شرح التلقينصفحات 1050-1053
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التجارة إلى أرض الحرب

صفحات 1050-1053

في البيع، ولا ملك له عليها، فيقدر أنه استثناها.
وقد كنا أشرنا إلى هذه النكتة قبل هذا، لما تكلمنا على بيع عبد أو دار، وقد أكراهما بائعهما قبل أن يحوّل رقابهما.
ولو أبو بعض النخل دون بعض لكان الأقل تبعًا للأكثر في حكمه، إذا كان كل واحد منهما متميزًا عن صاحبه.
ولو كان هذا مختلطًا لم يجز للبائع استثناؤه لكون استثنائه على العموم يدخل فيه استثناء ما لم يؤبر.
وقد ذكر في المدونة حكم بيع لبن شاة أو شياه، فأعلم أن شراء هذه الألبان إما أن يقع على الكيل أو على الجزاف، وفي كلا الوجهين يقع ذلك في عدد قليل كالشاة والشاتين، أو في عدد كثير كالعشرة ونحوها.
فأما العقد على لبن شياه كثيرة فإن ذلك يجوز.
ويستوي الحكم فيه بين أن يعقد على الجزاف أو على الكيل، ولكن يجب أن يرفع فيه ما يقتضي الوقوع في الغرر والخطر.
ولا يعقد ذلك حتى يعلم من حال اللبن ما يكون الجهل به يتضمن غررًا في المبيع، وذلك بأن يشترط، إذا بيعت على الكيل، كيلًا يعلم أن الغنم تقي به، والزمن لا ينقطع فيه اللبن، فبيعه على الكيل يرفع الجهالة بمقدار المبيع، وبيعه على الجزاف يفتقر فيه إلى المعرفة بقدر الحلاب على الجملة لاختلاف أحوال الغنم في غزارة اللبن وقلته.
وإذا كان على الكيل علم المشتري مقدار ما اشتراه.
وأما إن كانت الشياه قليلة كالشاتين، فالمذهب على قولين: نهى في المدونة عن شراء ذلك على الجزاف.
وأجازه في الموازية وذلك اختلاف في شهادة بعادة.
فمن أجاز رأى أن الغالب بقاء اللبن علي ما اختبر منه المشتري قبل العقد، وتغيُّرُه نادر لا يلتفت إليه.
ومن نهى عنه رأى أن التغيّر في ذلك ربما تكرر تكررًا يوقع الغرر، فنهى عنه، بخلاف أن تكون الشياه التي اشترى لبنها كثيرة، فإن الغرر ها هنا الذي أشرنا إليه يخف، لكون بعضها وإن خف لبنه في بعض الأيام، فإن البعض الآخر ربما غزر لبنه، حتى ينوب هذا عن هذا.
ويجري الأمر فيها على ما عرف من ناحية حلابها.
وقد أجاز في المدونة أن يكتري بقرة للحرث ويشترط لبنها إذا كان العقد في إبان لبنها.
وأشار سحنون إلى إنكار هذا، ونهى عنه لكونه يتضمن

شراء لبن عَدَدٍ يسيرٍ، وقد ذكرنا عن المدونة أنه لا يجوز ذلك.
فمن الناس من رأى ذلك اختلاف قول منه في المدونة، ومنهم من اعتذر عن ذلك، ولم يره اختلافًا من القول لكون اللبن ها هنا لم يعقد عليه منفردًا، وإنما عقد عليه تبعًا للمنافع التي اشتريت منها، وهو الحرث بها، والغرر يتصور في الشيء إذا انفرد، ويرتفع منه إذا كان تبعًا لغيره.
ألا ترى أن من اكترى دارًا وفيها شجرة لم تَزْهُ فإنه يجوز له اشتراط ثمرتها إذا كانت.
الثمرة تبعًا للكراء، ولا يجوز اشتراء ثمرتها قبل الزهو منفردة.
فكذلك العذر عن هذه المسألة.
لكن أشار ابن أبي زمنين إلى المناقضة من جهة أخرى، فقال: قد اشترط في المدونة فيمن اكترى بقرة للحرث، واشترط لبنها، أن ذلك يجوز إذا عرف وجه حلابها.
فإن بناء الجواز فيها على كون اللبن ها هنا تبعًا، فلمّا 1 اشترط وجه المعرفة بحلابها واشتراطه ذلك يؤذن بكونه مقصودًا، وكونه مقصودًا يقتضي منع العقد عليه كما لو عقد عليه منفردًا.
وهذا الذي قاله ينفصل عنه بأن الغرر إذا كان من جهة يقدر على رفعها من غير مشقة لم يسامح به.
ومعرفة قدر حلابها يمكن أن يطلع عليه من غير مشقة، والعدول عن العلم به إلى الجهل به وقوع في الغرر.
فكونه ها هنا تبعًا لا يقتضي العفو عن هذا الغرر الذي يقدر على رفعه من غير مشقة.
وأما ما يتوقى من تغير اللبن فكذلك أمر لا يقدر على رفعه إذا كان المكتري يتسلم البقرة للحرث عليها على الإطلاق، فإن البائع تلحقه المشقة في الإتيان إليها لحلابها وقتًا بعد وقت، فدعت هذه المشقة إلى العفو عن هذا النوع من الغرر، كما أجيز اشتراط ثمرة شجرة لم تزه في اكتراء الدار إذا كانت الثمرة تبعًا، لما يلحق المكتري من التأذي بدخول صاحب الدار إليه وتكرر ذلك عليه ليجني ثمرته.
وقد قدمنا في العرية إشارة إلى تعليلها بهذا المعنى.
وقد اختلف المذهب في هذه البقرة التي اكتريت للحرث، واشترط حلابها، هل يحط من الكراء شيء بسبب ما ارتفع من اللبن أو لا؟ فذهب ابن

القاسم إلى أنه يحط منه بمقدار ما قابل اللبن من الكراء.
وذهب أصبغ إلى أنه لا يحط منه بناء منه على أن الاتباع لا حصة لها من الثمن، كمال العبد إذا اشترط في البيع، والثمرة المؤبرة إذا اشترطها مشتري رقاب النخل.
وإذا كان العقد في شراء اللبن علي ما يجوز، واشترى اللبن علي الجزاف فماتت بعض الشياه، فإنه يحط عن المشتري من الثمن مقدار ما قابل لبن الشاة التي ماتت بعد أعتبار قيمة اللبن في أول الإبان وآخره.
وينظر في لزوبم العقد فيما بقي منها.
فإذا كان الذي بقي منها حيًا هو الأكثر، فأصل المذهب أنه يلزم البيع فيه على ما تقدم بيانه في كتاب الرد بالعيب.
وإن كان الذي بقي منها حيًا أقل الصفقة، فها هنا اضطرب المتأخرون.
فمنهم من أشار إلى لزوم البيع، بخلاف ذهاب أكثرها بالاستحقاق، أو رده بالعيب لما كان الاستحقاق والردّ بالعيب من سبب البائع، ويتهم البائع في كونه من سببه ومدلسًا به.
والموت أثرٌ لا سبب للبائع فيه فلا يكون للمشتري مقال بذهاب أكثر صفقته كجوائح الثمار، لما كان ذهاب ما هلك من الثمرة لا سبب للبائع فيه، وجب ألا يكون لمشتريها مقال فيما سلم منها ولو كان أقلها.
ومنهم من مال إلى أن للمشتري مقالًا، واحتج بقوله في المدونة فيمن اكترى دارين فانهدمت إحداهما، وهي وجه الصفقة؛ أن له رد الأخرى.
والانهدام لا سبب للبائع فيه.
ومقتضى هذا التخريج إثبات حق للمشتري، ورد ما بقي من الثمرة التي طرأت عليها جائحة، وإن كان هو أقل الصفقة.
وذكر في المدونة في هذا الكتاب سؤالًا، وهو: من بني رحًى في أرض لغيره يخرقها نهر، فقال: على باني الرحى.
قيمة كرائها، وأما الماء فلا كراء له.
وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن: هل هذا السؤال على أن المراد به النهر الخارق لهذه الأرض ليس بملك لصاحب الأرض، بل هو لغيره، فلهذا أسقط من هذا التقويم كراء الماء.
وقيل: إن المراد بهذا القول أن الماء لا كراء له إذا انفرد، وأما إذا كان على هذه الصفقة، فإنه تقوّم الأرض على أن هذا النهر يخرقها.
وقال بعضهم: إنما يقع التقويم ها هنا على أن سوْق الرحى بهذا الماء على مكتري الرحى لا على المطالب له بالكراء.

وقد ذهب ابن أبي زمنين إلى مناقضة هذه المسألة بمسألة أخرى فقال: قد قال ها هنا: إن الماء لا كراء له.
وقال في كتاب الغصب، فيمن غصب بئرًا فسقى بها: إن له حق الماء.
فإن كان النهر مملوكًا فلا فرق بين السؤالين.
وكره مالك بيع المواجل المحبّسة.
وهم سحنون بأن يشق روايا الماء بالقيروان التي كانت تنقل من الماجل المسبل للناس، ثم وقف عن هذا، وقال: إن فيه مرتفقًا للناس.
وكان أصحابه لا يشترون الروايا وهي ملأى لئلا يقعوا في كراهية شراء الماء المحبس.
ولكنهم يقولون لصاحب الراوية بكم تبيعها؟ فإذا أعلمهم بالثمن وقد فرّغها قالوا له: خذه وانقل لنا ملأها.
يقصدون بهذا أن يكون ما دفعوه إجارة لدابته وخدمته فيها واستقاء الماء، فيسلمون من الكراهة، وكأنه في هذا نائب عنهم في استقاء الماء.
وهذا تورع منهم، وإلا فإذا كان القصد في شرائها، وهي ملآنة، المُعاوضة عن حمل دوابهم واستقائهم، فإن هذا يعود إلى الأول الذي أجازوه واستخفّوه.
وسنبسط الكلام في هذا المعنى في موضعه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

تم كتاب التجارة بأرض الحرب.
والحمد لله.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل