شرح التلقينصفحات 232-271

كتاب الحجر والتفليس

صفحات 232-271

الحدود ولا تلزمه عقوده للعلة الجامعة بينهما من فقدان العلم بتدبير المال، بل زاد السكران فقدان العقل كما نبّه الله سبحانه عليه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ 1 فلو كان السكر لا ينافي العلم لم يجعل الباري سبحانه ها هنا غاية وجود العلم فقدان السكر.
وأمّا عقوده في غير معاوضة، ولكنها تفتقر إلى قبول، كهباته، فإنها على القولين في بيعه وشرائه.
لكن الهبة تفتقر إلى قبول الموهوب كما تفتقر عقود بياعاته إلى قبول المشتري منه.
وأمّا ما لا يفتقر إلى قبول كطلاقه وعتاقه فإنه يلزمه ذلك.
هذا المعروف من المذهب.
وحكى بعض أشياخي عن بعض أشياخه أنه روى عن مالك أن طلاقه يلزمه، وهو مذهب ربيعة والليث وغيرهما.
وما ذاك إلاّ بما قدمناه من التعليل من كونه أدخل على نفسه ما أفسد عقله تعديًا منه وظلمًا لنفسه، فصار فقدان عقله حكمه كحكم العدم، وكأنه باقٍ على ما كان عليه قبل شربه الخمر.
وقد علل مالك رضي الله عنه إلزامه الطلاق بكونه قد وقع منه الطلاق، ونحن لا نصدقه مع إيقاعه أنه بغير العقل حين إيقاعه لكونه تعدى في شربه، فلم يصدق فيما يدعيه من ذهاب العقل.
ويؤكد هذا أن رفع التكليف عن الصبي والمجنون تخفيف ورخصة وترفيه ورفع مشقة، وفقيد العقل بالشرب قد أتى معصية وركب كبيرة.
والمعاصي لا تجلب الرخص، لأن الترخيص في الشيء مسامحة في ركوبه وتسهيل لفعله، والشرع قد أقام الحدّ على أهل الفسوق زجرًا لهم عن معاودة المعصية وطردًا لغيرهم عنها مخافة العقوبة.
فلو كان سكره يرفع عنه هذه الأحكام لكانت المعاصي كالرخص له فيها، وهذا عكس موضوع الشرع.

والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: اختلف في المخدوع في البياعات: هل يحجر عليه لأجل ذلك كما يحجر على من لا يحسن حفظ المال وإمساكه أم لا؟ وسبب الخلاف في ذلك أن أهل حَبّان بن منقذ سألوا النبي عليه السلام أن يحجر عليه، لكونه يخدع في البيوع، فقال له لمّا شكى ذلك إليه، فقال له: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" 1 فكأن من رأى الحجر عليه، وهو اختيار ابن شعبان، رأى أن التحجير على المغبون لو لم يكن جائزاً لأنكر النبي عليه السلام على السائل في التحجير قوله، وهو عليه السلام لا يقرّ على خطأ وغلط فيما يتعلق بالشرائع.
ووجه القول بأنه لا يحجر عليه أنه عليه السلام لم 2 إلى ما طلب منه من الحجر، ولو كان سائغًا لأجاب السائل فيه إليه، بل علّمه ما يصون به ماله ويستغني به عن الحجر، فقال له: "اشترط أَلاَّ خلابة".
معناه أن يستسلم إلى من يعامله ويشترط عليه ألاّ يغبنه.
فإذا ظهر بعد ذلك غبن كان له أن يرد لمخالفة الشرط بخلاف المغبون.
وأما المماكس ولكنه غبن لأجل جهله بالقيمة ففيه قولان: إذا كانت المغابنة فاحشة، تقدم ذكرها في كتاب بيع الخيار من البيوع.
وقد قدّمنا من حقيقة الرشد ذكر الاضطراب في اشتراط تنمية المال، فهذا المغبون إن كفّ عن التجر فأمْسك ماله، جرى ذلك على ما قدمناه فيمن يحسن إمساك المال ولا يحسن تنميته، فإنه يدفع إليه وينهى عن التَّجْر بِهِ، فإن لم ينته عن التجر خيف أن يتلف جميع ماله.

والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:

أمّا المسلم إذا ارتدّ فإنه قد إنحلّ ما كان ثبت له من أمان في نفسه وماله، فوجب أن يوقف في نفسه ليقام عليه حكم الله سبحانه في قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإِسلام، وكذلك يوقف ماله كما وقفت نفسه، لأنه إن قتل على ردّته كان ماله للمسلمين ولا يرثه ورثته.
فهو في نفسه وماله على الوقف ليرى ما يكون منه: فإن رجع إلى الإِسلام صار ماله كما صار نفسه على المشهور من المذهب، وإن استبيحت نفسه بالقتل استبيح ماله، وإذا كان الحكم إيقاف ماله واعتقاله: فهل تردّ أفعاله فيه ويكون محجورًا عليه بنفس الردة؟ أو تكون أفعاله ماضية حتى يحكم القاضي عليه بالحجر؟ أمّا إن رجع إلى الإِسلام مضت أفعاله، وأمّا إن قتل على ردته، ففيه اختلاف في المذهب: فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنه لا يكون محجورًا عليه بنفس الردة حتى يحكم الإِمام بالحجر عليه.
ورأيا أن أفعاله ماضية.
وذهب سحنون إلى أنه محجور عليه بنفس الردة.
فهذا قد يحسن أن يقال: إن الاختلاف في هذه المسألة مثل الاختلاف في السفيه المهمل: هل يكون محجورًا عليه لوجود علة الحجر وهو السفه؟ أو لا يكون محجورًا عليه إلا بالحكم بالحجر؟ وقد كنا قدمنا الاختلاف في ذلك، إلى هذا أشار بعض الأشياخ.
وقد يقدح في هذا التمثيل بأن الردة معنى محسوس مسموع فأشبه الجنون والصغر اللذين لا يفتقران إلى حكم حاكم لمّا كان ثبوتهما لا يفتقر إلى اجتهاد، بخلاف السفيه المهمل الذي اختلف فيه، لكن ثبوت السفه فيه يفتقر إلى اجتهاد.
لكن يقال في هذا أيضًا: فإن ابن القاسم ذهب في السفيه المهمل إلى أنه ترد أفعاله وإن لم يحكم الحاكم بالحجر.
وذهب في المرتد ها هنا إلى أن أفعاله

على الإمضاء، فإن لم يكن اختلف قوله، فهذا يشعر بأن الردة في إيجاب الحجر أخفض رتبة من وجوب الحجر على السفيه المهمل.
فهذا هو الحكم فيه قبل أن يقع الحكم بالحجر عليه.
وأمّا إن وقع الحكم بالحجر عليه وقتل على ردته فلا شك في أن أفعاله مردودة.
وأمّا إن رجع إلى الإِسلام فإن أشهب رأى أن أفعاله مردودة أيضًا كما لو قتل على ردته وكأنه قدّر أن إمضاءها كالنقض للحكم، والحكم الصحيح لا ينقض.
وذهب ابن القاسم إلى أن أفعاله تمضي، وكأنه قذر أنه انكشف أن الخجر كان في غير موضعه، وأنا لو اطلعنا على الغيب وعلمنا أنه يعود إلى الإِسلام لم يحكم بالحجر عليه، فلهذا أمضى أفعاله إذا رجع إلى الإِسلام.

والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال: أما تمكين الزوج من الحجر على زوجته في بيعها وشرائها من غير محاباة.
فلا خلاف أن ذلك ليس من حقه.
وأمّا تمكينه من الحجر عليها في الهبات والعطايا، فإنه مِمّا اختلف الناس فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس من حقه أن يحجر عليها قياسًا عليه في نفسه: أن ليس من حقها أن تحجر عليه إجماعًا.
ومن الناس من ذهب إلى أنه يمكن من الحجر عليها في العطايا والهبات على الإطلاق بعكس ما حكيناه عن أبي حنيفة والشافعي.
وذهب مالك إلى أنه يمكّن من الحجر عليها إذا زادت في العتق والعطايا على ثلث مالها، قياسًا على المريض، فإنه لا يمنع من هبة ثلث ماله فأقلّ،

ويمنع فيما زاد على ذلك.
وسبب الخلاف في هذا من جهة الاعتبار الالتفات إلى شواهد أصول: فقد تقرر في الشرع أن الحجر إذا كان حقًا للمحجور عليه انطلق على منعه مما قلَّ من ماله أوْ جلَّ.
وإذا كان الحجر حقًا لغير المحجور عليه، فاختلف أحكام الشرع فيه: فللسيد أن يحجر عليه فيما قل أو جل من ماله، لما كان الحجر ليس حقًا للعبد، وهو حق لسيده.
والمريض لما كان الحجر عليه حقًا لورثته حجر عليه فيما زاد على ثلث ماله.
فأصحاب كل مذهب اتفقوا 1 إلى ما يوافق مذهبهم من هذه الأصول: فأبو حنيفة والشافعي رأيا أن أصول الشرع لا يمنع الرشيد من التصرف في ماله كيف شاء.
وأمّا الالتفات في هذا إلى الآثار، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي عليه السلام قال: "لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذنه".
وهذا الحديث مرسل، والعمل بالمراسيل فيه خلاف بين أهل الأصول.
وروى ابن حبيب عن النبي عليه السلام معنى هذا الحديث عن النبي عليه السلام مقيّدًا، فقال: "لا يجوز لامرأة أن تعطي من مالها شيئًا له بال بغير إذن زوجها" أو كما قال.
وهذا التقييد يوجب رد حديث عمرو بن شعيب إليه، فقال ابن حبيب: رأى العلماء مقدار مالَه بال الثلث استدلالًا منهم بما ورد الشرع به في إطلاق الثلث للمريض وإن تعلق لورثته حق بماله.

وقد علم عند أهل الأصول أن الحكم الواحد إذا ورد فيه مطلق ومقيد رد المطلق إلى المقيد.
وأمّا أبو حنيفة والشافعي فإنهما يتعلقان بقوله عليه السلام لما خطب يوم العيد ووعظ "وإذا" 1 النساء، فقال: "تصدقن من حُليَكُنَّ" 2. فقوله "تصدقن" أمر عام لم يحدّ فيه مقدار ما يتصدقن به، ولو كان ذلك ممنوعًا على الإطلاق كما ذهب إليه بعض الناس لم يقل "تصدقن".
ولو كان أيضًا يجوز ذلك في بعض المال دون بعض كما قال مالك لم يطلق الأمر بالصدقة، بل كان يقيدها بأن يقول: تصدقن بمقدار ثلث مالكن.
والظاهر أنه إذ خاطب النساء عمومًاْ من غير أن يلتفت إلى من لها زوج أو لا زوج لها، ولا إلى من كان زوجها حاضرًا لهذا بذلك وميت لم يكن حاضرًا.
وكان أبو حنيفة والشافعي تعلقا بهذا الحديث.
وتعلق مالك بالحديث الذي رواه ابن حبيب.
وتعلق المخالف الثالث بحديث عمرو بن شعيب.
وأمّا طرق القياس، فقد نبهناك عليها.
واختلف المذهب على قولين: إذا تصدقت بأكثر من الثلث هل يرد جميع ما تصدقت به، لكونها تعدّت في هذه الصدقة، وهي فعلة واحدة، فلما ثبت فيها العداء ردّ جميعها، أو يختص الردّ بما زاد على الثلث لأن التعدي مختص به، فيجب في هذا العقد أن يمضي فيه ما يجوز، ويرد ما لا يجوز.
وإذا أبحنا لها الصدقة بثلث مالها فأرادت بعد ذلك بقرب زمن أو بُعده تتصدق 3 بشيء آخر من مالها؛ فالمعروف.
من المذهب أن ذلك لا يمنع منعًا

مطلقا لكن القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ذكرَ في تلقينه هذا أن ذلك ليس من حقها، وكأنه رأى أن الأصل تمكين الزوج من منعها من عطية مالها.
وإنما ورد الإذن فيما ليس له بال.
فإذا فعلت ما أذن لها فيه فليس لها أن تعود إلى مثله، لأنا لو مكناها من هذا صار ذلك كالموافقة لأبي حنيفة والشافعي في إباحة إعطائها جميع مالها إذ لا فرق بين أن تعطيه كرّة واحدة أو على كرات وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على أن المرأة تنكح لمالها.
وأشار إلى أن للزوج غرضًا في كونها موسرة ليتجمل بمالها ويستغني بكثرته عن استقصاء طلب حقوقها منها، وقد يرثها أو تنفق بنية 1 منها.
فإذا أبحنا لها تكرير العطية حتى يفنى مالها بطل غرض الزوج في ذلك.
وذهب أصبغ إلى تفصيل في هذا، فرأى أنه يباح لها تكرير العطية إذا كان بين العطية الأولى والثانية بُعدٌ وتفاوت كالستة أشهر ونحوها، فإنها تمكن من عطية ثلث ما بقي من مالها.
وأيضًا فإن كان بين العطاءين اليوم واليومان قدر كالعطية الواحدة في الكلمة الواحدة فيعتبر فيها الثلث.
ويختلف إن زادت عليه: هل ترد العطيتان أو يمضي منها مقدار الثلث؟ فإن كان بين العطيتين مقدار الشهر والشهرين ردت العطية الثانية، ولو حملها الثلث بعد إضافتهما إلى العطية الأولى.
وهذا القسم أنكره بعض الأشياخ وأشار إلى أنه لا وجه له، لأنه إذا كان بين العطيتين الشهر والشهران وكانتا جميعًا يحملهما الثلث، والثلث مباح لها أن تعطيه، فلا فرق بين أن تعطيه في كلمة واحدة أو في كلمات مفترقات بينهما زمن بعيد أو قريب.
وقد اختلف المذهب على قولين مشهورين في صدقتها بثلث مالها إذا تصدقت بذلك للضرر هل تمضي أو ترد؟ كما اختلف في المريض إذا أوصى بثلثه قاصدًا للضرر: فقيل: يرد ذلك فيه لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ 2.فشرط في إمضاء الوصية ألاَّ يقصد بها الضرر.
فكأن

أشهب رأى أن العطيتين إذا كان بينهما هذا المقدار، فإن ذلك علم عنده على قصد الضرر بالأولى والثانية، فيردان جميعًا وإن حملهما الثلث بناءً على أحد القولين في ردّ عطيتها إذا قصدت بها الضرر.
وسنبسط هذا إن شاء الله في غير هذا الموضع.

والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال: أمّا الحجر على المفلس وهو الذي يثبت عند القاضي عليه ديون يقصر عنها 1 في يديه من المال، وطلب أصحاب الديون القاضي في التحجير عليه، فإن ذلك مما اختلف الناس فيه: فذهب مالك والشافعي رحمهما الله إلى أن القاضي يحجر عليه ويمنعه من التصرف في ماله لحق الغرماء في ذلك، مخافة إن مكن منه أن يتلفه عليهم.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحجر عليه ولا يمنع من التصرف في ماله.
وحجتنا عليه أن النبي عليه السلام حجر على معاذ بن جبل 2 هكذا رواه المحتجون بهذا الحديث.
ورواه آخرون خلع: خلع معاذ بن جبل من ماله.
وأيضًا بحديث أسيْفع جُهَيْنة في قول عمر بن الخطاب فيه مخاطبًا للناس في خطبة خطبها: إن الأسيفع، أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاجَّ، وإنه اِدَّانَ مُعرِضًا، فأصبح وقد رِين به فمن كان له عليه شيء فليأتنا فإنا قاسموا ماله بالغداة إن شاء الله 3. وهذا يشير إلى التحجير عليه وقضاء ديونه لغرمائه.

وأبو حنيفة يُجيبُ عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون الأسيفع ميتًا، فيجوز للإمام أن يقسم ماله ويصرفه لمن يستحقه.
وأجيب عن هذا بأن ظاهر هذا الخبر أنه كان حيًّا، إذ لو كان ميتًا لنقل ذلك مع قوله: "وقد رين به" يعني بقوله "رين به": حيط به، من قوله: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ 1 يعني: غطى وأحاط.
وقيل: معنى "رين به": انقطع به.
ويجيبون هم عن هذا بأنه لم ينقل في الخبر أنه أحضِر وطلب بالقضاء وعذر إليه.
وهذا أيضًا مما يؤكد عندهم حمله على أنه ميت، وإن احتمل أن يكون قال ذلك عمر رضي الله عنه وقد فرغ من الواجب في ذلك كله.
وإذا تقرر الخلاف الذي ذكرناه في الحجر عليه، فإن القاضي يعرض عليه القضاء، فإن قَبِل ذلك مكنه منه، محتفظًا على المال لئلا يتلف، وإن امتنع منه باع عليه عقاره وغير ذلك من ماله.
وذهب أبو حنيفة إلى أن القاضي لا يبيع عليه شيئًا من ماله إلاّ أن يكون عليه ذهب وله فضة، أو عليه فضة وله ذهب، فإنه يصرف ذلك، أو تكون زوجة طلبت زوجها للإنفاق، فيبيع ذلك للإنفاق عليها.
وهذا بناء على أصله: أنه لا يحجر عليه أن يبيع ماله بغير إخساره تحجير عليه، لكنه يرى أن القاضي يحبسه حتى يبيع بنفسه عقاره ويقضي ثمنها 2 غرماءه.
ونحن نبسط الكلام عليه في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر الحجر وأحكامه، فلننظر الآن في من له الحجر: فأمّا اليتيم السفيه الذي لا وصي له ولا مُقَامٌ، فالنظر فيه إلى القاضي: يتولى ذلك بنفسه أويقيم له من ينظر فيه.

وأمّا الصغير الذي له أب، فأبوه يتولى الحجر عليه إلى أن يرشد.
وإن مات الأب واستوصى عليه وصيًا فهو المستحق للحجر عليه.
وكذلك وصي الوصي يحل في هذا محل الوصي، كما حل الوصي محل الأب.
فإذا رشد من له الأب ثم صار سفيهًا فما يحجر عليه إلى 1 القاضي، وليس ذلك لأبيه؛ لأنه قد خرج من ولأنه، فصار بذلك كالأجنبي منه الذي ليس له من يستحق النظر له.
فيكون الأمر فيه للقاضي.
وإذا حجر القاضي على أحد أشهد ذلك في مجلسه.
وأمّا فكّ الحجر، فقد قدّمنا أن سبب الحجر إذا ارتفع وزال عاد الأمر في المحجور عليه إلى ما كان عليه قبل ذلك.
وقال القاضي عبد الوهاب: "لا ينفكّ الحجر إلا بحكم حاكم"، كما تقدم ذلك عنه.
والمشهور من المذهب في الوصي والمقام إذا علمًا رَصيدًا 2 لمن في ولائهما، وتبين ذلك لهما، أن لهما أن يدفعا إليه ماله.
هكذا قال.
مالك رضي الله عنه.
وعلى ظاهر كلام القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب يفتقر إلى 3 الدفع إلى حكم حاكم.
والذي قاله مالك رضي الله عنه هو مقتضى ظاهر القرآن كقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 4.

يخاطب تعالى سائر الذين في ولائهم من يجب الحجر عليهم بأن 1 يؤتوهم أموالهم إلى أن يبلغوا ويعلموا رشدهم فيدفعوا إليهم أموالهم.
فجعل الدفع إليهم 2 لم يعتبر في ذلك حكم قاض.
فكأن القاضي أبا محمَّد عبد الوهاب 3 أن الأحوط لمال اليتيم أن يكون الدفع بحكم قاض لأن السفه والرشد قد يفتقر فيهما إلى اجتهاد، فقد يعتقد الوصي رشد من في ولأنه، وأنه قد صار في حيز من يصون ماله وينميه، والأمر بخلاف ذلك في الباطن.
فإذا صُرف ذلك إلى القاضي استقصى الأمر فيه بحسب الاجتهاد ولم يوقع الحكم إلا بعد ثبوت ما يوجبه.
وإن كان الأمر في ذلك يناط بالوصي فلا يحكم القاضي بارتفاع الحجر حتى يعذر إلى الوصي ويرى ما عنده.
فقد صار ذلك مُناطًا بالوصي، فلهذا رأى مالك رحمه الله أن للوصي دفع ماله من غير افتقار إلى حكم حاكم.
وقد وقع لسحنون ما ظاهره يؤكد ما قلناه من 4 الأمر مناط بالوصي، وبنى، على قوله، فقال في رجل أتاه يتيمه فأخبره أن أباه استوصاه عليه وأنه تبين منه الرشد، وسأله في الحاكم 5 بإطلاقه.
فبنى سحنون الحكم على أنه أتى فلان ومعه فتى ذكر أن اسمه فلان بن فلان، وأن أباه استوصاه عليه، وأنه قد تبين رشده، فأمرته بأن يدفع إليه ماله وأبرأته.
فهذا إن أخذ على ظاهره صح إسناد الحكم إلى قول الوصي من غير أن يثبت ذلك عند القاضي.
والأمران القاضي لا يحكم برشد المحجور عليه بمجرد خبره، وأنه المستحق النظر له (عندي رشد) 6.

وقد تأول بعض الأشياخ قول سحنون هذا على أنه إنما أراد بقوله "أمرته بالدفع" الإذن في ذلك على مقتضى ما وقع لمالك رضي الله عنه من كون الوصي له الدفع من غير افتقار إلى حكم حاكم.
وفي قوله "أبرأته" المراد به أيضًا: أبرأته من الدفع.
يعني أثبت له ذلك إثباتًا، لأن الوصي لو نازعه من كان في ولأنه في كونه دفع إليه المال، وأنكر اليتيم أن يكون قبض، لم يقبل قول الوصي إلا بالإشهاد.
فكأن قول الحاكم "أبرأته" يريد: حكمت له بالبراءة من الدفع خاصة، (لا يكون المدفوع إليه رشيدًا أو سفيهًا) 1. ويمكن أن يكون "أبرأته" على مقتضى قوله: إن المال هذا وارثه رشيد، فيكون ذلك كحكم مشترط فيه أني أبرأته إن ثبت ما قال.

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فأمّا المفلس إذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه، فإن الحاكم يحكم عليه ويمنعه التصرف في ماله.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال: 1 - كيف صفة الحجر على المفلس؟ 2 - ومن يستحق الحجر عليه؟ 3 - وما الذي يباع على المفلس من ماله؟ 4 - وما الذي يقع الحصاص به؟ 5 - وما حكم المحاصّة التي يترقب انتقاضها؟

6 - وما الحكم في المحاصّة بمال لا يستقر ملكه إلا بعد الموت؟.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد قدمنا اختلاف فقهاء الأمصار في صحة الحجر على المفلس، وذكرنا أن مالكًا والشافعي اتفقا على أن الحاكم يحجر عليه إذا سأله غرماؤه في ذلك، وكان ما في يديه عن 1 حقوقهم، وقد وجبت لهم المطالبة به.
وذكرنا أن أبا حنيفة أنكر الحجر على المفلس، وهذا مع اتفاق الجميع على أن القاضي إذا نصب لاستخراج الحقوق وممن 2 هي عليه إذا امتنع من أدائها، ولكن رأى مالك والشافعي أن وجه استخراجها المؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه أن يحول بين المفلس وبين ماله إن امتنع من القضاء.
ويمنعه من التصرف فيه ويبيعه عليه حتى يستوفي الغرماء حقوقهم.
ورأى أبو حنيفة أن المفلس حر بالغ عاقل رشيد.
ومن كان كذلك فلا يمنع من التصرف في ماله.
وكون هؤلاء لهم حق عليه في ماله يصح أن يوصلهم الحاكم إلى حقوقهم بأن يسجن المفلس ويضيّق عليه حتى يبيع عقاره وأثاثه بنفسه ويقضي ما عليه.
وهذا الذي قاله لا يكون سببًا عامًا موثوقًا به في حق كل واحد: إن هذا مما يؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه، لأنه من يتجلد على الحبس والتضييق، ويطول ذلك فيصير ذلك مماطلة بحق على مليء به أو ببعضه وهذا إضرار بالغرماء.
والحجر عليه يتعلق بكل تصرف ينقص المال الذي في يده، فليس للمفلس الذي حكم بالحجر عليه أن يعقد عقدًا لا معاوضة فيه مما يعود بانتقاص المال الذي في يديه كإعتاقه عبده عتقًا ناجزًا أو عتقًا مؤجلًا، وتكون

خدمة العبد إلى أجل ليس فيها إن بيعت ما يقضى منه الدين، ونقص ثمن الخدمة عن ثمن الرقبة إن بيعت بالنقد.
وكذلك ليس له أن يدبّر عبده أيضًا، على حسب ما قلناه من العتق المؤجل، وكذلك ليس له أن يهب أو يتصدق أو يحبّس، لأن جميع ذلك إبطال لحق الغرماء ونقص من المال الذي استحقوه.
وأمّا العقود التي بغير معاوضة ولكنها لا تنقص المال، كطلاقه لزوجه وخلعه ولعانه واستلحاق نسب أو نفيه، أو عفوٍ عن جراح عمد أو عن حدّ وجب له، فجميع هذا لا يناوله 1 الحجر عليه.
وأما عقود المعاوضة التي هي بيع وشراء، فإنها موقوفة على ما هو أوفر للغرماء وأقرب إلى استيفاء حقوقهم إذا كان البيع والشراء مصروفاً إلى المال الذي وقف.
وأما إذا كان مصروفاً إلى ذمته وعقد ذلك على وجه جائز كسَلَم يسلم إليه فيه إلى أجل بعيد، يصح العقد عليه أو ما في معنى ذلك، فليس لغرمائه أن يمنعوه من ذلك لأنه لا يعود بانتقاص المال الذي استحقوه.
فإن باع بيعًا بعد الحجر من السلع التي وقفت للغرماء، فإن رأى القاضي أن أخذ أثمانها أوفر للغرماء وأفيد من فسخ البيع أمضاه، وإن رأى أن فسخ البيع والنداء على السلعة أوفر للغرماء وأفيد فعل ذلك.
فكذلك سبيلك فيما اشتراه على أن يؤدي ثمنه من المال الموقوف.
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة: فرأى مرة أن عقوده هذه على الوقف حتى ينظر فيها: هل يفضل بعد قضاء ديونه فيمضي عقده فيهما؟ أو ينقص فينظر في عقده أيضًا.
وقال أيضًا قولًا ثالثًا: إن عقوده تفسخ على كل حال.
وكأنه رأى أنه لمّا حيل بينه وبين ماله، ونهي عن التصرف فيه، صار عقده عقدًا منهيًا عنه يدل على فساد المنهي عنه.
وهكذا مذهبه فيمن غصب سلعة فباعها أن البيع يفسخ ولا

يُمَكَّن الذي غُصبت منه السلعة من إجازة البيع، خلافًا للمشهور من مذهبنا.
وقد حكى ابن شعبان عن بعض أصحابنا: أنه يرى في ذلك ما رآه الشافعي من كون بيع الغاصب يفسخ على كل حال وقد كُنَّا قدّمنا نحن في غير هذا الموضع أن النهي إذا كان لحقوق الخلق لم يؤثر فسادًا في العقد قياسًا على المصرّاة.
والنهي هاهنا راجع لحقوق الخلق.
ثم قد تقرر أن الحاكم إذا انتزع مال المفلس من يديه وحجر عليه التصرف فيه لحق الغرماء، صار ذلك كالرهن يرهنه من له الدين فبيع الراهن فيه لا ينفذ، وقد تعلق حق الورثة بمال من يرثونه إذا مرض، ثم لو باع جميع ماله بأعواض لا محاباة فيها لمضى بيعه، ولم يمنع من ذلك تعلق حق الورثة بماله مع كونهم يستحقون غير ما في يديه ولا يستحقون في ذمته شيئًا؛ بخلاف المفلس الذي يستحقون حقوقهم في ذمته لا عين ما في يديه بل مقدار ما في يديه.
فإذا جاز للمريض في ماله عقود المعاوضة، فكذلك يجوز للمفلس المحجور عليه.
لكن الحجر على المفلس أضيق من الحجر على المريض، ألا ترى أن المريض له أن ينفق من ماله في الأشربة والأدوية وطيّب الطعام، ما ليس للمفلس أن يفعله، وإنما للمفلس ما يفرضه القاضي من قوته، على ما يبسط في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.
وهذا يقتضي القدح في قياس المفلس على المريض لكونهما يختلفان في السعة والتضييق.
والذي ذكرناه عن الشافعي فيما يتصرف فيه المفلس ويعقده على نفسه في المال الذي حُجر عليه فيه من بيع أو شراء هو بنفسه قال فيه قولين: أحدهما إبطال هذه العقود.
والثاني كونها موقوفة على اعتبار ما يظهر بعد قسمة المال: هل تفضل أو يطرأ مال تخرج منه هذه العقود كلها؟ قال: وبهذا يفتي وعليه يناظر.
ووجهه ما أشرنا إليه من كون التصرف لم يصادف مالكًا محققًا يجوز له التصرف فيه، فصار تصرفه باطلًا كتصرف الإنسان في مال غيره بغير إذنه.
فإذا قيل بهذا المذهب الذي هو إبطال العقود في الحال

من غير انتظار ما ينكشف بعد قسمة المال.
فلا تفريع على هذا.
وإن قيل بالوقف: فإن أبا حامد الإسفراييني فرع هذا على أحد قوليهم بأنه إذا ظهر بعد قسمة المال فضلة، فإنه يرد من عقوده الأضعف فالأضعف.
فلو فضل بعد قسمة المال فضلة وقد باع ووهب وأعتق فإنه رأى أن التفريع على هذا القول رد الهبة لكونها أضعف من البيع الذي هو المعاوضة، والهبة بغير معاوضة أضعف من العتق الذى له حرمة ويستكمل على الشريك المعتق نصيبُ شريكه لحرمة العتق.
ثم يلي الهبة في الإبطال البيع لأنه وإن كان عن معاوضة فإنه ليست له حرمة العتق، فكان العتق أقوى هبة 1، فوجب أن يقدم إمضاؤه في الفضلة التي تبقى بعد قسمة المال على الغرماء لحوالة سوق أو لطريان مال.
وهذا الذي فرعه من قال بالوقف، فإنا نحن من القائلين به، ولكن تفترق من (أمين) 2 وموافقيهم في هذه الطريقة لأنهم يرون الحجر يوجب تأثيرًا في العقود: إمّا إبطالها جملة، وإما ضعفها وكونها معرضة للإبطال.
ونحن نرى إذا ظهر أن العتق والبيع والهبة كانوا 3 في حين إيقاعهم مما يجب أن يمضي لو اطلعنا على غيب ما يكون في المستقبل ويظهر، لم يحجر عليه فيها ولا تعقبنا عقوده في عتق أو بيع أو هبة.
وأمّا البيع فقد ذكرنا أنه لا يتعقب إذا كان بالقيمة فلو فضلت فضلة بعد قسمة المال فإن البيع قد ذكرنا أنه يجب إمضاؤه، إذا لم يكن إمضاؤه فيه ضرر على الغريم.
هذا بفور البيع، فكيف به بعد قسمة المال وزوال حق الغرماء

وأما العتق والهبة فيجب أن يقدم الأسبق منهما، فإن كان عتقه سابقًا لهبته وفضلت فضلة صرفت إلى العتق إن لم يكن فيها محمل للهبة مع العتق.
وإن كانت الهبة أبتّها، وقلنا: إنه لا رجوع للواهب في هبته، وهي لازمة بالقول كالبيع، فإنها تتقدم على العتق إذا وهب سلعة ثم بعد ذلك أعتق عبدًا.
وسنتكلم على ما وقع في المدونة: ثم بعد ذلك وهبها لآخر حازها عنه أو وهب عبدًا ثم أعتقه.
وأمّا كتابة المفلس لِعبد دخل في الحجر مع جملة المال، فالظاهر من المذهب أنه لا ينفذ عقده فيه كالعتق.
لكن اختلف المذهب على قولين في الكتابة هل هي من ناحية العتق وأحكامه تغلب عليها، أو من ناحية البيع، لما كان العبد إنما يعتق بعوض وأحكام البيع تغلب عليها؟ فإذا قلنا: إنها كالبيع نظر إلى قيمة الكتابة لو بيعت، فإن وفت بقيمة الرقبة نقدًا، أو بيعت للغرماء حتى يظهر أنه لا ضرر عليهم في أمضائها ولا انتقاصَ في ما يأخذونه من المال جاز ذلك، كما قدمناه في بيع المفلس سلعة مما حجر عليه.
وقد ذكر أبو حامد الإسفراييني أن المزني اختار القول الذي اختاره وهو في كون عقود المفلس المحجور عليه محمولة على الإبطال.
واحتج المزني بأن الشافعي قطع بأن الكتابة مردودة.
قال أبو حامد: فيقال له: يا أبا إبراهيم، والكتابة أيضًا مختلف فيها كما اختلف في عقوده كلها التي ذكرناها.
وأمّا استيلاد المحجور عليه لأمة فيها 1، فإنه لا يكون تعدّيه في وطئها مبيحًا لإرقاق ولده الحر، لأن من وطئ أمته فأولدها فولده حر بإجماع.
لكنه إذا كان لا حجر كانت بهذا الولد الحرّ المجمع على حريته أُمَّ ولدٍ لا يجوز بيعها،

وهذا لمّا تعدّى في وطئها لم يبطل حق الغرماء في عينها، وهي لما وقفت لهم لمن 1 يكن عندها ولد رقيق يجب أن يوقف، فتعدى عليها السيد وإنما افتات 2 رقبة الأمة فتؤخر، فإذا انفصل ولده منها بيعت للغرماء، ولا تباع بولدها وهو حرّ ولا تباع ويستثني ما في بطنها، فكان الواجب تأخير بيعها إلى أن تضع.
وأمّا لو عقد نكاحها بعد الحجر عليه على أن الصداق لا يكون في المال المحجور عليه فيه، فإن ذلك ماض إذا عقد على وجه صحيح ولا مقال للغرماء لأن مقالهم إنما هو في المال ألاّ يتلفه ولا ينقصه عليهم، وهذا ليس فيه انتقاص لما استحقوه من هذا المال.
وأمّا إن عقد النكاح على أن يكون الصداق من أعيان المال المحجور عليه فيه، فإن ذلك لا يمكّن منه ويصير كمن تزوج بمال غيره، فيجرى حكمه على ما يذكر في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
هذا حكم عقوده في ماله.
وكذلك لو أتلف مالًا لغيره بعد الحجر لم يجب أن يشارك صاحبُ المال المتلَف للغرماء، الذي حجر عليه المال لحقهم، لأن ذلك كدين استدانه بعد الحجر، فإنما يكون في ذمته فيما يكتسبه فيما بعدُ على حسب ما يفصل فيما بعدُ إن شاء الله تعالى.
وأمّا إقراره بعد الحجر عليه بحقوق وديون زعم أنها سبقت التحجير عليه، فإنه إذا قام الغرماء عليه ليفلسوه، فإنه وجه العمل فيه أن يسال عن كل ما عليه، فإذا استوفي ذلك واستسلم، وزعم أن هذه الحقوق هي جملة ما يَعرِف، ثم أتى بعد ذلك مُقِرًّا بدين رجل لا يتهم في إقراره له، فإن بعض الأشياخ أشار

إلى أن ذلك لو كان بالقرب لقبل منه، ويستدل على ذلك بقوله في المقارض إذا فاصل ربّ المال وسلّم إليه ماله وربحَه ثم أتى بالقرب يزعم أنه نسي نفقة، فإن القول قوله في ذلك.
فكذلك يجب أن يكون من المفلس.
وهذا الذي أراد أن يخرّجه من هذه الرواية يقدح فيه بما أشرنا إليه من أن المفلس إذا حكم الحاكم بالحجر عليه، وأنه ليس له تصرف في هذا المال، قبل 1 إقراره بعد ذلك كالمبطل للحكم الذي نفذ من القاضي المحجر عليه، وكأنه أقرّ لأجنبي بمال في يد أجنبي آخر.
والعامل في القراض لم يبْدُ منه مَا يدل على المنع من قبوله قوله، وليس دفعه المال والربح ما ينافي كونه له حق في بعض ما دفع أغفله ونسيه.
هذا حكم إقراره.
وإذا حكم بالحجر، فالظاهر من المذهب ردّ إقراره.
هذا حكم الإقرار بديون في الذمم.
وأمّا لو ثبت على المفلس دين من ثمن سلعة، فقال بعد التفليس: هذه هي.
هل يقبل إقراره أم لا؟ فقيل: لا يقبل حتى تعينها البينة التي شهدت بالبيع والثمن، فحينئذٍ يكون أحق بها من الغرماء.
وقيل يقبل إقراره.
وأمّا لو كان التفليس لأحد الصناع فقال: هذا لفلان أخذته لنحوكه أو لنصوغه أو شبه ذلك ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك يقبل منه، إذ لو لم يقبل منه لهلكت أموال الناس، لأن الشهادة على التعيين في هذا تتعذر.
وقيل: لا يقبل ذلك منه للتهمة بان يكون يصانع بهذا الإقرار من يرد عليه ما أقر له به.

وقيل: إن علم أن المقر 1 دفع إليه جنس ما أقرّ له به، وشهدت بذلك بينة صدقته على الجملة دون التفصيل والتعيين، قبل قوله في التعيين، وإلَّا لم يقبل، إذا لم تعلم أصل الدفع إليه البينة.
وقد يستدل على صدقه بعلامات.
وقد يستظهر باليمين على المقر (1). وذكر الشافعي أن إقراره بعد الحجر فيه قولان، واختار قبول الإقرار، واحتج له بأنه لو لم يقبل لاقتضى ذلك كون القصار والصباغ إذا فلسا وأقرَّا بسلع في أيديهما لمن استصنعهما بقصارة أو صباغ، لا يقبل ذلك منهما، وهذا يؤدي إلى تلف أموال الناس.
وكذلك الدلال الذي يبيع الخدم إذا فلس.
قال: وكذلك لو أقرّ المفلس بأن عبدًا من عبيده الذين حجر عليه فيهم عبد قد أبق، فإنه إن لم يقبل إقراره صار ذلك العبد يباع عليه في الدين والعهدة عليه فتلزمه عهدة قد تبرّأ منها.
وهذا يقتضي قبل 2 إقرار المفلس بعد الحجر.
وسنتكلم على إقرار الصناع لبعض من استصنعهم إن شاء الله تعالى.
فإن لم يقع الحجر ويحكم به فإنه لا يخلو من أن يكون لم يتبين فلسه ولا أحاط الدين بما في يديه، فإنه إذا كان ذلك كذلك قبل إقراره على الإطلاق، وإن كان أحاط الدين بما في يديه قبل إقراره لما لا يتهم عليه في إقراره.
هذا هو المشهور من المذهب.
وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن ابن نافع أن إقراره لا يقبل بدين على الإطلاق.
فكأنه رأى أنه لما حسّ يكون ما في يديه مستحقًا عليه سهل عليه الإقرار لمن يستحق ولمن لا يستحق.
ورأى الجماعة أن ذلك لا يقع فيه العاقل غالبًا: أن يعمر ذمته ويجعل

عليه تباعة بحق، وليس ذلك عليه ولم تدفعه إلى ذلك ضرورة، ولا له فيه منفعة، بل عليه المضرة بطلب المقَرّ له في الحال أو في المآل.
وأمّا إذا أحاط الدين بما في يديه وأقرّ لمن يتهم عليه: ففيه قولان.
واختلف الأشياخ في المختار من القولين: فقال بعضهم: الصواب إمضاء إقراره لأنه يطالب في المستقبل بما انتقص من مال الغرماء الذين وقع التحجير لأجلهم.
فالتهمة وإن تصورت من كون المقَرّ له أبًا أو أخًا فهي تنتفي من جهة ما يدركه من نفسه من الضرر والمطالبة بسبب هذا الإقرار.
ورأى بعضهم أن المختار ردّ إقراره، لكونه إذا كان قريبًا فإن التهمة تقوى في أن يقرّ له بمال يحاصّ به الغرماء ثم يعيده عليه معجَّلًا ينتفع به، وذلك أفْيَدُ له من كونه يُتَرقَّب مطالبته فيما بعد، والنفوس مجبولة على إيثار العاجلة.
والأوْلى الالتفات إلى كل واقعة، فقد يصحب الواقعة من قولين 1 الأحوال ما يقوى التهمة أو بعضها 2. وأمّا إذا قام عليه الغرماء، فهل يكون قيامهم كالحجر فيردّ إقراره؟ أو يكون قيامهم لا حكم له فيجري الأمر فيه على ما قدمناه من التقسيم؟ اختلفت ألفاظ المذهب في هذا، فقيل: إذا قاموا عليه ليفلسوه لم يقبل إقراره.
وقيل: بل إذا قاموا عليه ليفلسوه وسجنوه، فحينئذٍ لا يجوز إقراره.
وقيل: بل إذا اجتمع الغرماء لتفليسه، وحالوا بينه وبين ماله، واستسلم، فإنه لا يجوز إقراره.
وهذه العبارات تحويم على المعنى الذي يقوم مقام الحكم بالحجر لمّا

كان الحجر عن هذه الأسباب التي ذكرناها يقع، ولأجله يحكم بالحجر.
فمن اشترط الحبس قدر اعتقاله في نفسه كاعتقال ماله والحجر عليه فيه.
ومن لم ير ذلك، وأشار إلى اعتقال ماله والحيلولة بينه وبينه، فإنه رأى أن ذلك المقصودُ الذي يتعلق به الحكم حتى يصير المال كالمرتهن للغرماء.
وإن لم يكن الغرماء قاموا عليه ليفلسوه ولكن تشاوروا في تفليسه فاجتمع رأيهم عليه فبادر أحدهم إلى استقضائه ماله عليه من الدين لينفرد بذلك دون أصحابه الذين تشاوروا في تفليسه، فإن في ذلك قولين: أحدهما: أن ذلك يحل محل الحجر: إذا وقع الحجر فليس لأحد الغرماء أن يأخذ من ماله شيئًا.
والقول الآخر: إن ذلك يمضي له وإن هذا التشاور واجتماع رأيهم على تفليسه لا يحل محل الحجر عليه.
وقد اختلف قول مالك في المدونة فيمن أحاط الدين بماله، فخصَّ بعضَ غرمائه بقضاء دينه، ولم يقض الآخرين، أو أرهنه رهنًا بدينه، فمرّة أمضى ذلك.
ومرة ردّه.
وهذا إذا كان الارتهان بدين استقر في ذمته.
وأمّا إن كان رهنًا دفعه في ثمن عقد به سلعة وشرط بائعها أن يعطيه رهنًا بالثمن، فإن هذا الرهن يجري مجرى بيعه وابتياعه.
وقد قدمنا أن بيعه بالقيمة يمضي من غير خلاف.
وكذلك شراؤه بالرهن المشترط في عقد بيع يحل محل الثمن الذي يشتري به سلعة ويمسكها بائعها حتى يدفع الثمن إليه.
وهذا الذي ذكرناه من اختلاف قول مالك إمضاء قضائه إذا أحاط بماله، منشأ الاختلاف فيه هل عامله الغرماء على أن يتصرف في ماله بالبيع والابتياع وفضل الديون، أم لم يعاملوه على ذلك إلاَّ بشرط أن يكون في يديه ما يُقتَضى منه جميع الحقوق التي هي عليه، فيجوز قضاؤه؟ فاتضح الأمر في العوائد على أنهم عاملوه على أنه يتصرف تصرفًا ينمي به المال لا تصرفًا يؤدي إلى نقص حقوقهم، والبيع والشراء بالقيمة لا ينقص من حقوقهم شيئًا، والقضاء ينقص من

حقوقهم، فأشكلت العادة فيه: هل هذا مما دَخل عليه الغرماء معه، لكونه وإن كان نقصًا في الحال فهو إنماءٌ في المآل، لكونه إذا قضى أحد الغرماء عامله الناس الذين يقضي ما عليه من الحقوق أو الأمر بخلاف ذلك؟ ولم يختلف المذهب عندنا في أنه إذا تصرف تصرفًا ينقص حُقوقهم، وليس فيه طلب تنمية المال في الحال ولا في المآل، أن ذلك لا ينفذ، كعتقه عبده أو هبته لرجل بعض ماله.
لكن القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب حاول أن يخرّج في عتقه وهبته اختلافًا من اختلاف قول مالك في إجازته له أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، فأنكر بعض أشياخي هذا التخريج لأجل ما أشرنا إليه أن القضاء لبعض غرمائه يؤدي إلى الثقة به في المعاملة وإذا عومل نما ماله ووجد ما يقضي منه الديون.
والإعتاق والهبات خسارة محضة ونقص في المال لا يفيد نموًّا في الحال ولا في المآل، فلا يحسن الخلاف فيه كما يحسن الاختلاف في جواز قضائه ديون بعض غرمائه وقد أحاط الدين بماله.
ولأجل هذه الإشارة التي أشرنا إليها من التعليل المفرق بين عتقه وهبته وقضائه لبعض غرمائه إذا 1 ذلك الشيخ أبا القاسم السيوري رحمه الله إلى 2 أن استفتاه بعض القضاة في رجل عليه دين لجماعة أحاطت بما في يديه فقضى جميع ما في يديه لأحد غرمائه، فأشار إلى أن ذلك لا يختلف في رده، وإنما اختلف في كونه يقضي بعض ما في يديه ويمسك بعضًا يعامل به الناس، فيتصور ها هنا كون ما قضاه فيه تنمية في المال.
وأما إذا عاد فقير إلىِّ شيء 3 في يديه فإنه لا يعامل، فيكون ذلك ضررًا بيّنًا ببقية غرمائه.
وقد رأيته في بعض التعاليق عن بعض الأشياخ القرويين أنه أشار إلى قريب مما أشار إليه السيوري، فقال:

لو كان الدين إلى أجل فجعله لمن استحقه مؤجلًا، وقد أحاط الدين بما في يديه، فإن ذلك يردّ، ولا يختلف فيه كما اختلف في قضاء بعض الديون، لكون الغرماء لم يعاملوه أيضًا على كونه يقضي ديونًا آجلة ويترك قضاء ديون حالة.
وحكيت هذا في بعض مجالس 1 وكان حاضرًا أحد مشائخ المفتيين، فقال: إن هذا يجب رده من طريقة أخرى، لأن الدين الآجل لو بيع بالنقد لم يساوِ مقدار عدده الذي يؤخذ حالًا إذا قضاه كاملًا، فصار الزائد على ما بين قيمته آجلًا وقيمته حالًّا كالهبة، والهبة ترد من غير خلاف منصوص في المذهب كما ذكرناه.
وهذا الذي قاله صحيح، وإنما يبقى النظر: هل يرد جميعها؟ ومقدار هذه المحاباة التي بين القيمتين التي تجري مجرى الهبة.
وعلى التعليل الذي ذكرناه نحن في أن الاعتبار بما عامله عليه (غرماؤهم يعاملوه) 2 على تعجيل دين آجل، إذ تبين فلسه يجب أن يردّ جميعه لا قدر المحاباة كما يقتضيه التعليل الآخر.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا كان من عليه الديون في يديه ما يقتضي منه جميعَها على الكمال، فلا مدخل للتحجير عليه، لأن القاضي إنما نُصب لاستخراج الحقوق إذا طلبها أهلها، وهو إذا كان عنده ما يفي بجميع ما عليه من ديون، أَمَره بقضائها، أو انتزع القاضي ما في يديه فقضاه لغرمائه، إن لم يقض هو ذلك بنفسه، أو تعذر قضاؤه بنفسه.
وأما إذا كان ما في يديه يَقصُر عَمّا عليه من الديون الحالَّة، وليست

عليه ديون آجلة، فهو الذي تقدم الكلام عليه وذكرنا صحة الحكم عليه بالتحجير.
وإذا اجتمع جميع غرمائه على تحجيره حَجَر لهم عليه وقسم ما في يديه عليهم بقدر أموالهم.
وإن طلب بعضهم التحجير وأباه بعضهم، كان من حق من طلب التحجير أن يحجر له عليه، ويسقط 1 ما في يديه على من طلب التحجير ومن أَبَي منهم، فيدفع لطالب التحجير ما ينوبه في الحصاص، ويُبقي الآخرون 2 ما ينوبهم في يده إن شاؤوا، ولا يكون في هذا الذي أبقوه في يده للمانعين من التحجير حق لمن طلب التحجير وأخذ ما نابه في الحصاص.
وإن كانت عليه ديون حالّة وديون آجلة، فهل تحل الديون الآجلة أم لا؟ اعتبر في ذلك مقدار ما في يديه ومقدار ما حل عليه.
فإن كان فيما في يديه نقص عن حقوقال فين حلّ ديْنهم فإنه يحكم ها هنا بتفليسه والتحجير عليه، حلت 3 عليه الديون الآجلة، على ما سيأتي بيانه وذكر خلاف الناس فيه.
وإن كان مقدار ما في يديه هو مقدار الدين الذي حل عليه سواء بسواء، فاختلف الأشياخ في هذا: هل تحل الديون الآجلة ويحكم بالتفليس أم لا؟ فكان من منع من الحكم بالتحجير ها هنا ولم ير حلول الديون الآجلة، لكن الغريم 4 وجد سلعته التي باعها بعينها يكون أحق بها، يقول: فإن الغريم 5 إذا كان عليه ديون لجماعة، وفي يديه ما يوفي جميعها على الكمال، لا تجري عليه أحكام

المفلس، لكون كل طالب حق يوصله القاضي منه إلى جملة حقه على الكمال، ولا معنى لتفليسه.
وإذا لم يكن من حق أصحاب الديون الحالة تفليسه لأجل ما ذكرناه، وأصحاب الديون الآجلة لم يستحقوا المطالبة بها، فيستحقون تفليسه، بطل تصوّر الحكم بتفليس هذا، لكون الطائفة التي حلّت ديونها يأخذون جميع حقوقهم.
على أن أصحاب الديون الآجلة إنما عاملوه على أنه يعامل الناس (ويثقون الناس) 1 في معاملته بذمته فإذا أخذ هؤلاء حقوقهم على الكمال، وبقي لا مال له، صارت ذمته معينة 2 لا يعامله أحد، وأصحاب الديون الآجلة إذا لم يدخلوا على العيب في ذمته فكان 3 من حقهم تفليسه لأجل الضرر اللاحق بهم من فقد معاملة الناس له.
وأما إذا كان 4 في يديه يستوفي منه جميع غرمائه الذين حلت ديونهم حقوقهم على الكمال أو 5 تفضل فضلة تبقى في يديه، قال ابن المواز: في هذا: إنه لا يفلس لأجل ما قدمناه من كون التفليس لا يستحقه أصحاب الديون الحالة والآجلة.
وأشار بعض الأشياخ إلى حمل مقالة ابن المواز على أنه يبقى في يديه فضلة يعامل الناس بها ويتاجرهم فيها يرجى تنميته لها ما يقضي به حقوق أصحاب الديون الآجلة إذا حلت.
وهذا التأويل الذي أشار إليه بعض الحذاق هو مبني على إحدى الطريقتين اللتين حكيناهما من اختلاف المتأخرين في تفليسه إذا كان الذي في

يديه لا تفضل منه فضلة تبقى لأصحاب الديون الآجلة.
وقدّر أنه إذا كانت الفضلة لا بال لها فإنها كالعدم، ويلحق بما قلناه من غريم 1 لم يكن في يديه إلا مقدار الحقوق الحالة لا أكثر من ذلك.
وهذا الذي قاله يصح تصوره إذا كانت فضلة لا يعامل الناس عليها ولا يتأتى فيها تنمية.
وأمّا إذا كانت مما يتأتى فيها التنمية التي يرجى منها قضاء الحقوق الآجلة فإن التفليس لا معنى له، كما أشاروا إليه.
هذا حكم اختلاف الغرماء في تفليس المديان.
وأما صحة حكم 2 مع ثبوت ملائه وتعذر إكمال ما عليه من الحقوق لغيبة ماله، إذا طلب الغرماء (تفليس غرمائهم) 3 لكون ما في يده نقص من حقوقهم ولا مال له سواه حاضرًا أو غائبًا، فقد ذكرنا أنه يفلس لهم.
وأمّا إن كان له مال غائب، الظاهر أنه لا يصل إليه ويخشى كلفة أو يُشك في ذلك، فإنه يحكم بتفليسه، وتحل عليه الديون المؤجلة، ويكون من باع 4 سلعة أحق بعينها.
وأما إن كان الظاهر كون المال الغائب حاصلًا يؤمن عليه حتى تقضى الديون منه، فإن المذهب على قولين: ذهب ابن القاسم إلى أنه لا يفلس.
وفلسه أشهب.
وكأن أشهب رأى أن التفليس ها هنا يتعذر 5 إكمال الحقوق لأربابها، فلا فرق بين أن يتعذر إكمالها للفقر والعُدم أو لغيبة المال.

وقد رأى ابن القاسم أن التفليس لا يقع ها هنا لا 1 غيبة المال كحضوره مع 2 تعذر بيعه في الحال وفي الزمن القريب.
وبالغ أصبغ في الحكم بتفليسه كما قال أشهب.
ويكتب بتفليسه ويُسْتتمّ الحجر عليه.
فأشار إلى أنه إذا فلس ها هنا، وحاصّ أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالّة، ذهب من بقي له مؤجل إلى البلد الذي به المال فإنه يعجَّل له ما بقي من دينه فإن 3 كان الأجل لم يحل، لأجل ما تقدم من الحكم بحلول ديونه الآجلة لمّا حكم بتفليسه.
واستبعد بعض الأشياخ هذا، ورأى أن علة إسقاط الأجل الذي للغريم فيه حق، وتعجيل الديون الآجلة حتى يستحق أصحابها المطالبة بها لمخافة ألاّ يجد 4 ما يأخذون منه ديونهم إذا حلت الآجال، وهاهنا قد أُمن من ذلك، ووصلوا إلى موضع، غريمهم 5 فيه مال مأمون، فيجب ألَّا يعجل لهم قضاء حقوقهم قبل أجلها لارتفاع العلة التي لأجلها عجلت حقوقهم.
هكذا يجب عنده ألَّا تعجل لهم حقوقهم إذا فلس الغريم، وطرأ له مال من ميراث، فإنهم يطالبون غريمهم بأن يأخذوا منه ما بقي من حقوقهم المؤجلة قبل أجلها، بل 6 ما تعجلوه وحاصّوا به أصحاب الديون الحالة يبقى لهم، وما بقي لهم من الحقوق الآجلة لا يستحقون المطالبة بها عاجلًا.
وعلى ما أشار إليه أصبغ يستحقون المطالبة بما بقي لهم عاجلًا، كما لا يرد ما قبضوه لأجل طريان مال ورثه غريمهم.
فكما لا ينقض الحكم فيما قبضوه

كذلك لا ينقض فيما طلبوا قبضه من المال الطارى.
وهذا الذي استبعده بعض الأشياخ غير بعيد على إحدى الطريقتين عندنا في الحكم إذا وقع في الظاهر (وصوابًا فالكشف في المال أنه ليس بصواب في الباطن لو اطلع عليه) 1. وقد اختلف القول في المدونة في المفقود إذا حكم بتمويته، فتزوجت زوجته، فلم يدخل بها الزوج الثاني حتى قدم المفقود حيًا: هل ينقض نكاح الثاني أم لا؟ فقيل: لا ينقض مع القطع على أن الحكم الواقع بتمويته، وإباحة الزوجة للأزواج، كان خطأ في الباطن الذي استأثر الله سبحانه بعلمه، إلى غير ذلك من المسائل المذكور فيها الخلاف في مثل هذا.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد تقرر وجوب التنصلّ من الحقوق والديون، وأن المطل من القادر على أداء الدين ظلم، والظلم من المنكرات، والمنكر يجب على ولاة الأمر تغييره فإذا فلس القاضي رجلًا عليه ديون، وحجر عليه في ماله، وامتنع من القضاء وبيع أمواله بنفسه، فإن القاضي يبيع عليه كل ما في يديه من كسبه، قلّ أوْ جلّ.
هذا هو الأصل.
قد جنح إليه ابن كنانة مين أصحاب مالك، قال: ولا يترك للمفلس شيء.
وانفرد بهذا المذهب دون مالك وأصحابه فإنهم اتفقوا على أن المفلس يترك له من ماله بعض ما لابدَّ منه ولا غنى له عنه.
هذا القول على الجملة ومعلوم أن ستر عورته واجب عليه، وإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين.
وكذلك حفظ حياته بالغذاء واجب عليه، فإن عجز عنه وجب ذلك على المسلمين فرضًا على الكفاية فمن قام به منهم سقط الفرض عن الباقين.
فلو أوجبنا على القاضي أن يبيع عليه ثوبه لأدَّى ذلك إلى كشف عورته أو تلف نفسه، لعدم ما يستره.
فكان الواجب إذا عجز هو عن ذلك أن يتكلف له به

المسلمون، وأحقهم بتكلف ذلك الغرماء الذين طلبوا إزالة ما عليه من ستر، وأخذ ما في يديه من طعام، فكأنهم هم الطالبون لإحداث هذا المنكر، فوجب عليهم ألَّا يفعلوه.
وقد علم أن المرأة لا تلزمها نفقة ولدها إذا كان الأب معسرًا، ومع هذا يلزمها رضاعه، وإن كانت صيانة حياة الطفل من فروض الكفاية فأحق الناس بهذا الفرض الأمّ لاختصاصها به، وطلبها أن تنبذه فيهلك، فنهيت عن ذلك.
وإبقاء شيء في يديه إضرار بغرمائه، ونزع ما عليه مما يحتاج إليه وأخذ طعامه أو ثمن الطعام حتى يبقى جائعًا يخشى عليه إضرار به هو أيضًا، فيغلب أحد الضررين فيترك له من الطعام ما يعيش به هو وأهله الأيامَ.
هكذا ذكر في المدونة من غير تحديد الأيام ولا تقدير.
وفي غير المدونة حدد ذلك بالشهر ونحوه.
وقال بعض أصحابنا: لو لم يكن عنده إلاَّ مقدار نفقة الشهر لم يؤخذ له ذلك.
وهذا لأجل أنه لو لم يبق له إلا طعام يومه وغده لأمكن أن لا يجد شيئًا يتعلق به في تحصيل قوته كل يوم، فوجب له أن يترك ما يقتات به المدة التي يمكن أن يفكر فيها، ويسعى في أثنائهما، حتى يحصل له طريق يتقدم به إلى قوت نفسه وعياله: زوجته وأولاده الصغار.
فتارة أدى الاجتهاد إلى تقدير هذه المدة بالشهر، وتارة أدّى آخرين ذلك إلى نفى التحديد.
التحقيق في هذا أن تقدير هذا المقدار بما تقتضيه قرائن حال المفلس، وما عرف من وجوه تكسبه للرزق وقدرته عليه، وسلكوه 1 أنواعًا فيها أو نوعًا واحدًا، فيترك له مقدار ما يؤدي الاجتهاد إليه في تحصيله وجهًا تتأتى منه المعيشة.
فإذا كان صانعًا إنما ينفق على نفسه وزوجته وولده من خدمته بيديه وعمل

يده لم يترك له شيء، ومن الأشياخ من قال: يستظهر بأن يترك له نفقة اليومين والثلاثة خوفًا من غسله أو مرضه في غده وما بعْدُ، بالأيام اليسيرة.
وأما الكسوة فإنّه يترك له كسوته وكسوة أولاده الصغار.
وشك مالك في كسوة زوجته: هل تترك له أم لا؟ على أن بعض أشياخي يضيف الشك في هذا إلى ابن القاسم الناقل عن مالك هذه الرواية أنه شك: قال له مالك: وكسوة زوجته، أو لم يقل له ذلك؟ وأكثر المصنفين على إضافة هذا الشك إلى مالك.
وقال سحنون: لا تترك له كسوة زوجته فيما يستأنف وأمَّا ما كان عليها قبل قيام الغرماء فيترك لها.
وكأن الإشكال وقع في الزوجة لأن كسوتها ونفقتها وجبت على الزوج على جهة المعاوضة، فإذا لم يكسها الزوج أصلًا طلقت عليه، فلم يلحقها الضرر في ترك الكسوة ويلحق ذلك ببنيه الصغار.
على أن الكسوة لها ثمن فوق ثمن غذائهما أيامًا، وتستديم لباسَها المدة الطويلة التي قد يَثرى الزوج المفلس فيها ويستغني.
ولو كان على المفلس كسوة تقع كسوة مثله بدونها لبيعت عليه، ويُشترى له ما يليق به من لباس مثله على حال ما هو عليه.
وأما ثياب جمعته، فإن الأصل كونها تباع عليه كما قدمنا، لأن ذلك أمر خارج عما أصلنا من اعتبار حفظ نفسه بالغذاء أو اللباس، وكسوة الجمعة إنما هي للجمال.
لكنه في المدونة لم يوجد 1 بيعها عليه إذا لم يكن فيها فضل.
وهذا متعقب، إلاَّ أن يكون مِمّن يلحقه ببيع ثياب الجمعة مضرة ومعرة، لم يدخل معه الغرماء عليها، فإن القول بأنها لا تباع عليه له وجه، لأن الذي أصلنا يشارك التعليلَ الأول فيه تعليلٌ ثان، وهو ما علم من مقتضى العادة في معاملة الغرماء.

وعلى هذا أخذ (ديونهم منه) 1 وهم لم يعاملوه على أن تباع عليه ثياب ظهره التي لابدَّ له منها، ومن الدثار بها.
فينظر إلى ثياب جمعته أيضًا: هل عاملوه على إبقائها له عند التفليس أو على بيعها عليه.
وكذلك اختلاف ابن القاسم وأشهب في خاتمه: هل يباع عليه أم لا؟ مبني على الالتفات إلى هذا الأصل، وهو هل عامله الغرماء على بيع خاتمه إذا فلس أم لا؟ وهذا يختلف فيه عوائد البلاد.
ولا ينبغي أن يختلف فيه عندنا، في أنه يباع عليه خاتمه لكون أكثر الأغنياء لا يتختمون، فكيف المفلس الفقير.
وأما لو فلس الميت لكفن قبل قضاء دينه، كما يكسى من حجر عليه الغرماء في حياته.
واختلف العلماء: هل يقتصر في تكفينه على لفافة واحدة أو يكفن في ثلاثة؟ فالواحدة تجزيه، والثلاثة هي المشروع المستحق في أقلّ ما قيل.
وعندي أن هذا يتخرج فيه ما حكيناه في ثوبي جمعته لأنهما (إنما إذا بقيت) 2 لما كانت من اللباس المشروع المسنون في الشريعة.
وكذلك الخلاف في الأعداد التي ذكرناها.
وأما تكفين ولد المفلس فهو جار على ما ذكرناه أيضًا من لباس ولده الحي إذا فلس.
وأما الزوجة فكذلك أيضًا يجري الأمر في تكفينها، إذا قلنا: إنه لازم للزوج، على أحد القولين، على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهو حي.
واختلف في بيع ما عنده من كتب الفقه، فقيل في الموازية: لا يباع ذلك عليه في الدين، ولا يورث عنه ذلك، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها فيها سواء.
وهذا مبني على المنع من بيع كتب الفقه، وأما على القول بجواز بيعها فإنه لا

يختلف في بيعها عليه وقد قال محمَّد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار بحضرة أصحاب مالك، وكان أبي وصيَّه، ولم ينكر ذلك منهم أحد.
وكان شيخنا يتردّد في بيع آلة الصانع إذا فلس، كمطرقة الحداد، وإِزربة 1 الكمّاد 2، ومقص الخياط.
وهذا يؤخذ حكمه مما قدمناه، فإن كان ذلك يسيرًا، ولا يصح أن يقام أَوَدُه إلاَّ منه، لم يبع ذلك عليه، وحلَّ ذلك محل نفقة الأيام والشهر، كما قدمناه، ولا يباع عليه مُدَبَّره إذا كان التدبير سابقًا للدين، ويباع عليه من خدمته ما يجوز بيعه، وكذلك المعتق إلى أجل.
ولكن يختلف أمر الإجارَة فيهما، المدبر يضيق في المدة التي يؤاجر فيها للغرماء بأشد مما يضيّق في إجارة المعتق إلى أجل، لكون العوز في أمَدِ إجارة المدبر من وجهين: موتِ المدبّر، فتفسخ الإجارة بعتقه من تلثه، على ما يذكر تفصيله وتقديره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو دبر ولد أمته، وهو صغير لا يجوز تفرقتها منه، لم تبع الأمة عليه في الدين حتى يبلغ الولد التفرّقة.
ولو ورث أباه لبيع عليه في الدين.
ولو وهب له أعتق عليه (أو في الدين) 3 لأن الواهب إذا علم أن ملك ولده لا يستقر عليه، فكأن الواهب إنما وهبه للعتق لا للملك إلاَّ أن يكون الواهب لم يعلم بأنه أب للموهوب له، وإنما قصد به التملك، فيباع حينئذٍ في الدين.
وأمَّا لو اشتراه الابن، فقيل: يفسخ البيع، لئلا يكون سببًا في بيع أبيه

باختياره، على ما سنبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
فأمَّا لو كان المديان نصرانيًا فترك الخمر والخنازير، لم يبعهم القاضي في دين عليه للمسلمين، ولكن يراقب حال الورثة النصارى، فماذا باعوا ذلك وصار في أيديهم أثمانها الجائزة، تملكها باعها في دين الغرماء.
وكذلك لو أرسى مركبًا بساحلنا، وفيه الخمر والخنازير، فلا يباع شيء من ذلك لأخذ عشرها، ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر أن المفلس يباع عليه كل ما وجد في يده مما استقر ملكه عليه سوى ما استثنيناه مما تقدم بيانه، فإنه لا يجبر أن يتطلب زيادة فيما يملك، فلو دعا الغرماء إلى أن يتجر لهم بالمال الذي فلسوه فيه وحجروا عليه التصرف فيه، لم يلزمه ذلك.
وكذلك لو وجبت له شُفعة، في أخذها حظُّ الغرماء وزيادة على ثمنها الذي تستشفع به إذا بيعت، لم يجبر على أخذ ذلك، وإن كان الشرع قد جعل له أخذها إذا شاء، لأن الشرع لم يجبر الشريك على الأخذ بالشفعة، وإنما خيره بين الأخذ أو الترك، وإجباره على أخذها خلاف ما أصله الشرع.
هذا مع كون الشفعة كابتداء بيع على أحد القولين.
وقد قدمنا أنه لا يلزمه أن يتجر للغرماء في المال الذي حجروا عليه فيه، وأيضًا فإنه إذا أخذ بالشفعة وأجبر على ذلك، وبيع عليه ما أخذه بالشفعة، والعهدةُ عليه، فلا (تلزمه إلزام) 1 عهدة يدخل فيها بغير اختياره، ولم يستقر ملكه على ما يوجب العهدة عليه فيه.
وكذلك لو بذل له أخْذ مالٍ هبةً له أوْ لعينه 2 على قضاء الدين، لم يلزمه قبول ذلك، لما يلحقه من مِنَّة الواهب عليه، وكون يد الواهب عليه، وأيضًا فإن

الغرماء لم يعاملوه على ذلك.
وكذلك لو وَهَب لولده الصغير هبة له أن يعتصرها، فإن غرماءه ليس لهم أن يجبروه على اعتصارها، لأنها أخرجت من ملكه بالهبة، ولا يلزمه استئناف تملكّ كما قدمناه.
وهذا كما قررناه في كونه له أن ينتزع مال مدبَّره وأم ولده ومعتقه إلى أجل، ثم لا يُقْضى لغرمائه بأن يجبروه على انتزاع ذلك لما قدمنا.
وأما لو باع سلعة على أن الخيار له، أو اشتراها بالخيار أيضًا، وكذلك 1 قبل أن يحجر عليه، ثم أراد نقض البيع فيما باعه، أو فسْخَه، أو إمضاء الشراء فيما اشتراه بالخيار، أو فسخه فمنعه الغرماء، فإن هذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء.
وقد علم من مذهبنا القولين 2 في عقود الخيار إذا أمضيت، هل يقدّر أنها كانت معقودة بإمضاء العقد، أو بأنها تنعقد عند إمضاء العقد، ولكنّا نقول: إن بيع المفلس لبعض السلع التي حجر عليه فيها ليس للغرماء فسخه إذا كان البيع أوفر لهم.
فإذا دُعِيَ مشترط الخيار في البيع والشراء إلى إمضاء أو فسخ، وذلك أوفر للغرماء، لم يكن لهم تعقب عليه فيما فعل، ولكن لو تغيرت الأسواق وقد باع بالقيمة، فها هنا يجري الحكم على قولين عندنا في عقود الخيار إذا أمضيت: هل تمضي بحكم العقد الأول، وتقدر أنها لم تزل ماضية من حين وقع العقد، فلا يكون للغرماء تعقب فيما فعل إذ وقع ذلك على صفة يلحقهم منه 3 انتقاص في المال.
وقد وقع في الموازية فيمن حبس على ولده حبسًا على أنهم بالخيار فيه ما شاؤوا، أو باعوا؛ ففلسوا، فإن غرماءهم ليس لهم جبرهم على أن يبيعوه ما 4 قدمناه من كونهم لم يعاملوه على كون هذا الحبس داخلًا في أموال التجارة التي بأيديهم.

ولو كان عند المفلّس دار يحتاج لسكناها وخادم لابدَّ له منها، فإنه يباعان عليه في التفليس.
بخلاف ثياب لباسه التي لابدَّ له منها، لكون ما عليه من اللباس لا مندوحة له عنه، وداره التي يسكنها له عنها مندوحة في أن يسكن بالكراء، أو يخدم نفسه أو يستأجر من يخدمه، وهذا بخلاف ما نقول به في الزكاة: إنه يعطاها مَن عنده دار هي مقدار ما يحتاج للسكن، لأن التفليس وبيع ما في يده حق للمخلوقين، وحقوقهم مبنية على المشاحّة، والزكاة هي حق لله سبحانه، وحقوقه تعالى مبنية على المسامحة.
(ولو استأذن رجل مسلمًا) 1، ثم ارتد ولحق بدار الحرب فقدّاهم 2 المسلمون، فقاتل حتى قتل فإن أصحاب الديون يأخذون ديونهم مما وجد من ماله لكونهم استحقوا ذلك قبل أن يرتدّ، فلما ظلم وتعدى في الارتداد والحروب 3 إلى دار الحرب، لم يسقط ذلك ما وجب لهم من الحقوق، ويكون ما فضل من قضاء الديون من مال هذا المرتد من جملة الغنائم التي خمسها لله سبحانه، وأربعة أخماسها للغانمين ولا يكون لبيت مال المسلمين، كما لو قتل على ردته في بلاد المسلمين، فإن ماله يكون لبيت مالهم وهذا لأنه لمَّا قاتل فقتل على ردته استحق ماله سائر المسلمين، والذين استحقوه غير مُعيَّينين.
وإذا وقع في الغنائم مال مسلم لا يعرف بعينه خُمِّس، ودخل في الغنائم التي هي للغانمين، بخلاف أن يكون صاحبه معروفًا فإنه لا يقسم في الغنائم.
وهذا يبسط في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

قد تقرر ما يبقى للمفلس وما يباع عليه، وترتيب ما يباع عليه في القول المطلق أنه يبدأ بيع الحيوان لكونه يسرع إليه الموت والتغيير، وأيضًا فإنه يحتاج إلى إنفاق، وكذلك بعد البداية ببيع ما يخشى فساده في الحال أن يقال، كالفواكه التي لا تبقى ثم تباع عليه العروض وما يخشى عليه التلف والضياع.
ثم الرباع، فينادى على الرباع الشهر والشهران، ثم يعقد البيع على خيار ثلاثة أيام طلبًا للزيادة على ما استقر على المشتري من الثمن.
وربما ظهر في بعض الأحوال ما يقتضي خلاف هذا الترتيب (بزيادة سوق في الحيوان إخراجًا قريبًا أو ما في معنى ذلك) 1. فإذا بيع على المفلس ما وجب بيعه قسم على غرمائه الذين ثبتت ديونهم عليه بمعاوضة مالية، على اختلاف أجناس الأموال، من بائع منه عقارًا أو بائع طعامًا أو بائع سلعة، صار في ذمته على حد سواء.
وأما كل حق صار عليه من غير معاوضة مالية أخذت عَمَّا لزمه من الديون، لكن له غرض ومنفعة في تحصيل ما صار ثمنه دينًا عليه، وإن لم يكن مما يباع ويشترى، كصداق امرأة أو خلع زوجة بمال دفعته لزوجها عن طلاقها، فإن ذلك يجب الحصاص به.
وقد قال مالك في التي صالحت زوجها على عشرة دنانير إلى أجل ثم فلست: إن الزوج يحاص غرماءها وهذا لأجل أنها اشترت منه ما ملك من منافع بضعها، وتخلصت بما نزلت 2 له من حبالها.
وهذه منفعة مقصودة وغرض صحيح، فلهذا أوجب الحصاص به.
وكذلك الصداق تحاص به الزوجة غرماء زوجها لأجل أنه اشترى منها منافع بضعها أيضًا، وبه حاجة إلى ذلك، وقد دخل معه الغرماء عليه.
فلم يكن

لهم الامتناع من المحاصة بالصداق (في المحاصة في الصداق) 1 في فلس الزوج بلا خلاف فيه منصوصًا عندنا.
وأمَّا المحاصة في موت الزوج، فالمعروف من المذهب إثبات المحاصة به كاللباس والإنفاق على المحاصة به في المفلس، يشعر بأنه لا يجري مجرى الهبات، بل يجري مجرى المعاوضات.
ولا فرق بين الفلس والموت في وجوب المحاصة.
وذكر ابن الجلاب في تفريعه قولة: شاذة أنه لا يحاصر في الموت.
وإنما يحاص في الفلس، وكأنه رأى أن الحصاص به في الفلس لا يلحق الغرماء الذين بايعوه بالسلع من الضرر بمحاصة الزوج يلحقهم إذا حاصهم في الموت؛ لأن المفلس تبقي ذمته ويرجى سعيه فيما بعد، حتى يكتسب ما يوفي به هؤلاء الغرماء بقية حقهم، وفي الموت لا يرجى ذلك منه (بل يسوى من كمال ديونهم التي عليه) 2. فلهذا فرق بين الموت والفلس تغليبًا لأحد الضررين، فغلب ضرر الغرماء في الموت، وغلب ضرر الزوجة في الفلس.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ 3 معناه عطية.
وقيل: بل معناه شرعة وديانة.
وأمَّا نفقة الزوجة فيما يستقبل بعد التفليس، فلا مطالبة لها بذلك.
فينظر: هل تحاص به أم لا؟ لأنا قدمنا أنه يبقى له من ماله ما ينفق على زوجته ونفسه وأولاده الصغار المدة القريبة التي ذكرناها فيما تقدم.
وأمَّا إذا غاب زوجها، ولم ترفع الأمر إلى القاضي شاكية له عدم الإنفاق، لأنها لا تصدق في كونه لم يترك لها نفقة، وإذا لم تصدق في ذلك لم تستحق المطالبة، استحال الحصاص.

وأمَّا بعد رفعها إلى القاضي فالقول قولها، ويحكم لها بالإنفاق وإذا حكم لها صار ذلك كغيره من الديون الثابتة عليه، وجرى مجرى الصداق الذي بذل في مقابلة استباحة الفرج، فإذا حصل الوطء وجب الصداق والنفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع وهي بعد رفعها إلى القاضي ممكنة من الاستمتاع، فصارت النفقة المقبوض عوضها كاللاحقة بالديون.
هذا الظاهر من المذهب وجوب المحاصة في الفلس.
وأمَّا محاصتها بهذا الإنفاق بعد الموت، فحكى ابن القاسم أنه اختلف فيه قول مالك، فقال مرة: تحاص به، وهو اختيار ابن القاسم.
وقال مرة أخرى لا تحاص به في الموت.
ووجه ما أشرنا إليه من كون الضرر يلحق في الموت أشدّ ممَّا يلحق مع حياة المفلس.
وقد قيل: لا تحاص بالنفقة في موت ولا فلس.
وكأن هذا رأى أن النفقة لما كانت تسقط مع الإعسار ضعفت عن الديون التي ثبتتْ في الذمم مع العسر واليسر.
وقد قال سحنون: إنما يحاص بالنفقة إذا كانت الديون محدثة بعد وجوب النفقة لها، فكان حقها عنده قويًا من وجه السبق والتقدم، فإذا تقدمت الديون حازت الترجيح من الوجهين: المتقدم والسبق، ومن كونها تثبت مع العسر واليسر.
وأمَّا المحاصة بنفقة البنين الصغار، فابن القاسم نفاها في الموت والفلس.
وأشهب أثبتها كما أثبت نفقة الزوجة.
فكأن ابن القاسم رأى أن نفقة الزوجة عن معاوضة، فلحقت بالديون التي هي أثمان سلع، ونفقة البنين مواساة لا عن عوض فلم تزاحم الديون فتقع المحاصة بها.
وكأن أشهب قد رأى أن الولد من يوم سقوطه في البطن وجبت نفقته على أبيه من غير افتقار إلى قضية قاضٍ، فأشبهت نفقة الزوجة الواجبة التمكين.
وأمَّا نفقة الأبوين، فقد قال مالك: لا يقع الحصاص بها في فلس ولا موت.

لكن أصبغ قال: لو قضى القاضي بها لوجبت المحاصة لهم لكونها لما حكم بها ثبتت ثبوت ديون المعاملة.
وأمَّا الحقوق الثابتة لا عن معاوضة مالية، ولا عن معاوضة في حكم المالية كالنكاح والخلع، ولا عن مواساة، بل من جهة الإفتيات على من له الحق بغير اختياره كالجنايات فإن بعض أشياخي رأى أنها جارية على القولين في النفقات، وما ذكرنا معها مِمّا ليس ثبْت الديون فيه عن معاوضة.
وقد قال في المدونة في الجاني جناية دون الثلث لا تحملها العاقلة: إنه إذا رهن بها رهن أُمضي ذلك للمجنيّ عليه، كما لو قضاه أرش الجناية، فأوجب المحاصة وألحقها بالديون.
وقال في كتاب الصلح في جناية العمد: إذا أراد الجاني أن يصالح عليها وعليه ديون، فإن لغرمائه أن يمنعوه من ذلك.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن ذلك لو وقع لمضى ونفذ، ولم يكن للغرماء ردّه كما لو قضى من 1 الصداق وشبه ذلك؛ لأن له منفعة فيما بذل، وهو وقاية نفسه من القصاص، كما للزوج منفعة فيما بذل لحاجته إلى النكاح، والذي يدفع عن جناية العمد ليست بهبة محضة، ولو كان هبة لسقط عن الجاني ما التزم من الأرش إذا مات، كما تسقط الهبة إذا لم تُحَنْ.
وهذا الذي أشار إليه قد يسلم له اشتراك الجناية مع النكاح في كون ذلك معاوضة عن منفعة، ولكن إذا قلنا: إن الغرماء عاملوه على أن يتزوج ويتسرى لاطراد العادة بذلك عمومًا فإن جناية العمد لم يعاملوه على أن يفعل ما لا يحل تعمدًا ويتلف ما لَهم فيه.
وظاهر مذهب الشافعية الحصاص بأرش الجناية، لكون الأرش وجب بغير اختيار المجني ورأوا إقراره بالجناية آكد باللزوم من إقراره بدين المعاملة

جارٍ التحميل