كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
4133 - حَدَّثَنَا أَبُو شُرَيْحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى , قَالَ: ثنا الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , أَنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ "﴾ [البقرة: 196] قَالَ: «مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْعَلْهُ يَحِلُّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْإِحْصَارِ حَتَّى يَنْحَرَ عَنْهُ الْهَدْيَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ , فَقَدْ حَلَّ» فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى «فَقَدْ حَلَّ» عِنْدَهُ , أَيْ: لَهُ أَنْ يَحِلَّ , عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ , وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا , عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا
4134 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ شَدَّادٍ الْعَبْدِيُّ , صَاحِبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ , قَالَ: لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا بِذَاتِ التَّنَانِينِ , وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا , فَلَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَذَكَرْنَا لَهُ أَمْرَهُ.
فَقَالَ: " يَبْعَثُ بِهَدْيٍ , وَيُوَاعِدُ أَصْحَابَهُ مَوْعِدًا , فَإِذَا نَحَرَ عَنْهُ حَلَّ
4135 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ «ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ»
4136 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
4137 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنِ الْحَكَمِ , قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ , يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَهَلَّ رَجُلٌ مِنَ النَّخْعِ بِعُمْرَةٍ يُقَالُ لَهُ , عُمَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ , فَلُدِغَ فَبَيْنَا هُوَ صَرِيعٌ فِي الطَّرِيقِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَسَأَلُوهُ.
فَقَالَ: «ابْعَثُوا بِالْهَدْيِ , وَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ يَوْمًا أَمَارَةً , فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ , فَلْيَحْلِلْ» قَالَ الْحَكَمُ: وَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ , وَكَانَ حَدَّثَكَ بِهِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: وَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مِنْ قَابِلٍ.
قَالَ: شُعْبَةُ وَسَمِعْتُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَهُ بِهِ , مِثْلَ مَا حَدَّثَ الْحَكَمُ سَوَاءً
4138 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ سَالِمٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , أَنَّهُ قَالَ: "
الْمُحْصَرِ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ , وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ , وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا , وَالدَّوَاءِ , صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا , عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا يُوَافِقُ مَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ حَدِيثَ الْحَجَّاجِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ هَذِهِ فِي الْإِحْصَارِ الَّذِي هَذَا حُكْمُهُ , بِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ أَوْ بِأَيِّ مَعْنًى يَكُونُ.
فَقَالَ قَوْمٌ: يَكُونُ بِكُلِّ حَابِسٍ يَحْبِسُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ الَّذِي حُكْمُهُ مَا وَصَفْنَا , إِلَّا بِالْعَدُوِّ خَاصَّةً , وَلَا يَكُونُ بِالْأَمْرَاضِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ
4139 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا أَبُو شُرَيْحٍ , قَالَ: ثنا الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
قَالَ: " لَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ إِلَّا مِنْ عَدُوٍّ
4140 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ سَالِمٍ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حُبِسَ , دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ , فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ , وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» فَلَمَّا وَقَعَ فِي هَذَا , هَذَا الِاخْتِلَافُ , وَقَدْ رَوَيْنَا , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو , وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ , يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ , فَقَدْ حَلَّ» وَعَلَيْهِ حُجَّةٌ أُخْرَى " ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِحْصَارَ يَكُونُ بِالْمَرَضِ , كَمَا يَكُونُ بِالْعَدُوِّ.
فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ , مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ.
وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَاهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ إِحْصَارَ الْعَدُوِّ , يَجِبُ بِهِ لِلْمُحْصَرِ , الْإِحْلَالُ كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرَضِ , فَقَالَ قَوْمٌ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَدُوِّ فِي ذَلِكَ , إِذَا كَانَ قَدْ مَنَعَهُ مِنَ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ , كَمَا مَنَعَهُ الْعَدُوُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمُهُ بَائِنٌ مِنْ حُكْمِ الْعَدُوِّ.
فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ , مَا أُبِيحَ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الْعَدُوِّ , هَلْ يَكُونُ مُبَاحًا بِالضَّرُورَةِ بِالْمَرَضِ أَمْ لَا؟ فَوَجَدْنَا الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يُطِيقُ الْقِيَامَ , كَانَ فَرْضًا أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا , وَإِنْ كَانَ يَخَافُ إِنْ قَامَ أَنْ يُعَايِنَهُ الْعَدُوُّ فَيَقْتُلَهُ , أَوْ كَانَ الْعَدُوُّ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ , فَمَنَعَهُ مِنَ الْقِيَامِ , فَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا , وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ زَمَانَةٌ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَامِ , أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ , وَحَلَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا , يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِذَا أَطَاقَ ذَلِكَ , أَوْ يُومِئُ إِنْ كَانَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ.
فَرَأَيْنَا مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ هَذَا بِالضَّرُورَةِ مِنَ الْعَدُوِّ , قَدْ أُبِيحَ لَهُ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الْمَرَضِ وَرَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا حَالَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ , سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْوُضُوءِ , وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي.
فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي قَدْ عُذِرَ فِيهَا بِالْعَدُوِّ , قَدْ عُذِرَ فِيهَا أَيْضًا بِالْمَرَضِ , وَكَانَ الْحَالُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً.
ثُمَّ رَأَيْنَا الْحَاجَّ الْمُحْصَرَ بِالْعَدُوِّ , قَدْ عُذِرَ فَجُعِلَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ مَا جُعِلَ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يَفْعَلَ , حَتَّى يَحِلَّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْصَرِ بِالْمَرَضِ فَالنَّظَرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْعُذْرِ بِالضَّرُورَةِ بِالْعَدُوِّ , يَجِبُ لَهُ أَيْضًا بِالضَّرُورَةِ بِالْمَرَضِ , وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ سِوَاهُ , كَمَا كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً , فِي الطِّهَارَاتِ , وَالصَّلَوَاتِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ هَذَا فِي الْمُحْرِمِ بِعُمْرَةٍ , يُحْصَرُ بِعَدُوٍّ أَوْ بِمَرَضٍ.
فَقَالَ قَوْمٌ: يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيُوَاعَدُهُمْ أَنْ يَنْحَرُوهُ عَنْهُ , فَإِذَا نَحَرَ حَلَّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ أَبَدًا , وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ.
وَكَانَ مِنَ الْحَجَّةِ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْهَا بِالْهَدْيِ , مَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , «لَمَّا أَحْصَرَ بِعُمْرَةٍ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَصَرَتْهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، فَنَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَّ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ الْإِحْصَارُ» , إِذْ كَانَ لَا وَقْتَ لَهَا كَوَقْتِ الْحَجِّ , بَلْ جَعَلَ الْعُذْرَ فِي الْإِحْصَارِ بِهَا , كَالْعُذْرِ فِي الْإِحْصَارِ بِالْحَجِّ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْإِحْصَارِ فِيهِمَا سَوَاءٌ , وَأَنَّهُ يَبْعَثُ الْهَدْيَ حَتَّى يَحِلَّ بِهِ مِمَّا أُحْصِرَ بِهِ مِنْهُمَا.
إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ فِي الْعُمْرَةِ قَضَاءَ عُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهِ , وَعَلَيْهِ فِي الْحَجَّةِ , حَجَّةً مَكَانَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَةً لِإِخْلَالِهِ.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْعُمْرَةِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمُحْرِمُ مُحْصَرًا بِهَا , مَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي ذَلِكَ , فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ قَدْ فُرِضَتْ عَلَى الْعِبَادِ , مِمَّا جُعِلَ لَهَا وَقْتٌ خَاصٌّ , وَأَشْيَاءُ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ , مِمَّا جُعِلَ الدَّهْرُ كُلُّهُ وَقْتًا لَهَا.
مِنْهَا الصَّلَوَاتُ , فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتٍ خَاصَّةٍ , تُؤَدَّى فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِأَسْبَابٍ مُتَقَدِّمَةٍ لَهَا , مِنَ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ , وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ.
وَمِنْهَا الصِّيَامُ فِي كَفَّارَاتِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَاتِ الصِّيَامِ , وَكَفَّارَاتِ الْقَتْلِ , جُعِلَ ذَلِكَ عَلَى الْمُظَاهِرِ , وَالْقَاتِلِ
لَا فِي أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا , بَلْ جُعِلَ الدَّهْرُ كُلُّهُ وَقْتًا لَهَا , وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحَانِثِ فِي يَمِينِهِ , وَهِيَ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
ثُمَّ جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي يَتَقَدَّمُ , وَالْأَسْبَابُ الْمَفْعُولَةِ فِيهَا فِي ذَلِكَ , عُذْرًا إِذَا مُنِعَ مِنْهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا جُعِلَ لَهُ فِي عَدَمِ الْمَاءِ , مِنْ سُقُوطِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا جُعِلَ لِلَّذِي مُنِعَ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنْ يُصَلِّيَ بَادِيَ الْعَوْرَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا جُعِلَ لِمَنْ مُنِعَ مِنَ الْقُبْلَةِ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا جُعِلَ لِلَّذِي مُنِعَ مِنَ الْقِيَامِ , أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا , يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ , فَإِنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا , أَوْمَأَ إِيمَاءً , فَجُعِلَ لَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَقْتِ مَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ الْعُذْرُ , وَيَعُودُ إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْعُذْرِ , وَهُوَ فِي الْوَقْتِ , لَمْ يَفُتْهُ.
وَكَذَلِكَ جُعِلَ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي أَوْجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّوْمَ , لِمَرَضٍ حَلَّ بِهِ مِمَّا قَدْ يَجُوزُ بُرْؤُهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ , وَرُجُوعُهُ إِلَى حَالِ الطَّاقَةِ لِذَلِكَ الصَّوْمِ , فَجُعِلَ ذَلِكَ لَهُ عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الصَّوْمِ عَنْهُ بِهِ , وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوْمِ لَا وَقْتَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْعِتْقِ فِيهَا , وَالْكِسْوَةِ , إِذَا كَانَ الَّذِي فُرِضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُعْدِمًا.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ , فَيَكُونَ قَادِرًا عَلَى مَا أَوْجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ , مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ لِوَقْتِ شَيْءٍ مِمَّا كَانَ أُوجِبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِيهِ.
فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ يَزُولُ فَرْضُهَا بِالضَّرُورَةِ فِيهَا , وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ فَوْتَ وَقْتِهَا , فَجُعِلَ ذَلِكَ مَا خِيفَ فَوْتُ وَقْتِهِ , سَوَاءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَاخِرِ أَوْقَاتِهَا , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَالنَّظَرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , الْعُمْرَةُ , وَإِنْ كَانَ لَا وَقْتَ لَهَا أَنْ يُبَاحَ فِي الضَّرُورَةِ فِيهَا , مَا يُبَاحُ بِالضَّرُورَةِ فِي غَيْرِهَا , مِمَّا لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا , قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْعُمْرَةِ , كَمَا يَكُونُ الْإِحْصَارُ بِالْحَجِّ سَوَاءً.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّاسُ بَعْدَ هَذَا فِي الْمُحْصَرِ إِذَا نَحَرَ هَدْيَهُ , هَلْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ . فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّسُكُ كُلُّهُ , وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , أَبُو حَنِيفَةَ , وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَحْلِقُ , فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ , حَلَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ يَحْلِقُ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ , كَمَا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ.
فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي ذَلِكَ , أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِحْصَارِ , جَمِيعُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ , مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ , وَذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ الْمُحْرِمُ بِهِ مِنْ إِحْرَامِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ , حَلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ , فَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ , الطِّيبُ , وَاللِّبَاسُ , وَالنِّسَاءُ.
قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ , حَتَّى يَحِلَّ , فَسَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ كُلُّهُ بِالْإِحْصَارِ , سَقَطَ أَيْضًا عَنْهُ سَائِرُ مَا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ , هَذِهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ , وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ الْآخَرِينَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ , أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ , وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ , وَرَمْيِ الْجِمَارِ , قَدْ صُدَّ عَنْهُ الْمُحْرِمُ , وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , فَسَقَطَ عَنْهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
وَالْحَلْقُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ , وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ.
فَمَا كَانَ يَصِلُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَهُ , فَحُكْمُهُ فِيهِ , فِي حَالِ الْإِحْصَارِ , كَحُكْمِهِ فِيهِ , حَالَ الْإِحْصَارِ.
وَمَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي حَالِ الْإِحْصَارِ , فَهُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِحْصَارِ , فَهُوَ النَّظَرُ عِنْدَنَا.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ فِي وَقْتِ الْحَلْقِ عَلَيْهِ , وَهُوَ مُحْصَرٌ , كَحُكْمِهِ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ , وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَرٍ , كَانَ تَرْكُهُ إِيَّاهُ أَيْضًا , وَهُوَ مُحْصَرٌ , كَتَرْكِهِ إِيَّاهُ وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَرٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَلْقِ بَاقٍ عَلَى الْمُحْصَرِينَ , كَمَا هُوَ عَلَى مَنْ وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ
4141 - وَذَلِكَ أَنَّ رَبِيعًا الْمُؤَذِّنَ حَدَّثَنَا , قَالَ: ثنا أَسَدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ ": حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ , وَقَصَّرَ آخَرُونَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» , قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» .
قَالُوا: فَمَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتُ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: «إِنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا»
4142 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ ابْنُ إِسْحَاقَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
4143 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ , لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً "
4144 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيَّ , حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، اسْتَغْفَرَ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً , وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.
وَحَلَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ , غَيْرَ رَجُلَيْنِ , رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ , وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا حَلَقُوا جَمِيعًا إِلَّا مَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ , وَفَضَّلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَقَ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ قَصَّرَ , ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانَ عَلَيْهِمُ الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ , كَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ لَوْ وَصَلُوا إِلَى الْبَيْتِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانُوا فِيهِ إِلَّا سَوَاءً وَلَا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ عَلَى بَعْضٍ.
فَفِي تَفْضِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , الْمُحَلِّقِينَ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ , دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ , كَغَيْرِ الْمُحْصَرِينَ.
فَقَدْ ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ لَا يُزِيلُهُ الْإِحْصَارُ , وَاللهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
بَابُ حَجِّ الصَّغِيرِ
4145 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَبِيٍّ هَلْ لِهَذَا مِنْ حَجٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ , وَلَكَ أَجْرٌ "
4146 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
4147 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَاجِشُونِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ , إِذَا حَجَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ , أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ , وَعَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَجَّةٌ أُخْرَى.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عِنْدَنَا , عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا , وَهَذَا مِمَّا قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَيْهِ , وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ لِلصَّبِيِّ حَجًّا , كَمَا أَنَّ لَهُ صَلَاةً , وَلَيْسَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ بِفَرِيضَةٍ عَلَيْهِ.
فَكَذَلِكَ أَيْضًا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَجٌّ , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْحَجُّ بِفَرِيضَةٍ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا حَجَّ لِلصَّبِيِّ.
فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّ لَهُ حَجًّا , وَإِنَّهُ غَيْرُ فَرِيضَةٍ , فَلَمْ يُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ , وَإِنَّمَا خَالَفَ تَأْوِيلَ مُخَالَفَةٍ خَاصَّةٍ.
وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا هُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدْ صَرَفَ هُوَ , حَجَّ الصَّبِيِّ إِلَى غَيْرِ الْفَرِيضَةِ , وَأَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
4148 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي السَّفَرِ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ , يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ , أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ , وَلَا تَخْرُجُوا , تَقُولُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيُّمَا غُلَامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ , فَمَاتَ , فَقَدْ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ , وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ , فَقَدْ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ
4149 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ , صَاحِبِ الْحُلِيِّ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْمَمْلُوكِ , إِذَا حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَجُّ أَيْضًا , وَعَنِ الصَّبِيِّ يَحُجُّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ , قَالَ: يَحُجُّ أَيْضًا وَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مَنْ رَوَى حَدِيثًا فَهُوَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ , فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ثُمَّ قَالَ هُوَ , مَا قَدْ ذَكَرْنَا.
فَيَجِبُ عَلَى أَصْلِكُمْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ لَا يُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قُلْتُ؟ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ , عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ» وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ثَبَتَ أَنَّ الْقَلَمَ عَنِ الصَّبِيِّ مَرْفُوعٌ , ثَبَتَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَيْهِ غَيْرُ مَكْتُوبٍ , وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ صَبِيًّا لَوْ دَخَلَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَصَلَّاهَا , ثُمَّ بَلَغَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا , وَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا.
فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنَ اتِّفَاقِهِمْ , ثَبَتَ أَنَّ الْحَجَّ كَذَلِكَ , وَأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ وَقَدْ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ , أَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ , وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رَأَيْنَا فِي الْحَجِّ حُكْمًا يُخَالِفُ حُكْمَ الصَّلَاةِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى مَنْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا , وَلَمْ يُوجِبْهُ عَلَى غَيْرِهِ.
فَكَانَ مَنْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى الْحَجِّ , فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ , كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ.
ثُمَّ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى الْحَجِّ , فَحَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَشَى حَتَّى حَجَّ , أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ , وَإِنْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ , لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ثَانِيَةً , لِلْحَجَّةِ الَّتِي قَدْ كَانَ حَجَّهَا قَبْلَ وُجُودِهِ السَّبِيلَ.
فَكَانَ النَّظَرُ، عَلَى ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الصَّبِيُّ إِذَا حَجَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ , فَفَعَلَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ , أُجْزَاهُ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ثَانِيَةً بَعْدَ الْبُلُوغِ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ الَّذِي لَا يَجِدُ السَّبِيلَ , إِنَّمَا سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ , فَإِذَا مَشَى فَصَارَ إِلَى الْبَيْتِ , فَقَدْ بَلَغَ الْبَيْتَ , وَصَارَ مِنَ الْوَاجِدِينَ لِلسَّبِيلِ , فَوَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ لِذَلِكَ , فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُ أَجْزَأَهُ حَجَّةً , وَلِأَنَّهُ صَارَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْبَيْتَ , كَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ هُنَالِكَ , فَعَلَيْهِ الْحَجُّ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَفَرْضُ الْحَجِّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ , قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْبَيْتِ , وَبَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ , لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ فَإِذَا بَلَغَ بَعْدَ ذَلِكَ , فَحِينَئِذٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ.
فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ مَا قَدْ كَانَ حَجُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ , لَا يُجْزِيهِ , وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْحَجَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ , كَمَنْ لَمْ يَكُنْ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى
بَابُ دُخُولِ الْحَرَمِ , هَلْ يَصْلُحُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟
4150 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ح
4151 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ ح
4152 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ , قَالُوا: ثنا شَرِيكٌ , عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ , وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ»
4153 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , ح
4154 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْلَهُ
4155 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ ح ,
4156 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ , قَالَ ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ "
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ , وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ , فَلَمَّا كَشَفَ الْمِغْفَرَ عَنْ رَأْسِهِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ , فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ كَانَ مَنْزِلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ.
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ النَّاسُ جَمِيعًا , مَنْ كَانَ بَعْدَ الْمِيقَاتِ وَقَبْلَ الْمِيقَاتِ , غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ فِيمَا بَعْدَهَا إِلَى مَكَّةَ , فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ , لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ , وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ , أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ مَنْ كَانَ قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ , وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمُ اللهُ حُكْمَ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ , كَحُكْمِ مَنْ كَانَ مِنْ وَرَائِهِمْ إِلَى مَكَّةَ.
وَلَيْسَ النَّظَرُ فِي هَذَا، عِنْدَنَا، مَا قَالُوا , أَنَّا رَأَيْنَا مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ , إِذَا جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ حَلَالًا , حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَجَّتِهِ , وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمَوَاقِيتِ , كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَوَاقِيتِ , كَانَ مُحْسِنًا , وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَهَا , كَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا.
فَلَمَّا كَانَ الْإِحْرَامُ مِنَ الْمَوَاقِيتِ , فِي حُكْمِ الْإِحْرَامِ مِمَّا قَبْلَهَا , لَا فِي الْإِحْرَامِ مِمَّا بَعْدَهَا , ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْمَوَاقِيتِ كَحُكْمِ مَا قَبْلَهَا , لَا كَحُكْمِ مَا بَعْدَهَا.
فَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِهَا مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ إِلَّا مَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ الَّتِي قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ.
فَانْتَفَى بِهَذَا مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ.
وَاحْتَجْنَا إِلَى النَّظَرِ فِي الْأَخْبَارِ , هَلْ فِيهَا مَا يَدْفَعُ دُخُولَ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ؟ وَهَلْ فِيهَا مَا يُنْبِئُ عَنْ مَعْنًى , فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ , يَجِبُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ الَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ خَاصٌّ لَهُ.
فَاعْتَبَرْنَا فِي ذَلِكَ فَإِذَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ
4157 - قَدْ حَدَّثَنَا , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: ثنا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ , وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ , وَوَضَعَهَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي , وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا , وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا , وَلَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَا غِنَى لِأَهْلِ مَكَّةَ عَنْهُ لِبُيُوتِهِمْ وَقُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْإِذْخِرَ "
4158 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ ثنا مُسَدَّدٌ , قَالَ: ثنا يَحْيَى , عَنْ أَبِي ذِئْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ النَّاسُ , فَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ , فَلَا يَسْفِكَنَّ فِيهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَنَّ فِيهَا شَجَرًا , فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ فَقَالَ: قَدْ حَلَّتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّهَا لِي وَلَمْ يُحِلَّهَا لِلنَّاسِ , وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا لِي سَاعَةً "
4159 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ , قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْبَعْثَ إِلَى مَكَّةَ لِغَزْوِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَتَاهُ أَبُو شُرَيْحٍ فَكَلَّمَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْ , رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ خَرَجَ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ فَجَلَسَ , فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ.
قَالَ: فَحَدَّثَ عَمَّا حَدَّثَ عَمْرٌو عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَمَّا جَاوَبَهُ بِهِ عَمْرٌو.
قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ , فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ , خَطَبَنَا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ , يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا , وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا , لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي , وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي , وَلَمْ تَحِلَّ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ , غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا , أَلَا ثُمَّ قَدْ عَادَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ , فَمَنْ قَالَ لَكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَحَلَّهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ , وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكَ.
فَقَالَ لِي: انْصَرِفْ أَيُّهَا الشَّيْخُ , فَنَحْنُ أَعْرَفُ بِحُرْمَتِهَا مِنْكَ , إِنَّهَا لَا تَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ وَلَا مَانِعَ خَرِبَةٍ , وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ.
قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ شَاهِدًا، وَكُنْتَ غَائِبًا، وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَلِّغَ شَاهِدُنَا غَائِبَنَا , وَقَدْ أَبْلَغْتُكَ "
4160 - حَدَّثَنَا بَحْرٌ هُوَ ابْنُ نَصْرٍ , عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ
4161 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أنا ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَجُونِ , ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ , وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ , لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي , وَمَا أُحِلَّتْ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ وَهِيَ بَعْدَ سَاعَتِهَا هَذِهِ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
4162 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , وَأَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ , قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
4163 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , عَنْ يَحْيَى , قَالَ: ثنا أَبُو سَلَمَةَ , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَّةَ , قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي ثَقِيفٍ , بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي , وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي , وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ , لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا , وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا , وَلَا يُلْتَقَطُ سَاقِطُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»
4164 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ: ثنا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْفِيلَ قَالَ وَلَا يُلْتَقَطُ ضَالَّتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»
فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ أَنَّ مَكَّةَ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلَهُ , وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَأَنَّهَا إِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا كَمَا كَانَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ دَخَلَهَا يَوْمَ دَخَلَهَا.
وَهِيَ لَهُ حَلَالٌ , فَكَانَ لَهُ بِذَلِكَ دُخُولُهَا , بِغَيْرِ إِحْرَامٍ , وَهِيَ بَعْدُ حَرَامٌ , فَلَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِإِحْرَامٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ مَعْنَى مَا أُحِلَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا , هُوَ شَهْرُ السِّلَاحِ فِيهَا لِلْقِتَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ , لَا غَيْرَ ذَلِكَ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا مُحَالٌ , إِنْ كَانَ الَّذِي أُبِيحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا , هُوَ مَا ذَكَرْتَ خَاصَّةً , إِذْ لَمْ يَقُلْ «وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي» . وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ , فَمَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا , حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ , وَشَهْرُ السِّلَاحِ بِهَا وَسَفْكُ الدِّمَاءِ , وَأَنَّ حُكْمَ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فِي إِبَاحَتِهَا , فِي حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ بِهِ فِيهَا , وَأُحِلَّتْ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ , لَيْسَ هُوَ الْقِتَالَ.
وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقِتَالَ , ثَبَتَ أَنَّهُ الْإِحْرَامُ.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ , لِأَبِي شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ , وَلَا مَانِعَ خَرِبَةٍ , وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ جَوَابًا لَمَا حَدَّثَهُ بِهِ أَبُو شُرَيْحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو شُرَيْحٍ , وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا حَدَّثْتُكَ عَنْهُ , أَنَّ الْحَرَمَ قَدْ يُجِيرُ كُلَّ النَّاسِ " وَلَكِنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ , فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
وَهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , فَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ: مِنْ رَأْيِهِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْحَرَمَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ , إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَدَلَّ قَوْلُهُ هَذَا , أَنَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُحِلَّتْ لَهُ لَيْسَ هُوَ عَلَى إِظْهَارِ السِّلَاحِ بِهَا , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنًى آخَرَ.
لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى هَذَا الْقَوْلُ , وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الْقَوْلِ الْآخَرِ , ثَبَتَ الْقَوْلُ الْآخَرُ.
ثُمَّ احْتَجْنَا بَعْدَ هَذَا إِلَى النَّظَرِ فِي حُكْمِ مَنْ هُمْ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى مَكَّةَ , هَلْ لَهُمْ دُخُولٌ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ أَمْ لَا؟ . فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ , لَمْ يَدْخُلْهُ إِلَّا بِإِحْرَامٍ , وَسَوَاءٌ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ لِإِحْرَامٍ , أَوْ لِحَاجَةٍ غَيْرِ الْإِحْرَامِ.
وَرَأَيْنَا مَنْ أَرَادَ دُخُولَ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ , وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ , أَنَّ لَهُ دُخُولَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إِذَا كَانَتْ تُدْخَلُ لِلْحَوَائِجِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ , كَحُكْمِ مَا قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ , وَأَنَّ أَهْلَهَا لَا يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ إِلَّا كَمَا يَدْخُلُهُ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ وَرَاءَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى الْآفَاقِ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ , وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَلَّدُوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذَا
4165 - مَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ , فَلَمَّا بَلَغَ قُدَيْدًا بَلَغَهُ عَنْ جَيْشٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ , فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ
4166 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , قَالَ: ثنا أَيُّوبُ , عَنْ نَافِعٍ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ , وَهُوَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ.
فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا , لَقِيَهُ جَيْشُ ابْنُ دُلْجَةَ , فَرَجَعَ , فَدَخَلَ مَكَّةَ حَلَالًا
4167 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنْ نَافِعٍ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ , أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ , حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ بَلَغَهُ خَبَرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ , فَرَجَعَ , فَدَخَلَ مَكَّةَ حَلَالًا فَقَلَّدُوا ذَلِكَ وَاتَّبَعُوهُ وَكَانَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، خِلَافَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ , مَا يُخَالِفُ هَذَا
4168 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ , قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا عُمْرَةَ عَلَى الْمَكِّيِّ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ فَلَا يَدْخُلُهُ إِلَّا حَرَامًا.
فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: فَإِنْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ قَرِيبًا؟ قَالَ: نَعَمْ , يَقْضِي حَاجَتَهُ , وَيَجْعَلُ مَعَ قَضَائِهَا عُمْرَةً
4169 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: " لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْحَرَمَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ.
فَقِيلَ: وَلَا الْحَطَّابُونَ؟ قَالَ: وَلَا الْحَطَّابُونَ , قَالَ: ثُمَّ بَلَغَنِي بَعْدُ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ
4170 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أنا عَبْدُ الْمَلِكِ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ تَاجِرٌ وَلَا طَالِبُ حَاجَةٍ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ
4171 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أنا يُونُسُ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ
4172 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ قَيْسٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا