المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان (أحدها) العفائف وهو المراد ههنا.
(الثاني) بمعنى المزوجات كقوله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) وقوله تعالى (ومحصنات غير مسافحات) .
(والثالث) بمعنى الحرائر كقوله تعالى (فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) وقوله تعالى (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وقوله [فعليهن نصف ما على المحصنات] (والرابع) بمعنى الاسلام كقوله (فإذا أحصن) قال ابن مسعود إحصانها إسلامها.
وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصناً إذا كان القاذف مكلفاً
(مسألة) (والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله، وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين) فهذه الخمسة شروط الاحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديماً وحديثا سوى ماروي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد.
وقال ابن أبي موسى إذا قذف أم ولد رجل وله منها ولد حد.
وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالوا إذا قذف ذمية لها ولد مسلم يحد، وقال ابن أبي موسى إذا قذف مسلم ذمية تحت مسلم أو لها منه ولد حد في إحدى الروايتين، والأول أولى لأن ما لا يحد قاذفه إذا لم يكن له ولد لا يحد وله ولد كالمجنونة واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ فروي عنه أنه شرط وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنه أحد شرطي التكليف فأشبه العقل، ولأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد فلا يجب الحد بالقذف به كزنا المجنون (والثانية) لا يشترط لأنه حر عاقل عفيف يتعير بهذا القول الممكن صدقه فأشبه الكبير وهذا قول مالك واسحاق، فعلى هذه الرواية لابد أن يكون كبيراً يجامع مثله وأدناه
أن يكون للغلام عشر وللجارية سبع (فصل) ويجب بقذف المحصن ثمانون جلدة إذا كان القاذف حراً وأربعون إن كان عبداً كما ذكره وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصناً وان حده ثمانون إن كان حراً وقد دل عليه قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وإن كان القاذف عبداً فحده أربعون جلدة، وأجمعوا على وجوب الحد على العبد إذا قذف محصناً لدخوله في
عموم الآية وحده أربعون في قول أكثر العلماء فروي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا أربعين.
وروى خلاس ان عليا قال في عبد قذف حراً عليه نصف الحد، وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبداً قذف حراً ثمانين وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزيز عملا بعموم الآية، والصحيح الأول للاجماع المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم ولأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من حد الحر كحد الزنا وهذا يخص عموم الآية وقد عيب على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة ما رأيت أحداً جلد العبد ثمانين قبله وقال سعيد ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبداً في فرية ثمانين فأنكر ذلك من حضره من الناس وغيرهم من الفقهاء فقال لي عبد الله بن عامر بن ربيعة إني رأيت والله عمر بن الخطاب فما رأيت أحداً جلد عبداً في فرية فوق أربعين قال الخرقي ويكون بدون السوط الذي يجلد به الحر لأنه لما خفف في عدده خفف في سوطه كما أن الحدود في نفسها كلما قل منها كان سوطه أخف، وظاهر ما ذكره شيخنا أنه يكون بسوط الحر فيتساووا في الجلد ليتحقق التنصيف لأنه إنما يتحقق بذلك (مسألة) (وقذف غير المحصن يوجب التعزير فاذا قذف مشركاً أو عبداً أو مسلماً له دون عشر سنين أو مسلمة لها دون تسع أو من ليس بعفيف فعليه التعزير)
لأنه لما انتفى وجوب الحد عن القاذف وجب التأديب ردعا له عن أعراض المعصومين وكفاً له عن أذاهم (فصل) ويجب الحد على قاذف الخصي والمجبوب والمريض المدنف والرتقاء والقرناء.
وقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا حد على قاذف مجبوب.
قال إبن المنذر وكذلك الرتقاء.
وقال الحسن لا حد على قاذف الخصي لأن العار منتف على المقذوف بدون الحد للمسلم بكذب القاذف، والحد إنما يجب لنفي العار ولنا عموم قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) والرتقاء داخلة في عموم الآية ولأنه قاذف محصناً فيلزمه الحد كالقاذف للقادر على الوطئ ولان إمكان الوطئ أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد فيجب كقذف المريض (فصل) ويجب الحد على القاذف في غير دار الاسلام وبهذا قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي لا حد عليه لأنه في دار لا حد على أهلها.
ولنا عموم الآية ولأنه مسلم مكلف حر قذف محصنا فأشبه من في دار الإسلام (فصل) ويشترط لاقامة الحد على القاذف شرطان (أحدهما) مطالبة المقذوف لأنه حق له فلا يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه (الثاني) أن لا يأتي ببينة لقول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) الآية ولذلك يشترط عدم إقرار المقذوف لأنه في معنى البينة.
وإن كان القادف زوجا اعتبر شرط آخر وهو امتناعه من اللعان، ولا نعلم في هذا كله خلافاً ويعتبر استدامة
الطلب إلى إقامة الحد فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال الحسن وأصحاب الرأي لا يسقط بعفوه لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود ولنا أنه حد لا يستوفى إلا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص.
وفارق سائر الحدود فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، فأما حد السرقة فإنما يعتبر فيه المطالبة بالمسروق لا استيفاء الحد ولأنهم قالوا تصح دعواه ويستحلف فيه ويحكم الحاكم فيه بعلمه ولا يقبل رجوعه بعد الاعتراف فدل على أنه حق لآدمي (فصل) وإذا قلنا بوجوب الحد بقذف من لم يبلغ لم تجز إقامته حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه
لأن مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحد لعدم اعتبار كلامه وليس لوليه المطالبة عنه لأنه حق شرع للتشفي فلم يقم غيره مقامه في استيفائه كالقصاص فاذا بلغ وطالب اقيم حينئذ، ولو قذف غائباً لم يقم عليه الحد حتى يقدم ويطالب إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته، ويحتمل أن لا تجوز إقامته في غيبته بحال لأنه يحتمل أن يعفو بعد المطالبة فيكون ذلك شبهة في درء الحد لكونه يندرئ بالشبهات، ولو جن المقذوف بعد قذفه وقبل طلبه لم تجز إقامته حتى يفيق ويطالب وكذلك إن اغمي عليه فإن كان قد طالب به قبل جنونه وإغمائه جازت اقامته كما لو وكل في استيفاء القصاص ثم جن أو أغمي عليه قبل استيفائه (فصل) وإذا قذف ولده لم يجب عليه الحد وإن نزل سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة وبهذا
قال الحسن وعطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو ثور وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنا ولنا أنه عقوبة تجب حقاً لآدمي فلا تجب للولد على الوالد كالقصاص أو نقول أنه حق لا يستوفى إلا بالمطالبة باستيفائه فأشبه القصاص ولأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يجب للابن على أبيه كالقصاص ولأن الابوة معنى يسقط القصاص فمنعت الحد كالكفر وبهذا خص عموم الآية، ثم ما ذكروه ينتقض بالسرقة فان الأب لا يقطع بالسرقة من مال ابنه، والفرق بين القذف والزنا أن حد الزنا خالص لحق الله تعالى لا حق للآدمي فيه وحد القذف حق لآدمي فلا يثبت للابن على أبيه كالقصاص وعلى أنه لو زنى بجارية ابنه لم يجب عليه حد إذا ثبت هذا فإنه لو قذف أم ابنه وهي أجنبية منه فماتت قبل استيفائه لم يكن لابنه المطالبة لأن ما منع ثبوته ابتداء أسقطه طارئاً كالقصاص فان كان لها ابن آخر من غيره كان له استيفاؤه إذا ماتت بعد المطالبة به لأن الحد يملك بعض الورثة استيفاءه كله بخلاف القصاص وأما قذف سائر الأقارب فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعاً (مسألة) (وإن قال زنيت وانت صغيرة وفسره بصغر عن تسع لم يحد والا خرج على روايتين) أما إذا فسره بصغر عن تسع سنين فانه لا يحد فإنه لا يجب بقذفها الحد على ما ذكرنا وكذلك
إن قذف صغيراً له دون عشر سنين وإن لم يفسره بذلك وفسره بما زاد عليه خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ فان قلنا هو شرط في الإحصان لم يحد وعليه التعزير وإن قلنا ليس بشرط لزمه الحد كالبالغ لأنه قذف محصناً (فصل) فان اختلف القاذف والمقذوف فقال القاذف كنت صغيراً حين قذفتك وقال المقذوف كنت كبيراً فذكر القاضي أن القول قول القاذف لأن الاصل الصغر وبراءة الذمة من الحد فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه وكانتا مطلقتين أو مؤرختين تاريخين مختلفين فهما قذفان موجب أحدهما التعزير والآخر الحد وإن ثبنتا تاريخاً واحداً وقالت إحداهما وهو صغير وقالت الأخرى وهو كبير تعارضتا وسقطتا وكذلك لو كان تاريخ بينة المقذوف قبل تاريخ بينة القاذف (مسألة) وإن قال لحرة مسلمة زنيت وانت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد) إذا قال زنيت إذ كنت مشركا أو إذ كنت رقيقاً فقال المقذوف ما كنت رقيقاً ولا مشركا نظرنا فإن ثبت أنه كان مشركا أو رقيقاً فهي كالتي قبلها وإن ثبت أنه لم يكن كذلك فعليه الحد لأنه يعلم كذبه في وصفه بذلك، وإن لم يثبت واحد منهما وجب عليه الحد في إحدى الروايتين، لأن الأصل عدم الشرك والرق ولأن الأصل الحرية وإسلام أهل دار الاسلام (والثانية) لا يجب لأن الأصل براءة ذمته، وأما اذا قال زنيت وانت مشرك فقال المقذوف اردت قذفي بالزنا والشرك معا وقال القاذف بل أردت قذفك بالزنا إذ
كنت مشركا فقال أبو الخطاب القول قول القاذف وهو قول بعض الشافعية لأن الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وقوله وأنت مشرك مبتدأ وخبر وهو حال لقوله زنيت كقوله تعالى (إلا استموه وهم يلعبون) وقال القاضي: يجب الحد وهو قول بعض الشافعية لأن قول زنيت خطاب في الحال والظاهر أنه أراد زناه في الحال وهكذا إن قال زنيت وانت عبد، فأما إن قال زنيت وقال اردت أنه زنى وهو مشرك فقال الخرقي جيب عليه الحد، وكذلك إن كان عبداً لأنه قذفه في حال كونه حراً مسلماً محصناً وكذلك يقتضي وجوب الحد عليه لعموم الآية ووجود المعنى، فإذا ادعى ما يسقط
الحد عنه لم يقبل منه كما لو قذف كبيراً ثم قال أردت أنه زنى وهو صغير، فأما إن قال زنيت في شركك أو وأنت مشرك ففيه وجهان (أحدهما) لا حد عليه وهو قول الزهري وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى وعن مالك أنه يحد وهو قول الثوري لأن القذف وجد في حال كونه محصناً.
ووجه الأول أنه أضاف القذف الى حال ناقصة أشبه مالو قذفه في حال الشرك ولأنه قذفه بما لا يوجب الحد على المقذوف أشبه مالو قذفه بالوطئ دون الفرج، وهكذا الحكم لو قذف من كان رقيقاً، فان قال زنيت وانت صبي أو صغير سئل عن الصغر فإن فسره بما لا يجامع مثله ففيها الوجهان، وإن فسره بصغر يجامع في مثله خرج على الروايتين في اشتراط البلوغ للاحصان (فصل) وإن قذف مجهولاً وادعى أنه رقيق أو مشرك وقال المقذوف بل أنا حر مسلم
فالقول قوله، وقال أبو بكر القول قول القاذف في الرق لأن الأصل براءة ذمته من الحد وهو يدرأ بالشبهات وما ادعاه محتمل فيكون شبهة وعن الشافعي كالوجهين ولنا أن الأصل الحرية وهو الظاهر فلم يلتفت الى ما خالفه كما لو فسر صريح القذف بما يحيله (مسألة) (ومن قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد عليه لم يسقط الحد عن القاذف) وبهذا قال الثوري وابو ثور والمزني وداود، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لاحد عليه لأن الشروط تجب استدامتها إلى حال إقامة الحد بدليل أنه لو ارتد أو جن لم يقم الحد لأن وجود الزنا يقوي قول القاذف ويدل على تقدم الفسق منه فأشبه الشهادة اذا طرأ الفسق بعد أدائها قبل الحكم بها ولنا أن الحد قد وجب وتم بشروطه فلم يسقط بزوال شرط الوجوب كما لو زنى بأمة ثم اشتراها أو سرق عيناً فنقصت قيمتها أو ملكها أو كما لو جن المقذوف بعد المطالبة، وقولهم إن الشروط تعتبر استدامتها قلنا الشروط ههنا للوجوب فيعتبر وجودها إلى حين الوجوب وقد وجب الحد بدليل أنه ملك المطالبة به وتبطل الأصول التي ذكروها بالأصول التي قسنا عليها، وأما إذا جن من وجب له الحد فلا يسقط الحد وإنما يتأخر استيفاؤه لتعذر المطالبة فأشبه مالو غاب من له الحد، فان ارتد من وجب له الحد لم يملك المطالبة لأن حقوقه واملاكه تزول أو تكون موقوفة، وفارق الشهادة فان العدالة شرط للحكم بها فيعتبر وجودها إلى حين الحكم بها بخلاف مسئلتنا فان العفة شرط للوجوب فلا تعتبر إلا الى حين الوجوب (فصل) ولو وجب الحد على ذمي أو مرتد ملحق بدار الحرب ثم عاد لم يسقط عنه وقال أبو حنيفة يسقط ولنا أنه حد وجب فلم يسقط بدخول دار الحرب كما لو كان مسلماً دخل بأمان (فصل) ويحد من قذف ابن الملاعنة نص عليه أحمد، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن
والشعيي وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وجمهور العلماء ولا نعلم فيه خلافا، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الملاعنة أن ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد رواه أبو داود ولأن حضانتها لم تسقط باللعان ولا يثبت الزنا به ولذلك لم يلزمها به حد، ومن قذف ابن الملاعنة فقال هو ولد زنا فعليه الحد للخبر والمعنى، وكذلك إن قال هو من الذي رميت به، فأما إن قال ليس هو ابن فلان يعني الملاعن وأراد أنه منفي عنه شرعاً فلا حد عليه لأنه صادق (فصل) فأما إن ثبت زناه ببينة أو إقرار أو حد للزنا فلا حد على قاذفه لأنه صادق ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنا.
ولو قال لمن زنى في شركه أو من كان مجوسيا تزوج بذات محرم بعد أن أسلم يا زاني فلا حد عليه إذا فسره بذلك وقال مالك عليه الحد لأنه قذف مسلما لم يثبت زناه في إسلامه ولنا أنه قذف من ثبت زناه أشبه ما لو ثبت زناه في الاسلام لانه صادق ومقتضى كلام الخرقي وجوب الحد عليه لقوله ومن قذف من كان مشركاً وقال أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله وحد.
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (والقذف محرم ما ذكرنا من الآية والخبر والاجماع الا في موضعين (أحدهما) أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفيه لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أن الولد من الزاني لكونها أتت به لستة أشهر من حين الوطئ فإذا لم ينفه لحقه الولد وورثه وورث أقاربه وورثوا منه ونظر إلى بناته وأخواته وليس ذلك بجائز فيجب نفيه لازالة ذلك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ولن يدخلها جنته، وأيما رجل جحد ولده
وهو ينظر اليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين) رواه أبو داود وقوله (وهو ينظر اليه) يعني يراه منه فكما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم فالرجل مثلها وكذا لو أقرت بالزنا ووقع في نفسه صدقها فهو كما لو رآها (الثاني) أن لا تأتي بولد يجب نفيه مثل أن يراها تزني ولا تأتي بولد يلحقه نسبه أو يكون ثم ولد لكن لا يعلم أنه من الزنا أو استفاض زناها في الناس أو أخبره ثقة ورأى رجلا يعرف بالفجور يدخل عليها فيباح قذفها لأنه يغلب على ظنه فجورها ولا يجب لأنه يمكنه مفارقتها وقد روى علقمة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فذكر أنه يتكلم أو يسكت فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم والسكوت ههنا أولى إن شاء الله تعالى لأنه أستر ولأن قذفها يلزم منه أن يحلف أحدهما كاذبا أو يقر فيفتضح) (مسألة) (وان أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك وقال أبو الخطاب ظاهر كلامه اباحته) إذا أتت بولد يخالف لونه لونهما ويشبه رجلا غير والديه لم يبح نفيه بذلك لما روى أبو هريرة قال جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن امرأتي جاءت بولد أسود يعرض بنفيه - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (هل لك من ابل قال نعم قال - فما الوانها؟ - قال - حمر قال - هل فيها من أورق؟ قال ان فيها لورقا قال - فانى (فانى) أتاها ذلك؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق قال - وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) قال ولم يرخص له في الانتفاء منه متفق عليه ولأن الناس كلهم من آدم وحواء وألوانهم وخلقهم مختلفة ولولا مخالفتهم شبه والديهم لكانوا على صفة واحدة ولأن دلالة الشبه ضعيفة ودلالة ولادته على الفراش قوية فلا يجوز ترك القوي لمعارضة الضعيف ولذلك لما تنازع سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم شبهاً بيناً بعتبة الحق الولد بالفراش وترك الشبه وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامد وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وذكر القاضي وأبو الخطاب أن ظاهر كلام أحمد جواز نفيه وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث اللعان (إن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذي رميت به) فأتت به على النعت المكروه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لولا الأيمان لكان
لي ولها شأن) فجعل الشبه دليلا على نفيه عنه والصحيح الأول وهذا الحديث إنما يدل على نفيه
عنه مع ما تقدم من لعانه ونفيه اياه عن نفسه فجعل الشبه مرجحاً لقوله دليلاً على تصديقه وما تقدم من الأحاديث يدل على عدم استقلال الشبه بالنفي، ولأن هذا كان في موضع زال الفراش وانقطع نسب الولد عن صاحبه فلا يثبت مع بقاء الفراش المقتضي لحوق النسب بصاحبه وإن كان يعزل عن امرأته لم يبح له نفيه لما روى أبو سعيد أنه قال يا رسول الله إنا نصيب النساء ونحب الأثمان أفنعزل عنهن؟ فقال (إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها) ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فيعلق) (فصل) ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره لأنه غير مأمون على الكذب عليها ولا برؤيته رجلاً خارجا من عندها من غير أن يستفيض زناها لأنه يجوز أن يكون دخل سارقاً أو هارباً أو لحاجة أو لغرض فاسد فلم تمكنه ولا لاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة تدل على صدقهم لاحتمال أن يكون أعداؤها أشاعوا ذلك عنها، وفيه وجه أنه يجوز لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة (فصل) قال رحمه الله والفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية فالصريح قوله يا زاني يا عاهر زنى فرجك مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله لأنه صريح فيه فأشبه التصريح بالطلاق (مسألة) (وإن قال يا لوطي أو يا معفوج فهو صريح في المنصوص عن أحمد وعليه الحد) إذا قذفه بعمل قوم لوط إما فاعلا أو مفعولا به فعليه حد القذف وبه قال الحسن والنخعي والزهري ومالك وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وقال عطاء وقتادة وأبو حنيفة لا حد عليه لأنه قذف بما لا يوجب الحد عنده، وعندنا هو موجب للحد وقد بيناه فيما مضى وكذلك لو قذف امرأة أنها وطئت في دبرها أو قذف رجلا بوطئ امرأة في دبرها فعليه الحد عندنا وعند أبي حنيفة لا حد عليه، ومبنى الخلاف ههنا على الخلاف في وجوب حد الزنى على فاعل ذلك وقد تقدم الكلام فيه، فان قذف رجلاً باتيان بهيمة انبنى ذلك على وجوب الحد على فاعله فمن أوجب عليه الحد أوجب حد القذف على قاذفه ومن لا فلا، وكل مالا يجب الحد بفعله لا يجب الحد على القاذف به كما لو قذف انساناً بالمباشرة فيما دون الفرج أو بالوطئ بالشبهة أو قذف امرأة بالمساحقة أو بالوطئ مستكرهة لم يجب الحد على القاذف لأنه رماه بما لا يوجب الحد فاشبه مالو قذفه باللمس والنظر وكذلك لو قال
يا كافر يا فاسق يا سارق يا منافق يا فاجر يا خبيث يا أعور يا أقطع يا أعمى يا مقعد يا ابن الزمن الاعمى الاعرج فلاحد في ذلك كله لأنه قذفه بما لا يوجب الحد فهو كما لو قال يا كاذب يانمام ولا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم ولكنه يعزر لسب الناس وأذاهم فاشبه مالو قذف من لا يوجب قذفه الحد (مسألة) (فإن قال اردت بقولي يا لوطي انك تعمل عمل قوم لوط فقال الخرقي لا حد عليه وهو بعيد) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروى عنه جماعة أنه يجب عليه الحد بقوله يا لوطي ولا يسمع تفسيره بما يحيل القذف وهو اختيار أبي بكر ونحوه قال الزهري ومالك (والثانية) لا حد عليه نقلها المروذي ونحو هذا قال الحسن والنخعي، قال الحسن إذا قال نويت أن دينه دين لوط فلا حد عليه، وإن قال أردت أنه يعمل عمل قوم لوط فعليه الحد.
ووجه ذلك أنه فسر كلامه بما لا يوجب الحد فلم يجب عليه حد كما لو فسره به متصلاً بكلامه.
وعن أحمد رواية ثالثة أنه إذا كان في غضبه قال إنه لأهل أن يقام عليه الحد لأن قرينة الغضب تبدل على إرادة القذف بخلاف حال الرضاء والصحيح في المذهب الرواية الأولى لأن هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط فكانت صريحة فيه كقوله يا زاني ولأن قوم لوط لم يبق منهم أحد فلا يحتمل أن ينسب إليهم (مسألة) (فإن قال اردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال احتمل وجهين) نحو أن يقول أردت أنك على دين لوط أو أنك تحب الصبيان وتقبلهم أو تنظر اليهم أو انك تتخلق باخلاق قوم لوط في أنديتهم غير إتيان الفاحشة أو أنك تنهى عن الفاحشة كنهي لوط عنها ونحو ذلك خرج في ذلك كله وجهان بناء على الروايتين المنصوصتين في المسألة المذكورة لأن هذا في معناه (فصل) وإن قال يا معفوج فالمنصوص عن أحمد أن عليه الحد وكلام الخرقي يقتضي أنه يرجع إلى تفسيره فان فسره بغير الفاحشة مثل أن قال أردت يا مفلوج أو مصابا دون الفرج ونحو ذلك فلا حد عليه لأنه فسره بما لا حد فيه، وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها
(مسألة) (وإن قال لست بولد فلان فقد قذف أمه) إذا نفى رجلاً عن أبيه فعليه الحد لأنه قذف أمه نص عليه أحمد إلا أنه يسأل عما أراد فان فسره بالقذف فهو قاذف وإن كان منفياً باللعان ثم استلحقه أبوه فهو قذف أيضاً نص عليه، وإن لم يكن استلحقه فلا حد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الولد المنفي باللعان عن أبيه إلا أن يفسره بأن أمه زنت فيكون قاذفاً وإن لم يكن كذلك فهو قذف في الظاهر للأم لأنه لا يكون لغير أبيه الا بزنى أمه ويحتمل أن لا يكون قذفاً لأنه يجوز أن يريد أنك لا تشبهه في كرمه وأخلاقه وكذلك إن نفاه عن قبيلته، وبهذا قال النخعي وإسحاق وبه قال أبو حنيفة والثوري وحماد إذا نفاه عن أمه وكانت أمه مسلمة حرة، وإن كانت ذمية أو رقيقة فلا حد عليه لأن القذف لها ووجه الأول ما روى الأشعث بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول (لا أوتى برجل يقول ان كنانة ليست من قريش الا جلدته) وعن ابن مسعود أنه قال لا جلد إلا في اثنين رجل قذف محصنة أو نفى رجلا عن أبيه وهذا لا يقوله إلا توقيفاً فأما إن نفاه عن أمه فلا حد عليه لأنه لم يقذف احدا بالزنى، وكذلك إن قال إن لم تفعل كذا فلست بابن فلان لأن القذف لا يتعلق بالشرط قال شيخنا والقياس يقتضي أن لا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته لأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا فاشبه مالو قال للأعجمي إنك عربي (مسألة) (وإن قال لست بولدي فعلى وجهين) (أحدهما) أنه يكون قذفاً لها لأنه إذا لم يكن ولده كان لغيره فأشبه مالو قال لأجنبي لست بولد فلان فإنه يكون قذفاً لأمه كذا ههنا (والثاني) لا يكون قاذفاً قاله القاضي لأن للرجل أن يغلظ لولده في القول والفعل (مسألة) (وإن قال أنت أزنى الناس أو ازنى من فلانة فهو قاذف له لأنه أضاف إليه الزنا بصفة المبالغة وهذا قول أبي بكر
وأما الثاني ففيه وجهان (أحدهما) يكون قاذفاً له اختاره القاضي لأنه أضاف الزنا إليهما وجعل أحدهما فيه أبلغ من الآخر فان لفظة أفعل التفضيل تقتضي اشتراك المذكورين في أصل الفعل وتفضيل أحدهما على الآخر فيه كقوله أجود من حاتم (والثاني) يكون قاذفاً للمخاطب خاصة لأن لفظة أفعل تستعمل للمنفرد بالفعل كقوله تعالى (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟) وقال تعالى (فأي الفريقين أحق بالأمن؟) وقال لوط (بناتي هن أطهر لكم) أي من أدبار الرجال ولا طهارة فيهم وقال الشافعي وأصحاب الرأي ليس بقذف للأول ولا للثاني إلا أن يريد به القذف وهو قول ابن حامد ولنا أن موضوع اللفظ يقتضي ما ذكرنا فحمل عليه كما لو قال أنت زان (مسألة) (وإن قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان أو قال زنت يداك ورجلاك فهو صريح في القذف في قول أبي بكر وليس بصريح عند ابن حامد) أما إذا قال لرجل يا زانية أو لامرأة يازان فاختار أبو بكر أنه صريح في قذفهما وهو مذهب الشافعي واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا ان يفسره به وهو قول أبي حنيفة لأنه يحتمل أنه يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا كما يقال للعالم علامة وللكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة ولنا أن ما كان قذفاً لأحد الجنسين كان قذفاً للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وبكسرها لهما جميعاً ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة اليهما بلفظ الزنا وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها وكذلك لو قال للمرأة يا شخصاً زانياً وللرجل يانسمة زانية كان قاذفاً، وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإن ما كان اسماً للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة كقولهم حفظة وراوية للمبالغة في الرواية كذلك همزة ولمزة وصرعة ولأن كثيراً من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مراداً بما يراد باللفظ الصحيح، وإن قال زنت يداك أو رجلاك لم يكن قاذفاً في ظاهر المذهب وهو قول ابن حامد لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحد بدليل
قول النبي صلى الله عليه وسلم (العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي) ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه وفيه وجه آخر أنه يكون قذفاً لأنه اضاف الزنى إلى عضو منه فأشبه مالو أضافه إلى الفرج والأولى أن يرجع إلى تفسيره (مسألة) (وإن قال زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر، وقال ابن حامد إن كان يعرف العربية فليس بصريح) إذا قال زنأت في الجبل بالهمز فهو صريح عند أبي بكر وابي الخطاب لأن عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف فكان قذفاً كما لو قال زنيت وقال ابن حامد إن كان عامياً فهو قذف لأنه لا يريد به إلا القذف وإن كان من أهل العربية لم يكن قذفاً لأن معناه في العربية طلعت كقول الشاعر * وارق الى الخيرات زنأ في الجبل * فالظاهر أنه يريد موضوعه ولأصحاب الشافعي في كونه قذفاً وجهان، وإن قال زنأت ولم يقل في الجبل فالحكم كالتي قبلها، وقال الشافعي ومحمد بن الحسن ليس بقذف، قال الشافعي ويستحلف على ذلك ولنا أنه إذا كان عامياً لا يعرف موضوعه في اللغة تعين مراده في القذف ولم يفهم منه سواه فوجب أن يكون قذفاً كما لو فسره بالقذف أو لحن لحناً غير هذا (فصل) إذا قال لرجل زنيت بفلانة كان قذفاً لهما وقد نقل عن أبي عبد الله أنه سئل عن رجل قال لرجل يا ناكح أمه ما عليه؟ قال إن كانت أمة حية فعليه للرجل حد ولأمه حد، وقال مهنا: سألت أبا عبد الله إذا قال الرجل للرجل يا زاني ابن الزاني؟ قال: عليه حدان قلت أبلغك في هذا
شئ؟ قال مكحول قال فيه حدان، وإن أقر إنسان أنه زنى بامرأة فهو قاذف لها سواء لزمه حد الزنا باقراره أو لم يلزمه، وبهذا قال ابن المنذر وأبو ثور ونسبه مذهباً للشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه حد القذف لأنه يتصور منه الزنا بغير زناها لاحتمال أن تكون مكرهة أو موطوءة بشبهة ولنا ما روى ابن عباس أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة وكان بكراً ثم سأله البينة على المرأة فقال كذب والله يا رسول الله فجلده حد الفرية ثمانين، والاحتمال الذي ذكره لا ينافي الحد بدليل ما لو قال يا نايك أمه فانه يلزمه الحد مع احتمال أن يكون فعل ذلك بشبهة، وقد روي عن أبي هريرة أنه جلد رجلا قال لرجل ذلك ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة بناء على ما إذا قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت، فان أصحابنا قالوا لا حد عليها في قولها: بك زنيت، لاحتمال وجود الزنا به مع كونه واطئاً بشبهة ولا يجب الحد عليه لتصديقها
إياه وقال الشافعي عليه الحد دونها وليس هذا باقرار صحيح ولنا أنها صدقته فلم يلزمه حد كما لو قال يا زانية أنت أزنى مني فقال أبو بكر هي كالتي قبلها في سقوط الحد ويلزمها له ههنا حد القذف بخلاف التي قبلها فانها أضافت الزنا إليه، وفي التي قبلها أضافته إلى نفسها.
(مسألة) (والكنايات نحو قوله لامرأته قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قروناً وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه أو يقول لمن يخاصمه يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنا يا عفيفة أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة أو يقول لعربي يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلا يقذف رجلا فيقول صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه الآخر فهذا كناية أن فسره بما يحتمله غير القذف قبل قوله في أحد الوجهين وفي الآخر هذا كله صريح)
ظاهر كلام الخرقي أن الحد لا يجب على القاذف إلا باللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير القذف وهو أن يقول يا زاني أو ينطق باللفظ الحقيقي في الجماع، فأما ما عداه من الالفاظ فيرجع فيه إلى تفسيره كما ذكر في قوله يا لوطي يا معفوج، فلو قال لرجل يا مخنث ولامرأة يا قحبة وفسره بما ليس بقذف نحو أن يريد بالمخنث أن فيه طباع التأنيث والتشبه بالنساء ويا قحبة أنها تستعد لذلك فلا حد عليه وكذلك إذا قال يا فاجرة يا خبيثة.
وحكى أبو الخطاب في هذا رواية أخرى أنه كله صريح يجب به الحد، والصحيح الأول.
قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف والشتيمة، وقال ابن المنذر الحد على من نصب الحد نصباً ولأنه قول يحتمل غير الزنا فلم يكن صريحاً في القذف كقوله: يا فاسق، وكذلك إذا قال أردت بالنبطي نبطي اللسان أو فارسي الطبع أو رومي الخلقة فإنه لا حد عليه، وعنه فيمن قال يا فارسي أنه يحد لأنه جعله لغير أبيه، والأول أصح لأنه يحتمل ما ذكرناه فلا يكون قذفاً وكذلك إن قال أفسدت عليه فراشه أي خرقت فراشه أو أتلفته، وفي قوله علقت عليه أولادا من غيره أي التقطت ولداً وذكرت أنه ولده فان فسر شيئاً من ذلك بالزنا فلا شك في كونه قذفاً.
ومن
صور التعريض أن يقول لزوجة الآخر قد فضحته وغطيت أو نكست رأسه وجعلت له قروناً وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه فذكر أبو الخطاب في جميع ذلك روايتين، وذكر أبو بكر عبد العزيز أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض (فصل) واختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في التعريض بالقذف مثل أن يقول لمن يخاصمه ما أنت بزان ما يعرفك الناس بالزنا يا حلال ابن الحلال ويقول ما انا بزان ولا أمي بزانية فروى عنه حنبل أنه لا حد عليه وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر وبه قال عطاء وعمروبن دينار وقتادة والثوري والشافعي وأبو ثور
وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل إن امرأتي ولدت غلاماً أسود يعرض بنفيه فلم يلزمه بذلك حد ولاغيره، وقد فرق الله تعالى بين التعريض بالخطبة والتصريح بها فأباح التعريض وحرم التصريح وكذلك في القذف ولأن كل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفاً كقوله يا فاسق.
وروى الأثرم وغيره أن عليه الحد روى ذلك عن عمر رضي الله عنه وبه قال إسحاق لأن عمر حين شاورهم في الذي قال لصاحبه ما أبي بزان ولا أمي بزانية فقالوا قد مدح أباه وأمه فقال عمر قد عرض بصاحبه فجلده الحد وروى الأثرم أن عثمان جلد رجلا قال لآخر يا ابن سافة [^fn82] الوذر يعرض له بزنا أمه والوذر قدر اللحم يعرض بكمر الرجال ولأن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالتصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بها، فأما إن لم يكن في حال الخصومة ولا وجدت قرينة تصرف الى القذف فلا شك في أنه لا يكون قذفاً (فصل) فأما إن قال لرجل يا ديوث يا كشحان فقال أحمد يعزر قال ابراهيم الحربي الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته وقال ثعلب القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على نسائه وقال القرنان والكشحان لم أرهما في كلام العرب ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث أو قريباً منه فعلى القاذف به التعزيز على قياس قوله في الديوث لأنه قذفه بما لا حد فيه وقال خالد بن يزيد عن أبيه في الرجل يقول للرجل يا قرنان إذا كان له أخوات أو بنات في الاسلام ضرب الحد يعني أنه قاذف لهن وقال خالد عن أبيه القرنان عند العامة من له بنات والكشحان من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن
والقواد عند العامة السمسار في الزنا، والقذف بذلك كله يوجب التعزير لأنه قذف بما لا يوجب الحد (مسألة) (أو يسمع رجلا يقذف فيقول صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه الآخر فهو كناية إذا فسره بما يحتمله غير القذف قبل في قوله في أحد الوجهين وفي الآخر صريح) إذا سمع رجلا يقذف فقال صدقت فالمصدق قاذف في أحد الوجهين لأن تصديقه ينصرف الى ما قاله، بدليل ما لو قال لي عليك الف فقال صدقت كان اقراراً بها، ولو قال أعطني ثوبي هذا قال صدقت كان إقراراً، وفيه وجه آخر لا يكون قاذفاً وهو قول زفر لأنه يحتمل أن يكون أراد تصديقه في غير القذف، ولو قال أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفاً سواء صدقه المخبر عنه أو كذبه وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وفيه وجه آخر أنه يكون قاذفاً إذا كذبه الآخر وذكره أبو الخطاب وبه قال عطاء ومالك ونحوه عن الزهري لأنه أخبر بزناه ولنا أنه إنما أخبر أنه مقذوف فلم يكن قذفاً كما لو شهد على رجل أنه قذف رجلا (مسألة) (وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عزر ولم يحد) لأنه لا عار على المقذوف بذلك للقطع بكذب القاذف ويعزر على ما أتى به من المعصية والزور فهو كما لو سبهم بغير القذف (مسألة) (وإن قال لامرأته يا زانية قالت بك زنيت لم تكن قاذفة) لأنها صدقته فيما قال فلم يجب عليه حد كما لو قالت صدقت، ولا يجب عليها حد القذف لأنه يمكن الزنا منها به من غير أن يكون زانياً بأن يكون قد وطئها بشبهة ولا يجب عليها حد الزنا لأنها لم تقر أربع مرات (مسألة) (وإن قال لرجل اقذفني فقذفه فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين) وهذا مبني على الاختلاف في حد القذف إن قلنا هو حق لله تعالى وجب عليه ولم يسقط بالإذن فيه كالزنا، وإن قلنا هو حق لآدمي لم يجب عليه الحد كما لو أذن في اتلاف ماله ويعزر لأنه فعل محرماً لا حد فيه.
(مسألة) (وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة، وإن قذفت وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً ذكره الخرقي وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة) أما إذا قذفت وهي في الحياة فليس لولدها المطالبة لأن الحق لها فلا يطالب به غيرها ولا يقوم غيرها مقامها سواء كان محجوراً عليها أو غير محجور عليها لأنه حق ثبت للتشفي فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها لأن الحق لها فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد، وأما إن قذفت وهي ميتة فان لولدها المطالبة لأنه قدح في نسبه لأنه بقذف أمه ينسبه الى أنه من زنا ولا يستحق ذلك بطريق الارث فلذلك تعتبر الحصانة فيه ولا تعتبر الحصانة في أمه لأن القذف له، وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال وهو قول أصحاب الرأي لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة فأشبه قذف المجنون، وقال الشافعي إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة وينقسم بانقسام الميراث، وإن لم يكن محصناً فلا حد على قاذفه لأنه ليس بمحصن فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حياً، وأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من لم يقذف محصناً حياً ولا ميتاً لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حياً فلأن لا يحد بقذفه بعد موته أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن الملاعنة (من رمى ولدها فعليه الحد) يعني من رماه بأنه ولد زنا، واذا وجب بقذف ابن الملاعنة بذلك فبقذف غيره أولى، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلا عن أبيه إذا كان أبواه حرين مسلمين وإن كانا ميتين والحد إنما وجب للولد لأن الحد لا يورث عندهم، فأما إن قذفت أمه بعد موتها وهو مشرك أو عبد فلا حد عليه في ظاهر
كلام الخرقي سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي إذا قال لكافر أو عبد لست لأبيك وأبواه حران مسلمان فعليه الحد، وإن قال لعبد أمه حرة وأبوه عبد لست لأبيك فعليه الحد، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور، وقال أصحاب الرأي يستقبح أن يحد المولى لعبده واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر احصانها دون إحصانه لأنها لو كانت حية كان القذف لها فكذلك إذا كانت ميتة ولأن معنى هذا أن أمك زنت فأتت بك من الزنا وإذا كان الزنا منسوباً إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها ولنا ما ذكرناه ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد لأن الكافر لا يرث المسلم والعبد لا يرث الحر ولأنهم لا يوجبون الحد بقذف ميتة بحال فثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها (فصل) فان قذفت جدته فقياس قول الخرقي أنه كقذف أمه إن كانت حية فالحق لها وتعتبر حصانتها وليس لغيرها المطالبة عنها، وإن كانت ميتة فله المطالبة إذا كان محصناً لأن ذلك قدح في نسبه، فأما إن قذف أباه أو جده أو أحداً من أقاربه غير أمهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقي لأنه إنما وجب الحد بقذف أمه حقا له لنفي نسبه لا حقا للميت ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة واعتبر إحصان الولد وإذا كان المقذوف من غير أمهاته لم يتضمن نفي نسبه فلم يجب الحد وهذا قول أبي بكر وأصحاب الرأي، وقال الشافعي إن كان الميت محصنا فلوليه المطالبة به وينقسم انقسام الميراث لأنه قذف محصنا فيجب الحد على قاذفه كالحي ولنا أنه قذف من لا يتصور منه المطالبة فلم يجب الحد بقذفه كالمجنون أو نقول قذف من لا يجب الحد له فلم يجب كقذف غير المحصن وفارق قذف الحي فان الحد يجب له (مسألة) (وإن مات المقذوف سقط الحد عن القاذف) إذا كان قبل المطالبة بالحد ولم يجب، وإن مات بعد المطالبة قام وارثه مقامه ولأنه حق له
يجب بالمطالبة أشبه رجوع الأب فيما وهب ولده وكالشفعة تسقط بموت الشفيع قبل المطالبة دون ما بعدها (مسألة) (وإن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافراً) يعني أن حده القتل ولا تقبل توبته نص عليه أحمد، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أن توبته تقبل، وبه قال أبو حنيفة والشافعي مسلما كان أو كافراً لأن هذا منه ردة والمرتد يستتاب وتصح توبته.
ولنا أن هذا حد قذف فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لو قبلت توبته وسقط حده لكان أخف حكماً من قذف آحاد الناس لأن قذف غيره لا يسقط بالتوبة ولابد من إقامته واختلفت الرواية فيما إذا كان القاذف كافراً فأسلم فروي أنه لا يسقط باسلامه لأنه حد قذف فلم يسقط بالاسلام كقذف غيرها، وروي أنه يسقط لأنه لو سب الله سبحانه وتعالى في كفره ثم أسلم سقط عنه القتل فسب نبيه أولى ولأن الاسلام يجب ما قبله والخلاف في سقوط القتل عنه، فأما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة فإن الله تعالى يقبل التوبة من الذنوب كلها والحكم في قذف النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم في قذف امه لأن قذف امه إنما أوجب القتل لكونه قذفا للنبي صلى الله عليه وسلم وقدحا في نسبه.
(فصل) وقذف النبي صلى الله عليه وسلم وقذف أمه ردة عن الاسلام وخروج عن الملة وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله سبحانه وتعالى يسقط بالاسلام فسب النبي صلى الله عليه وسلم أولى وقد جاء في الأثر أن الله تعالى يقول (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني أما شتمه إياي فقوله اني اتخذت ولداً وأنا لم ألد ولم أولد) ولا خلاف في أن إسلام النصراني القائل لهذا القول يصح.
(مسألة) (ومن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم وعنه إن طالبوا متفرقين حد لكل واحد حداً) أما اذا قذف الجماعة بكلمة واحدة فالمشهور في المذهب أنه لا يلزمه إلا حد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم، وبهذا قال طاوس والزهري والشعبي والنخعي وقتادة وحماد ومالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه وابن أبي ليلى واسحاق وعنه رواية ثانية أنه يحد لكل واحد حدا كاملاً وبه قال الحسن وأبو ثور وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه هذا أنه قذف كل واحد منهم فلزمه له حد كامل كما لو قذفهم بكلمات.
ولنا قول الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)
لم يفرق بين قذف واحد أو جماعة ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر إلا حدا واحداً، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحداً ولأن الحد إنما وجب بادخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفي به بخلاف مااذا قذف كل واحد قذفاً مفرداً فان كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في الآخر ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده الآخر.
إذا ثبت هذا فانهم ان طلبوا جملة حد لهم وان طلبه واحد أقيم الحد لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل فأيهم طالب به استوفي وسقط فلم يكن لغيره الطلب به كحق المرأة على اوليائها في تزويجها اذا قام به واحد سقط عن الباقين وان أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به واستيفاؤه لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه وليس للعافي الطلب به لأنه قد أسقط حقه منه وعن أحمد رواية ثالثة أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحد واحد وكذلك إن طلبوه واحداً بعد
واحد إلا أنه إن لم يقم حتى طلبه الكل فحد واحد وان طلبه فأقيم له ثم طلبه آخر أقيم له وكذلك جميعهم وهذا قول عروة لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع استيفاؤه لجميعهم فإذا طلبه واحد منهم كان استيفاؤه له وحده فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم ولا إسقاطهم.
(مسألة) (وإن قذفهم بكلمات حد لكل واحد حداً) .
وبهذا قال عطاء والشعبي وقتادة وابن أبي ليلى وابو حنيفة والشافعي وقال حماد ومالك لا يجب إلا حد واحد لأنها جناية توجب حداً فاذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة أو زنى بنساء أو شرب أنواعا من المسكر ولنا أنها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص وفارق ما قاسوا عليه فانه حق الله تعالى (فصل) إذا قال لرجل يا ابن الزانيين فهو قاذف لما بكلمة واحدة، فان كانا ميتين ثبت الحق لولدهما ولم يجب إلا حد واحد وجهاً واحداً، وإن قال يا زاني ابن الزاني فهو قذف لهما بكلمتين فان كان أبوه حيا فلكل واحد منهما حد وإن كان ميتاً فالظاهر في المذهب أنه لا يجب الحد بقذفه وإن قال يا زاني ابن الزانية وكانت أمة (أمه) في الحياة فكل واحد حد، وإن كانت ميتة فالقذفان جميعاً له، وان قال زنيت
بفلانة فهو قذف لهما بكلمة واحدة وكذلك إذا قال يا ناكح امه ويخرج فيها الروايات الثلاث (مسألة) (وإن حد للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد أما اذا قذف رجل مرات ولم يحد فحد واحد رواية واحدة سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه وكان قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم وحكي عن ابن القسم أنه أوجب حداً ثانياً وهذا يخالف إجماع الصحابة فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حداً ثانياً فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنه زنى
فبلغ ذلك عمر فكبر عليه وقال شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة وجاء زياد فقال ما عندك؟ فلم يثبت فأمر بهم فجلدوا وقال شهود زور فقال أبو بكرة أليس ترضى ان أتاك رجل عدل يشهد برجمه؟ قال نعم والذي نفسي بيده قال أبو بكرة وأنا أشهد أنه زان فأراد أن يعيد عليه الجلد فقال علي يا أمير المؤمنين إنك إن أعدت عليه الجلد أوجبت عليه الرجم وفي حديث آخر فلا يعاد في فرية جلد مرتين قال الأثرم قلت لأبي عبد الله قول علي إن جلدته فارجم صاحبك قال كأنه جعل شهادته شهادة رجلين قال أبو عبد الله وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال يقول إذا
جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهداً آخر، فأما إن حد له ثم قذفه بزنا ثان نظرت فان قذفه بعد طول الفصل فحد ثان لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة الى القاذف ابداً بحيث يتمكن من قذفه بكل حال، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان.
(إحداهما) يحد أيضاً لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد فيلزمه فيه حد كما لو طال الفصل ولأن
سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه كالزنا والسرقة وغيرهما من الاسباب (والثانية) لا يحد لأنه قد حد له مرة فلم يحد له بالقذف عقيبه كما لو قذفه بالزنا الأول (فصل) إذا قال من رماني فهو ابن الزانية فرماه رجل فلا حد عليه في قول أحد من أهل العلم
وكذلك ان اختلف رجلان في شئ فقال أحدهما الكاذب هو ابن الزانية فلا حد عليه، نص عليه أحمد لأنه لم يعين احدا بالقذف وكذلك ما أشبه هذا.
(فصل) إذا ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر لم يستحلف وبه قال الشعبي وحماد والثوري
وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه يستحلف حكاها ابن المنذر وهو قول الزهري ومالك والشافعي واسحاق وأبي ثور وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن اليمين على المدعى عليه ولأنه حق لآدمي فيستحلف فيه كالدين ووجه الأول أنه حد فلا يستحلف فيه كالزنا والسرقة فإن نكل عن اليمين لم يقم عليه الحد لأن الحد يدرأ بالشبهات فلا يقضى فيه بالنكول كسائر الحدود.
باب القطع في السرقة الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وأما السنة فروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (تقطع اليد في ربع دينار) فصاعدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) متفق عليه في أخبار سوى هذه نذكرها إن شاء الله تعالى في مواضعها، وأجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة (مسألة) (ولا يجب إلا بسبعة شروط) (احدها) السرقة وهي أخذ المال على وجه الاختفاء ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك (مسألة) ولا قطع على منتهب ولا مختلس ولا غاصب ولا خائن ولا جاحد وديعة ولا عارية وعنه يقطع جاحد العارية) لا يقطع مختطف ولا مختلس عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية قال أقطع المختلس ولأنه يستخفي بأخذه فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس على الخائن ولا المختلس قطع) وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس على