شرح التلقينصفحات 518-557
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 518-557

سبحانه.
ولو قرأ شعرًا فيه ذكر وتمجيد لم تصح صلاته.
وقال ابن سحنون أن يذكر الله.
وظاهر كلام أشهب وابن سحنون أن تعويض الذكر يجب في محل القراءة.
وقال القاضي أبو محمَّد لا يجب.
ويستحب أن يقف وقوفُ اما.
فإن لم يفعل أجزاه وفي المبسوط أنه ينبغي له أن يقف قدر قراءة أم القرآن وسورة ويذكر الله.
قال كالمصلي على الجنازة يقوم بين كل تكبيرتين قدر أم القرآن وسورة يدعو في ذلك.
وقد كنا قدمنا أن الأبهري لم يوجب على من لم يحسن النطق بتكبيرة الإحرام تعويضًا منها لما كانت متعينة.
فمقتضى قوله عندي: إنه لا يجب أيضًا على من لا يحسن قراءة أم القرآن تعويض خلافًا لمن أوجبه ممن حكينا قوله.
ولعل من أوجبه تعلق بما ذكر في بعض الطرق، في حديث الأعرابي الذي علمه من قوله إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فأحمد الله وكبره وهلله 1. وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة.
فلهذا لم يتفق على الوجوب.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: قد ذكرنا في هذا السؤال الذي فرغنا منه أمر طائفة من أهل العلم لمن لا يحسن القرآن بالقيام.
وإن في المبسوط استحبابه.
وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد.
ولكن الذي وقع في المبسوط حد فيه قدر المستحب.
والمستحب 2 بمقدار القراءة.
والقاضي أبو محمَّد لم يعتبر مقدار القراءة وإنما استحب أن يفصل بين الإحرام والركوع بوقوف ما، يكون فاصلًا بين هذين الركنين.
والذي يظهر في هذا أن القيام إن لم يكن مقصودًا في نفسه ولا ورد الشرع به لأجله وإنما ورد به 3 لأجل القراءة وليكون محلًا لها.
فإذا سقطت القراءة للعجز عنها ولم يجب عوض منها فلا فائدة للأمر به.
كما لا تؤمر الحائض بالطهارة لما كانت الصلاة ساقطة عنها، والطهارة إنما تراد لأجل الصلاة.
وإن قلنا إن القيام عبادة مقصودة في نفسها لا تراد للقراءة ولا شرعت لأجلها، بدليل أنها تجب على المأموم وإن كانت القراءة ساقطة عنه.
ولا يتخيل أنها إنما وجبت على المأموم لأجل وجوب المتابعة

والاقتداء بالإمام.
لأن الإِمام إذا صلى جالسًا لعذر وأبحنا الصلاة وراءه فإن القيام يجب على المأمومين 1، وإن كانت المتابعة إنما تكون بالجلوس.
وهذا يشعر بأنه وجب لا لأجل المتابعة، ولا لأجل القراءة.
وإذا وجب لنفسه لا لغيره لم يسقط عن القادر عليه لأجل عجزه عن غيره.
ولعل أصحابنا إنما استحبوا القيام ولم يوجبوه لأجل الإشك الذي القصد بوجوبه عندهم.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا قلنا بالمشهور من أن القراءة واجبة فعلى الإنسان تعلمها ليتوصل بذلك إلى إقامة الصلاة الواجبة عليه.
فإن لم يسعه وقت الصلاة للتعليم صلى وراء من يقرأ ليحمل هذا الفرض عنه.
فإن ترك الائتمام به وصلى فذا اختيارًا فقال بعض أصحاب مالك صلاته باطلة.
وكان هذا رأى أن تعمده لترك حمل القراءة عنه كتعمده لتركها مع القدرة عليها وهو وحده.
وقال بعض أصحاب مالك فيمن كان أميًا فصلى بمن يقرأ: أن صلاة الإِمام تصح والمأموم تبطل.
وقال بعض أشياخي هذا قول آخر بصحة الصلاة لأن الإِمام وجد من يقرأ وهو المأموم.
وقال بعض الأشياخ إن لم يعلم يكون المأموم قارئًا صحت صلاته.
وإن علم لم تصح.
وقال غيره من الأشياخ اختلف
2 أصحابنا في صحة صلاة الأمي إذا أم قارئًا ووجه القول بالصحة أن صلاة الجماعة ليست بفرض ولم يقم دليل على وجوب طلب الأمي إمامًا.
وَوُجّه القول الآخر بنحو ما ذكرنا 3 فيه.
فإذا ثبت وجوب التعلم فشرع في الصلاة قبل إمكان التعلم ولم يجد من يتحمل عنه القراءة فطرأ عليه العلم بها في أثناء الصلاة.
وهذا يتصور بأن يكون سمع من قرأها فعلقت بحفظه من مجرد السماع فهذا لا أعرف فيه في المذهب نصًا 4. ومذهب الشافعي صحة ما مضى من صلاته بغير قراءة.
ومذهب أبي حنيفة إبطال ما مضى من صلاته ووجوب استئناف الصلاة.
ووقفت في كتاب ابن سحنون على

حكايته عن أبيه وغيره من أصحابنا أنه لا يستأنف الصلاة.
وذكر مذهب المخالف ورد عليه: بأنه إذا ما مضى على حسب 1 ما أمر به فلا وجه لإبطاله.
واحتج أيضًا بأن الإجماع على أن الجالس إذا صح يعتد بما مضى من أجزاء الصلاة يقتضي أن يعتد الأمي بما مضى.
وليس الأمر كما 2 حكاه من الإجماع.
فإن محمَّد بن الحسن التزم أن الجالس لا يعتد بما مضى.
وإنما يكون ما ذكره ابن سحنون مناقضة لأبي حنيفة.
فإنه يرى أن الجالس يعتد بما مضى.
فإن كان أراد الإجماع منا ومنه 3 فصحيح ما قال.
وقد قال بعض الأشياخ لو طرأ على الأمي قارئ لم يلزمه أن يقطع ليأتم به.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: من ترك قراءة أم القرآن في ركعة واحدة هي أقل صلاته.
فإن قلنا إنها لا تجب في الركعة التي تركت فيها القراءة فحكمه أن يسجد لسهوه وتصح صلاته.
فأما صحة صلاته، فلأنه لم يخل بفرض.
وأما سجوده لسهوه فلتركه قراءة أقل مراتبها أن تكون سنة.
ويختلف إن فعل ذلك متعمدًا هل تبطل صلاته أو تصح تخريجًا من الاختلاف في ترك السنن تعمدًا؟ وإن قلنا إنها تجب في الركعة التي ترك القراءة فيها وجوبًا محققًا لا إشك الذي، فحكمه أن يلغي تلك الركعة ويعتد بما سواها.
ويكون ما سواها هو الذي حصل له من الصلاة.
فإن ذكر تركه القراءة وقد أكمل ركعته الأولى وهو قائم في الثانية جعل الثانية أولى 4 صلاته.
حتى كأنه لم يصل غيرها.
وسجد بعد سلامه لزيادة ما ألغيناه من الأفع الذي أول صلاته.
وكذلك إن ذكر وهو قائم في ثالثته جعلها ثانيته وقرأ مع أم القرآن سورة أخرى وسجد بعد السلام.
وإن لم يذكر إلا وهو في رابعته سجد قبل السلام بعد قضاء الركعة التي ترك قراءتها.
وإنما سجد قبل السلام ها هنا لأنه أحل بالجلوس فيما قدره ثالثة وهي

ثانية، وبقراءة 1 السورة المسنونة في ذلك.
وزاد ما ألغيناه من الأعمال.
والنقص والزيادة إذا اجتمعا سجد لهما قبل السلام.
وإن قلنا بالتشكك بين المذهبين الأولين هل القراءة فرض في تلك 2 الركعة على أحد قولي مالك أو سنة على قوله الآخر؛ فإن الحكم: في هذا الذي ترك قراءة أم القرآن من ركعة 3 إذا لم يذكر إلا عند آخر صلاته.
أن يسجد لسهوه ويعتد 4. وقد صار مالك إلى هذا مرة أخرى وكأنه ترجح 5 بين المذهبين الأولين.
وإن ذكر في أثناء صلاته فهل يتمادى لجواز أن تكون صلاته صحيحة فلا يسوغ له قطعها أو يقطع لئلا يوجب عليه صلاتين؟ وعندي إن هذا يتخرج على القولين اللذين قدمناهما فيمن شك في تكبيرة الإحرام أو في الوضوء على ما قدمناه في ناسي تكبيرة الإحرام المكبر للركوع.
وقد 6 قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز إن ذكر ترك القراءة قبل إكمال الركعة الأولى رجع فاستأنف القراءة.
وإن لم يذكر حتى أكمل الركعة الأولى صيرها نافلة بأن يكمل عليها ركعة أخرى ويسلم منها.
وإن ذكر بعد أن ركع الثالثة أكمل صلاته وأعاد.
وقال بعض المتأخرين قول ابن القاسم ها هنا بالقطع بناءً منه على هذه الطريقة التي ترجح 7 مالك فيها.
وقد ذكر مالك في المجموعة أنه إن ذكر وهو راكع رجع فاستأنف القراءة.
وإن كان بعد أن رفع رأسه تمادى وأعاد احتياطًا.
وهذا الفرقال في في المجموعة هو القول الذي أشرف إليه أنه يتخرج من الأصل الذي ذكرته.
وإنما لم يأمره بالتمادي وقد حصل راكعًا لأنه رأى أن عقد الركعة رفع الرأس لا تمام الانحناء.
وإن ترك القراءة من ركعتين فقيل يلغيهما ويعتد بما سواهما.
وقيل

يتمادى على صلاته ويسجد ثم يعيد.
وهذا يحتمل عندي أن يكون بناه على التشكك في وجوبها مرة واحدة أو متكررة.
فلهذا أتم وأعاد.
ويحتمل أن يكون لكثرة السهو فيها، جانبَ طريقة من قال بالإلغاء وأمر بالتمادي والإعادة.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف فيمن قدم على أم القرآن السورة التي تقرأ معها.
هل يعيد قراءة السورة بعد أم القرآن أم لا؟ وهل يسجد لهذا السهو أم لا؟ وسبب الاختلاف النظر في هذا الترتيب هل هو متأكد حتى يؤمر بتلافيه ويخاطب بسجود السهو فيه أو غير متأكد فلا يؤمر بذلك؟ وسنتكلم على أحكام السهو في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف فيمن أسر قراءة أم القرآن في صلاة الجهر، ثم ذكر فعاد فجهر بها هل يسجد للسهو أم لا؟ فقيل لا سجود عليه لتلافيه ما أحل به.
وقيل يسجد بعد السلام.
واختاره بعض الأشياخ لأن من أحل ببعض أركان الفرض يقضيه.
ومع هذا لا يسقط سجود السهو عنه.
فمن أمره بسجود المسهو رأى أنه خوطب به بالفراغ منها فلا يسقط ما خوطب به من ذلك العود 1 إلى قراءتها.
ومن لم يأمره بذلك رأى أنه قادر على تلافي ما قصر فيه ولم يمنعه من ذلك مانع.
فإذا تلافاه لم يلزم بالسجود.
وعندي أن من أمره بالسجود لا يأمره بالعود إلى إعادة القراءة.
ومن لم يأمره بذلك أمره بالعود إليها.
وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى
2.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والركوع والرفع منه والسجود 3 والفصل بين السجدتين.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا.
منها أن يقال:

1 - ما الركوع وما السجود؟.
2 - وما الدليل على وجوبهما؟.
3 - وهل يجب فيهما الطمأنينة؟.
4 - وإن وجبت ما مقدار الواجب منها؟.
5 - وهل يجب رفع الرأس من الركوع 1؟. 6 - وما حكم الاعتدال عند الرفع من الركوع؟.
7 - وهل يجب الفصل بين السجدتين؟.
8 - وإن وجب ما القدر 2 الواجب منه؟.
9 - وهل يجزئ الاقتصار على بعض الوجه؟.
10 - وهل يجب السجود على اليدين والركبتين والقدمين؟.
11 - وهل تكشف اليدان في سجودهما أو تستران؟.
12 - وهل يشترط مباشرة الوجه للأرض أم لا؟ وما يسجد عليه؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الركوع فانحناء الظهر وانعطافه متطاطئًا.
قال الشاعر: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم عصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع وأما السجود فهو التطامن والميل إلى الأرض والانخفاض.
تقول العرب سجدت الدابة وأسجدت إذا خفضت رأسها لتركب.
وسجدت النخلة إذا مالت.
قال زيد الخيل: بجيش تظل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على وجوب الركوع والسجود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 3. ولأن

النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى ركع وسجد وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي 1. وأجمعت الأمة على وجوبهما.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في إيجاب الطمأنينة في الكروع والسجود.
فأثبت الشافعي وجوبها ونفاه أبو حنيفة.
والمذهب على قولين عندنا.
أحدهما إيجابها، والثاني إثباتها فضيلة.
فأما نفاة الإيجاب 2 فيعتمدون على قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 3. فيقصر الواجب 4 على ما يسمى ركوعًا وسجودًا.
والركوع والسجود العاريان من الطمأنينة يسميان ركوعًا وسجودًا.
وأما الموجبون فيعتمدون على قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي علمه الصلاة: ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا 5. فمن قال إن الأمر على الوجوب استدل بمجرد هذه الأوامر.
ومن وقف فيه أو حمل الأمر فيه 6 على الندب استدل على الوجوب بسياق الحديث.
فإنه لما صلى قال له - صلى الله عليه وسلم -: "ارجع فصل فإنك لم تصل".
وتكرر منه هذا إلى أن قال: علمني فعلمه ما ذكرناه.
فلو خلط له 7 الوجوب بالندب لم يستبن المعنى الذي يكون بتركه غير فصل.
وهذا على أن معنى قوله لم تصل: أي صلاة جازية.
وقد ذم - صلى الله عليه وسلم - صلاة المنافقين وقال في الحديث: قام أحدهم فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا 8. وظاهر هذا ذم الاقتصار على النقر.
ومن لم يطمئن فإنه في حكم من

نقر.
فأما نفاة الإيجاب من أصحاب أبي حنيفة فإنهم ينفصلون عن هذا بأن القرآن اقتضى الاقتصار على ما يسمى ركوعًا وسجودًا.
فإذا جاء خبر واحد بزيادة عليه كان نسخًا.
والنسخ لا يكون بخبر الواحد.
وأما نفاة الإيجاب من أصحاب مالك فقد يقولون يمكن أن يكون الأعرابي قد أحل بالطمأنينة فأمره 1 النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة على جهة التغليظ حتى لا يتعود ترك أمر مشروع وليأتي بصلاة كاملة.
وعلمه صفة الصلاة الكاملة.
ويعتضدون في هذا التأويل بأن يقولوا لو كان ما أحل به مفسدًا للصلاة لأمره بالقطع ولم يتركه يتمادى على صلاة فاسدة وهو يراه وكرر فعلها بحضرته.
فلما أقره على التمادي أشعر ذلك بأنه لم يفسد صلاته بما تركه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الواجب من الطمأنينة أدنى لبث، كما ذكره القاضي أبو محمَّد ها هنا.
فإن زاد على أدنى لبث.
فذكر ابن شعبان أن من الناس من يقول بوجوبه وكأنه يرى 2 الطمأنينة وجبت وجوبا موسعا.
ومنهم من يقول إن الزائد نافلة.
وكان هؤلاء وصفوه بهذا لما جاز تركه إلى غير بدل.
وسنبسط الكلام على هذا في قصر المسافر إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في رفع الرأس من الركوع.
فذهب الشافعي إلى إيجابه.
وذهب أبو حنيفة إلى سقوط وجوبه.
وصحح صلاة من خر راكعًا إلى سجدته.
والمذهب عندنا على قولين: أحدهما أنه فرض.
والثاني أنه سنة.
فروى ابن القاسم عن مالك أنه يتمادى ويعيد.
فكأنه رأى 3 التمادي مراعاة للخلاف.
وروى عنه ابن زياد أنه لا يعيد فكأنه رآه لم 4 يخل بفرض.
فلهذا تصح صلاته.
فحجة الوجوب قوله: في حديث = حديث رقم 195 من كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.

الأعرابي ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا.
فأمره بالرفع من الركوع وعلمه إياه.
والظاهر إيجاب كل 1 ما علمه لما بيناه.
ولأنه عليه السلام ركع ورفع.
وظاهر فعله يقتضي الوجوب ها هنا.
وأما نفاة الإيجاب فلا أعلم لهم ظاهرًا يتمسكون به.
ولعلمهم لما سمعوا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 2. وكأن الركوع في اللغة هو الانحناء على ما بيناه لم يثبتوا في الركوع زيادة على ما ورد به ظاهر الآية.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: قد قدمنا اختلاف المذهب في إيجاب الرفع من الركوع فإن لم نقل بإيجابه وهو مذهب أبي حنيفة لم نوجب الاعتدال الذي هو فرع عنه.
وإن قلنا بإيجابه وهو مذهب الشافعي، فهل يجب الاعتدال أم لا؟ ذكر القاضي أبو محمَّد في كتابه هذا: أن الاعتد الذي القيام للفصل مختلف فيه.
قال والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب.
وقد ذكر ابن القصار عن بعض أصحابنا إيجاب ما كان إلى القيام أقرب على حسب ما اختاره القاضي أبو محمَّد.
ولابن القاسم فيمن رفع من الركوع والسجود ولم يعتدل، أن صلاته تجزيه ويستغفر الله ولا يعود.
ولأشهب أن صلاته غير صحيحة.
فمن أوجب الاعتدال يعتمد على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصح صلاة لا يقيم فيها صلبه من الركوع والسجود" 3. وأما من نفى الإيجاب فعندي أنه رأى أن القصد بالرفع من الركوع الفصل بينه وبين السجود.
والفصل في ذلك يحصل بالرفع وإن لم يعتدل.
فإذا حصل الغرض المقصود لم يكن معنى لزيادة أمر آخر عليه في الوجوب.
وكأن القاضي أبا محمَّد رأى أن ما قارب الشيء فحكمه حكمه.
فإذا رفع رفعا هو إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته 4 إياه وإن كان إلى الركوع أقرب كان كحكم الراكع الذي لم يرفع،

ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما الفصل بين السجدتين فواجب باتفاق.
فإن قيل لم اتفق على وجوبه واختلف في وجوب الفصل بين الركوع والسجود؟ قيل لاختلاف شكل الركوع وشكل السجود.
لأن الركوع انحناء الظهر والسجود إلصاق الوجه بالأرض.
فالفصل بينهما حاصل إذا ركع وإن لم يرفع رأسه.
والسجدة الواحدة وإن طالت لا تتصور سجدتين فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى تكونا اثنتين لا واحدة.
هذا وجه الاتفاق على وجوب الفصل بين السجدتين والاختلاف في إيجاب الفصل بين الركوع والسجود.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما أبو حنيفة فإنه يوجب الفصل بين السجدتين بأن يرفع وجهه من الأرض ولو بمقدار حد السيف.
وأما القاضي أبو محمَّد فإنه أشار في كتابه هذا إلى اختيار إيجاب ما كان إلى الجلوس أقرب.
وأجرى حكم الفصل بين السجدتين مجرى حكم الفصل بين الركوع والسجود.
وقد قدمنا قبل هذا اختلاف ابن القاسم وأشهب فيمن رفع رأسه من الركوع ولم يعتدل، هل تصح صلاته أم لا؟ من غير تحديد منهما في مقدار الرفع.
وذكرنا توجيه ذلك وما قدمناه من الكلام على ذلك فنحو منه.
وإذا أوجبنا الاعتد الذي هذه الفواصل، فيختلف في الطمأنينة على حسب ما تقدم.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: اختلف الناس في مقدار الواجب من الوجه فقال بعض أصحابنا: من اقتصر على الأنف أو الجبهة صلاته باطلة.
وظاهر هذا إيجاب السجود عليهما.
وحكى أبو الفرج أنه لا تجب إعادة الصلاة أبدًا في الاقتصار على أحدهما.
وظاهر هذا تعلق الوجوب بأحدهما على البدل.
وقال أبو حنيفة إن الوجوب متعلق بأحدهما قال ابن المنذر: "لا أعلم أحدًا قال هذا القول قبله ولا بعده.
والمشهور من مذهبنا وهو مذهب الشافعي تعلق الوجوب بالجبهة.
وقد خالف أبو حنيفة صاحباه 1. وقالا بمثل قولنا هذا.
فأما أبو حنيفة فتعلق بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
والمقتصر على الجبهة أو

الأنف 1 يسمى ساجدا.
وهو ممن لا يقبل في الزيادة على الكتاب خبر الواحد.
لأنه يراه نسخًا.
وأما الموجبون للجميع 2 فيحتجون بقوله عليه السلام: لا صلاة لمن لم يصب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين 3. وفي الحديث: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم.
فذكر الجبهة وأشار إلى الأنف 4 وهذا يشير إلى اشتراكهما في هذا الحكم.
وأما من اقتصر في الوجوب على الجهبة فلقوله عليه الصلاة والسلام: ومكن جبهتك من الأرض 5. وهذا يشعر بقصر الوجوب عليها في السجود.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما اليدان فقد قال سحنون اختلف أصحابنا في الساجد إذا لم يرفع يديه عند رفعه للسجدة الثانية.
فمنهم من قال: لا تصح صلاته لما جاء أن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه 6. ومنهم من خفف ذلك.
وقد اختلف قول الشافعي في إيجاب السجود على اليدين والركبتين والرجلين.
وقال ابن القصار الذي يقوى في نفسي: أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة في المذهب وهو مذهب أبي حنيفة.
واحد قولي الشافعي.
فكأن الموجبين يحملون قوله - صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وذكر اليدين والركبتين والرجلين والجبهة، على أن المراد به أوجب ذلك علي.
وهذا يقوى على طريقة من قال: المندوب إليه ليس بمأمور به.
وكأن الآخرين

يرونه محتملًا للوجوب والندب.
لأن المندوب إليه مأمور به عند بعض أهل الأصول، وإذا احتمل لم تكن فيه حجة على الوجوب.
وإنما يثبتون وجوب السجود على الجبهة بدليل آخر.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: لا يجب كشف اليدين عندنا في السجود خلافًا للشافعي في أحد قوليه بإيجاب ذلك.
ولنا عليه القياس على الركبتين والرجلين.
فإنه لا يجب كشفهما.
وقد ذكروا في الحديث لما ذكرت اليدان.
ونحن وإن لم نوجب ذلك فإنا نستحسنه 1 ليخرج بكشفهما من الخلاف.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: اختلف الناس في السجود على كور العمامة فمنعه الشافعي.
وأجازه أبو حنيفة ومالك.
واشترط ابن حبيب أن يكون الكور قليل الطاقات.
وهذا فيما شد على الجبهة لا فيما برز عنها.
حتى منع من لصوقها بالأرض.
فللجواز ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - سجد على كور العمامة 2. وقياسًا على الركبتين والقدمين، فإن الستر فيهما جائز.
وللمنع ما روي أنه نهى عن السجود على كور العمامة 3. وتأول بعض أصحابنا هذا على الكراهة.
أو على أنه كور منع من لصوق الأنف بالأرض.
وتأول الآخرون حديث الجواز على أنه فعل ذلك لعلة وعذر.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والجلوس والتسليم.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال:

1 - ما الدليل على وجوب الجلوس؟ 2 - وما مقدار الواجب منه؟ 3 - وما الدليل على وجوب التسليم؟ 4 - وهل يتعين أم لا؟ 5 - وإن تعين فما صفة 1 لفظه؟ 6 - وهل يتكرر التسليم أم لا؟ 7 - وما صفة الهيئة 2 التي يفعل عليها؟

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما وجوب الجلوس فلأنه - صلى الله عليه وسلم -جل س في آخر صلاته وقال: صلو كما رأيتموني أصلي 3 .. وهذا يقتضي وجوبه.
ولأن السلام واجب ولا بد له من محل ولا محل له إلا الجلوس.
وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما مقدار الواجب منه، فقدر ما يوقع فيه السلام.
وهكذا قال القاضي أبو محمَّد في كتابه هذا: أن الواجب منه قدر ما يعتدل فيه ويسلم.
وإنما قلنا بوجوب هذا المقدار لما قدمناه من أن السلام واجب.
ولا بد له من محل.
ولا محل له إلا الجلوس.
وهذا يقتضي وجوب هذا المقدار.
وأما إيجاب ما زاد عليه فسنتكلم على سقوطه عند كلامنا على التشهد الثاني إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: الدليل على وجوب التسليم أنه - صلى الله عليه وسلم - لما صلى، سلم من الصلاة 4. وفعله ها هنا يقتضي الوجوب لما قدمناه.
ولأن الصلاة تفتقر إلى تحليل يخرج به منها.
كما افتقرت إلى تحريم يدخل به فيها.
ولما كان التحريم واجبا كان التحليل واجبا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: مذهب مالك والشافعي أن التحليل من الصلاة يتعين بالتسليم.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يتعين وأنه يتحلل من الصلاة بكل معنى يضادها كالحدث وما في معناه.
وذكر عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته في التشهد أن صلاته صحيحة.
قال أبو الوليد الباجي وهذا يقرب من قول أبي حنيفة.
وهذا الذي ذكر أبو الوليد أنه يقرب من قول أبي حنيفة إنما يصح تأويله فيه على أن ابن القاسم ذكر ذلك فيمن أحدث متعمدًا قاصدا بذلك الخروج 1 من الصلاة لأن أبا حنيفة إنما يقول ذلك فيما قصد به الخروج من الصلاة.
وأما 2 وقوع ما يضادها من غير قصد إليه فإنه لا يكون عنده تحليلًا.
وسبب الاختلاف في ذلك يقرب مما قدمناه من القول في تعين تكبيرة الإحرام.
وإن من لزم الاتباع عَيَّنَ التحليل والتحريم ومن استعمل القياس لم يعين فيهما.
وهكذا الاختلاف أيضًا في السلام.
هل هو من نفس الصلاة أم لا؟ يقال فيه ما قلناه في تكبيرة الإحرام.
وقد استدل أصحابنا على التعيين بقوله وتحليلها التسليم 3 وهذا يقتضي قصر التحليل على التسليم لأنه حصر التحليل في التسليم.
واستدل المخالف على نفي التعيين بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رفع الإِمام رأسه من السجدة الأخيرة وقعد، ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته 4. وهذا الحديث لم يسلم له ثبوته فلا يلزم تأويله واستدلوا أيضًا بما وقع في الحديث في الشاك كم صلى؟ واتفق إن وقعت زيادته على أكثر أن الركعة والسجدتين نافلة قالوا فلو كان لا بد من

السلام ولا يصح التحلل إلا به لكانت هذه الزيادة مفسدة.
ولا يؤمر بإصلاح يؤدي إلى إفساد 1. وهذا الذي قالوه لا يلزم.
لأن الزيادة غير متحقق كونها نافلة وباطلة.
وإنما ذكر في الحديث كونها نافلة تقديرًا لا تحقيقًا.
وبإزاء تركها مخافة أن تكون نافلة إيجاب فعلها مخافة أن تكون واجبة.
ومن شك هل فعل؟ حكم بأنه لم يفعل.
لأن الأصل عدم الفعل.
ومن تحقق أنه لم يفعل الركعة الرابعة فيجب عليه فعلها إجماعا.
فلا معنى لاستدلالهم بهذا الحديث.
واستدلوا أيضًا بأن المأموم يقضي ما فاته قبل السلام.
فلو كان من الصلاة ولا يصح التحلل إلا به لوجب متابعة الإِمام فيه.
وهذا لا يلزم.
لأن ترك المتابعة إنما يسقط لما بقي على المأموم من الصلاة.
والباقي عليه منها واجب اتصاله بما مضى.
ولا يصح أن يفرق بينهما بقاطع محلل.
فلهذا لم تلزم المتابعة للإمام في السلام، على الفور.
واستدلوا أيضًا بأن الصوم لما ضاده الأكل وخرج منه به، خرج منه بالليل وإن لم يقع أكل.
وهذا غير صحيح لأن مناقضة الليل للصوم لا يشترط فيها القصد.
وهم يشترطون في الحدث القصد.
على أن الصوم يفتقر مبدؤه إلى تصرم الليل.
فكذلك منتهاه ينقطع بدخوله.
والصلاة لما افتقر مبدؤها إلى نطق، افتقر منتهاها إلى نطق.
وقد قال بعض من اشترط التعيين أن الصلاة مبنية على الاحترام والتعظيم.
وقصد الحدث ينافي التعظيم.
ولا يليق بمحاسن الشرع أن يجعل محللًا من الصلاة.
وقد أنكر القفال كون 2 السلام مضادًا للصلاة.
ولو قيل له فما باله ينقضها في أثنائها؟ لقال كما تنقضها الركعة والسجدة في غير موضعها.
وإذا صح ما قاله القف الذي منع المضادة انسد باب القياس الذي حاولوه لفقد ما قالوه من معنى الأصل.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما السلام من الصلاة فلفظه متعين وصورته السلام عليكم.
فإن نكر السلام ونونه فقال: = سلام عليكم = فذكر القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا أنه لا يجزيه.
وذكر ابن شعبان عن

بعض الناس: أنه يجزيه.
وهو أحد قولي الشافعي.
وقد قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في الإِمام المُنكر للسلام لا يجزيه.
وقال ابن شبلون يجزيه.
فمن منع الإجزاء اعتمد على أنه هو المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبه مضى العمل.
فالاتباع فيه واجب على حسب ما قلناه في تكبيرة الإحرام.
وقال ابن شعبان الأولى أن يقال: السلام عليكم لأن السلام هو الله سبحانه.
وأما من نكّر فكأنه رأى المعنى متقاربًا.
فوجب لتقاربه أن يقع الاعتداد به.
وهذا يبعد على أصولنا التي قدمناها في وجوب تعيين لفظ التكبير.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما الإِمام والفذ فيسلمان تسليمة واحدة في المشهور من المذهب.
وروي عن مالك أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإِمام منهما.
وبإثبات تسليمتين فيهما، قال أبو حنيفة والشافعي والحسن بن صالح وابن حنبل.
واختلف هؤلاء في التسليمة الثانية هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ فقال الحسن بن صالح وابن حنبل بوجوبها.
وقال من قدمنا ذكره من مثبتيها بالندب إليها.
وسبب الاختلاف في ثبوتها اختلاف الأحاديث.
ففي بعضها أنه سلم واحدة 1. قال بعض المحدثين ولا يثبت ذلك.
وفي بعضها أنه سلم تسليمتين 2 إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله.
ودليلنا على نفي الوجوب أن التحليل، يحصل بالتسليمة الأولى ولا يجب تكرارها كما لم 3 يجب تكرار التحريم.
وأما المأموم فيسلم تسليمتين إحداهما للتحليل من الصلاة والثانية يرد بها على الإِمام.
وهل يسلم ثالثة أم لا يرد بها 4 على من كان على يساره.
المشهور إثباتها.
قال القاضي أبو محمَّد: في غير كتابه هذا: ذلك مختلف فيه.
فإن أثبتناه

فلأن الإِمام ينفرد بحكم عن المأمومين 1 فأفرد بسلام يختص به دونهم، كما انفردت تسليمة الرد عليه عن تسليمة التحليل لما اختلف حكماهما.
وإن نفيناه فلأنه كما جاز أن يجمع جماعة من المأمومين
2 في الرد عليهم.
جاز أن يجمع الإِمام معهم ولا يلزمه إفراده كما لا يلزمه إفراد كل مأموم بسلام.
فإن قلنا بالمشهور الذي حكيناه من إثبات تسليمة ثالثة.
فبأي سلامي الرد يبدأ؟ قيل بالإمام لأنه السابق بالسلام فكان أولى أن يقدم في الرد وقيل لمن على اليسار.
وحكى القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا التخيير بينهم.
فكأن هذا المخيِّر لم يلُح له ترجيح بينهما فخير فيهما.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: روي عن مالك أن المأموم يجهر بتسليمة التحليل جهرًا يسمع نفسه ومن يليه ويخفي تسليمة الرد على من على يساره.
قال لئلا يقتدى به في ذلك.
قال بعضهم بالتسليمة الأولى يستدعي الرد.
واستدعاء الرد يفتقر إلى الجهر.
وتسليمة الرد لا يستدعى بها رد.
فلم يفتقر إلى الجهر.
والإمام والفذ يسلمان قبالة وجوههما ويتيامنان قليلًا وأما المأموم فقال الشيخ أبو محمَّد يسلم عن يمينه.
وهكذا ظاهر رواية ابن القاسم لأنه قال فيه 3 يتيامن ولم يقل قبالة وجهه.
وأما من فاته بعض الصلاة فقام لقضائه فهل يخاطب بتسليمة الرد أم لا؟ اختلف فيه قول مالك وعلل بعض المتأخرين ثبوته بأن حكم الإِمام باق عليه في حكم قضائه.
فكان الإِمام لم يفرغ بعد من صلاته.
وعلل نفيه بأن من سنة الروإلاتصال بسلام الابتداء.
فإذا عدم الاتصال لم يثبت الرد.
وهذا اعتلال يقتضي تصور الاختلاف في الرد، وإن كان من يرد عليه حاضرًا لم يذهب.
وأشار بعض أشياخي إلى أن الاختلاف 4 لا يتصور مع حضور من يرد عليه وإنما يتصور مع غيبته.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وقد بينا وجوب النية واستقبال القبلة.

والواجب المعتد به من النية 1 ما قارن تكبيرة الإحرام سواء ابتديتا 2 في حال أو تقدمت النية واستصحبت ذكرًا إلى التكبير.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن المعتد به في النية ما قارن الإحرام؟ 2 - وما معنى قوله واستصحب ذكرًا؟

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في زمان النية.
فالمشهور عندنا ما ذكره القاضي أبو محمَّد من قصر الوجوب على حالة الإحرام.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة يجوز تقديمها على الإحرام بالزمن اليسير.
وبعض أشياخي يشير إلى تخريج الخلاف 3 عندنا في هذا.
وقد قدمنا الكلام على أن تخريج الخلاف في ذلك من الاختلاف في تقدم 4 نية الطهارة عليها بالزمن اليسير.
وقد ينفصل عنه بأن النية في الصلاة آكد، للإجماع على وجوبها.
وأن الطهارة لما اختلف في إيجاب 5 النية فيها أمكن أن يتساهل في جواز التقدمة للنية بالزمن اليسير.
وذهب داود إلى أن من شرط النية تقدمها على تكبير الإحرام وأن لا يكونا معًا، تخيلا منه أن إباحة المقارنة تؤدي إلى أن يقع جزء من التكبير عاريًا من النية.
وهذا لا يسلم له لأنا اشترطنا وقوعهما معًا.
وذلك غير مستحيل.
وما لا يستحيل لا يمتنع وجوده.
وأما أبو حنيفة فإنا نرد عليه بأن النية عرض والعرض لا يبقى.
وإذا تقدمت وعدمت، وقع الفعل عاريا من النية.
فلا يفيد إذن قرب المتقدم.
ولا فرق بين القرب والبعد لأن الغرض بالنية تخصيص الفعل بأحد الأنحاء التي 6 يمكن

وقوعها عليها.
وإذا وقع عاريا لم يتخصص بذلك.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قيد بقوله ذكرًا لأن النية قد تستصحب حكمًا كمن افتتح الصلاة بنية ثم ذهل عن النية في بعض أثناء الركعات، فإن صلاته صحيحة لأن النية مستصحبة فيما ذهل عنه من جهة الحكم والشرع.
فلما كان الاستصحاب قد يكون حكمًا كما مثلناه وهو لا ينفع قبل الدخول في الصلاة لما بيناه، قيد بقوله ذكرًا تحرزًا من هذا.
وهو إذا استصحبها ذكرًا 1 فكأنه مجدد للنية حين الإحرام.
فعاد الأمر لما قلناه من وجوب المقارنة للنية بتكبيرة الإحرام.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولفظ التكبير متعين وهو أن يقول الله أكبر لا يجزي غيره من قوله الله الأكبر أو أجل أو أعظم 2. والواجب من القراءة متعين وهو فاتحة الكتاب لا يجوز 3 غيرها في كل ركعة.
هذا هو الصحيح من المذهب وقول آخر الاكتفاء بأكثر الصلاة أو نصفها أو بعضها وهي ضعيفة في المذهب 4 والاعتد الذي الركوع والسجود واجب.
ويجزي منه أدنى لبث ولم نعده فرضًا زائدًا على الركوع والسجود.
لأن اسمهما قد تضمنه.
ويسجد على جبهته وأنفه.
فإن ترك الجبهة فلا يجزيه وإن اقتصر عليها أجزاه.
والاعتد الذي القيام للفصل بينهما مختلف فيه والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب.
وكذلك في الجلسة بين السجدتين.
والواجب من التسليم مرة ولفظه متعين.
وهو أن يقول السلام عليكم لا يجزي غيره.
وقدر القيام الواجب ما يكبر فيه للإحرام ويقرأ أم الكتاب.
وما زاد على ذلك مسنون.
ومن الجلوس قدر ما يعتدل ويسلم وما زاد على ذلك مسنون.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: جميع ما في هذا الأصل قد فرغنا نحن من الكلام عليه في مواضعه المتقدمة.
ورأينا أن ذلك أقرب تناولًا لمن أحب

المطالعة وأسل للحفظ 1. فلما ذكرنا التحريم استوفينا جميع المسائل المتعلقة به التي منها ما ذكر في هذا الفصل من وجوب التعيين.
وكذا صنعنا في القراءة ليكلون له الأخذ في النظر في مسألة قد استوعب جميع فروعها قبل أن ينتقل إلى غيرها.
ولكن ننبهك هنا على رموز القاضي أبي محمَّد في هذا الفصل لتستدل بذلك على سعة علمه.
فمن ذلك أنه لما ذكر وجوب التعيين في الإحرام مثل فيما يمنع 2 مما خالف التعيين بقوله: الله أكبر أو أجل أو أعظم ليشعر بذلك مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة جميعًا؛ لأن الشافعي لا يجيز أجل وأعظم ويجيزها أبو حنيفة.
وأما أكبر فيجيزانه جميعًا كما قدمنا.
ومن ذلك قوله في القراءة إن الواجب منها متعين وهو فاتحة الكتاب.
هذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من أن أبا حنيفة، يرى حصول الإجزاء بجميع آي القرآن.
ومن ذلك قوله: في كل ركعة.
هذا هو الصحيح من المذهب.
فهذا أيضًا إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف الكثير في المذهب.
ومن ذلك قوله والاعتد الذي الركوع والسجود واجب ويجزي منه أدنى لبث.
ومراده بالاعتدال هنا الطمأنينة.
وفي قوله أدنى لبث، تنبيه على ما كنا قدمناه من الكلام على مقدار الواجب من الطمأنينة.
ومن ذلك قوله الواجب من التسليم -مرة- فيه إشارة إلى مذهب ابن حنبل الموجب تسليمتين كما قدمناه.
وفي قوله ولفظه معين وهو أن يقول السلام عليكم مرة، فيه إشارة إلى ما قدمناه من الاختلاف في السلام المُنكر.
وفي قوله لا يجزئ غيرها، إشارة إلى ما قدمناه من مذهب أبي حنيفة من صحة التحلل بكل ما يضاد الصلاة.
وما ذكره من أن الواجب من القيام قدر الإحرام وقراءة أم القرآن.
قد قدمنا الكلام على وجوب القيام للإحرام، والقيام لقراءة الفاتحة مبني على القول بوجوبها.
وقد تكلمنا على وجوب القيام على من لا يحسنها 3. فجميع ما اشتمل عليه الفصل الذي ذكرناه عنه قد مضى الكلام عليه موعبًا.
فمن شاء معرفته فليطالعه هناك في مواضعه.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وسنن الصلاة اثنتا عشرة.
وهي قراءة سورة مع أم الكتاب 1 والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والإسرار بها في موضع الإسرار والاعتد الذي الفصل بين الأركان.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن قراءة سورة مع أم القرآن سنة؟.
2 - وهل تسن في الصلاة كلها أو في بعضها؟.
3 - وهل تنوب بعض السورة عن السورة؟.
4 - وهل تزاد مع السورة سورة أخرى؟.
5 - وهل تكون السورة السابقة للركعة السابقة؟.
6 - وما الدليل على أن الجهر والإسرار سنتان؟.
7 - وما مواضع الجهر والإسرار؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في حكم السورة التي مع أم القرآن.
فذكر عن عمر رضي الله عنه وغيره 2 إيجاب قراءة زائدة على أم القرآن.
ويحدها 3 عمر رضي الله عنه بثلاث آيات.
والغير بما تيسر.
وقد حاول الشيخ أبو الحسن اللخمي أن يخرج من المذهب قولًا بالإيجاب بقراءة السورة.
واعتمد على قول عيسى: من ترك السورة 4 عامدًا أو جاهلًا أعاد الصلاة.
وأظنه إنما اعتمد على هذه الرواية لما ذكر فيها ترك القراءة جهلًا.
لأن القول بالإعادة مع العمد قد يحمل على طريقة القائلين بالإعادة لترك السنن عمدًا.
وفي هذا التخريج نظر لأن المذهب اختلف في الجاهل هل هو كالعامد أو لا؟ فإذا قيل إنه كالعامد وكان تعمد 5 ترك السنن يوجب الإعادة لم يسلم له هذا التخريج.
فإذا ثبت أن المعروف من المذهب أنها ليست بواجبة فقد اختلف

المذهب هل هي سنة أو فضيلة؟ فالمشهور أن من تركها سهوًا سجد 1. وهذ ابن اء على أنها سنة.
وروي عن مالك لا سجود عليه.
وهذ ابن اء على أنها فضيلة.
ودليلنا على سقوط الوجوب قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب 2. وهذا يقتضي جواز الاقتصار عليها.
وأما الدليل على كونها مشروعة فما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة 3. وقوله لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا 4. وتأكدت دلالة هذه الظواهر حتى ألحقت 5 بالسنن ولم تبلغ دلالتها على القول الآخر إلى إلحاقها بالسنن فعدت من الفضائل.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: مذهبنا أنها إنما تكون سنة في ركعتين لا في أكثر خلافًا للشافعي في أحد قوليه إنها سنة في الأربع.
وقد قال محمَّد بن عبد الحكم: من قرأها في الأخريين فقد أحسن.
فلنا قوله كان يقرأ في الظهر والركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وفي الأخريين بأم القرآن.
وللشافعي وابن عبد الحكم قوله حزرنا قيامه في الركعتين الأوليين ثلاثين آية 6، وفي الأخريين على النصف من ذلك وحزرنا قيامه في العصر في الركعتين الأوليين على قدر الأخريين من الظهر والأخريين من العصر على قدر ذلك.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف المذهب في الاقتصار

على بعض السورة التي مع أم القرآن.
فقيل مكروه، وقيل جائز أن يقرأ أم القرآن وآية طويلة كآية الدين.
فوجه الكراهة مضي العمل بقراءة سورة كاملة.
وهذا ينقله الناس قوم بعد قوم.
ومخالفة مثل هذا يكره.
ووجه الجواز أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح بسورة المؤمنين.
فلما جاء لذكر موسى وهارون أخذته سعلة.
فركع 1. فلو كان مكروها لما ركع عليه.
وهذا عندي قد تبين عذره - صلى الله عليه وسلم - فيه.
فلا يحتج به على جواز فعل المختار.
لكن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجزيء صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فصاعدًا" 2. ولم يحد هذا الصاعد.
فيه إشارة إلى جواز الاقتصار على بعض السورة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: يجوز أن يقرأ مع أم القرآن سورتين وأكثر.
ولكن الأفضل الاقتصار على واحدة 3. فأما الجواز فلقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهما وذكر عشرين سورة 4. وإنما اخترنا الاقتصار على واحدة لأن السورة تبع لأم القرآن.
فكان الأحسن أن تكون واحدة كما كانت أم القرآن واحدة 5. ولكن العمل مضى به والأحسن متابعة العمل.
وحديث ابن مسعود محمول على النوافل.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: يجوز أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة وفي الركعة الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصاحف.
لأن المشروع قراءة السورة مع أم القرآن.
وهذا قد قرأ فيهما كذلك.
ولكن المختار أن يقرأ سورة بعدها ليجري في رتبة الصلاة حذو رتبة المصاحف.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الدليل على أن الجهر والإسرار سنتان ما نقل من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنوعها إلى إجهار وإسرار.
ومضى عمل المسلمين على ذلك.
فإن لم يدل ذلك على الوجوب لمعنى صرف عنه فأقل المراتب أن يدل على أن ذلك سنة كما قلناه.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما مواضع الإجهار، فصلاة الصبح وصلاة الجمعة والأوليان من المغرب والعشاء والعيدان والاستسقاء والوتر ما لم يمنع من الجهر مانع على ما سنبينه في مواضعه.
وقد تكلمنا على الاعتد الذي الفصل بين الأركان فلا معنى لإعادته.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والتشهد الأول والجلوس له والتشهد الثاني والمختار من ألفاظ التشهد: تشهد عمر رضي الله عنه.
ولفظه: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله 1، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له 2 وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
فأما الجلوس فالواجب منه قدر ما يسلم فيه وما يوقع فيه التشهد المسنون.
وكذلك القيام الذي يقرأ فيه الزيادة على أم القرآن مسنون غير مفروض.
والتكبير في كل خفض ورفع.
وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع.
والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم نذكر سجود السهو لأنه يتنوع إلى واجب وسنة على ما نبينه.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن التشهد الأول والجلوس له سنتان؟.
2 - وهل يزاد على التشهد الأول؟.
3 - وما الدليل على أن التشهد الثاني والجلوس له سنتان؟.
4 - ولم اختار تشهد عمر رضي الله عنه؟.
5 - وما معنى التحيات الزاكيات الطيبات؟.

6 - وما الدليل على أن التكبير مسنون؟.
7 - وما الدليل على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنونة؟.
8 - وإلى ماذا أشار في قوله في سجود السهو أنه يتنوع على ما نبينه؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في التشهد والجلوس له.
فقال فقهاء الأمصار هما سنتان.
فذهب الليث وأبو ثور وأحمد بن حنبل وداود إلى أنهما واجبتان.
وقال أبو الحسن اللخمي اختلف في الجلوس الأول.
فقيل سنة وقيل فرض ويجزيء منه سجود السهو.
وأشار إلى أن هذا الاختلاف الذي ذكره إنما هو مقصور على الجلوس خاصة.
فإن كان أراد أن 1 *الاختلاف وقع في المذهب فإني لم أقف عليه.
وإن كان أراد اختلاف الناس فإن اختلافهم إنما وقع في الجلوس والتشهد جميعًا على حسب ما حكيناه.
ودليلنا على سقوط الوجوب فيهما أنه - صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين ولم يرجع إلى الجلوس والتشهد 2. ولو وجبا أو أحدهما لرجع إليه.
فإن قيل فلعله إنما لم يرجع إليه لأنه لم يذكره.
فقيل قد ذكر الترمذي أنهم سبحوا به 3. وهذا يقتضي أنه علم بسهوه لما سبحوا له.
وإذا ثبت علمه به ولم يرجع إليه دل على سقوط وجوبه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: التشهد الأول.
روى ابن زياد عن مالك رضي الله عنه أنه ليس بعد التشهد الأول موضع للدعاء.
وروى ابن نافع أن له أن يدعو بما شاء.
وقال الشعبي من زاد على التشهد سجد سجدتي السهو.
وكأن الشعبي غلظ القول فيه حتى ألحق الاقتصار على التشهد بالسنن.

وقد يحتج له بقول ابن مسعود كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف 1. وكأن مالكًا قاسه في أحد قوليه على التشهد الثاني وأجاز فيه الدعاء.
وقد فرق بينهما بأن الجلوس الثاني قد كملت فيه الصلاة فيجلس 2 جلسة مطمئن يحسن فيه الدعاء.
وهو في الجلسة الأولى غير مطمئن؛ لأنه متشوف للإتيان بما بقي عليه فلم يحسن الدعاء.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في التشهد الآخر والجلوس له.
فقال مالك ليس بواجبين.
وروي ذلك عن علي رضي الله عنه.
وقال الشافعي هما واجبان وروي ذلك عن عمر وابنه رضي الله عنهما.
وقد روى أبو مصعب عن مالك إيجاب التشهد الآخر.
فالجلوس على هذا يجب كما قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة الجلوس بقدر التشهد واجب والتشهد في نفسه غير واجب.
فأما مالك وأبو حنيفة فيحتجان على سقوط وجوب التشهد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه للأعرابي.
ولو كان واجبًا لعلمه إياه.
ولأن الأذكار المفعولة في الأركان كالركوع والسجود واجبة.
فكذلك الذكر المفعول في التشهد.
وقوإنفصل عن هذا القياس بأن القعود 3 لما كان يقع عادة وعبادة، فميز بين العادة والعبادة بإيجاب الذكر فيه.
ألا ترى أن القيام لما كان عادة وعبادة ميزت العبادة عن العادة بإيجاب الذكر وهو القرآن.
والركوع والسجود لا يقعان عادة.
فلهذا لم يجب الذكر فيهما.
فإذا سقط وجوب التشهد بما احتججنا به لمالك وأبي حنيفة.
اعتبر مالك الجلوس بالتشهد لأنه إنما يراد له.
فإذا سقط وجوب التشهد المراد سقط وجوب الجلوس الذي إنما يراد له.
ولم يعتبر أبو حنيفة الجلوس بالتشهد كما قال مالك: بل قال بوجوبه خاصة لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له.
ولم يقم دليل على سقوط وجوبه كما قيل في التشهد.
ويعتمد أيضًا على قوله لعبد الله بن مسعود: فإذا رفعت رأسك من السجود وقعدت قدر

التشهد فقد تمت صلاتك 1. وهذا يقتضي مراعاة قدر التشهد.
وإن الصلاة تتم دون التشهد وأما الشافعي فإنه يعتمد على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - للتشهد.
وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي.
وعلى قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده 2. الحديث.
فقد أخبر ابن مسعود بكونه مفروضًا.
وقوإنفصل عن هذا بأن -يفرض- بمعنى يقدر.
ويحتج أيضًا بقوله قولوا التحيات لله.
والأمر على الوجوب.
وهذا لا يسلمه له من قال إن الأمر على الندب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في المختار من لفظ التشهد.
فاختار مالك رضي الله هـ تعالى عنه تشهد عمر بن الخطاب وهو التحيات لله.
الزاكيات لله.
الطيبات الصلوات لله.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
واختار الشافعي تشهد ابن عباس وهو التحيات المباركة، الصلوات الطيبات لله.
سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
واختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود وهو التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن 3 محمدًا عبده ورسوله.
ووافق أبا حنيفة الثوري وأبو ثور وأحمد وإسحاق وكل واحد من هؤلاء الفقهاء الثلاثة قد اعتمد فيما اختاره على حديث مشهور.
ولكن اختلفت طرق الترجيح بهم.
فرجح مالك رضي الله عنه ما اختاره بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علمه الناس على المنبر.
وما اشتهر هذا الاشتهار حتى قرأه عمر رضي الله عنه على المنبر بمحضر الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكره أحد منهم، كان أولى أن يختار وأحق أن يتبع.
ورجح الشافعي اختياره بأن رواية ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد

كما يعلمنا السورة من القرآن 1 وهو متأخر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات وهو حدث السنن.
فالأظهر أن الذي سمعه هو آخر الأمرين والأخير من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع.
ولأن فيه زيادة المباركات ولأن السلام فيه منكر وهو أكثر سلام القرآن.
قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ 2 ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ 3 ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة﴾ 4 إلى غير ذلك مما يكثر.
ورجح أبو حنيفة ما اختاره بأن رواية ابن مسعود رضي الله عنه قال: أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي فعلمني التشهد 5. وقال عليه السلام أخذ جبريل بيدي فعلمني التشهد.
وهذا يقتضي العناية بنقله والضبط.
وقد جرى التعليم عندهم على هذا الأسلوب.
فقال محمَّد بن الحسن أخذ بيدي أبو يوسف فعلمني هذا التشهد.
وقال أخذ بيدي أبو حنيفة فعلمنيه.
وقال أبو حنيفة أخذ بيدي حماد فعلمنيه.
وقال حماد أخذ بيدي إبراهيم فعلمنيه.
وقال إبراهيم أخذ بيدي علقمة فعلمنيه.
وقال علقمة أخذ بيدي ابن مسعود فعلمنيه.
وأخذ بيد ابن مسعود النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبيد النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام كما قدمناه.
ولأنه جاء بحرف الواو وهي قد تفيد معنى لا يفيده حذفها فكانت زيادتها أولى.
وقد اختلفت إشارات أصحابنا إلى حقيقة اختيار مالك لتشهد عمر رضي الله عنه.
فأشار بعض البغداديين إلى تأكد هذا الاختيار حتى كأنه يرى ما سواه ليس بمشروع.
وأشار الداودي إلى أنه على جهة الاستحسان وإيثار هذا التشهد.
وقد روي عن مالك أنه استحسن أن يعاد من هذا التشهد عند التسليم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ويكون السلام من الصلاة بعقب ذلك.
وقال ابن مسلمة إنما اختار هذا: لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما من فعل ذلك.
وليس من المسنون عندنا التسمية في افتتاح التشهد.
واستحبها بعض أصحاب الشافعي فقال بسم الله التحيات لله.
وقد روي ذلك عن علي

رضي الله عنه 1 كان إذا تشهد قال بسم الله خير الأسماء 2. ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - فليكن من أول قول أحدكم التحيات لله 3. وسمع ابن عباس رجلًا يقول بسم الله التحيات لله فانتهره.
وقال ابن المنذر: ليس في الإخبار الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر التسمية.
فإن تعلق من أمر بذلك بقول جابر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك 4. قلنا قد قيل بعض رواته فيه ضعف.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: التحيات جمع تحية.
والتحية الملك.
وينشد لعمرو بن معدي كرب: أسير بها إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بخير أي على ملكه.
قال النحاس الذي اعتمد عليه أهل اللغة: أن التحيات لله معناه الملك لله.
وحياك الله ملكك الله.
وأصل هذا أن الملك كان يحيَّى فيقال له: أبيت اللعن -ولا يحيَّى غيره.
ثم سمى الملك تحية.
إذ كانت التحية لا تكون إلا من الملوك.
وقال غيره التحيات لله، البقاء لله.
وقال زهير الكلبي: من كل ما نال الفتى قد ... نلته إلا التحية أي البقاء.
وقال قوم التحيات السلام قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ 5. وقال الكميت ألا حييت عنا يا ردينا 6. ومعنى الزاكيات.
أي الصالحات من الأعمال.
ومعنى الطيبات أي الطيبات من القول.
معنى الصلوات لله أي يراد بها وجه الله.
وقيل معناها الرحمة.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: التكبير عندنا مشروع في كل

خفض ورفع.
وقال عمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم وسعيد بن جبير لا يكبر إلا عنوإلافتتاح.
ويذكر مثل هذا عن عكرمة.
وليس هذا المذهب مما يعول عليه.
وقد أجمع المسلمون في سائر الأمصار على مرور الأعصار على التكبير في كل خفض ورفع.
وما نقل هذا النقل فلا وجه لإنكار كونه مشروعًا 1. وقد صلى أبو هريرة رضي الله عنه فكبر كلما خفض ورفع.
فلما انصرف قال والله إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2. فإذا ثبت أنه مشروع فقد قال بعض أصحابنا: ما سوى تكبيرة الإحرام من التكبير ليس بواجب.
وقال بعض المتأخرين لعل المراد بهذا أنه ليس بشرط في صحة الصلاة.
وإلا فرواية أصحابنا تقتضي وجوبه.
وهذا الذي قاله من اقتضاء الرواية الوجوب قد يسلم له إذا قلنا فيمن ترك التكبير سهوًا أو سها أن يسجد عنه حتى طال، إن صلاته تنتقض.
وأما إذا قلنا بقول أشهب في مدونته إن السجود من تركه لا يجب كما لا يجب في ترك التسبيح في الركوع والسجود.
ويستحب أن يسجد بعد السلام.
فإن هذا المذهب يقتضي أنه ليس بواجب على ما قال بعض أصحابنا الذين قدمنا قولهم.
ويقتضي أيضًا أنه ليس بسنة.
لأنه لم ير السجود منه واجبًا.
وقد قال بوجوبه ووجوب التسبيح في الركوع والسجود أحمد وإسحاق وداود.
وإن ترك شيء من ذلك يبطل الصلاة، إلا داود فإنه لا يرى إبطالها بذلك على حال.
ودليلنا على سقوط الوجوب أنه عليه السلام علم الأعرابي الصلاة ولم يعلمه التكبير والتسبيح.
ولو كان واجبًا لعلمه إياه كما علمه ما سواه.
وأما القول سمع الله لمن حمده فداخل فيما ذكرناه من التكبير.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الآخر.
فعندنا أنه مسنون.
وعند الشافعي أنه واجب.
وبه قال ابن المواز.
فدليلنا على أنه ليس بواجب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ابن مسعود التشهد وقال له: إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك 3. فأشار إلى

تمامها دون الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -. وأما من أوجبها فإنه تعلق بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ 1. وهذا محمول على الصلاة.
إذ لا تجب الصلاة عليه في غير الصلاة.
ويتعلق أيضًا بقوله: لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي 2.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: لما أشار القاضي أبو محمَّد إلى تنوع سجود السهو ووعد أنه سيبينه، فإنه إنما ذكر في باب السهو السجود الذي تبطل الصلاة بتركه والذي لا تبطل.
فكأنه يشير إلى أن ما بطلت الصلاة بتركه هو الواجب، وما لا تبطل بتركه هو السنة.
وسنوعب الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وفضائلها سبع وهي رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إلى المنكبين لا إلى الأذنين.
وعنه في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها *أن يقال: 1 - هل ترفع اليدان 3 في الصلاة أم لا؟.
2 - وإن رفعت في كم موضع ترفع؟.
3 - وما منتهى الرفع؟.
4 - وما صفته؟.
5 - وما معناه؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المشهور عند العلماء وعن = هو مدرج من كذا من ابن مسعود.
السنن ج 2 ص 174 - 175. ونصب الراية ج 1 ص 425.

مالك 1 رضي الله عنه إثبات الرفع على الجملة.
وروى ابن شعبان عن ابن القاسم عن مالك النهي عن الرفع أصلًا.
وتأوله بعض أصحابنا على المدونة لما ذكر الرفع وضعفه.
والدليل على ثبوته على الجملة ما ورد في الحديث الصحيح من رفعه 2 - صلى الله عليه وسلم -. ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فكأنه من حكمه أن يقترن به عمل كالسلام.
وقد يتعلق في النهي عن الرفع على الإطلاق بقول جابر بن سمرة كنا نرفع أيدينا في الصلاة ومر بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس أسكنوا أيديكم في الصلاة" 3. وهذا على عمومه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك في ذلك.
فروى ابن القاسم عنه الاقتصار في الرفع على تكبيرة الإحرام.
وروى ابن عبد الحكم عنه زيادة الرفع عند الرفع من الركوع.
وروى ابن وهب عنه زيادة على هذين الرفع عند الركوع.
وقال ابن وهب بزيادة الرفع عند القيام إلى الثالثة.
وبرواية ابن القاسم عنه قال أبو حنيفة وبرواية ابن وهب عنه قال الشافعي.
فوجه الاقتصار في الرفع على تكبيرة الإحرام ما رواه علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يعيد 4. وأجيب عن هذا بأن الصحيح بأنه موقوف على علي رضي الله عنه.
وروى البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه ثم لا يعود 5. وأجيب عن هذا بأن عيينة قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد ولم يذكر فيه: ثم لا يعود.
وقال الحميدي وغيره يزيد بن أبي زياد ساء حفظه في آخر عمره واختلط.
وقال ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في افتتاح الصلاة، ثم لا

يعود 1. وروي عن ابن عمر وابن عباس موقوفًا عليهما ومرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الأعياد وتكبيرة القنوت وذكر أربعة في الحج 2. وعن ابن عباس أن العشرة الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة.
ولأنه تكبير للانتقال من حال إلى حال فلم ترفع فيه اليدان كالانتقال من الجلوس إلى السجود.
ووجه رواية ابن وهب الحديث الثابت في الموطإ والبخاري ومسلم أن ابن عمر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا قام إلى الصلاة حتى يكونا حذو منكبيه 3. وكان يفعل ذلك حين يركع وحين يرفع من الركوع.
ولأن الرفع شرع في تكبيرة القيام ولم يشرع للتكبير الذي ليس في حال القيام كتكبير السجود.
والرافع من الركوع قائم.
والرافع في حكم القائم.
ألا ترى أن مدرك 4 الركوع مع الإِمام يكون كمدرك القيام.
وإذا ثبت للركوع والرفع منه حالة القيام شرع التكبير فيه.
ووجه رواية ابن عبد الحكم أن حديث ابن عمر الذي ذكرناه اختلفت رواة الموطإ فيه.
فبعضهم لم يذكر رفع اليدين عنوإلانحناء للركوع، وإنما قال إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه.
وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.
وكان لا يفعل ذلك في السجود.
فلما اختلف في إثبات الرفع عنوإلانحناء، الرواة، فأسقطه يبيح وأبو مصعب والقعنبي وأثبته ابن القاسم وابن المبارك وابن مهدي وغيرهم.
ولم تثبت الحجة لما اختلف فيه الرواة هذا الاختلاف كما ثبت بما اتفقدا عليه.
ولعله أيضًا قدر أن المنحني للركوع ليس بقائم على الحقيقة

والرفع إنما شرع في تكبيرة القيام.
ووجه ما ذهب إليه ابن وهب رواية البخاري عن ابن عمر أنه كان يرفع إذا قام من ائنتين 1. ويذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
وقد ذكر في الرفع في تكبيرة السجود أحاديث.
قال بعض الحذاق إنها لا تثبت.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في منتهى الرفع، فقيل حذو الصدر وقيل حذو المنكبين وقيل حذو الأذنين.
والمشهور عن مالك حذو المنكبين.
وبه قال الشافعي.
وروى أشهب عن مالك حذو الصدر.
وبحذو الأذنين قال أبو حنيفة.
واختلفت الأحاديث على حسب اختلاف هذه الروايات.
فقال بعض المحدثين هو بالخيار بين أن يرفع حذو منكبيه أو حذو أذنيه.
وقال بعض أشياخي: يحمل اختلاف الأحاديث على التوسعة يفعل أي ذلك أحب.
فروى ابن عمر الحديث المتقدم في الصحيح وفيه حذو المنكبين.
وروى أبو حميد في عشرة من الصحابة أحدهم أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه 2. وروى مالك بن الحويرث ووائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حذو أذنيه 3. وقد استعمل بعض المتأخرين من أصحابنا هذا الاختلاف بين الأحاديث فقال كان يحاذي بكفيه منكبيه، وبأطراف أصابعه أذنيه فيكون مراد أحدهما بالمحاذاة غير مراد الآخر.
وإن استعملنا الترجيح من قبل الإسناد قلنا: ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أصح من قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث.
وقال بعضهم اختلفت الرواية عن مالك ووائل فروي عنهما أيضًا حذو منكبيه.
فإما أن تتعارض الروايتان وتسقطان.
وتبقى الرواية التي لا اختلاف فيها ولا معارض.
وترجيح إحدى الروايتين المختلفتين بالموافق لها من الرواية التي لا اختلاف فيها.
وهذا فيه اختلاف بين أهل الأصول وكلا القولين يؤديان إلى مطلوبنا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما صفة الرفع فالذي عليه العراقيون من أصحابنا اختيار كون اليدين قائمتين يحاذي بكفيه منكبيه وبأصابعه أذنيه لأن بهذا الشكل يتمكن من بناء الأحاديث المختلفة كما قدمناه، وهو الذي رأيت أشياخي يفعلونه.
ولو لم يكن في اختياره إلا البعد عن التكلف لكان معنى يقتضي إيثاره ويحسّن اختياره.
واختار سحنون كونهما مبسوطتين وبطونهما إلى جهة الأرض.
وحكى عن بعض المتأخرين اختيار إقامة الكف مع ضم الأصابع لأنه زعم أن هذا الشكل فيه معنى حال الرهبة، وهو ما اختار سحنون.
وفيه معنى من حال الرغبة وهي الإشارة بالكف نحو السماء والأمر في هذا قريب وإلى ما اختار أشياخي أميل.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما إبداء معنى معقول في الرفع فلا يلزم.
ولم يشتغل بذلك مشاهير الأئمة.
ولكن قال بعض أشياخي: القصد به إشعار النفس استعظام ما تدخل فيه.
وكثيرًا ما يجري من الناس عند مفاجأة أمر يستعظم رفع اليدين كالفزع منه والمستهيل له.
وقال بعض الخراسانيين إن رفع اليدين للمسؤول إنما يكون إذا اختلف مكان السائل من المسؤول وتباين مستقراهما.
والباري سبحانه لا مكان له ولا مستقر.
فكأن 1 هذه الحركة عنوإلافتتاح تسكين لوحشة النفس من سؤال من ليس في مكان 2، وبسطًا لها للتضرع والسؤال إذا تحرك البدن بالحركات التي تألفها النفس عند سؤال من ارتفع قدره وعظم شأنه.
هذا معنى ما فهمته من كلامه.
وذكر عن بعض المتصوفة أن القصد بذلك إشعار النفس بنبذ أمور الدنيا وراء ظهره لتستقبل النفس طلب ما عند الله.
وهذا الذي قاله هذا المتصوف إنما يناسبه من الأشكال المتقدمة ما اخترناه في حال الرفع لأن ذلك الشكل هو شكل النابذ للشيء وراء ظهره.
وهذه الثلاثة أجوبة دائرة كلها على أن القصد إشعار النفس بأمر ما وهي معان تروق الذهن.
وإن صحت وثبت أن قصد الشريعة ذلك، فذكرها ها هنا غرضنا به التنبيه على محاسن الشرع وعنايته بأن يمهد للنفس

تسهيل سبل الخير وليعلم المصلي معنى أفعاله وما يقصد به.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وإطالة القراءة في الصبح على ما سنذكره والتأمين بعد أم الكتاب.
والتسبيح في الركوع والسجود.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما معنى التأمين؟.
2 - وهل يخاطب به المصلون عمومًا أو خصوصًا؟.
3 - وهل يخفى أو يجهر؟.
4 - وهل يؤمّن من لا يسمع قراءة الإِمام؟.
5 - وما الدليل على أن التسبيح في الركوع والسجود مشروع؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف في معنى هذه اللفظة.
فقيل معناها معنى الدعاء وتقديره اللهم استجيب لي.
وقيل تقديره فعل الله ذلك.
وهي عبرانية عربتها العرب وبنت نونها على الفتح.
وقيل بل هي من أحد أسماء الله سبحانه.
وحذف حرف النداء.
قال بعض هؤلاء فَنُونُها مضمومة.
وقال بعضهم بل حركت بالفتح.
واختلف في شدها وتخفيفها.
فالمشهور التخفيف.
وحكى الداودي التشديد للميم، وأنكر هذه اللغة ثعلب.
وعلى القول بالتخفيف وهو المشهور المعروف اختلف في قصرها ومدها وينشد في القصر: تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وضعف ابن درستويه القصر وتأول أن هذا الشاعر قصر الممدود للضرورة إن ثبت رواية البيت على هذا النظم.
وينشد في المد: ويرحم الله عبدًا قال آمينا 1

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الرواية عن مالك، فروي

عنه أن التأمين مشروع لسائر المصلين عمومًا.
وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وروي عنه استثناء الإِمام في صلاة الجهر خاصة.
وذهب ابن بكير: إلى تخيير الإِمام بين التأمين وإسقاطه في صلاته الجهر.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث.
ففي بعضها إذا أمّن الإِمام فأمّنوا 1 وأيضًا قول ابن شهاب وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول آمين 2. وحديث ابن شهاب هذا وإن كان مرسلًا على المعروف والمشهور فقد أسنده بعضهم.
وفي بعض الأحاديث إذا قال الإِمام ولا الضالين فقدلوا آمين 3. وظاهر هذا أنه لا يقول آمين.
لأنه لو كان يقولها لم يقل هذا اللفظ الدال على اقتصاره على -ولا الضالين- وقد تأولت كل طائفة الحديث الذي تعلقت به الأخرى.
فمن أنكر تأمين الإِمام قال: معنى قوله: إذا أمَّن: أي بلَغ موضع التأمين أو يكون المعنى أن دعاءه بما في خاتمة أم القرآن يسمى تأمينًا.
وغير بعيد أن يسمى الداعي مؤمنًا كما يسمى المؤمن داعيًا وقد قال تعالى في موسى وأخيه: "قد أجيبت دعوتكما" 4 وأحدهما داع والآخر مؤمّن.
وأما حديث ابن شهاب فمرسل.
وإن وجب العمل به حمل على صلاته - صلى الله عليه وسلم - وحده.
أو على إمامته في صلاة السر.
ومن أثبت تأمين الإِمام تأول قوله إذا قال ولا الضالين.
على أن المراد: أنها علم على تأمينه.
فإذا لم يسمع المأموم التأمين لأن الإِمام يخفيه جعل له علم عليه.
وهو قول الإِمام: ولا الضالين.
ولما رأى ابن بكير اختلاف هذه الأحاديث وإمكان رد كل طائفة حديث مخالفها إلى حديثها صار إلى التخيير الذي حكيناه.
وقد أنكر الحذاق قول من حكينا عنه أن الداعي يسمى مؤمنًا لأنه إثبات لغة بالقياس.
وتسمية التأمين دعاء قد علم وجهه واتضح معناه.
وتسمية الدعاء تأمينا لا وجه له.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن قوله: إذا أمّن الإِمام لا يستقل بنفسه دليلًا لجواز أن يكون تأمينه مُباحًا

فيجعل 1 هذا الفعل المباح علمًا على خطاب المأموم بالتأمين إلا أن يعضد بأن يقال: لم يصر أحد إلى الإباحة فانتفت لعدم قائل بها.
وبطل قول من قال بالكراهة.
فلم يبق إلا قول من قال بالندب، فيستقل حينئذ الاستدلال بالحديث.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أن يقال اختلف الناس في التأمين هل يخفى أو يجهر؟ فذهب أبو حنيفة إلى إخفائه وذهب الشافعي إلى الإجهار به.
ومذهبنا أن المأموم يخفيه.
وأما الإِمام فإن قلنا بتأمينه فإنه يخفيه.
واختار بعض أشياخي أن يجهر به ليتقدى به.
وأشار بعض المتأخرين من أصحابنا إلى تخييره بين الجهر والإخفاء.
فحجة من أظهره قوله: إذا أمّن الإِمام فأمّنوا 2. فلو لم يكن مسموعًا لم يقل إذا أن الإِمام فأمنوا.
وقد ذكر أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يؤمنون حتى يسمع لتأمينهم رجة 3. واعتمد من أخفى التأمين على أن قوله إذا قال ولا الضالين فقدلوا آمين يقتضي إخفاء التأمين.
لأنه لو كان يجهر به لم يحتَجْ علمًا عليه.
ولا يمكن من قال بالتأمين أن يتأول هذا الحديث إلا على هذا على حسب ما قلناه.
وتنازعت الطائفتان أيضًا جهة المعنى فقال من أثبت الجهر ينبغي أن يكون تابعًا لقراءة أم القرآن فإذا جهر بها جهر به، كما جرى الأمر في السورة التابعة لأم القرآن.
وقال من أمر بالإخفاء.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 4. وقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ 5. والخائف لا يتكلم إلا همسًا.
ولهذا جرى الأمر في مخاطب ملوك الزمن أنه يخفض صوته إشعارًا لهم بالهيبة والخوف.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ 6. وقال في زكرياء: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً

خَفِيًّا} 1. وأثنى على الصدقة الخفية لبعدها من الرياء.
وإنما شرع رفع الإِمام صوته بالتكبير لكون تكبيراته إعلامًا.
ولهذا لم يشرع ذلك في تكبير المأموم.
وهذا كله يقتضي إثبات الإخفاء.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: قال مالك في العتبية وعيسى ابن دينار في كتاب ابن مزين فيمن لا يسمع قراءة الإِمام أنه لا يؤمّن.
وحكاه ابن حارث عن ابن نافع.
وحكى عن ابن عبدوس أنه يتحرى فيؤمّن.
وأن لقمان ابن يوسف شبهة بتحري المريض رمي الجمار عنه فيكبر.
وإن يحيى ابن عمر أنكر هذا التشبيه لأجل أن التأمين لا يكون إلا في مواضعه.
ووجه الذي قاله مالك أنه قد يصادف تأمينه ما هو أولى على الجملة بأن يستعاذ بالله منه، من أن يؤمّن فيه كآي الوعيد.
وإذا أمكن ذلك لم يحسن التأمين.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: الدليل على أن التسبيح في الركوع والسجود مشروعان 2 قول عقبة ابن عامر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال سبحانه ربي العظيم ثلاث مرات.
وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات 3. وليس بواجب لأنه لم يعلمه للأعرابي.
وقد تقدم حكايتنا عن أحمد وإسحاق وداود إيجابه وبطلان الصلاة بتركه إلا داود فإنه لا يبطلها.
وإذا كان مستحبًا فإن مالكًا لم يحد فيه حدًا.
وأنكر في المدونة قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى.
وقال لا أعرفه ولا أجد فيه حدا.
والشافعية 4 تستحسن هذا اللفظ وتحده بثلاث.
وأشار الثوري إلى التحديد بخمس في الإِمام ليتمكن المأموم من أن يقول ثلاثًا.
وقال الحسن: التام من السجود سبع والمجزي ثلاث.
وأشارت الشافعية إلى استحسان زيادة

القول -وبحمده- لوقوعه في بعض الآثار ولما فيه من زيادة التحميد.

قال القاضي رحمه الله: والقنوت في الفجر وقول المأموم ربنا ولك الحمد وسجود التلاوة.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما معنى القنوت؟.
2 - وما حكمه؟.
3 - وما محله من الصلوات؟.
4 - وما محله من الصلاة؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: القنوت ينطلق على أربعة معاني.
أحدها الدعاء يقال فيه قنت وأقنت.
والثاني الطاعة ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ 1. والثالث السكوت، ومنه قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ 2. والرابع القيام.
وقد اختلف في قوله عليه السلام لما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال طول القنوت 3. فقال بعض الناس معناه طول القيام.
وقال بعض البغداديين من أصحابنا: القنوت هو الدعاء وهو المراد بهذا الحديث.
والقنوت الذي أخذنا في الكلام عليه قد حصلت فيه هذه المعاني الأربعة بأنه طاعة ودعاء والدعاء محله القيام وفيه السكوت مقدرًا.
لأن الآخذ في دعاء القنوت ساكت عن القراءة في محلها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في القنوت.
فقال أبو حنيفة ليس بمشروع وبه قال الثوري.
وذهب إلى هذا يحيى بن يحيى من أصحاب مالك.
لكن أبا حنيفة يراه في الوتر في جميع السنة.
وقال مالك والشافعي هو مشروع في صلاة الصبح.
فعند الشافعي أنه مسنون.
والمشهور عن مالك وأصحابه أنه ليس بمسنون ولكنه مستحب.
وقال ابن سحنون هو

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل