شرح معاني الآثارصفحات 112-117

كِتَابُ الْعَتَاقِ

صفحات 112-117
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح معاني الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
الناشر
عالم الكتب
الطبعة
الأولى - 1414 هـ، 1994 م
عدد الأجزاء
5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

4723 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ , وَمَالِكٌ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ , مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ»

4724 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ , مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ» . وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: «شُرُوطُهُمْ جَائِزَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ» فَلَمَّا كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ , كَمَا ذَكَرْنَا , وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ , وَإِنَّمَا يَعْتِقُ بِحَالٍ ثَانِيَةٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تِلْكَ الْحَالُ هِيَ أَدَاءُ جَمِيعِ الْمُكَاتَبَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَدَاءُ بَعْضِ الْمُكَاتَبَةِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ.
ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ الْمُعْتَقِ عَلَى مَالٍ , لِأَنَّ الْمُعْتَقَ عَلَى مَالٍ , يَعْتِقُ بِالْقَوْلِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا , وَالْمُكَاتَبَ لَيْسَ كَذَلِكَ , لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَتَاقَ بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ , وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِحَالٍ ثَانِيَةٍ , نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ , وَفِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَجِبُ بِالْعُقُودِ , وَإِنَّمَا تَجِبُ بِحَالٍ أُخْرَى بَعْدَهَا , كَيْفَ حُكْمُهَا؟ . فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ يَبِيعُ الرَّجُلَ الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ , فَلَا يَجِبُ لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْعَبْدِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ , حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ قَبْضُ بَعْضِ الْعَبْدِ بِأَدَائِهِ بَعْضَ الثَّمَنِ , وَكَذَلِكَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي هِيَ مَحْبُوسَةٌ بِغَيْرِهَا , مِثْلُ الرَّهْنِ الْمَحْبُوسِ بِالدَّيْنِ , فَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ قَضَى الْمُرْتَهِنَ بَعْضَ الدَّيْنِ , فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّهْنَ أَوْ بَعْضَهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنَ الدَّيْنِ , لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَدَائِهِ جَمِيعَ الدَّيْنِ.
فَكَانَ هَذَا حُكْمَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُمْلَكُ بِأَشْيَاءَ إِذَا وَجَبَ احْتِبَاسُهَا , فَإِنَّمَا تُحْبَسُ حَتَّى يُؤْخَذَ جَمِيعُ مَا جُعِلَ بَدَلًا مِنْهَا.
فَلَمَّا خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَقِ عَلَى الْمَالِ الَّذِي يَعْتِقُ بِالْعَقْدِ , لَا بِحَالٍ ثَانِيَةٍ , وَثَبَتَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ مَنْ يُحْبَسُ لِأَدَاءِ شَيْءٍ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَفِي احْتِبَاسِ الْمَوْلَى إِيَّاهُ , كَحُكْمِ الْمَبِيعِ فِي احْتِبَاسِ الْبَائِعِ إِيَّاهُ.
فَكَمَا كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِهِ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ جَمِيعِ الثَّمَنِ , كَانَ كَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ أَيْضًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ رَقَبَتِهِ , مِنْ مِلْكِ الْمَوْلَى إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمُكَاتَبَةِ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يَعْتِقُ مِنَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ إِلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمُكَاتَبَةِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

بَابُ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا مَوْلَاهَا ثُمَّ يَمُوتُ , وَقَدْ كَانَتْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فِي حَيَاتِهِ هَلْ يَكُونُ ابْنَهُ وَتَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ أَمْ لَا؟

4725 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ , عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ أَيْ وَصَّى إِلَيْهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي , فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ , فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي , وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ.
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ.
. . . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ , وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ " لِمَا رَأَى بِهِ مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ , فَأَتَتْ , فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا وَطِئَهَا مَوْلَاهَا , فَقَدْ لَزِمَهُ كُلُّ وَلَدٍ يَجِيءُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ , ادَّعَاهُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ , لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ» ثُمَّ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ , وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . فَأَلْحَقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَمْعَةَ , لَا لِدَعْوَةِ ابْنِهِ , لِأَنَّ دَعْوَةَ الِابْنِ لِلنَّسَبِ لِغَيْرِهِ مِنْ أَبِيهِ , غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
وَلَكِنْ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ فِرَاشًا لِزَمْعَةَ , بِوَطْئِهِ إِيَّاهَا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا

4726 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ , ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا قَدْ أَلْحَقَتْ بِهِ وَلَدَهَا , فَاعْزِلُوا أَوِ اتْرُكُوا "

4727 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ , قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ , قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , يَقُولُ , فَذَكَرَ مِثْلَهُ

