كِتَابُ الزِّيَادَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطحاوي
- الكتاب
- شرح معاني الآثار
- المؤلف
- أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
- الناشر
- عالم الكتب
- الطبعة
- الأولى - 1414 هـ، 1994 م
- عدد الأجزاء
- 5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
7304 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثنا رَوْحٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ , فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ , ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ.
فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَأَتَى النِّسَاءَ , فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى بِلَالٍ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ , فَجَعَلَ النِّسَاءُ يُلْقِينَ فِيهِ صَدَقَاتِهِنَّ»
7305 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ الْحَلَبِيُّ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَفِيعٍ عَنْ حِزَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ , فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَالطَّاعَةِ لِأَزْوَاجِهِنَّ , وَأَنْ يَتَصَدَّقْنَ» فَهَذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ النِّسَاءَ بِالصَّدَقَاتِ , وَقَبِلَهَا مِنْهُنَّ , وَلَمْ يَنْتَظِرْ فِي ذَلِكَ رَأْيَ أَزْوَاجِهِنَّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا
7306 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: ثنا بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ " أَعْتَقْتُ وَلِيدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أُخْتَكِ الْأَعْرَابِيَّةَ , كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»
7307 - حَدَّثَنَا رَبِيعٌ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَيْمُونَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , مِثْلَهُ فَلَوْ كَانَ أَمْرُ الْمَرْأَةِ , لَا يَجُوزُ فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا , لَرَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَتَاقَهَا , وَصَرَفَ الْجَارِيَةَ إِلَى الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْعَتَاقِ.
فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَرْكُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَسُنَنٍ ثَابِتَةٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّةِ مَجِيئِهَا إِلَى حَدِيثٍ شَاذٍّ , لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ؟ ثُمَّ النَّظَرُ مِنْ بَعْدُ , يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَرْأَةِ , فِي وَصَايَاهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ ثُلُثِهَا , كَوَصَايَا الرِّجَالِ , وَلَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ سَبِيلٌ وَلَا أَمْرٌ , وَبِذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ.
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] . فَإِذَا كَانَتْ وَصَايَاهَا فِي ثُلُثِ مَالِهَا , جَائِزَةً بَعْدَ وَفَاتِهَا , فَأَفْعَالُهَا فِي مَالِهَا فِي حَيَاتِهَا , أَجْوَزُ مِنْ ذَلِكَ.
فَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُصَلِّي بَعْدَ رَفْعِهِ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى
7308 - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: ثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: " أَلَا أُرِيكُمْ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَإِنَّ ذَلِكَ لَفِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ.
فَقَامَ , فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ , ثُمَّ رَكَعَ , فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَانْتَصَبَ قَائِمًا هُنَيْهَةً , ثُمَّ سَجَدَ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ , فَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ , ثُمَّ انْتَظَرَ هُنَيْهَةً , ثُمَّ سَجَدَ.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَصَلَّى كَصَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: فَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ يَصْنَعُ شَيْئًا , لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ , إِنَّهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ الَّتِي لَا يَقْعُدُ فِيهَا , اسْتَوَى قَاعِدًا , ثُمَّ قَامَ "
7309 - حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ , قَعَدَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ قَاعِدًا , ثُمَّ يَقُومَ بَعْدُ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: بَلْ يَقُومُ مِنْهَا , وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ قَاعِدًا.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ
7310 - بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي , قَالَ: ثنا أَبُو خَيْثَمَةَ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ الْكُوفِيُّ بْنُ الْحُرِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عَيَّاشِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ وَكَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُوهُ , وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْمَجْلِسِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَأَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ وَالْأَنْصَارُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ , أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا الصَّلَاةَ.
فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . قَالُوا: فَأَرِنَا , فَقَامَ يُصَلِّي وَهُمْ يَنْظُرُونَ , فَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا , ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى , قَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , وَخَالَفَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ , احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ , فَقَعَدَ مِنْ أَجْلِهَا , لَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ , كَمَا قَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَتَرَبَّعُ بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنْ رِجْلِي لَا تَحْمِلَانِي.
فَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْقُعُودِ , كَانَ لِعِلَّةٍ أَصَابَتْهُ , حَتَّى لَا يُضَادَّ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ , وَلَا يُخَالِفُهُ.
وَهَذَا أَوْلَى بِنَا مِنْ حَمْلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَى التَّضَادِّ وَالتَّنَافِي.
وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ أَيْضًا فِيهِ حِكَايَةُ أَبِي حُمَيْدٍ مَا حُكِيَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا حَكَاهُ لَهُمْ.
وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ أَيُّوبَ أَنَّ مَا كَانَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَرَى النَّاسَ يَفْعَلُونَهُ، وَهُوَ فَقَدْ رَأَى جَمَاعَةً مِنْ جُمْلَةِ التَّابِعِينَ.
فَذَلِكَ حُجَّةٌ فِي دَفْعِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً.
ثُمَّ النَّظَرُ مِنْ بَعْدِ هَذَا يُوَافِقُ مَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ فِي صَلَاتِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ اسْتَأْنَفَ ذِكْرًا.
مِنْ ذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَاهُ إِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَبَّرَ وَخَرَّ رَاكِعًا , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ , قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَإِذَا خَرَّ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى السُّجُودِ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَالَ اللهُ أَكْبَرُ وَإِذَا عَادَ إِلَى السُّجُودِ فَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ لَمْ يُكَبِّرْ مِنْ بَعْدِ رَفْعِهِ رَأْسَهُ إِلَى أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا , غَيْرَ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ سُجُودِهِ وَقِيَامِهِ جُلُوسٌ.
وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا جُلُوسٌ , لَاحْتَاجَ أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُهُ بَعْدَ رَفْعِهِ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ , لِلدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ , وَلَاحْتَاجَ إِلَى تَكْبِيرٍ آخَرَ , إِذَا نَهَضَ لِلْقِيَامِ.
فَلَمَّا لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ , ثَبَتَ أَنْ لَا قُعُودَ بَيْنَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ , وَالْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا , لِيَكُونَ حُكْمُ ذَلِكَ وَحُكْمُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ , مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ.
فَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابُ مَا يَجِبُ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى مَوْلَاهُ مِنَ الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ
7311 - حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ ح
7312 - وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ثنا مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمَدَنِيُّ أَبُو حَزْرَةَ , عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي , نَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ , قَبْلَ أَنْ يَهْلَكُوا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا , أَبُو الْيُسْرِ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ , وَعَلَيْهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ , وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمُّ , لَوْ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ , وَأَعْطَيْتَهُ مُعَافِرِيَّكَ , وَأَخَذْتَ مُعَافِرِيَّهُ , وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ , فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ , وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ.
قَالَ: فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: اللهُمَّ بَارِكْ فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بَصُرَتْ عَيْنَايَ هَاتَانِ , وَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ هَاتَانِ , وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ» فَكَانَ إِنْ أَعْطَيْتَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
7313 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا , أَوْ مُعْتَمِرِينَ , فَلَقِينَا أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالرَّبَذَةِ , فَإِذَا عَلَيْهِ بُرْدٌ , وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدٌ مِثْلُهُ.
فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَخَذْتَ هَذَا الْبُرْدَ إِلَى بُرْدِكَ , لَكَانَتْ حُلَّةً وَكَسَوْتُهُ بُرْدًا غَيْرَهُ.
فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ , فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ , فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ , وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ , وَلَا يُكَلِّفُهُ مَا يَغْلِبُهُ , فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ , فَلْيُعِنْهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ مَمْلُوكِهِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي الطَّعَامِ , وَالْكِسْوَةِ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي الْيُسْرِ , وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , الَّذِي ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: الَّذِي يَجِبُ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى مَوْلَاهُ هُوَ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ , لَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُوَسِّعُ بِهِ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ
7314 - بِمَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَجْلَانَ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ , وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» قَالُوا: فَهَذَا الَّذِي يَجِبُ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ.
وَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا لِمَا رُوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْمِلَ مَا رَوَيْنَاهُ قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ , مَا وَجَدْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْخُبْزَ وَالْأُدْمَ , وَالثِّيَابَ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ , فَإِذَا شَرِكُوا مَوَالِيَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَدْ أَكَلُوا مِمَّا يَأْكُلُونَ , وَلَبِسُوا مِمَّا يَلْبَسُونَ , فَوَافَقَ ذَلِكَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْمُسَاوَاةُ , لَوْ كَانَ قَالَ أَطْعِمُوهُمْ مِثْلَ مَا تَأْكُلُونَ , وَاكْسُوهُمْ مِثْلَ مَا تَلْبَسُونَ.
فَلَوْ كَانَ قَالَ هَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْمَوَالِي أَنْ يُفَضِّلُوا عَبِيدَهُمْ فِي طَعَامٍ , أَوْ كِسْوَةٍ , وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ.
فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ , فِي الْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ , وَإِنَّمَا فِيهِ وُجُوبُ الْكِسْوَةِ مِمَّا يَلْبَسُونَ , وَوُجُوبُ الطَّعَامِ مِمَّا يَأْكُلُونَ , وَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُتَسَاوِيَيْنِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7315 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَفَى أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ , طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ , فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ , فَإِنْ أَبَى فَلْيَأْخُذْ لُقْمَةً , فَلْيُرَوِّغْهَا ثُمَّ لِيُطْعِمَهَا إِيَّاهُ»
7316 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ بِطَعَامِهِ , فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ , فَلْيُنَاوِلْهُ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ أَوْ قَالَ: لُقْمَةً , أَوْ لُقْمَتَيْنِ , فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ " أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَسَّعَ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ مِنْ طَعَامِهِ الَّذِي قَدْ وَلِيَ صَنْعَتَهُ لَهُ عَبْدُهُ لُقْمَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَسْتَأْثِرُ هُوَ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ بَعْدَ تِلْكَ اللُّقْمَةِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ إِنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْمُسَاوَاةَ وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ.
وَأَمَّا مَا فَعَلَ أَبُو الْيُسْرِ فَعَلَى الْإِشْفَاقِ مِنْهُ وَالْخَوْفِ لَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي صَحَّحْنَا عَلَيْهِ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
بَابُ إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسَاجِدِ
7317 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُنْشَدَ الْأَشْعَارُ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَنْ يُبَاعَ فِيهِ السِّلَعُ وَأَنْ يَتَحَلَّقَ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسَاجِدِ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَلَمْ يَرَوْا بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ بَأْسًا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشِّعْرُ مِمَّا لَا بَأْسَ بِرِوَايَتِهِ وَإِنْشَادِهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , أَنَّهُ وَضَعَ لِحَسَّانٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَنْشُدُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ وَبِمَا رَوَيْنَاهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ حَسَّانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , حِينَ مَرَّ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ يَنْشُدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ , فَزَجَرَهُ.
فَقَالَ لَهُ حَسَّانٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ كُنْتُ أَنْشُدُ فِيهِ الشِّعْرَ لِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ , وَلَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَكَانَ حَدِيثُ يُونُسَ الَّذِي قَدْ بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِذَلِكَ الشِّعْرَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ يُنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ , هُوَ الشِّعْرُ الَّذِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهْجُوهُ بِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مِنَ الشِّعْرِ الَّذِي تُؤَبَّنُ فِيهِ النِّسَاءُ , وَتُزْرَأُ فِيهِ الْأَمْوَالُ , عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ رِوَايَةِ الشِّعْرِ مِنْ جَوَابِ الْأَنْصَارِ , مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِذَلِكَ حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ إِنْشَادَ الشِّعْرِ , حَوْلَ الْكَعْبَةِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ الشِّعْرَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْمَسْجِدِ , حَتَّى يَكُونَ كُلُّ مَنْ فِيهِ أَوْ أَكْثَرُ مَنْ فِيهِ , مُتَشَاغِلًا بِذَلِكَ كَمَثَلِ مَا تَأَوَّلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَائِشَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا , حَتَّى يُرِيَهُ , خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَيَكُونُ الشِّعْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , هُوَ خَاصٌّ مِنَ الشِّعْرِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ مَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ , الَّتِي ذَكَرْنَا , حَتَّى لَا يُضَادَّ ذَلِكَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ وَمَا عَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ , فَلِمَ قَصَدَ إِلَى الْمَسْجِدِ؟ وَالَّذِي ذَكَرْتَ مِنَ الَّذِي هُجِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالَّذِي أُبِّنَتْ فِيهِ النِّسَاءُ , وَرُزِئَتْ فِيهِ الْأَمْوَالُ , مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ , وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فِي الْمَسْجِدِ , مَعْنًى.
قِيلَ لَهُ: قَدْ يَجْرِي الْكَلَامُ كَثِيرًا , بِذِكْرِ مَعْنًى , فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي جَرَى فِي ذَلِكَ الذِّكْرِ مَخْصُوصًا.
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] . فَذَكَرَ الرَّبِيبَةَ الَّتِي قَدْ كَانَتْ فِي حِجْرِ رَبِيبِهَا , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى خُصُوصِيَّتِهَا , لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي حِجْرِهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ , وَأَخْرَجَهَا مِنْهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَسَنَّ مِنْهُ أَنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ , كَحُرْمَتِهَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً فِي حِجْرِهِ؟ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضًا فِي الصَّيْدِ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] . فَأَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ أَنَّ قَتْلَهُ إِيَّاهُ سَاهِيًا , كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ.
فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ يُوجِبُ خُصُوصَ الْحُكْمِ.
فَكَذَلِكَ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذِكْرِهِ الْمَسْجِدَ فِي الشِّعْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْ رِوَايَتِهِ , لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ , هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي يَعُمُّهُ , أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ كَالسُّوقِ , فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَلَا.
قَدْ رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَمَلِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الْقُرَبِ فِي الْمَسْجِدِ
7318 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ , لَيَبْعَثَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا , امْتَحَنَ اللهُ بِهِ الْإِيمَانَ , يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى الدِّينِ» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا» . فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ «لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ فِي الْمَسْجِدِ» . قَالَ: وَكَانَ قَدْ أَلْقَى إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَعْلَهُ يَخْصِفُهَا
أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ خَصْفِ النَّعْلِ فِي الْمَسْجِدِ , وَأَنَّ النَّاسَ لَوِ اجْتَمَعُوا حَتَّى يَعُمُّوا الْمَسْجِدَ بِخَصْفِ النِّعَالِ , كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا.
فَلَمَّا كَانَ مَا لَا يَعُمُّ الْمَسْجِدَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَمَا يَعُمُّهُ مِنْهُ , أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ مَكْرُوهًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ , وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ , وَالتَّحَلُّقُ فِيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِمَّا عَمَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ , وَمَا لَمْ يَعُمَّهُ مِنْهُ , وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ , فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ , وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
بَابُ شِرَاءِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ
7319 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ»
7320 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
7321 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
7322 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
7323 - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، قَالَ: ثنا حَسَّانُ بْنُ غَالِبٍ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ لَمْ يَجُزِ ابْتِيَاعُهُ إِيَّاهُ , وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى تَأْوِيلٍ تَأَوَّلُوهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
فَقَالَ: الْمُلَامَسَةُ مَا لَمَسَهُ مُشْتَرِيهِ بِيَدِهِ , مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
قَالُوا: وَالْمُنَابَذَةُ هِيَ: مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ انْبِذْ إِلَيَّ ثَوْبَكَ , وَأَنْبِذُ إِلَيْكَ ثَوْبِي عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ لِصَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ , مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا غَائِبًا عَنْهُ , فَالْبَيْعُ جَائِزٌ , وَلَهُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ , إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ , وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَذَهَبُوا فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ.
الْأَوَّلِ إِلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا فِيهِ هِيَ: بَيْعٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَكَانَ الرَّجُلَانِ يَتَرَاوَضَانِ عَلَى الثَّوْبِ , فَإِذَا لَمَسَهُ
الْمُسَاوِمُ بِهِ , كَانَ بِذَلِكَ مُبْتَاعًا لَهُ , وَوَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْمُنَابَذَةُ , كَانُوا أَيْضًا يَتَقَاوَلُونَ فِي الثَّوْبِ , وَفِيمَا أَشْبَهَهُ , ثُمَّ يَرْمِيهِ رَبُّهُ إِلَى الَّذِي قَاوَلَهُ عَلَيْهِ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا مِنْهُ إِيَّاهُ ثَوْبَهُ , وَلَا يَكُونُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقْضُهُ.
فَنَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ الْحُكْمَ فِي الْبِيَاعَاتِ أَنْ لَا يَجِبَ إِلَّا بِالْمُعَاقَدَاتِ الْمُتَرَاضَى عَلَيْهَا.
فَقَالَ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا.
فَجَعَلَ إِلْقَاءَ أَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ الثَّوْبَ , قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ غَيْرَ قَاطِعٍ لِخِيَارِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الْفُرْقَةِ , عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ , أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَحَادِيثِ , هَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا.
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ
7324 - فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ قَدْ حَدَّثَنَا , قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ثنا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ , وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ بَيْعِهِ بَعْدَمَا يَشْتَدُّ وَهُوَ فِي سُنْبُلِهِ , لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَقَالَ حَتَّى يَشْتَدَّ وَيَبْرَأَ مِنْ سُنْبُلِهِ.
فَلَمَّا جَعَلَ الْغَايَةَ فِي الْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , هِيَ شِدَّتُهُ وَيُبُوسَتُهُ , دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْبَدْءِ.
فَلَمَّا جَازَ بَيْعُ الْحَبِّ الْمُغَيَّبِ فِي السُّنْبُلِ , الَّذِي لَمْ يَبِعْ , دَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا لَا يَرَاهُ الْمُتَبَايِعَانِ , إِذَا كَانَا يَرْجِعَانِ مَعَهُ إِلَى مَعْلُومٍ , كَمَا يَرْجِعَانِ مِنَ الْحِنْطَةِ الْمَبِيعَةِ الْمُغَيَّبَةِ فِي السُّنْبُلِ إِلَى حِنْطَةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا فِي مِثْلِ هَذَا إِذْ كُنَّا قَدْ وَقَفْنَا عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ , وَاحْتَمَلَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ , مُوَافَقَتَهُ , أَوْ مُخَالَفَتَهُ أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ , لَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ
7324 - وَقَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي تَفْسِيرِ الْمُلَامَسَةِ , وَالْمُنَابَذَةِ.
قَالَ: " كَانَ الْقَوْمُ يَتَبَايَعُونَ السِّلَعَ , لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا , وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا.
وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَتَنَابَذَ الْقَوْمُ السِّلَعَ , لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا , وَلَا يُخْبِرُونَ عَنْهَا , فَهَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارِ "
7325 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: كَانَ هَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْقِمَارِ , فَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
فَهَذَا الزُّهْرِيُّ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَايَنَهُ.
فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ابْتِيَاعِ الْغَائِبِ.
فَقَالَ قَائِلٌ: مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ: مِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الْغَائِبِ وَهُوَ مَجْهُولٌ؟ . قِيلَ لَهُ: مَا هُوَ بِمَجْهُولٍ فِي نَفْسِهِ , لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ إِلَيْهِ , رَجَعَ إِلَى مَعْلُومٍ , فَهُوَ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا , الْمَرْجُوعِ مِنْهَا إِلَى حِنْطَةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَإِنَّمَا الْجَهْلُ فِي هَذَا هُوَ جَهْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي , فَأَمَّا الْبَيْعُ فِي نَفْسِهِ فَغَيْرُ مَجْهُولٍ.
وَإِنَّمَا الْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ , هُوَ الْمَجْهُولُ فِي نَفْسِهِ الَّذِي لَا يَرْجِعُ مِنْهُ إِلَى مَعْلُومٍ , كَبَعْضِ طَعَامٍ غَيْرِ مُسَمًّى , بَاعَهُ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ.
فَذَلِكَ الْبَعْضُ , غَيْرُ مَعْلُومٍ , وَغَيْرُ مَرْجُوعٍ مِنْهُ إِلَى مَعْلُومٍ , فَالْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَقَدْ وَجَدْنَا الْبَيْعَ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى طَعَامٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا قَفِيزًا , وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي , لَا يَعْلَمَانِ حَقِيقَةَ كَيْلِهِ.
فَيَكُونُ مِنْ حُقُوقِ الْبَيْعِ وُجُوبُ الْكَيْلِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ , وَلَا يَكُونُ جَهْلُهُمَا بِهِ , وَيُوجِبُ وُقُوعَ الْبَيْعِ عَلَى كَيْلٍ مَجْهُولٍ , إِذَا كَانَا يَرْجِعَانِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ.
فَذَلِكَ الطَّعَامُ الْغَائِبُ إِذَا بِيعَ , وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ بِهِ جَاهِلَانِ , لَا يَكُونُ جَهْلُهُمَا بِهِ يُوجِبُ وُقُوعَ الْعَقْدِ عَلَى شَيْءٍ مَجْهُولٍ , إِذَا كَانَا يَرْجِعَانِ مِنْهُ إِلَى طَعَامٍ مَعْلُومٍ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا تَبَايَعَا مَالًا بِالْكُوفَةِ.
فَقَالَ عُثْمَانُ: لِي الْخِيَارُ , لِأَنِّي بِعْتُ مَا لَمْ أَرَ.
وَقَالَ طَلْحَةُ: لِي الْخِيَارُ , لِأَنِّي ابْتَعْتُ مَا لَمْ أَرَ.
فَحَكَّمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , بَيْنَهُمَا جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ , فَقَضَى الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ وَلَا خِيَارَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ شَيْءٍ غَائِبٍ مِنْ بَائِعِهِ , وَعَنْ مُشْتَرِيهِ
7326 - وَقَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ " أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , رَكِبَ يَوْمًا مَعَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ , حَلِيفٌ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْضٍ لَهُ بِرِيمٍ.
فَابْتَاعَهَا مِنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا وَرِيمٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِينَ مِيلًا فَهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ , وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قَدْ تَبَايَعَا مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُمَا , وَرَأَيَا ذَلِكَ جَائِزًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِاشْتِرَاطِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا , الْخِيَارَ.
قِيلَ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ الْخِيَارَ لَمْ يَجِبْ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاطِ , وَلَوْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاطِ وَجَبَ , لَكَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوِ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا , أَوْ أَرْضًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهَا لَا إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ , أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ.
وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ لَمْ يَشْتَرِطْ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْخِيَارَ الَّذِي اشْتَرَطَهُ , هُوَ خِيَارٌ يَجِبُ لَهُ بِحَقِّ الْعَقْدِ وَهُوَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ طَلْحَةُ وَجُبَيْرٌ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُمَا , لَا خِيَارُ شَرْطٍ
7327 - وَقَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا , كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقِ الْمُتَبَايِعَانِ.
قَالَ: فَتَبَايَعْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ , فَبِعْتُهُ مَالًا لِي بِالْوَادِي , بِمَا لَهُ بِخَيْبَرَ.
قَالَ: فَلَمَّا بَايَعْتُهُ , طَفِقْتُ أَنْكُصُ عَلَى عَقِبِي نَكْصَ الْقَهْقَرَى , خَشْيَةَ أَنْ يَتَرَادَنِيَ الْبَيْعَ عُثْمَانُ قَبْلَ أَنْ أُفَارِقَهُ " فَهَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ , وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قَدْ تَبَايَعَا مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُمَا , وَرَأَيَا ذَلِكَ جَائِزًا , وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمَا مُنْكِرٌ
7328 - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ انْبِذْ إِلَيَّ ثَوْبَكَ , وَأَنْبِذُ إِلَيْكَ ثَوْبِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْلِبَا أَوْ يَتَرَاضَيَا.
وَيَقُولُ دَابَّتِي بِدَابَّتِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْلِبَا , أَوْ يَتَرَاضَيَا» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ , إِجَارَةُ الْبَيْعِ بِالتَّرَاضِي , وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُنَابَذَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُخَالِفُهُ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ , هَلْ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى اسْتِئْمَارِهَا؟
7329 - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا , فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ , وَإِنْ أَنْكَرَتْ , لَمْ تُكْرَهْ»
7330 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ , فَإِنْ رَضِيَتْ , فَلَهَا رِضَاهَا , وَإِنْ أَنْكَرَتْ , فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا»
7331 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ بِغَيْرِ أَمْرِهَا , وَلَا اسْتِئْذَانِهَا , مِمَّنْ رَأَى وَلَا رَأْيَ لَهَا فِي ذَلِكَ مَعَهُ عِنْدَهُمْ.
قَالُوا: وَلَمَّا قَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ بِمَا ذُكِرَ فِيهِمَا مِنَ الصُّمَاتِ , وَالْمَحْكُومُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِذْنِ إِلَى الْيَتِيمَةِ , وَهِيَ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِهَا , وَأَنَّ أَمْرَ أَبِيهَا عَلَيْهَا أَوْكَدُ مِنْ أَمْرِ سَائِرِ أَوْلِيَائِهَا بَعْدَ أَبِيهَا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ , مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: لَيْسَ لِوَلِيِّ الْبِكْرِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إِلَّا بَعْدَ اسْتِئْمَارِهِ إِيَّاهَا فِي ذَلِكَ وَبَعْدَ صُمَاتِهَا عِنْدَ اسْتِئْمَارِهِ إِيَّاهَا.
وَقَالُوا: لَيْسَ فِي قَصْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَثَرَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ إِلَى الْيَتِيمَةِ مَا يَدُلُّ أَنَّ غَيْرَ الْيَتِيمَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْيَتِيمَةِ.
إِذْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ سَائِرَ الْأَبْكَارِ الْيَتَامَى وَغَيْرَهُنَّ.
وَخَصَّ الْيَتِيمَةَ بِالذِّكْرِ , إِذْ كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ غَيْرِهَا , وَلِأَنَّ السَّامِعَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْيَتِيمَةِ الْبِكْرِ , يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُكْمِ الْبِكْرِ غَيْرِ الْيَتِيمَةِ.
وَقَدْ رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ , قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَرُمَ مِنَ النِّسَاءِ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] . فَذَكَرَ الرَّبِيبَةَ الَّتِي فِي حِجْرِ الزَّوْجِ , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ الَّتِي فِي حِجْرِ الزَّوْجِ دُونَ الرَّبِيبَةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ.
بَلْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا.
فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ الْيَتِيمَةِ لَيْسَ عَلَى الْيَتِيمَةِ الْبِكْرِ خَاصَّةً بَلْ هُوَ عَلَى الْبِكْرِ الْيَتِيمَةِ وَغَيْرِ الْيَتِيمَةِ.
وَكَانَ مَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْيَتِيمَةِ الْبِكْرِ دَلِيلًا لَهُمْ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ فِيهِ كَذَلِكَ إِذْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْبِكْرَ قَبْلَ بُلُوغِهَا إِلَى أَبِيهَا عَقْدُ الْبِيَاعَاتِ عَلَى أَمْوَالِهَا , وَعَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى بُضْعِهَا.
وَرَأَوْا بُلُوغَهَا , يَرْفَعُ وِلَايَةَ أَبِيهَا عَلَيْهَا فِي الْعُقُودِ عَلَى أَمْوَالِهَا , فَكَذَلِكَ يَرْفَعُ عَنْهَا الْعُقُودَ عَلَى بُضْعِهَا.
وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَوَى أَهْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ لِمَذْهَبِهِمْ آثَارًا , احْتَجُّوا لَهُ بِهَا , غَيْرَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا طَعْنًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْآثَارِ , وَأَكْثَرُهَا سَلِيمٌ مِنْ ذَلِكَ وَسَنَأْتِي بِهَا كُلِّهَا , وَبِعِلَلِهَا وَفَسَادِ مَا يُفْسِدُهُ أَهْلُ الْآثَارِ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ , إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
فَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِمَّا طَعَنَ فِيهِ أَهْلُ الْآثَارِ
7332 - مَا حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ قَالَا: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ , وَهِيَ كَارِهَةٌ , فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهَا " فَكَانَ مَنْ طَعَنَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى الْآثَارِ , وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ رُوَاتِهَا وَتَثْبِيتِ مَا رَوَى الْحُفَّاظُ مِنْهُمْ , وَإِسْقَاطِ مَا رَوَى مَنْ هُوَ دُونَهُمْ أَنْ قَالُوا: هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَهُوَ رَجُلٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ أَيُّوبَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ.
فَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ
7333 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ , زَوَّجَهَا أَبُوهَا , وَهِيَ كَارِهَةٌ , وَكَانَتْ ثَيِّبًا» فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ , خَطَأُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَمَّا أَحَدُهُمَا , فَإِدْخَالُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِيهِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ , فَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا , وَإِنَّمَا كَانَتْ ثَيِّبًا.
وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا
7334 - مَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ , وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ بِغَيْرِ أَمْرِهَا , فَأَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَتَبُّعِ الْأَسَانِيدِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ شُعَيْبٍ ذَكَرَ فِيهِ جَابِرًا غَيْرَ أَبِي صَالِحٍ هَذَا.
فَمِمَّنْ رَوَاهُ وَأَسْقَطَ مِنْهُ جَابِرًا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ
7335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ , وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , فَبَيَّنَ مِنْ فَسَادِهِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا
7336 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَصَارَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُرَّةَ هَذَا فَضَعِيفُ الْحَدِيثِ , لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْآثَارِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصْلًا.
وَمِمَّا رَوَوْا فِي ذَلِكَ أَيْضًا , مِمَّا لَا طَعْنَ لِأَحَدٍ فِيهِ