شرح معاني الآثارصفحات 184-202

كِتَابُ الْجِنَايَاتِ

صفحات 184-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطحاوي
الكتاب
شرح معاني الآثار
المؤلف
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)حققه وقدم له: (محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريفراجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي - الباحث بمركز خدمة السنة بالمدينة النبوية
الناشر
عالم الكتب
الطبعة
الأولى - 1414 هـ، 1994 م
عدد الأجزاء
5 (4 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

بَابُ شِبْهِ الْعَمْدِ الَّذِي لَا قَوْدَ فِيهِ مَا هُوَ؟

5030 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ قَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَوْشَنٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ السَّدُوسِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ

مَكَّةَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ , فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالُوا: لَا قَوَدَ عَلَى مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا فَقَالُوا: إِذَا كَانَتِ الْخَشَبَةُ مِثْلُهَا يَقْتُلُ فَعَلَى الْقَاتِلِ بِهَا الْقِصَاصُ وَذَلِكَ عَمْدٌ.
وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا لَا يَقْتُلُ فَفِي ذَلِكَ الدِّيَةُ وَذَلِكَ شِبْهُ الْعَمْدِ.
وَقَالُوا: لَيْسَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْنَا أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ , فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالُوا , لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْعَصَا الَّتِي لَا تَقْتُلُ مِثْلُهَا الَّتِي هِيَ كَالسَّوْطِ الَّذِي لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ.
فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي قُلْنَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَأَرَادَ مَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ فَقَدْ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ وَخَالَفْنَاهُ.
فَنَحْنُ بَعْدُ لَمْ نُثْبِتْ خِلَافَنَا لِهَذَا الْحَدِيثِ إِذْ كُنَّا نَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْعَصَا مَا إِذَا قُتِلَ بِهِ لَمْ يَجِبْ بِهِ عَلَى الْقَاتِلِ قَوَدٌ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى مِمَّا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّ مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ لَا يُضَادُّ حَدِيثَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِيجَابِهِ الْقَوْدَ عَلَى الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ بِحَجَرٍ.
وَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى يُضَادُّ ذَلِكَ وَيَنْفِيهِ.
وَلَأَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَا يُوَافِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يُضَادُّ بَعْضُهُ بَعْضًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ إِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا مَنْسُوخٌ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فَكَيْفَ أَثْبَتَّ الْعَمَلَ بِهِ هَاهُنَا؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ إِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا مَنْسُوخٌ مِنْ جِهَةِ مَا ذَكَرْتُ وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الْقَوْدِ وَالْقَتْلِ بِالْحَجَرِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: إِنَّ الْقِصَاصَ بِالْحَجَرِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا لِمَا قَدْ ذَكَرْتُ مِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ.
فَحَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي إِيجَابِ الْقَوْدِ عِنْدَنَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقَوْدِ الْوَاجِبِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا عَلَى مَا فَسَّرْنَا وَبَيَّنَّا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ.
فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْقَتْلَ بِالْحَجَرِ لَا يُوجِبُ الْقَوْدَ فِي دَفْعِ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَتْلِ فِي ذَلِكَ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجَعَلَ الْيَهُودِيَّ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فِي قَوْلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا قَوْدَ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِعَصًا , وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْخِنَاقِ إِنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَيُقْتَلُ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ الْيَهُودِيَّ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يَجِبُ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ يَكُونُ حُكْمُهُ فِيمَا فَعَلَ حُكْمَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ , وَكَذَلِكَ الْخَنَّاقُ الَّذِي قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ.
وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ يَكُونَ يَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً الْقَتْلُ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يَجِبُ إِذَا فَعَلَهُ مِرَارًا لِأَنَّا رَأَيْنَا الْحُدُودَ يُوجِبُهَا انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ تِلْكَ الْحُرْمَةَ ثَانِيَةً إِلَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي انْتِهَاكِهَا فِي الْبَدْءِ.
فَكَانَ النَّظَرُ فِيمَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ الْجَانِي الْخَنَّاقُ كَذَلِكَ أَيْضًا وَأَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ هُوَ حُكْمَهُ فِي آخِرِ مَرَّةٍ هَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَفِي ثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَا مَا يَرْفَعُ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِحَجَرٍ فَلَا قَوْدَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ هَذَا مَا

5031 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ.
فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ , كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَهُ "

5032 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ثنا الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ الْخُزَاعِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ ضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَتْهَا.
فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَقَضَى مَا فِي بَطْنِهَا بِغُرَّةٍ وَالْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ.
فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ أَغْرَمُ مَنْ لَا طَعِمَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ.
فَقَالَ سَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ»

5033 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ , قَالَ أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ , عَنِ الْمُغِيرَةِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالُوا: فَهَذِهِ الْآثَارُ تُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ الْمَرْأَةَ الْقَاتِلَةَ بِالْحَجَرِ وَلَا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ وَعَمُودُ الْفُسْطَاطِ يَقْتُلُ مِثْلُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يَقْتُلُ.
فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ: فَقَدْ رَوَى حَمَلٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ هَذَا فَذَكَرَ مَا

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَشَدَ النَّاسَ أَيْ سَأَلَهُمْ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ.
فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ وَإِنَّ إِحْدَاهُمَا ضَرَبَتِ الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ مَكَانَهَا ".

5034 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ , قَالَ: ثنا الْحُمَيْدِيُّ , قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ , عَنْ طَاوُسٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ وَأَنْ تُقْتَلَ مَكَانَهَا فَهَذَا حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَتَلَ الْمَرْأَةَ بِالَّتِي قَتَلَتْهَا بِالْمِسْطَحِ.
فَقَدْ خَالَفَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَالْمُغِيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِيمَا رَوَيَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَضَائِهِ بِالدِّيَةِ فِي ذَلِكَ.
فَقَدْ تَكَافَأَتِ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ.
فَلَمَّا تَكَافَأَتْ وَاخْتَلَفَتْ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ لِنَسْتَخْرِجَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا صَحِيحًا فَاعْتَبَرْنَا ذَلِكَ.
فَوَجَدْنَا الْأَصْلَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِحَدِيدَةٍ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَهُوَ آثِمٌ فِي ذَلِكَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَإِذَا قَتَلَهُ خَطَأً فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ حَيْثُ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ.

وَتَرْتَفِعُ الْكَفَّارَةُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِثْمُ.
وَرَأَيْنَا شِبْهَ الْعَمْدِ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الدِّيَةَ فِيهِ وَأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهَا مَا هِيَ؟ فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ رَجُلًا مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ سِلَاحٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ الرَّجُلَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَرَى أَنَّهُ يَقْتُلُهُ كَأَنَّهُ يَتَعَمَّدُ ضَرْبَ رَجُلٍ بِسَوْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمْ.
فَإِنْ كَرَّرَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ مِرَارًا حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَوَدُ.
وَكُلُّ مَنْ جَعَلَ مِنْهُمْ شِبْهَ الْعَمْدِ عَلَى جِنْسٍ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ.
وَقَدْ رَأَيْنَا الْكَفَّارَةَ فِيمَا قَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ تَجِبُ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْإِثْمُ وَتَنْتَفِي حَيْثُ يَكُونُ الْإِثْمُ وَكَانَ الْقَاتِلُ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا أَوْ مِثْلِ ذَلِكَ يَقْتُلُ عَلَيْهِ إِثْمُ النَّفْسِ وَهُوَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِحَدِيدَةٍ وَكَانَ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِسَوْطٍ لَيْسَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَيْرَ آثِمٍ إِثْمَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُ آثِمٌ إِثْمَ الضَّرْبِ فَكَانَ إِثْمُ الْقَتْلِ فِي هَذَا عَنْهُ مَرْفُوعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ وَإِثْمُ الضَّرْبِ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَأَرَادَهُ.
فَكَانَ النَّظَرُ أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ الَّذِي قَدْ أُجْمِعَ أَنَّ فِيهِ كَفَّارَةً فِي النَّفْسِ هُوَ مَا لَا إِثْمَ فِيهِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِمَا لَيْسَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ الَّذِي يَتَعَمَّدُ بِهِ الضَّرْبَ وَلَا يُرَادُ بِهِ تَلَفُ النَّفْسِ فَيَأْتِي ذَلِكَ عَلَى تَلَفِ النَّفْسِ.
فَقَدْ ثَبَتَ بِذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

5035 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبِرْكِيُّ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْجُشَمِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَضْرِبُ أَخَاهُ مِثْلَ آكِلَةِ اللَّحْمِ - قَالَ الْحَجَّاجُ: يَعْنِي الْعَصَا - ثُمَّ يَقُولُ لَا قَوَدَ عَلَيَّ لَا أُوتَى بِأَحَدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا أَقَدْتُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ

5036 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ , قَالَ: ثنا شَرِيكٌ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ شِبْهُ الْعَمْدِ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ الثَّقِيلِ وَلَيْسَ فِيهِمَا قَوَدٌ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

بَابُ شِبْهِ الْعَمْدِ هَلْ يَكُونُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ كَمَا يَكُونُ فِي النَّفْسِ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمَّا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا شِبْهُ عَمْدٍ كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْآثَارَ الَّتِي قَدْ رَوَيْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي

فِيهَا " أَلَا إِنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ

بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا «. فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّفْسِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ فِي خَبَرِ» الرُّبَيِّعِ أَنَّهَا لَطَمْتُ جَارِيَةً فَكَسَرْتُ ثَنِيَّتَهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ ". وَقَدْ رَأَيْنَا اللَّطْمَةَ إِذَا أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ لَمْ يَجِبْ فِيهَا قَوَدٌ وَرَأَيْنَاهَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَدْ أَوْجَبَتِ الْقَوَدَ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ فِي النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ أَنَّهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ عَلَى تَصْحِيحِ هَذِهِ الْآثَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

بَابُ الرَّجُلِ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ: إِنْ مِتُّ فَفُلَانٌ قَتَلَنِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ رَوَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَ الْجَارِيَةَ الَّتِي رُضِخَ رَأْسُهَا مَنْ رَضَخَ رَأْسَكَ أَفُلَانٌ هُوَ؟ فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَضْخِ رَأْسِهِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» .

فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَلَّدُوهُ وَقَالُوا: مَنِ ادَّعَى - وَهُوَ فِي حَالِ الْمَوْتِ - أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَقَتَلَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْيَهُودِيَّ فَأَقَرَّ بِمَا ادَّعَتِ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ بِإِقْرَارِهِ لَا بِدَعْوَى الْجَارِيَةِ.
فَاعْتَبَرْنَا الْآثَارَ الَّتِي قَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ: هَلْ نَجِدُ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلًا؟ فَإِذَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ

5037- قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ قَالَ: ثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَزَادَ قَالَ: فَسَأَلَهُ فَأَقَرَّ بِمَا ادَّعَتْ فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ

5038 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا الْيَهُودِيَّ فَأُتِيَ بِهِ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَتَلَهُ بِإِقْرَارِهِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ لَا بِدَعْوَى الْجَارِيَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.

أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى قَتْلًا أَوْ غَيْرَهُ فَسَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ: نَعَمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُقِرًّا.
فَإِذَا كَانَ إِيمَاءُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَأْسِهِ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِقْرَارًا يَجِبُ بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ كَانَ إِيمَاءُ الْمُدَّعِي بِرَأْسِهِ أَحْرَى أَنْ لَا يُوجِبَ لَهُ حَقًّا.
وَقَدْ

5039 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَمَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ دَمًا أَوْ مَالًا وَلَمْ يُوجِبْ لِلْمُدَّعَى فِيهِ بِدَعْوَاهُ إِلَّا بِالْيَمِينِ.
فَهَذَا حُكْمُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ مَعَانِي الْآثَارِ.
وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ رَجُلًا لَوِ ادَّعَى فِي حَالِ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ ثُمَّ مَاتَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ وَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَهُوَ فِي دَعْوَاهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ.
فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُوَ فِي دَعْوَاهُ الدَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ كَهُوَ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ

5040 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كُنْتُ عَامِلًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الطَّائِفِ فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا فِي بَيْتٍ تَخْرِزَانِ حَرِيرًا لَهُمَا فَأَصَابَتْ إِحْدَاهُمَا يَدَ صَاحِبَتِهَا بِالْإِشْفَى فَجَرَحَتْهَا فَخَرَجَتْ وَهِيَ تَدْمَى وَفِي الْحُجْرَةِ حِدَاتٌ فَقَالَتْ: أَصَابَتْنِي فَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْأُخْرَى.
فَكَتَبْتُ فِي ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ مِنَ النَّاسِ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ فَادْعُهَا فَاقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَيْهَا ﴿ «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا» ﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ فَقَرَأْتُ عَلَيْهَا الْآيَةَ فَاعْتَرَفَتْ " قَالَ نَافِعٌ: فَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَرَّهُ.
أَفَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَدْ رَدَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ سَائِرِ مَا يَدَّعِي النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاللهُ أَعْلَمُ

بَابُ الْمُؤْمِنِ يَقْتُلُ الْكَافِرَ مُتَعَمِّدًا

5041 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ.
ح

5042 - وَحَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى الْقُرْآنِ؟ . فَقَالَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
قَالَ: قُلْتُ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ الْكَافِرَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: بَلْ يُقْتَلُ بِهِ.
وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَاحْتَمَلَ مَا قَالُوا وَلَكِنَّهُ كَانَ مَوْصُولًا بِغَيْرِهِ

5043 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ , قَالَ: ثنا يَحْيَى , عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ , قَالَ: ثنا قَتَادَةُ , عَنِ الْحَسَنِ , " عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ , قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ فَقُلْنَا هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: «لَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا» فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «فَهَذَا هُوَ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِتَمَامِهِ وَالَّذِي فِيهِ مِنْ نَفْيِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ هُوَ قَوْلُهُ» لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ «. فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا لَكَانَ ذَلِكَ لَحْنًا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ وَلَكَانَ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ.
فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ» وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ «عَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ ذَا الْعَهْدِ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْقِصَاصِ.
فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ» لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ «. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ ذَا الْعَهْدِ كَافِرٌ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا عَهْدَ لَهُ.
فَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَأَنَّ ذَا الْعَهْدِ الْكَافِرِ الَّذِي قَدْ صَارَ لَهُ ذِمَّةٌ لَا يُقْتَلُ بِهِ أَيْضًا.
وَقَدْ نَجِدُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿» وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ "﴾ [الطلاق: 4] . فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ «وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ» وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ «إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ» فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» إِنَّمَا مُرَادُهُ فِيهِ وَاللهُ أَعْلَمُ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ» فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ.
فَالْكَافِرُ الَّذِي مُنِعَ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَافِرُ غَيْرُ الْمُعَاهَدِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَوْلُهُ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» إِنَّمَا مَعْنَاهُ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» فَانْقَطَعَ الْكَلَامُ ثُمَّ قَالَ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا أَيْ: «وَلَا يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ فِي عَهْدِهِ» . فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَرَى فِي الدِّمَاءِ الْمَسْفُوكِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِأَنَّهُ قَالَ «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» ثُمَّ قَالَ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّمَا أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى الدِّمَاءِ الَّتِي تُؤْخَذُ قِصَاصًا وَلَمْ يَجْرِ عَلَى حُرْمَةِ دَمٍ بِعَهْدٍ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا وَجْهٌ.
وَحُجَّةٌ أُخْرَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ فَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِتَأْوِيلِهِ.
وَتَأْوِيلُهُ فِيهِ إِذْ كَانَ مُحْتَمِلًا عِنْدَكُمْ يَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مَا تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ

5044 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ , قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ , عَنِ

ابْنِ شِهَابٍ , أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , قَالَ - حِينَ قُتِلَ عُمَرُ - مَرَرْتُ عَلَى أَبِي لُؤْلُؤَةَ وَمَعَهُ هُرْمُزَانُ.
فَلَمَّا بَغَتَهُمْ ثَارُوا فَسَقَطَ مِنْ بَيْنِهِمْ خَنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ مُمْسَكُهُ فِي وَسَطِهِ.
قَالَ: قُلْتُ فَانْظُرُوا لَعَلَّهُ الْخَنْجَرُ الَّذِي قَتَلَ بِهِ عُمَرَ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ الْخَنْجَرُ الَّذِي وَصَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
فَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ السَّيْفُ حَتَّى دَعَا الْهُرْمُزَانَ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ قَالَ: انْطَلِقْ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى فَرَسٍ لِي ثُمَّ تَأَخَّرَ عَنْهُ , إِذَا مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَاهُ بِالسَّيْفِ , فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ السَّيْفِ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ قَالَ عُبَيْدُ اللهِ وَدَعَوْتُ حُفَيْنَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ نَصَارَى الْحِيرَةِ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيَّ عَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ فَصَلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ , ثُمَّ انْطَلَقَ عُبَيْدُ اللهِ فَقَتَلَ ابْنَةَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ صَغِيرَةً تَدَّعِي الْإِسْلَامَ.
فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ دَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي فَتَقَ فِي الدِّينِ مَا فَتَقَ.
فَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ فِيهِ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَأْمُرُونَهُ بِالشِّدَّةِ عَلَيْهِ وَيَحُثُّونَ عُثْمَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَكَانَ فَوْجُ النَّاسِ الْأَعْظَمِ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُونَ لِحُفَيْنَةَ وَالْهُرْمُزَانِ أَبْعَدُهُمَا اللهُ فَكَانَ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ.
ثُمَّ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ أَعْفَاكَ اللهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ بَعْدَمَا قَدْ بُويِعْتَ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَكَ عَلَى النَّاسِ سُلْطَانٌ فَأَعْرَضَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ.
وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ خُطْبَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَوَدَى الرَّجُلَيْنِ وَالْجَارِيَةَ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَتَلَ حُفَيْنَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ وَضَرَبَ الْهُرْمُزَانَ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَأَشَارَ الْمُهَاجِرُونَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِقَتْلِ عُبَيْدِ اللهِ , وَعَلِيٌّ فِيهِمْ.
فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» يُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ ثُمَّ يُشِيرُ الْمُهَاجِرُونَ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ عَلَى عُثْمَانَ بِقَتْلِ عُبَيْدِ اللهِ بِكَافِرٍ ذِي عَهْدٍ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ هُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِرَادَتِهِ الْكَافِرَ الَّذِي لَا ذِمَّةَ لَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَتَلَ بِنْتًا لِأَبِي لُؤْلُؤَةَ صَغِيرَةً تَدَّعِي الْإِسْلَامَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا اسْتَحَلُّوا سَفْكَ دَمِ عُبَيْدِ اللهِ بِهَا لَا بِحُفَيْنَةَ وَالْهُرْمُزَانِ.

قِيلَ لَهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ قَتَلَهُ بِحُفَيْنَةَ وَالْهُرْمُزَانِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ «أَبْعَدَهُمَا اللهُ» . فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِغَيْرِهِمَا وَيَقُولُ النَّاسُ لَهُ أَبْعَدَهُمَا اللهُ ثُمَّ لَا يَقُولُ لَهُمْ إِنِّي لَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ بِهَذَيْنِ إِنَّمَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ بِالْجَارِيَةِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ بِهِمَا وَبِالْجَارِيَةِ.
أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فَكَثُرَ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّمَا أَرَادَ قَتْلَهُ بِمَنْ قَتَلَ وَفِيهِمُ الْهُرْمُزَانُ وَحُفَيْنَةُ.
فَقَدْ ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا صَحَّ عَلَيْهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِهِ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ.
وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ أَيْضًا رُشْدَهُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا

5045 - حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ , قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ , عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ , «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ قَتَلَ مُعَاهَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ عُنُقُهُ وَقَالَ أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» .

5046 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَدَنِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ وَالنَّظَرُ عِنْدَنَا شَاهِدٌ لِذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الْحَرْبِيَّ دَمَهُ حَلَالٌ وَمَالَهُ حَلَالٌ , فَإِذَا صَارَ ذِمِّيًّا حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ كَحُرْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِ الْمُسْلِمِ.
ثُمَّ رَأَيْنَا مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ , قُطِعَ كَمَا يُقْطَعُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي انْتِهَاكِ الْمَالِ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالذِّمَّةِ كَالْعُقُوبَاتِ فِي انْتِهَاكِ الْمَالِ الَّذِي حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ كَانَ يَجِيءُ فِي النَّظَرِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ فِي الدَّمِ الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالذِّمَّةِ كَالْعُقُوبَةِ فِي الَّذِي قَدْ حَرُمَ بِالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْعُقُوبَاتِ الْوَاجِبَاتِ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْوَاجِبَاتِ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الدَّمِ , وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الْعَبْدَ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ فَلَا يُقْطَعُ وَيَقْتُلُ مَوْلَاهُ فَيُقْتَلُ , فَفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَا تُنْكِرُونَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِي انْتِهَاكِ مَالِ الذِّمِّيِّ وَدَمِهِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ قَدْ زَادَ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ تَوْكِيدًا لِأَنَّكَ ذَكَرْتَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُقْطَعُ فِي مَالِ مَوْلَاهُ وَأَنَّهُ يُقْتَلُ بِمَوْلَاهُ وَبِعَبِيدِ مَوْلَاهُ.
فَمَا وَصَفْتُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتُ فَقَدْ خَفَّفُوا أَمْرَ الْمَالِ وَوَكَّدُوا أَمْرَ الدَّمِ فَأَوْجَبُوا الْعُقُوبَةَ فِي الدَّمِ حَيْثُ لَمْ يُوجِبُوهَا بِالْمَالِ.
فَلَمَّا ثَبَتَ تَوْكِيدُ أَمْرِ الدَّمِ وَتَخْفِيفُ أَمْرِ الْمَالِ ثُمَّ رَأَيْنَا مَالَ الذِّمِّيِّ يَجِبُ فِي انْتِهَاكِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْعُقُوبَةِ

كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي انْتِهَاكِ مَالِ الْمُسْلِمِ كَانَ دَمُهُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ذِمِّيًّا لَوْ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ الَّذِي قَتَلَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ إِسْلَامُهُ.
فَلَمَّا رَأَيْنَا الْإِسْلَامَ الطَّارِئَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُبْطِلُ الْقَتْلَ الَّذِي كَانَ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَكَانَتِ الْحُدُودُ تَمَامُهَا أَحَدُهَا وَلَا يُوجَدُ عَلَى حَالٍ - لَا يَجِبُ فِي الْبَدْءِ مَعَ تِلْكَ الْحَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا وَالْمَقْتُولُ مُرْتَدٌّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ - عِيَاذًا بِاللهِ - فَمَاتَ لَمْ يُقْتَلْ.
فَصَارَتْ رِدَّتُهُ الَّتِي تَقَدَّمَتِ الْجِنَايَةَ وَالَّتِي طَرَأَتْ عَلَيْهَا فِي دَرْءِ الْقَتْلِ - سَوَاءً.
فَكَانَ كَذَلِكَ فِي النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ وَبَعْدَ جِنَايَتِهِ سَوَاءً.
وَلَمَّا كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ بِهَا لَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَوَدَ كَانَ كَذَلِكَ إِسْلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ لِجِنَايَتِهِ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَوَدَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ

5047 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا وَهْبٌ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنَ الْعِبَادِ فَذَهَبَ أَخُوهُ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُقْتَلَ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اقْتُلْ جُبَيْرُ فَيَقُولُ حَتَّى يَجِيءَ الْغَيْظُ قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يُودِي وَلَا يُقْتَلَ فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ رَأَى أَيْضًا أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى عَامِلِهِ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ.
فَهَذَا - عِنْدَنَا - مِنْهُمْ عَلَى الْمُتَابَعَةِ مِنْهُمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَكِتَابُهُ بَعْدَ هَذَا لَا يُقْتَلُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُبِيحَهُ دَمَهُ لَمَا كَانَ مِنْ وُقُوفِهِ عَنْ قَتْلِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ شُبْهَةَ مَنْعِهِ بِهَا مِنَ الْقَتْلِ وَجَعَلَ لَهُ مَا يُجْعَلُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي تَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ وَهُوَ الدِّيَةُ.
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ قَتْلَ غِيلَةٍ عَلَى مَالِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ خَارِجًا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؟» وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَشْتَرِطْ مِنَ الْكُفَّارِ أَحَدًا.
فَكَمَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ كَانَ لِمُخَالِفِيهِمْ أَنْ يَخْرُجَ أَيْضًا مَنْ وَجَبَتْ ذِمَّتُهُ

بَابُ الْقَسَامَةِ هَلْ تَكُونُ عَلَى سَاكِنِي الدَّارِ الْمَوْجُودِ فِيهَا الْقَتِيلُ أَوْ عَلَى مَالِكِهَا؟

5048 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعَ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: " وُجِدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ خَيْبَرَ.
فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَعَمَّاهُ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَتَكَلَّمَ أَحَدُ عَمَّيْهِ إِمَّا حُوَيِّصَةُ وَإِمَّا مُحَيِّصَةُ تَكَلَّمَ الْكَبِيرُ مِنْهُمَا.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ خَيْبَرَ وَذَكَرَ عَدَاوَةَ يَهُودٍ لَهُمْ.
قَالَ: أَفَتُبَرِّئُكَ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ وَكَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِهِمْ وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟ قَالَ فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ قَالُوا: كَيْفَ نَقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ "

5049 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ " أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ فَبَلَغَ مُحَيِّصَةَ.
فَأَتَى هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَبِّرْ كَبِّرْ.

فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ تَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ أَوْ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ ". قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ

5050 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا.
فَقَالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا.
فَانْطَلَقُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ , انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ فَقَالَ لَهُمْ تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ؟ قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ.
قَالَ أَفَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ.
فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْطُلَ دَمَهُ فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ "

5051 - حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , أَنَّ مَالِكًا , حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ " أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جُهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ.
فَأَتَى يَهُودًا فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ فَقَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ.
فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ.
فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيَّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ.

فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ قَبْلُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا , قَالَ: أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ.
فَوْدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمِ الدَّارَ " قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمُ افْتَتَحُوهَا وَكَانَتِ الْيَهُودُ عُمَّالَهُمْ فِيهَا.
فَلَمَّا وُجِدَ فِيهَا هَذَا الْقَتِيلُ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَسَامَةَ فِيهِ عَلَى الْيَهُودِ السُّكَّانِ لَا عَلَى الْمَالِكِينَ.
قَالَ: فَكَذَلِكَ نَقُولُ: كُلُّ قَتِيلٍ وُجِدَ فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فِيهَا سَاكِنٌ مُسْتَأْجِرٌ أَوْ مُسْتَعِيرٌ فَالْقَسَامَةُ فِي ذَلِكَ وَالدِّيَةُ عَلَى السَّاكِنِ لَا عَلَى رَبِّهَا الْمَالِكِ.
وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللهُ يَقُولَانِ: الدِّيَةُ وَالْقَسَامَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَى السَّاكِنِ.
وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمَا عَلَى أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتِيلَ لَمْ يَذْكُرْ لَنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ وُجِدَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتُتِحَتْ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُصِيبَ فِيهَا بَعْدَمَا افْتُتِحَتْ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُصِيبَ فِي حَالِ مَا كَانَتْ صُلْحًا بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَهْلِهَا.
فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي حَالِ مَا كَانَتْ صُلْحًا قَبْلَ أَنْ تُفْتَتَحَ فَلَا حُجَّةَ لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا يَدُلُّ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ صُلْحًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ» وَلَا يُقَالُ هَذَا إِلَّا لِمَنْ كَانَ فِي أَمَانٍ وَعَهْدٍ فِي دَارٍ هِيَ صُلْحٌ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ

5052 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ , قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ , وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ , مِنْ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ وَأَهْلُهَا يَهُودُ فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا.
فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ فَوُجِدَ فِي شِرْبِهِ مَقْتُولًا فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَمَشَى أَخُو الْمَقْتُولِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَكَيْفَ قُتِلَ.

فَزَعَمَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ " تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَتِيلِكُمْ أَوْ صَاحِبِكُمْ؟ . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , مَا شَهِدْنَا وَلَا حَضَرْنَا.
قَالَ أَفَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ , كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلَهُ " فَبَيَّنَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَقْتِ وُجُودِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ فِيهَا قَتِيلًا دَارَ صُلْحٍ وَمُهَادَنَةٍ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا شَيْءٌ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمَا أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَيْضًا.
وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ وَالْمُسْتَعَارَةَ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهَا وَمُسْتَعِيرِهَا لَا فِي يَدِ رَبِّهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا وَرَبَّهَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي ثَوْبٍ وُجِدَ فِيهَا أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُهُمَا لَا قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ.
فَكَذَلِكَ مَا وُجِدَ فِيهَا مِنَ الْقَتْلَى فَهُمْ مَوْجُودُونَ فِيهَا وَهِيَ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهَا وَيَدِ مُسْتَعِيرِهَا لَا فِي يَدِ رَبِّهَا.
فَمَا وَجَبَ بِذَلِكَ مِنْ قَسَامَةٍ وَدِيَةٍ فَهِيَ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لَا عَلَى مَنْ لَيْسَتْ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَ مَلَّكَهَا لَهُ.
فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ: رَأَيْتُ إِجْمَاعَهُمْ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَى السَّاكِنِ.
وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَتَهُ لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ يَسْكُنَانِهَا وَهِيَ لِلزَّوْجِ فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ كَانَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الزَّوْجِ خَاصَّةً دُونَ عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَيْدِيَهُمَا عَلَيْهِمَا وَأَنَّ مَا وُجِدَ فِيهَا مِنْ ثِيَابٍ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنَ الْآخَرِ إِلَّا لِمَعْنًى لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي شَيْءٍ.
فَلَوْ كَانَتِ الْقَسَامَةُ يُحْكَمُ بِهَا عَلَى مَنِ الدَّارُ فِي يَدِهِ لَحُكِمَ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ جَمِيعًا لِأَنَّ الدَّارَ فِي أَيْدِيهِمَا وَلِأَنَّهُمَا سَكَنَاهَا.
فَلَمَّا كَانَ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ خَاصَّةً دُونَ الْمَرْأَةِ إِذْ هُوَ الْمَالِكُ لَهَا كَانَتِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ الْمَوْجُودِ فِيهَا الْقَتْلَى عَلَى مَالِكِهَا لَا عَلَى سَاكِنِهَا

بَابُ الْقَسَامَةِ كَيْفَ هِيَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ كَيْفَ الْقَسَامَةُ الْوَاجِبَةُ فِيهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِاللهِ مَا قَتَلْنَا فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا اسْتُحْلِفَ الْمُدَّعُونَ وَاسْتَحَقُّوا مَا ادَّعَوْا.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي

الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا حَلَفُوا غَرِمُوا الدِّيَةَ.
وَقَالُوا: قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟» إِنَّمَا كَانَ عَلَى النَّكِيرِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ «أَتَدَّعُونَ وَتَأْخُذُونَ؟» وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ " أَفَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا بِاللهِ مَا قَتَلْنَا.
فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟ ". أَيْ: إِنَّ الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَدَّعُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ أَيْمَانِهِمْ.
وَكَمَا لَا يُقْبَلُ مِنْكُمْ - وَإِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ - أَيْمَانُكُمْ فَتَسْتَحِقُّونَ بِهَا كَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْيَهُودِ بِدَعْوَاكُمْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ أَيْمَانِهِمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا قَدْ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَضْرَةِ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ.
وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا سِيَّمَا مِثْلُ مُحَيِّصَةَ وَقَدْ كَانَ حَيًّا يَوْمَئِذٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَلَا يُخْبِرُونَهُ بِهِ وَيَقُولُونَ: لَيْسَ هَكَذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا عَلَى الْيَهُودِ.
فَمِمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا

5053 - قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَزْمَعِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: أَمَا تَدْفَعُ أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا وَلَا أَيْمَانُنَا عَنْ أَمْوَالِنَا قَالَ: لَا وَعَقَلَهُ

5054 - حَدَّثَنَا فَهْدٌ , قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ , قَالَ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ , عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَزْمَعِ , قَالَ: قُتِلَ قَتِيلٌ بَيْنَ وَادِعَةَ وَحَيٍّ آخَرَ وَالْقَتِيلُ إِلَى وَادَعَةَ أَقْرَبُ.
فَقَالَ عُمَرُ لِوَادَعَةَ: يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ: بِاللهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا نَعْلَمُ قَاتِلًا ثُمَّ أَغْرِمُوا الدِّيَةَ.
فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: نَحْلِفُ وَتُغَرِّمُنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ

5055 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ عَنْ أَبِي جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الْوَادِعِيِّ قَالَ: أَصَابُوا قَتِيلًا بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ قِيسُوا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَأَيُّهُمَا كَانَ إِلَيْهِ أَدْنَى فَخُذُوا خَمْسِينَ قَسَامَةً فَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ثُمَّ غَرَّمَهُمُ الدِّيَةَ.
قَالَ الْحَارِثُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ أَقْسِمُ ثُمَّ غَرِمْنَا الدِّيَةَ فَهَذِهِ الْقَسَامَةُ الَّتِي حَكَمَ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ قَالَ «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَسَوَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَحَكَمَ فِيهَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَجَعَلَ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا عَلَى مَا قَدْ تَأَوَّلْنَاهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا

جارٍ التحميل