4728 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنْ نَافِعٍ , عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ , قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَدَعُونَهُنَّ يَخْرُجْنَ , لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إِلَّا أَلْحَقَتْ بِهِ وَلَدَهَا , فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ , أَوْ أَمْسِكُوهُنَّ

4729 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ ضَيَّعَهَا فَأَرْسَلَهَا تَخْرُجُ , ثُمَّ وَلَدَتْ , فَالْوَلَدُ مِنْهُ , وَالضَّيْعَةُ عَلَيْهِ.
قَالَ نَافِعٌ: فَهَذَا قَضَاءُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: مَا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَمَةُ مِنْ وَلَدٍ , فَلَا يَلْزَمُ مَوْلَاهَا إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ , وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّ بِهِ , لَمْ يَلْزَمْهُ.

وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ وَلَمْ يَقُلْ هُوَ أَخُوكَ» فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ «هُوَ لَكَ» أَيْ: هُوَ مَمْلُوكٌ لَكَ , لِحَقِّ مَالِكٍ عَلَيْهِ مِنَ الْيَدِ , وَلَمْ يَحْكُمْ فِي نَسَبِهِ بِشَيْءٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ بِالْحِجَابِ مِنْهُ.
فَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ ابْنَ زَمْعَةَ إِذًا لَمَا حَجَبَ بِنْتَ زَمْعَةَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرْ بِقَطْعِ الْأَرْحَامِ بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِصِلَتِهَا , وَمِنْ صِلَتِهَا , التَّزَاوُرُ , فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهَا وَقَدْ جَعَلَهُ أَخَاهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ؟ ". هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَهُوَ يَأْمُرُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ عَلَيْهَا , ثُمَّ يَحْجُبُ سَوْدَةَ مِمَّنْ قَدْ جَعَلَهُ أَخَاهَا وَابْنَ أَبِيهَا؟ , وَلَكِنَّ وَجْهَ ذَلِكَ - عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ فِيهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْيَدِ , الَّتِي جَعَلَهُ بِهَا لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ , وَلِسَائِرِ وَرَثَةِ زَمْعَةَ دُونَ سَعْدٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ الَّذِي وَصَلَهُ بِهَذَا «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ , وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ عَلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ لِسَعْدٍ , أَيْ أَنَّكَ تَدَّعِي لِأَخِيكَ , وَأَخُوكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِرَاشٌ , وَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ لَوْ كَانَ لَهُ فِرَاشٌ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِرَاشٌ , فَهُوَ عَاهِرٌ , وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى وَكَشَفَهُ , مَا قَدْ

4730 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ , قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «كَانَتْ لِزَمْعَةَ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا , وَكَانَ يَظُنُّ بِرَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا , فَمَاتَ زَمْعَةُ وَهِيَ حُبْلَى , فَوَلَدَتْ غُلَامًا , كَانَ يُشْبِهُ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يُظَنُّ بِهَا , فَذَكَرَتْهُ سَوْدَةُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ , وَأَمَّا أَنْتِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ , فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ زَمْعَةَ كَانَ يَطَأُ تِلْكَ الْأَمَةَ , وَأَنْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَوْدَةِ «لَيْسَ هُوَ لَكِ بِأَخٍ» يَعْنِي ابْنَ الْمَوْطُوءَةِ.
فَدَلَّ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَضَى فِي نَسَبِهِ عَلَى زَمْعَةَ بِشَيْءٍ , وَأَنَّ وَطْءَ زَمْعَةَ لَمْ يَكُنْ - عِنْدَهُ - بِمُوجِبٍ أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ تِلْكَ الْمَوْطُوءَةُ مِنْ وَلَدٍ مِنْهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَضَائِهِ بِنَسَبِهِ.
قِيلَ لَهُ: مَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ , لِأَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَدْ كَانَ ادَّعَاهُ , وَزَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ , لِأَنَّ عَائِشَةَ

رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَدْ أَخْبَرَتْ فِي حَدِيثِهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ , «أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَازَعَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي , وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي» فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَوْدَةُ قَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ , وَهُمَا وَارِثَا زَمْعَةَ , فَكَانَا مُقِرَّيْنِ لَهُ بِوُجُوبِ الْمِيرَاثِ , مِمَّا تَرَكَ زَمْعَةُ.
فَجَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَالِ الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَهُمَا , لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِمَا أَقَرَّا بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ ثُبُوتُ نَسَبٍ , يَجِبُ بِهِ حُكْمٌ , فَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِ إِلَى سَوْدَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا كَانَ أَمْرُهَا بِالْحِجَابِ مِنْهُ , لِمَا كَانَ رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ وُجُودَ الشَّبَهِ , لَا يَجِبُ بِهِ ثُبُوتُ نَسَبٍ , وَلَا يَجِبُ بِعَدَمِهِ انْتِفَاءُ نَسَبٍ.
أَلَا تَرَى إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ , قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا؟ فَذَكَرَ كَلَامًا.
قَالَ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوَرِقًا.
قَالَ مِمَّ تَرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: مِنْ عِرْقٍ نَزَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ عِرْقٍ نَزَعَهُ " وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ , فِي بَابِ اللِّعَانِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْيِهِ , لِبُعْدِ شَبَهِهِ مِنْهُ , وَلَا مَنَعَهُ مِنْ إِدْخَالِهِ عَلَى بَنَاتِهِ وَحَرَمِهِ , بَلْ ضَرَبَهُ لَهُ مَثَلًا , أَعْلَمَهُ بِهِ أَنَّ الشَّبَهَ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْأَنْسَابِ , وَأَنَّ عَدَمَهُ لَا يَجِبُ بِهِ انْتِفَاءُ الْأَنْسَابِ.
فَكَذَلِكَ ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ , لَوْ كَانَ وَطْءُ زَمْعَةَ لِأُمِّهِ يُوجِبُ ثُبُوتَ نَسَبِهِ مِنْهُ , إِذًا لَمَا كَانَ لِبُعْدِ شَبَهِهِ مِنْهُ مَعْنًى , وَلَكَانَ نَسَبُهُ مِنْهُ ثَابِتُ الدَّخْلِ عَلَى بَنَاتِهِ , كَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُهُ مِنْ بَنِيهِ وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فِي ذَلِكَ - مِمَّا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُمَا , فَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ , وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ

4731 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْتِي جَارِيَةً لَهُ , فَحَمَلَتْ , فَقَالَ: لَيْسَ مِنِّي , إِنِّي أَتَيْتُهَا إِتْيَانًا , لَا أُرِيدُ بِهِ الْوَلَدَ

4732 - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَافِقِيُّ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ فَارِسِيَّةٍ , فَحَمَلَتْ بِحَمْلٍ , فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ وَلَدَكِ , وَإِنَّمَا أَسْتَطِيبُ نَفْسَكِ , فَجَلَدَهَا , وَأَعْتَقَهَا وَأَعْتَقَ الْوَلَدَ

4733 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فَأَعْتَقَهَا وَأَعْتَقَ وَلَدَهَا

4734 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ ثنا شُعْبَةُ , قَالَ: ثنا قَتَادَةُ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ وَلَدَتْ جَارِيَةٌ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنِّي , وَإِنِّي كُنْتُ أَعْزِلُ عَنْهَا فَهَذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ , وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ , قَدْ خَالَفَا عُمَرَ , وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ.
فَقَدْ تَكَافَأَتْ أَقْوَالُهُمْ , وَوَجَبَ النَّظَرُ لِنَسْتَخْرِجَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا صَحِيحًا.
فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا وَلَدُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ , ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ , لَمْ يَنْتِفْ.
وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّ حَمْلَهَا مِنْهُ , ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَمْلِ , لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ , أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ وَلَا بِغَيْرِهِ , لِأَنَّ نَسَبَهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْهُ فَهَذَا حُكْمُ مَا قَدْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ , مِمَّا لَيْسَ لِمُدَّعِيهِ أَنْ يَنْفِيَهُ , وَرَأَيْنَاهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَتَهُ , ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ , لَكَانَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُلَاعَنَ بَيْنَهُمَا , وَيَخْرُجَ الْوَلَدُ مِنْ نَسَبِ الزَّوْجِ , وَيَلْحَقَ بِأُمِّهِ فَلَمْ يَكُنْ إِقْرَارُهُ بِوَطْءِ امْرَأَتِهِ , يَجِبُ بِهِ ثُبُوتُ نَسَبِ مَا يَلِدُ مِنْهُ , وَلَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِ مَا قَدْ لَزِمَهُ , مِمَّا لَيْسَ نَفْيَهُ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا حُكْمَ الزَّوْجَاتِ , كَانَ حُكْمُ الْإِمَاءِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ مِنْهُ , أَوْ أَقَرَّ وَهِيَ حَامِلٌ , أَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْهُ , لَزِمَهُ , وَلَمْ يَنْتِفْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ وَطِئَهَا , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي حُكْمِ إِقْرَارِهِ بِوَلَدِهَا , أَنَّهُ مِنْهُ , بَلْ يَكُونُ بِخِلَافِ ذَلِكَ , فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ , وَيَكُونُ حُكْمُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ , كَحُكْمِهِ , لَوْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا , قِيَاسًا عَلَى مَا وَصَفْنَا , مِنَ الْحَرَائِرِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

جارٍ التحميل