كِتَابُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
بَابُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ
5809 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ , كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاهِبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ كَالرُّجُوعِ فِي الْقَيْءِ وَكَانَ رُجُوعُ الرَّجُلِ فِي قَيْئِهِ حَرَامًا عَلَيْهِ كَانَ كَذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي هِبَتِهِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى حَالِهَا لَمْ تُسْتَهْلَكْ وَلَمْ يَزِدْ فِي بَدَنِهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْوَاهِبِ وَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُثِبْهُ أَيْ: لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا ثَوَابًا.
فَإِنْ كَانَ أَثَابَهُ مِنْهَا ثَوَابًا وَقَبِلَ ذَلِكَ الثَّوَابَ مِنْهُ أَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْوَاهِبِ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَاهِبُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا أَوْ زَوْجٌ وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ فَهُمَا فِي ذَلِكَ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَنِ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ.
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الرَّجُلَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ فَيَكُونَ قَدْ جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْكَلْبَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ وَالْكَلْبُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ فَيَكُونُ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ عَائِدًا فِي قَذَرٍ كَالْقَذَرِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْكَلْبُ فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ مَنْعُ الْوَاهِبِ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ هَلْ نَجِدُ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّنَا عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ؟
فَإِذَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ
5810 - قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السُّوءِ الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»
5811 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: ثنا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ تَنْزِيهَ أُمَّتِهِ عَنْ أَمْثَالِ الْكِلَابِ لَا أَنَّهُ أَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِي هِبَاتِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5812 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ ثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح
5813 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا رَوْحٌ قَالَ: ثنا عَوْفٌ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَعُودُ فِي عَطَائِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ فَأَكَلَهُ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ فِي مَعْنًى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى
5814 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَا: ثنا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ
بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» فَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى أَنْ يَبْتَاعَ مَالًا جَعَلَهُ صَدَقَةً
5815 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ هُوَ ضِدُّ الْغَلَاءِ.
فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»
5816 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَبْصَرَ فَرَسًا تُبَاعُ فِي السُّوقِ وَكَانَ تَصَدَّقَ بِهِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْتَرِيهِ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ أَيْ مِمَّا يُنْتِجُهُ مِنَ الْوَلَدِ» فَمَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَبْتَاعَ مَا كَانَ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ وَجَعَلَهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ.
فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُوجِبِ حُرْمَةِ ابْتِيَاعِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا وَلَكِنْ تَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ.
فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا لِمَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَكِنَّهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ
5817 - وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ» فَقَالَ قَائِلٌ فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنَ الرَّجُلِ لِغَيْرِ وَلَدِهِ.
قِيلَ لَهُ: مَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ ذَلِكَ الرُّجُوعَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَغْلِيظِهِ إِيَّاهُ لِكَرَاهِيَةِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ مَثَلُ السُّوءِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مَرَّةٍ سَوِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَلَكِنَّهَا عَلَى مَعْنَى لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالزَّمَانَةِ.
فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا تَحِلُّ لَهُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي قَدْ أَحَلَّهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ.
وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ فَعَلَهَا مَثَلًا كَالْمَثَلِ الَّذِي جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَائِدِ فِي هِبَتِهِ.
وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَوْدُ فِيهَا بِالرُّجُوعِ وَالِابْتِيَاعِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ.
فَذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ وَفَقْرِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُ يَكُونُ مَثَلُهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ الْمُتَرَاجِعِ فِي قَيْئِهِ.
وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لِفَقْرِهِ فَلَمْ يُضَيِّقْ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ
5818 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَعْطَيْتُ أُمِّي حَدِيقَةً وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ صَدَقَتُكَ وَرَجَعَتْ إِلَيْكَ حَدِيقَتُكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَبَاحَ لِلْمُتَصَدِّقِ صَدَقَتَهُ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَمَنَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنِ ابْتِيَاعِ صَدَقَتِهِ.
فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إِبَاحَةُ الصَّدَقَةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِفِعْلِ اللهِ وَكَرَاهَةُ الصَّدَقَةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
فَكَذَلِكَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْأَبِ عَنْ مَالِ الِابْنِ لِحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ وَجَبَتْ لَهُ بِإِيجَابِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهَا لَهُ.
فَأَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ارْتِجَاعَ هِبَتِهِ وَإِنْفَاقَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ لَا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِالِابْتِيَاعِ وَالِارْتِجَاعِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوَالِدَ الْوَاهِبَ دُونَ سَائِرِ الْوَاهِبِينَ.
أَفَيَكُونُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِيمَا وَهَبَ لِأَبِيهِ خِلَافَ حُكْمِ الْوَالِدِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ؟ قِيلَ لَهُ: بَلْ حُكْمُهُمَا فِي هَذَا سَوَاءٌ فَذِكْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا يُجْزِئُ مِنْ ذِكْرِهِ إِيَّاهُمَا وَمِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ حُكْمُهُ فِي هَذَا مِثْلُ حُكْمِهِمَا.
وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] . فَحَرَّمَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا بِالْأَنْسَابِ.
ثُمَّ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعَةِ غَيْرَ هَاتَيْنِ.
فَكَانَ ذِكْرُهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ سَائِرَ مَنْ حُرِّمَ بِالنَّسَبِ فِي حُكْمِ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ وَأَغْنَاهُ ذِكْرُ هَاتَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَاهُمَا فِي ذَلِكَ إِذْ كَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ بِالْأَنْسَابِ فَجَعَلَ حُكْمَهُنَّ حُكْمًا وَاحِدًا.
فَدَلَّ تَحْرِيمُهُ بَعْضَهُنَّ أَيْضًا بِالرَّضَاعِ أَنَّ حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ.
فَكَذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ فَعَمَّ بِذَلِكَ النَّاسَ جَمِيعًا.
ثُمَّ قَالَ إِلَّا الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ سِوَى الْوَالِدِ مِنَ الْوَاهِبِينَ فِي رُجُوعِ الْهِبَاتِ إِلَيْهِمْ يُرِدِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهَا كَذَلِكَ وَأَغْنَاهُ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ سَائِرِهِمْ.
فَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ بِنَقْضِهِ إِيَّاهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَرُدَّهَا إِلَى مِلْكِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي أَخْرَجَهَا مِنْهُ بِالْهِبَةِ.
فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
5819 - فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يُثَابَ مِنْهَا بِمَا يَرْضَى
5820 - وَإِذَا يُونُسُ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الثَّوَابُ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فَجَعَلَ الصَّدَقَاتِ لَا يَرْجِعُ فِيهَا وَجَعَلَ الْهِبَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ.
فَضَرْبٍ مِنْهَا صِلَةُ الْأَرْحَامِ فَرَدَّ ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الصَّدَقَاتِ وَمَنَعَ الْوَاهِبَ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَضَرْبٍ مِنْهَا خِلَافُ ذَلِكَ فَجَعَلَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهُ
5821 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ جَازَتْ وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً
لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا
5822 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ الْوَاهِبُ أَحَقُّ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَهَذَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ جَعَلَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا.
فَذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى الْوَاهِبِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا حَتَّى لَا يَتَضَادَّ قَوْلُهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ
5823 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْقَاسِمِ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْ سُلَيْمَانَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا
5824 - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنِّي وَهَبْتُ لِهَذَا بَازِيًا عَلَى أَنْ يُثِيبَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبَ لِي وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ فَضَالَةُ: ارْدُدْ إِلَيْهِ هِبَتَهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ النِّسَاءُ وَسُقَّاطُ الرِّجَالِ
5825 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ فِي بَازٍ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَهَبْتُ لَهُ بَازِيًا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُثِيبَنِي مِنْهُ.
فَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ قَدْ وَهَبَ لِي بَازِيًا مَا سَأَلْتُهُ وَمَا تَعَرَّضْتُ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ فَضَالَةُ ارْدُدْ إِلَيْهِ هِبَتَهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْهِبَاتِ النِّسَاءُ وَشِرَارُ الْأَقْوَامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا
مَا قَدْ
5826 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ الْمَوَاهِبُ ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ وَهَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَوْهَبَ فَهِيَ كَسَبِيلِ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي صَدَقَتِهِ.
وَرَجُلٌ اسْتُوهِبَ فَوَهَبَ فَلَهُ الثَّوَابُ فَإِنْ قَبِلَ عَلَى مَوْهِبَتِهِ ثَوَابًا فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ.
وَرَجُلٌ وَهَبَ وَاشْتَرَطَ الثَّوَابَ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَهَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ جَعَلَ مَا كَانَ مِنَ الْهِبَاتِ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الصَّدَقَاتِ فِي حُكْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَمَنَعَ الْوَاهِبَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ كَمَا يُمْنَعُ الْمُتَصَدِّقُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي صَدَقَتِهِ.
وَجَعَلَ مَا كَانَ مِنْهَا بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ ثَوَابٌ مِمَّا يَرْجِعُ فِيهِ مَا لَمْ يُثَبِ الْوَاهِبُ عَلَيْهِ.
وَجَعَلَ مَا اشْتُرِطَ فِيهِ الْعِوَضُ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ فَجَعَلَ الْعِوَضَ لِوَاهِبِهِ وَاجِبًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَهَذَا حُكْمُ الْهِبَاتِ عِنْدَنَا، فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا مِنِ انْقِطَاعِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ لِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ بِاسْتِهْلَاكِهِ الْهِبَةَ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ
5827 - حَدَّثَنَا صَالِحٌ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ، مِثْلَهُ يَعْنِي: مِثْلَ حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ وَزَادَ وَيَسْتَهْلِكُهَا أَوْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا.
فَجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتِهْلَاكَ الْهِبَةِ يَمْنَعُ وَاهِبَهَا مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَجَعَلَ مَوْتَ أَحَدِهِمَا يَقْطَعُ مَا لِلْوَاهِبِ فِيهَا مِنَ الرُّجُوعِ أَيْضًا فَكَذَلِكَ نَقُولُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ فِي الْهِبَةِ نَظِيرُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
5828 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُ: أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي قَرَابَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ صِلَةٍ فَعَطِيَّتُهُ جَائِزَةٌ وَالْجَانِبُ الْمُسْتَقْرَبُ يُثَبْ مِنْ هِبَتِهِ أَوْ يُرَدُّ عَلَيْهِ
5829 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ، مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا هِبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ
5830 - فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ امْرَأَةً وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا هِبَةً ثُمَّ رَجَعَتْ فِيهَا فَاخْتَصَمَا إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ لِلزَّوْجِ شَاهِدَاكَ أَنَّهُمَا رَأَيَاهَا وَهَبَتْ لَكَ مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ وَلَا هَوَانٍ وَإِلَّا فَيَمِينُهَا لَقَدْ وَهَبَتْ لَكَ عَنْ كُرْهٍ وَهَوَانٍ فَهَذَا شُرَيْحٌ قَدْ سَأَلَ الزَّوْجَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا وَهَبَتْ لَهُ لَا عَنْ كُرْهٍ بَعْدَ ارْتِجَاعِهَا فِي الْهِبَةِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لَوْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ لَرَدَّ الْهِبَةَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا.
وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ فِي هَذَا كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَهَكَذَا نَقُولُ.
وَأَمَّا هِبَةُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ
5831 - فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَوْ وَهَبَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ
5832 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ إِذَا وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَجُعِلَ الزَّوْجَانِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَمَنَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الرُّجُوعِ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ فَهَكَذَا نَقُولُ.
وَقَدْ وَصَفْنَا فِي هَذَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِي الْهِبَاتِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ إِذْ لَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِثْلِ مَنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ خِلَافًا لَهَا.
فَتَرَكْنَا النَّظَرَ مِنْ أَجْلِهَا وَقَلَّدْنَاهَا.
وَقَدْ كَانَ النَّظَرُ لَوْ خَلَّيْنَا وَإِيَّاهُ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهَا بِهِبَةِ إِيَّاهَا وَصَارَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ مَا قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِرِضَاءِ مَالِكِهِ.
وَلَكِنِ اتِّبَاعُ الْآثَارِ وَتَقْلِيدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى فَلِذَلِكَ قَلَّدْنَاهَا وَاقْتَدَيْنَاهَا.
وَجَمِيعُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابٌ: الرَّجُلُ يُنْحِلُ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ
5833 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ قَالَ: ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: نَحَلَنِي أَبِي غُلَامًا فَأَمَرَتْنِي أُمِّي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ» ، فَقَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»
5834 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا» ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَارْجِعْهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَحَلَ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: قَدْ كَانَ النُّعْمَانُ فِي وَقْتِ مَا نَحَلَهُ أَبُوهُ صَغِيرًا فَكَانَ أَبُوهُ قَابِضًا لَهُ لِصِغَرِهِ عَنِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ.
فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْدُدْهُ بَعْدَمَا كَانَ فِي حُكْمِ مَا قَبَضَ دَلَّ هَذَا أَنَّ النُّحْلَى مِنَ الْوَالِدِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ لَا يَمْلِكُهُ الْمَنْحُولُ وَلَا يَنْعَقِدُ لَهُ عَلَيْهِ هِبَةٌ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا فِي الْبِرِّ وَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيُوقِعُ ذَلِكَ لَهُ الْوَحْشَةَ فِي قُلُوبِ الْمَفْضُولِينَ مِنْهُمْ.
فَإِنْ نَحَلَ بَعْضَهُمْ شَيْئًا دُونَ بَعْضٍ وَقَبَضَهُ الْمَنْحُولُ لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ قَبَضَهُ لَهُ أَبُوهُ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ صَغِيرًا بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ وَالْإِشْهَادِ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ النُّعْمَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا وَلَعَلَّهُ وَقَدْ كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
5835 - فَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ قَالَ: ثنا وُهَيْبٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحَلَنِي نُحْلَى لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا» فَقَالَ: لَا.
قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً» قَالَ: بَلَى قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» فَكَانَ وَالَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَشِيرٍ فِيمَا كَانَ نَحَلَهُ النُّعْمَانُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي.
فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ.
فَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ النُّعْمَانُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَتَوَقَّى الشَّهَادَةَ عَلَى مَالِهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ كَانَتْ.
وَكَذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ يَتَضَمَّنُهُ الشَّاهِدُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا أَيْضًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي أَيْ: إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ وَالْإِمَامُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْكُمَ.
وَفِي قَوْلِهِ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ.
5836 - وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا آدَمُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا جَمِيعًا فِي الْبِرِّ.
وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ فَسَادِ الْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَى التَّفْضِيلِ
5837 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ مِنَ الْأَشْهَادِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ عَطِيَّةً وَإِنِّي أُشْهِدُكَ.
قَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ لَا، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِرَدِّ الشَّيْءِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ
5838 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: ثنا مُرَجَّى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً» . قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» فَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ حَدِيثِ دَاوُدَ هَذَا فِيمَا رَوَى عَنْهُ مُرَجَّى هَاهُنَا وَفِيمَا رَوَى عَنْهُ وُهَيْبٌ فِيمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنِ النُّعْمَانِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الضُّحَى عَنِ النُّعْمَانِ أَيْضًا
5839 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ فِطْرٍ ح
5840 - وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا فِطْرٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الضُّحَى، قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ.
فَقَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُخْبِرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَ بِرَدِّهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَلَا سَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ النُّعْمَانِ هَذَا خِلَافُ كُلِّ مَا رَوَيْنَا عَنِ النُّعْمَانِ
5841 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا النُّفَيْلُ قَالَ: ثنا زُهَيْرٌ قَالَ: ثنا أَبُو زُبَيْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بِنْتَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي وَقَالَتْ أَشْهِدْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: «أَلَهُ إِخْوَةٌ» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُ» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ أَمْرُهُ لِبَشِيرٍ بِالرَّدِّ قَبْلَ إِنْفَاذِ بَشِيرٍ الصَّدَقَةَ فَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَهَذَا خِلَافُ جَمِيعِ مَا رُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ لِأَنَّ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ نَحَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا كَذَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا إِخْبَارُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُؤَالِ امْرَأَتِهِ إِيَّاهُ فَكَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ وَعَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ إِنْ آثَرَ أَنْ يَفْعَلَهُ.
وَقَدْ رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُوَافِقًا لِهَذَا الْمَعْنَى
5842 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: نَحَلَنِي أَبِي غُلَامًا ثُمَّ مَشَى بِي حَتَّى أَدْخَلَنِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي غُلَامًا فَإِنْ أَذِنْتَ أَنْ أُجِيزَهُ لَهُ أَجَزْتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ النُّحْلَى كَمُلَتْ فِيهِ مِنْ حِينِ نَحَلَهُ إِيَّاهُ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّهِ.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَسَمَ شَيْئًا بَيْنَ أَهْلِهِ سَوَّى بَيْنَهُمْ جَمِيعًا فَأَعْطَى الْمَمْلُوكَ مِنْهُمْ كَمَا يُعْطَى الْحُرُّ