شرح التلقينصفحات 315-355
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب بيوع الآجال

صفحات 315-355

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب بيوع الآجال.

قال الشيخ الإِمام، رضي الله عنه: لما لم يشتمل كتاب التلقين للقاضي أبي محمَّد، رحمه الله، على تنصيص في مسائل بيوع الآجال المذكورة في المدونة وغيرها، رأينا أن نملي فيه فصولًا تشتمل على نكت يعتمد عليها ورتبنا ذلك فصولًا: الفصل الأول يشتمل على أربعة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما معنى حماية الذريعة التي بني عليها مسائل هذا الكتاب؟ 2 - وما الدليل على اعتبارها في البيوع؟ 3 - وما يجتنب فيها؟ 4 - وما تقاسيم أنواع البيع المعتبر فيه؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما حقيقة الذريعة عند الفقهاء، فإنها منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز.
وأصل هذا عند العرب أن الناقة الشاردة إذا استوحشت نصب لها ما تألفه من الحيوان لتحن إليه فيمكن حينئذٍ ضبطها، فنقل هذا المعنى إلى ما فسرناه من مرادهم، لأن ما لا يجوز من البياعات ويحرم العقد عليه قد يتحيل عليه بإظهار صورة يجوز في الشرع العقد عليها حتى تكون وُصْلة إلى نيل ذلك المحرم.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف الناس في اعتبار حماية الذريعة في بياعات الآجال، فأثبته مالك وأبو حنيفة، وأنكره الشافعي تعلقًا منه بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 1. وعموم هذا يقتضي جواز ما منعه مالك وأبو حنيفة في بياعات الآجال التي بني المنع فيها على حماية الذريعة.
وهكذا استدل بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 2. وهذه البياعات المشار إليها هي تجارة عن تراض من المتبايعين.
ويستدل أيضًا بأن مالكًا وأبا حنيفة وغيرهما من المانعين لهذه البياعات، التي يأتي التفصيل عليها، إنما اعتمدوا على تهمة المتبايعين وأن ما أظهراه من بياعات جائزة وأخبرا أنهما عقدا في الباطن على ما اقتضاه الظاهر لم يصدقا في خبرهما يقينًا، وقد يظن بهما أنهما تحيلا، بما أظهرا، على عقد بيع لا يجوز في الشرع، وهذا سوء ظن بالمسلمين وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ 3 والشرع إنما أمر بتحسين الظن بالمسلمين لا بسوء الظن بهم.
وأما مالك وأبو حنيفة وغيرهما، فإنهم يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْ وَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ 4 فنهى عن سبّ أصنامهم وغيرها مما يعبدونها مما لا حرمة له لئلا يدعوهم ذلك إلى سب الله سبحانه.
فهذا كالتنبيه على منع الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز.
ويستدلون أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ 5 ومعنى ذلك أن هذا الضرب، وإن كان في نفسه جائزًا، فإنه نهي

عنه لئلا يكون سببًا في تشوّف الرجال إلى امرأة أجنبية وتلفّتهم إليها.
ويستدلون أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها... " 1 الحديث المخرج في الصحيح.
والعلة فيه أن الوصف لمحاسن امرأة أجنبية يتخوف على من سمعه من الرجال التشوف إليها، وتستنزله الشهوة إليها، فيوقعه ذلك فيما لا يحل.
ويستدلون أيضًا بأن مجرد البيع إذا وقع على شروطه الشرعية جائز بالإجماع.
والسلف إذا انفرد أيضًا ولم يقصد المسلف منفعة نفسه، بل الرفق بالمسلف والإحسان إليه، جائز بالإجماع.
وإذا اجتمعا ووقعا في بيع بشرط سلف فإن الشرع ورد بمنع ذلك.
وما ذلك إلا لكون السلف إذا قارن البيع تخوّف منه أن يكون سلفًا بزيادة، فقد يزيد في قيمة السلعة والمراد في الباطن أن تكون تلك الزيادة على القيمة عوض السلف، والسلف بزيادة محرم باتفاق.
فهذا مفردان يجوزان، وهو البيع أو السلف، فإذا اقترنا مُنعا حماية للذريعة كما بيناه.
وقد اضطرب المذهب في تعليل المنع فأشار أبو الفرج إلى أن علة المنع اعتياد كثير من الناس التحيل بهذه البياعات الجائز ظاهرها على العقد على ما لا يحل مما يُمنعان منه لو أظهراه، ويفسخ عليهما.
ومقتضى هذا التعليل أن المعتادين لفعل الحلال ومن هو من أهل الدين والعدالة بحيث لا يتهم على التحيل على الحرام لا يُمنعون من هذه البياعات.
وأشار ابن مسلمة إلى أن العلة في ذلك حماية الذريعة، على ما قدمناه، وإذا كانت العلة هذه وجب، على هذه الطريقة، أن يمنع من هذه البياعات من يتهم ومن لا يتهم.
ومما يقوي هذه الطريقة، التي هي التعليل بحماية الذريعة، ويكون استدلالًا أيضًا في أصل المسألة، حديث عائشة لما قالت لها أم محبة، وهي أم

ولد لزيد بن أرقم: أتعرفين، يا أم المؤمنين، زيد بن أرقم؟ قالت أم محبة: إني بعت منه عبدًا إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم اشتريته منه بستمائة درهم.
فقالت لها عائشة رضي الله عنها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب.
فقالت لها أم محبة: أرأيت إن تركت له مائتي درهم وأخذت منه ستمائة؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ 1 " 2. وهذا كالنص منها، رضي الله عنها، على منع هذه المسألة وما في معناها مما أجازه الشافعي.
وقد استدل أصحابنا عليه بهذا الحديث، وذكروا أن إبطال الجهاد مع عظم شأنه في الشرع وإحباط الأعمال لا يؤخذ قياسًا ولا يؤخذ إلا توقيفًا من صاحب الشرع، فلولا أن عائشة، رضي الله عنها، سمعت هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَا أوردته، إذ لا يمكن هذا بالقياس، ولا يليق بها، رضي الله عنها، أن تقطع في الشرع بأمر مغيب من غير وحي.
فإن قالوا: ذكر في هذا الخبر أن البيع وقع إلى العطاء، والعطاء أجل مجهول، والبيع إلى أجل مجهول لا يجوز.
قيل: بل هو في حكم المعلوم، على أحد القولين، وما كان في حكم المعلوم من الآجال جاز أن يكون ميقاتًا لدفع الثمن.
مع أنها قالت: بئس ما شريت.
وظاهر هذا أنها ذمت بيعها الأول إلى العطاء وشراءها بعد ذلك بثمن هو أقل مما باعت، ولا جهالة في الثمن الثاني فيمنع منه، وإنما يمنع على طريقتنا وهي حماية الذريعة لئلا يتطرق بالحلال إلى الحرام.
ومعلوم أن زيد بن أرقم لا يليق به التعمد إلى التحايُل على الحرام، ولا يظن به ذلك، لفضله وجلالة قدره في الصحابة، رضي الله عنهم.
ولكن إذا كان علة المنع حماية الذريعة وجب أن يمنع من لا يتهم لئلا يكون ترك منعه داعية إلى أن يقع فيها من يتهم.
وهذا أيضًا يمنع ما قدمناه في الاحتجاج لمذهب الشافعي من كون الشرع ورد بأن بعض الظن إثم؛ لأن هذا ليس من جهة تلك الظنون المنهي عنها، وإنما هو احتياط في الدين، وتحفظ على المسلمين

من أن يقعوا في حرام، وذَبٌّ عن قواعد الشرع، ومثل هذا لا يستنكر ورود الشرع 1.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد تقرر، فيما تقدم من كتاب البيوع، ما يحل ويحرم، من ذلك تحريم السلف الذي يجر المنفعة، إلى غير ذلك من منع الدين بالدين وما في معناه.
فأنت إذا سئلت عن شيء من مسائل هذا الكتاب، وكان المبيع ثوبًا مثلًا أو غيره، فاجعل الثوب ملغى كأنه لم يقع فيه عقد أوّلًا ولا آخرًا، ولا تبدل فيه الملك، واعتبرْ ما خرج من اليد خروجًا مستقرًا انتقل الملك به، وما عاد إليها، وقابلْ أحدهما بالآخر، فإن وجدت في ذلك وجهًا محرمًا في الشرع لو 2 أقر 3 بأنهما عقدا عليه لفسخت عقدهما.
فإنك تمنع من هذا البيع لأجل ما قدمناه من وجوب حماية الذريعة وإن لم تجد ذلك أجزت البياعات.
هذه النكتة المعتبرة في هذا الباب.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: لا تخلو هذه البياعات من أن تكون البيعة الأولى نقدًا والثانية نقدًا، أو تكون الأولى والثانية مؤجلتين، أو تكون الأولى مؤجلة والثانية نقدًا، أو تكون الأولى نقدًا والثانية مؤجلة.
فإن كانا جميعًا نقدين، أولى وثانية، فإن ذلك مما لا تقدّر فيه التهم والتحيل على ما لا يجوز.
إلاّ أن يكون المتبايعان من أهل العينة.
فإنهما تتطرق إليهما التهمة لاعتيادهما في هذا التحيل على ما لا يجوز.
وكذلك إن كان أحدهما من أهل العينة والآخر ليس من أهلها فإن التهمة تتطرق إلى هذا العقد لأجل كون أحدهما ممن يتهم.
فأما كونهما جميعًا يتهمان فما وقع في المذهب في منع أهل العينة فصحيح، على أصل المذهب.

وأما كون أحدهما من أهل العينة والآخر ليس من أهلها ففيه نظر، إذا كان الذي ليس من أهل العينة من ظهور الورع والدين بحيث لا يواطيء الآخر على فعل ما لا يحل.
ولعل الذي وقع في المذهب في هذا المرادُ به من يشكل أمره ويلتبس حاله فتتسلط عليه التهمة من قبل الآخر.
وأما إن كانتا مؤجلتين جميعًا، فإن ذلك يتهم فيه سائر الناس لأن بياعات النقود يقل فيها الاضطرار إلى التحيل على ما لا يحل، وبياعات الآجال يكثر ذلك فيها لشدة الحاجة إلى شراء المبيع نسيئة لعدم الأثمان عند مشتريه.
وكذلك إن كانت البيعة الأولى لأجل والثانية نقدًا فإن التهمة تتطرق فيها، وتحمى الذريعة عمومًا لما قدمناه... وأما إن كانت الأولى نقدًا والثانية إلى أجل فإن في ذلك اختلافًا في المذهب: فمن حمى الذريعة فيه عمومًا جعل الحكم للبيعة الثانية لحاجة الناس إلى الشراء نسيئة وشدة الضرورة إلى ذلك تسهّل التحيل على فعل الحرام.
ومن لا يتهم الناس عمومًا جعل للثانية المؤجلة حكم الأولى التي هي بيعة نقد.
وقدمنا أن البيعتين إذا كانتا نقدًا فلا يتهم فيهما إلا أهل العينة.
فصل يشتمل على خمسمة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما مثال الزيادة في السلف المعتبرة ها هنا؟ 2 - وما مثال ما هو [في] 1 حكم الزيادة؟ 3 - وما حكم التهمة على الصرف المستأخر؟ 4 - وما حكم التهمة فيما يقتضي التفاضل؟ 5 - وما حكم الممنوع من هذا إذا وقع؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: إذا باع رجل من رجل ثوبا أو عبدًا، أو غيرهما مما يعرف بعينه، بثمن من العين إلى أجل، ثم أراد أن يشتريه بائعه ممن اشتراه منه بثمن من جنس الثمن الذي باع فإنه لا يخلو أن يشتريه بمقدار ما

باعه به أو بأكثر أو بأقل.
ثم هذه الثلاثة أقسام لا تخلو من أن يكون الشراء بها نقدًا أو إلى أجل.
وإذا كان إلى أجل فلا يخلو الأجل من ثلاثة أقسام أيضًا.
1 - أن يكون الأجل الثاني أقرب من الأجل الأول، 2 - أو يكون الأجل مثله، 3 - أو أكثر منه.
فصار جملة الأقسام على التفصيل في العدد اثني عشر قسمًا.
وهي: كون البائع للثوب يشتريه نقدًا بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول فيشتريه أيضًا بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، أو إلى الأجل نفسه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر أو إلى أبعد من الأجل بمثل الثمن أيضًا أَو أقل أو أكثر.
فجميع هذه الأقسام لا يمنع منها شيء إلا ثلاثة أقسام، وهي: 1 - أن يشتريها بأقل من الثمن نقدًا، 2 - أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول، 3 - أو يشتريها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل على غير جهة المقاصة بالثمنين.
وإذا علمت ما قدمناه من النكتة التي تدور عليها مسائل هذا الكتاب وهي اعتبار العوض الذي أخذه عما دفع من الثمن أو لأجل يجوز أن يقابل أحدهما الآخر أم لا.
فإذا تدبرت هذا علمت جواز هذه الأقسام كلها إلا ما استثنيناه.
وذلك أنه إذا باع ثوبًا بمائة درهم نقدًا فالثوب إذا باعه ثم استرده بشراء قُدّر كأنه لم يخرج عن ملكه ولا زال من يده وصار كالمشترط رجوعه إليه حين باعه فتحصل المعاوضة عن دراهم بدراهم، فإذا اشتراه بائعه بمائة درهم نقدًا فإنه إنما يأخذ عند حلول الأجل الذي أجلاه في العقد الأول مائة درهم، ومن أسلف مائة درهم على أن يأخذ مثلها إلى شهر فذلك جائز.
وكذلك لو اشتراه بمائتين لأن من أسلف مائتي درهم وأخذ بعد شهر مائة فقد تضاعف إحسانه للتأخير بالخسارة والنقص فيما أعطاه وأسلفه.
وإذا اشتراه بخمسين نقدًا فإنه إذا أخذ عند الأجل مائة درهم على حسب ما تعاقدا عليه أوّلًا صار مسلفًا لخمسين درهمًا على أن يأخذ بها مائة درهم، وهذا سلف بزيادة.
وهذا التصوير الذي صورناه يغنيك عن إعادته في القسم الآخر، وهو أن يشتريه بثمن إلى نصف شهر؛ لأنه إذا دخل نصف الشهر وطلب البائع الأصل بما اشترى به الثوب الذي

كان باعه فإذا دفع الثمن الذي عقد به لما حل عليه في نصف الشهر صار ما يأخذه عند تمام الشهر عوضًا عنه فيعتبر فيه ما قدمناه.
وكذلك إذا اشتراه بائعه إلى أجل مثل الأجل الأول فإنه جائز سواء كان ثمن البيع الثاني مثل ثمن الأول أو أكثر أو أقل لأجل أن أحدهما لا يدفع إلى الآخر ذهبًا ثم يأخذ بعد حين أكثر منه أو أقل.
وإنما الحكم إذا حل الأجل وتساوى الثمن أن يتقاصا مائة بمائة ويعطي أحدهما الآخر ما أبقته عند المقاصة إذا زاد أحد الثمنين على الآخر.
وكذلك إذا اشتراه إلى أجل أبعد من الأجل الأول فإنه إنما يمنع منه قسم واحد وهو أن يشتريه بأكثر من الثمن الأول لأن المشتري أوّلًا يعود إذا حل الأجل ووزن الثمن سلفًا لما دفع من الثمن فإذا أخذ بعد أجل آخر أكثر منه صار سلفًا بزيادة كما بيناه، وإن كانا اشترطا المقاصة جاز هذا الذي منعناه لارتفاع العلة بالمقاصة، لأن المشتري لا يدفع عند الأجل الأول ثمنًا فيأخذ أكثر منه بعد ذلك، وإنما يحسب ما حل للبائع عليه فيما سيحل له على البائع ثم يأخذ بعد ذلك من البائع ما فضل عنده.
ولم يتعرض أحد في نصوص الروايات إلى تقدم الانتفاع بالثوب المبيع أو العبد المبيع ها هنا فيجعل الانتفاع عوضًا للسلف فيمنع من شراء هذا الثوب بمثل هذا الثمن إلى أبعد من الأجل، لما يتصور فيه من كون المشتري إذا حل الأجل ودفع مائة درهم ثم يأخذها بعد حين، فمن دفعها إليه أن يكون كالمسلف مائة درهم يأخذها بعد أجل، ويقدر الانتفاع بالثوب من لباس أو غيره عوضًا من سلفه هذه المائة، إلى غير ذلك مما يتصور فيه مثل هذا في بعض الأقسام التي ذكرناها.
وقد قال بعض الأشياخ: إن القياس يقتضي منع هذا وما في معناه لما يتصور فيه من سلف جر منفعة.
وسنبسط هذا في الفصل الذي نتكلم فيه فيما تقرر فيه معنى الزيادة إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد تقرر أن محض الزيادة المحسوسة في السلف ممنوعة.
وقد يعرض إشك الذي مسائل: هل فيها معنى الزيادة في

السلف أم لا، مثل أن يبيع رجل سلعة بعشرة دنانير إلى شهر ثم يشتريها ممن اشتراها منه بخمسة دنانير نقدًا، وخمسة دنانير إلى شهرين، فإن هذا البائع الأول قد خرج من يده الثوب، ثم رجع إليه ودفع خمسة دنانير، فإذا حلّ الشهر أخذ من المشتري عشرة دنانير بخمسة منها قضاء عن الخمسة التي أسلفها البائع لما ارتجع ثوبه، وخمسة منها يكون المشتري مسلفًا لها يأخذها منه بعد شهر آخر.
فتصور من هذا أن الثوب لما بيع ثم ارتجع صار لغ وَا مطرحًا وصار البائع دفع خمسة سلفًا للمشتري يأخذها منه إذا حل الشهر، ويأخذ منه خمسة أخرى تكون سلفًا عنده أيضًا إلى شهر عوض السلف الذي أسلفه إياه المشتري.
فكأنه إنما أسلف البائع خمسة دنانير إلى شهر على أن يسلفه المشتري خمسة دنانير أخرى أيضًا إلى شهر، فقد تساوى مقدار السلف ولم تكن فيه زيادة توجب المنع، لكن منفعة كل واحد من المتسلفين قد نال مثلها من صاحبه الذي أسلفه أيضًا، فإذا استوت المنفعة لم يتصور كون أحد المتسلفين أسلف لينتفع، فلم يمنع ذلك عند ابن القاسم، وكرهه ابن الماجشون واثقًا أن يكون معنى الزيادة حصل ها هنا، لأن كل واحد منهما ما أسلف إلا لعِوَض وغَرَضٍ له في السلف يعود بمنفعة، ولولا ذلك ما أسلف، والسلف بشرط أن سلف المسلفة 1 مثل ما أسلف، ظاهر هذا الشرط يقتضي أن السلف إنما وقع لمنفعة السلف، وسلف يجر منفعة ممنوع.
وكذلك لو اشترى البائع هذه السلعة بأربعة دنانير نقدًا وستة دنانير إلى أجل شهرين أو اشتراها بستة نقدًا وأربعة دنانير إلى شهرين فإن ذلك جار على القولين، لأن الأجل إذا حل دفع المشتري عشرة دنانير يكون بعضها، وهي الستة أو الأربعة، قضاء عما أخذ من البائع وبقيتها سلفًا منه للبائع.
لكن لو اختلف العدد ها هنا فاشتراها البائع بأربعة نقدًا وخمسة إلى شهرين أو بخمسة نقدًا وأربعة إلى شهرين لمنع ذلك على المذهبين جميعًا؛ لأن الزيادة ها هنا موجودة لما اختلف العدد، فإذا حل الأجل ودفع المشتري العشرة دنانير التي اشتراها كانت خمسة منها قضاء عن الأربعة التي أسلفه البائع، فالزيادة في السلف متصورة على ما بيّناه.

ومما ينخرط في هذا السلك أن يكون الثمن الأول بعضه مؤجلًا وبعضه منتقدًا، مثل أن يبيع رجل سلعة بخمسة دنانير نقدًا وخمسة إلى أجل، ثم اشتراها البائع بثمن هو مقدار الثمن الأول ولكن البائع ينقده كله، مثل أن يشتري هذه السلعة التي باعها بخمسة نقدًا وخمسة إلى شهر بثمن جملته عشرة دنانير فأكثر ينقدها، أو خمسة دنانير فأقل ينقدها أيضًا، أو ستة دنانير فأكثر إلى تسعة دنانير، فإن شراءه إياها بعشرة دنانير جائز لا تتصور فيه منفعة وزيادة محسوسة أو مقدرة لأنه دفع عشرة دنانير أو أكثر منها بخمسة منها قضاء عن الخمسة التي نقده المشتري وخمسة فأكثر نقدها ليأخذها إلى أجل، فهو قد خسر التأجيل خاصة أو التأجيل والزيادة، ولا يمنع من سلف جر خسرانًا.
وإن اشتراها بخمسة دنانير فأقل فإنه لا يتصور في هذا تهمة، لأن المشتري نقد أولًا خمسة دنانير فرجعت إليه أو رجع إليه أقل منها فلم يمنع من ذلك.
وإن اشتراها البائع بستة دنانير فأكثر إلى تسعة فلن يمنع 1، لأنه يقدر فيه أن الخمسة التي قبضها البائع ردها على مشتريها وزاده دينارًا أو دينارين أو ثلاثة أو أربعة نقدًا في خمسة دنانير يأخذها منه إلى أجل، فلا يجوز هذا لأنه زيادة في السلف.
ولو اشتراها بستة دنانير نقدًا وخمسة إلى أجل، فإن ما علق بالأجل من جهة البائع والمشتري لا فساد فيه، لكن إنما تتصور التهمة بقصد الفساد فيما وقع فيه الانتقاد إلا في أهل العينة خاصة فيقدر أنه أسلف خمسة لترجع إليه ستة من غير تأجيل، وإذا لم يكن المتعاقدان من أهل العينة لم يتهما في هذا.
ومما يشكل أيضًا فيه قصد المنفعة في السلف، واختلف فيه قول مالك، فيمن اشترى دابة بثمن إلى أجل فأصابها عَوَر، أو ما في معناه من العيوب، هل لبائعها أن يشتريها بأقل من الثمن الذي باعها وينقد الثمن؟ فأجاز ذلك في أحد قوليه لأجل أنه إذا باعها بمائة إلى شهر، وهي سالمة من العيوب، ثم اشتراها بخمسين نقدًا، وقد أصابها هزال، فإن الحطيطة ها هنا مصروفة في الظاهر إلى أنها لأجل العيب الذي حدث لا إلى القصد إلى الزيادة في السلف، وبخلاف أن

يشتريها بخمسين نقدًا، وهي سالمة، فإنه تقوى التهمة أن الحطيطة قصد الزيادة في السلف، وتضعف التهمة إذا حدث بها العيب لوجود سبب تصرف هذه الحطيطة إليه.
ولم يجز ذلك مالك أيضًا في إحدى الروايتين عنه مبالغة منه في حماية الذريعة لئلا يقال فيما فيه تهمة قوية: هذا تبعد فيه التهمة.
ولهذا اختلف القول أيضًا عندنا فيمن أسلف في فاكهة لها إبّان انقطعت، فتراضيا على الإقالة فيما بقي منها، فقيل: هذا جائز لأجل ظهور سبب غير مكتسب وهو انقطاع الثمرة، وقيل لا يجوز مبالغة في الاحتياط ولإمكان أن يكونا عقدا على ما يعلمان أن بائع الثمرة لا يوفي به وأنه سيرد بعض الثمن ويأخذه سلفًا عنده.
ومن هذا المعنى أيضًا تعدي البائع على سلعة باعها بثمن إلى أجل فلزمته القيمة بتعديه عليها، والقيمة أقل من الثمن الذي باعها به.
فقيل: للمشتري أن يغرمه القيمة ويدفع الثمن الذي عليه إذا حل الأجل وإن كان الثمن أكثر من القيمة، ولا يتهمان ها هنا على القصد إلى سلف بزيادة لما كان هذا الثمن الذي هو أقل من الثمن لأجل إنما وجب للمشتري في ذمة البائع بسبب لا طواعية فيه للمشتري ولا اختيار، وإنما أخذ ما هو أقل ودفع بعد حين ما هو أكثر بحكم الشرع والاضطرار، فبعدت التهمة إلى قصد سلف بزيادة لما لم يشترط المتبايعان في السبب الذي أوجب أخذ هذا المقدار القليل من الثمن، وقيل: إذا أخذ القيمة وهي الأقل لا يعطي عند الأجل إلا مثلها، ويسقط عنه من الثمن الذي عليه ما زاد على مقدار ما أخذ من القيمة مبالغة في الاحتياط وحماية للذريعة، فيمنع من دفع أكثر مما أخذ لئلا يقعا في سلف بزيادة.
ولم يلتفت من قال بهذا المذهب إلى ضرر البائع وإسقاط بعض الثمن المؤجل الذي عقد البيع عليه ولأجله سمح بالتأجيل، ورأى أن التعدي لما كان من جهته، وقد تعلق بهذا حق البارئ سبحانه وهو منع الزيادة في السلف، وحق له وهو استيفاء الثمن الذي إنما باع نسيئة لأجل ما استوفى من الثمن، وجب أن يسقط حقه ويحمل عليه احتياطًا لحق الله تعالى، مع كون التهمة تبعد إذا أتلف السلعة تلفًا لم يأخذ فيه عوضًا.
لكنه لو أتلفها ببيع لكانت التهمة تتطرق إليه وإلى المشتري

منه، لكن المذهب على قولين في تعدي البائع على سلعة بإفاتتها ببيع أو غيره.
ومما قد يشكل ها هنا مما هو في معنى الانتفاع لأجل السلف ما قدمنا الإشارة إليه من كون أهل المذهب لم يقدّروا في هذا انتفاع المشتري بالسلعة منفعة تكون عوضًا، لما يتصور في هذه المسألة من التهمة على السلف، مثل أن يشتري البائع ثوبًا أو عبدًا بثمن إلى أجل بمثل الثمن المؤجل نقدًا أو إلى أجل أبعد من الأجل، فإنهم أجازوا ذلك مع كون المشتري انتفع بالعبد أو الثوب على أن يسلف صاحب العبد أو الثوب مائة دينار إذا حل الأجل يأخذها منه بعد حين، ولم يقدروا أن هذا سلفًا من المشتري أسلفه البائعَ عوض ما انتفع بسلعته، لكون الانتفاع إنما يقدر مجرد تهمة في أهل العينة خاصة.
وقد أشار ابن المواز إلى هذا فقال: إن الانتفاع قبل العقد الثاني لا يتهم فيه إلا أهل العينة، لكنه ذكر الانتفاع مطلقًا دون تقييد بانتفاع المثمون.
وقد قال بعض المتأخرين: إن القياس يقتضي منع شراء هذه السلعة بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل لما صوَّرته فيها من تقدير سلف جر منفعة.
وأشار إلى أن أبا الفرج حكى عن عبد الملك منع شراء هذه السلعة بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل.
ولم أقف لأبي الفرج في الحاوي لما ذكر هذه المسائل في باب العينة، على هذا.
وإنما ذكر أبو الفرج عن عبد الملك أنه يمنع أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها وسلعة أخرى بذلك الثمن أو بأكثر منه إلى أبعد من ذلك الأجل.
وذكر سلعة أخرى تشترى مع تلك السلعة تخرج المسألة إلى معنى آخر غير ما نحن فيه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد قدمنا أن المعتبر في مسائل هذا الكتاب قوة التهمة على التحيل على ما لا يحل، وقد علم أن الصرف المستأخر محرم.
فإذا باع منه ثوبًا بمائة درهم إلى أجل، ثم اشتراه البائع بدنانير نقدًا، فإن الثوب لما بيع ثم رد بعد البيع صار كالمطّرح الملغى، وصار محصول أمرهما على ما قدمناه مرارًا: أن بائع الثوب الأول قد رجع إليه ثوبه وأخرج دنانير نقدًا ليأخذ عوضها دراهم إلى أجل، وهما لو صرحا بأنهما إنما تعاقدا على ذلك لم يجز، فكذلك إذا لم يصرحا ولكنهما اتهما أن يكونا أرادا ذلك، فإنهما يمنعان

منه.
لكن لا يخلو أن تكون الدنانير المنقودة أكثر من قيمة الدراهم المؤجلة بأمر بيّن للتفاوت، مثل أن يشتري الثوب بمائة دينار وقد باعه بمائة درهم، فإن هذا يتضح فيه ضعف التهمة؛ لأن دافع الدنانير يخسر خسارة بينة، وينضاف إلى ذلك التأجيل فيما يخسر فيه خسارة بينة بمثل هذا، غير أن ابن القاسم [أجاز] 1، إذا علم من ناحية القيمة التي تصورناها أو ما في معناها مما هو دونها مما يرفع التهمة: أن دافع الدنانير لا يمكن أن يكون قصد المتاجرة في الصرف المستأخر.
ومنع ذلك أشهب مبالغة في الاحتياط، ولأنه قد يكون لدافع الدنانير في هذا أغراض خفية قصد بها المتاجرة والمكايسة في الصرف المستأخر، كحماية الحماية.
وكما تجعل للحرام حماية يحيى بها جانبه فيجب أن يبالغ في هذه الحماية وتحمى أيضًا حتى لا يسري الأمر إلى هتك حرمة الحرام، فيقول قائل: هذا لا تهمة فيه، ويقول آخر: هذا فيه التهمة.
ويتخرج على قول آخر ستراه في السؤال الذي هو جواز هذا وإن 2 كانت الدنانير مثل قيمة الدراهم وتحققنا أن الدافع الدنانيرَ لم يربح بل خسر الصبر والتأجيل.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد علم أن المبادلة سكة بسكة منها ما يجوز ومنها ما يمنع، على ما تقدم بيان ذلك في كتاب الصرف لما تكلمنا على أحكام أخذ السكك بعضها عن بعض وأحكام المراطلة، فإذا باع منه ثوبًا بمائة دينار إلى أجل، وكانت الدنانير بسكة، ثم أراد أن يشتري هذا الثوب ممن باعه منه بدنانير هي مثل مقدار الدنانير الأولى لكنها من سكة أخرى، فإنه قد اختلف في هذا عندنا: فقال في المدونة، فيمن باع ثوبًا بمائة درهم محمدية إلى أجل ثم اشتراه بمائة درهم يزيدية إلى الأجل بعينه: إن ذلك لا يجوز.
واختلفت طريقة الأشياخ في علة المنع، هل هي كون الذمتين مشغولتين بسكتين مختلفتين فيمنع ذلك؛ لأنه باع ذهبًا نسيئة بذهب مخالف له نسيئة، والتبايع بذهبين مختلفين نسيئة لا يحل.
فعلى طريقة هؤلاء يمنع ذلك ولو كانت السكة التي

اشترى بها البائع الأول هي خيرًا من السكة التي باع ثوبه بها لما تصوّر في ذلك من بيع بذهب آخر مخالف له إلى أجل.
فيمنع هؤلاء المسألة سواء كان بيع هذا الثوب بمحمدية إلى أجل ثم اشتراه بيزيدية إلى أجل، وإن كانت اليزيدية أدنى من ناحية السكة وإن تساوت في المقدار وفي الوزن مع المحمدية لما قدمناه من التعليل.
وسلك بعض الأشياخ طريقة أخرى في التعليل لما في المدونة فقال: إنما منع ذلك لأن اليزيدية دون المحمدية، وقد قدمنا أن من باع ثوبًا بدراهم ثم اشتراه بأقل من تلك الدراهم أنه يمنع لأجل ما في ذلك من التحيل على الربح في السلف.
فهؤلاء يجيزون أن يبيع هذا الثوب بمائة درهم يزيدية إلى شهر ثم يشتريه بمائة محمدية إلى شهر لأنه إنما اشترى البائع الأول بثمن هو أكثر مما باع، وقد قدمنا أن هذين المتبايعين يتهمان على قصد التحيل على الربح في السلف لا على الخسارة فيه.
وقد وقع لابن القاسم وعبد الملك في هذا الأصل اعتبار نفي التهمة بأن لا يتصور في المسألة ربح في السلف فأجازا أن يبيع بسكة إلى أجل ثم يشتري السلعة بسكّة ينقدها هي مثل السكّة التي باع بها أو أعلى منها؛ لأنه إذا باع بأعلى منها خسر فضل زيادة السكّة التي دفع والتأجيل.
وإذا كانت السكّة التي اشترى بها مثل الأولى، فلا ربح له وإن ساوتها في القيمة.
وإذا لم يتصوّر الرّبح فلا وجه للمنع.
ولو كانت السكة التي يشتري بها البائع الأوّل لها فضل على تلك بزيادة عدد، لكن لتلك التي باع بها فضيلة تساوي فضيلة ما اشترى به، فإنّ ذلك يجوز لارتفاع التهمة.
واعلم أنّ مدار هذه المسئلة والتي قبلها على النّظر في الباب حماية لهذه الحماية التي بني عليها مسائل هذا الكتاب.
فمن رأى أنّ الأصل تحليل كلّ بيع لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 1، فإذا ضعفت التهمة أو أشكلت أُبقيتْ المسئلة على هذا الأصل الشرعي، قال بالجواز في مثل هذه المعاني.

ومن بالغ في الاحتياط وجعل للحماية حماية بني هذا الأصل على محاذرته.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد تقرّر ما يمنع من بياعات الآجال إذا وقعت بالعين، ثمّ اشترى البائع ما باعه بأقلّ أو أكثر على ما اقتضاه التفصيل الذي قدّمناه.
فإن وقع هذا الممنوع، فإنّه يجب فيه الفسخ، وهاهنا بيعتان واحدة بعد أخرى.
فأمّا البيعة الأخيرة، فإنّها تفسخ إذا كانت السلعة قائمة لم تفت من غير خلاف منصوص في المذهب.
لكن بعض أشياخي أشار إلى أن ابن عبدوس لا يوجب الفسخ وردّ السلعة من يد مشتريها الأخير الذي كان هو البائع الأول.
والذي كان ينقله غيره عن هذا المذهب الّذي حكاه ابن عبدوس عن غيره أنّه إنّما منع من ردّ السلعة من يد قابضها وهو المشتري الأخير بشرط أن تفوت.
وأمّا إذا فاتت السلعة في يد مشتريها الأخير الّذي هو البائع الأوّل فإنّ المعروف من المذهب فسخ البيعة الثّانية، إلاّ ابن مسلمة فإنّه أمضاها على ما هي عليه، ورأى أن الفسخ احتياطًا 1 مخافة أن يكونا أبطنا فسادًا خلاف ما أظهراه من الصحّة.
والتّهمة في هذا لا تجري مجرى اليقين.
وقد ذهب إلى جواز البياعات الّتي منعناها.
فحسن عند ابن مسلمة الفسخ إذا كانت السلعة قائمة بعينها احتياطًا.
فإذا فاتت مضت هذه البيعة مراعاة للخلاف في أصل جوازها ولما يقتضيه الفسخ من غرامة قيمة، فيلحق الضّرر لأجل غرامة هذه القيمة.
وأمّا البيعة الأولى، فالمعروف من المذهب فسخها أيضًا مع الثانية إذا فاتت السلعة، وقد قال ابن الماجشون: تفسخ البيعتان سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة.
وقال ابن القاسم: تفسخ البيعة الثّانية خاصة إلاّ أن تفوت السلعة فتفسخ البيعتان.
وذكر ابن أبي زمنين في هذا تفصيلًا فاعتبر القيمة الواجبة على البائع الأوّل الّذي قبض السلعة في البيعة الثّانية، فإن كانت قيمتها الواجبة عليه أقلّ من الثّمن المؤصّل، فسخت البيعتان جميعًا، لأنّا إنّما منعنا هذه البياعات

لما تضمّنته من التّهمة على سلف بزيادة.
فإذا كان هذا المشتري الأخير وهو البائع الأول تلزمه قيمة السلعة، وهي خمسة دراهم، وقد باعها بعشرة دراهم إلى أجل عدنا إلى الوقوع فيما منه هربنا، وألزمناه أن يدفع الآن خمسة دراهم ينقدها وهي قيمة السلعة الّتي فاتت عنده ويأخذ من صاحبه عشرة دراهم إلى أجل، وهذه صورة السلف بزيادة.
فإذا كان الفسخ يختص بالبيعة الثّانية وهو يتضمّن دفع قليل في كثير، على حسب ما صوّرناه، وجب أن يُعدل عن هذا إلى فسخ البيعتين جميعًا.
فإذا كانت القيمة الواجبة على قابض السلعة، وهو المشتري الأخير، عشرين درهمًا، وجب أن يختص الفسخ بالبيعة الثانية فترد السلعة من يد هذا الّذي قبضها آخرًا.
فإذا لم يقدر على ردّها لفواتها ووجب ردّ قيمتها وكانت قيمتها عشرين درهمًا، غرمنا قابضها الّذي هو المشتري الآخر عشرين درهمًا عوض عينها، ويحاسبه المشتري الأوّل من هذه العشرين درهمًا بالخمسة دراهم الّتي قبض منه ثمن السلعة الّتي ردّها إليه.
فتلخص من هذا أنّ المذهب مع قيام السلعة لم يختلف في فسخ البيعة الأخيرة إلاّ على طريقة ما حكيناه عن بعض أشياخنا.
ومع الفوات تفسخ البيعة الأخيرة إلاَّ على مذهب ابن مسلمة.
وأمّا الأولى فثلاثة أقوال: 1 - الفسخ على الإطلاق، 2 - والإمضاء على الإطلاق، 3 - والتّفصيل الّذي حكيناه.
فإن تضمّن اختصاص الفسخ بالبيعة الثانية دفْعَ قليل في كثير سرى الفسخ إلى الأول، وإن لم يتضمّن ذلك اختصّ الفسخ بالثّانية، على ما حكيناه عن ابن أبي زمنين.
وأضافه ابن أبي زمنين إلى ابن القاسم.
وطريقة أصحاب هذا التفصيل: أنّ القيمة إذا تضمّنت دفع قليل في كثير قضي بهذه القيمة، لكن لا يأخذ غارمها من المشتري الأوّل عند حلول الأجل أكثر من القيمة الّتي غرم، ويسقط الزّائد على المشتري الأوّل.
لأنّا إن 1 لم

نسقط عنه، عادت المسئلة إلى الأصل الممنوع، وهو دفع قليل في كثير.
وهذا إن تحقّق فيه صورة الفسخ الثّانية لأجل أنّا غرمنا قابض السلعة قيمتها، فإن إبطال ما زاد على القيمة عن المشتري إذا حلّ الأجل، يقتضي أيضًا فسخ العقد الأوّل.
لكن أصحاب هذه الطّريقة رأوا أنّ السلعة لمّا قبضها المشتري الآخر الّذي هو البائع الأوّل وجب في مقتضى القياس أن لا تنزع من يده، لأنهما إن لم يبطنا فسادًا، فالبيعة الأولى والثّانية صحيحتان، ولا معنى لفسخ العقد الصحيح.
وإن أبطنا فسادًا وقصدا دفع قليل في كثير، فلا بيع بينهما، فيجب أن تبقى السلعة في يد بائعها الأوّل كأنّه لم يبعها.
ولهذا مال بعض أشياخي إلى اختيار إبقائها 1 في يده مع قيام السلعة، فإذا فاتت وكانت القيمة الّتي تلزمه أقلّ مِمّا باع به وأغرمناه إيّاها، صار ما زاد عليها من الثّمن المؤجّل إذا أسقطناه ذهبت علة الفساد وارتفع ما صوّرناه من التّهمة، فكان إصلاح العقد بإذهاب هذه الزّيادة خاصة، ويبقى العقد على ما هو عليه أولى من التعرّض إلى فسخ العقدين.
لكنّا إذا سلكنا هذا المسلك، فأغرمنا البائع قيمة السلعة وهي خمسة دراهم، ولم تعد عليه هذه الخمسة دراهم إلاّ بعد أجل، صار مظلومًا بإسقاط حقّه بالزّيادة، فقدّم هؤلاء حقّ الله تعالى في إصلاح هذا العقد بإسقاط الزّيادة على حقّ المشتري الآخر في إسقاط ما استحقّه من زيادة بحكم الثّمن.
وتكاد هذه المسئلة تلاحظ بياعات الشّروط.
وفيها الخلاف المشهور: هل يصحّ البيع بإسقاط الشرط، وإن كان فيه حقّ لمشترطه تقدمة لحقّ الله سبحانه على حقّ هذا المشترط أو يفسد العقد كلّه، إذ لا يتبعّض العقد الواحد؟ وهكذا يعتلّ من خص الفسخ بالبيعة الثانية بأنّها هي الّتي أدخلت الفساد وأوقعت التّهمة، فإذا فسخناها خاصة ارتفعت الشّبهة من العقد الأوّل.
أو يقال: إنّ المنع مبنيّ على أنهما قصدا دفع قليل عن كثير، ولا يتصوّر ها هنا إلاّ بارتباط أحد العقدين بالآخر، وإذا ارتبط أحدهما بالآخر، صارا في معنى العقد الواحد، والعقد الواحد لا يتبعّض، بل يفسخ جميعه.
فهذه النّكتة الّتي يدور عليها هذا الخلاف

مطلقًا ومفصّلًا.
وقد نقلنا عن المذهب فسخ البيعتين جميعًا نقلًا مطلقًا.
وقيد النّقل في بعض الرّوايات أنّ الفسخ تسلط على البيعتين جميعًا إلاّ أن يظهر أنهما لم يقصدا العينة، مثل أن يجدها في السوق تباع فيشتريها، فإنّ الفسخ يختصّ بالبيعة الأخيرة.
وهذا لا يستقرّ على القاعدة التي قدّمناها، لأن التّهمة إذا تحقّق ارتفاعها اقتضى الحال إمضاء البيعتين جميعًا، وإذا لم يتحقّق، فسخت الثّانية، لأنّ بفسخها ترتفع التّهمة، أو تفسخ البيعتان جميعًا لما بينهما من الارتباط كما قدّمناه.
لكن من قيّد هذه الرّواية بما قدّمناه، رأى فسخ البيعتين.
فإذا تبيّن ارتفاع التهمة، حسن الاحتياط بقصر الفسخ على الثّانية خاصّة.
وإذا لم يتبيّن، فسخ البيعتان جميعًا لأنّهما في معنى العقد الواحد.
فإذا تقرّر حكم الفسخ مع الفوت فما المفيت ها هنا؟ أمّا ذهاب عينها أو تغيّرها في نفسها، فإنّه يفيتها من غير خلاف على حسب ما يأتي بيانه في تغيّر الأعيان.
وأمّا بقاء عينها على حالتها لكن أسواقها اختلفت، فقد اضطرب المذهب فيه.
فقيل: إنّه فوت.
وقيل: ليس بفوت.
وحكى ابن عبدوس أنّ رجلًا سأل سحنونًا عن فوت هذه السلعة، فقال له: لا تفيتها حوالة الأسواق، بل تغيّرُها أو ذهابُ عينها.
فإذا تغيّرت في نفسها حتّى وجبت القيمة، هل هي أقل من الثقن فتسقط الزّيادة الّتي زاد الثمن على هذه القيمة؟ أو هي أكثر فيغرم القيمة على الإطلاق على حسب ما قدّمناه من التفسير الّذي ذكرناه؟ فقال له السائل: هكذا سمعنا عن ابن كنانة.
قال ابن عبدوس: قال لنا سحنون: أُرْوُوها عن الشيخ ابن كنانة.
وسبب هذا الاضطراب الذي نقلناه عن المذهب: أنّا قرّرنا 1 أنّ هذه العقود زُورٌ وأنّ المِلك لم ينتقل، اقتضى هذا كون تغير الأسواق لا يفيتها.
وإن لم نقدّر أن هذه التّهمة تجري مجرى اليقين، وإنّما المنع حماية والفسخ مبالغة في الاحتياط لهذه الحماية، وجب أن تفيتها حوالة الأسواق.
وسنوضّح هذا الأصل عند كلامنا على الاختلاف في حوالة الأسواق في مثل هذه المعاني إن شاء الله تعالى.

وقد يجري أيضًا على هذا الأسلوب ما اضطرب فيه الأشياخ في هذه السلعة إذا باعها مالكها بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة دراهم إلى شهر، ثمّ أراد أن يعجّل هذه الخمسة دراهم، فإنّ من الأشياخ من أجاز ذلك لأنّ أصل العقد الأوّل والعقد الثاني وقع على الجواز لا تهمة تتطرّق إليه.
فإذا تطوّع مشتريها بخمسة دراهم إلى الأجل بأن ينقد هذه الخمسة دراهم، لم يمنع من ذلك لسلامة العقدين في الأصل من تطرّق التّهمة إليهما.
واستشهد هؤلاء بما نصّ عليه أهل المذهب من منع شراء سلعة غائبة أو سلعة على الخيار بشرط نقد الثّمن.
فإذا تعاقدا عليها من غير شرط تعجيل، فإنّ من عليه الثمن لا يمنع من أن يتطوّع بنقده لمّا لم 1 يكن مشترطًا في أصل العقد.
ومن الأشياخ من يمنع هذا ورأى أنّ الصورة الّتي منعنا من العقد عليها إذا أظهراه عاد إليها بعد العقد، وأن التّهمة تجري في هذا مجرى اليقين في كونهما قصدا إلى سلف بزيادة، وقد تصوّر هذا ها هنا فيما تطوّع به هذا المتطوّع بالتّعجيل، فوجب أن يمنع.
ومن لم يجر هذا مجرى اليقين وإنّما منعه احتياطًا، رأى أنّ البيع الأوّل ماض لو انفرد، باتّفاق، والبيع الثّاني هو سبب تطرّق التهمة، فحسن منعه.
والتطوّع بالنقد فعل ثالث، فلا يحسن أن تمتدّ التّهم إلى هذه الأفعال كلّها مع تعدّدها وتباين أوقاتها.
وقد كنّا قدّمنا الإشارة إلى اضطراب المذهب في حماية الحماية.
وهذه المسئلة ربّما خُرِّجَتْ عليه.

فصل في اعتبار التفاضل في غير العين

قال الشّيخ رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل سؤال واحد، ما حكم التفاضل ها هنا في العروض؟ فالجواب أن يقال: قد قدّمنا أحكام ما يمنع بالتّهمة على سلف بزيادة إذا كان الثّمن عينًا.
فأمّا إن كان ليس بعين وهو عروض، مثل أن يبيع منه سلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى أجل، ثمّ يشتريها بثياب من جنسها، فإنّ هذا يتصوّر فيه الاثنا عشر قسمًا الّتي صوّرناها في الثّمن إذا كان عينًا، وقد قدّمنا بيانها هناك وذكرنا أنّ الممنوع منها قسمان، وهما أن يبيع سلعة بدراهم إلى أجل ثمّ يشتريها بأقلّ من الثّمن إلى ما قبل الأجل 1، أو يشتريها بأكثر من الثّمن إلى أبعد من الأجل على ما مضى تفصيله وبيانه.
وها هنا يمنع هذان القسمان، ويختلف في قسمين آخرين يضافان إليهما.
فإذا باع هذه السلعة بعشرة ثياب مضمونة إلى شهر، ثمّ اشتراها بخمسة ثياب من جنسها نقدًا، فإنّ هذا يمنع لما يتصوّر فيه من سلف بزيادة، مثل ما يتصوّر في العين، ويتّهم على أن يكون قد 2 أسلف خمسة ثياب ليأخذ عشرة.
وكذلك إذا اشتراها بخمسة عشر ثوبًا إلى شهرين، فإنّه يتّهم أيضًا على أن يكون المشتري يدفع عند الأجل عشرة ليأخذ خمسة عشر.
وأمّا الوجهان الآخران، وهو أن يشتريها بخمسة عشر ثوبًا نقدًا أو بخمسة ثياب إلى شهرين، فإنّ هذا يتضمّن سلفًا بخسارة لا سلفًا بزيادة، ولا يتّهم أحد

على أن يسلف ليخسر، وإنّما يتّهم أن يسلف ليربح.
لكن تتطرّق التّهمة هنا من جهة أخرى وهي ضمان بعوض، فإذا باع السلعة بعشرة ثياب إلى شهر ثمّ اشتراها بخمسة عشر ثوبًا، فقد تطرّقت التّهمة إليهما في أن يكون أسلفه عشرة ثياب وأعطاه خمسة ثياب معها ليضمن له العشرة إلى أجل، وكذلك إذا اشتراها بأقلّ إلى أبعد من الأجل، يتصوّر أيضًا أَن يكون المشتري الأوّل لمّا حلّ الأجل دفع خمسة عشر ثوبًا ليأخذ بعد شهرين عشرة ثياب وتكون الخمسة عوض ضمان العشرة.
ولكن التحيّل على ضمان بِجُعْل لا تقوى التّهمة فيه كما تقوى التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة.
لكن قدّمنا في كتاب السلم، لمّا تكلّمنا على ربا النساء في العروض، اختلاف النّاس فيه، وما وقع في المذهب عندنا من اضطراب فيه، هل يمنع التفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة بجنسها لأجل أنّه ربا، والرّبا محرّم في نفسه، وإنّما منع حماية للذريعة لئلاّ يقصد من أسلم ثوبًا في ثوبين من جنسه إلى السلف بزيادة.
فمن سلك من أصحابنا طريقة من يرى أنّ التّفاضل في العروض إذا بيعت نسيئة ربا، كالرّبا في العين، منع هذين القسمين ولأجل ما يحصل فيهما من صورة التّفاضل وإجراءِ التّفاضل في الثّياب في بياعات الآجال مجرى العين.
ومن منع ذلك حماية للذّريعة لئلاّ يكونا قصدا إلى التحيّل على سلف بزيادة، فإنّ هذه الثّياب إذا بيع بعضها ببعض متفاضلًا تصوّر فيها صورة الرّبا.
وإذا كانت ثمنًا للسلعة ثمّ اشتريت تلك السلعة بثياب من جنسها، فإنّ التّفاضل بين الثّياب لم يكن متصوّرًا في عقد واحد، ولكن إنّما يتصوّر لوقوع عقد بعد عقد، وقد قدّمنا أنّ وقوع عقد بعد عقد يوجب كون العقد الثّاني مَطرَق التّهمة إلى العقد الأوّل، فمنع حماية للذّريعة.
فالدّنانير والدّراهم لا يتصوّر فيها ضمان بجُعل لبعد التّهمة فيها، فاتّفق المذهب على جواز أن يشتري ثوبًا باعه بعشرة دراهم إلى أجل بعشرين درهمًا نقدًا.
فيتصوّر في الثّياب القصد إلى ضمان بجعل، فهل يحسن أن تحمى الذّريعة في هذا الوجه؟ هذا مِمّا اضطرب فيه المتأخّرون لأنه كحماية مبنيّة على ضمان بجعل لحماية ملحقة بالحماية الأولى.
وقد اختلف المتأخّرون فيمن باع ثوبًا بقفيز قمح

إلى شهر، ثمّ اشتراه بقفيزين قمحًا نقدًا، هل يجوز في ذلك ما يجوز في العين باتّفاق لارتفاع التّهمة على التحيّل على سلف بزيادة؟ أم يمنع ذلك لما يتصوّر فيه من ضمان بجعل؟ وأشار بعضهم إلى تخريج هذا على اختلاف في الحماية، هل تكون لها حماية أخرى؟ أم لا يحسن ذلك لئلاّ يتسلسل الأمر ويكثر؟ وبالجملة فإنّ هذا عندي إنّما يعتبر فيه قوّة التّهمة وضعفها.
وأمّا السلف بزيادة فتقوى فيه التّهمة فيتّفق عندنا على المنع.
وأمّا الضّمان بجعل فتضعف فيه التّهمة، فيحسن فيه الخلاف.
فمن بالغ في الاحتياط منع من هذا، ومن لم يبالغ في هذا لم يمنع منه لضعف التّهمة فيه.
وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ شراء الثّوب المبيع بقفيز قمح إلى أجل بقفيزين نقدًا يجوز على أصل ابن القاسم.
كما أجاز لمن باع ثوبًا بأربعين درهمًا إلى أجل أن يشتريه بعشرين دينارًا نقدًا، وإن تصوّر في هذا التحيّل على الصرف المستأخر لأجل ارتفاع التّهمة لكثرة الخسارة في هذا المنقود من الطّعام.
ويمنع على أصل أشهب، كما منع شراء هذه الدّراهم بالذهب الّذي ذكرناه وإن ارتفعت التّهمة فيه.

فصل في حماية الذّريعة في البيع والسلف

قال الشّيخ رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن؟ 2 - وما حكم شرائه بمثل الثّمن فأكثر منه؟ 3 - وما حكم شراء المبيع ببعض الثّمن وزيادة عليه من غير جنسه؟ 4 - وما حكم شراء كلّ المبيع ببعض الثّمن وزيادة في الثّمن من جنس آخر؟ 5 - وما حكم شراء كلّ المبيع وزيادة عليه؟

فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا أنّ ظاهر بياعات الآجال الّتي منعها مالك وأجازها الشّافعي، الأصل فيها الجواز.
لكن مالكا رأى في البياعات أنواعًا إذا قارنت العقد أفسدته.
فكلّ عقد ظاهره السلامة من هذه المفسدات، ولكنّه اعتبر فيه إبطان هذه المفسدات وسترها، فإنّه يمنع، أو يمنع منها حماية للذّريعة ومخافة أن يكون المتعاقدان تحيّلا بها على المحرّم.
كما قدّمنا الاضطراب في تعليل المنع لما منعناه من بياعات الآجال.
وقد تقرّر أنّ الرّبا ممنوع والسلف الّذي يجرّ منفعة ممنوع، ومثّلنا ذلك بالمسائل المتقدّمة، وقد علم أنّ من المحرّمات البيع بشرط السلف.
وهذا الفصل يشتمل على مسائل هي كالمثال له فيما يحيى منه.
فذكر في المدوّنة إذا باع رجل من رجل عبدين بمائة دينار إلى شهر، ثمّ اشترى البائع أحدهما بخمسين دينارًا أو تسعة وتسعين دينارًا أو بدينار واحد على النقد لذلك، أنّ ذلك لا يجوز، لما يتصوّر فيه من التحيّل بما أظهراه من الفعل الجائز على بيع بشرط السلف.
وذلك أنّا قرّرنا أنّ الاعتبار في بياعات الآجال أنّ ما استقرَّ الملك عليه، وما بيع ثمّ ارتجع، فكأنّه

لم يبع.
فإذا علم هذا، واحد العبدين الّذي 1 بيع ثمّ ارتجع بالشّراء كأنّه لم يعقد عليه بيْع، بل هو باق على ملك بائعه الأوّل لم يخرج من يده، وإنّما خرج من يده العبد الباقي بيد المشتري الّذي لم يرتجعه بالشَّراء وخمسون دينارًا، ويأخذ عوض ذلك إذا حلّ الأجل مائة دينار.
فخمسون منها قضاء عن الخمسين الّتي خرجت من يد البائع، وخمسون منها ثمن العبد الباقي بيد المشتري الّذي لم يرتجع منه.
صار هذا محصول أمرهما.
فقد تصوّر فيه صورة البيع والسلف لأنّ العبد الباقي فرضنا أنّه مبيع بخمسين تؤخذ عند الأجل، وقارن ذلك خمسون دينارًا أسلفها البائع نقدًا، ثمّ تعود إليه إذا حلّ الأجل.
وهما لو صرّحا حين العقد، بأنّه يبيع منه عبدًا بخمسين دينارًا على أن يسلفه خمسين، لمنع ذلك باتّفاق.
فإذا ظنّ بهما أنّ هذا قصدهما، وإن لم يصرّحا به، جعل حكمه حكم ما صرّح به من البيع والسلف.
لكنّه أغلى فيما ذكره في المدوّنة في هذا التّمثيل لما قال: إنّه اشترى العبد بتسعة وتسعين نقدًا، أو اشتراه بدينار نقدًا، لأجل أنّ هذا التعليل في السلف أو الثّمن تبعد فيه التّهمة، ولا يشبه أن يبيع أحد العبدين بدينار ويسلفه تسعة وتسعين، فإنّ في هذا غبنًا ظاهرًا.
وكذلك لا يشبه أن يبيع العبد الّذي أبقاه في ملك المشتري بتسعة وتسعين على أن يسلف المشتري دينارًا واحدًا.
لكنّ هذا التّمثيل بهذه المبالغة يصحّ على أصل أشهب المانع من شراء ثوب باعه بأربعين درهمًا إلى أجل ثمّ اشتراه بعشرين دينارًا نقدًا.
وإن كانت التّهمة على الصّرف المستأخر في هذا بعيدة.
وابن القاسم أجاز هذا، فينبغي على أصله أن يجيز ما ذكرناه من التّمثيل الّذي بالغ فيه في مسئلة العبدين.
إلاَّ أن يرى أنّ البيع والسلف يتكرّر القصد إليه والتحيّل عليه بخلاف الصرف المستأخر.
فإذا تقرّر منع هذه المسئلة لما تصوّر فيها من صورة البيع والسلف، فإنّ المتعاقدين لو اعترفا أنّهما قصدا ما ظنناه بهما من البيع والسلف لجَرَى مجرى الحكم في هذه المسئلة على حكم من باع بشرط أن يسلف أو يسلف.
لكنّهما ها هنا إذا أنكرا قصدهما لما ظنّ بهما من التحيّل على ما لا يجوز، فإنّ

بعض أشياخي رأى أنّ هذه المسئلة تجري على ما تقدّم من أحكام بياعات الآجال الممنوعة من فسخ الأولى والثّانية على مذهب عبد الملك.
ويشير إلى إجراء الخلاف فيها على حسب ما قدّمناه من الكلام في فسخ ما منع من بياعات الآجال مع القيام والفوت.
وقد اختلف الأشياخ في فسخ العقد في البيع 1 الباقي الّذي لم يرتجعه بائعه.
واختلافهم في هذا جار على ما قدّمناه من طريقة بعض أشياخي في إجراء هذه المسئلة على حكم أخواتها الّتي تقدّم ذكرها، وذكر الخلاف فيها.
لكن إذا وقع البيع بشرط السلف تصريحًا، فإنّ المشهور من المذهب أنّ السلف إذا أسقطه مشترطه صحّ البيع.
فبعض الأشياخ تشير طريقته في هذه المسألة إلى أنّ هذه المسألة الّتي هي ارتجاع أحد العبدين تخالف مسألة اشتراط السلف في حين عقد البيع لأجل إنكار هذين المتعاقدين أن يكونا قصدا إليه.
فبمقتضى إنكارهما، أن يكونا قصدا ذلك، أن تكون القيمة في العبد الفائت مطلقًا بالغًا ما بلغت، ولكن يعتبر فيها أن تكون مثل الثّمن فأقلّ فإن كانت أكثر من الثّمن، رجع إلى الثّمن على حسب ما ذكرناه في المدوّنة فيمن اشترط في عقد البيع سلفًا.
ومنهم من يوافق على هذا, ولكن سلك في تعليله طريقة أخرى، فيقول: إنّما يعتبر كون القيمة أكثر من الثّمن أو أقلّ إذا كان الثّمن عنها نقدًا.
وأمّا إن كان دينًا أو عرضًا، فالقيمة يقضي بها على الإطلاق، والثّمن ها هنا دين.
وغير هؤلاء من الأشياخ يرى أنّ الواجب إذا فات هذا العبد أن يحطّ من الثّمن المؤجّل مقدار ما ينوبه منه، ولا يقضي فيه بالقيمة على الإطلاق منفردًا.
وهذا جنوح من هؤلاء إلى اعتبار الثّمن.
وقد كنّا قدّمنا الكلام على الواجب في هذا إذا فاتت السلعة، وذكرنا مذهب من فصل فاعتبر كون ما يغرم من القيمة المطلقة أقلّ مِمّا يأخذ عند الأجل أو أكثر.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمّا شراء أحد هذين العبدين بمثل الثّمن فأكثر نقدًا، فإنّه جائز, لأنّا قدّمنا أنّ المعتبر في بياعات الآجال ما خرج من يد البائع خروجًا لم يرتجعه وما يرجع إليه من العوض.
فوجدنا بيع العبدين

بمائة دينار إلى سنة، ثمّ اشترى أحدهما بمائة دينار نقدًا أو بمائتي دينار نقدًا لا منفعة له في هذا [حتّى] 1 يتهم على القصد إلى ما لا يجوز لأجلها بل يخسر في هذا.
وذلك أنّ العبد الّذي باعه ثمّ ارتجعه كأنَّه لم يبعه ولا خرج من يده، وإنّما استقرّ الأمر على أنّه خرج من يده العبد الباقي في ذمّة المشتري الّذي لم يرتجعه ومائة دينار أو أكثر منها نقدًا، ويأخذ إذا حلّ الأجل مائة دينار.
فإنّما يعود إليه عند الأجل من الدّنانير مثل ما خرج من يده أو أقلّ منه، ويزيد على ذلك عبدًا وهو الباقي في يد المشتري.
وهذا لا يتّهم فيه أحد.
لكن الشيخ أبو إسحاق التّونسي حاول تخريج خلاف في هذا، فقال: إنّ من باع ثوبًا بعشرة دراهم إلى شهر ثمّ اشتراه بثوب نقدأوعشرة دراهم، فإنّ هذا يمنعه عبد الملك, ويجيزه ابن القاسم، لأجل أنّه لا يرى فيه منفعة ولا ربحًا يتحيّل عليه, لأنّ الثّوب المبيع قد رجع إلى بائعه ودفع إلى المشتري ثوبًا آخر وعشرة دراهم يأخذها منه إذا حلّ الأجل، فقد اتّضح ها هنا خسارته لا ربحه.
لكن عبد الملك منع هذا وإن لم تكن فيه منفعة ظاهرة، وقدّر أنّ الثّوب الّذي ارتجعه إنّما ارتجعه من معاوضة ثانية وهي في دفع ثوب آخر، وهذه مبايعة قارنها سلف عشرة دراهم يأخذها إذا حلّ الأجل.
قال: ولا سيما إن كان الثّوب المدفوع آخرًا أدنى من الثّوب الأوّل.
وأشار بقوله: لا سيما إذا كان أدنى، إلى اتّضاح التّهمة ها هنا.
وهذا الّذي أشار إليه قد يكون انفصالًا عمّا لزمه الشيخ أبو إسحاق أن يقول به في المسئلة الّتي ذكرناها, لأنّ ها هنا مبايعة ثانية وهي عرض بعرض، والأعراض تختلف فيها الأغراض، ولا سيما مع اختلاف القيم، فصحّ ها هنا انصراف الغرض إلى التحيّل على البيع والسلف، ومسئلتنا المتقدّمة إنّما ارتجع أحد العبدين بدنانير من جنس الثّمن الّذي له في الذّمّة، والأغراض ها هنا [لا] 2 تتصوّر كما تصوّر في شراء هذا الثّوب بثوب آخر غيره.
وابن القاسم قدّر أنّ هذا رجع كأنّه لم يخرج من يده لا بعوض ولا بغير عوض، وإنّما صار محصول أمرهما أنّ البائع

خرج من يده ثوب وعشرة دراهم، ويأخذ إذا حلّ الأجل عشرة دراهم.
وابن القاسم قد قدّمنا أنّ من أصله أن يجيز بياعات الآجال إذا اتّضح ارتفاع التّهمة.
وأشهب يمنعها وإن ارتفعت التّهمة.
وعبد الملك يجيزها حتّى يتّضح تصوّر التّهمة فيها، على ما قدّمناه عنه في مسئلة المبادلة سكّة بسكّة في بياعات الآجال.
وقد ألزم بعض الأشياخ عبد الملك أن يمنع ما اتّفق المذهب على جوازه, لأنّه اعتلّ في منع شراء الثّوب الّذي باعه بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشتراه بثوب وعشرة دراهم نقدًا، فإنّ ذلك يتصوّر فيه البيع والسلف على ما قدّمناه.
فقال بعض الأشياخ: يلزمه على هذا أن يمنع من شراء هذا الثّوب الّذي باعه بعشرة إلى أجل بعشرة دراهم نقدًا أو بعشرين درهمًا نقدًا, لأنّه يتصوّر أيضًا فيه أن تكون العشرة دراهم الّتي نقدها سلفًا يأخذها إذا حلّ الأجل، والثّوب الّذي ارتجع بعد أن باعه منفعة حصل عليها لأجل هذا السلف.
وكذلك لو اشتراه بعشرين نقدًا فإنّه يتصوّر فيه البيع والسلف، فتكون عشرة من العشرين سلفًا، والعشرة الباقية من العشرين ثمن الثّوب الّذي اشتراه.
ولم يختلف المذهب في أنّ هذا غير ممنوع لأنّه إنّما منع ما ذكرناه من بياعات الآجال لأجل التّهمة الّتي تتطرّق إلى المتعاقدين من التحيّل على فعل ما لا يجوز في البياعات.
ولا يتّهم أحد أن يسلف عشرين ليأخذ عشرة إلى أجل، ولا في أن يسلف عشرين فيأخذ عشرة إلى أجل 1. وإنّما لم يختلف في جواز هذا لأجل ارتفاع التّهمة فيه.
وقد تقرّر أنّ العشرة المؤجّلة استقرّت في ذمّة مشتري الثّوب ثمنًا له، فكيف يتصوّر أنّها ثمن للثّوب وإنّما يدفعها عند الأجل بحكم كونها ثمن الثّوب الّذي باعه آخرًا وقد اشتراه أوّلًا؟ ويتصوّر مع هذا أنّه إنّما يدفعها عند الأجل قضاء عن السلف الّذي انتقد 2. فتكون العشرة المؤجّلة إذا دفعت عند الأجل تدفع على أنّها ثمن الثّوب، وعلى أنّها ليست بثمن وإنّما هي قضاء

للسلف، وهذا من التناقض الّذي [لا] 1 يصحّ تصوّره.
هذا حكم الشراء بعد البيع بمثل الثّمن أو أقلّ منه أو أكثر نقدًا.
وأمّا لو اشترى إلى الأجل نفسه لكان ذلك مقاصة ولا يتصوّر فيه وجه من وجوه حماية الذّريعة.
وأمّا إن اشتراه إلى أبعد من الأجل، فإنّ هذا يمنع منه سواء اشتراه بمثل الثّمن أو أقلّ أو أكثر, لأنّه يتصوّر فيه ما قدّمناه من شراء البائع له بالنّقد من بيع وسلف.
لكن الّذي قدّمناه يتصوّر السلف فيه من جهة البائع الأوّل.
وإذا اشترى أحد الثّوبين بثمن إلى أبعد من الأجل، كان المسلف ها هنا المشتري الأوّل.
فيكون عند الأجل قد دفع عشرة أو تسعة أو أحد عشر يردّها إليه البائع إذا حلَّ أجل الثّاني.
وقد كان أعطاه ثوبًا وهو الباقي عنده فيتصوّر فيه السلف بزيادة والبيع والسلف على حسب ما تقدّم بمثله قبل هذا.

والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: ذكر في المدوّنة فيمن باع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثمّ اشترى أحد الثّوبين بخمسة دراهم وثوب نقدًا، أنّ ذلك لا يجوز, لأنه بيع وسلف، وفضّة وعرض معجّلة وفضّة مؤجّلة.
وهذا الّذي ذكره في المدوّنة هو جار على الأسلوب في المسئلة الّتي تقدّمت وتقدّم ذكر ما تنبني عليه هي وأخواتها من الاعتبار بما خرج من يد البائع، وأنّ ما خرج من يده ثمّ عاد إليه ملغى مطرح.
فهذا لمّا خرج من يده الثّوب الّذي ارتجعه ثمّ عاد إليه ألغي حكمه.
وتصوّر في هذه المعاملة أنّه باع الثّوب الباقي في يد المشتري والثّوب الّذي دفعه مع الخمسة دراهم المنقودة بعشرة دراهم إلى أجل، فإذا حلّ الشهر دفع المشتري خمسة دراهم منها عوض الثّوبين الحاصلين في يديه من قبل البائع، وهما الباقي في يد المشتري الّذي لم يرتجع والثّوب الآخر الّذي جعلاه عوضًا عن الثّوب المرتجع والخمسة الدّراهم الباقية قضاء عن الخمسة الّتي أسلفها إيّاه لما دفعها مع الثّوب.

وإن شئت صوّرت المسئلة بصورة أخرى، فقدّرت أنّه باع ثوبًا وخمسة دراهم معه بالثّوب الّذي ارتجعه بعد أن باعه بالعشرة دراهم المؤجّلة، فيكون هذا تحيّلًا على بيع عرض ودراهم مؤجّلة.
والتّصويران جميعًا لو ثبت القصد إليهما أو إلى أحدهما لاتّضح المنع.
فكذلك إذا اتّهما على القصد إليهما.
وقد تقدّم بيان الخلاف في هذه البياعات الّتي منعت لحماية الذّرائع، هل يتسلّط الفسخ على المعاملة في الأولى والثّانية أو على الثّانية خاصة؟ وعلى حسب ما تقدّم بيانه في قيام السلعة أو فواتها.
كما تقدّم بيان الوجه الّذي يفيتها لما تقدّم بيان تصوّر البيع والسلف في مسئلة أحد العبدين، وكون القيمة تعتبر فيه كما تعتبر في البيع والسلف، أو يقضى فيه بالقيمة مطلقًا كالبياعات الفاسدة الّتي لم تفسد من ناحية البيع والسلف.
وقد قال بعض الأشياخ: إنّ هذه الثلاثة أثواب يختص كلّ واحد منها بحكم غير حكم صاحبه.
أمّا 1 أحد الثَّوبين الّذي بقي بيد المشتري لم يرتجع منه، فإنّ البيع فيه نافذ.
وأمّا الثّوبان الآخران اللّذان هما الثّوب المرتجع والثّوب المدفوع عوضًا عنه، فإنّهما يفسخ البيع فيهما.
لكن هذان الثّوبان وإن تسلّط الفسخ عليهما جميعًا، فإن حكمهما في الفوت وفي القيمة مختلف.
فأمّا الثّوب المرتجع، فإنّه لا تفيته حوالة الأسواق على ما قدّمناه من مذهب ابن كنانة وسحنون، وإنّما يفيته التغيُّر الشديد، ويقضى فيه بالقيمة مطلقًا.
وأمّا الثّوب الثّالث الّذي هو عوض الثّوب المرتجع، فإنّه تفيته حوالة الأسواق كما تفيت البياعات الفاسدة الّتي فسادها من غير جهة السلف.
وكذلك يعتبر في القيمة 2 ما يعتبر في البيع المشترط فيه السلف.
وقد قدّمنا نحن ذكر القيمة في مثل هذا وما قاله بعض أشياخي فيه.
وأنت إذا عرضت هذا على ما تقدّم علمت منه تخريج هذا الّذي قيل في هذه الثّلاث ثياب، هل يفسخ البيع في الثّلاث ثياب مع كونها لم تفت؟ أو يصح البيع في الثّوب الباقي بناء على فسخ البيعتين جميعًا مع القيام؟ أو باختصاص الفسخ بالبيعة الثّانية لتصحّ الأولى

وترتفع الشبهة الّتي أدخلت الفساد؟ وفسخ هذين الثّوبين يصحّح البيع في الثّوب الباقي الّذي على هذه الطّريقة.
وكذلك إذا فاتت الثّياب، فقد تقدّم ذكر المذاهب فيها، فتخرّج هذه على ما تقدّم.
لكن هذا الّذي وقع ها هنا من تفصيل هذا القائل وتفرقته في الحكم بين الثّوب المرتجع والثّوب المدفوع عوضًا عنه، إنّما وقعت المعاملة الثّانية فيهما بعقد واحد، فلا ينفرد أحدهما بحكم عن صاحبه.
وكلّ واحد منهما عقَد على شرط السلف.
وإذا بيع ثوب بثوب بشرط السلف، فالفساد من ناحية الشّرط يتصوّر في الثّوبين على وجه واحد.
وإذن اختلف الحكم باختلاف محلّ السلف، هل هو من البائع أو من المشتري على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكرنا فيما تقدّم ما قاله بعض الأشياخ في مناقضة عبد الملك من إحالة كون الشّيء الواحد يحكم له بحكم عقدين مختلفين، لما بيّناه أنّه لا يمكن أن يكون الثّمن قضاء عن السلف وثمنًا للثّوب.
فكذلك الأمر فيما نحن فيه إذا كان الثّوب المرتجع عوضًا عن الثّوب الّذي دفع آخرًا لم يتصوّر افتراق حكم الثّوبين.
وينبغي أن يلتفت إلى مقتضى حكم التّعليلين المذكورين في المدوّنة في هذه المسئلة من كون المنع لما يتصوّر من بيع وسلف، وما يتصوّر من بيع عرض وفضّة بفضة مؤجّلة، فإنّ الاقتصار على التّعليل ببيع عرض وفضّة بفضّة مؤجّلة يقتضي إيجاب القيمة مع الفوت مطلقة.
والتّعليل بالبيع والسلف يجري على ما ذكر من الخلاف فيه إذا وقع السلف مشترطًا في أصل البيع عند من يذهب إلى أنّ المظنون ها هنا الممنوع لحماية الذّريعة يجري مجرى المشترط من السلف.

والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: إذا باع الرّجل ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر، ثمّ اشتراه منه بخمسة دنانير وثوب من نوعه أو من غير نوعه، فإنّ ذلك ممنوع لما يتصوّر فيه من البيع والسلف على حسب ما صوّرناه مرارًا.
وذلك أنّ الثّوب الّذي بيع ثم ارتجع ملغى مطرح كأنّه لم يبع، وحصل من الأمر أنّ البائع يُخرج من يده الآن خمسة دنانير وثوبًا يأخذ عوضًا عن ذلك عشرة دنانير إذا حلّ الأجل.
فخمسة من هذه الّتي أخذها لمّا حلّ الأجل قضاء عن الخمسة الّتي

كانت مع الثّوب، والثّوب الّذي مع الخمسة مبيع بالخمسة الباقية من العشرة.
فهذا لو اشترط لمنع لكونه بيعًا وسلفًا، فكذلك إذا اتّهما على القصد إليه.
فإذا وقع هذا فإن كان الثّوبان لم يفوتا فإنّ البيعتين فيهما تفسخ على قول عبد الملك، فيردّ الثّوب والخمسة المقارنة له إلى يد دافعها، ويبقى في يده الثّوب الّذي باعه أوّلًا، وتسقط العشرة دنانير كلّها لأنّها ثمن الثّوب المبيع أوّلًا وهو قد رجع إلى يد بائعه.
وعلى مذهب ابن القاسم يردّ الثّوب والخمسة المقارنة له إلى دافعها ويردّ الثّوب المبيع أوّلًا إلى يد مشتريه لتصحّ البيعة الأولى.
فإن وقع الفوت، فإنّ الثّوب المقارن للخمسة دنانير يقضى بقيمته مطلقًا لكون العقد فيه فاسدًا.
وهو وإن تصوّر في العقد عليه البيع والسلف، فقد قدّمنا العذر عن هذا بأنّ المتعاقدين منكران أن يكونا قصدا البيع والسلف، فقضي في القيمة عليهما بمقتضى إنكارهما ومقتضى كون القيمة مطلقة.
وأمّا الثّوب الآخر فإنّه إذا فات أيضًا وجب فسخ البيعتين جميعًا كما قدّمناه عن عبد الملك وابن القاسم.
وإذا وجب الفسخ للبيعتين جميعًا، فإنّ الثّوب المقارن للخمسة قد أوجبنا ردّ قيمته.
وقيمته إذا ردّت، فكأنّ عينه ردّت.
والثوّب المبيع أوّلًا إذا فات وقد ارتجعه بائعه، فقد فات في يده بعد أن صار إليه قبل أن يفوت.
وإذا فات في يديه كانت مصيبته منه، وانفسخ البيع فيه وهو في يده، فينحطّ عن المشتري ثمنه الّذي عقد به البيع فيه؛ لما قدّمناه في شراء البائع أحد الثّوبين اللّذين باعهما بثمن إلى أجل ثمّ اشتراهما بثوب وخمسة دراهم, لأنّ الثّوب الباقي في يد المشتري الّذي لم يرتجع من يديه، يمضي البيع فيه بحصّة من العشرة الّتي بيع بها هو وصاحبه، ويبقى ما زاد على ما يختص به ثمنًا للثّوب الّذي باعه ثمّ ارتجعه وفات في يديه ووجب فسخ العقد فيه، فيسقط عن مشتريه الأوّل، لكنّه فات في يد من باعه منه بيعًا فاسدًا.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا باع منه ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر ثمّ اشتراه وثوبًا آخر معه بدنانير، فإنّه لا يخلو أن تكون هذه الدّنانير الّتي اشترى بها هذين الثّوبين، الأول والثّاني، مثلَ الثّمن الأول أو أقلّ أو أكثر.
ثمّ

لا تخلو هذه الأقسام من أن تكون وقع العقد بها إلى ما قبل الأجل الأوّل أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد من الأجل.
فإن كان العقد بها إلى قبل الأجل الأوّل، فإنّه يمنع جميعها.
لكن طريقة المنع تختلف.
فإن كان هذا العقد الثّاني مثل الثّمن الأوّل، فأقلّ منه، فإنّ علّة المنع ما تصوّر في هذا من سلف بزيادة.
فإن كان الشّراء بعشرة وكذا كان البيع الأوّل، فإنّ الثّوب المبيع أوّلًا المرتجع آخرًا كأنّه لم يبع.
وإنّما استقر الملك للمشتري على الثّوب الثّاني لما أعطاه عشرة نقدًا يأخذها بعد شهر.
فيكون ذلك منه سلفًا والمنفعة في هذا السلف الثّوب الّذي أخذه لمّا أسلف العشرة المنقودة.
وكذلك إذا اشتراهما بخمسة، فإنّه أسلف خمسة ليأخذ إذا حلّ الأجل عشرة، فتكون المنفعة في السلف الثّوب والخمسة الّتي يأخذها عند الأجل.
فإذا اشتراه بخمسة عشر، كان الزّائد على العشرة ثمنًا للثّوب الّذي أخذه آخرًا والعشرة المقارنة له سلف منه يأخذها إذا حلّ الأجل.
وأمّا إن كان هذا العقد الثّاني بثمن يحلّ عند حلول الأجل الأوّل، فإنّ ذلك جائز سواء كان بمثل الثّمن أو أكثر أو أقل لأنّ المقاصّة تجب لاتّحاد الأجلين، فلا يكون أحدهما دفع لصاحبه ما يكون سلفًا عنده.
وأمّا إن كان هذا العقد الثّاني بثمن إلى أبعد من الأجل، فإنّه يمنع إذا كان بأكثر من الثّمن، ويجوز إذا كان بمثل الثّمن أو أقلّ منه لأنّ المشتري الأوّل يعود ها هنا هو المسلف لمّا كان هو الّذي يخرج ذهبه أوّلًا لمّا حل الأجل.
فإذا أخرج عشرة لمّا حلّ الأجل وأخذ بعد شهر آخر عشرة، وقد كان دفع ثوبًا فيما قبل، صار السلف وخسر الثّوب الّذي كان دفعه.
وإن اشترى بأقلّ من عشرة، فقد خسر أيضًا الثّوب وما انتقص من العشرة.
وإن كان اشتراه بأكثر من عشرة، فإنّه يكون سلفًا بزيادة لكونه يدفع عند الأجل عشرة ويأخذ بعد شهر آخر خمسة عشر، وقد كان أخذ قبل ذلك ثوبًا، وهذا سلف بزيادة فوجب أن يمنع.

فصل آخر

هذا الفصل يشتمل على بيان ما يحيى من الذّريعة في بياعات الآجال إذا تصوّر فيها التّعامل على دين بدين.
وذلك مثل أن يبيع رجل من رجل ثوبًا بعشرة دنانير إلى شهر، ثمّ يشتري منه ذلك الثّوب بسلعة مضمونة عليه إلى شهر أو أكثر منه.
فإنّ هذا يمنع لأنّه يتصوّر فيه الدّين بالدّين.
وذلك أنّ الثّوب الّذي باعه ثمّ ارتجعه، قد قدّمنا مرارًا أنّه يعدّ أنه ملغى كأنّه لم يقع فيه بيع.
وإذا عددناه كذلك، فقد حصل من أمرهما أنّ ذمّة المشتري عمرت بعشرة دنانير إلى أجل وعوّضها السلعة المضمونة إلى أجل الآخر.
فيكون ذلك سَلَمًا شرط فيه تأخير رأس المال إلى أجل بعيد.
وذلك أنّ السلعة المضمونة في الذّمّة إلى أجل مثل آجال السلم صار ثمنها العشرة دنانير المؤجّلة شهرًا.
فمنع ذلك لكونه ديْنًا بديْن.
ولو كان الثّوب لمّا بيع بالعشرة دنانير كان أجلها يومين أو ثلاثة، جاز شراء الثّوب المبيع أوّلًا بسلعة مضمونة إلى أجل, لأنّ ثمنها وهو العشرة دنانير إنّما يتأخّرون به يومين أو ثلاثة، وتأخير رأس مال السلم هذا المقدار غير ممنوع كما قدّمناه في كتاب السلم.
لكن لو اشترى هذا الثّوب الّذي باعه أوّلًا بعشرة دنانير إلى أجل بثوبين أو ثلاثة من جنسه مضمونة إلى أجل، فإنّ هذا ممّا تردّد فيه الشيخ أبو إسحاق، هل يجوز إذا كان أجل الدّنانير يحلّ بعد يومين أو ثلاثة لكون الثّياب المضمونة صارت سلفًا تأخّر رأس ماله وهو العشرة دنانير اليومين والثّلاثة، أو يمنع ذلك أخذا في هذا العقد بظاهر مقتضى العقد الثّاني، ومقتضاه أنّه اشترى ثوبًا بثوبين من جنسه إلى أجل، وسلَم ثوبٍ في ثوبين من جنسه لا يجوز بمقتضى بياعات الآجال.
وكون الثّوب المبيع المرتجع كأنّه لم يبع يقتضي الجواز بشرط أن يكون رأس المال لا يتأخّر أجلًا بعيدًا.
أو يعرض في هذه

المسئلة عن حكم بياعات الآجال لمَّا تصوّر في السلعة الثّانية صورة توجب حماية الذّريعة الممنوع منها وهي سَلَمُ الشيء في مثله.
وقد قدّمنا الكلام على ما يضارع هذا الّذي نحن فيه لمّا ذكرنا حكم من باع سلعة بثياب مضمونة في الذّمّة إلى أجل، ثمّ اشترى تلك السلعة بثياب من جنسها بعدها.
وذكرنا تفصيل القول في ذلك وبناء المسئلة على ما وقع من الاضطراب في علّة منع سلم الشّيء في مثله.
وبيّنا ذلك هناك بيانًا شافيًا يغني عن إعادته ها هنا.

فصل يشتمل على شراء أمثال المبيع في بياعات الآجال

قد وضح ما ذكرناه من أحكام ارتجاع المبيع بعينه في بياعات الآجال إذا خيف منه أن يوقع في أحد المحرّمات الّتي عددناها وذكرنا ما يتعلّق بها من الفروع.
فإن اشترى البائع غير الّذي باع، فلا يخلو أن يكون الّذي اشتراه جنسًا آخر غير الّذي باعه أو يكون مشبِهًا له.
فإن كان جنسًا آخر فلا خفاء أنّه لا تحمى فيه الذّريعة، ولا يتعلّق البيع الثّاني بالأوّل لاختلاف الأغراض في الجنسين المتباينين.
وإن كان مشبِهًا بالبيع 1 الأوّل، فلا يخلو أن يكون ممّا لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، كالمكيل والموزون، أو يعرف بعينه مثل أن يبيع رجل من آخر مائة قفيز قمحًا، ثمّ يشتري بعد ذلك منه قمحًا آخر، فإنّه يتصوّر في ذلك صور كثيرة بحسب ما قدّمناه في مسئلة أوّل هذا الكتاب.
فيتصوّر أن يشتري منه هذا القمح بمثل الثّمن الّذي باع منه القمح الأوّل أو بأكثر من الثّمن أو بأقلّ منه.
ويمكن في هذه الثّلاثة أقسام أيضًا أن يكون هذا الشراء بثمن يؤخّر إلى ما قبل الأجل أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد من الأجل.
فإن وقع البيع على هذه الأقسام الّتي أشرنا إلى تعدادها على الجملة، فإنّ جميع ذلك جائز سوى وجهين، أحدهما أن يكون القمح المشترى الآخر أكثر من قيل القمح المبيع أوّلًا.
فإن كان أكثر في المكيلة فإنّه يمنع على الإطلاق سواء كان الثّمن مساويًا للأوّل أو أكثر منه أو أقلّ.
فإنّه إذا كان مساويًا للثّمن الأول حصل من أمرهما أنّ البائع خرج من يده مائة قفيز قمحًا ورجع إليه أكثر منها، فكأنّه أسلف قمحًا

ليأخذ أكثر منه.
وإن كان الثّمن أكثر من الأوّل، تصوّر فيه البيع والسلف.
لأنّه خرج من يده مائة قفيز قمحًا وارتجع مائة قفيز وخمسين ودفع خمسين دينارًا وهي ثمن الخمسين قفيزًا الزّائدة على المائة الّتي كان باعها.
وإن كان الثّمن أقلّ من الثّمن الأوّل يتصوّر فيه الزيادة في السلف من ناحيتين من ناحية زيادة قيل الثّاني على الأوّل وأنّه يدفع خمسين دينارًا نقدًا ويأخذ مائة عند حلول الأجل.
ولو كان شراء القمح الثّاني بثمن إلى أبعد من الأجل لأجريت في هذا ما صوّرناه.
لكن يكون المسلف ها هنا دافع الدنانير لمّا حلّ الأجل، فينظر ما يعود إليه عند الأجل الثّاني، هل تتصوّر فيه زيادة فيكون سلفًا بزيادة فيمنع، أم لا؟ وهذا اقتصرنا فيه على التّنبيه لأنّ ما تقدّم من المسائل الكثيرة الّتي مثّلنا بها تلك الأنواع المتقدّمة توضح وجوه العلل المختلفة في هذا الباب.
وكذلك يمنع أن يشتري القمح الثّاني بأقلّ من الثّمن الأوّل على الإطلاق، لأنّ الثّمن الأوّل إذا أنقد عند المعاملة الثّانية ثمّ أخذ أكثر منه عند الأجل الأوّل، صار مسلفًا دنانير ليأخذ أكثر منها.
ويجري أيضًا في التمثيل لو كان ثمن الثّاني إلى أبعد من الأجل على ما قدّمناه.
لكن من 1 اعتبر دفع قليل ليؤخذ عنه ما هو أكثر منه.
فتلخّص من هذا أنّ جملة ما يمنع وجهان: 1 - أن يكون القمح الثّاني أكثر من القمح الأوّل، 2 - أو يكون ثمن الثّاني أقلّ من الثّمن الأوّل.
هذا مع اختلاف الأجلين حتّى تحصل التّهمة في دفع قمح سلفًا ليؤخذ أكثر منه، أو دنانير سلفًا ليؤخذ أكثر منها.
وأمّا لو كان البيع الثّاني إلى الأجل الأول حتّى يتقاصّا بالأثمان ولا يدفع أحدهما لصاحبه شيئًا، لم نراع اختلاف مقدار الثّمنين, لأنّه إذا لم يدفع أحدهما إلى الآخر شيئًا لم تتصوّر التّهمة على سلف قليل ليأخذ كثيرًا.
وإذا اتّفق الأجل لم يراع اختلاف الثّمن إلاَّ فيما صوّرناه في زيادة المكيلة وكون الزّيادة سلفًا.
وقد تصوّر من هذا أنّ الشّراء بمثل المكيلة فأقلّ بمثل الثّمن فأكثر، لا تهمة فيه على ما اقتضاه التّفصيل والتّعليل المتقدّم في اعتبار ما ينقد في المعاملة الثّانية أو لا ينقد.
وكذلك نعلم من هذا التّصوير

والتّعليل المتقدّم ذكرهما منع شراء قمح أو أقلّ من القمح الأوّل بثمن هو أقلّ من الثّمن الأوّل, لأنّ البائع إذا باع مائة قفيز بمائة دينار إلى أجل ثمّ اشترى ثمانين قفيزًا بثمانين دينارًا، فإنّ العشرين الزّائدة على الثّمانين قفيزًا مبيعة بالعشرين دينارًا الّتي يأخذها البائع الأوّل إذا حلّ الأجل.
وقد أسلف ثمانين دينارًا ليأخذها عند الأجل، وتقدّر أيضًا الثّمانون قفيزًا قمحًا كسلف ارتجعه.
وأنت إذا اتّبعت ما أصّلناه أوّلًا مع اعتبار ما خرج من يده وما يعود إليها، وقابلت أحدهما بالآخر، علمت فروع هذا الفصل كلّها لكن وقع اضطراب في قسم واحد يتعلّق بهذا الفصل، وهو أن يشتري القمح الثّاني بمثل الثّمن الأوّل، ولكن القمح الثَّاني أقلّ في المكيلة، فإنّ هذا وقع فيه الاضطراب بين المتأخّرين فيما يضاف إلى المذهب في هذه المسئلة.
فأشار بعضهم إلى أنّ ظاهر كتاب بيوع الآجال من المدوّنة يقتضي المنع منه.
وذلك أنّه ذكر في المدوّنة في هذا السؤال أنّه لا بأس أن يشتري بمثل الثّمن فأكثر إذا كان مثل المكيلة الّتي باع أوّلًا.
وتقييد هذا الجواب يقتضي دليل الخطاب أنّه إذا باع بمثل الثّمن ما هو أقلّ من المكيلة، فإنّه لا يجوز لاشتراطه أن يكون القمح الثّاني مثل المكيلة، ودافع عن هذا كثير من الأشياخ ورأوا أنّه لم يرد بهذا التّقييد إثبات دليل لهذا الخطاب.
فقيل لهم: إن دافعتم عن هذا كون هذا الخطاب لم يرد به أنّ المسكوت عنه بخلاف المنطوق به، فإنّ في المدوّنة في كتاب السلم منع من باع طعامًا أن يقتضي من ثمنه مكيلة هي أقلّ من المكيلة الّتي باع أوّلًا، مثل أن يبيع مائة قفيز قمحًا بمائة دينار إلى شهر، فإذا حلّ الأجل أخذ عوض الثّمن خمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز المبيعة أوّلًا.
وبيع القمح بالقمح متفاضلًا نسيئة لا يجوز.
وقد تصوّر هذا في هذه المسئلة، فانفصلوا عن هذا بأنّ من اقتضى من ثمن طعام باعه طعامًا، فإنّه يجري مجرى الإقالة.
وقد أخلى الذْمّة من الثّمن بهذه المعاملة الثّانية وسقط بها الثّمن الأوّل.
فلمّا سقط من الذّمّة وجرى ذلك مجرى الإقالة الّتي هي حلّ العقد، صار ثمن المائة قفيز المبيعة أوّلًا خمسين قفيزأوهي الّتي أخذت أخيرًا.
والمسئلة الّتي نحن في بيانها لم تُحَلَّ البيعة

الأولى، وشراء البائع الأوّل خمسين قفيزًا من الّذي اشترى منه القمح الأوّل لا يسقط الثّمن الأوّل عن ذمّته، ولا يحل العقدَ الأوّل بل تبقى ذمّة المشتري عامرة متبوعة بالمائة دينار الّتي تعاقدا عليها أوّلًا.
ولا يصحّ كون الخمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز ها هنا مع كون ثمن المائة قفيز باقية في الذّمّة لم يسقط عنها، فيكون لها ثمنان: المائة دينار والخمسون قفيزًا، والّذي اقتضى الخمسين قفيزًا من ثمن الطّعام الأوّل قد أسقط الثّمن الأوّل، فصحّ تقدير كون هذه الخمسين قفيزًا ثمنًا للمائة قفيز الّتي بيعت أوّلًا.
فإذا وضح حكم بيع الإنسان طعامًا ثمّ يشتري مِمّن اشتراه منه طعامًا يمكن أن يكون هذا الطّعامَ بعينه، فلنتكلّم على ما يعلم أنّه ليس هو عين المبيع الأوّل، مثل أن يبيع منه ثيابًا ويشتري منه أمثالها، فإنّ في هذا قولين أجازه في المدوّنة ومنعه سحنون وابن الموّاز.
وكأن هذه المسئلة واسطة بين طرفين أحدهما أن يشتري جنسًا آخر غير المبيع الأوّل ممّا تَبَاعدُ فيه الأغراض، فإنّ هذا واضح كون البيعة الثّانية لا تعلّق لها بالبيعة الأولى، لاتّضاح اختلاف الأغراض وتباين المقاصد، فتحمل البيعة الثّانية على أنّ سببها اختلاف الغرض ما بين البيعة الأولى والثّانية لا على التحيّل على ما لا يحلّ من أمثال ما قدّمناه، فلا يمنع.
وإذا كان المبيع ثانيًا هو بعينه المبيع الأوّل، أو شكّ هل هو الأوّل أو غيره؟ منع ذلك رجاء عذر ارتجاع نفس المبيع مع تقارب الأغراض، فحسنت ها هنا حماية الذريعة، وكون السبب في المعاملة الثّانية التحيّل على ما لا يجوز.
فهذان طريقان واضحان على أصل المذهب.
فإذا باع ثيابًا ثمّ اشترى مثلها، فإنّه يعلم أنّ البيع الثّاني ليس هو الأوّل فيجري مجرى شراء جنس آخر، فيجوز.
ومن حيث كون المنافع والأغراض متقاربة يحسن أن يجري هذا الثّاني مجرى ارتجاع الأوّل بعينه.
فلأجل هذا وقع الخلاف في هذا.
وقد علّل في المدوّنة بأن الثيّاب من استهلكها يغرم قيمتها.
ومن استهلك الطّعام غرم مثله، ليشير إلى ما قدّمناه من أنّ غرامة القيمة تشعر يكون الشّيء بعينه كأنّه جنس آخر،

فلهذا لم يقض بمثله.
وقد ناقض ابن الموّاز ابن القاسم في مذهبه في الثّياب بأن قال: إنّه يمنع من أسلم ثيابًا في حيوان أن يقبل 1 المسلم إليه على ثياب أكثر منها عددًا.
ويرى ذلك سلفًا بزيادة، فأجراه ها هنا مجرى العين والطّعام على التّهمة على سلف بزيادة فينبغي أن يجري مجرى الطّعام أيضًا في منع شراء أكثر من الثّياب.
وانفصل عن هذا الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد بأنّ هذا المقيل من هذا السلم لما أقال منه انحل العقد بالإقالة وبطل ما في الذّمّة مِمّا هو ثمن الثياب، فإذا بطل ما في الذّمّة حصل من الأمر أنّه أخرج من يده ثيابًا وأعاد إليه مثلها بزيادة، فحسن ها هنا أن يتّهما على سلف بزيادة لمّا صارت الثّياب المزيد في عددها هي عوض الثّياب الّتي أسلمت في الحيوان، وثمن الثّياب الّتي أسلمت قد بطل بالإقالة.
وأمّا إذا باع ثيابًا ثمّ اشترى أكثر منها مِمّن باع الثّياب أوّلًا منه، فإنّ البيع الأوّل لم يبطل، وثمن الثيّاب الأولى باق في ذمّة مشتريها على حسب ما كان عليه، والثياب الثانية قد اشتراها بثمن آخر بعده، وحين شرائها لم يبطل الثمن الأوّل، فتعدّ الثياب الثّانية ثمنًا للثّياب الأولى لما بطل ثمن الأولى.
وها هنا ثمن الأولى باق على ما هو عليه.
وهذه الثياب مع ما زيد عليها قد أخذ ثمنها، فلا يصحّ أن يجعل ما انتقد ثمنًا لها، ويكون مع هذا ثمنًا أيضًا للثّياب الأوّل، فيكون لها ثمنان اثنان، وهذا واضح.
وقد كنّا قدّمنا هذا الفرق عن بعض الأشياخ المتقدّمين لنا، قيل لهم: يلزم ابن القاسم أن يمنع بائع الطّعام أن يشتري أقلّ من المكيل بمثل الثّمن، كما مَنَع أن يقتضي من ثمن الطّعام طعامًا أقلّ منه.
وذكرنا عنه ما دفعوا به هذه المعارضة والإلزام، وهو مثل هذا الّذي سبقهم إليه الشيخ أبو محمّد ابن أبي زيد رحمه الله على ما نبّهناك عليه من سبب الخلاف في شراء ثياب أمثال الثّياب المبيعة أوْ لاَ يجرى حكم من باع قمحًا سمراء ثمّ اشترى قمحًا محمولة، هل يجوز ذلك لمّا علم أنّ القمح الثّاني ليس هو عين الأوّل أو أن يمنع؟ وإن كان الّذي اشتراه محمولة أو شعرًا، يكون ما اشترى وما

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل