كِتَابُ الزَّكَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَذُو الْمِرَّةِ السَّوِيُّ إِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ خَاصَّةً , وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا قَدْ يَحِلُّ لَهُمَا أَخْذُهَا , فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لِذِي الْمِرَّةِ السَّوِيِّ تَرْكُهَا وَالْأَكْلُ مِنَ الِاكْتِسَابِ بِعَمَلِهِ.
وَقَدْ يُغَلَّظُ الشَّيْءُ مِنْ هَذَا , فَيُقَالُ: لَا يَحِلُّ , أَوْ لَا يَكُونُ كَذَا , عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَكَامِلِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَحِلُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ يَحِلُّ بِمَا دُونَ تَكَامُلِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ مِنْ ذَلِكَ , مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ وَلَا بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ , وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ , وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ» فَلَمْ يَكُنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ خَارِجًا مِنْ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ وَأَحْكَامِهَا , حَتَّى لَا يَحِلَّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ , وَحَتَّى لَا يُجْزِئَ مَنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ مُتَكَامِلِ أَسْبَابِ الْمَسْكَنَةِ.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» أَيْ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحِلُّ لَهُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لِمَذْهَبِهِمْ أَيْضًا
3005 - بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ , قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا , فَرَفَعَ الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ , فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ قَوِيَّيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ , وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ , وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
3006 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ , وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
3007 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , وَهَمَّامٌ , عَنْ هِشَامٍ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادَهِ مِثْلَهُ.
قَالُوا: فَقَدْ قَالَ لَهُمَا: «لَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَوِيَّ الْمُكْتَسِبَ لَا حَظَّ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ , وَلَا تُجْزِئُ مَنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا شَيْئًا.
فَالْحُجَّةُ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» أَيْ إِنَّ غِنَاكُمَا يَخْفَى عَلَيَّ , فَإِنْ كُنْتُمَا غَنِيَّيْنِ , فَلَا حَقَّ لَكُمَا فِيهَا , وَإِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ , لِأَنِّي لَمْ أَعْلَمْ بِغِنَاكُمَا، فَمُبَاحٌ لِي إِعْطَاؤُكُمَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمَا أَخْذُ مَا أَعْطَيْتُكُمَا إِنْ كُنْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ حَقِيقَةِ أُمُورِكُمَا فِي الْغِنَى , خِلَافَ مَا أَرَى مِنْ ظَاهِرِكُمَا الَّذِي اسْتَدْلَلْتُ بِهِ عَلَى فَقْرِكُمَا.
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» . وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» فَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْحَقُّ فِيهَا , فَعَادَ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ: «وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ» .
وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ عَالِمٌ حَقًّا , إِذَا تَكَامَلَتْ فِيهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا , وَلَا يُقَالُ: هُوَ عَالِمٌ حَقًّا , إِذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ عَالِمًا.
فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ: فَقِيرٌ حَقًّا إِلَّا لِمَنْ تَكَامَلَتْ فِيهِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفَقِيرُ فَقِيرًا , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا , وَلِهَذَا قَالَ لَهُمَا: «وَلَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» أَيْ: وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا , حَتَّى يَكُونَ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا , وَهُوَ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ.
وَلَوْلَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْطَاؤُهُ لِلْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ , إِذَا كَانَ فَقِيرًا , لَمَا قَالَ لَهُمَا: «إِنْ شِئْتُمَا فَعَلْتُ» . وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ , لِأَنَّهَا إِنْ حُمِلَتْ عَلَى مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , ضَادَّتْ سِوَاهَا , مِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَمِنْ ذَلِكَ
3008 - مَا حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ , قَالَ: نَزَلْتُ دَارَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِالْمَدِينَةِ , فَضَمَّنِي وَإِيَّاهُ الْمَجْلِسُ , فَقَالَ: أَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ عَصَبُوا عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ: لَوْ أَتَيْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتَهُ , فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ , وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ.
فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ , حَتَّى أَطْلُبَ.
فَطَلَبْتُ , فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا , فَاسْتَبَقْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: " مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ , وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ , وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ , وَمَنِ اسْتَعَفَّ عَنَّا وَاسْتَغْنَى أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ سَأَلَنَا.
