شرح التلقينصفحات 79-118

كتاب الوديعة

صفحات 79-118

المترقَّبُ ما يكون منه، وإنما يقدر الحصول عند الوجود.
وهذا ينظر إلى ما قالته الحكماء: إن الوجود على قسمين: وجود بالقوة، وهو مثل النواة تغرس، فإنها يترقب مصيرها نخلةً.
ووجود بالفعل، وهو حصولها نخلة كاملة.
فإذا قلنا: إن سيد العبد إذا تغيّر عبده في يد الغاصب فاختار تضمينه القيمة، فإن القيمة كأنها لزمته، وملك بها العبد من حين الغصب.
أو يقال: إنما يقدّر حصول الملك يوم اختار سيد العبد تضمين الغاصب القيمةَ فيكون العتق وقع في غير ملك، ولِمَا ذكره ابن شعبان من الخلاف في تمكين سيد العبد من إمضاء العتقال في فعله الغاصب وطلبه بالقيمة، فإن هذا يُستبعد، لكون العتق قولًا لم يؤثر في العين ولا في السوق، ووقع من غير مالك، وهذا يصيّره كالعدم، فإذا صار كالعدم فليس لسيد العبد أن يُلزم الغاصبَ القيمة إذا رَدَّ عبْلَه إليه بفور غصبه غيرَ متغيّر لا في سوق ولا بدن.
وعندي أن وجه القول بتمكين السيد من إمضاء العتق في إلزام الغاصب القيمة، أن من ذهب إلى ذلك قدّر أن الغاصب المعتِقَ الملتزمَ، بعتقِه، قيمةَ العبد، لتقدم علمه، أن العتق تقرّب من الله سبحانه، وإحسان إلى العبد، ولا يحسن ذلك إلا مع الحكم بنفوذه.
وقد قيل في تعدي الوكيل بأن باع بعَرْض فإنه ضامن.
وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما حملت عليه.
لكن يُلتفت في هذا أيضًا إلى أصل آخر، وهو اختلاف الأئمة رضي الله عنهم في المضمونات: هل تُملك بالضمان أوْ لاَ تملك؟.
وهذا، وإن أطلقه بعض المصنفين فجعله على مثل ما نحن فيه من ضمان التَّعدّي الغير مشروعٍ لا في ضمانٍ أوجبه الشرع بحكم التوفية على البائع، كمن باع أمة ووجب عليه مراضعتها 1، فإن ضمانها في أيام المراضعة (1) من البائع.
ولا يختلف أنه لا يفلكها بهذا الضمان، كيف؛ وهذا قد أخرجها من ملكه، وإنما عليه توفية المبيع، وتوفيته ها هنا إنما تحصل من التمكين من الأمة فارغة من العمل.
وأيضًا فإن البائع لا يُضمَّن ضمانَ القيمة

عن بعض المبيع، وإنما الحكم انفساخ البيع.
وأما الغاصب فإنه يُضمَّن بدلَ العين المغصوبة قيمتَها.
ولو غصب عبدًا فأبق في يديه، فإن القيمة تلزمه بحكم التعدي.
وقال الشافعي: لا يملك الغاصب بها العبد.
وقال أبو حنيفة: بل يملكه.
ونحن، وإن ضمّناه القيمة، لا نراه بيعًا للآبق، ولو كان بيعًا لم يجز ذلك، لكون الآبق لا يجوز بيعه.
ويحتج أصحاب الشافعي على أن الغاصب لا يملك الشيء المغصوب بوجوب قيمة 1 عليه، بأن الملك حكم شرعي ورد الشرع بإباحته، والغصب والعدوان ورد الشرع بتحريمه، ولا يصح أن تكون الأمور الغير المشروعة تُبيح الأمور المشروعة التي هي الملك.
وأيضًا فإن حقيقة المعاوضة التي توجب الملك صدوها 2 عن اختيار المتعاقدين، لا سيما إذا قلنا بأحد القولين عندنا نحن، في أن الأخذ بالشفعة لا يكون بيعًا، لكونه مجبورًا عليه المأخوذ المستشفَع من يده، فإن حقيقة البيع التمكين من التسليم والآبق لا يمكن تسليمه.
إلى غير ذلك من الأمور التي تُشعر بأن التعويض عن الشيء المغصوب لا يكون بيعًا، وإذا لم يكن بيعًا لم يُقبَضْ ملكًا.
ولو غصب رجل عبدأوهلك في يديه، لزمته القيمة، وليس قِبالة هذه القيمة عينًا تُتملك.
وإنما لزمت القيمة للحيلولة بين الملك ومالكه لا لأنها تؤخذ عنها عوضًا وهو عين الشيء المغصوب؛ لأنه قد هلك.
وبين أصحاب الشافعي اختلاف في رجل أبق له عبد، فقال له قائل: اعتقْ عنّي بألف درهم.
هل يُمنع ذلك لأنه كشراء آبق، أو يجوز ذلك لأن القصد بهذه المعاوضة التقرب، وفكّ رقبته لا تأمل 3 مال وتطلب استدامة ملك؟ وكذلك لو اشترى رجل أباه وقد أبقْ لسيده، هل يمنع ذلك لكونه شراء

آبق، أو يجوز لأن القصد إنقاذ أبيه من الرق لاستدامة 1 ملك؟ وأصحاب أبي حنيفة يرون أن وجوب القيمة سبب في ملك الشيء المغصوب؛ لأن القيمة بدل منه، فلا بد للبدل من مبدل يقابله.
وقد ناقض أصحاب الشافعي أصحاب أبي حنيفة بأن العبد المدبَّر لو غصبه غاصب فأبق في يديه للزمته قيمته.
ومذهب أبي حنيفة أن المدبّر لا يحل بيعه، فقد تجب القيمة ولا مقابلة لها بملك، وإنما مقابلتها الحيلولة بين المالك وملكه.
وإذا ذكرنا هذا في هذه المسألة لأجل ما حكيناه من الخلاف في تمكين سيد العبد المغصوب منْ إلزام الغاصب قيمة 2 إذا أعتقه، فإذا قلنا: صادف العتق ملكًا أنفذ، وإن قلنا الأصل: لم يصادفه لن ينفذ.
فلأجل تعلق ما نحن فيه بهذا الأصل نبهنا عليه ها هنا.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكرنا ما يحدثه الغاصب من إعتاق العبد المغصوب الذي في يديه، ونتكلم الآن على بيعه له.
فاعلم أن البيع إنما يكون مباحًا فيما يملكه البائع، إذا لم يمنعه من بيعه مانع في الشريعة، والغاصب لا يملك ما غصب، ببيعه 3 فيه لا ينفّذ إذا رده مالك الشيء المغصوب.
لكن لو أراد مالك العبد المغصوب أن يُجيزَ بيعَه فيه، ويأخذَ العوض عنه، وهو الثمن الذي باعه به الغاصب، فمذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن ذلك لربّه، ولا يمنع، والبيع نافذ إذا اختار مالك البيع 4 إنفاذه،

وإجازة ما فعل الغاصب فيه.
ومذهب الشافعي المنع من ذلك، وأن هذا البيع لا بد من فسخه، وإنْ أجازَهُ صاحب السلعة المغصوبة لكن باعها الغاصب.
والبخاري على ألْسنة أصحابنا أن هذا يرجع إلى الخلاف في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه وردِّه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ" 1 أو يكون مجرد النهي لا يقتضي الفساد والردَّ على الإطلاق، وإنما يوقف ذلك محل الدليل.
والخلاف في هذا الأصل مشهور بين الأصوليين، وكان بعض أشياخي يرى أنّ ما بُني على هذا من الفروع، ما كان النهي عنه لحق الخالق سبحانه.
وأما ما كان النهي عنه لحق المخلوقين وأن 2 ذلك لا يحسن الخلاف فيه لأجل ما ورد في الصحيح من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التصرية، وجَعَل الخيار في إمضاء البيع أورده للمشتري إذا اطلع على عيب التصرية بعد عقده البيع، وما ذلك إلا لأجل أن النهي عن التدليس بالعيوب في المبيعات إنما عليه 3 اعتبار حق المخلوق، لا حق الخالق سبحانه.
ويعتضد أصحاب الشافعي في أن ذلك 4 الشيء المغصوب ليس له إمضاء بيع الغاصب فيه بل يفسخ فيه عقده على كل حال، بإن القول بأن بَيْع الغاصب ماض منعقدٌ على جهة الاستِبْداد به، وإباحةُ التصرف في المبيع دون إذن المالك لا يذهب إليه أحد من العلماء.
ومعلوم قطعًا فساد هذا من ناحية أصول الشريعة.
وأما أن يقال: البيع منعقد ولكن معلق بقوده 5 بإمضاء مالك السلعة

المغصوبة له، فإن هذا أيضًا لا يصحّ؛ لأن الانعقاد يوجب زوال التصرف في الملك، وهو مقتضى عقد البيع في الشريعة، ولا سبيل إلى القول بإباحة التصرف، وأيضًا فإن الإذن لا ينعطف على ما يقتضي 1 من الأفعال، وعُدِم بعد وجوده، وإنما يتصور فيما لم يفعل حتى يصادف انعقادُ البيع إذنًا فيه قد تقدم.
وقد قال مالك وأبو حنيفة فيمن قال لأجنبية: أنت طالق.
ثم تزوجها وملك عصمتها، ثم صار إلى حالة يمكنه وقوع الطلاق فيها، فإن الطلاق المتقدم لملك العصمة لا ينفك 2، مع كون الطلاق يقبل التعليق المؤدي إلى (الغرر، ما لا يُحترز في عقود النكاح) 3 وبيع الإنسان ملك نفسه على الخيار قد صادف عقدًا وملكًا مقرّرًا، فيصح أن يضاف الانعقاد إليه لتقرر الملك، بخلاف بيع الغاصب.
وهذا إذا باع الغاصب السلعة من رجل لا يعلم أنها مغصوبة، بل يعتقد أنها من أملاك الغاصب، وأما لو علم المشتري أن بائعها غاصب لها فإنه قد ساوى بائعها في الفعل المحرَّم وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، دون انتقاله عن ملك 4 أو عن من ينوب عن الملك 5 كالوالي إذا باع في التفليس وغيره، أو عن وليٍّ، كالأب والوصي إذا باعا ملك من في ولائهما، وعلم المتبايعين 6 جميعًا بفساد العقد، بخلاف أن يعلم به أحدهما.
وقد تقدم بسط هذا في كتاب البيوع.
وهذه طريقة قد تتيسر 7 إلى مذهب الشافعي في أن بيع الغاصب لا ينفّذ وإن أجازه المالك لأن الغاصب عقد عقدًا يعلم فساده.
على أن في المذهب

قولين مشهورين عندنا في غاصب باع السلعة المغصوبة من رجل يعلم أنها مغصوبة: هل يمضي البيع إذا أمضاه مالكها أم لا؟ ولكن يجب على ما أصّلناه أن يحمل الخلاف في هذا على أن الغاصب والمشتري عقدا على مغالبة رب السلعة في فسخ البيع وأنهما لا يمكنانه منه.
وإن دخلا على أنه يتمكن من الفسخ متى شاء، ولا يقدران على مدافعته عن ذلك، واختار 1 ما عنده من إرادةٍ لفسخ البيع أو إمضائه لا يعلم إلا بعد أمد طويل لا يدرى منتهاه، فإنه ينبغي ألاّ يختلف في هذا الوجه، كما لم يختلف في عقد بيع خيار على اشتراط خيار رجل بعيد الغيبة، على المعروف والمشهور من أصل المذهب.
ويلتفت أيضًا، إذا لم يدخل المشتري مع الغاصب على كون الانعقاد إنما يثبت بعد مطالعة رب السلعة، أو يعتقدان 2 على ترك اعتبار مطالعة 3، إلى ما توجبه الأحكام في تنزل الأحكام منزلة ما عقد المتبايعان باختيارهما أم لا؟ وقد مرّ ذلك مستقصى في مسائل كتاب البيوع.
ولو أراد صاحب السلعة المغصوبة أن يُلزم الغاصبَ قيمتَها، وهي لم تتغير في يد المشتري في سوق ولا بدن، لم يمكن من ذلك لقدرته على استرجاع سلعته المغصوبة بعينها من غير ضرر يلحقه في ذلك.
هذا مما يمنع منه صاحب السلعة، ولا يكون ذلك من حقه.
فإن قيل: هل لا يجري هذا على الاختلاف، الذي ذكرتموه، فيمن غصب عبدًا فأعتقه، فأراد مالك العبد أن يضمِّن الغاصبَ القيمةَ ليُنفَّذ عتقه فيه.
وقد حكيتم أن في كتاب ابن شعبان قولين في هذا، فكذلك ينبغي أن يكون في بيع الغاصب، ويكون بيعه لهذا العبد مع علمه أن البيع لا يصحّ إلا فيما يملكه البائع، عَلَمًا على التزامه القيمة، كما كان عتقه العبد علمنا 4 على التزامه القيمة.

وقد أشار بعض الأشياخ أن العتق لا يلزمه فيه القيمةُ إذا لم يتغير العبد، كما لا تلزمه قيمة إذا باع العبد المغصوب.
وأشار إلى أن جعْل البيع في ذلك أصلًا لا يختلف فيه.
ولا يمكن أن يفرق بينهما عندي إلا بأن يقال بأن العتق له حرمة توجب (حق وجه عن) 1 ملك المالك بغير اختياره، كعتق أحد الشريكين نصيبه، وما ذاك إلا لحرمة العتق.
وهذا مما ينظر فيه.
ولو عقد المشتري البيع من الغاصب وهو يعتقد أن الغاصب مالكٌ لما باعه منه، فاطلع بعد ذلك على أن السلعة المبيعة منه مغصوبة، فأراد المشتري الردّ لكون هذا عيبًا لم يدخل عليه، والعيب ها هنا هو انتظار صاحب السلعة المغصوبة، واستعلام ما عنده من إجازة أو ردّ فإنه إن كان صاحب السلعة حاضرًا، أو قريب الغيبة لا يدحق المشتري ضررٌ في استعلام ما عنده، هل يُجبرُ 2 البيع أو يرده؛ فإن المشتري لا يُمكَّن من استعجال ردّ هذا البيع، لتعلق حق صاحب السلعة، بل يُلزِمه البيعَ، ويأخذ الثمن.
وإن كان صاحب السلعة المغصوبة بعيدَ الغيبة، لم يلزم المشتريَ الصبرُ حتى يقدم، لما يلحقه في ذلك من الضرر من ضمان السلعة المبيعة، والتحجير مع هذا عليه في التصرف فيها.
وإذا أجاز صاحب السلعة بيع الغاصب فإن له مطالبةَ الغاصب بالثمن الذي قبضه من المشتري، فإن أراد أن يرل 3 عن ذلك إلى أن يطلب به المشتريَ، ويرجع المشتري على الغاصب بما دفع إليه، فهل يمكن من هذا أم لا؟ فيه قولان: المشهور من المذهب أنه لا يمكّن من هذا، وإنما تكون له المطالبة بالثمن المقبوض على من قبضه وهو الغاصب.

وقيل: بل له مطالبة المشتري بذلك، ويرجع المشتري بالثمن الذي دفعه على من قبضه منه وهو الغاصب، إذ لا يلزمه أن يغرّمه مرتين.
وكان بعض أشياخي يخرج الخلاف في هذا على اعتبار حقيقة البيع في الشرع، هل هو التقابض أو العقد بالقول؟ فإن قلنا: إن 1 التقابض.
لم يمكّن صاحب السلعة من أن يرجع بالثمن على المشتري؛ لأن معنى إجازته بيع الغاصب هي إجازة لقبض الثمن، وإذا أجاز قبضَ الغاصب الثمنَ لم يكن له الرجوع به على المشتري.
وإن قلنا: إن حقيقة البيع العقد بالقول، لم تكن إجازةُ البيع إجازةَ القبض، فتكون له مطالبة المشتري بدفع الثمن إليه لأنه، لم يجز له الدفع إلى الغاصب.
وهذا التخريج على هذا الأصل فيه نظر، لكون هذا الأصل مطالب من أصله بإثباته، وإنما يجري هذا الخلاف على أن الوكيل على بيع سلعة موكَّل على قبض ثمنها وينظر في ذلك: هل توكيله على قبضه ثمنها يتضمنه توكيله على بيعها، فتكون إجازة صاحب السلعة لبيع الغاصب قد تضمن ذلك إجازة قبضه الثمنَ.
أو يقال: إن قبض الوكيل لثمن السلعة المبيعة لا يتضمنه توكيله على عقد بيعها، وإنما ذلك بعادة جرتْ أن من وكل على 2 قبض الثمن، هذه العادة لم تستقر في إجازة صاحب السلعة بيع الغاصب، وكأنه حين أجاز بيع الغاصب فحينئذٍ انعقد البيع على أن الوكيل معزول عن القبض، وإذا كان معزولًا عنه لم يَبرَأْ المشتري بالدفع إلى وكيل معزول عن القبض.
ولو كان المشتري من الغاصب قد أفات السلعة التي اشترى، فإن ذلك لا يمنع صاحب السلعة المقبوضة من إجازة البيع، وطلب الثمن من الغاصب، أو

طلبه قيمةَ ما فات عند المشتري من الغاصب.
تقوّم السلعة يوم الغصب، أو يوم باعها، على ما حكيناه عن بعض أشياخنا من كون البيع تعديًا ثانيًا، وتعقبناه.
وهل له أن يطالب المشتري من الغاصب لما قد فات في يد المشتري؟ لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يفوت ذلك بيد المشتري بأمر لا صنع للمشتري فيه، مثل أن يكون عبدًا قد مات في يد المشتري، فإنه لا مطالبة على المشتري بثمنه ولا قيمته لكونه يعتقد إباحة ما فعل من الشراء.
وكذلك أيضًا لا يكون للمشتري مطالبة على الغاصب الذي باع منه بالثمن الذي دفع إليه؛ لأنه، وإن لم يضمن الموت لصاحب السلعة المغصوبة، فإنه لا يضمن له الغاصب الثمن، لكون الذي باع منه قد حصل له، ولم ينتقض عليه البيع فيه بأخذ عين العبد من يده، ولا غرامة لقيمته، فأشبه موتَ العبد في يديه، ولم يستحق، ولم يأت مستحق مستحقه.
لكن لو كان العبد الذي مات في يديه انكشف أنه حرّ باعه منه رجل، فإنه يرجع ها هنا بالثمن على البائع منه؛ لأنه أخذ ثمنًا عمّن لا يصحّ أن يكون مثمونًا لآخر؛ بخلاف أن يُكشَف كون العيد الذي مات مملوكًا لغير من باعه منه.
ولو انكشف أنه ليس بصريح في الحرية، ولا صريح في الملك والرق، بل فيه عقد حرية مثل المعتَق إلى أجل، وأم الولد، والمدبَّر، والمكاتَب فإن الحكم يفتقد في هؤلاء الأربعة، فمن كان منهم لا يترقَّب عودةً إلى الرق على حال، بل قطع على أنه سيسري به العقد الذي فيه إلى الحرية إن لم يخترمه الأجل، كأم الولد والمعتَق إلى أجل، فإن ذلك يلحق بالحر الصريح، فيرجع المشتري على من باع منه بما دفع إليه من الثمن في موت أم الولد والمعتق إلى أجل، وهما في يديه ولا يرجع بالثمن في المدبَّر ولا المكاتَب لكونهما يترقب رِقُهما بأن يعجز المكاتب، فيصير رقيقًا يصح بيعه، وكون المدبر قد يموت سيده فيباع في دين عليه.
وأُجري عليهما ها هنا حكم الرق الصريح.

فلو كان المشتري هو الذي أفات ما اشترى على وجه ينتفع به، كطعام أكله، أو ثوب لبسه، باعه منه غاصب، فإني لصاحب الطعامِ والثوب أن يغرِّما المشتريَ عوض ما انتفع به من مالهما: إما المثل فيما يُقضى فيه بمثله، أو القيمة فيما يقضي فيه بالقيمة.
وإن كان لا منفعة له فيما أفات، لا مِمّا اشتراه، كعبد باعه منه غاصب، فقتله المشتري عمدًا، فإن لسيد العبد أن يغزم المشتريَ قيمتَه لكون متعديًا في القتل فاعلًا لما نهى الشرع عنه، فكان لمالك العبد طلبُه بما أتلفه عمدًا.
وأما إن أتلفه خطأ، مثل أن يريد ضرب شيء فغلط فأصابت ضربته العبد الذي اشتراه، والخلاف في هذا مبني على ما قدمناه من أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواءٌ، يوجب الغرامةَ، إلا أن يكون المتلِف مأذونًا له من المالك، أو من الشرع في التصرف فيما أتلفه خطأ، فإن في ذلك خلافًا: هل يستوي فيه الخطأ والعمد أم لا؟ وإذا طلب سيد العبد المشتريَ قيمة ما أتلف، وكان يوم التَلاف يساوي خمسين دينارًا، فأخذها سيد العبد من المشتري، فهل يعد ذلك كأخذ عين العبد من المشتري، وهو إذا أخذ عين العبد من المشتري فقد اتُّفق على أنه يرجع المشتري على من قبض منه الثمن، وهو الغاصب، بجميع الثمن، أو يقال: إن أخْذ القيمة من بذل 1 جنايته، ولا يحل ذلك محل أخذ عين العبد، فيقدّر أن ذلك كموت العبد في يد المشتري، وهو لو مات في يديه لم يرجع على الغاصب من الثمن بشيء مما دفع إليه (ها هنا القيمة بحكم الجناية والمطالبة له على الغاصب إلا بمقدار ما أدخله فيه من خسارة) 2، وهي طلب القيمة منه، إذ لو لكان العبد المقتول مالكه لا يستحقه أحد فقتله.
فإنه لا مطالبة عليه بثمنه ولا قيمته، وإنما طولب ها هنا بقيمة العبد الذي قتله بسبب تغرير الغاصب به بأن باع

شيئًا لا يملكه، حتى أوجب عليه غرامة لمالكه.
هذا فيه قولان بين ابن القاسم وأشهب: فمذهب ابن القاسم أن مطالبة المستحق للمشتري بقيمة العبد الذي قتله تحل غرامتُها محلَّ عين العبد الذي قتله المشتري.
وقد اتُّفق على أن أخذ عين من يد مشتريه يوجب له رجوعه بجميع الثمن على الغاصب الذي باع منه العبد، فكذلك إذا أُخذت منه قيمة العبد فلا يخسر سوى الخمسين دينارًا، وقد رجعت إليه لما أخذ من الغاصب جميع ثمنه الذي كان دفعه إليه.
ومذهب أشهب أن البيع لا ينتقض، ولكن يبقى حق مالك العبد، إذا أخذ قيمته من المشتري، في مطالبة الغاصب ببقية ثمن عبده، فإن كان الغاصب باع هذا العبد من المشتري بمائة دينار فإنّ لِسيد العبد، إذا أخذ من المشتري الخمسين دينارًا التي هي قيمة المقتول، أن يرجع على الغاصب البائع ببقية الثمن، وهو الخمسون الباقية؛ لأنه قد كان له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن من الغاصب، كما قدمناه، وليس عدوله عن ذلك إلى أن أخذ من المشتري خمسين دينارًا بالذي يسقط حقَّه من طلب الثمن، ولا يقدَّر أنه لما طلب المشتري بالقيمة كأنه أبرأ الغاصب من بقية الثمن، كما سيرد ذلك في قتل رجل عبدًا في يد غاصبه.
ولو كان هذا العبد المقتول قيمته يوم غصبه الغاصب مائة دينار وعشرون، وباعه الغاصب من هذا المشتري الذي قتله بمائة دينار وقتله المشتري وقيمته خمسون دينارًا، فإن مذهب أشهب، على ما أصلناه، تمكين سيد العبد من تغريم الغاصب سبعين دينارًا بقية تمام قيمة العبد يوم غصبه الغاصب، وقد كان أخذ سيد العبد من المشتري خمسين دينارًا قيمة عبده، فبقيت له من قيمته يوم الغصب سبعون دينارًا فيأخذها من الغاصب.
وأما إذا باع الغاصب ما غصبه، من عرض أو حيوان أو غير ذلك، ثم اشتراه من مالكه الذي غصبه منه، فأراد أن ينقض ما كان عقد فيه من بيع، ويأخذه من الذي كان اشتراه منه، فإنه لا يمكّن من ذلك، كما ذكره في المدونة

واعتل بأن الغاصب إنما قصد باشترائه التحلُّلَ مما صنع.
وظاهر هذا التعليل أن هذا الغاصب لو علم أنه لم يقصد باشترائه التّحلل مما صنع، وإنما قصد ملكه بوجه جائز، لمكن من نقض بيعه فيه؛ لأن لمالك الشيء المغصوب نقض بيع الغاصب فيه.
فإذا اشتراه الغاصب من مالكه فقد جرى مجرى مالكه في استحقاقه نقض هذا البيع الذي باعه.
ولأجل التعليل الذي ذكره جعل حكم الميراث خلاف حكم الشراء، فقال: لو ورث الغاصب ما كان باعه لكان له نقض بيعه فيه.
هذا طرد التعليل الذي ذكره لأن (يملك لهذا) 1 الذي ورثه ليس عن قصد منه واختيار، فيظن به أنه قصد بتملكه التحلّل مما صنع.
وقيل: بل له نقض البيع فيه، كما لو اشترى.
وهذا لأنه قد كان للميت الذي ورث هذا الغاصبُ عندما باعه، أن ينقُض البيع فيه، والميراثُ ينقل الملك بحقوقه كلها إلى الوارث، ومن حقوق هذا الملك تمكين المورَّث عنه من فسخ هذا البيع، فكذلك يكون ذلك لوارثه.
ولو أن الغاصب لما اشترى الشيء المغصوب من مالكه دلّس عليه، مثل أن يكون باعه بعشرة دنانير، واشتراه من مالكه بثمانية دنانير، ولم يُعلِمه بالثمن الذي باعه به، فإن لمالك الشيء المغصوب أن يطالب الغاصب بالدينارين (الباقية عنه) 2 من الثمن الذي باعه به الغاصب؛ لأن من حق مالك الشيء المغصوب أن يجيز بيع الغاصب فيه، ويأخذ الثمن من الغاصب.
ولو أعلمه الغاصب بأنه باعه بعشرة دنانير، لأمكن أن يأخذها منه، ولا يبيعه منه بثمانية.
وكذلك لو كان باع ما غصبه بثوب ثم اشتراه من مالكه بدنانير، لكان من

حق مالكه أن يفسخ شراء الغاصب منه، ويطلبه بالثوب الذي باعه.
ولو هلك الثوب في يد الغاصب للزمه قيمته؛ لأنه كالغاصب أيضًا له لكونه مخاطَبًا في 1 أن يعلم لصاحب 2 الشيء المغصوب بما فعل، ويمكّنه من أخذ هذا الثوب، فإذا لم يفعل صار فعله غصبًا ثانيًا.
ولون كان مشتري الثوب من الغاصب هو الذي اشتراه من مالكه، فإن له نقض ما فعله الغاصب من بيعه منه، كما كان لمالكه أن يفسخ بيع الغاصب.
وإذا فسخ المشتري من الغاصب العقد الذي بينه وبينه، رجع على الغاصب بما دفع إليه من النظر (2). ولو كان الثمن الذي دفع إليه عرضا رجع بقيمته إذا حال سوقه؛ لأنه هو الذي مكن الغاصب مما دفعه إليه وسلطه عليه، فجرى ذلك مجرى الاستحقاقات في البيوع الجائزة.
ولون كان الغاصب الذي باع الشيء المغصوب اشتراه منه مشتريه بخمسة دنانير وقد كان باعه من مشتريه منه بعشرة دنانير، واعترف إذا فعل ذلك بالشيء المغصوب، فإن المالك لهذا الشيء المغصوب بالخيار بين أن يجيز ما فعله الغاصب ثانيًا من أخذ الشيء المغصوب بعينه وأخذ ما ربح فيه الغاصب، وهو الخمسة دنانير، أو يردّ ما فعله الغاصب ثانيًا، ويجيز ما فعله أوَّلًا، ويطالبه بالعشرة التي باع بها ما غصبه إياه.
ولو أن هذا الغاصب لم يعترف أن الشراء لمالك الشيء المغصوب، فلم تكن هذه الخمسة دنانير التي ربحها الغاصب ما بين بيعه لهذا الثوب المغصوب وشرائه له، في ذلك ثلاثة أقوال: مذهب ابن القاسم في هذه المسألة أن هذه الخمسة دنانير تكون لمالك الشيء المغصوب، ويأخذ عين الثوب الذي غصب له من يد غاصبه، ويأخذ الخمسة دنانير التي ربح الغاصب، لكون الغاصب لا يمكن من أن يربح في

الشيء الذي غصبه.
وهذه إحدى طريقيه في أن الغاصب لا يربح.
ومذهب أشهب أن هذه الخمسة دنانير تكون للغاصب؛ لأن المالك للشيء المغصوب قد وجده، لما قام في طلبه، في يد غاصب 1 لم يتغير في عينه ولا في سوقه، وإذا وجد المالك الشيء المغصوب عين ما غُصب له لم يتغير، فلا مقال له في تغريم صاحبه.
وجعك ما تخَلل من ذلك، من بيع وشراء، كالعدم، كما ذكرناه في كتاب البيوع الفاسدة، فيمن اشترى ثوبًا فاسدًا فلم يفسخ بيعه حتى باعه مشتريه صحيحًا، فإن ذلك فوْت يمنع منا الفسخ، ويوجب القيمة يوم القبض.
فلو رجع هذا الثوب الذي اشتراه شراء فاسدًا للذي كان اشتراه شراء فاسدًا بوجه صحيح، لم يمنع من فسخ العقد الفاسد الذي كان وقع فيه، وجعْلِ ما وقع بعد العقد الفاسد من بيع صحيح كالعدم.
والقول الثالث إن هذه الخمسة دنانير ترجع إلى من كان دفعها للغاصب؛ لأن مالك الثوب المغصوب لما أخذ عين ثوبه فقد انتقض جميع ما كان فيه من البياعات، كما ينقض بالاستحقاق جميع البياعات المتقدمة للاستحقاق.
ومما يحدثه الغاصب الغيبة على جارية غصبها فإنه يضمن قيمتها بمجرد الغيبة عليها، إذًا كانت جارية رائعة من جواري الوطْء، سواء عُلم أنه وطئها أو شك في ذلك.
إلى هذا ذهب مطرت وابن الماجشون وأوجبا القيمة على الغاصب، لأجل أن ذلك يقتضي شكًّا هل وطئها الغاصب أم لا؟ وذلك ينقص من ثمنها، وأدنى مراتبه أنه كالعيب اليسير، والعيب اليسير يضمن به الغاصب ما غصب، وتلزمه فيه غرامة القيمة.
وأيضًا فإن الغيبة عليها مما يقتضي التوقف عن وطئها حتى تستبرأ، فيصير ذلك حَبْسًا لها عن ربها، ومنْعًا لسيّدها منها، وذلك يوجب القيمة.

لكن هذا التعليل يقتضي أنه لو كان أيامُ حيضتها قد أشرفت وقَرُبتْ ألاّ يضمن الغاصب القيمة، إذا كان حبسها عن ربّها بقرب زمنه.
وبعض أشياخي يرى أن سيدها إذا كان مقرًّا بو طئها لم يعجل القيمة بل توقف، لجواز أن ينكشف كونها حاملًا فترجع لسيدها أمَّ ولد له فإن حاضت، وتبين أنها غير حامل من سيدها، أخذ القيمة التي وُقفتْ له.
ومذهب ابن القاسم أن مجرد الغيْبة لا يوجب ضمان القيمة، خلافًا لما حكيناه عن مطرت وابن الماجشون.
وما ذاك عندي إلا أنه يرى أن مجرد الغيبة ليس بعيب في هذه الجارية، ووجوب استبرائها قد تكلمنا عليه في كتاب الاستبراء.
ومما يحدثه الغاصب استيلاد الأمَة المغصوبة، فإن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه ما استولده الغاصب، واغتلّه في الحيوان من لبن وشبهه، فإن مالك ذلك يستحق أخذه للأمهات وما ولدت وما اغتل منها.
وإن ضمن مالك ذلك قيمة الأمهات وما ولدت لم تكن له مطالبة بالأولاد ولا بهذه الغلّات.
وإن حدث الموت بالأمهات وأولادها جميعًا، أوْ بأخذهما 1، فهاهنا (أسْتخلفا لمذهب) 2 ابن القاسم أنهما إذا ماتا جميعًا لم يضمن الغاصب سوى قيمة الأمهات يوم الغصب؛ لأنه إذا ضمنها يوم الغصب صار ما حدث من ولد أو غلّة كأنه حدث في ملك الغاصب، ومن حدث في ملكه شيء لم يؤخذ منه إلا بوجه يوجب ذلك.
وعند أشهب أنه، وإن ضمن الأمَّ يوم الغصب، فإنه يضمن مع ذلك قيمة الأولاد يوم ولدت، وقدر أن ذلك كغاصب سلعتين، فإن هلكا جميعًا غرم قيمتهما جميعًا، وبمجرد الولادة صار الولد كسلعة أخرى يجب على الغاصب

ردها لمالكها، فإذا لم يفعل صار كمبتدى غصب لها يوم ولادتها، وانفصال 1 الولد منها صار الولد مغصوبًا حين مفارقته لبطن أمه، فيضمن قيمته يوم الغصب.
وخرج بعض أشياخي في غرامة قيمته قولًا آخر أنه يغرم قيمة الولد أعلى قيمة مرت به، كما قدمنا حكايته عن أشهب وعبد الملك وابن وهب.
وهذا التخريج عندي قد يمانع فيه لأجل أن الولد قد قيل: إنه غلة لا يردّ مع الأمهات، كما سيرد بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإذا كان لا يجب رده صار كونه مغصوبًا غير مُجمَع عليه فلا يجري ذلك مجرى الغصب "المجمع عليه الذي يقدر فيه الغاصب فيه كمبتدى غصب كل يوم، كما كنّا قدمنا الخلاف في ذلك، وإسناده إلى أصل معروف، وهو أن التماديَ على الفعل هل يقدّر كابتدائه أوْ لا؟.. وقد بسطنا ذلك في موضعه.
وقد نوقض أشهب في هذه المسألة، من التزام الغاصب قيمة الولد إذا مات، بموافقته لابن القاسم؛ لأن الأمهات والأولاد إذا 2 كانوا موجودين.
واختار مالك في الأمهات تضمين الغاصب قيمتها يوم الغصب، فإن الأولاد تبع للغاصب 3، فكذلك يجب إذا ماتت الأمهات والأولاد وغرم الغاصب قيمة الأمهات يوم الغصب، أَلاَّ يلزمه قيمة الولد الذي مات.
فإن مات أحدهما، الأم أو الولد، فأشهب يجري على أصله في أخذ الموجود منهما، وقيمة الهالك إن كان الهالك أُمًّا بيوم غصبها، وإن كان ولدًا فالقيمة يوم وُلِد.
وهذا لما قدمناه من كونه يرى الأم والولد كسلعتين غصبتا، فالباقى منهما يأخذه مالكه، والهالك منهما يقوم 4 الغاصب قيمته.

ومذهب ابن القاسم أنه إذا أخذ الموجود منهما ولم يضمّن الغاصب قيمة الأمهات، فإنه لا مطالبة له بقيمة الهالك منهما.
وقدّر أن الولد كعضو من أعضاء الأم، والجارية إذا غُصبت فذهب عند الغاصب عضو منها، كيد أو عين، فاختار أخذ الباقي من أعضاء الجارية، فإنه لا يغرم قيمة العضو الهالك إذا كان هلاكه بأمر من الله سبحانه، لا صنع للخلق فيه، كما قدمناه أن هذا هو المذهب، إلا ما يتخرج مما روي عن سحنون في الغاصب إذا قطع يد الجارية التي غصبها أنه يضمن قيمة اليوم 1 يوم الغصب على ما مضى بيانه.
وإذا تقرر عندك هذا الأصل أن أشهبْ يرى الولد إذا انفصل عن أمه كسلعة غصبت بعد سلعة، فإن لك منها أحكام: قتل الأم أو الولد أو قتلهما جميعًا، فإنه يطالب بقيمة ما قتل يوم غصبه، أو يوم سقط، على ما قدمنا ذكر الخلاف فيه، ويأخذ الموجود منها: الأم أو الولد.
وكذلك أيضًا يتضح الحكم على أصل ابن القاسم أنه يراه كعضو منها، وإن انفصل عنها، فإنْ قتلَهما جميعًا لم يضمن إلا قيمة الأمهات يوم الغصب لأنه إذا ضمن قيمة الأم يوم الغصب صار الولد المقتول من جملة أملاك الغاصب.
وإن قتل أحدهما، واختار سيدها أخذ الباقي منهما، لم يضمن المقتول منهما إذا كان أخذ القيمة يوم غصب الأم.
وإن أُخِذَت يوم القتل لم يقدر الولد من جملة أملاك الغاصب.
وهذا التفريع يتضح لمن عرف ما قدمناه من قتل الغاصب لما غصب: هل تعتبر القيمة يوم الغصب أو يوم القتل؟ ومما يحدثه الغاصب التَّجْرُ بدنانير غصبها، فإنهُ، وإن كان حبسها وأنفقها ولم يتجر بها فإنه لا يضمن فيها ربحًا في المشهور من المذهب إذ الربح معدوم، والعدم لا يُملك ولا يُضمَّن.
لكن يجب أن يضمن لصاحب الدنانير

مقدار ما كان يربح فيها صاحبها لو تجر فيها يقوّم أقلّ ما يظن به أنه لو تجر بها لاستفاده، على طريقة عبد الملك بن الماجشون فيمن غصب دارًا فأغلقها، فلم يسكنها ولا أكراها، فإنه يطالب بمقدار كرائها، مع كونه لم ينتفع منها بشيء.
وقد ذكر ابن سحنون في شاهدين شهدا على رجل له دين على رجل آخر قد حل، أنه آخره به عامًا، فلما انقضى العام، رجعا عن شهادتهما، بعد أن حكم الحاكم بها، أنهما يغرمان ما يظن أن الذي له الدين لو أخذه لما حلَّ وتَجِر به في هذا العام الذي شهدا به عليه أنه تطوع بتأخير الدين إليه لاستفاده، إذا كان الدين المشهود بتأخيره عينًا أو مكيلًا أو موزونًا.
وهذا يشير إلى ما قلناه من إلزامْ الغاصب ضمان ما منع من فوائد الأموال.
وأما إذا كان الغاصب قد تجر بها وأفاد فيها ربحًا، فلا يخلو من أن يكون لما تجر بها موسرًا حينئذٍ يُعامل على ذمته، أو معسرًا يعلم أنه لولا المال الذي غصبه لما عومل.
فإن كان تجر بها، وهو موسر، كان الربح له، ولا يختلف في هذا على المذهب المشهور في أن الغاصب لا يضمن ما منع منه من فوائد.
فإن كان الغاصب معسرًا ففيه قولان: هل يكون الربح للغاصب إذا كان معسرًا أو يكون الربح لرب المال؟ وسبب هذا الاختلاف أن نماء المال لم يحدث إلا عن مجموع أمرين: أحدهما: نفس المال المغصوب والثاني: تجر الغاصب، ولو لم يعمل به الغاصب لم يَنْمُ المال.
ولو حاول الغاصب.
ما يشتريه وهو فقير لم يتمكن 1 له ذلك غالبًا.
فقد تبين من هذا أن الربح حصل عن اجتماع أمرين: المال وفعل الغاصب في المال، فلا بد أن يستند إلى أقواهما سببًا فيه.
فمن رأى أن المال

هو أقوى سببًا في حصول الربح قال: إن الربح لرب المال.
ومن رأى أن عمل الغاصب فيه أقوى سببًا في حصول الربح قضى يكون الربح في المال المغصوب للغاصب.
ومما يجري على هذا الأسلوب القولان في زكاة ربح المال: هل يستقبل بالربح حولًا أو يزكى إذا حال الحول على رأس المال؟ وقد مضى في كتاب الزكاة ذكر الخلاف في هذا وذكر الدلالة لكل مذهب من هذين المذهبين.
وهو أيضًا ينبني على ما أشرنا إليه ها هنا فيمن قدّر أن أقوى السببين في تحصيل الربح رأسُ المال، أجرى على حكم الربح حكم رأس المال ثم تقدير مضي الحول عليه.
ومن رأى أن أقوى السببين في تحصيل الربح عملُ صاحبه فيه وتجره به، استقبل بالربح حولًا.
وقد اختلف أيضًا فيمن اشترى سلعة، والناس في صلاة الجمعة، فقلنا بفسخ البيع على أحد القولين، بفساد العقد، فلو فات هذا البيع عند مشتريه وعقد فيه بيعًا صحيحًا جائزًا فربح فيه، هل يتصدق بالربح أم لا؛ وهذا جار على هذا الأسلوب، هل سبب ربح هذا المال الذي يملكه على صفة لا تجوز أوسبب الربح عمله فيه، إلى غير ذلك من المسائل الذي يعتبر فيها هذا الأصل.

والجواب عن السؤال الخامس 1 أن يقال: إذا استهلك الغاصب طعامًا غصبه، مكيلًا أو موزونًا، قُضِيَ عليه بمثله، ولو استهلكه في أيام الشدهّ وغلاَء الطعام، ثم حُكم عليه في أيام رخاء ذلك الطعام ففيه قولان: المشهور منهما أنه لا يغير الحكم ويقضى بمثله.
والقول الآخر أنه يقضى عليه بقيمته حين غصبه الطعام في أيام غلائه.
وهذا يتضح على إحدى الطريقتين (1). نبهنا على سقوط نصّ هذا السؤال عند تعداد الأسئلة.

اللتين قدمناهما، من أن الغاصب يضمن ما منعه من فائدة في الشيء المغصوب.
وأما إن كان الطعام المستهلك جزافًا، فإنما يُقضَى بقميته.
ولو طلب صاحب الطعام أن يقضى له بمكيلة يتحقق أن الطعام الجزاف المستهلك لا يقصُر عنها لكان فيه قولان: أحدهما تمكينه من ذلك؛ لأن الأصل القضاء بالأمثال، وإنما عدل عن ذلك إلى القيمة لامتناع الاطلاع على حقيقة المماثلة في الكيل.
فإذا طلب صاحب الطعام أن يقضى له بها (1) يعلم أنه استهلك عليه، ويعرف مقدار كيله، مُكّن من ذلك.
والقول الآخر أنه لا يمكن من ذلك 2 أوجب القيمة لصاحب الطعام (بتغير هذا الحكم) 3. وإذا استهلك الغاصب الطعام، ووجب عليه مثله، فلم يوجد ذلك حين المحاكمة، فإن يئس من أن لا يوجد أبدًا، قُضِي بالقيمة، وإن رجا وجوده عن قربٍ، ينبغي التلوم في مثله في المحاكمة في هذا، أخّر القضاء بذلك عليه إلى حين وجوده.
وإن لم يوأس من وجوده على التأبيد، ولا رجي عن قرب، ففيه قولان: أحدهما أنه يؤخر قضى 4 يردّ مثله إلى أن يتفق وجودُه وهو مذهب ابن القاسم.

والقول الثاني، وهو مذهب أشهب، أن له أخذ القيمة، وإن شاء صبر إلى وجود مثل الطعام.
وذكر ابن عبدوس أن اختلاف ابن القاسم وأشهب في هذه المسألة كاختلافهما فيمن أسلم في فاكهة لها إبّان ففات الإبان قبل أن يقتضي، فإن ابن القاسم يقضي بالتأخير إلى عام قابل، كما فعل ها هنا في مستهلك الطعام.
ومذهب أشهب أنه يردّ رأس المال، ولا يجوِّز الرضى بالتأخير، ومقتضى هذا لا يجوّز في استهلاك الطعام أن يجيز 1 ما بين أخذ قيمته نقدًا أو العدول عنها إلى التأخير لعام مقابل 2، فيكون ذلك فسخ دين في دين.
وهذا الذي اعترضه به ابن عبدوس لا يلزم، على أحد القولين، فيمن خيّر بين شيئين، فلا يقدَّر اختيارُه لأحدهما رجوعًا إليه بعد أن اختار الآخرَ فيكون فسخَ دين في دين.
وأما على الطريقة الأخرى ففيه نظر ينكشف وجهه مما قدمناه في كتاب السلم لما ذكرنا الاختلاف في ذوات الإبان، هل يلزم التأخير أو المحاسبة، وغير ذلك مما قيل فيه وعِلَل ذلك.
وأما لو كان الطعام المغصوب لم يستهلك، ولكنه أبقاه الغاصب بالبلد الذي غصبه فيه، ثم سافر إلى بلد آخر، فلقيه صاحب الطعام، فأراد مطالبته حيث لقيه.
فإن ابن القاسم يرى أنه لا يُقضَى عليه حيث هو بالطعام، وإنما يقضى عليه بأن يدفع الطعام أو مثله بالبلد الذي قبضه فيه وإن كان في ذلك تأخيرًا 3 لصاحب الطعام عن حقه واستيفائه.

ويرى أشهب إذا بَعُد ما بين البلدين أن يقضى لصاحب الطعام بقيمته بالبلد الذي غصبه فيه يأخذ ذلك حيث لقيه؛ لأن الدنانير والدراهم لا تختلف الأغراض فيها باختلاف البلدان، أو يقضي للطالب بمثل طعامه إذا كان سعر الطعام بالبلد الذي تلاقيا وبالبلد الذي غصب الطعام فيه سواءً، أو كان حيث تلاقيا أرخص.
يقضى بهذا التسعير لصاحب الطعام ليُرفع عنه مضرة فا 1 استحقه، ولكون الغاصب لا يناله ضرر مع تساوي الأسعار وكون السعر بالبلد الذي تلاقيا فيه أرخص.
واختلافهما في هذا كاختلافهما فيما قدمناه إذا وقع الطلب بالبلد الذي وقع فيه الغصب ولم يوجد مثل الطعام.
وأما لو نقل الغاصب الطعام إلى غير البلد الذي غصبه فيه، فتلاقيا، الغاصب وصاحب الطعام، بالبلد الذي نقل إليه الطعام، فإن مالكًا رضي الله عنه سَهم 2 فيه الأموال المغصوبة على ثلاثة أقسام، ورخص 3 كل قسم منها بحكم من الأحكام: ففي العتبية والمجموعة من رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن الشيء المغصوب إن كان طعامًا كان القضاء للغاصب 4 بمثل الطعام بالبلد الذي وقع فيه الغصب، ليس له إلا ذلك.
وإن كان الشيء المغصوب حيوانًا عبيدًا أو دورًا فليس له إلا ما غصب من الحيوان إذا لم يتغير في بدنه.
وإن كان المغصوب عروضًا فصاحبها بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها 5، أو يَعْدِل عنها إلى تغريم الغاصب قيمتَها بالبلد الذي غُصبت فيه، يأخذه بذلك حيث لقيه.
وهذا قول مالك في ترتيب هذه الأحكام على ثلاثة أقسام.

والقول الثالث ما ذهب إليه ابن القاسم وهو المساواة في هذه الثلاثة أقسام في الحكم، فمنعه أن يأخذ الشيء المغصوب وقضى له بما تجب عليه لو كان باليلد المغصوب فيه واستهلك الغاصب ما غصب، فإنه يجب عليه مثل الطعام الذي استهلك، وقيمةُ الحيوان والعروض الذي استهلك، فكذلك ها هنا يقضى على هذا الغاصب بمثل الطعام الذي غصبه ونَقله، وتستوفى منه القيمة بالبلد الذي وقع فيه الغصب للحيوان والعروض، ويؤخذ بذلك الغاصب حيث لقيه صاحب المال.
فأجرى جميع الأقسام على الحكم الذي ذكره مالك في الطعام.
والقول الثالث، وهو الذي ذهب إليه أشهب، وهو إجراء جميع الأحكام على حكم واحد، ولكنه الحكم الذي حكم به مالك في العروض، بجعل صاحب الشيء مخيّرًا بين أن يأخذ عين الطعام المغصوب والحيوان أو العروض، أو يعدل عن ذلك إلى تغريم الغاصب القيمة، قيمة ما غصب بالبلد الذي وقع فيه الغصب، لأخذه بالقيمة حيث لقيه.
وذكر في الطعام أنه يحال بينه وبين الطعام حتى يصل صاحب الشيء المغصوب.
وهكذا في الموازية أنه يتوثق لصاحب الشيء المغصوب من حقه إذا منع من أخذ الطعام بعينه.
وذهب سحنون إلى المساواة بين العروض والحيوان وأجرى عليهما الحكم الذي أجراه مالك في الحيوان، فقال: ليس لصاحب الشيء المغصوب، من حيوان أو عروض، إلا أخذ عين شيْئه إذا لم يتغير.
وما أدري ما يقول في الطعام: هل يجريه هذا المجرى؟ وقد وقع له ما يدل عن ذلك إلا أنه أشار إلى أن اختلاف البلدان يجري مجرى اختلاف الأسعار، والغاصب لا يضمن الشيء المغصوب بتغير سوقه وإنما يمنعه 1 بتغير عيْنه.
وهذه الإشارة تقتضي ألاّ يكون إلا أخذ الطعام بعينه.
لكنه لما ذكر مذهب

أشهب أنه يمكّن صاحب الطعام من أخذ عين طعامه، أنكر هذا وقال: هذا خلاف الرواية, وإنما له مثل طعامه بالبلد الذي غصبه فيه فإن يكن مذهب سحنون أن الطعام والعروض والحيوان ليس له إلا أخذ عينه، كما قال مالك في الحيوان، صارت المسألة على أربعة أقوال تفصيل مالك للأحكام على ثلاثة أقسام وثلاثة أقوال، أخذ كل صاحب مذهب فيها بما حكم به مالك في قسم من الأقسام الثلاثة.
والنكتة التي تدور عليها هذه المذاهب أن من رأى أن اختلاف البلدان كاختلاف الأسواق لم يقض إلا بعين الشيء المغصوب ولو نقِل.
ومن رأى ذلك كفوات العين بالكلّية قضى بما قاله ابن القاسم.
ومن رأى ذلك كعيب في الذوات المغصوبة خيّره كما قال أشهب.
وإذا قلنا بأنه له أن يأخذ عين الشيء المغصوب فقد قيل في مذهب أشهب إنه يأخذه ولا كراء عليه ولا نفقة.
والمطالبة، إذا أخذ العين، بالكراء والنفقة يجري على القولين فيما أحدثه الغاصب مِمّا لا يتميز ولا ينفصل وليس بعين قائمة، كتزويق الحيطان وتبييضها، والسقي والعلاج، فإن المذهب على قولين في المطالبة في النفقة في هذا إذا أخذه صاحبه.
ولو غصب الغاصب هذا الطعام ونقله ثم باعه بعد نقْله، فأراد صاحب الطعام أن يجيز البيع، ويأخذ الثمن، فإنه لا يمكن من ذلك على ما قاله مالك.
وهذا واضح على أصله لأنه لما أسقط صاحب الطعام حقه في أخذ عينه لم يكن له أن يأخذ ثمن العين إذا بيعت.
وأما على الطريقة الأخرى، وهي القول بأن له أن يأخذ عين الطعام، فإنه له أخذ ثمنه.
وكذلك منعه مالك أن يأخذ طعامًا خلاف الطعام المنقول، ورأى أنه بيع طعام بطعام مؤخَّر، لما كان الحكم عنده تضمينَ الغاصب الطعام بالبلد الذي غصبه فيه.
ولو أراد صاحب الشيء المغصوب أن يكلف الغاصب ردّه إلى حيث غصبه لم يكن له في المشهور من المذهب: لكن المغيرة ذكر عنه في كتاب المجموعة، فيمن غصب خشبة من

عَدَن، وأوصلها إلى جُدة، وأنفق في ذلك مائة دينار أن لربّها أن يكلّفه ردّهالأوله أن يأخذها بعينها.
قال: ولو كان نَقلها بوجه شبهة وقيمتها، حيث وصلت، أكثَر من قيمتها في المكان الذي منه نقلت، فإن ربها إذا أراد أخذها كُلِّف أن يدفع إلى حاملها الأقل من كرائها، وما زاد في قيمتها.
وفي كتاب ابن حبيب فيمن استؤجر على حِمْل ينقله لبلد آخر، فنقل غيرَه غلطًا، أنّ لصاحب الشيء المنقول تضمينَ الناقل وأخذ ما نقله بعد أن يؤدي الكراء عند ابن القاسم، ولا يلزمه أن يؤديه عند أشهب، ولا يُجبَر الحمالُ أن يردّه إلى المكان الذي منه نقله.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: مما يحدثه الغاصب فيما غصبه هبة الشيء المغصوب، فإن مالك الشيء المغصوب إذا وجده في يد الموهوب له، ولم يتغير في سوق ولا بدن، فإن له نقض الهبة، وأخذ عين ماله لا شيء له غير ذلك.
وقد كنا قدمنا النظر في تخريج في هذا في مسألة بيع الغاصب لما غصبه، فوجده مالكه في يد مشتريه قائمًا لم يتغير في بدن ولا سوق.
وحكم الموهوب له في هذا الوجه كحكم المشتري إذا اشترى من الغاصب.
لكن لو تغير الشيء الموهوب في يد الموهوب له تغيّرًا يوجب القيمة على الغاصب لكان له المطالبة بذلك.
وقد قال ابن القاسم، فيمن أعار ثوبًا غصبه فلبسه المستعير لباسًا يُنقصه به، فإن لصاحب الثوب أن يغرّم الغاصب قيمة العيب الذي أحدثه الموهوب له، ويأخذ عين شيئه ناقصًا.
وإن وُجد الغاصب فقيرًا كان له أن يأخذ عين شيئه، ويرجع بقيمة النقص على الموهوب له الذي أحدثه.
وقال أشهب وسحنون: ليس له تغريم الغاصب ما نقص، وإنما له تضمينه القيمة يوم الغصب يغرم ذلك الغاصب.
وهذ ابن اءً على أصولهما واختيارهما في أن من ملك أن يضمّن العَين فاختار أخذها بعينها فليس له المطالبة بما نقص منها.

ولو وجد مالك الشيء المغصوب ما غصب له قد هلك، بأن يكون طعامًا أكله الموهوب له، أو ثيابًا لبسها حتى أبلاها، فإن لربها أن يطالب بالواجب له في ذلك، فإن كان الموهوب له ذلك عالمًا بأن الذي وهبه غاصبًا 1، فحكم الرجلين حكم واحد، وهما غريمان لصاحب المال المغصوب، يطلب أيَّهما شاء بعوض ما استُهلك له.
وإن كان الموهوب له فعل ذلك ظنًا منه أن الواهب وهب له إنما 2 يملكه، فعلى من تكون المطالبة له؟ هذا فيه ثلاثة أقوال: مذهب ابن القاسم أن غرامة عوض ما استهلك من ذلك على الواهب، إن كان مليًّالأولا مرجع للغاصب على الموهوب له بشيء مما غرم؛ لأنه غرّه وسلّطه على أكل الطعام ولبس الثياب على ألا عوض عليه، فكأنه التزم الغرامة عنه لصاحب المال.
وإن كان فقيرًا رجع على الموهوب له لأنه أتلف مال هذا الطالب غلطًا منه (على ماله) 3 ولم يؤذن له في إتلافه من قبل مالكه، ومن أتلف مال غيره غلطًا فإنّه يغرمه.
وفي كتاب الاستحقاق، لغير ابن القاسم، أن الطالب إنما يبدأ بتغريم الموهوب له؛ لأنه هو المنتفع بالمال.
وقد يكون صونه 4 به ماله فصار لأجل ذلك كالباقي في يديه، وإذا كان كالباقي في يديه، فيه 5 يبرأ من الغرامة.
ومذهب أشهب أن الطالب بالخيار، يبدأ بغرامة الغاصب إذا شاء، وإن شاء بدأ بغرامة المتلِف لما وُهب له، كما بو كان الموهوب له عالمًا بالغصب وغلطُه لا يدفع عنه وجوب الغرامة عليه.
وهو اختيار ابن المواز وسحنون.
ولكن أشهب قال: يَطلب الغاصبَ بالقيمة يوم الغصب أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف.

ولو كان قيمة الثوب الملبوس يوم الغصب عشرين دينارًا، وقيمته يوم اللباس ثلاثون دينارًا، فإنه إذا أخذ من الغاصب العشرين دينارًا، التي هي قيمته يوم الغصب، لم يَرجع على الموهوب له بالعشرة التي هي تمام قيمته يوم اللباس، وإن كان أشهب رآهما كغريمين وجبت عليهما الغرامة بأمرين مختلفين، وإذا اختار طلبَ أحدِهما فكأنه أسقط الطلب عن الآخر، وجَعَل لصاحب المال الخيار في طلب من شاء منهما قياسًا على حكم المشتري إذا استحق من يده الطعام أو الثياب وقد أفناهما، فإن المستحِق مخيّر بين طلب الغاصب أو المشتري.
فكذلك يجب أن يخير بين طلب الموهوب له أو الغاصب، والفرق بينهما عند ابن القاسم وغيره أن المشتري إذا ابتدأ 1 الطالب بغرامة كان له مرجع على من باع منه، فلا يلحقه كبير ضرر.
والموهوب له إذا بدأ 2 الطالب بغرامته، فلا مرجع له على أحد، وقد أتلف ما أتلف مع اعتقاده ألا غرامة عليه فيه، فيلحقه من الرجوع عليه الضرر الشديد.
فرأى أن البداية بالغاصب لكونه هو المسلِّطَ للموهوب له على إتلاف هذا المال، فكأنه أتلفه بيده.
ورأى غيره أن البداية على الموهوب لأنه هو المنتفع بالإتلاف، ولا منفعة للغاصب في ذلك.
ولو كانت قيمةُ ما أتلف يوم الغصب، ويومَ سلّمه الموهوب، ويوم الاتلاف، متساويةً، وأراد المستحق للطلب أن يبدأ بغرامة الغاصب، لم يُختلف في ذلك إذ له أن يرفع عنه المطالبة بما يجب عليه من حكم التسليط على الإتلاف، ولأخذه بمجرد الغصب، فتكون القيمة يوم الغصب.
وهذا حكم إتلاف الهبة وواهبُها غاصب.
ولو كان واهبها غير غاصب ثم استحقت فإن قول ابن القاسم في ذلك يرى 3 على ما ذكره ابن عبدوس في المجموعة ألا طلب على الواهب لأنه وهب

هبة تجوز له.
ورأى في المدونة في كتاب الاستحقاق فيمن حابى في كراء ما ورثه، وهو يظن أنه انفرد بالوراثة، فطرأ أخ له لم يعلم به، فإن الأخ الطارئ يبدأ بالمطالبة بالمحاباة بأخيه.
فإن كان فقيرًا فحينئذٍ يرجع على المكتري.
وذكر عن غيره أنه لا يرجع 1 له على أخيه إذا لم يكن قد علم.
وقد اضطرب الأشياخ في تحصيل المذهب إذا كان الواهب ليس بغاصب، الشيخ أبو محمَّد وغيره يشيرون إلى أنه لا يختلف وأن 2 المرجع إنما يكون على الموهوب له المنتفع.
وقد يتأول قولُه في المدونة في الوارث إذا طرأ له أخ وقد حابى في الكراء، قوله: يرجع على أخيه، علم أو لم يعلم، أنه أراد بالكراء الذي أخذ.
من 3 الأشياخ من يشير إلى أن الوارث يرجع عليه بالمحاباة، وأن ابن عبدوس إنما ذكر عن ابن القاسم ما ذكرناه في مشتير اشترى ثوبًا فوهبه.
والمشترى بخلاف الوارث لكونه قد دفع فيما وهبه مالًا، والمشتري ضامن، والوارث لم يدفع مالًا، وقد يتهم في أنه عالم فيصير كالغاصب، ولا يتهم المشتري لكونه دفع مالًا.
وطرد هؤلاء هذا في هدم الوارث الدارَ ورثها، أو هدمها المشتري، فيكون المشتري غير مطالَب بالهدم.
وهذه التفرقة يرد بها ظاهر ما وقع في كتاب القسم من المدونة في الموصَى له بالثلث، إذا قسمت التركة، فوقع استحقاق بعضها، فوجد الدار في يد الورثة مهدومة، أنه لا يرجع عليهم بالهدم.
وهذا كله اضطراب، والتحقيق أن ذلك كله جار على الخلاف في من أخطأ على مال غيره، وقد تقدم ذكره.
ولو كان الغاصب قد أكرى الدابة من رجل فعطبت تحته، فإنه لا يغرم قيمتَها، على ما ذكره في المدونة من كتاب

العارية، وفي الموازية.
وقد ذكر ابن المواز أنه يجب أن يغرم، قياسًا على قوله في رجل استأجر رجلًا يبلّغ له كتابًا إلى بلد، وهو يظن أنه حرّ، فإذا به عبد، وعطب في سفره، فإنه يضمن العبد.
قال ابن المواز: لا فرق بين السؤالين.
وفرق بينهما الأشياخ بأن العبد إذا حيل 1 سيده في الغرامة على عبده لم يُفِدْه ذلك.
فصارت الإجارة كالهبة ها هنا، والهبة يُرجع بها على الواهب، وأما عطب الدابّة تحت من اكتراها من الغاصب فإنا إذا أسقطنا الغرامة عن الراكب كان لصاحب الدابة مرجع على آخر وهو الغالب 2 فلم يبطل حقه بالكلية.

والجواب عن السؤال السابع 3 أن يقال: إذا أحدث الغاصب فيما غصبه تفرّق اتصال كسوارين غصبهما فكسرهما، فإن في ذلك اختلافًا في المذهب: ففي المدونة يغرم قيمتهما، وفيها أيضًا: يغرم ما نقص.
وفيها أيضًا: قيمة الصياغة.
هذه الأقوال مترددة بين كتاب الرهن وكتاب الغصب وروي أنه يصوغهما له.
وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمناه من الاختلاف في صنائع المخلوقين: هل تتماثل وتلحق في تماثلها بتماثل المكيلات والموزونات، أو لا تتماثل وتجري مجرى العروض؟ ويلتفت فيها أيضًا إلى أصل آخر: هل يُغلَّب حكم الصناعة على الشيء المصنوع أو يغلب الشيء المصنوع؛ فإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وحكما يغلب على حكم ما علمت 4 فيه الصنعة، وجب القضاء عليه بسوارين صحيحين.
وإن قلنا: إنها لا تتماثل، والصنعة مغلبة على

ذات المصنوع، وجب فيها القيمة.
وإن قلنا: إن صناعة المخلوق لا تتماثل، ولا تغلب على الذات المصنوعة، كان الواجب في ذلك ما نقص.
وكذلك الحكم في دار غصبها الغاصب فهدمها، فإن ابن المواز قال: لصاحب الدار أن يغرم الغارم 1 قيمتها يوم الغصب، ويسلمها له على ما هي عليه من هدم، وله أن يأخذ ما وجد منها على ما هو عليه.
وهذا منه بناءً على ما اختاره من الخلاف الذي وقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن غصب شيئًا فحدث فيه عيب ينقصه أن ربّه إن اختار أخذ العين والعدول عن القيمة فإنه لا يطالب بقيمة النقص الحادث لكونه ملك تضمين قيمة الجملة.
وعلى الطريقة الأخرى وهي مذهب ابن القاسم أنه إن اختار أخذ عين الدار على ما هي عليه كان له المطالبة بقيمة الهدم.
وزاد بعض أشياخي على هذا أنّ له أنْ يغرمه قيمة الدار صحيحة وتعتبر القيمة يوم هدمها.
وهذا منه تخريج على أحد قولي ابن القاسم فيمن غصب عبدًا ثم قتله: إن لسيده أن يرفع عليه حكم الغصب ويطالبه بحكم التعدي وهي قيمة العبد يوم القتل.
وقد كنا نبهنا على ما في هذا من التخريج فيما سلف وإن بقاء العين مع نقص فيها بخلاف تلف العين كلها حتى لا يبقى لمالكها غرض يشح عليه ويتمسك به.
وكذلك أيضًا أضاف إلى هذا التخيير في وجهين آخرين وهما مطالبة الغاصب الهادم بقيمة الجدار المهدوم قائمًا، على أن حجارَهُ تبقى على ملك الغاصب، يتصرف بها، أو يطالبه بقيمة التلفيق في الحجار، وهو مقدار ما أتلف عليه، ومنفق 2 الأنقاض لمالك الدار.
وهذا منه بناء على أن القاعة، لربها أن يختار أخذها بعينها ويطالب بحكم الفساد في الجدار خاصة، ويصيرُ كغاصب سلعتين أبقى إحداهما على الحالة التي غصبها عليها، وأفسد السلعة

الأخرى، فإنه يعطى لكل سلعة حكمُ نفسها: فيُخَصّ الجدار بتميكنه منه، إذا اختار ذلك، ويطلب في الفساد الواجبَ فيه: إما قيمتَه كلها، وهو تقويمه قائمًا على أن الحجارة تبقى للغاصب، أو يختار أخذ الحجار ويطلبه بالنقص الذي أحدثه فيها وهو الهدم.
وهذا أيضًا إنما يصح له وإن 1 قدر الجدار كسلعة أخرى، على طريقة ابن القاسم في أن من ملك تضمين الغاصب قيمة جملة ما غصب لنقص حدث فيه، فإنه إذا عدل عن ذلك، واختار الذي فسد، فإن له مع ذلك المطالبة بما نقص وهو التلفيقال في نقص.

والجواب عن السؤال الثامن 2 أن يقال: لو غصب الغاصب سوارين وكسرهما ثم أعادهما على حالهما، فأراد ربهما أخذهما، ففي ذلك قولان: أحدهما: منعه من ذلك، وصرفه إلى أخذ قيمتهما.
والقول الآخر: إن له أخذهما ولا غرامة عليه.
فمن ذهب إلى منعه من أخذهما يقدر أن الإعادة للصنعة لا تتماثل، وقضى بالقيمة لكون السوارين تجري مجرى العروض، فإنه ليس له أن يجبر الغاصب على أن يأخذ منه عوض القيمة الواجبة عليه من هذين السوارين.
وإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وتجب عليه إعادة الصناعة، فكذلك فعل.
وإذا فعل الواجب على هذا القول لم يطلبه صاحب السوارين بغير ذلك.
وإذا غصب دارًا فهدمها ثم أعاده ابن قضها على هيئة ما كانت، فإن شيخنا جرى على الأصل، الذي قدمناه عنه، في أن لصاحب الدار أن يغرم الهادم

المغيّر للبناء قيمة الدار يوم غصبها أو يوم هدمها، على التخريج الذي ذكرناه عنه، أو يغرم الغاصب قيمة الجدار صحيحًا، ويعطيه هو قيمة الحجار منقوضة، إذ الغاصب لم يفعل أكثر من تلفيق، وهؤلاء 1 مطالبة له بالتلفيق، مثل التزويق، كما قدمناه، أو يطالبه بحكم ما أفسده عليه خاصة، وهو التلفيق لا أكثر من ذلك، لكون الحجار التي نُقضت إن اختار صاحبها تغريم الغاصب قيمتها قائمة كانت له فأراد 2 أن ينقضها منعه رب الدار من ذلك،، كرجل بني في أرض غيره تعديًا، فإنه له قيمة النقض، إذا اختار رب الأرض التمسك بهالأوله أن لا يملّكه الحجار ويبقيَها على ملكه، ويطلبه بما أفسد فيها وليس إلا التلفيق.
وقد قال ابن القاسم في هذا: يطلبه بقيمة ما هدم مبنيًا، ويعطي هو الغاصبَ قيمة الحجارة منقوضة.
وهذا أحد الأقسام التي ذكرناها.
وجرى ابن المواز على أصله فقال: (يأخذ من الغاصب قيمة ما هدمه منقوضًا، ويعطي هو الغاصبَ قيمة النقض الذي أعاده الغاصب منقوضًا يوم المحاكمة فيه) 3. وهذا أيضًا من الأقسام التي ذكرنا.
وبنى ابن المواز على أصله في أن من ملك تضمين الجملة فليس له أن يأخذها وقيمة ما انتقصر منها، وهذا قد ملك أن يضمّن الغاصب جميع قيمة الدار، فإذا عدل عن ذلك وطلب أخذ عينها فلا مطالبة له بما نقص.
ومما يلحق بما نحن فيه من إفساد الغاصب ثم تلافيه لما أفسد، مسألة من اكترى دابة فتعدّى بزيادة على ما اكتراه، في زمن أو مسافة أو حمل، فإنه إذا اكتراها أيامًا معلومة محدودة، فحبسها بعوإنقضاء الأجل، ثم ردها لربها سالمة، فقد سقط عنه الضمان لتلافيه تعدّيَه وردّها إلى صاحبها سالمة.
ولكن

لو كان حبسها أيامًا كثيرة كالشهر ونحوه، على ما وقع في بعض الروايات، أو يُحَدّ الأمد بكونه مما تختلف فيه الأسواق، على ما وقع في رواية أخرى، فإنه يضمن قيمتها وإن ردّها سالمة.
وهذا لِأجْل كونه حبسها على أسواقها، ومنع ربها من المنفعة بها.
وخص في المدولْة هذا الحكم بتعدي المكتري والمستعير، ولم يذكر ذلك في الغاصب إذا ردها بعد زمن كثير وهي سالمة، فإنه قال: لا تلزمه غرامة القيمة.
واحتج ابن القاسم إلى إلزام الغاصب الغرامة، ولكنه لم يلتزم ذلك كراهة في مخالفة مالك.
والفرق عند مالك بين الغاصب والمكتري أن مقصود الغاصب ملك الرقبة لا تملّك المنفعة، فلم يضمَّن القيمة بحرمان ربها منفعتها، ومقصود المكتري والمستعير غصب المنفعة، ومن جملة المنافع بيعها إذا شاء ربها، وقد منعه، بحبسها، من هذه المنفعة، وهي مقصودة، فضمن ما منعه من ذلك.
كذلك لو تعدى المكتري على الدابة في المسافة فإن المعتبر، في تضمينه قيمتها إذا ردها سالمة، ما اعتبرناه في تعديه في الزمان.
فإن تعدى مسافة طويلة منع بذلك ربها من أسواقها، ضمن قيمتها إذا شاء ربّها.
وإن تعدى مسافة يسيرة لم يكن لربها أن يُضمِّنه القيمة إذا ردّها سالمة، والعلة في تعدي المسافة، إذا كثر وبعد، كالعلة في تعدي الزمان إذا طال وكثر.
ولو غصب الدابة في أمد التعدي، فإنه يضمن قيمتها طال زمن التعدي أو قصر.
وكذلك إذا طالت مسافة التعدي، أو ققت حتى يولغ 1 في ذلك، فقيل: ولو تعدى بها خطوة.
وخولف بين تعدي المسافة المحدودة أو الزمن المحدود، إذا وقع الغصب في أمد التعدي، بينه وبين التعدي في زيادة العمل المشروط، فقيل: إذا اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزًا، فإنه يعتبر مقدار ما زاد، فإن كان يعطب في مثله ضمن قيمتها، وإن كان لا يعطب

في مثله لم يضمن القيمة.
وذكر لي شيخنا رحمه الله عن بعض أشياخه أنه كان يفرّق بين التعدي بالزيادة في مقدار العمل، والزيادة في المسافة أو الزمن: مجاوزة الزمن المشترط في الكراء تعدٍّ محض لا شبهة فيه ولا إذن يخالطه، فلهذا استوى قليله وكثيره، والزيادة في العمل لم يتمخض فيها التعدي، بل امتزج مع الاذن بالدابة.
فالدابة المحمول عليها أحد عشر قفيرًا مأذون في تَسْييرها بشرط أن يكون عليها عشرة قفيزًا 1، فوجب لأجل امتزاج التعدي بالإذن بين أن تكون الزيادة مُهلِكة أو غير مهلِكة.
وهذا وإن كان قد يستحسن تصوره فإن شيخنا الذي حكاه لنا كان لا يراه فرقًا واضحًا، ويرى أن السير بزيادة العمل تعدٍّ محضُ، لم يؤذن فيه إلا بشرط، وإذا فقد الشرط صار السير تعديًا محضًا، فأشبه تعديَ المسافة، وتعدي الزمن.
ولو كان العطب وقع بعد أن رُدَّت الدابة إلى المكان الذي دخل في عقد الكراء، فإنه إن كان التعدي في المسافة كثيرًا، تلزم فيه القيمة، فلا تسقط القيمة ردها 2 إلى موضع الاذن، لتقرر القيمة في الذمة قبل وجود الرد إلى الموضع المأذون فيه.
وإن كان تعدي المسافة يسيرًا بحيث لا تلزم فيه القيمة، ففيه اختلاف في المذهب.
وإلزامنا القيمة فيما ذكرناه من هذه الأقسام إنما ذلك إذا اختار رب الدابة التضمين للرقبة.
وأما إن اختار طلب قيمة المنفعة التي وقع الغصب عليها، فإن له ذلك: يأخذ الكراءَ الأول الذي سمياه، ويكون له فيما زاد عليه مما وقع التعدي فيه في المسافة كراءُ المثل عند ابن القاسم، وعند غيره إنما يكون له طلب كراء المثل إذا كان رب الدابة غائبًا أيام حبَسها المكتري، فيكون له الأكثر من قيمة كراء أيام الحبس، إن كانت مستخدَمة فيها، وبنسبة ما وقع به عقد الكراء الذي لا تعدي فيه، لأجل أنه قد يقع في الكراء الأول مغابنة رضي بها فلا

تلزمه المغابنة فيما لم يرض به، وهو إمساكها أيامًا لم يؤذن له أن يمسكها فيها.
وأما إذا كانا حاضرين جميعًا فذلك رضىً منهما بالتزام الكراء على نسبة ما كان.
وسبنسط الكلام على هذا في كتاب الأكرية إن شاء الله تعالى، ونذكر مذهب أبي حنيفة الذي لا يوجب في أصل المنافع أجرة.

والجواب عن السؤال التاسع 1 أن يقال: إذا غصب إنسان حجرًا أو خشبة فبنى على ما غصب من ذلك بناءً، فهل ذلك كفوت العين، تلزم فيه الغاصبَ القيمةُ، أوليس كفوت العين، لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب؟ هذا مما اختلف الناس فيه: فالمشهور من مذهبنا أن لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب، وإن أدى نزعها إلى فساد بناء الغاصب وانهدامه.
هكذا روي عن مالك رضي الله عنه.
وقال ابن القاسم في الموازية: يهدم بناء الغاصب ولو كان بناؤه قصورًا.
واختلف النقل عن أشهب: ففي النوادر أن مالكًا، رضي الله عنه، مكن صاحب الحجر أو الخشبة من هدم بناء الغاصب، وقاله أشهب.
وقال: إن هذا بخلاف من غصب خشبة فصنعها بابًا، فإن هذا لا يُمْكِنُ أن يعاد لهيئته.
وحكي عنه في غير النوادر أنه يرى وجوب القيمة على الباني، ولا يهدم بناؤه.
وقد نقل عنه هذا ابن حارث في كتابه، ولكن زاد في نقله أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أن البناء المعتمد على الحجر المغصوب يقلع.
وإنما اختلفا فيما انتشر عن هذا البناء، وخرج عن اعتماده على الحجر المغصوب، هل يهدم أم لا؟ فقال: إن ابن القاسم قال قولًا مجملًا أنه يهدم.. وقال أشهب: إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدم جميع البناء فإنه تجب فيه القيمة لصاحب الحجر.

وهذا الذي نقله ابن حارث لا أعرفه في المذهب، ولم ينقله فيما علمت غيره من المصنفين، وإنما المشهور في سائر الدواوين ذكر الخلاف عندنا في هدم بناء الغاصب، قولًا مطلقًا عامًا فيما بُنِيَ، معتمدًا على الحجر المغصوب أو لم يكن معتمدًا عليه، لكن 1 لا سبيل إلى نزعه إلا بهدمه، فاختلف النقل في ذلك عن أشهب، كما ذكرناه، وما أدري أين وقف ابن حارث على هذا التفصيل و (لكنه لا أنكر) 2 هذا التفصيل أن يكون مذهبًا؛ لأن الكرخي نقل عن أبي حنيفة أنه يرى عدم 3 ما اعتمد على الحجر المغصوب.
وأمّا ما كان مبنيًا بجوانبه أو متصلًا به فلا يرى أبو حنيفة هدمه، بل يوجب فيه القيمة.
وهذا التفصيل الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة هو نفس التفصيل الذي حكاه ابن حارث عن أصحاب مالك.
والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وهو المذكور في مسائل الخلاف بين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة، أن محمَّد بن الحسن ذكر عن أبي حنيفة أن بناء الغاصب لا يهدم إذا لحقه الضرر بهدمه، قولًا مطلقًا، وتجب القيمة على غاصب الحجر.
وقال ابن القصار: هذا هو قياس أصل أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن من غصب أشجارًا صغارًا فغرسها في أرض نفسه وثبتت فإنه ليس له قلعها، بل يأخذ قيمتها للضرر لصاحب الأرض.
قال: وعندنا وعند الشافعي أن لصاحبها أخذها.
وقال: يخيّر إذا كان صاحبها إذا أخذها ثبتت.
وسيرد كلامنا على هذه الغروس التي ذكرناها.
وأما الشافعي فمذهبه كمذهب مالك في هدم بناء الغاصب إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدمه.

وإذا قلنا بهدم بناء الغاصب فهل ذلك هو الحكم المتعين، أو يضاف إلى ذلك أن من حق صاحب الحجر ألاّ يهدم بناء الغاصب، ويطلبه بقيمة حجره؟ هذا أيضًا مما وقع فيه اضطراب: قال بعض الأشياخ: ظاهر المدونة أن هدم البناء لا يتعين، ولصاحب الحجر المغصوبة أن يطالب الغاصب بقيمتها ولا يهدم بناءه، وتعلق في هذا بأنه لما ذكر في المدونة بناء غاصب الحجر عليه، أن لصاحبه هدم البناء، وليس ذلك على من غصب ثوبًا، وجعله طهارة 1 لجبة، أن له أن ينتزع الثوب المغصوب، ويفتقه وإن شاء تركه، وأخذ قيمته.
وهكذا حكى بعض أصحاب مسائل الخلاف عن المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يرون أن صاحب الحجر المغصوب إذا رضي بأخذ القيمة جُبِر الغاصب عليهالأولا يخلّصه من ذلك أن يقول: أنا أرضى بهدم بنائي لتأخذ عين ما غصبتك إياه، اعتمادًا منهم على أن رضاه بذلك من تضييع المال وإفساده، والإنسان محرم عليه إضاعة ماله.
وحكي عن المتقدمين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يَرَوْنْ خلاف ذلك وأن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم يمكَّن صاحب الحجر المغصوب من تغريمه قيمته.
وأعلا 2 بعض أصحاب الشافعية حتى نسب المانعين للغاصب من رضاه بهدم م ابن اه خلافًا لأصول الشريعة، وهم على رد الإجماع.
وليس الأمر كما ظن من الإجماع على هذا، وقد كان شيخيَّ 3 أبو محمَّد عبد الحميد وأبو الحسن المعروف باللخمي رحمهما الله يميلون إلى منع الغاصب من هدم بنائه لأنه نوع من إضاعة المال لا تجوز.
وأما ابن القصار، من أصحابنا، فإنه ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه

شيخاي، رحمهما الله، ورأى أن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم تلزمه غرامة القيمة بأن غرامة القيمة للحجر موقوفة عن رضي صاحب الحجر والغاصب الذي بني عليها.
وسبب الاختلاف في تمكين صاحب الحجر من هدم م ابن اه الغاصب عليها المنازعة في ظواهر وقعت في الكتاب وفي السنة.
فأما الكتاب، فقال أصحاب أبي حنيفة: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) 1 وظاهر هذا يقتضي أن لا يعتدوا على غاصب هذا الحجر بردها بعينها وإفساد بنائه؛ لأن ذلك ليس بمثل له، فدل على أن الواجب قيمته التي هي عوض مثله.
وأجيبوا عن ذلك بأن هذه الآية نزلتْ في الجناية على النفوس والأبدان، فحكمها مقصور عليهما.
وأيضًا فإن غاصب الحجر لو أخذه من بناء هدمه على صاحبه ورده إلى ملكه، وبنى عليه مثل ما هدمه على مالكه، لصحّ ها هنا أن يقضى بالأمث الذي هذا: لأنه يهدم عليه مثل ما هدمه هو على صاحب الحجر، وهو يقول في هذا: لا يهدم على الغاصب وإن هدم بناء غيره بسبب هذا الحجر، فلم يقض بالمثل.
واحتج أصحابه بقوله عليه السلام "لا ضرر ولا ضرار في الإِسلام" 2 ومن الإضرار فساد بناء الغاصب وإتلاف ماله.
وهذا أجيبوا عنه بأن منع صاحب الحجر من أخذ حجره إضرار به أيضًالأولا سبيل إلى الإضرار.
فيقولون هم: تجب المساواة بين الضررين، فالإضرار بهدم بناء الغاصب يقع ولا عوض للغاصب عنه، والحجر إذا مُنع منها صاحبها أخذ قيمتها، فشتان بين ضررين: أحدهما يؤخذ عنه عوض والآخر (عنه عوض عنه) 3.

وأصحابنا وأصحاب الشافعي لم يسلموا لهم هذا الترجيح الذي وقع (بين الموازية) 1 بين الضررين، بل قالوا: لو 2 جبر رجل على أن يبيع ماله ويأخذ عوضه أشدُّ الضرر، وقد يكون له غرض في عين ملكه (محله) 3 أو لكونه لا يمكنه أن يشتري بالقيمة التي يعطاها عوضًا عنه مثل حجره أو خشبته التي غصبت له.
ويرجح أصحابنا هذا بأن الظالم أحقّ أن يحمل عليه.
وهذا عندي هي النكتة التي تدور عليها هذه المسألة، وإليه كان يذهب شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، رحمه الله، ولا يقول قولًا مطلقًا بما قاله مالك والشافعي من هدم بناء الغاصب، ولا بما قاله أبو حنيفة من 4 هدم بنائه، بل يرى أن كل نازلة حكمها، فما اتضح فيه الضرر بهدم البناء أشد من تغريم الغاصب قيمة الحجر لم يهدم عليه البناء، وما كان تغريم القيمة فيه أشد على صاحبه في الإضرار به كان تغريم القيمة أوْلى من هدم بناء الغاصب، وما تساوى فيه الضرر، أو أشكل أمره، رُجُّح جانب صاحب الحجر في تمكينه من أخذ عينهلالكون الظالم أحق أن يحمل عليه.
وهكذا كان يرى في كل شيء أخذه الغاصب فأضاف إليه شيئًا آخر فإنه يغلّب فيه أحد الضررين على نحو ما ذكرناه.
ومما يرجح به جانب صاحب الحَجر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ 5 وغاصب هذا الحجر ظالم.
وعموم الأحاديث تقتضي تمكين صاحب هذا الحجر من قلعه وإن فسد بناء الغاصب.
من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" 6 وفي

بعض الروايات "حتى تؤديه" ومنها قوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" 1، وقوله: وقوله "لا يحل لأحد أن يأخذ مال أخيه جادًا أو لاعبًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها عليه" 2. وهذه العمومات تقتضي وجوب رد هذا الحجر.
وأما الطرق المعنوية التي يعتمد عليها أصحابنا وأصحاب الشافعي، فإنهم يقولون: إذا رضي الغاصب بهدم بنائه وردِّ الحجر الذي غصب مُكّن من ذلك، ولم يطلب بما سواه.
وكلّ من قدر أن يرد العين المغصوبة فإنه إذا امتنع من ردّها جبر عليها، كمن غصب ثوبًا فإن عليه رده، فإن لم يفعل أجبر على رده.
وقد دافع أصحاب أبي حنيفة هذا الاستدلال يأن من غصب خشبة فبنى عليها، واشتراها من مالكها، ثم اطلع على عيب فيها، فإن له ردها، ومع هذا (لا يجبر على الرد إذا امتنع.
فقد أوجدناكم من يتمكن له الرد 3 إذا امتنع منه) 4 لا يجبر عليه.
وهذا لا تصح مناقضتهم به؛ لأنا إنما ذكرنا ما ذكرناه من أن من ملك الردّ فامتنع منه أجبر عليه في الغصب، وهذا ملك الرد بالعيب لا بالغصب، ومن ملك الرد بالعيب فلا يجبر على الرد إذا امتنع؛ لأن الردّ حق له فلا يجبر عليه إذا ترك، ورد الشيء المغصوب حق عليه، فيجبر عليه إذا امتنع منه.
ومما به 5 أصحاب أبي حنيفة مذهبهم أن من بني على حجر اشتراه من

جارٍ التحميل