كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
4278 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانٍ قَالَ: ثنا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ , عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ , عَنْ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطَارِدُ ثَبِيتَةَ بِنْتَ الضَّحَّاكِ فَوْقَ إِجَّارٍ لَهَا بِبَصَرِهِ طَرْدًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: أَتَفْعَلُ هَذَا , وَأَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أُلْقِيَ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةُ امْرَأَةٍ , فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا»
4279 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ , عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى , عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ , وَكَانَ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً , فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِلْخِطْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ»
4280 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا الْوَهْبِيُّ قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ , عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ , فَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَرَى مِنْهَا مَا يُعْجِبُهُ , فَلْيَفْعَلْ» . قَالَ جَابِرٌ: فَلَقَدْ خَطَبْتُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَلِمَةَ , فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ - أَيْ أَخْتَفِي - فِي أُصُولِ النَّخْلِ , حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا بَعْضَ مَا يُعْجِبُنِي فَخَطَبْتُهَا , فَتَزَوَّجْتُهَا
4281 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ السَّقَطِيُّ قَالَ: ثنا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَشْكُرِيُّ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» يَعْنِي الصِّغَرَ
4282 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ , أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»
4283 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُونُسَ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» فَقُلْتُ: لَا.
فَقَالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ إِبَاحَةُ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ , لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا , فَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ قَوْمٌ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ , وَلَا لِغَيْرِ مَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجًا لَهَا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا
4284 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي طُفَيْلٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ لَهُ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ لَكَ كَنْزًا فِي الْجَنَّةِ , وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا، فَلَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ , فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْأُخْرَى»
4285 - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُرَادِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ: ثنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ , وَأَبُو شِهَابٍ , عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ , عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ، قَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» .
4286 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ قَالَ: ثنا وُهَيْبٌ , عَنْ يُونُسَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
4287 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ يُونُسَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
4288 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ , عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الْإِيَادِيِّ , عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , رَفَعَهُ مِثْلَهُ.
يَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ , فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى , وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ»
4289 - وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ , عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ , عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النَّظْرَةُ الْأُولَى لَكَ , وَالْآخِرَةُ عَلَيْكَ» . قَالُوا: فَلَمَّا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ النَّظْرَةَ الثَّانِيَةَ , لِأَنَّهَا تَكُونُ بِاخْتِيَارِ النَّاظِرِ , وَخَالَفَ بَيْنَ حُكْمِهَا وَبَيْنَ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا , إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنَ النَّاظِرِ , دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنَ النِّكَاحِ أَوِ الْحُرْمَةِ , مَا لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهَا.
فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , أَنَّ الَّذِي أَبَاحَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ , هُوَ النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ , فَذَلِكَ نَظَرٌ بِسَبَبٍ هُوَ حَلَالٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِ امْرَأَةٍ , لَا نِكَاحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا , لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا , وَلِيَشْهَدَ لَهَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
فَكَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا لِيَخْطُبَهَا , كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَيْضًا.
فَأَمَّا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ , وَجَرِيرٍ , وَبُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ , فَذَلِكَ لِغَيْرِ الْخِطْبَةِ , وَلِغَيْرِ مَا هُوَ حَلَالٌ , فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ مُحَرَّمٌ.
وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى صَدْرِ الْمَرْأَةِ الْأَمَةِ , إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ حَلَالٌ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهَا , لِيَبْتَاعَهَا لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ نَظَرَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهَا , لَا لِيَبْتَاعَهَا , وَلَكِنْ لِغَيْرِ ذَلِكَ , كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَرَامًا.
فَكَذَلِكَ نَظَرُهُ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ حَلَالٌ , فَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لَهُ , وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ , فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ،
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِيَخْطُبَهَا حَلَالٌ , خَرَجَ بِذَلِكَ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْعَوْرَةِ، وَلِأَنَّا رَأَيْنَا مَا هُوَ عَوْرَةٌ لَا يُبَاحُ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا النَّظَرُ إِلَيْهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ , فَحَرَامٌ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى شَعْرِهَا , وَإِلَى صَدْرِهَا , وَإِلَى مَا هُوَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي بَدَنِهَا , كَمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ مِنْهَا , عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا.
فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِهَا حَلَالٌ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا , ثَبَتَ أَنَّهُ حَلَالٌ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا , إِذَا كَانَ لَا يَقْصِدُ بِنَظَرِهِ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ.
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] : إِنَّ ذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ , فَقَدْ وَافَقَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ هَذَا التَّأْوِيلَ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
4290 - كَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ بِذَلِكَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ
4291 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ.
فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟» فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ , جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ , فَالْتَمِسْ شَيْئًا» . فَقَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا.
قَالَ: «فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمَ حَدِيدٍ» . قَالَ: فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟» فَقَالَ: نَعَمْ , سُورَةُ كَذَا , وَسُورَةُ كَذَا.
السُّوَرَ سَمَّاهَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ زَوَّجْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» .
4292 - حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ سَهْلٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ أَنْكَحْتُكَ مَعَ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» .
4293 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ سَهْلٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
قَالَ اللَّيْثُ: لَا يَجُوزُ هَذَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنْ يُزَوَّجَ بِالْقُرْآنِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّزْوِيجَ عَلَى سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُسَمَّاةٍ جَائِزٌ , وَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا تِلْكَ السُّورَةَ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى ذَلِكَ , فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ , وَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ مَهْرًا , فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا , إِنْ دَخَلَ بِهَا , أَوْ مَاتَا , أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا , وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا , فَلَهَا الْمُتْعَةُ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ سَهْلٍ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ زَوَّجْتُكَ عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» أَنَّ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ , وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِي غَيْرِ هَذَا , فَذَلِكَ عَلَى السُّورَةِ , لَا عَلَى تَعْلِيمِهَا , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى السُّورَةِ , فَهُوَ عَلَى حُرْمَتِهَا , وَلَيْسَتْ مِنَ الْمَهْرِ فِي شَيْءٍ , كَمَا تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ
4294 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا الْخَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ الْفَوْزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , أَنَّ «أَبَا طَلْحَةَ تَزَوَّجَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إِسْلَامِهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَسَّنَهُ» فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ مَهْرًا فِي الْحَقِيقَةِ , وَإِنَّمَا مَعْنَى تَزَوَّجَهَا عَلَى إِسْلَامِهِ , أَيْ تَزَوَّجَهَا لِإِسْلَامِهِ , وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا: قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ مَا كَانَ لَهَا مَهْرٌ غَيْرُهُ.
فَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ , أَيْ: مَا أَرَادَتْ مِنْهُ مَهْرًا غَيْرَهُ.
فَكَذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِ سَهْلٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى أَنْ يُؤْكَلَ بِالْقُرْآنِ , أَوْ يُتَعَوَّضَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا
4295 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ , عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ , عَنْ عُبَادَةَ قَالَ: كُنْتُ أُعَلِّمُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ , فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا , عَلَى أَنْ أَقْبَلَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُطَوِّقَكَ اللهُ بِهَا طَوْقًا مِنَ النَّارِ , فَاقْبَلْهَا»
4296 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامٍ , عَنْ أَبِي سَلَّامٍ , عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ , وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ , وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ , وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ
4297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
ح
4298 - وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا أَبَانُ قَالَ: ثنا يَحْيَى قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِهِ , عَنْ زَيْدٍ , وَقَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا زَيْدٌ ثُمَّ اجْتَمَعَا جَمِيعًا فَقَالَا: عَنْ أَبِي سَلَامٍ , عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» . فَحَظَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَوَّضُوا بِالْقُرْآنِ شَيْئًا مِنْ عِوَضِ الدُّنْيَا.
فَعَارَضَ ذَلِكَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُخَالِفُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , لَوْ ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَذَلِكَ , وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ , إِذْ كَانَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلُهُ بِمَا وَصَفْنَا.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا مَعْنًى آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلْكَ الْبُضْعِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ , وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مِمَّا خَصَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ مَا كَانَ لَهُ تَمَلُّكُهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّيْثُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ.
فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ , فَزَوِّجْنِيهَا.
فَكَانَ هَذَا مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ , وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَهَا فِي نَفْسِهَا , وَلَا أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ زَوِّجْنِي مِنْهُ.
فَدَلَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ تَزْوِيجُهُ إِيَّاهَا مِنْهُ لَا بِقَوْلٍ تَأْتِي بِهِ بَعْدَ قَوْلِهَا: قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ , وَإِنَّمَا هُوَ بِقَوْلِهَا الْأَوَّلِ وَلَمْ تَكُ قَالَتْ لَهُ، قَدْ جَعَلْتُ لَكَ أَنْ تَهَبَنِي لِمَنْ شِئْتَ , بِالْهِبَةِ الَّتِي لَا تُوجِبُ مَهْرًا جَازَ النِّكَاحُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْهِبَةَ خَالِصَةٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِصَاصِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِهَا دُونَ الْمُؤْمِنِينَ.
غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: 50] أَيْ: بِلَا مَهْرٍ , وَجَعَلُوا الْهِبَةَ نِكَاحًا لِغَيْرِهِ , يُوجِبُ الْمَهْرَ وَقَالَ آخَرُونَ ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: 50] أَيْ أَنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ لَكَ نِكَاحًا , وَلَا تَكُونُ نِكَاحًا لِغَيْرِكَ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورُ أَمْرُهَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ , مَنْكُوحَةً بِهِبَتِهَا نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ النِّكَاحَ خَاصٌّ كَمَا قَالَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ سُؤَالٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ.
قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ , قَدْ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا غَيْرَ السُّورَةِ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنْ حَمَلَتِ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنْتَ , لَزِمَكَ مَا ذَكَرْنَا , مِنْ أَنَّ ذَلِكَ النِّكَاحَ كَانَ بِالْهِبَةِ الَّتِي وَصَفْنَا.
وَإِنْ حَمَلَتْ ذَلِكَ عَلَى التَّأْوِيلِ عَلَى مَا وَصَفْتُ , فَلِغَيْرِكَ أَنْ يُحَمِّلَهُ أَيْضًا مِنَ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , ثُمَّ لَا تَكُونُ أَنْتَ بِتَأْوِيلِكَ أَوْلَى مِنْهُ بِتَأْوِيلِهِ.
فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ.
وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا النِّكَاحَ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَهْرٍ مَجْهُولٍ , لَمْ يَثْبُتِ الْمَهْرُ , وَرُدَّ حُكْمُ الْمَرْأَةِ إِلَى حُكْمِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا , فَاحْتِيجَ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَعْلُومًا , كَمَا تَكُونُ الْأَثْمَانُ فِي الْبِيَاعَاتِ مَعْلُومَةً , وَكَمَا تَكُونُ الْأُجْرَةُ فِي الْإِجَارَاتِ مَعْلُومَةً.
وَكَانَ الْأَصْلُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ , أَنَّ رَجُلًا لَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ سَمَّاهَا بِدِرْهَمٍ , لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ شِعْرًا بِعَيْنِهِ بِدِرْهَمٍ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ أَيْضًا , لِأَنَّ الْإِجَارَاتِ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ.
إِمَّا عَلَى عَمَلٍ بِعَيْنِهِ , مِثْلِ غَسْلِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ , أَوْ عَلَى خِيَاطَتِهِ , أَوْ عَلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مَعْلُومًا , أَوِ الْعَمَلُ مَعْلُومًا.
وَكَانَ إِذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى تَعْلِيمِ سُورَةٍ , فَتِلْكَ إِجَارَةٌ لَا عَلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ , وَلَا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ , إِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ ذَلِكَ , وَقَدْ يَتَعَلَّمُ بِقَلِيلِ التَّعْلِيمِ وَبِكَثِيرِهِ , وَفِي قَلِيلِ الْأَوْقَاتِ وَكَثِيرِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهُ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ , لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ , لِلْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْإِجَارَاتِ.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ , وَقَدْ وَصَفْنَا أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَمْوَالٍ وَلَا عَلَى مَنَافِعَ ,
إِلَّا عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ , وَكَانَ التَّعْلِيمُ لَا تُمْلَكُ بِهِ الْمَنَافِعُ وَلَا أَعْيَانُ الْأَمْوَالِ , ثَبَتَ بِالنَّظَرِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُمْلَكَ بِهِ الْأَبْضَاعُ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابُ الرَّجُلِ يَعْتِقُ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا
4299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا أَبَانُ , وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَا: ثنا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ , عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا , جَازَ ذَلِكَ , فَإِنْ تَزَوَّجَهَا , فَلَا مَهْرَ لَهَا غَيْرُ الْعَتَاقِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ , سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , وَأَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا , فَيَتِمُّ لَهُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ سِوَى الْعَتَاقِ , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ خَاصًّا , لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ , جَعَلَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ , وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] . فَلَمَّا أَبَاحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ , كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى الْعَتَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِصَدَاقٍ.
وَمَنْ لَمْ يُبِحِ اللهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى غَيْرِ صَدَاقٍ , لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى الْعَتَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِصَدَاقٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ , وَزُفَرُ , وَمُحَمَّدٌ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ فِي جُوَيْرِيَةَ ذَلِكَ , مِثْلَ مَا رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي صَفِيَّةَ
4300 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ نَافِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ جُوَيْرِيَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ , فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا , وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا " أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ , وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ فَقَدْ رَوَى هَذَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ هَذَا , أَنَّهُ يُجَدِّدُ لَهَا صَدَاقًا.
4301 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عُبَيْدِ اللهِ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فَهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ , عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَمَاعًا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَدْلَلْنَا بِهِ نَحْنُ عَلَى خُصُوصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ , بِمَا وَصَفْنَا دُونَ النَّاسِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي عَتَاقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُوَيْرِيَةَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ صَدَاقَهَا , كَيْفَ كَانَ؟
فَإِذَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ
4302 - قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ , وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي سَهْمٍ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ , فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا قَالَتْ وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً , لَا يَكَادُ يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ , فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ فَكَرِهْتُهَا , وَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ مَا رَأَيْتُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ , سَيِّدِ قَوْمِهِ , وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يَخْفَ فَوَقَعْتُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ , أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ , فَكَاتَبْتُهُ , فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ أَسْتَعِينُهُ عَلَى كِتَابَتِي.
قَالَ: «فَهَلْ لَكَ مِنْ خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ» قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَقْضِي عَنْكَ كِتَابَتَكَ وَأَتَزَوَّجُكَ» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَقَدْ فَعَلْتُ» . وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ , فَقَالُوا: صَاهَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَتْ: فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ " , فَلَا نَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا فَبَيَّنَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا الْعَتَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ , وَجَعَلَهُ مَهْرَهَا كَيْفَ هُوَ؟ وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ أَدَاؤُهُ عَنْهَا مُكَاتَبَتَهَا إِلَى الَّذِي كَانَ كَاتَبَهَا لِتَعْتِقَ بِذَلِكَ الْأَدَاءِ.
ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ الْعَتَاقُ الَّذِي وَجَبَ بِأَدَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُكَاتَبَةَ إِلَى الَّذِي كَانَ كَاتَبَهَا مَهْرًا لَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.
وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ مُكَاتَبَةٍ مُكَاتَبَتَهَا إِلَى مَوْلَاهَا , عَلَى أَنْ تَعْتِقَ بِأَدَائِهِ ذَلِكَ عَنْهَا , وَيَكُونُ ذَلِكَ الْعتاقُ مَهْرًا لَهَا مِنْ قِبَلِ الَّذِي أَدَّى عَنْهَا مُكَاتَبَتَهَا , وَتَكُونُ بِذَلِكَ زَوْجَةً لَهُ.
فَلَمَّا كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا مَهْرًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ , كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَتَاقَ الَّذِي تَوَلَّاهُ هُوَ أَيْضًا , مَهْرًا لِمَنْ أَعْتَقَهُ , عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ.
فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ.
وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ: النَّظَرُ - عِنْدِي - فِي هَذَا , أَنْ يَكُونَ الْعَتَاقُ مَهْرًا لِلْمُعْتَقَةِ عَلَيْهِ , لَيْسَ لَهَا مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا رَأَيْنَاهَا إِذَا وَقَعَ الْعَتَاقُ , عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا , ثُمَّ أَبَتِ التَّزْوِيجَ , أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا.
قَالَ: فَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِيهِ إِذَا أَبَتِ التَّزْوِيجَ , يَكُونُ مَهْرًا لَهَا , إِذَا أَجَابَتْ إِلَى التَّزْوِيجِ.
قَالَ: وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ , قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ , كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ
4303 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ أَمَتَهُ , وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا , ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا قَالَ: «عَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا» وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ فِي هَذَا عَلَى أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ , أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ السِّعَايَةِ عَلَيْهَا , إِذَا أَبَتْ فِي قِيمَتِهَا , قَدْ قَالَ هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا فَمَا لَزِمَهُمَا مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهَا إِذَا أَجَابَتْ إِلَى التَّزْوِيجِ , فَهُوَ لَازِمٌ لَهُمَا.
وَأَمَّا زُفَرُ فَكَانَ يَقُولُ: لَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا إِذَا أَبَتْ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهَا النِّكَاحَ فِي أَصْلِ الْعَتَاقِ , فَإِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِبَدَلٍ شَرَطَهُ لَهَا عَلَى نَفْسِهِ , وَهُوَ الصَّدَاقُ الَّذِي يَجِبُ لَهَا فِي قَوْلِهِ إِذَا أَجَابَتْ , فَكَانَ الْعَتَاقُ وَاقِعًا عَلَيْهَا لَا بِبَدَلٍ , وَالنِّكَاحُ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهَا لَهُ بَدَلٌ , غَيْرُ الْعَتَاقِ.
فَصَارَ ذَلِكَ , كَرَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سَنَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ , فَقَبِلَ ذَلِكَ الْعَبْدُ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَخْدُمَهُ , فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَوْ خَدَمَهُ , لَكَانَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِاسْتِخْدَامِهِ إِيَّاهُ أَجْرًا , بَدَلًا مِنَ الْخِدْمَةِ.
فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ قَوْلِ زُفَرَ فِي الْأَمَةِ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّزْوِيجِ , أَنَّهَا إِذَا أَجَابَتْ إِلَى التَّزْوِيجِ , وَجَبَ لَهَا مَهْرٌ بَدَلًا مِنْ بُضْعِهَا , فَإِذَا أَبَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا بَدَلٌ مِنْ رَقَبَتِهَا , لِأَنَّ رَقَبَتَهَا عَتَقَتْ لَا بِبَدَلٍ , وَاشْتُرِطَ عَلَيْهَا نِكَاحٌ بِبَدَلٍ.
وَلَا يَثْبُتُ الْبَدَلُ مِنَ النِّكَاحِ , إِلَّا بِثُبُوتِ النِّكَاحِ , كَمَا لَا يَثْبُتُ الْبَدَلُ عَلَى الْخِدْمَةِ إِلَّا بِثُبُوتِ الْخِدْمَةِ.
فَلَيْسَ بُطْلَانُهُمَا , وَلَا بُطْلَانُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا , بِمُوجِبٍ فِي الْعَتَاقِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ بَدَلًا.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ , كَمَا قَالَ زُفَرُ , لَا كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَأَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ كَانَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ , يَذْهَبُ فِي تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ عَلَى عِتْقِهَا , إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ , وَزُفَرُ , وَمُحَمَّدٌ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَيْضًا
4304 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: ثنا حَمَّادٌ قَالَ: أَعْتَقَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبَتَّ عِتْقَهَا؟ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ , وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؟ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ هِشَامًا , فَأَبَتَّ عِتْقَهَا وَتَزَوَّجَهَا , وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةٍ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُعْتِقُ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ , وَتَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ , فَتَكُونُ حُرَّةً , وَيَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَالُ , فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ إِذَا أَعْتَقَهَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا , فَقَبِلَتْ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً , وَيَجِبُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَيْهَا؟ قِيلَ لَهُ: إِذَا أَعْتَقَهَا عَلَى مَالٍ , فَقَبِلَتْ ذَلِكَ مِنْهُ , وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ الْعَتَاقُ , وَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا الْمَالُ , فَوَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْعَقْدِ الَّذِي تَعَاقَدَا بَيْنَهُمَا شَيْءٌ أَوْجَبَهُ لَهُ ذَلِكَ الْعَقْدُ , لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَإِذَا أَعْتَقَهَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهَا صَدَاقُهَا , فَقَدْ مَلَّكَهَا رَقَبَتَهَا , عَلَى أَنْ مَلَّكَتْهُ بُضْعَهَا , فَمَلَّكَهَا رَقَبَةً هُوَ لَهَا مَالِكٌ , وَلَمْ تَكُنْ هِيَ مَالِكَةً لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ مَلَّكَتْهُ بُضْعَهَا هُوَ لَهُ مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ , فَلَمْ تُمَلِّكْهُ بِذَلِكَ الْعَتَاقِ شَيْئًا , لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ قَبْلَهُ إِنَّمَا مَلَّكَتْهُ بَعْضَ مَا قَدْ كَانَ لَهُ.
فَكَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ الْعَتَاقِ شَيْءٌ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْعَتَاقُ لَهَا صَدَاقًا.
هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ تَكُونُ زَوْجَةً لَهُ بِالْعَتَاقِ الَّذِي هُوَ لَهَا صَدَاقٌ.
فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: لَا تَكُونُ زَوْجَتَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ الْعَتَاقِ , وَالصَّدَاقُ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِالْعَتَاقِ , وَيَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهِ مَتَى أَحَبَّ , فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: فَلِمُعْتِقِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا بِغُرْمِ ذَلِكَ الصَّدَاقِ الَّذِي قَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا بِالْعَتَاقِ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِهِ , خَرَجَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِهِ , قِيلَ لَهُ: فَمَا الصَّدَاقُ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ عَلَيْهَا الْعَتَاقَ؟ أَمَالٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَالٍ؟ فَإِنْ كَانَ مَالًا , فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَالِ مَتَى أَحَبَّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالٍ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ.
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا , وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ
4305 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ , فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ , أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ , وَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87] "
4306 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثنا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ , يَخْطُبُ وَهُوَ يُعَرِّضُ بِابْنِ عَبَّاسٍ , يَعِيبُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِي الْمُتْعَةِ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَسْأَلُ أُمَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا» , فَسَأَلَهَا , فَقَالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ , قَدْ كَانَ ذَلِكَ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «لَوْ شِئْتُ لَسَمَّيْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ وُلِدُوا فِيهَا»
4307 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ فَقَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَمَتَّعَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً , بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ , حَرُمَتْ عَلَيْهِ , لَا بِطَلَاقٍ.
وَلَكِنْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَا تَعَاقَدَا عَلَى الْمُتْعَةِ فِيهَا , وَلَا يَتَوَارَثَانِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى قَدْ كَانَتْ , ثُمَّ نُسِخَتْ بَعْدَ ذَلِكَ , وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ.
وَذَكَرُوا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَهْيِهِ عَنْهَا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا النُّسَخُ مَا قَدْ
4308 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: ثنا جُوَيْرِيَةُ , عَنْ مَالِكٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ , أَنَّ أَبَاهُمَا أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّكَ رَجُلٌ تَابِهٌ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ» .
4309 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ , وَأُسَامَةُ , وَمَالِكٌ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنَّكَ رَجُلٌ تَابِهٌ
4310 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثنا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ , عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا مَرَّ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «قَدْ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»
4311 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: حَرَامٌ.
قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا يَقُولُ فِيهَا قَالَ: «وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ , وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ» فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ النَّهْيُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُتْعَةِ.
فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِذْنِ فِيهَا , كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ النَّهْيُ نَاسِخًا , لِمَا كَانَ مِنَ الْإِبَاحَةِ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ
4312 - فَإِذَا يُونُسُ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ , فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ.
فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ , كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ، فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا.
فَقَالَتْ: مَا تُعْطِينِي؟ فَقُلْتُ: رِدَائِي , وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَاءَيْنِ , وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ، فِإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءَيْ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا , وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا , فَقَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَ تَكْفِينِي.
فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ اللَّاتِي يُتَمَتَّعُ بِهِنَّ , فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا» .
4313 - حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ , عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ
4314 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ» فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتُهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَزَعَمَ مَعْمَرٌ أَنَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