قَالَ: فَرَجَعْتُ , فَمَا سَأَلْتُ أَحَدًا بَعْدُ , فَمَا زَالَ اللهُ يَرْزُقُنَا حَتَّى مَا أَعْلَمُ بَيْتًا فِي الْمَدِينَةِ أَكْبَرَ سُؤَالًا مِنَّا "
3009 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَعْوَزْنَا مَرَّةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللهُ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ، وَمَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ» . قَالَ: قُلْتُ: فَلْأَسْتَعِفَّ فَيُعِفَّنِي اللهُ وَلْأَسْتَغْنِ فَيُغْنِيَنِي اللهُ.
قَالَ: فَوَاللهِ مَا كَانَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ زَبِيبًا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا مِنْهُ , ثُمَّ قَسَمَ شَعِيرًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا مِنْهُ ثُمَّ سَالَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا، فَغَرَّقَتْنَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ.
3010 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا هِشَامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ أَخِي بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَبَّادٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ» وَيُخَاطِبُ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ , وَأَكْثَرُهُمْ صَحِيحٌ لَا زَمَانَةَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ فَقِيرٌ , فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهَا لِصِحَّتِهِمْ , فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَفَضَّلَ مَنِ اسْتَعَفَّ وَلَمْ يَسْأَلْ , عَلَى مَنْ سَأَلَ , فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَبُو سَعِيدٍ لِذَلِكَ , وَلَوْ سَأَلَهُ لَأَعْطَاهُ , إِذْ قَدْ كَانَ بَذَلَ ذَلِكَ لَهُ , وَلِأَمْثَالِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا
3011 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ , عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ , أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ يَقُولُ: أَمَّرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمِي , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَعْطِنِي مِنْ صَدَقَاتِهِمْ , فَفَعَلَ وَكَتَبَ لِي بِذَلِكَ كِتَابًا.
فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ , حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ مِنَ السَّمَاءِ , فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ , فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا» . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا الصُّدَائِيُّ قَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمِهِ , وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَمَّرَهُ وَبِهِ زَمَانَةٌ.
ثُمَّ قَدْ سَأَلَهُ مِنْ صَدَقَةِ قَوْمِهِ , وَهِيَ زَكَاتُهُمْ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا , وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ لِصِحَّةِ بَدَنِهِ.
ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّجُلُ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كُنْتَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الَّذِينَ جَزَّأَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّدَقَةَ فِيهِمْ أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا» . فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حُكْمَ الصَّدَقَاتِ إِلَى مَا رَدَّهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ» ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ.
فَكُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صِنْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ , فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ , وَرَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ , زَمِنًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا.
وَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» مَا حَمَلْنَاهَا عَلَيْهِ , لِئَلَّا يَخْرُجَ مَعْنَاهَا مِنَ الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا , وَلَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ الَّتِي رَوَيْنَا.
وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنًى وَاحِدًا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
ثُمَّ قَدْ رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا
3012 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ , عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ , عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ , أَنَّهُ تَحَمَّلَ
بِحَمَالَةٍ , فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فِيهَا فَقَالَ نُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ , أَوْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ.
يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حَرُمَتْ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ , رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ , وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ , فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ , أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ , وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ حَتَّى تَكَلَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنْ حَلَّتْ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ , أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ , وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ "
3013 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ , عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيِّ , عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ
3014 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ , وَزَادَ «رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ عَنْ قَوْمِهِ أَرَادَ بِهَا الْإِصْلَاحَ» فَأَبَاحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِذِي الْحَاجَةِ أَنْ يَسْأَلَ لِحَاجَتِهِ , حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ , أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحْرُمُ بِالصِّحَّةِ إِذَا أَرَادَ بِهَا الَّذِي تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ سَدَّ فَقْرٍ.
وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُرِيدُ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّكَثُّرِ وَنَحْوِهِ , وَمَنْ يُرِيدُ بِهَا ذَلِكَ , فَهُوَ مِمَّنْ يَطْلُبُهَا لِسِوَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ , الَّذِي ذَكَرْنَا , فَهُوَ عَلَيْهِ سُحْتٌ وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3015 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ , فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ , وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ , إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ , أَوْ يَسْأَلَ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا»
3016 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا وَهْبٌ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
3017 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ أَبَاحَ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَسْأَلَةَ فِي كُلِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ , فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا أُبِيحَتْ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ , وَزَادَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَيْهِ , مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا , وَفِي ذَلِكَ إِبَاحَةُ الْمَسْأَلَةِ بِالْحَاجَةِ خَاصَّةً , لَا بِالزَّمَانَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَعْنَى
3018 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ , أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ , فَقَالَ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثٍ , لِغُرْمٍ مُوجِعٍ , أَوْ دَمٍ مُفْظِعٍ , أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ , مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ , فَقَدْ دَخَلَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَعْنَى حَدِيثِ سَمُرَةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا
مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ , قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِيِّ , عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ , أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ , أَوْ يَكُونَ لَهُ جَارٌ فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ , فَيُهْدِيَ لَهُ , أَوْ يَدْعُوَهُ»
3019 -حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَارُودِ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى , قَالَ: أنا ابْنُ أَبِي لَيْلَى , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ فَأَبَاحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةَ لِلرَّجُلِ , إِذَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللهِ , أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ , فَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ الصَّحِيحَ , وَغَيْرَ الصَّحِيحِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا , عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ , إِنَّمَا تَحِلُّ بِالْفَقْرِ , كَانَتْ مَعَهُ الزَّمَانَةُ , أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3020 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ , قَالَ: ثنا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَالِدٌ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ وَهْبٍ , قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ , فَسَأَلَهُ رِدَاءَهُ , فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ , فَذَهَبَ بِهِ , ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا مِنْ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ , وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ لَهُ , فَإِنَّهُ خُمُوشٌ فِي وَجْهِهِ , وَرَضْفٌ يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ , إِنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ , وَإِنْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ» فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحِلُّ بِالْفَقْرِ , وَالْغُرْمِ , فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحِلُّ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ خَاصَّةً , وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ حَالُ الزَّمِنِ وَلَا غَيْرِهِ
3021 - وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ ثنا مُخَوَّلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ , فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ»
3022 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
فَهَذَا حُبْشِيٌّ قَدْ حَكَى هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَافَقَ مَا حَكَى مِنْ ذَلِكَ , مَا حَكَاهُ الْآخَرُونَ , مِنْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِنَّمَا تَحِلُّ بِالْفَقْرِ.
وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ أَيْضًا , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةً
3023 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: ثنا الْفِرْيَابِيُّ ح
3024 - وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَا جَمِيعًا: عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَسْأَلُ عَبْدٌ مَسْأَلَةً , وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ إِلَّا جَاءَتْ شَيْنًا , أَوْ كُدُوحًا , أَوْ خُدُوشًا , فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ , وَمَاذَا غِنَاهُ؟ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَحِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ "
3025 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْبَغْدَادِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ» وَلَمْ يَشُكَّ وَزَادَ فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: لَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ حَكِيمٍ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , مِثْلَهُ
3026 - حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ الرَّقِّيُّ , قَالَ: ثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ , قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى , فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , وَمَا ظَهْرُ غِنًى؟ قَالَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِهِ مَا يُغَدِّيهِمْ , أَوْ مَا يُعَشِّيهِمْ "
3027 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنْ ثَوْبَانَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ , جَاءَتْ شَيْنًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
3028 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ ,: قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ , وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ»
3029 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ , عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ , عَنْ أَبِي زُرْعَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا , فَإِنَّمَا هُوَ جَمْرٌ , فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ , أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»
3030 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: نَزَلْتُ وَأَهْلِي , بَقِيعَ الْغَرْقَدِ , فَقَالَ لِي أَهْلِي: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلْهُ , وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ حَاجَتَهُمْ.
فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ , وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ» , فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّكَ لَتُفَضِّلُ مَنْ شِئْتَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَى أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ , مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ , وَعِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَهَا إِلْحَافًا» . قَالَ الْأَسَدِيُّ: فَقُلْتُ لِلَّقْحَةِ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ قَالَ: وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا , قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ.
فَقَدِمَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَعِيرٍ وَزَبِيبٍ وَزُبْدٍ , فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ حَتَّى أَغْنَانَا اللهُ "
3031 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ , عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ , عَنْ عَبْدِ اللهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْأَيْدِي ثَلَاثٌ: فَيَدُ اللهِ الْعُلْيَا , وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا , وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , فَاسْتَعْفِفْ مَا اسْتَطَعْتَ , وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ , وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ وَإِذَا آتَاكَ اللهُ خَيْرًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَبَاحَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا هِيَ لِلْفَقْرِ لَا غَيْرِهِ.
وَكَانَ تَصْحِيحُ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ، عِنْدَنَا، يُوجِبُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» , هُوَ غَيْرُ مَنِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ بِقَوْلِهِ: «إِلَّا مِنْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ , أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ» وَأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُ بِمَسْأَلَتِهِ أَنْ يُكْثِرَ مَالَهُ , وَيَسْتَغْنِيَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ , حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ , وَتَتَّفِقَ مَعَانِيهَا وَلَا تَتَضَادَّ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ وُجُوهَ هَذِهِ الْآثَارِ , هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى حَدِيثِ عُمَرَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْوٍ مِنْ هَذَا
3032 - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ , قَالَ: أنا شُعَيْبٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: ثنا السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنْ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا , فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا أَتَّجِرُ , وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلْ , فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ , وَقَدْ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي , حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ , وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ , وَلَا سَائِلٍ , فَخُذْهُ , وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» . قَالَ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا عَلَى أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ , إِنَّمَا هَذَا عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ عَلَى النَّاسِ , فَيَقْسِمُهَا عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ.
كَمَا فَرَضَ عُمَرُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ , فَفَرَضَ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ وَلِلْفُقَرَاءِ , فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَمْوَالُ يُعْطَاهَا النَّاسُ , لَا مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ , وَلَكِنْ لِحُقُوقِهِمْ فِيهَا.
فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ , حِينَ أَعْطَاهُ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهُ مِنْهَا قَوْلُهُ: «أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي» . أَيْ: إِنِّي لَمْ أُعْطِكَ ذَلِكَ لِأَنَّكَ فَقِيرٌ , إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْفَقْرِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ خُذْهُ , فَتَمَوَّلْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ , لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَا يَتَّخِذُهُ مَالًا , كَانَ ذَلِكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: " فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ الَّذِي هَذَا حُكْمُهُ , وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ , أَيْ تَأْخُذُهُ بِغَيْرِ إِشْرَافٍ.
وَالْإِشْرَافُ: أَنْ تُرِيدَ بِهِ مَا قَدْ نُهِيتَ عَنْهُ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ وَلَا مُشْرِفٍ أَيْ: وَلَا تَأْخُذْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَكَ فِيهَا , فَيَكُونُ ذَلِكَ شَرَفًا فِيهَا وَلَا سَائِلٍ أَيْ: وَلَا سَائِلٍ مِنْهَا مَا لَا يَجِبُ لَكَ.
فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ، عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا مَا جَاءَ فِي أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ , فَقَدْ أَتَيْنَا بِمَعَانِي ذَلِكَ , فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ , مِنْ هَذَا الْبَابِ
بَابٌ: الْمَرْأَةُ هَلْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهَا أَمْ لَا؟
3033 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنِ الْأَعْمَشِ , قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ , قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ , فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ , عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ , مِثْلَهُ سَوَاءً
قَالَتْ: " كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيُجْزِئُ عَنِّي إِنْ أَنْفَقْتُ عَلَيْكَ، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ , حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي.
فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ , فَقُلْتُ: سَلْ لَنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ يُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرُ بِنَا.
قَالَتْ: فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ , فَقَالَ مَنْ هُمَا؟ قَالَ: زَيْنَبُ , قَالَ أَيِ الزَّيَانِبِ هِيَ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ يَكُونُ لَهَا أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ جَائِزٌ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهَا , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ , أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ , فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهَا , كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , فِي حَدِيثِ زَيْنَبَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ , أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ الَّتِي حَضَّ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ
3034 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ , قَالَ: ثنا اللَّيْثُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , " عَنْ رَيْطَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ , امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ , وَكَانَتِ امْرَأَةً صَنْعَاءَ , وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَالٌ , فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا.
فَقَالَتْ: لَقَدْ شَغَلْتنِي، وَاللهِ، أَنْتَ وَوَلَدُكَ عَنِ الصَّدَقَةِ , فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ مَعَكُمْ بِشَيْءٍ.
فَقَالَ مَا أُحِبُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ , أَنْ تَفْعَلِي.
فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ وَهُوَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ , إِنِّي امْرَأَةٌ ذَاتُ صَنْعَةٍ , أَبِيعُ مِنْهَا , وَلَيْسَ لِوَلَدِي وَلَا لِزَوْجِي شَيْءٌ , فَشَغَلُونِي فَلَا أَتَصَدَّقُ , فَهَلْ لِي فِيهِمْ أَجْرٌ؟ .
فَقَالَ: «لَكِ فِي ذَلِكَ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ , فَأَنْفِقِي عَلَيْهِمْ» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ , مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ.
وَرَيْطَةُ هَذِهِ هِيَ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ , لَا نَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَطَوُّعًا كَمَا ذَكَرْنَا , قَوْلُهَا كُنْتُ امْرَأَةً صَنْعَاءَ , أَصْنَعُ بِيَدِي فَأَبِيعُ مِنْ ذَلِكَ , فَأُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللهِ.
فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , جَوَابًا لِسُؤَالِهَا هَذَا.
وَفِي حَدِيثِ رَيْطَةَ هَذَا «كُنْتُ أُنْفِقُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ , وَعَلَى وَلَدِهِ مِنِّي» . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ زَكَاتِهَا.
فَلَمَّا كَانَ مَا أَنْفَقَتْ عَلَى وَلَدِهَا لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ , فَكَذَلِكَ مَا أَنْفَقَتْ عَلَى زَوْجِهَا لَيْسَ هُوَ أَيْضًا مِنَ الزَّكَاةِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَبَاحَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْفَاقَهَا عَلَى زَوْجِهَا , كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ
3035 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ الْكَعْبِيِّ , عَنِ الْمَقْبُرِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ يَوْمًا , فَأَتَى عَلَى النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ , مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ بِعُقُولِ ذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْكُنَّ , وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَتَقْرَبْنَ إِلَى اللهِ بِمَا اسْتَطَعْتُنَّ.
وَكَانَ فِي النِّسَاءِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , فَانْقَلَبَتْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا سَمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَتْ حُلِيًّا لَهَا.
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْنَ تَذْهَبِينَ بِهَذَا الْحُلِيِّ؟ فَقَالَتْ: أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ , لَعَلَّ اللهَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
قَالَ: هَلُمِّي بِذَلِكَ وَيْلَكَ تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى وَلَدِي فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ , حَتَّى أَذْهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَذَهَبَتْ تَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؟ هَذِهِ زَيْنَبُ تَسْتَأْذِنُ , فَقَالَ أَيُّ الزَّيَانِبِ هِيَ؟ قَالُوا: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ مَقَالَةً , فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَحَدَّثْتُهُ , فَأَخَذْتُ حُلِيِّي أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَإِلَيْكَ , رَجَاءَ أَنْ لَا يَجْعَلَنِي اللهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيَّ وَعَلَى بَنِيَّ , فَإِنَّا لَهُ مَوْضِعٌ , فَقُلْتُ لَهُ: حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقِي بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى بَنِيهِ , فَإِنَّهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ»
3036 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْجِيزِيُّ , قَالَ: ثنا عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرٍو , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَبَيَّنَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَصَدَّقِي فِي الصَّدَقَةِ , التَّطَوُّعِ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ.
وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ " فَجَاءَتْ بِحُلِيٍّ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، خُذْ هَذَا، أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رَسُولِهِ.
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقِي بِهِ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى بَنِيهِ , فَإِنَّهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ " فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الصَّدَقَةِ بِكُلِّ الْحُلِيِّ , وَذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعِ , لَا مِنَ الزَّكَاةِ , لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُوجِبُ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ الْمَالِ , وَإِنَّمَا تُوجِبُ الصَّدَقَةَ بِجُزْءٍ مِنْهُ.
فَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ تَأْوِيلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِهِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
فَقَدْ بَطَلَ بِمَا ذَكَرْنَا , أَنْ يَكُونَ فِي حَدِيثِ زَيْنَبَ مَا يَدُلُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعْطِي زَوْجَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا.
وَإِنَّمَا نَلْتَمِسُ حُكْمَ ذَلِكَ بَعْدُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَشَوَاهِدِ الْأُصُولِ , فَاعْتَبَرْنَا ذَلِكَ , فَوَجَدْنَا الْمَرْأَةَ، بِاتِّفَاقِهِمْ، لَا يُعْطِيهَا زَوْجُهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ , وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً , وَلَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهَا , لِأَنَّا رَأَيْنَا الْأُخْتَ يُعْطِيهَا أَخُوهَا مِنْ زَكَاتِهِ إِذَا كَانَتْ فَقِيرَةً , وَإِنْ كَانَ عَلَى أَخِيهَا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا , وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ مِنْ حُكْمِ مَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ إِعْطَاءِ زَوْجَتِهِ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ , لَيْسَ هُوَ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا , فَصَارَ ذَلِكَ كَالنَّسَبِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِيهِ فِي مَنْعِ ذَلِكَ إِيَّاهُ مِنْ إِعْطَائِهِمَا مِنَ الزَّكَاةِ.
فَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ سَبَبَ الْمَرْأَةِ الَّذِي مَنَعَ زَوْجَهَا أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً , هُوَ كَالسَّبَبِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِيهِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمَا مِنْ زَكَاتِهِ , وَإِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ , وَرَأَيْنَا الْوَالِدَيْنِ لَا يُعْطِيَانِهِ أَيْضًا مِنْ زَكَاتِهِمَا , إِذَا كَانَ فَقِيرًا , فَكَانَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِيهِ مِنَ النَّسَبِ يَمْنَعُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمَا مِنَ الزَّكَاةِ , وَيَمْنَعُهُمَا مِنْ إِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ.
فَكَذَلِكَ السَّبَبُ الَّذِي بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ , لَمَّا كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ إِعْطَائِهِمَا مِنَ الزَّكَاةِ , كَانَ أَيْضًا يَمْنَعُهَا مِنْ إِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَقَدْ رَأَيْنَا هَذَا السَّبَبَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ , فَجُعِلَا فِي ذَلِكَ كَذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ , الَّذِي لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ.
وَرَأَيْنَا أَيْضًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا , لَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ , فِي قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فِيمَا بَيْنَ الْقَرِيبِينَ.
فَلَمَّا كَانَ الزَّوْجَانِ فِيمَا ذَكَرْنَا , قَدْ جُعِلَا كَذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فِيمَا مُنِعَ فِيهِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ , وَمِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ , كَانَا فِي النَّظَرِ أَيْضًا فِي إِعْطَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مِنَ الزَّكَاةِ كَذَلِكَ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى
بَابٌ الْخَيْلُ السَّائِمَةُ هَلْ فِيهَا صَدَقَةٌ أَمْ لَا؟
3037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ , عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْخَيْلَ فَقَالَ: «هِيَ لِثَلَاثَةٍ , لِرَجُلٍ أَجْرٌ , وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ , وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ , فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ , فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا , وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا»
3038 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا فِي ظُهُورِهَا» فَقَطْ
3039 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَيْلِ , إِذَا كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا , وَكَانَ صَاحِبُهَا يَلْتَمِسُ نَسْلَهَا.
وَاحْتَجُّوا فِي إِيجَابِهِمُ الزَّكَاةَ فِيهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِيهَا» . قَالُوا: فَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ لِلَّهِ فِيهَا حَقًّا , وَهُوَ كَحَقِّهِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
3040 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ , قَالَ: ثنا جُوَيْرِيَةُ , عَنْ مَالِكٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ , أَخْبَرَهُ , قَالَ: «رَأَيْتُ أَبِي يُقَوِّمُ الْخَيْلَ , وَيَدْفَعُ صَدَقَتَهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ»
3041 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ , أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الْفَرَسِ عَشْرَةً , وَمِنِ الْبِرْذَوْنِ خَمْسَةً "
3042 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ , وَالْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا , أَبُو حَنِيفَةَ , وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللهُ , فَقَالُوا: لَا صَدَقَةَ فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ الْبَتَّةَ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ , مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِيهَا» . أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَقُّ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ
فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3043 - مَا حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ , قَالَ: ثنا أَسَدٌ , قَالَ: ثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ , عَنْ أَبِي حَمْزَةَ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ , وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿» لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ "﴾ [البقرة: 177] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ". فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَالَ قَدْ جُعِلَ فِيهِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ , احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَقُّ , الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَيْلِ , هُوَ ذَلِكَ الْحَقُّ أَيْضًا.
وَحُجَّةٌ أُخْرَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَيْلِ الْمُرْتَبِطَةِ , لَا فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ وَحُجَّةٌ أُخْرَى
أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْإِبِلَ السَّائِمَةَ أَيْضًا فَقَالَ فِيهَا حَقٌّ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الْحَقِّ مَا هُوَ فَقَالَ «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا , وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا , وَمَنِيحَةُ سَمِينِهَا»
3044 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ , إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَتِ الْإِبِلُ أَيْضًا فِيهَا حَقٌّ غَيْرُ الزَّكَاةِ , احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , الْخَيْلُ.
وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ , مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَيْضًا عِنْدَنَا , لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِنْهُمْ , عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , حَارِثَةُ بْنُ مُضَرِّبٍ