شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 203-36
أهل الأثرالأرشيف العلمي

للمرتهن وهو من بيده الرهن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب، فله أن يركب الظهر وأن يحلب الدر بالمعروف بما لا ينتهك المركوب ولا يضعف المحلوب بقدر نفقته، ودليل هذا ما ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) [خ 2512] وهذا الحديث فيما يظهر يمكن الاستدلال به على مسألة سابقة وهي عدم شرط استدامة القبض، فإنه قال (وعلى الذي يركب) والغالب أنهما طرفان رهان ومرتهن، فلا يحتاج إلى هذا العموم إذا كان في يد المرتهن فحسب، فدل هذا على جواز أن يكون بيد الراهن وأن هذا لا يخل بصحة الرهن، والمقصود هنا الاستدلال هذا الحديث على أن من ركب أو شرب فإن عليه النفقة، وأن المرتهن يجوز له وإن لم يأذن الراهن يجوز له أن يركب المركوب كالجمل والفرس ونحوهما بنفقته، وهل السيارة مثل ذلك؟ هذا في الحقيقة لا يقع في السيارة لأنها لا تحتاج إلى نفقة إلا مع السير فيها، لكن المثال الأوضح هو الجمل والفرس ونحوهما من الدواب المركوبة، والمقصود أن من أنفق فله الركوب سواء كان راهنا أو مرتهنا بإذن الراهن للمرتهن أو بغير إذن، وهذا قد اتفق عليه العلماء لثبوت الحديث فيه، واتفقوا على أن ما يحتاج إلى مؤنة كالدار ونحوها فإنه ليس للمرتهن أن ينتفع به، وذلك لأن الرهن ملك للراهن، والانتفاع به تبع للملك، ونماؤه تبع للأصل، فليس للمرتهن أن يركب السيارة ولا أن يسكن الدار إلا بإذن الراهن.
واختلف العلماء في العبد ونحوه مما يحتاج إلى نفقة واجبة، هل له حكم المركوب والمشروب أم ليس له هذا الحكم؟

1- فالمشهور من المذهب أن العبد ونحوه ليس للمرتهن أن ينتفع به إلا بإذن الراهن، وأنه إن أنفق عليه فإن كان على وجه التبرع فليس له أن يرجع على الراهن، وإن أنفق عليه نية الرجوع فله أن يرجع على الراهن على تفصيل سيأتي ذكره في المذهب.
2- وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي ثور أن له أن ينتفع به مقابل النفقة قياسا على المركوب ومشروب الدر، وذلك بجامع أن كليهما نفقته واجبة، بخلاف الدار فإن مالكها له أن يهملها ويعطلها من غير أن يقول بإصلاحها أو عمارتها، وأما العبد والحيوان فإنه يجب على مالكه أن ينفق عليه، وهذا القول فيما يظهر راجح، فإن النفقة واجبة فيه، فإذا أنفقها عليه فيجوز له بمقابل هذه النفقة أن ينتفع به بالمعروف من عمل وتكسب ونحو ذلك.

قوله [وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم] إذا أنفق المرتهن على الرهن بغير إذن من الراهن مع إمكان استئذانه، كأن ينفق على رقيقه أو زرعه أو شجره من غير أن يستأذن الراهن مع إمكان الاستئذان فإنه لا يرجع، فيكون حكمه حكم التبرع، قالوا: لأنه لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون هذا الإنفاق منه بنية التبرع فحينئذ ليس له أن يرجع ويطالب بما أنفق.
الثانية: أن يكون بنية الرجوع فليس له الحق أيضا لأنه مفرط فهو قادر على الاستئذان متمكن منه ومع ذلك لم يستأذن.

لكن إن تعذر الاستئذان فله أن يطالبه بحقه لأنه غير قادر على الاستئذان، وحينئذ لا يكون مفرطا، ولو لم يستأذن الحاكم، فليس بشرط أن يستأذن الحاكم في النفقة، وذلك لما يترتب عليه في الغالب من تفويت مصلحة الرهن حتى يأذن الحاكم، ولأنه لا دليل على اشتراط إذنه، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه له الرجوع مطلقا ما لم ينو التبرع، ودليل هذا أنه نائب عن صاحب الحق فكان له أن يطالب كسائر من ينوب عن الغير في أداء الحقوق، فهنا ناب عن صاحب الحق فيما لا يجب عليه فكان له أن يطالب بالحق، وقد قال الله تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ وهذا محسن فجزاؤه أن يحسن إليه، وأما أن يمنع من إعطائه حقه فليس هذا من الإحسان، ولأن الله تعالى قال ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ وقال ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ ولم يقيد الله سبحانه هذا بالاستئذان، فأوجب الله على الوارث أن يعطي المرضعة أجرتها ولم يقيد ذلك بإذنه له بالرضاع، بل أوجبه بمجرد الرضاع، وهذا القول هو الراجح.

قوله [وكذا وديعة ودواب مستأجرة هرب ربها] فالوديعة كذلك كالرهن، فإذا كان عند رجل وديعة، وكانت هذه الوديعة تحتاج إلى نفقة واجبة، كأن يضع عنده رقيقا أو حيوانا وديعة أو نحو ذلك فإذا أنفق عليه بغير نية التبرع ففيه الخلاف المتقدم، فليس له الرجوع إن لم يستأذنه مع إمكان الاستئذان، وإذا استأذنه وأذن له فيجب عليه أن يعطيه حقه، فالوديعة لها حكم الرهن على التفصيل المتقدم، وكذلك إذا استأجر دوابا فهرب ربها وتركها فهي في حكم الوديعة لأنها أصبحت أمانة في يده، فإذا أنفق عليها فعلى التفصيل المتقدم.

قوله [ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط]

فإذا وضع عنده دارا رهنا فخربت هذه الدار فعمرها وأحضر لها خشبا وحديدا ونحو ذلك، فالحكم أنه له ثمن الآلة من خشب وحديد وليس له أن يأخذ أجر المعمرين ولا أجرة الماء ولا الطين ولا نحو ذلك، ودليل ذلك أن هذه النفقة نفقة غير واجبة على الراهن فليس واجبا على الإنسان أن يصلح داره إذا خربت، فإذا أصلحها المرتهن فقد فعل أمرا لا يكون فيه نائبا عن أمر واجب عن آخر، وقال القاضي من الحنابلة: بل على الراهن أن يعطيه عوضه، وله أن يطالب بالحق لأن في ذلك مصلحة الرهن، فهذا الرهن قد تعلق به حق المرتهن، ولا شك أن فساده فساد لهذه الوثيقة، ظاهر كلامه أن ذلك مطلق، سواء كان هذا الإصلاح يترتب عليه حفظ حقه أم لا، وفصل ابن رجب الحنبلي تفصيلا وقال هو متوجه قواه صاحب الإنصاف أنه إذا كان هذا الخراب يمكن أن يستوفي من الرهن قيمة الدين مع وجوده فليس له أن يرجع، مثال ذلك: أعطاه هذه الدار رهنا، فحصل فيها خراب، وكانت رهنا على عشرة آلاف، ولو بيعت وهي خربة فإنها تباع بعشرة آلاف، فإنه حق المرتهن الآن محفوظ من غير أن يصلحها، فإذا أصلحها فليس له الرجوع لأنه تصرف تصرفا لم يؤذن له فيه أولا، وليس واجبا على الآخر أن يصلح هذا الشيء، وأما إذا كان الرهن لا يستوفى ببيعه الدين بعد وقوع الخراب فيه، فإذا أصلحه أمكن أن يبقى ويستوفى منه الدين، أو خشي أن يخرب شيئا فشيئا حتى تذهب قيمته فلا يمكن أن يستوفى منه الدين فإذا أصلحه والحالة هذه فإنه يمكنه أن يرجع، وهذا التفصيل تفصيل قوي كما ذكر صاحب الإنصاف، وقد أفتى شيخ الإسلام فيمن أصلح وقفا أنه يأخذ نفقته من غلته، وعلى هذا يمكن أن تخرج هذه المسألة المتقدمة على كلام شيخ الإسلام.

باب الضمان

الضمان لغة: من الضمن، فهو مشتق من الضمن، ضمن الشيء ضمنا 1 . واصطلاحاً: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، وسمي ضمانا لأن ذمة الضامن تصير في ذمة المضمون عنه.
ومثال الضمان: اقترض زيد من عمرو عشرة آلاف، فضمنه بكر، أي التزم أن تكون ذمته منشغلة بالدين كذمة عمرو، فقد ضم ذمته إلى ذمة عمرو في التزام الحق الواجب على عمرو.
وعليه فإن الضمان من الإحسان، والله يحب المحسنين، ويسمى ضمينا وكفيلا وزعيما وقبيلا.

قال [ولا يصح إلا من جائز التصرف] لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، وقد تقدم تعريف جائز التصرف وهو المكلف الرشيد، فلا بد أن يكون جائز التصرف وذلك لأن الضمان تبرع بالتزام حق مالي فلا يصح إلا ممن يجوز تصرفه، وعليه فلا يصح ضمان صبي ولا سفيه ولا نحو ذلك، لأنه غير جائز التصرف.

قال [ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت] لرب الحق وهو الدائن، له 2 أن يطالب من شاء منهما، فله أن يطالب الضامن أو المضمون عنه.
فعندنا: ضمان 3 وقد تقدم تعريفه.
وضامن وهو من تبرع بالتزام حق مالي على غيره.
وعندنا 4 مضمون عنه وهو المدين أو المستقرض.
ومضمون له: وهو صاحب الدين.
فللمضمون له أن يطالب من شاء منهما - فله أن يطالب الضامن، وله أن يطالب المضمون عنه 5 - في الحياة وفي الموت.
أما في الحياة فظاهر، وأما في الموت فمن التركة.
وظاهره أن له أن يطالب الضامن 6 وإن كان المضمون عنه صاحب يسار وغنى 7 وعدم مماطلة، وإن كان هذا بعد الممات، وعليه فيرجع الضامن إلى المضمون عنه بالحق الذي أخذه منه المضمون له.

وهذا هو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الدين قد تعلق بذمتيهما جميعا.
وعن الإمام مالك وقواه ابن القيم 1 واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الثاني في هذه المسألة: أنه ليس له أن يطالب الضامن إلا إذا تعذر الاستيفاء من المضمون عنه، قالوا: لأن الضمان كالرهن فهو توثيق للدين، والرهن إنما يجوز أن يباع على راهنه إن تعذر استيفاء الحق، أما مع القدرة على استيفاء الحق فإنه لا يباع كما تقدم تقريره، قالوا: وكذلك الضمان فإنه توثيق للدين، ولأن الضامن محسن، وقد قال تعالى ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ 2 فليس لنا سبيل عليه وهو محسن إلا أن يتعذر الحق، ولأنه من المستقبح أن يطالب الضامن بالحق الثابت على غيره مع قدرة من عليه الحق أن يقضي الحق عن نفسه، فهذا من المستقبح جداً.
وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، وأما تعلقه في ذمة الضامن فهو معلق كتعلق الدين بالرهن، فهو إنما يكون حين يتعذر الوفاء 3 . إلا أن يكون هناك شرط أو عرف، فإن كان هناك عرف أو شرط فالمسلمون على شروطهم 4 . فلو قال: تضمن فلانا، لكن لي أن [أ] طالب أيكما شئت، أو كان العرف جارٍ على هذا 5 .

قال [فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن لا عكسه]

هذا ظاهر، فمتى برئت ذمة المضمون عنه وهو المدين فإن ذمة الضامن تبرأ أيضا، لأن الحق ثابت في ذمة الضامن تبعا، فإذا ذهبت عن الأصل تبعها تبعتُها 1 ، فحينئذ يسقط ذمة الضامن أيضاً.
وأما العكس فلا، ولذا قال (لا عكسه) . فإذا ديَّن رجل آخر مالا، وطلب عليه ضمينا، ثم أبرأ صاحب الحق الضمين فلا تبرأ ذمة المضمون عنه، لأن ذمة الضامن كالرهن، فالدين ثابت في ذمة المستدين أو المستقرض ولا يعدو الضامن إلا أن يكون وثيقة للدين،فإذا سقط فإنه يسقط الحق الذي في ذمة المضمون عنه، فإن إبراء التبع لا يعني إبراء الأصل، وهذا أيضا ظاهر لا إشكال فيه.

قال [ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له] فلا تعتبر ولا يشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه، فلو قال بعض الناس لبعض التجار: " أيَّ أحد تقرضه فأنا أضمنه لك " فهو جاهل بالمضمون عنه، فهذا جائز، وذلك لأن الضمان تبرع بالتزام حق مالي فلا تشترط فيه معرفة المضمون عنه، ولا دليل على اشتراط ذلك.
ولذا فإنه لا يشترط أيضا رضى المضمون عنه، فإن ضمنه من غير رضى المضمون عنه فهذا جائز أيضا، ولا خلاف بين العلماء فيه، وهو كما لو أدى الدين عنه.
فلا يشترط رضى المضمون عنه، كما لو أدَّى الدين عنه، فلو كان لزيد عند عمرو ديناً، فقضاه بكر من غير أن يستأذن زيداً الذي في ذمته الدين، فإن الذمة تبرأ، فمن باب أولى صحة الضمان، إذا كان لو قضى الدين عنه من غير إذنه جاز، فأولى من ذلك جواز الضمان عنه.

ولذا جاز الضمان عن الميت كما في حديث سلمة بن الأكوع في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بجنازة فقالوا: يا رسول الله صل عليها، فقال: هل عليه دين، فقالوا: نعم، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: يا رسول الله صل عليه وعليَّ دينه [خ 2291] 1 . وفي هذا الحديث ما يدل على أن المضمون له لا يشترط رضاه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقر أبا قتادة على الضمان من غير إذن المضمون له أي صاحب الحق، وكذلك لا يشترط معرفة الضامن للمضمون له، كأن يقول: " اقترض من أي أحد شئت من التجار والضمان عليَّ "، ويكتب له ورقة بذلك، فهذا جائز.
[فعندنا أمور لا تشترط: 1- معرفة المضمون له.
2- رضى المضمون له.
3- معرفة المضمون عنه.
4- رضى المضمون عنه] 2

قال [بل رضى 3 الضامن] هذا هو الذي يشترط، وهو رضى الضامن، وذلك لأنه تبرع بالتزام الحق فاشترط فيه الرضا.
فإن كان الضامن مكرها فلا يصح؛ لأنه تبرع بالتزام حق مالي في ذمته، فاشترط رضاه، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك.

قال [ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم] مثال هذا: إذا قال زيد لعمرو: اذهب إلى فلان واقترض منه ما شئت من المال والضمان علي، أو قال: أي ثمن يقرضك إياه فلان فالضمان علي، أو اشترِ 4 هذه السيارة ومهما بلغ ثمنها فضمانها علي، فهذا جائز لأنه يؤول إلى العلم؛ لأن من شروط البيع أن يكون الثمن معلوما، والذمم لا تعلق بها حقوق غير معلومة.

وكذلك يجوز ضمان ما لم يجب، كأن يقول له: اقرض فلاناً ومتى ما أقرضته فالضمان علي، فقد ضمن الشيء قبل وجوبه.
ودليل هذا قول الله تعالى في قصة يوسف - وشرع من 1 قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه - ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ 2 ، أي أنا به ضمين، أي أنا ضمين بحمل البعير، وهذا قبل أن يجب الحق، فإن الحق لا يجب إلا بعد أن يؤتى بهذا الصاع، فإذا أتانا بالصاع وجب حمل البعير، فضمنه قبل وجوبه.
3 قالوا: وحمل البعير يختلف كثرة وقلة فكان مجهولاً.
ثم إن الأصل في المعاملات الحل ولا غرر في هذا ولا ضرر.

قال [والعواري] العواري جمع عارية، والعارية في المشهور من المذهب مضمونة، والبحث هنا على المشهور من المذهب وأنها مضمونة، وسيأتي الخلاف في ذلك في بابه إن شاء الله.
فمثلا: ذهب زيد إلى عمرو وقال أعرني سيفك، فقال: حتى تأتي بضمين، فالضمان يصح، وذلك لأن العارية مضمونة، فالأصل مضمون فيصح في الفرع، فيصح الضمان في الأشياء المضمونة، فهنا العارية مضمونة، فلما ثبت الضمان على الأصل جاز في الفرع، ولأن الأصل في المعاملات الحل.
وأما إذا قلنا: إن العارية ليست بمضمونة فلا يصح الضمان، وذلك لأن الضمان لم يثبت في الأصل فلا يثبت في الفرع من باب أولى.
فإذا كان من بيده الشيء لا ضمان عليه، فكيف الضمان في غيره، ومثل ذلك المغصوب، لذا قال: [والمغصوب] فالمغصوب يثبت فيه الضمان، فلو اغتصب زيد من عمرو شيئا فطالبه به، فله أن يأبى أن يخليه حتى يأتيه بضمين، فإذا أتى بالضمين تركه، وذلك لأن الأشياء المغصوبة مضمونة لأن اليد يد تعد، واليد المتعدية ضامنة فالفرع كذلك.

قال [والمقبوض بسوم] هذا يصح فيه الضمان.

وصورته أن يذهب مثلا إلى السوق ويسوم شيئا، ثم يقول: دعني حتى أستشير فيه وأريه بعض الناس أو نحو ذلك فهذا هو المقبوض بسوم، فليس مقبوضا ببيع، بل بسوم.
فيَد هذا القابض ضامنة، فلو تلف سواء كان بتعد منه أو لم يكن فإنه يضمن، ذلك لأن هذا القبض قبض معاوضة، وما كان قبض معاوضة فإن الضمان يثبت فيه.
فإذا قال: أنا لا أقبضك إياه حتى تأتي بضمين يضمنك حتى ترجعه إليَّ، فالضمان صحيح معتبر.
وأما إن قبضه من غير سوم فلا يصح الضمان، لأن هذا يكون من باب الأمانات، لأنهما حيث لم يتساوما على شيء فلا معاوضة بينهما، وحينئذ فلا يصح الضمان فيه لأنه غير مضمون على الأول.

قال [وعهدة مبيع] عهدة المبيع لغة: الصك الذي يكتب فيه البيع.
والمراد به هنا عند الفقهاء ضمان الثمن عن المشتري للبائع، وضمانه عن البائع للمشتري.
مثال ضمان الثمن عن المشتري للبائع: أن يقول: أعط فلاناً هذه السلعة التي تبايعتما عليها وإن لم يسلمك الثمن فهو في ضماني.
ومثال ضمان الثمن عن البائع للمشتري: أن 1 يقول للمشتري: أعطه ثمنه فإن ثبت أن السلعة ليست له وأنه مغتصب لها أو أنها معيبة فالضمان عليَّ.
فالضمان هنا صحيح عند جماهير أهل العلم لعمومات الأدلة، ولأن الأصل في المعاملات الحل.

قال [لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها] 2 لا يعتبر ضمان الأمانات، فلو قال: ضع هذا الشيء أمانة عندك بشرط أن تأتيني بضمين فلا يصح هذا، لأن الأمين ليس بضامن، فلو تلفت في يده من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه، فإذا كان الأصل لا ضمان عليه فكيف يثبت الضمان للفرع 3 . ولأن هذا تحايل إلى مخالفة الشريعة، فإن الشريعة أبطلته على 4 الأمين، فإذا أجزناه في الفرع كان في هذا تحايلا على الشريعة.

فعليه: الأمانة لا يصح الضمان فيها؛ لأن يد الأمين لا تضمن، فإذا كان هذا في الأصل، فالفرع من باب أولى.
[بل التعدي فيها] أي يصح الضمان في التعدي فيها، كأن يقول: أضع هذه الأمانة عندك بشرط أنها 1 متى تُعديت عليها أو فرَّطت، فإن الضمان عليه، فهذا صحيح.
أو حصل للأمانة عند الأمين - حصل لها - تلف بتعد أو تفريط فطلب صاحب الحق ضمينا لحقه فهذا صحيح؛ وذلك لأن الأمانات تضمن بالتعدي، فإذا كانت تضمن بالتعدي أصلا فيجوز الضمان عليها فرعا.
إذاً: هذه المسألة ليس البحث فيها في مسألة ضمان الأمين، أو في مسألة ضمان الغاصب أو في مسألة ضمان المستعير، أو ضمان القابض بسوم أو البائع أو المشتري، بل في الضمانات على ذلك، فيكون الضامن طرفاً آخر ليس هو البائع، وليس هو المستعير ولا الغاصب ولا الأمين، بل هو طرف آخر يكون ضامناً للمستعير أو ضامناً للغاصب أو للقابض بسوم ونحو ذلك.
والقاعدة: أنا ما فيه ضمان فيا لأصل فيصح الضمان فيه في الفرع، وما لا، فلا.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السادس والستون بعد المئة (يوم السبت: 21 / 4 / 1416 هـ)

فصل هذا الفصل في الكفالة

الكفالة لغة: المراعاة والعناية، ومنه قوله تعالى ﴿وكفَّلها زكريا﴾ 2 ، وأما في اصطلاح الفقهاء فهي التزام رشيد إحضار بدن من عليه الحق لصاحب الحق، وهي من الإحسان إلى الناس كما تقدم في الضمان.

قوله [وتصح الكفالة بكل عين مضمونة] كالعارية مثلا، فقد تقدم أن المشهور من المذهب أنها مضمونة فيثبت فيها الكفالة، فلو قال مثلا: لا أعيرك هذه العين حتى تأتي بكفيل فهذا صحيح، فكل عين تضمن فإن الكفالة تصح فيها كما تقدم في الضمان.

قوله [وببدن من عليه دين] فمن وجب في ذمته حق مالي للغير فإن الكفالة تثبت فيه.

قوله [لا حد ولا قصاص]

فلا تصح الكفالة في الحدود ولا في القصاص، وذلك لأن الحد والقصاص لا يستوفى إلا من الجاني، فلا يمكن أن يستوفى من غيره فلم ثبت فيه الكفالة، فإذا وجب عليه حد زنا أو سرقة أو قتل فلا تثبت في هذه الأمور الكفالة، وإذا وجب عليه قود في النفس أو قصاص في شيء من الأعضاء فكذلك لا تثبت فيه الكفالة لأنه لا يمكن أن يستوفى من الكفيل، وقد روى البيهقي بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا كفالة في حد) [هق 6 / 77] والحديث إسناده ضعيف، ويكفي ما تقدم من العلة الظاهرة في النهي عنه.

  • وقد اختلف أهل العلم في الكفالة هل يثبت فيها غرم أم لا؟ بمعنى إن تعذر على الكفيل إحضار مكفوله، فهل يضمن الحق الثابت في ذمة المكفول أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول: وهو مذهب الشافعية والأحناف أنه لا يغرم، قالوا: لأنه إنما التزم بإحضار بدنه ولم يلتزم بإعطاء الحق المالي الواجب عليه.
    2- القول الثاني: وهو مذهب المالكية والحنابلة أنه يغرم، واستدلوا بما رواه الترمذي وحسنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الزعيم غارم) [ت 1265، د3565، جه 2405] قالوا: والواجب عليه أن يؤدي ما التزمه من إحضار بدنه، والكلام حيث تعذر ذلك، وإنما أقيم مقام الرهن أي الكفيل فكان فيه ما في الرهن من استيفاء الحق، فدل على أنه يضمن ويغرم، وهذا القول هو الراجح للحديث المتقدم، وعليه وعلى القول الراجح الذي تقدم من أنه ليس لرب الحق أن يطالب الضامن إلا بعد تعذر الاستيفاء من المضمون عنه، على هذا القول لا فرق بين الضمان والكفالة إلا أن الكفالة فيها إحضار بدنه وأما هناك فإنه يلزم بأن يأخذ الحق من صاحبه الذي هو عليه، فإن تعذر فإنه يعطى الحق من الضامن ثم يرجع هو على المضمون عنه.

قوله [ويعتبر رضى الكفيل]

لأن الكفالة التزام بحق فاشترط فيها رضى الملتزم وهذا الق هو أن يحضر المكفول به على ما وقع عليه الاتفاق.

قوله [لا المكفول به] فليس شرطا أن يرضى المكفول به بالكفالة، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: كالضمان، فكما أن الضمان لا يشترط فيه الرضى من المضمون عنه فكذلك ف الكفالة لا يشترط الرضى من المكفول به، والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية أنه يشترط رضى المكفول به، قالوا: لأنه يلتزم بحق، والحق الذي يلتزم به هو أن يتجاوب ويتطاوع مع الكفيل إذا جاء لإحضاره، فإن الكفالة عقد يلتزم فيه المكفول به أن يحضر مع الكفيل متى أراد ذلك على ما وقع عليه الاتفاق، فكان قد التزم بحق، وهذا لا بد فيه من الرضى، وهذا القول هو الراجح.
وليس بشرط رضا المكفول له، لأنها وثيقة غير مقبوضة فلم تشترط فيها الرضى كالضمان، وقد تقدم أنه لا يشترط في الضمان إذن المضمون له فكذلك هنا ولا فرق بين الأمرين.

قوله [فإن مات.... بريء الكفيل] إذا مات المكفول به بريء الكفيل، وهذا هو المشهور من المذهب، وفي المسألة أقوال ثلاثة: القول الأول: أنه يبرأ مطلقا، وهو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الحضور قد سقط بالموت، فلا يمكن أبدا أن يحضره وقد مات، وهو إنما تكفل بإحضاره.
القول الثاني: أنه لا يبرأ مطلقا، وهو قول مالك واختيار شيخ الإسلام، قالوا: قياسا على الرهن والضمان، فإن الضامن لا يبرأ بموت المضمون عنه، وكذلك الرهن، والمقصود استيفاء الحق كما سبق.
القول الثالث: وهو قول لبعض الحنابلة أن في هذه المسألة تفصيل، فإن توانى وقصر وفرط حتى مات فإنه لا يبرأ، وأما إذا لم يكن منه ذلك فإنه يبرأ، وهذا القول هو أعدلها.
فهناك فرق بين الرهن والكفالة، فإنه في الأصل إنما التزم بإحضاره، وهذا أمر يسقط بالموت، ويستثنى من هذا ما إذا فرط وقصر وأهمل.

قوله [أو تلفت العين بإذن الله تعالى]

كذلك إذا تلفت العين بإذن الله، مثلا: أخذ عارية فتلفت بقدر الله تعالى، الكفيل يبرأ وذلك لأنه ما دام أنها تلفت فحينئذ لا يجب شيء على من وقع التلف عنده، وعليه فإن الكفيل يبرأ أيضا، وأما إذا تلفت بفعل الآدمي فإن الكفيل لا يبرأ، وذلك لوجوب بدلها على المتلف، فما زال للمكفول له الحق، لأن البدل قائم، وعليه فتبقى الكفالة.

قوله [أو سلم نفسه بريء الكفيل] إذا سلم المكفول به نفسه فإن الكفيل يبرأ، وذلك لأن المكفول به إذا سلم نفسه فقد قام بما يجب على الكفيل، فأدى الواجب عن الكفيل، فإذا حضر بنفسه فقد حصل المقصود.
ويبرأ الكفيل أيضا إذا أحضر المكفول به في المجلس المتفق عليه في الأجل المحدد وذلك لأنه قد قام بما يجب عليه، وكذا قبل الأجل من غير أن يتضرر المكفول له.

  • مسألة: قال شيخ الإسلام السجان كفيل، أي القائم على شان السجن كفيل، وعليه فإنه يجب عليه أن يحضر البدن فإن لم يحضر البدن فإن الضمان عليه، وقال بعض الحنابلة بل السجان ليس بكفيل، إنما هو وكيل على الحفظ، وهذا القول هو الراجح، فهو وكيل على الحفظ، وذلك لأنه ليس بملتزم بإحضار البدن، وإنما هو ملتزم بحفظه في الموضع الذي هو فيه، فهو لم يلتزم إلا بالحفظ، كما قرر هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو اختيار بعض الحنابلة، فهو وكيل في الحفظ، وعليه فإن فرط فعليه الضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.
    ** مسألة:

المشهور من المذهب أن كفالة المعرفة كالكفالة تماما، وكفالة المعرفة أن يأتي مثلا بعض الناس إلى بعض التجار ليشتري، فيقول: هل يعرفه أحد منكم، فيقول أحدهم أنا أعرفه، فحينئذ يكون كفيلا له، وعليه فيلتزم بإحضاره في الموعد المتفق عليه، فإن لم يحضره فإنه يضمن، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي التفصيل في هذه المسألة فقال: إن عرفه باسمه وموضعه ونحو ذلك فقد قام بما يجب عليه، فإنه إذا قال: أنا أعرفه، فليس فيه إلا أنه يعرفه أي يعرف اسمه ويعرف وصفه، فليس في ذلك إلا هذا، فإن عرفه وإلا فإنه يضمن، وهذا القول هو الراجح، فإنه إذا ضمنه ضمان معرفة فليس فيه أنه يلتزم بإحضار بدنه، بل غاية هذا أن يلتزم بتعريفهم إياه اسما ومحلا ونحو ذلك، فإن قام بما يجب عليه وإلا فعليه الضمان لأنه فوت الحق عليهم.
*** إذا كان المكفول به في الحبس فإن هذا يكفي عن إحضاره، فلو قدر أنه كان محبوسا في الوقت المحدد فهل يكفي أم لا بد من إحضاره؟ الجواب: أنه يكفي هذا ولا يجب أن يحضره كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:" وليس أحد من الأئمة يأمر بإحضاره لأنه متمكن منه "

باب الحوالة الحوالة في اللغة: من التحول وهو الانتقال، أما في الاصطلاح الفقهي فهي: نقل حق من ذمة إلى ذمة أخرى، وأركان الحوالة أربعة: 1- المحيل: وهو المدين الأول، أي من عليه دين.
2- المحتال: وهو من له دين، أي هو صاحب الحق.
3- المحال عليه: وهو المدين الثاني، فهو من عليه دين للأول.
4- المحال به: وهو الدين الذي في ذمة المحيل.

والأصل في الحوالة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مطل الغني ظلم وإذا أبتع أحدكم على مليء فليتبع) متفق عليه [خ 2287، م 1564] وفي وراية أحمد: (إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل) [حم 27239] ، وهو عقد إرفاق وذلك لما فيه من إبراء الذمم، فهذا الذي في ذمته الحق تبرأ ذمته بنقل الحق الذي في ذمته إلى شخص آخر، وهي استيفاء وليست ببيع، كما يقرر هذا فقهاء الحنابلة، ويقرره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، ويدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الحوالة في سياق الوفاء فقال: (مطل الغني ظلم) فهذا فيه ما لا يجوز من فعل الغني من المماطلة، ثم قال: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ، ويدل عليه أيضا عدم اشتراط رضى المحتال، والبيع من شروطه الرضى، كما قال تعالى ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فالحوالة استيفاء وليست بيعا.

قوله [لا تصح إلا على دين مستقر] هذا هو الشرط الأول من شروط الحوالة، أن تكون على دين مستقر، فعليه يجب أن يكون المال المحال عليه مستقرا في ذمة المحال عليه، مثاله: ثمن المبيع وبدل القرض، فهما دينان مستقران في الذمة غير قابلين للسقوط في الأصل فتصح الحوالة فيه، أما إذا كان الدين غير مستقر كدين المكاتب فهو دين غير مستقر لأنه عرضة للسقوط فللمكاتب أن يبطل العقد - أي عقد الكتابة - ويرجع قنا أو يعجز عن أداء الحق الذي عليه فيعود قنا، وهكذا سائر الديون غير المستقرة لا يصح الحوالة عليها، وذلك لأن مقتضى عقد الحوالة أن يلتزم المحال عليه بالدين الذي قد أحيل عليه به، وإذا كان الدين غير مستقر فإنه عرضة للسقوط فكيف تبرأ ذمة الأول وتتعلق به ذمة الثاني والدين غير مستقر فحينئذ يكون قد التزم والدين ليس بلازم.

قوله [ولا يعتبر استقرار المحال به]

إن قيل هل يشترط استقرار الدين المحال به أم لا؟ الجواب: لا يعتبر، وبيان هذا: إذا كان المكاتب الذي عليه لسيده دين في ذمته مقابل الكتابة، فهود دين غير مستقر، فللمكاتب أن يحيل سيده إلى أحد لهذا المكاتب عليه دين مستقر، فإن لا يعتبر أن يكون الدين المحال به مستقرا، وذلك لأن تسليم الدين جائز، وللمحيل أن يسلمه أو يسقطه، فإذا كان التسليم جائزا كانت الحوالة جائزة.

قوله [ويشترط اتفاق الدينين جنسا ووصفا ووقتا وقدرا] هذا هو الشرط الثاني من شروط الحوالة، وهو أنه يشترط اتفاق الدينين، الدين الأول هو الذي في ذمة المحيل، والثاني هو الذي في ذمة المحال عليه، فيشترط أن يتفقا جنسا، فهذا ذهب وهذا ذهب، فإن كان أحدهما ذهبا والثاني فضة فلا يجوز، وكذلك أن يتفقا وصفا، فهذا رديء وهذا رديء، وهذا جيد وهذا جيد، وهذا صحيح وهذا صحيح، وهذه مكسرة وهذه مكسرة، ويشترط أن يتفقا وقتا، فهذا حال وهذا حال، وهذا مؤجل إلى شهر وهذا مؤجل إلى شهر، ويشترط أيضا أن يتفقا قدرا، فيحيل بخمسة على خمسة، أو بعشرة على عشرة، أما لو أحال بخمسة على ستة فلا يجوز، قالوا: لأن الحوالة عقد إرفاق فإن كان فيها فضل فقد خرجت عن موضعها، وقد تقدم قول الجمهور أن بيع الدين بالدين منهي عنه، ولا يتبين المنع من هذا، فهذا وإن خرج عن كونه حوالة فلا يخرج عن كونه بيعا، فيشترط فيه ما يشترط فيه البيوع، فإذا جرى على قواعد البيوع فلا يتبين أنه فيه منعا، وكونه بيع دين بدين فقد تقدم أنه ليس كل صور بيع الدين بالدين محرمة، وإنما حرم الشارع منها ما كان فيه الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأيضا فإن بيع الدين بالدين فيه إشغال للذمم وهنا في مسألتنا فيها إبراء للذمم.

قوله [ولا يؤثر الفاضل]

بيان هذا، إذا كان على أحذ من الناس عشرة آلاف، ويريد منك فلان خمسة آلاف، فقلت: أحيلك بخمسة آلاف على خمسة آلاف من العشرة التي لي في ذمة فلان فلا يؤثر هذا الفاضل لأنه يبقى لربه، وذلك لأنهما قد اتفقا في القدر وأما الفاضل فيبقى لرب المال.

قوله [وإذا صحت] أي إذا صحت الحوالة فتوفرت فيها شروطها، وتقدم شرطان، وسيأتي شرط رضا المحيل.

قوله [نقل الحق إلى ذمة المحال عليه وبريء المحيل] فيبرأ المحيل بالحوالة، وهذا هو مقتضى عقد الحوالة فيلتزم المحال عليه بالدين الثابت للمحتال على المحيل.

قوله [ويعتبر رضاه] إذا يشترط رضا المحيل، فليس للدائن أن يلزم المدين بالحوالة، وذلك لأن الحق واجب عليه من غير تحديد جهة، فالواجب أن يعطي صاحب الحق حقه من غير أن يتعين عليه جهة، وإذا ثبتت الحوالة من غير رضاه فقد عينت عليه جهة وألزم بما ليس بلازم له.

قوله [لا رضا المحال عليه] لا يشترط رضا المحال عليه، وذلك لأن المحيل هو صاحب الدين، فله أن يستوفي الحق الواجب له في ذمة المحال عليه بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه فكان كالوكالة بل أولى.

قوله [ولا رضا المحتال على مليء]

لا يشترط رضى المحتال، وهو الذي حول حقه من ذمة إلى ذمة، فلا يشترط رضاه إذا أحيل على مليء، وهذا هو المشهور من المذهب وهو قول ابن جرير وأبي ثور، وقال الجمهور بل يشترط رضاه، وحجة الحنابلة حديث: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) قالوا: وهذا يدل على وجوب قبول الحوالة، وحيث وجب قبولها فإن الرضا ليس بشرط، وأما الجمهور فحملوا الحديث على الاستحباب وقالوا: هو واجب له في ذمة هذا فلا يلزم بأن ينقل إلى ذمة أخرى، والصحيح وجوبه لأن نقله لا ضرر عليه فيه، كما لو أعطى حقه قبل حلول الأجل ولا ضرر عليه فإنه يلزم بقبوله، هذا إذا أحيل على مليء، والمليء هو القادر بماله وقوله وبدنه، كما قال ذلك الإمام أحمد رحمه الله، فالقادر بماله هو القادر ماليا على الوفاء، والقادر بقوله هو الذي لا يماطل، والقادر ببدنه هو من يمكن أن يحضر مجلس الحاكم أي القاضي، وأما إذا كان لا يمكن إحضاره إلى مجلس القاضي كأن يحال على والده مثلا أو إلى أحد لا يمكنه أن يحضره إلى مجلس القاضي فإن الحوالة حينئذ لا تلزم المحتال.

قوله [وإن كان مفلسا ولم يكن رضي به رجع]

أي إذا كان المحال عليه مفلسا أو مماطلا ولم يكن المحتال قد رضي به رجع، أما إذا أخبره بأنه مفلس أو مماطل فرضي فليس له الرجوع، فالكلام في المسألة السابقة إذا كان مليئا، فإذا كان مليئا فلا يشترط رضا الدائن، وأما إذا لم يكن مليئا فيشترط رضاه، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل) وهذا لم يحل على مليء، وهذا لم يحل على مليء فله أن يفسخ الحوالة، وظاهره ولو كان جاهلا، وهذا هو المشهور من المذهب، بمعنى أحيل على أحد فظنه مليئا ولم يعلم أنه غير مليء فالحوالة صحيحة، وليس له أن يرجع، وذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه أنه إن كان جاهلا مغررا له فإن الحوالة لا تثبت لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر، وهذا هو الراجح.

قوله [ومن أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلا فلا حوالة] من أحيل بثمن المبيع أو أحيل بثمن المبيع عليه، فأصبح ثمن المبيع في المسألة الأولى محالا به، وفي المسألة الثانية محالا عليه، مثاله: إذا اشترى زيد من عمرو سلعة بثمن مؤجل إلى شهر، فقد تعلق في ذمة المشتري ثمن المبيع، فحينئذ إن أحيل بهذا الثمن الثابت في ذمة المشتري فبان أن البيع باطل بأن تكون السلعة محرمة أو نحو ذلك فحينئذ تبطل الحوالة، وكذلك لو قال البائع لأحد الناس لي على عمرو ألف ريال مقابل سلعة قد بعتها عليه إلى شهر، فأنا أحيلك على هذا الثمن لتستوفي ما في ذمتي لك، فبان أن البيع الذي باعه التاجر على المحال عليه باطل، فإنه الحوالة هنا باطلة، وذلك لأن الحوالة مبنية على لزوم الثمن، وحيث بان أن البيع باطل، فإن الثمن لم يلزم أصلا، وعليه فالحوالة باطلة.

قوله [وإذا فسخ البيع لم تبطل]

إذن إذا بطل البيع بطلت، وإذا فسخ البيع فإنها لا تبطل، وبيان هذا: اشتريت سلعة وكان البيع صحيحا، وكان الثمن إلى شهر، وكان في ذمة شخص لي دين إلى شهر، فأحلت البائع إلى ذلك الشخص، ثم ثبت أن في السلعة التي اشتريتها أمر يثبت الفسخ، فالحوالة هنا لا تبطل، وظاهره مطلقا سواء كان الفسخ بعد القبض أو قبل، بمعنى أحال عليك وأعطيت المال الذي في ذمتك لهذا المحتال، ثم ثبت العيب أو كان هذا قبل القبض، وذلك لأن الثمن لازم أثناء عقد الحوالة، وليس كالبيع الباطل، فإنه ليس بلازم، وإن ظن لازما، فهو في الظاهر لازم لكنه في الباطن ليس بلازم لأن البيع باطل.

قوله [ولهما أن يحيلا] للبائع أن يحيل المشتري لمن أحاله عليه، وللمشتري أن يحيل البائع لمن أحاله عليه، وهذه إنما تكون قبل القبض، وصورة هذا: اشتريت هذه السلعة منك بألف ريال إلى شهر، وقلت: أنا أريد من فلان ألف ريال إلى شهر فخذها منه، ثم فسخ البيع قبل أن تقبض، إذا الحوالة ثابتة، فما هو المخرج منها، المخرج منها أن يقول ذلك الشخص الذي أحلت عليه للبائع: قد أحلتك على فلان فيعود علي، ومثال المسألة الأخرى إذا قال البائع لأحد من الناس أنا أريد من فلان ألف ريال مقابل سلعة قد اشتراها مني، فخذ دينك منها، فالحوالة قد ثبتت، لكن قبل أن يقبض فسخ البيع، فالآن قد برئت ذمة أحدهما، والدين قد انتقل إلى ذمة شخص آخر، فللآخر أن يحيل عليه مرة أخرى هذا إذا كان قبل القبض، أما إذا كان بعد القبض فإنه يرجع عليه بالثمن، مثاله: أحاله على شخص أجبني، ثم قبض المال من هذه الشخص الأجنبي ثم فسخ البيع فإنه يرجع عليه بالثمن.

  • وهنا مسألة: وهي إذا اختلفا فقال أحدهما قد وكلتك، وقال الآخر بل أحلتني، فالقول قول مدعي الوكالة، وذلك لأن الوكالة فيها إبقاء الحق، وأما الحوالة ففيها نقل الحق، والأصل هو إبقاء الحق، فمن ادعى الوكالة فالقول قوله، والبينة على الآخر.

باب الصلح

الصلح في اللغة: قطع المنازعة، أما في الاصطلاح فهي: عقد لازم يتوصل به إلى قطع المنازعة بين المتخاصمين، والبحث هنا في الصلح في الأموال، وقد دلت الشريعة على ثبوت الصلح فقال تعالى ﴿والصلح خير﴾ وقال تعالى ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ ، وروى الترمذي من حديث عمرو بن عوف وله شاهد من حديث أبي هريرة والحديث صحيح بطرقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما) [حم 8566، د 3594، حب 11 / 488، برقم 5091، كلهم من حديث أبي هريرة، ت 1352، جه 2353 من حديث عمرو بن عوف] والصلح نوعان: 1- صلح على إقرار.
2- صلح على إنكار.

وهذا الفصل سيكون في الصلح على الإقرار، والصلح على الإقرار هو أن يقر المدعي عليه بالدعوى ثم يتصالحا على أن يسقط بعضه إن كان دينا أو يهبه بعضها إن كانت عينا أو يعطيه عوضها، مثال الأول: ادعى أن له في ذمته ألف ريال، فأقر المدعي عليه بذلك، ثم وضع عنه المدعي مائة ريال قطعا للمنازعة، ومثال الثاني: أن يدعي عليه أن هذه الدار التي هو سيكنها له، فيقر المدعي عليه بذلك، ثم يتصالحا على أن يترك له المدعي شطرها هبة، ومثال الثالث: أن يقر له بهذه الدار، ثم يتصالحا على أن يعطيه عوضا عنها كأن يعطيه بستانا أو أرضا أو نحو ذلك، وقد روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته فخرج إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك قال يا كعب، قال لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن أبي حدرد: قم فاقضه) [خ 471، م 1558] فهذا من الصلح على الإقرار، فقد وضع عنه شيئا من الدين الذي أقر به.

قوله [إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح] قوله (أسقط) أي من الدين، وقوله (وهب) أي من العين، فإذا أقر له بدين أو أقر له بعين فأسقط من الدين أو وهب البعض من العين وترك الباقي صح، وهذا مذهب جماهير العلماء لما تقدم في حديث كعب بن مالك، وليس فيه إلا أن صاحب الحق قد تنازل عن شيء من حقه برضى منه فكان ذلك جائزا.

قوله [إن لم يكن شرطاه]

أي إن لم يكن الصلح مشروطا، فإن كان الصلح شرطا فلا، فإذا قال: لا أعطيك حقك إلا أن تضع عني بعضه أو لا أتنازل عن العين التي هي لك حتى تهبني بعضها أو حتى تأخذ عوضها، فهذا لا يجوز، وذلك لأن الصلح أحل حراما، وذلك لأن هذا الدين أو العين ملك له، وكذلك ما يراد دفعه العوض عنه كل هذا ملك له فإذا أجبر على شيء من ذلك فقد أجبر على أخذ شيء من حقه بغير رضا منه، وكان من أكل أموال الناس بالباطل.

  • وهل يجوز - إن لم يكن عن شرط - أن يكون بلفظ الصلح؟ مثاله: أقر زيد لعمرو بأن في ذمته له مائة ألف، فقال زيد: قد صالحتك على عشرة آلاف، أو قال: صالحني على عشرة آلاف من غير شرط فصالحه، فهل يجوز ذلك؟ 1- قال الحنابلة: لا يجوز ذلك، وذلك لأن لفظ الصلح هنا يقتضي المعاوضة، فكأنه قال: لا أعطيك حقك حتى تصالحني على كذا، وإن لم يكن هذا حقيقة الأمر لكن اللفظ يقتضيه.
    2- وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد بل يصح ذلك، قالوا: لأن لفظ الصلح لا يقتضي المعاوضة في الأصل، وإنما يقتضي قطع المنازعة، وهذا هو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد وهذا هو الراجح، لأن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، فحقيقة الأمر أنه لا شرط ولا معاوضة، فلا يؤثر هذا اللفظ.

قوله [وممن لا يصح تبرعه] أي بشرط أن يكون ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه فلا، ومعنى العبارة: إن لم يكن شرطاه وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، فإن كان ممن يصح تبرعه فهو جائز، فإذا كان الصلح من ولي أمر اليتيم فلا يصح، لأنه ولي لليتيم ولا يصح تبرعه، فهذا المال ليس له بل هو لليتيم، ولا مصلحة فيه لليتيم، فإنه إسقاط حق من باب الإحسان إلى الخلق فهو هدية أو هبة أو صدقه، وهذا ليس لولي اليتيم، لكن إن كان الحق لا يقدر عليه، ويخشى إن لم يصالح أن ينكر الخصم، فإن له أن يتبرع بشيء من مال اليتيم حفاظا على مصلحته.

قوله [وإن وضع بعض الدين الحال وأجل باقيه صح الإسقاط فقط] مثاله لو قال: أنا أريد أن أحسن إليك بشيئين: الأول: أحسن إليك بوضع بعض الدين عنك، والثاني: أؤجله لك، فمثلا عليه دين حال بألف ريال، فقال: أضع عنك الشطر وأؤجله إلى شهر، فقال هنا: صح الإسقاط دون التأجيل، أما صحة الإسقاط فما تقدم، فقد تنازل عن شيء من حقه برضاه من غير معاوضة، وأما التأجيل فلا يصح لأن الشيء الحال لا يتأجل، وقد تقدم الكلام على هذا في باب القرض، وتقدم اختيار مذهب مالك في هذه المسألة وأن الدين يتأجل بتأجيله، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، فالصحيح أن الإسقاط يصح والتأجيل يصح، وهذا هو الراجح.

قوله [وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالا.... لم يصح] مثاله: عليه في الذمة عشرة آلاف إلى سنة، فقال الدائن: أعطني خمسة آلاف حاله وأبرؤ ذمتك، فقد وضع شطرها، فهذا لا يجوز، وقد تقدم البحث في هذه المسألة وهي مسألة: ضع وتعجل، وأن الراجح جوازها كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

قوله [أو بالعكس] الذي يظهر أن العبارة تكرار للمسألة السابقة، وعليه فهي وهممن المؤلف، فإن العكس أن يقال: إن الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا، كأن يكون عليه مائة ألف حالة، فيقول: أعطني خمسين ألفا إلى سنة، فتكون المسألة هي التي تقدم ذكرها في قوله (وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه صح الإسقاط فقط) ، وفي موضع هذه الكلمة يذكر الحنابلة هذه المسألة كصاحب الأصل وهو المقنع، وغيره من كتب الحنابلة.

قوله [أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه أو يبني له فوقه غرفة.... لم يصح]

وسبب عدم الصحة هو المعاوضة، فإذا أقر أن هذه الدار له بشرط أن يسكنها إلى سنة، أو قال له المدعي: أصالحك عن كذا وأقر لي بهذه الدار فهذه معاوضة على الحق المقر به، أو قال: هذا الحق الثابت لي اعطني إياه وأصالحك على أن تسكنه سنة أو تبني فوقه غرفة أو نحو ذلك، فهذا لا يصح للمعاوضة، فإنه قد حرم حلالا، فإن هذا مباح له، وحرم عليه إلا بعوض، سواء كان العوض سكنى أو بناء أو نحو ذلك.

قوله [أو صالح مكلفا ليقر له بالعبودية] رجل حر، وقال له: أقر لي بالعبودية وأعطيك كذا وكذا، فهذا لا يصح لأن فيه تحليل ما حرم الله، فإن الله حرم العبودية على الحر، وهذا فيه تحليل ما حرم الله.

قوله [أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض لم يصح] إذا قال لامرأة أقري لي بأني زوج لك ولك كذا وكذا، فهذا لا يصح لأنه استباحة فرج قد حرمه الله بغير طريق شرعي.

قوله [وإن بذلاهما له صلحا عن دعواه صح] إذا قالا نحن نبذل لك العوض واترك هذه الدعوى فهذا يصح، مثاله: قال هذا الذي ادعى عليه العبودية وطلب منه الإقرار بها قال: أنا أعطيك العوض، ولا تدعي على هذه الدعوى، فإنه قد يتوصل إلى دعواه بالشهود ونحو ذلك، كذلك قالت هذه المرأة التي يدعي عليها الزوجية قالت: أنا أعطيك العوض ولا تدعي علي هذه الدعوى فإن هذا يصح، لأنه ليس فيه تحليل ما حرم الله، فإن العوض يعتق به العبد، والمال يفارق به الزوجة كما يكون في الخلع فلم يكن فيه تحليل ما حرم الله، ولكن في الباطن يحرم عليه إن كان بغير حق، لأن أكل لأموال الناس بالباطل.

قوله [وإن قال أقر بديني وأعطيك منه كذا ففعل صح الإقرار لا الصلح]

هذه من الحيل التي تخفى على الناس، إن قال: أقر لي بديني وأعطيك منه النصف، ففعل هذا وأقر صح الإقرار لا الصلح، أما الإقرار فيصح لأنه حق ثابت قد أقر به، فلم يصح إنكاره، وأما الصلح فلا يصح لأنه حق ثابت له فلم يعط هذا الحق إلا بعوض فكان العوض باطلا.

  • مسألة: هل يصح الصلح على شيء مجهول أم لا؟ في المسألة تفصيل:
  • فإن كان هذا المجهول لا يمكن التوصل إليه فإن الصلح يصح.
  • أما إذا كان يمكن التوصل إليه ومعرفته فإن الصلح لا يصح.
    مثال الأول: إذا كانت هناك مواريث مجهولة، أو كانت هناك أراضي لا يدرى حدودها ولا يميز بينها ولا يمكن معرفة هذا، فتصالحا على شيء وتراضيا عليه، فلا بأس بذلك، للحاجة الداعية إليه، ولما فيه من إبراء الذمم، وإعطاء ما يمكن إعطاؤه من الحق، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود بإسناد حسن من حديث أم سلمة قالت: (جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته أو قد قال لحجته من بعض فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما - أي حديدة تسعر بها النار - في عنقه يوم القيامة فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لأخي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه [حم 26117، د 3584] ففي الحديث دلالة على جواز الصلح على شيء مجهول لا يمكن معرفته.
    وأما إذا كان المجهول يمكن معرفته فقولان في مذهب الحنابلة: القول الأول: هو الجواز.

القول الثاني: هو المنع، مثال هذا: إذا صالح الورثة زوجة أبيهم على شيء من المال لتتنازل عن حقها من الإرث وهي لا يعلم قدر حقها، لكن يمكن معرفته بحصر مال مورثها، فهل يجوز هذا؟ قولان في المذهب، وأصحهما المنع من ذلك، لأنه معاوضة فأشبه البيع، وبيع المجهول لا يجوز إلا عند الحاجة إليه، ولأن فيه غررا ومخاطرة وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر.

فصل تقدم الكلام على الصلح على الإقرار، وهان فصل في الصلح على الإنكار، أي أن يصالح المدعى عليه المدعي مع عدم إقراره، فهو لا يقر بالدعوى التي ادعيت عليه في ماله لكنه يصالح المدعي قطعا للخصومة وصيانة للمال وإبراء للذمة، مثال ذلك: أن يعدي عليه أن هذه الدار ليست له، وهي في يده، فيصالح المدعي على شيء من المال يعطيه إياه أو شيء مما تقدم ذكر كأن يهبه بعضها إن كانت عينا أو يعطيه عوضا، فهذا هو الصلح على الإنكار، وجمهور أهل العلم على القول به، ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الصلح جائز بين المسلمين) ولما تقدم من جواز الصلح الذي بمعنى البيع وهو أن يدعي عليه أن هذه الدار ليست له فيقر بذلك لكن يقول: صالحني على أن تأخذ موضعها بستاني فهذا جائز باتفاق أهل العلم فكذلك الصلح على الإنكار، ومنع الشافعية من الصلح على الإنكار وقالوا: لا يجوز، لأنه عاوض على شيء لم يثبت له، فإن المدعي لم يثبت حق له على المدعى عليه، فإن المدعى عليه لم يقر، فيكون هذا المدعي قد أكل مال أخيه بالباطل، وقد عاوض عما لم يثبت له، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - (إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما) ، قالوا: وهذا قد أحل حراما، فإن مال المسلم محرم، وهذا الصلح قد أحله، والجواب عند جمهور العلماء عما ذكره الشافعية هو كالتالي:

أما قولهم إنه عاوض على ما لم يثبت له، فالجواب: أنه عاوض على شيء قد ثبت عنده، فهو يعلم أن الحق له، وقد ادعى ذلك، وهو يعتقد أن الحق له، ولذلك عاوض عنه، هذا في جهة المدعي، أما في جهة المدعى عليه فإنه قد دفع ما دفع قطعا للخصومة وإبراء للذمة وتركا لليمين التي يطالب بها، فلم يكن في ذلك شيء مما ذكره الشافعية، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما) فمراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ الصلح الذي يتوصل به إلى تحليل الحرام، فهو ما زال محرما، ومع ذلك فإن هذا الصلح يتوصل به إلى تحليله، فهذا الصلح محرم وممنوع، كأن يتوصل بالصلح إلى حل الربا أو تعبيد الحر أو تحليل البضع ونحو ذلك، وعليه فما ذهب إليه جمهور العلماء من الأحناف والمالكية والحنابلة هو القول الراجح في هذه المسالة خلافا لمذهب الشافعية.

قوله [ومن ادعى عليه بعين أو دين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالح عليه بمال صح] قوله (بعين) كأن يعدي عليه أن هذه الدار التي بيده ليست له، وإنما لفلان، وقوله (دين) كأن يدعي عليه إنسان أن له عليه ألف ردهم ونحو ذلك، أو يدعي عليه أن اشترى سلعة بثمن مؤجل إلى شهر ولم يدفع الثمن بعد، وقوله (فسكت) أي ولم يقر، فهو صلح على عدم إقرار سواء كان على إنكار أو سكوت، والسكوت بمعنى الإنكار فإنه لم يقر به، وقوله (وهو يجهله) أي يجهل ثبوت هذا الشيء، فهو يظن أنه لا يثبت، وقوله (ثم صالح عليه بمال صح) فإذا صالح بمال كأن يقول هذه الدار التي ادعيت أنها لك أصالحك عليها بمائة ألف ريال، أو أصالحك بأن أعطيك بعضها فهذا يصح، وهو الصلح على الإنكار وتقدم دليله، وأن هذا القول هو مذهب جمهور العلماء.

قوله [وهو للمدعي بيع يرد معيبه ويفسخ الصلح ويؤخذ منه بشفعة، وللآخر إبراء فلا رد ولا شفعة] هنا مسألة: وهي هل الصلح على الإنكار بيع أم لا؟

أي هل هو بيع فتثبت فيه أحكام البيع، أم ليس بيعا فلا تترتب عليه أحكام البيع؟ المسألة ذات جهتين: 1- الجهة الأولى: جهة المصالح - بكسر اللام - وهو المدعى عليه.
2- الجهة الثانية: جهة المصالح - بفتح اللام - وهو المدعي.
أما المدعى عليه فليس الصلح في حقه بيعا، وإنما دفعه إبراء للذمة، وليس فيه معاوضة.
أما في حق المدعي فإنها معاوضة، لأنه يعتقد أن هذه الدار له، فعاوض عنها بكذا من الدراهم، فكأن هذا بيعا في حقه، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الصلح على شيء من هذه الذي يثبت الادعاء فيه، فإن هذا يكون استرجاعا لا معاوضة، ففي المثال المتقدم ذكر وهو مثال الدار، فإذا قال: أصالحك على أن أعطيك جزءا منها فأعطاه الجزء، فلا يكون معاوضة في حق المدعي وذلك لأن الأمر لا يعدو أن يكون استرجاعا للحق، فهو يعتقد أن الدار له، وقد استرجع بعضها فلا يكون هذا فيه معنى المعاوضة، وإنما تكون المعاوضة حيث كان ما وقع عليه الصلح فيه شيئا آخر سوى هذه العين التي اختلف عليها.
إذا ثبت هذا فإن الصلح في حق المدعي يترتب عليه أحكام البيع، وأما الآخر فلا تترتب عليه أحكام البيع، وعليه فإذا وجد المدعي عيبا فله أخذه مع الأرش على القول به كالبيع، وله أن يفسخ الصلح كالبيع، ويتثبت فيه الشفعة، وسيأتي الكلام عليها، وأما المدعى عليه فالصلح في حقه إبراء.

قوله [وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنا وما أخذه حرام] إذا كان أحدهما كاذبا في الدعوى، سواء كذب في الدعوى أو كذب في الإنكار فلا يجوز له ما أخذه، فالمدعى عليه إذا كان كاذبا وسكت أو أنكر فبقي له شيء من هذه الدار فلا يحل له هذا البعض وهو يعلم كذب نفسه، وكذلك المدعي لو ادعى على شخص شيئا وهو يعلم كذب نفسه فأخذ مالا مصالحة فما أخذه يعتبر حراما، وهو في حكم الغصب، وهو من أكل أموال الناس بالباطل.

قوله [ولا يصح بعوض عن سرقة وقذف]

رجل ثبت عليه السرقة أو ثبت عليه حد القذف فهل يجوز الصلح فيه؟ الجواب: لا يجوز الصلح فيه، وذلك لأنه حق لا يعتاض عليه، فليس من الحقوق التي يؤخذ عليها العوض، فمثلا: إذا ثبت قذف رجل لآخر، فقال المقذوف أصالحه على كذا من المال، أو قال المسروق منه أصالحه على كذا من المال، فهذا لا يجوز ولا يصح الصلح فيه.
وأما القصاص والقود فيصح الصلح فيه وذلك لأنه حق يعتاض عليه في الدية، فإذا ثبت القصاص ولم يرض أولياء المقتول بالدية فلأولياء القاتل أو للقاتل أن يعرضوا عليهم أكثر من الدية ولو كان ذلك أضعافا مضاعفة، وذلك لأن القصاص حق يعتاض عنه.

قوله [ولا حق شفعة] حق الشفعة لا يحوز فيه الصلح، مثال هذا: ارض فيها شراكة، فباع أحد الشركاء نصيبه من الأرض المشترك فيها، فتثبت الشفعة للطرف الآخر، فله الحق أن يشتري هذا الجزء المباع على ما سيأتي تفصيله في باب الشفعة، فحق الشفعة ثابت للشريك، فهل يجوز لهذا الشريك أن يعتاض عن حق الشفعة بمال؟ الجواب: لا يجوز ذلك، قالوا: لأن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الشريك ولم تشرع للاستفادة المالية، قالوا: وكذلك الخيار فليس له أن يبيع حقه من الخيار، كأن يكون الخيار بينهما مدة شهر، فيقول أسقط حق الخيار بكذا وكذا، قالوا: كذلك لا يجوز هذا، وذلك لأن الخيار إنما شرع لأن يختار ما هو أحظ له، لا ليستفيد منه استفادة مالية، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والقول الثاني: أن ذلك جائز لأنها معاملة والأصل في المعاملات الحل، وكون الشارع لم يشرعه إلا لدفع الضرر لا يعني هذا أن الاستفادة المالية لا تجوز، وهو حق له، وقد اختار لنفسه احتمال الضرر من الشريك ورضي بذلك مقابل المال فلم يمنع من ذلك، وهذا القول هو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهو الراجح.

قوله [وترك شهادة]

لا يجوز الصلح على ترك الشهادة، سواء كانت شهادة حق أم شهادة باطل، مثال شهادة الحق: قال به أصالحك على ألا تشهد علي، وهي شهادة حق فيها إثبات حق مالي عليه، أو فيها إثبات قصاص أو نحو ذلك، فهذا محرم، لأنه كتمان للشهادة، وقد حرم الله كتمانها، وإذا كانت الشهادة بالباطل فلا يجوز الصلح عليها، لأنه يكون قد أكل مال أخيه بالباطل، مثاله: إذا قال: أصالحك على ألا تشهد علي، وكان هذا الشاهد يريد أن يشهد عليه شهادة زور، فقال: لا تشهد علي وأعطيك كذا وكذا صلحا، فهذا لا يجوز، وذلك لأن الشاهد يأكل المال بالباطل، ولا يظهر هنا أن هذا محرم، مع حرمة ذلك على الشاهد، وذلك لأن فيه دفعا للضرر عن نفسه.

قوله [وتسقط الشفعة والحد] بيان هذا، إذا قال له: أسقط حق الشفعة ولك كذا وكذا، أو قال الشريك أصالحك على ألا شفعة لي وأعطني كذا وكذا من المال، فهذا الصلح محرم كما تقدم، وهل تبقى الشفعة، قالوا: لا، بل تسقط عنه الشفعة، فليس له بعد هذا الصلح المحرم حق في الشفعة، والعوض الذي أخذه يرده على صاحبه، أما سقوط الشفعة فلأنه رضي بإسقاط الشفعة بهذا المال الذي عرض عليه، وأما رد العوض فلأنه صلح باطل، والقول الثاني في المسألة في مذهب الحنابلة أن الشفعة لا تسقط، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأنه إنما رضي بإسقاط الشفعة مقابل هذا المال، فإذا ثبت أنه لا حق له في هذا المال، على القول بذلك فحينئذ ينتفي رضاه، فهو إنما رضي بشرط العوض، وحيث لا عوض فلا رضى، وحيث لا رضى فالشفعة لا تسقط، وعلى القول بصحة الصلح في الشفعة وهو الراجح كما تقدم فلا إشكال في هذه المسألة.

قالوا: وإذا ثبت الصلح في حد السرقة أو قذف فإن الحد يسقط ويرد العوض على صاحبه، أما سقوط الحد فلأنه رضي بإسقاطه، وأما رد العوض فلأن الصلح باطل، والجواب أن يقال: إنه إنما رضي بإسقاطه حيث ثبت العوض وأما إن لم يثبت العوض فلا رضا، وهذا على القول بأن الحد حق للآدمي كحد القذف، والصواب أنه حق لله تعالى وللآدمي، فلا يسقط بإسقاط الآدمي له، فإذا أسقط المقذوف حقه فإن الحد لا يسقط لبقاء حق الله عز وجل، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في باب الحدود، وعلى هذا فالصحيح أن الشفعة يثبت فيها الصلح، وأن الحدود إن كان يعتاض عنها كحد القصاص فإن الصلح يثبت فيها، وأما إن كانت لا يعتاض عنها كحد القذف وحد السرقة فلا صلح فيها كما سبق بيانه.

  • واعلم أن صلح الأجنبي عن المنكر صحيح سواء كان بإذن المنكر أو بدون إذنه، مثال هذا: ادعى زيد على عمرو أن الدار التي بيد عمرو له، فصالح أجنبي وهو بكر، صالح زيدا على كذا وكذا من المال، مقابل ترد هذه الدعوى وقطع هذه الخصومة عن عمرو، فإن هذا الصلح جائز سواء أذن بذلك المدعى عليه أو لم يأذن، وقد تقدم فيما مضى ما إذا صالح المدعى عليه عن نفسه، وإذا صالح الأجنبي عنه فإن هذا جائز سواء أذن بذلك المدعى عليه أم لم يأذن، وذلك لأن الصلح فيه إبراء للذمة وقطع للخصومة فأشبه قضاء الدين عنه، وتقدم أن قضاء الدين عنه جائز أن أم لم يأذن.
    ** وهل يرجع عليه أم لا؟ الجواب فيه تفصيل:
  • إذا أذن له المدعى عليه بالمصالحة عنه، ولم ينو هذا الأجنبي التبرع بل نوى الرجوع، فإنه يرجع عليه فيأخذ حقه ويكون كالوكيل.
  • وأما إذا لم يؤذن له بذلك وتصرف من غير إذن فإنه لا يرجع مطلقا سواء نوى التبرع أم لم ينوه، لأن هذا الصلح غير لازم للمنكر فإنه يمكنه أن يدفع هذه الخصومة باليمين فلم يكن هذا الصلح لازما في حقه، فحينئذ لا يلزمه أن يعطي الأجنبي ما دفعه من المال في هذا الصلح، لأنه قد تصرف عنه بما لا يلزمه، فلا يجب عليه كما تقدم في مسألة شبيهة بهذه.

قوله [وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله] هنا في أحكام الجوار وهي داخلة في مسائل الصلح، لأن الصلح يجوز في مسائل منها يأتي ذكرها إن شاء الله، أو أن يكون هذا من باب ذكر الشيء مع ما يناسبه.
فإذا حصل غصن شجرته في هواء غيره أو قراره أزاله، لأن مالك القرار مالك للهواء، فمن ملك أرضا فإنه يملك هواءها، وتقدم هذا في باب بيع الأصول والثمار، فإذا غرس جاره شجرة في ملك نفسه فخرجت أغصانها إلى قرار أرض جاره أو هوائها وطالبه الجار بإزالة ذلك فإنه يجب عليه أن يزيلها، ولذا قال المؤلف هنا (أزاله) ، هذا إذا كان يطلب منه ذلك، وهل يجبر على هذا أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: وهو المشهور من المذهب أنه لا يجبر، قالوا: لأنه هذا ليس من فعله.
القول الثاني: وهو الراجح أنه يجبر على هذا، لأنه وإن لم يكن من فعله فهو من فعل ملكه، وهذا الشجر في ملكه، والشجر غير مكلف فكان التكليف لاحقا للمالك، فعليه أن يزيله، فإن أجبره الحاكم فلم يفعل فترتب ضرر بعد مطالبة الجار فإنه حينئذ يضمن لأنه قد تعدى والمتعدي ضامن.

قوله [فإن أبى لواه إن أمكن وإلا قطعه]

فإن أبى أن يزيله فإنه يلويه، أي يلوي الجار الغصن الذي خرج على أرضه، يلويه إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن فله أن يقطعه وليس له أن يقطعه مع إمكان ليه، فإن قطعه مع إمكان ليه فإنه يضمن لأنه متعدي والمتعدي ضامن، إذن يلويه فإن لم يمكنه فإنه يقطعه ولا ضمان عليه حينئذ للحوق الضرر به، وكان هذا كالصائل الذي لا يدفع إلا بالقتل.
كذلك عروق الشجر إذا دخلت في أرضه فكذلك لأن الشخص يملك الأرض وقرارها، ولا يجوز لصاحب الملك أن يضع في ملكه ما يتضرر به جاره، كأن يغرس فيه أثلا أو أن يضع فيه تنورا، أو يضع فيه حماما فيه بخار بحيث يلحق الجار ضرر، فهذا لا يجوز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) [حم 2862، جه 2340] فهو يتصرف في ملكه بما شاء في حدود ما أباحه الله، لكن ليس له أن يفعل في ملكه ما يكون فيه ضرر على جاره.

قوله [ويجوز في الدرب النفاذ فتح الأبواب للاستطراق] الدرب النافذ هو الذي ثبتت فيه الملكية العامة وليست خاصة، فله أن يفتح عليه الأبواب للاستطراق أي لتكون طريقا، فهذا جائز ولا خلاف فيه جوازه، لأن هذا لا يضر بالمجتازين والحاجة داعية إليه، وما زال المسلمون يفعلونه قديما وحديثا من غير نكير.

قوله [لا إخراج روشن وساباط]

الروشن: كان موجودا قديما ويوجد أيضا في البيوت المسلحة، وهو أن يضع شيئا من الأخشاب ونحوها فتمتد إلى الخارج ثم يبني عليه ما يقارب المتر أو المترين ونحوه، أما الساباط فهو أن تمتد الأخشاب حتى تصل إلى الجدار المقابل سواء كان جداره أو جدار غيره ثم يبني عليه، فلا يجوز أن يضع الروشن والساباط، قالوا: لأن الهواء ملك لغيره، فإذا بناه فقد بناه على ملك غيره، ولأنه قد يضر بالمجتازين بالسقوط، فقد يسقط، ولأنه - لاسيما الساباط - يسد الهواء، ويمنع دخول الضوء، قالوا: فلا يجوز إلا بإذن السلطان، فإذا أذن فإنه يجوز ذلك، لأن السلطان نائب المسلمين، وهو حق للمسلمين، فإذا أذن فيه السلطان وهو نائبهم جاز، وعن الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء أن ذلك جائز حيث لا ضرر، وأما المذهب فإنهم يمنعون منه مطلقا سواء كان فيه ضرر أم لم يكن، قال الجمهور: يجوز ذلك إذا لم يكن فيه ضرر، لأن الطريق يسلكه المارة ويجلسون فيه، فكذلك يجوز هذا، واجب الحنابلة بأن المشي في الطريق إنما وضع الطريق له، لم يمنع منه، ولأن الجلوس في الطرقات لا يدوم ولا يمكن التحرز منه بخلاف هذا، وما ذهب إليه الحنابلة أظهر وأنه يحتاج إلى إذن السلطان، وذلك لأن هذا الهواء ملك عام للمسلمين فاحتيج إلى إذنهم، والسلطان هو نائبهم، وبناءه بغير إذن تصرف في ملك الغير، ولأنه قد يقع فيه ضرر، ولا شك أن فتحه من غير إذن السلطان قد يترتب عليه مفاسد كثيرة، فالصحيح ما ذهب إليه الحنابلة.

قوله [ودكة]

الدكة هي المكان المرتفع يبنى عند الدار ويجلس عليه، وهذا لا يجوز، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يجوز، كما قال ذلك الموفق، فلا يجوز هذا سواء كان الطريق واسعا أو ضيقا لأنه تصرف في الملكية العامة، وأما إذا أذن السلطان فإنه يجوز لأنه نائب المسلمين، ولا ينبغي للسلطان أن يأذن إلا إذا لم يكن هناك ضرر بالمارة، بل إذا ثبت ذلك فإنه لا يجوز ولو أذن السلطان لحديث: (لا ضرر ولا ضرار)

قوله [ولا ميزاب] لا يجوز أن يوضع الميزاب، بحيث يصب في الطريق، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأنه يزلق الطريق، ولأنه قد يؤذي المارة فيصب عليهم، وعليه فيحتاج إلى إذن من السلطان، والقول الثاني في المسألة وهو مذهب جمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن ذلك جائز، قالوا: لأن الحاجة داعية إلى وضعه لأنه يدفع الضرر عن البيت، وعادة الناس جارية على وضعه قديما وحديثا ولا نكير فيه، وكونه يزلق ويؤذي المارة فإن هذا ضرر ضعيف بالنسبة إلى الضرر الذي يقع في بيوت الناس، وكون الزلق في الطريق هذا يقع مع الأمطار ومع سيل الماء من البيوت وهذا يقع غالبا، فيكون حدوث هذا في ضمن حدوث غيره، فالذي يظهر أنه لا يحتاج إلى إذن من السلطان لأن الحاجة داعية إليه، والعادة جارية به.

قوله [ولا يفعل ذلك في ملك جاره ودرب مشترك بلا إذن المستحق] فليس له أن يضع في هواء جاره روشنا ولا ساباطا ولا ميزابا ولا دكة ولا غير ذلك، وذلك لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه فلم يحل، كذلك الدرب المشترك لا يحل له أن يفعل فيه مثل هذا، بل يتوقف هذا على إذن المشارك لأن فيه ملكية للغير فاحتيج منه إلى الإذن، فإن أذن فهذا جائز.

قوله [وليس له وضع خشبة على حائط جاره إلا عند الضرورة إذا لم يمكنه التسقيف إلا به وكذلك المسجد وغيره] يجوز له أن يضع خشبة على حائط جاره بشرطين:

الأول: ألا يكون في ذلك ضرر على الجار، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) الثاني: أن تكون هناك ضرورة لذلك، أما إذا كانت حاجة فلا، فإذا كان يمكنه أن يضع الخشب على غير جدار جاره كأن ينصب خشبا فيضعها عليه أو أن يضع جدارا آخر فإنه ليس له أن يفعل ذلك - هذا هو كلام المؤلف - وكذلك المسجد وغيره كالوقف من باب أولى، لأنه إذا ثبت في حق الآدمي المبني حقه على المشاحة ففي حق الله المبني على المسامحة أولى، ودليل هذه المسألة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره) متفق عليه من حديث أبي هريرة [خ 2463، م 1609] وظاهر الحديث عدم اشتراط الضرورة، فالحديث عام في الضرورة وغيرها، وهو قول ابن عقيل من الحنابلة، وأن الجار له أن يغرز خشبه على جدار جاره حيث لا ضرر على الجار، وإن لم تكن هناك ضرورة، وهذا القول هو الموافق لظاهر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فالصحيح أنه لا يشترط الضرورة، بل ذلك جائز حيث لا ضرر لعموم الحديث، وقال جمهور العلماء: لا بد من الإذن، وحملوا الحديث على الكراهية، وأن له أن يمنع لكن يكره له المنع، وهذا يخالف ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ظاهر قوله التحريم، قال الجمهور: ليس له أن يضع خشبه على جدار جاره عند الضرورة مع عدم الضرر إلا بإذن الجار، واستدلوا بالأحاديث العامة في أنه لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس منه [حم 20172] والجواب: أن هذا الحديث عام، والحديث الذي استدل به الحنابلة خاص، فيخصص عموم هذا بهذا، إذن له أن يغرز الخشبة في جدار جاره من غير إن حيث لا ضرر سواء أكانت هناك ضرورة أم لم تكن.

قوله [وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه]

إذا انهدم جدارهما المشترك، أو خيف ضرره أي خيف أن يسقط كأن يظهر فيه انهدام أو شيء من الاعوجاج ونحو ذلك، فطلب أحدهما من الآخر أن يعمره معه فإنه يجبر على ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، وقال الأحناف والشافعية لا يجبر على ذلك، أما دليل أهل القول الأول فهو حديث: (لا ضرر ولا ضرار) وانهدامه يضر بالجار، واستدل أهل القول الثاني بعلة وهي أن هذا الجار الذي لم يشأ أن يبني جداره لا يلزمه أن يبنيه، والجدار لا حرمة له، فلم يجب عليه أن ينفق عليه، فالنفقة غير واجبة في بنائه وإصلاحه ونحو ذلك، وما ذكروه صحيح حيث كان الجدار له وحده، أما وله مشارك فلا يظهر تعليلهم، وعليه فالراجح هو القول الأول، ويؤيده ما سبق ذكره في الرهن وأنه يلزم بالنفقة على الرهن حيث كان هناك ضرر على الآخر، وهنا كذلك.

قوله [وكذا النهر والدولاب والقناة] كذلك النهر إذا احتاج إلى إصلاح فإن كل من يستفيد من هذا النهر فإنه يلزم بهذا الإصلاح، وهذا يتضح في الأنهار التي تحتاج إلى إصلاح وتعمير وحفر، وذلك لأنه شيء مشترك فأشبه المسألة المتقدمة، فإن الحقوق متعلقة به، بخلاف ما لو كان منفردا، كذلك الدولاب، وهو الذي تديره الدابة للسقي بمعنى: يكون في البئر أو عند النهر فتديره الدواب فيسقي منه الناس، فالدولاب إذا احتاج إلى إصلاح فكذلك كما يكون في الجدار، وكذلك القناة، وهي ما يشق من النهر مما يكون مجرى للماء، أي يجري إلى بعض مزارع الناس أو إلى بيوتهم، فكذلك إذا احتاج إلى إصلاح فإنه يجبر الآخرون، لأنه حق مشترك، لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) .

ومن هذا الحديث يؤخذ أن الجار إذا كان منزله عاليا فإنه يؤمر بوضع سترة تمنعه من الإشراف على جيرانه، وأما إن كانت البيوت متساوية في العلو ويشرف بعضها على بعض فإن السترة يشترك فيها، وذلك لما تقدم في الجدار المشترك، فهنا ما دام أن البيوت متساوية فإن السترة يشترك فيها، فإذا أراد بعض الجيران عمل سترة فإن له أن يطالب بقية الجيران بوضع السترة لأنه حق مشترك.

  • مسألة: هل يجوز أن يقول الجار لجاره: آذن لك أن تجعل الأغصان تمتد، ولكن آخذ منك جزءا من ثمرها أو آخذ منك كذا وكذا من الدراهم؟ الجواب: هذا جائز، فإن قيل: امتداد الأغصان مجهور، فأصبح المصالح عنه مجهولا فلا يجوز، فالجواب: أن هذا المصالح عنه مجهول لا يمكن العلم به، فأشبه الإرث الدارس، وحيث كان المصالح عنه مجهولا يحتاج إليه ولا يمكن معرفته فإن الصلح جائز كما تقدم في مسألة شبيهة بهذه، وفي المسألة قولان في المذهب، فالمشهور من المذهب المنع منه لأن المصالح عنه مجهول، والقول الثاني أنه جائز، قال الموفق: " واللائق في مذهب أحمد صحته " ا. هـ.

باب الحجر

الحجر لغة: المنع، وفي اصطلاح الفقهاء: منع الإنسان من التصرف في ماله، والحجر نوعان: 1- حجر لحظ النفس، كالحجر على الصبي في ماله.
2- حجر لحظ الغير، كالحجر على المفلس.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنه حجر على معاذ في ماله وباعه في دين كان عليه) [هق 6 / 48، قط 4 / 230] وعليه العمل، وله شاهد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من فعله، رواه مالك في موطئه أنه حجر على رجل من جهينة [ك 1501، كتاب الأقضية] والعمل على هذا عند أهل العلم، وفيه حفظ للحقوق، فالحجر على الغير فيه حفظ لحقوق الغير من الضياع، فالحجر على المفلس فيه حفظ لحقوق الدائنين من الضياع، كما أن في ذلك إبراء للذمة من هذا الدين، والحجر لحظ النفس فيه حفظ لمال المحجور عليه من الضياع.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل