كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
بَابُ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ
6095 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمِ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِمْ فَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَنْظُرْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَصَابُوا مِنَ الْحُدُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرَ مَا اسْتَحَلُّوا بِهِ فِي دِينِهِمْ كَشُرْبِهِمِ الْخَمْرَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ حَالُهُمْ فِيهِ وَحَالُ الْمُسْلِمِينَ يُعَاقَبُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ مَا خَلَا الرَّجْمَ فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْإِحْصَانُ فِي قَوْلِهِمْ أَحَدُهَا الْإِسْلَامُ.
فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْوَاجِبَاتِ فِي انْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ الْيَهُودَ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ.
وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا رَجَمْتُهُمْ لِأَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيَّ.
وَلَوْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَعُلِمَ أَنَّ الْحَكَمَ مِنْهُ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ فِي أُمُورِهِمْ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ إِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَمَهُمْ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ.
فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمِهِ إِذْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ حُكْمِهِمْ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ أَمْ لَا؟ . فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ هَلْ نَجِدُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟
فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَدْ
6096 - حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمَا زَنَيَا.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتُوا بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ» فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَنْظُرُ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا الزِّنَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَاحِدَانِ وَلَوْ كَانَا مُقِرَّيْنِ لَمَا احْتَاجَ مَعَ إِقْرَارِهِمَا إِلَى أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ.
وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا
6097 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: ثنا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِرَجُلٍ قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ وَقَدْ ضُرِبَ يُطَافُ بِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا شَأْنُ هَذَا» ، قَالُوا: زَنَى قَالَ: «فَمَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ» ، قَالُوا: يُحَمَّمُ وَجْهُهُ وَيُعَزَّرُ وَيُطَافُ بِهِ.
فَقَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللهَ مَا تَجِدُونَ حَدَّهُ فِي كِتَابِكُمْ؟» ، فَأَشَارُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرَّجُلُ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكَرِهْنَا أَنْ نُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى سَفَلَتِنَا وَنَدَعَ أَشْرَافَنَا فَاصْطَلَحْنَا عَلَى شَيْءٍ فَوَضَعْنَا هَذَا.
فَرَجَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ أَحْيَا مَا أَمَاتُوا مِنْ أَمْرِ اللهِ» فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُحَكِّمُوهُ لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ مَرُّوا بِهِ وَهُوَ مُحَمَّمٌ فَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ثُمَّ رَجَمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْكَارًا لِمَا فَعَلُوهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتُوهُ فَرَدَّ أَمْرَهُمْ إِلَى حُكْمِ اللهِ الَّذِي قَدْ عَطَّلُوهُ وَغَيَّرُوهُ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَكَّمُوهُ أَوْ لَمْ يُحَكِّمُوهُ.
فَهَذَا مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى مَا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ إِلَى تَثْبِيتِ الْحُكْمِ يَقُولُونَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ
6098 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] وَقَالَ الْآخَرُونَ: تَأْوِيلُهَا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إِنْ حَكَمْتَ فَلَمَّا اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَكَانَتِ الْآثَارُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّ فِي حُكْمِهِ النَّجَاةَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ يَقُولُ قَدْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ.
وَمَنْ يَقُولُ: لَهُ أَنْ لَا يَحْكُمَ يَقُولُ: قَدْ تَرَكَ مَا كَانَ لَهُ تَرْكُهُ فَإِذَا حَكَمَ يَشْهَدُ لَهُ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا بِالنَّجَاةِ وَإِذَا لَمْ يَحْكُمْ لَمْ يَشْهَدَا لَهُ بِذَلِكَ.
فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ نَفْعَلَ مَا فِيهِ النَّجَاةُ بِالِاتِّفَاقِ دُونَ مَا فِيهِ ضِدَّ النَّجَاةِ بِالِاخْتِلَافِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتُمْ لَا تَرْجُمُونَ الْيَهُودَ إِذَا زَنَوْا فَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْضَ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بِهِ احْتَجَجْتُمْ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْحُكْمَ كَانَ فِي الزُّنَاةِ فِي عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ جَوَابُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَدِّ الزَّانِي فِي كِتَابِهِمْ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعُ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى يُحْدِثَ اللهُ شَرِيعَةً تَنْسَخُ شَرِيعَتَهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90] فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
ثُمَّ أَحْدَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِيعَةً فَنَسَخَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فَقَالَ ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15] وَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا كَانَ قَبْلَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَجَعَلَ الْحَدَّ هُوَ الْإِيذَاءَ بِالْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَعْذِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.
فَرَّقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ حَدِّ الْمُحْصَنِ وَحَدِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ فِي الْإِحْصَانِ.
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْصَنًا بِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حَتَّى يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بَالِغَيْنِ قَدْ جَامَعَهَا وَهُمَا بَالِغَانِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
6099 - وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْصِنُ أَهْلُ الْكِتَابِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُحْصِنُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا تُحْصِنُ النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَ وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْإِمْلَاءِ فِيمَا حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ.
فَاحْتَمَلَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى كُلِّ ثَيِّبٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الثَّيِّبِ.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَنَّ الْعَبِيدَ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا وَلَا يُحْصِنُ زَوْجَتَهُ حَرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الثَّيِّبِ لَا عَلَى كُلِّ الثَّيِّبِ.
فَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ إِلَّا مَا قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ فِيهِ دَاخِلٌ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ كَانَ مِنْهُمَا الْجِمَاعُ مُحْصَنَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سِوَاهُمْ.
فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ.
فَأَدْخَلْنَا فِيهِ وَلَمْ يُحِطْ عِلْمُنَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَخْرَجْنَاهُ مِنْهُ.
وَقَدْ كَانَ يَجِيءُ فِي الْقِيَاسِ لَمَّا كَانَتِ الْأَمَةُ لَا تُحْصِنُ الْحُرَّ وَلَا يُحْصِنُهَا الْحُرُّ وَكَانَتْ هِيَ فِي عَدَمِ إِحْصَانِهَا إِيَّاهُ كَهُوَ فِي عَدَمِ إِحْصَانِهِ إِيَّاهَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ النَّصْرَانِيَّةُ فَكَمَا هِيَ لَا تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ كَانَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا يُحْصِنُهَا.
وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَمَةَ أَيْضًا، لَمَّا بَطَلَ أَنْ تُحْصِنَ الْمُسْلِمَ، بَطَلَ أَنْ يُحْصِنَ الْكَافِرَ قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
6100 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ
6101 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
6102 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَا: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
6103 - قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَنَسِيَهُ سَهْلٌ قَالَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي.
6104 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ يَعْنِي الْحِمَّانِيَّ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَلَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ.
6105 - حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
6106 - حَدَّثَنَا وَهْبَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
6107 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا
6108 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
6109 - حَدَّثَنَا بَحْرٌ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي خَاصٍّ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَجِبُ أَنْ يُقْضَى فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالُوا: أَمَّا مَا رَوَيْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَدْ دَخَلَهُ الضَّعْفُ الَّذِي لَا يَقُومُ بِهِ مَعَهُ حُجَّةٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ زَمْعَةَ عَنْ سُهَيْلٍ فَقَدْ سَأَلَ الدَّرَاوَرْدِيُّ سُهَيْلًا عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأُمُورِ الْمَعْرُوفَةِ إِذًا لَمَا ذَهَبَ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ قَدْ تُضَعِّفُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ مِنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَمُنْكَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ زَيْدٍ.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَ سُهَيْلٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَا أَنْكَرَ عَلَى الدَّرَاوَرْدِيِّ مَا ذَكَرْتُمْ عَنْ رَبِيعَةَ وَيَقُولُ لَهُ لَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ حَدَّثَنِي بِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَعَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ لَيْسَ بِالَّذِي يَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا بِرِوَايَتِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمُنْكَرٌ لِأَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَا نَعْلَمُهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فَإِنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ رَوَاهُ كَمَا ذَكَرْتُمْ.
وَأَمَّا الْحُفَّاظُ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَمْثَالُهُمَا فَرَوَوْهُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ جَابِرًا وَأَنْتُمْ لَا تَحْتَجُّونَ بِعَبْدِ الْوَهَّابِ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ الثَّوْرِيَّ وَمَالِكًا.
ثُمَّ لَوْ لَمْ يُنَازَعْ فِي طَرِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَسَلِمَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي قَدْ رُوِيَتْ عَلَيْهَا لَكَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَقُومُ لَكُمْ بِمِثْلِهَا مَعَهُ الْحُجَّةُ.
وَذَلِكُمْ أَنَّكُمْ إِنَّمَا رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ وَلَا الْمُسْتَحْلِفُ مَنْ هُوَ؟ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ يَمِينُ الْمُدَّعَى
عَلَيْهِ.
وَإِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي وَلَمْ يُقِمْ عَلَى دَعْوَاهُ إِلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا فَاسْتَحْلَفَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَرَوَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بِحُجَّةٍ أُخْرَى غَيْرَ الدَّعْوَى لَا يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ إِلَّا بِهَا.
كَمَا قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ فِيمَا ادَّعَى إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خُلْطَةٌ وَلَبْسٌ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً اسْتَحْلَفَ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحْلِفْ.
فَأَرَادَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَنْفِيَ هَذَا الْقَوْلَ وَيُثْبِتَ الْيَمِينَ بِالدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الدَّعْوَى غَيْرُهَا فَهَذَا وَجْهٌ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ شَاهِدَهُ الْوَاحِدَ كَانَ مِمَّنْ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ عَدَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ
6110 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَاسْتَتْبَعَهُ لِيُقْبِضَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ.
فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الْأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا لِهَذَا الْفَرَسِ فَابْتَعْهُ وَإِلَّا بِعْتُهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ: ": «أَوَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللهِ مَا بِعْتُكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» . فَطَفِقَ النَّاسُ يَلْوُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَكَ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُكَ مِمَّنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا لِلْأَعْرَابِيِّ: وَيْلَكَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ فَاسْتَمَعَ لِمُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُرَاجَعَةِ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَكَ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُكَ.
فَقَالَ خُزَيْمَةُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ.
فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟» فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ فَيَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مُسْتَحِقًّا لِمَا شَهِدَ لَهُ كَمَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ بِالشَّاهِدَيْنِ مِمَّا شَهِدَا لَهُ بِهِ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى الْمُدَّعِي فَاسْتَحْلَفَهُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَأُرِيدَ بِنَقْلِ هَذَا الْحَدِيثِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ مَعَ بَيِّنَتِهِ.
فَهَذِهِ وُجُوهٌ يَحْتَمِلُهَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَضَائِهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى خَبَرٍ قَدِ احْتَمَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فَيَعْطِفَهُ عَلَى أَحَدِهَا بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ
مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مُخَالِفًا لَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ مَا قَالَ؟ . بَلْ مَا خَالَفَ إِلَّا تَأْوِيلَ مُخَالِفِهِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ
6111 - مَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْنَأُ وَالَّذِي هُوَ أَهْدَى وَالَّذِي هُوَ أَبْقَى وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»
6112 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا وَهْبٌ وَأَبُو الْوَلِيدِ قَالَا: ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَفْعَلُوا وَأَنْ يُحْسِنُوا تَحْقِيقَ ظُنُونِهِمْ وَلَا يَقُولُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ فَإِنَّهُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ مُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ.
وَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمُخَالِفُ وَقَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْفَعُهُ ثُمَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا تَدْفَعُهُ أَيْضًا؟ . فَأَمَّا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] وَقَالَ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ نُزُولِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْضُوا بِشَهَادَةِ أَلْفِ رَجُلٍ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَلَا أَقَلَّ لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ بِشَهَادَتِهِمْ إِلَى حَقِيقَةِ صِدْقِهِمْ.
فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا ذَكَرْنَا قَطَعَ بِذَلِكَ الْعُذْرَ وَحَكَمَ بِمَا أَمَرَ بِهِ عَلَى مَا تَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا تَعَبَّدُوا بِهِ.
أَمَّا السُّنَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَهِيَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ جَارٍ إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا دَافَعَ عَنْهَا مَغْرَمًا.
فَالْحُكْمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُخَالِفُ لَنَا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حُكْمٌ لِمُدَّعِي يَمِينِهِ فَذَلِكَ حُكْمٌ لِجَارٍ إِلَى نَفْسِهِ بِيَمِينِهِ.
فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا تَدْفَعُ الْحُكْمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ مَا قَدْ دَفَعَهُ أَيْضًا مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ نَصْرِفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى وَالسُّنَّةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا لَا إِلَى مَا يُخَالِفُهَا أَوْ يُخَالِفُ أَحَدَهُمَا.
وَلَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا مَا يَدْفَعُ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى مَا ادَّعَى هَذَا الْمُخَالِفُ لَنَا
6113 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، جَمِيعًا قَالَا: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ انْتَزَأَ عَلَى أَرْضِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَائِشٍ الْكِنْدِيُّ وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ.
فَقَالَ لَهُ: «بَيِّنَتُكَ» فَقَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ قَالَ: «يَمِينُهُ» قَالَ: إِذًا يَذْهَبُ بِهَا قَالَ: «لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ» . فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
6114 - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِي.
فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» ، فَقَالَ: لَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأُحَلِّفُهُ؟» ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَمِينٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» . فَانْطَلَقَ لِيُحَلِّفَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِكِ ظَالِمًا لِيَأْكُلَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ
6115 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينُكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكُمْ فِيهِ إِلَّا ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِغَيْرِ الْبَيِّنَةِ فَهَذَا يَنْفِي الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِنَا أَنْ نَحْمِلَ وَجْهَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ تَأْوِيلُهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَذَا لَا عَلَى مَا يُخَالِفُهُ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يَكُونُ أَبَدًا إِلَّا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِالْإِسْنَادِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ يُغْنِينَا عَنْ ذِكْرِ أَكْثَرِ فَسَادِ قَوْلِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
فَجَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ.
فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ كَانَ حُكْمُ الْأَمْوَالِ فِي النَّظَرِ أَيْضًا كَذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى
6116 - وَقَدْ حَدَّثَنَا وَهْبَانُ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ
بَابُ رَدِّ الْيَمِينِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي.
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَسْتَحْلِفُ فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى بِحَلِفِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الْقَسَامَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟» . فَقَالُوا: قَدْ رَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْمَانَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا فِي الْبَدْءِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهَا عَلَى الْمُدَّعِينَ.
فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ أَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْيَهُودِ رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْأَنْصَارِ فَيَرُدُّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً لِمَنْ يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْحُقُوقِ.
إِنَّمَا قَالَ أَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟ . فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْقَسَامَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّكِيرِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ إِذْ قَالُوا كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَقَالَ لَهُمْ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ كَمَا قَالَ: أَيَدَّعُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ.
فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَنَظَرْنَا فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فَإِذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ بِدَعْوَاهُ دَمًا وَلَا مَالًا وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهَا يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَاصَّةً.
هَذَا حَدِيثٌ ظَاهِرُ الْمَعْنَى وَلَا لَنَا أَنْ نَحْمِلَ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا مَعْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّا رَأَيْنَا الْمُدَّعِيَ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى دَعْوَاهُ لَا تَكُونُ حُجَّتُهُ تِلْكَ حُجَّةً جَارَّةً إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا دَافِعَةً عَنْهَا مَغْرَمًا.
فَلَمَّا وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَرَدُّوهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنِ اسْتَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ جَعَلْنَا يَمِينَهُ حُجَّةً لَهُ وَحَكَمْنَا لَهُ بِحُجَّةٍ كَانَتْ مِنْهُ هُوَ بِهَا جَارٌّ إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَهَذَا خِلَافُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ الْعُبَّادُ فَبَطَلَ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ بِهَا جَارًّا إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ.
قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يُوجِبُ رِضَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ زَوَالُ الْحُكْمِ عَنْ جِهَتِهِ؟ . أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ مَا ادَّعَى عَلَى فُلَانٍ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ دِرْهَمًا فَمَا فَوْقَهُ هَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ؟
أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ قَدْ رَضِيتُ بِمَا شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ عَلَيَّ لِرَجُلٍ فَاسِقٍ أَوْ لِرَجُلٍ جَارٍّ إِلَى نَفْسِهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ مَغْنَمًا، فَشَهِدَ زَيْدٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ هَلْ يُحْكَمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا كَانُوا قَدِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ رِضَاهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرَ رِضَاهُ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ رَضِيَ إِلَّا بِمَا كَانَ يَجِبُ لَوْ لَمْ يَرْضَ كَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَمِينُ الْمُدَّعِي لَا يَجِبُ لَهُ بِهَا حَقٌّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ رَضِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ بِذَلِكَ.
وَالْحُكْمُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ رِضَاهُ بِهَا كَحُكْمِهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا بُطْلَانَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ
بَابُ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ لِلرَّجُلِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهَا؟ وَهَلْ يَقْبَلُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟
6117 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامِي فِيكُمُ الْيَوْمَ فَقَالَ: «أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُوَا الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا يُسْأَلُهَا وَحَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الْيَمِينِ لَا يُسْتَحْلَفُ»
6118 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُشَيْشٍ قَالَ: ثنا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوَا الْكَذِبُ»
6119 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا مَذْمُومٌ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ مَأْجُورٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي دَفْعِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا يُسْأَلَهَا وَحَتَّى يَحْلِفَ عَلَى الْيَمِينِ لَا يُسْتَحْلَفُ.
فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ كَاذِبًا أَوْ يَحْلِفَ كَاذِبًا لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى يَفْشُوَ الْكَذِبُ فَيَكُونَ كَذَا وَكَذَا.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ إِذَا فَشَا الْكَذِبُ إِلَّا كَذِبًا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ فَيَفْشُو الْكَذِبُ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لِقَوْلِهِمْ أَيْضًا
6120 - بِمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا نُعَيْمٌ قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَهُمْ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَكْرِمُوا أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ قَبَلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ»
6121 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَارِمٌ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، قَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا؟ «ثُمَّ يَفْشُو قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَفْشُو فِيهِمُ الْيَمِينُ»
6122 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي» ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ قَالُوا: فَقَدْ ذَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ.
قِيلَ لَهُمْ: هَذَا عَلَى الَّذِي لَا يُسْتَشْهَدُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ فَيَكُونُ فِي شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدًا بِمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُهُ.
فَعَادَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا
6123 - مَا حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُكَذَّبُ فِيهِ الصَّادِقُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ الْكَاذِبُ وَيُخَوَّنُ فِيهِ الْأَمِينُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهِ الْخَئُونُ وَيَشْهَدُ فِيهِ الْمَرْءُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ وَيَحْلِفُ الْمَرْءُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَحْلَفْ
6124 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، ح
6125 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، ثُمَّ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا " ثُمَّ يَخْلُفُ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ يُعْجِبُهُمُ السَّمَانَةُ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ
6126 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ أُمَّتُكَ خَيْرٌ؟ قَالَ: «أَنَا وَقَرْنِي» . قَالَ: قُلْنَا ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْقَرْنُ الثَّانِي» قَالَ: قُلْنَا ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الثَّالِثُ» . قَالَ: قُلْنَا: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ وَيُؤْتَمَنُونَ وَلَا يُؤَدُّونَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَالْكَلَامُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي تَأْوِيلِ الْآثَارِ الَّتِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا
6127 - بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ وَسُلَيْمَانَ أَيِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيْدَةَ أَيِ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ»
6128 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِكِّيتٍ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
6129 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانَ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْلَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ يَقُولُ اللهُمَّ أَلْحِقْنِي بِقَرْنِي الَّذِي أَنَا مِنْهُ ثَلَاثًا وَأَنَا مَعَهُ.
فَقُلْتُ: وَأَنَا فَدَعَا لِي ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَاتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَاتِهِمْ»
6130 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَاتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَاتِهِمْ»
6131 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَزَادَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَى الَّذِينَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَمْ يُرِدْ بِهَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْحُقُوقِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الشَّهَادَةُ فِي الْأَيْمَانِ وَقَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
6132 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أنا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ فَدَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ الَّتِي ذَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَهَا هِيَ قَوْلُ الرَّجُلِ أَشْهَدُ بِاللهِ مَا كَانَ كَذَا عَلَى مَعْنَى الْحَلِفِ فَكَرِهَ ذَلِكَ كَمَا يُكْرَهُ الْحَلِفُ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلرَّجُلِ الْإِكْثَارُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا.
فَنَهَى عَنِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ حَلِفٌ كَمَا نَهَى عَنِ الْيَمِينِ إِلَّا أَنْ يُسْتَحْلَفَ بِهَا فَيَكُونَ حِينَئِذٍ مَعْذُورًا.
وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا الْحَلِفَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ شَهَادَةَ كَذِبٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْضِيلِ الشَّاهِدِ الْمُبْتَدِئِ بِالشَّهَادَةِ
6133 - مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهَا أَوْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ أَوْ يَأْتِي بِهَا الْإِمَامَ فَيَشْهَدُ بِهَا عِنْدَهُ وَجَعَلَهُ خَيْرَ الشُّهَدَاءِ
فَأَوْلَى بِنَا أَنْ نَحْمِلَ الْآثَارَ الْأُوَلَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ تَأْوِيلِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْهَا حَتَّى لَا تَتَضَادَّ وَلَا تَخْتَلِفَ وَلَا يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَتَكُونُ الْآثَارُ الْأُوَلُ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا وَتَكُونَ هَذِهِ الْآثَارُ الْأُخَرُ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُبْتَدِئِ بِالشَّهَادَةِ مَنْ هِيَ لَهُ أَوِ الْمُخْبِرُ بِهَا الْإِمَامُ.
وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَوْا الْإِمَامَ فَشَهِدُوا ابْتِدَاءً مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ حِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَرَأَوْا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ لَازِمًا وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ عُمَرُ عَلَى ابْتِدَائِهِمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ بَلْ سَمِعَ شَهَادَاتِهِمْ.
وَلَوْ كَانُوا فِي ذَلِكَ مَذْمُومِينَ لَذَمَّهُمْ مَنْ سَأَلَكُمْ عَنْ هَذَا؟ أَلَا قَعَدْتُمْ حَتَّى تُسْأَلُوا؟ . فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُمْ كَذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لَا عَنْ مَسْأَلَةٍ مَحْمُودٌ.
فَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ
6134 - مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَشِيدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَشَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ حَتَّى عَرَفْنَا ذَلِكَ فِيهِ وَأَنْكَرَ لِذَلِكَ.
وَجَاءَ آخَرُ يُحَرِّكُ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا سَلْخَ الْعِقَابِ؟» وَصَاحَ أَبُو عُثْمَانَ صَيْحَةً تُشَبَّهُ بِهَا صَيْحَةَ عُمَرَ حَتَّى كَرُبْتُ أَنْ يُغْشَى عَلَيَّ.
قَالَ: رَأَيْتُ أَمْرًا قَبِيحًا قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتِ الشَّيْطَانَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَأَمَرَ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ فَجُلِدُوا»
6135 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ أَرْبَعَةٌ فَنَكَلَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَجَلَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الثَّلَاثَةَ وَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابَ الِاثْنَانِ , وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَتُوبَ فَكَانَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا حِينَ تَابَا وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَتُوبَ وَكَانَ مِثْلَ التَّصَوُّمِ مِنَ الْعِبَادَةِ
6136 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُمَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ، قَالَ: أَقْبَلَ رَهْطٌ مَعَهُمُ امْرَأَةٌ حَتَّى نَزَلُوا فَتَفَرَّقُوا فِي حَوَائِجِهِمْ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ فَرَجَعُوا وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَهُبُّ كَمَا يَهُبُّ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ.
وَقَالَ الرَّابِعُ: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي لَمْ أَرَهُ يَهُبُّ فِيهَا رَأَيْتُ سِخْتَلَيْهِ يَعْنِي خُصْيَتَيْهِ، يَضْرِبَانِ اسْتَهَا وَرِجْلَاهَا مِثْلُ أُذُنَيْ حِمَارٍ.
وَعَلَى مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيُّ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ.