شرح التلقينصفحات 174-213

كتاب الحمالة

صفحات 174-213

الحمالة، وموت الحميل بالوجه فيه قولان كما قدمنا.
ولو تحمل زيد لعمرو وتحمل يزيد و 1 بكر، وحمالة كل واحد منهما بالمال فإن موت عمرو لا تسقط الحمالة عن زيدل ولا عن بكر لما أصلنا.
ولو تحملا بالوجه جميعًا فإن موت عمرو يُسقط الحمالة عن زيد، وإذا أُسقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عنه، وإذا سقط الأصل يسقط الفرع.
ولو مات زيد لسقطت الحمالة عن تركته على مذهب عبد الملك ولم تسقط على المذهب الآخر، وإذا سقطت عن زيد بموته سقطت عن بكر لأن بكرًا حميل بوجه زيد، وموت المتحمَّل بوجهه يسقط.
لكن لومات بكر لجرى سقوط الكفالة عنه وعن تركته على القولين المتقدمين في سقوط الكفالة عين الحميل بالوجه إذا مات.
ولو غاب عمرو لأُخذ زيد بالدين، ولو غاب زيد لأخذ بكر بما توجه على زيد من الغرامة.
ولو اختلفت طرق الحمالة من هذين الرجلين: فتحمل زيد بالوجه، وتحمل بكر عن زيد بالمال، فإن موت عمرو يسقط الحمالة عن زيد؛ لأنه حميل بالوجه وقد مات من تحمل بوجهه.
وإذا سقطت عن زيد سقطت عن بكر لأنه كالفرع عن زيد.
ولو غاب عمرو لتوجهت الغرامة على زيد، فإن لم يوجد له شيء غرم عنه بكر الذي تحمل عنه بالمال.
(ولو كان يمكن هذا) 2 زيد تحمل بالمال وبكر تحمل بوجه زيد، فإن بكرا إذا أحضر زيدًا سقطت عنه الحمالة.
ولو مات زيد لسقطت عنه الحمالة أيضًا.
ولو مات بكر فإن الحمالة ثابتة بعد موته.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنه لما قال: هي ثابتة، ولم يقل تؤخذ من تركته بيمين لأنه لم تتوجه على من تحمل بوجهه غرامة.

وأشار غيره من الأشياخ إلى أن ذلك جار على الخلاف في موت الحميل بالمال إذا كان الدين مؤجلًا هل.
يحل بموته أم لا وإن كان لم يتوجه غرامة على من تحمل عنه بالمال؟ وكذلك يكون حكم بكر ها هنا يجري على القولين: هل يؤخذ من تركته، إذا مات، الدين، و. إن كان الدين لم يتوجه على زيد الذي تحمل بوجهه وهو حميل بالمال مطالب.

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: قد قدمنا أن الحمالة بالمال لا تبرىء ذمة المتحمَّل عنه، بل يصير الدين متوجها في ذمتين: في ذمة الغريم وذمة الحميل.
وذكرنا فيما سلف أن من الناس من ذهب إلى أن الحمالة بالمال تبرىء ذمة المتحمّل عنه وذلك كالحوالة: فإن حقيقة الحوالة أن يكون الدين في ذمة واحدة ثم ينتقل إلى ذمة المحال عليه وتبرأ الذمة الأولى وهي ذمة الغريم الذي عليه الدين.
وذكرنا سبب الخلاف في هذه المسألة وأن جمهور العلماء على أن الحمالة لا تبرىء ذمة المتحمَّل عنه.
ولكن اختلف هؤلاء في تمكين من له الدين من طلب الحميل بما تحمل به من 1 تمكنه من أخذ دينه من ذمة غريمه الذي عامله بأصل الدين، في الأكثر على أن من له الدين مخيّر بين أن يطالب بدينه الغريم أو الحميل، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وبه قال مالك في أحد قوليه.
وله قول آخر أنه لا يمكن من له الدين من طلب الحميل مع إمكان أخذ دينه من غريمه.
والروايتان عنه مشهورتان في المدونة وغيرها.
واتفق الجميع على أن من له الدين إذا حيل بينه وبين أخذ حقه من الغريم لفقر حدث بالغريم، أو تغيّب، أو لَدَدٍ، أو امتناع لا يقدر معه على الانتصاف

منه، فإن له أخذ الدين من الحميل.
وسبب الخلاف في تمكين من له الدين بطلب الحميل مع تمكنه من أخذه من الغريم قوله عليه السلام "والزعيم غارم" 1 يعم سائر الأحوال: حالة كون الغريم حاضرًا موسرًا يتُمكن طلبُه بالدين، وبين كونه ممتنعا من أدائه.
وهذا كالعموم في المعنى، وفيه اختلاف بين الأصوليين.
فاقتضى هذا العموم تمكين من له الدين من طلب الحميل على أيّ حال كان الغريم.
وكأن من ذهب إلى رفع التخيير بين طلب الحميل والغريم إذا أمكن أخذ الدين من كل واحد منهما رأى أن قوله في هذا الحديث "والزعيم غارم" فيه إشارة إلى أنه إنما يغرم ما قد صار في حيز التلف لكون الغريم فقيرًا أو ممتنعا فيصير الحميل غارمًا لما هو في حكم التالف.
وكأن هؤلاء رأوا أن لفظة الغرامة تشعر يكون ما يؤدى عوضا عن ما هو في حكم الفائت التالف، وإنما يقال غرم زيد قيمة ثوب استهلكه، ولا يقال إذا اشتراه وأدى ثمنه غرم زيد ثمنه هذا المألوف في الاستعمال.
وهذا يقتضي ألا يتوجه على الحميل.
مطالبة إلا عند فوت أخذ الحق من الغريم.
ويرجح أصحاب هذه الطريقة مذهبهم بأن القصد بأخذ الحميل، التوثق في الدين، وكون الطالب للحميل إذا اشترطه في أصك المعاملة فإنما يفعل ذلك توثقا من مشتري سلعته، حذَرًا أن يفتقر أو يتغيب، فصارت الحمالة في معنى الرهبان، بل 2 القصد من الرهبان التوثق من الغريم مخافة أن يفتقر أو يتغيب فيكون الرهن يقضى منه الدين.
وقد اتفق على أنه لا يمكن الطالب من أخذ حقه من الرهن إلا عند تعذر استيفاء الدين من الراهن، فكذلك لا يمكن من له الدين من طلب الحميل إلا بعد تعذر استيفاء الدين من الغريم.
ومقتضى التحقيق عندي في هذا أن الحمالة التزام لم يلزم في أصل الشرع فلا يتجاوز فيه حدّ ما التزمه الملتزم وتطوع به.
فلو صرح حين الالتزام بأن قال:

إنما أتحمل عن فلان بما عليه من دين بشرط أن يطرأ عليه فقر، أو يحدث منه تغيب فإنه لا يختلف في أن من له الدين لا يمكن من طلب الحميل إلا عند حصول الشرط الذي علق الالتزام به.
فإن اتفق هذا أوجب أن ينظر إلى قوله: أنا حميل عن زيد بما عليه من الدين: هل هو نص في الالتزام على أي حال كان الغريم فيقضى بمقتضى لفظه ويمكن المتحمل له من مطالبته مع إمكان أخذ دينه من غريمه أو يكون هذا اللفظ محتملا لكونه إنما أراد الالتزام بشرط أن يتعذر القضاء من الغريم حتى تكون الحمالة كالرهان فيقبل قوله إن ذلك مراده، وقصارى ما فيه أن يحلف على أن ذلك مراده، ولا تعمر ذمته بالشك والاحتمال.
ولو جرت عادة قوم في الحمالة أنها إنما تتوجه عند تعذر أخذ الحق من الغريم حتى صارت العادة كالقرينة الدالة على مراد المتكلم، لكان ذلك كما لو قيّد الحمالة نطقا بشرط فقر الغريم أو تغيبه.
هذا حكم الكفالة المطلقة المقيدة بشرط تعذر الاستيفاء من الغريم.
وأما المقيدة بالتمكن من طلب الحميل مع إمكان استيفاء الحق عن الغريم، مثل أن يشترط من له الدين أن يبدّأ به بالطلب، وإن كان غويمه حاضرًا يمكن الاستيفاء منه، فإنه اختلف قول مالك رضي الله عنه في هذا الشرط والتقييد: هل يؤثر ويقضَي به أو يكون مصرَّحًا لا تأثير له؟ فرآه مرة مؤثرًا يوجب القضاء به، ويمكّن من له الدين من طلب الحميل، وإن أمكن أخذ الحق من الغريم.
ورآه مرة غير مؤثر، وقال: لا يمكّن من ذلك، واعتل لهذا القول بأن قال: أيُتبع ربع الحميل وعقاره والغريم حاضر موسر وهذا من الاضرار؟! وإنما يتصور الخلاف في هذا الشرط على القول بأن من له الدين لا يمكّن من طلب الحميل مع حضور الغريم وإمكان أخذ الحق منه، وأما إذا قلنا: إن الحمالة المطلقة يتوجه معها طلب الحميل، وإن كان الغريم يمكن الاستيفاء منه، فأحرى أن يقال بهذا مع التصريح في أصل الحمالة بأن من له الدين أن يبدأ

بطلب الحميل.
ومقتضى الفقه في هذه المسألة ردها إلى أحكام الشروط، وهي منوّعة أنواعها كثيرة، ذكرناها في كتاب البيوع، وذكرنا أن من اشترط شرطا مباحا ولكنه لا منفعة له فيه ولا غرض يعتمده العقلاء فإن المذهب على قولين: هل يقضى له بشرطه لأن عليه وقعت المعاملة، أوْ لا يقضى له به لكونه كاللّغْو من الكلام المطَّرح؟ وقد قال في المدونة فيمن أكرى داره على أنه لا يسكنها المكتري إلا بعدد معلوم فأراد المكتري الزيادة في العدد فإنه يمكّن من ذلك إذا لم يلحق صاحبَ الدار منه ضرر وهذا من النوع الذي نحن فيه.
وإن شرط مالًا يفيد لم يقض به في هذه المسألة التي ذكرناها في الأكرية.
ولو كان في شرط التبدئة بالحميل منفعة لمشترطه لكونه يتعب في اقتضاء الغريم لوجب الوفاء بشرطه.
وإنما يحسن الخلاف إذا شرط التبدئة بالحميل، وكان تناول الحق من الغريم ومن الحميل على حد سواء في ارتفاع المشقة وسهولة الطلب.
ولو كان اشتراط التبدئة بالحميل إنما وقع ذلك من الغريم بأن يقول مشتري السلعة لبائعها: أعطيك فلانا حميلا بالثمن على أن تعبدًا بطلبه.
وكان المشتري 1 في هذا الاشتراط غرض، مثل أن يعلم أن الحميل إذا وزن 2 عنه الثمن آخره عليه، ولم يقبضه فما وزن (2) عنه إلا بعد حين، لكان ذلك أيضًا شرطا مفيدا يقضى به.
وأما لو كان دفع الحميل الثمن رجع به في الحال على المشتري، وكان دفع الثمن للبائع والحميل على حد سواء لا منفعة فيه لجرى ذلك أيضًا على القولين في شرط مالًا يفيد.
ومما ينخرط في هذا المسلك ما قدمناه في الحمالة، فإن محمدًا بن عبد الحكم ذكر في كتابه في الحميل بالوجه إذا اشترط عليه المتحمّل له بوجه غريمه

أن يحضره له في بلد سماه، فأحضره له في بلد آخر يمكنه فيه الطلب كما يمكنه في البلد المشترط إحضار الغريم فيه، فذكر في المسألة قولين.
وهذا أيضًا من شرط مالًا يفيد هل يوفى به أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة وما يلحق بها في أحكام الحمالة بالوجه.
وأصحاب الشافعي ذكروا هذه المسألة أيضًا وأشارو إلى أنه إذا أحضره ببلد آخر غير البلد المشترط، ولا مضرة على المتحمل في ذلك فإن الشرط ساقط، وذكروا قولين.
و 1 لو اشترط حضوره في البلد الذي سماه بمكان فأحضره بموضع آخر منه.
وهذا كله يؤكد ما حكيناه من الاختلاف في اشتراط مالًا يفيد: هل يقضى به أم لا؟ ومما يلحق: بالمسألة التي نحن فيها اختلاف الحميل ومن له الدينَ في كون الغريم فقيرًا حتى يتوجه الطلب على الحميل من غير خلاف، أو كونه مليئا حتى يجري وجه الطلب عليه على اختلاف قول مالك الذي ذكرناه في صدر هذه المسألة فيه قولان: أحدهما: حمله على الغنى حتى ينكشف من حاله ما يدل على فقره، فيرتفع الخلاف في توجه الطلب على الحميل.
والقول الآخر: حمله على الفقر حتى يظهر ما يدل على ملائه.
وقد قدمنا في كتاب التفليس سبب هذا الاختلاف وأشرنا إلى أنا إن قلنا: إن الغالب في الناس الغنى، والفقر نادر، صار من ادعى الفقر ادعى خلاف الغالب فلا يقبل ذلك منه.
وإنا إن قلنا: إن من اشترى سلعة ثم ادعى الفقر والعجز عن ثمنها لا يصدق.
وعلة كونه لا يصدق أنه أخذ عوضا عما يُطلب به من الثمن، فيستصحب وجود ذلك في يديه حتى يظهر ما يدل على تلفه من يده، والحميل لم يأخذ عوضا فصدق في دعوى الفقر، كما ذكرناه هناك في تصديق الإنسان في أنه فقير "إذا طلب بالإنفاق على أبويه لما كانت هذه المطالبة لم

يؤخذ عنها عوض.
على أن الحمالة تشعر باعتراف الحميل بأنه قادر على قضاء ما تحمل به فيطالب بموجب اعترافه.
وهذا بسطناه في كتاب التفليس.

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: إذا تكفل رجل عن رجل بما وجب عليه من دين أو بما يوجَب في المستقبل، صحّتْ الكفالة، وإن لم يعلم الكفيل بمقدار ما تكفل به، كما قدمنا أن هذا مذهبنا فيه، وأن الشافعي لم يجز الكفالة بالمجهول.
لكن لا يخلو الوجوب من أن يثبت ببينة أو بإقرار المتكفّل عنه، إذا قال رجل: لي عند زيد مائة دينار، أو لي عليه دين.
فقال عمرو: أنا كفيل بذلك.
فإن ذلك يجب عليه على الجملة إن ثبت الدين.
ولا يخلو ثبوته إما أن يكون ببينة تشهد به، أو بإقرار المدعَى عليه.
فإذا جاء زيد فأنكر أن يكون عليه دين ولم تشهد عليه بينة به وحلف على بطلان دعوى المدعي لم يلزم الكفيل مطالبة، لأنه إنما ذكر أنه كفيل، والكفالة تسمية لمن ضمن دينا يؤديه ثم يرجع به على من أداه عنه بخلاف الحميل الذي مقتضاه أن يؤدي رجل عن رجل في دينًا على ألَّا يرجع به عليه.
فإذا كانت الحمالة 1 مقتضاها رجوع الحميل (1) بما أدى بخلاف الحميل، وأتى زيد فجحد أن يكون عليه هذا الدين، وحلف على ذلك، فقد برىء من المطالبة بإجماع، وإذا برىء منها لم يصح أن يرجع عليه الكفيل بما تحمل به.
والحمالة تسمية لما لَه به مرجع كما قررنا.
ولا يكون قول هذا: أنا حميل.
تصديقا للمدعي فيما ادعاه، لما ذكرناه من كون الحمالة تسمية لما له به مرجع.
ولو نكل عن اليمين وردها على المدعي حلف المدعي وثبت الدين، ولزم الكفيلَ القيامُ به إذا كان المدعى عليه معسرًا، ثم يرجع به على المدعى عليه لأن

ثبوت هذا الدين بنكول المدعى عليه ويمين المدعي كثبوته بالبينة.
وذكر في كتاب الشفعة من المدونة أن زيدا إذا أتى فجحد الدين، وحلف عليه، أن للمدعي تحليفَ الكفيل بأنه لا يعلم ثبوت هذا الدين.
فإن نكل الكفيل عن هذه اليمين غرم.
وهذا لأن الكفيل إذا أقر بثبوت الدين وأن المدعي يستحقه فكأنه يعلم أن المدعي إذا استحق هذا الدين استحق على الحميل به أن يقوم له به.
ولا يضر ها هنا كون الحميل لا مرجع له لأنا إنما ذكرنا هذا التعليل فيما لم يعلم الحميل بثبوته من الدين فيحمل لفظ الحمالة على أنه قصد أن يتحمل بما يجب الطلب به، فإذا لبم يعلم وجوب الطنب به فلا مطالبة عليه، وها هنا هو عالم بثبوت الدين وإن المتحمل له يستحقه على المدعي عليه، فصار جحود المدعى عليه كجائحة طرأت على الحميل منعته أن يرجع بما يجب له الرجوع وأما كون الكفيل ها هنا إذا نكل عن اليمين أنه لا يعلم صحة هذا الدين فإنه يغرم من غير أن يُرجع اليمين على من يطالبه بالغرامة، فإن هذا هو الأصل في أيْمان التهم أن النكول عنها يوجب الغرامة، إذ المتَهِم لغيره لا حقيقة عنه 1 بباطن الأمر، والإنسان ممنوع أن يحلف على ما لا يعلم صدقه في يمينه.
وفي الموازية، في المريض إذا قال عند احتضاره: لي على فلان مائة دينار، ثم مات، إن المدعَى عليه يحلف، ولم يراع في يمينه الخلطة لكون المريض يعتقد أنه منتقل إلى الآخرة، فتبعد التهمة في أن يدعي محالًا، فتسقط مراعاة الخلطة ولا يكون انتفاء هذه التهمة 2 اليمين يوجب قبول دعواه، كما قلنا في القسامة صيانة للدماء واحتياطا لها لكونها لا يتمكن احضار البينة فيها ويتمكن ذلك في المعاملات بالمال.
ولو أتى زيد فأقر بصحة الدعوى عليه: فهل تلزم الكفيل الغرامة أم لا؟

صرّح ابن المواز بأن ذلك لا يلزم بمجرد الإقرار دون أن تقوم بينة على ذلك.
وظاهر المدونة إلزام الكفيل الغرامة بمجرد إقرار زيد المدعَى عليه لأنه قال في المدونة إذا أتى زيد فجحد: إن الكفيل لا تلزمه غرامة لأن زيدًا قد جحد فقال: نفي الغرامة بجحود زيد يدلس ذلك أنه لو أقر للزم الكفيل الغرامة.
فمضى الأشياخ على أن المذهب على قولين في إيجاب الغرامة بمجرد الإقرار.
وكذلك لو كانت الحمالة بما يستحب 1 من دين كقول رجل لآخر: عامل فلانا وبايعه، وأنا كفيل لما تبايعه به، فإن هذه الكفالة لازمة عندنا كما قدمناه.
ولو أنكر المتحمَّل به أن يكون عامل هذا لكان القول قوله، وتسقط الحمالة عن الحميل، على حسب ما فصلنا القول فيه.
ولو ثبتت عليه المعاملة ببينة لأخذ الحميل بذلك.
ولكن قال غير ابن القاسم في المدونة: إذا عامله بما يشبه.
وأطلق ابن القاسم الجواب.
وحمله بعض الأشياخ أن مراده بالإطلاق ما قيد به الغير من مراعاة الشبه وأن ذلك مما يمكن أن يكون أراده ابن القاسم وهو الأظهر.
وإن لم يجحد المتحمل به المعاملة ولكنه أقرّ بها فإن ذلك يجري مجرى القولين اللذين قدمناهما.
ففي المدونة أن الكفيل تلزمه الكفالة إذا ثبتت المعاملة.
وفي الزمياطة 2: أن الكفيل تلزمه الكفالة بإقرار المتحمل عليه بالمعاملة، وإن لم تعاين البينة المعاملة، ما لم يكن الإقرار بعد أن نهاه الكفيل عن المعاملة.

وظاهر ما قال أنه إذا كان الإقرار بالمعاملة بعد أن قال الكفيل: لا تعامله، أن الإقرار لا يعتدّ به.
وبالجملة فإن التحقيق في هذا اعتبار مقتضى اللفظ الواقع من الحميل.
فإن صرح: بأني لا أتحمل إلا بما يثبت بالبينة، فإنه لا يختلف في أنه لا يطلب بمجرد إقرار المدعي عليه.
وإن صرح بالتزام الحمالة إذا ثبت الدين ببينة أو بإقرار المدعى عليه فلا يحسن الخلاف في هذا.
وإنما وقع الإشكال إذا أطلق: أنا حميل بما وجب لك على فلان، أو بما سيجب.
فإن الوجوب هو الثبوت قال تعالى: ﴿فَإِذا وَجَتَ جُنُوبُهَا﴾ 1 يعني: سقطت عن جنوبها، وما ثبت ببينة فقد استقر.
وما يعتبر فيه ما يقول المدعى عليه من جحود أو إقرار، فكأنه غير ثابت، فلا يحمل إطلاق هذا اللفظ على أن الحميل أراد أنه يتحمل بما يجب بالبينة أو بالإقرار.
أو يقال: فإن من أقر بحق عليه لآخر قضي عليه بما أقر به باتفاق.
هنا يقضى عليه لو شهدت البينة به.
فإذا كان الإقرار يوجب الغرامة كما توجبه 2 البينة، وجب أن يتوجه الطلب على الحميل بمجرد الإقرار.
هذا التحقيق فيه.
وإذا احتمل اللفظ وأدى الاجتهاد إلى الاستظهار باليمين على الحميل أنه ما أراد بالحمالة إلا أن يكون حميلا بما يثبت بالبينة دون الإقرار، فيستحلف على ذلك، ويبرأ من الغرامة بمجرد الإقرار، أو تكون قرينة حال أو عادة تدل على القصد بهذا اللفظ فيرجع إليها.
هذا مقتضى النظر عندي في هذه المسألة.
وإذا حملنا إطلاق القول: عاملْ فلاناً وأنا حميل لك بما تعامله به، على أن المراد بالعاملة بما يشبه أن يتبايع به الرجلان في مقتضى العادة كما قال غير

ابن القاسم في المدونة: إذا عامله شيئًا فشيئا حتى إذا انتهى إلى ما يشبه سقط ما زاد عليه من معاملة تستأنف.
وأما لو عامله دفعة واحدة بمال كثير لا يشبه أن يكون الحميل تحمل به، فإن بعض أشياخي رأى أن الغرامة ساقطة عن الحميل، لكونها معاملة واحدة وقعت على خلاف ما اشترطه الحميل فلم يلزمه منها شيء.
وعندي أن هذا قد تتخرج فيه طريقة أخرى، وهي أن يلزم الحميلَ من هذه المعاملة مقدارُ ما يشبه أن يعامل به، وتسقط عن الحميل المطالبة بما زاد على ذلك.
وقد أشرنا في كتاب الوكالة إلى هذا الأصل في مسألة إذا وكله على أن يبيع له ثوبه باثنى عشر، فباعه بعشرة، فإن.
الآمر لا يلزمه أن يبيعه بعشرة.
فلو قال المشتري للآمر: أنا أتحمل لك بدرهمين بحال ما أمرت به.
فهل يسقط مقال الآمر أم لا؟ في ذلك قولان.
وكأن سبب الخلاف أن من تعدى من جنس إلى جنس اتضح كونه متعديا، وأن ما عقده على الموكل لا يلزم، وأن من عقد على الجنس المأمور به وعلى العدد اتضح لزوم ذلك للآمر، ومن عقد على الجنس وقصّر في العدد أو زاد: فهل يكون ذلك بهذه الزيادة في الجنس أو النقصان كالمتعدي إلى جنس آخر فلا يلزم ذلك، أو لا يكون ذلك كالتعدي إلى جنس آخر، فإذا أكمل عدد الجنس صار العقد الواقع من الوكيل هو العقد الذي أذن فيه رب السلعة.
فكذلك مسألتنا إذا أمره أن يعامله بما يشبه، وكان الذي يشبه مائة دينار، فعامله صفقة واحدة بمائتي دينار، فهل تكون المائة الزائدة أخرجت المائة المأذون فيها عن جنسها، فصار ذلك كله غير مأذون فيه، أو لم تخرجها عن جنسها، فإذا سقطت المائة الزائدة على ما يشبه بقيت المائة الأخرى هي نفس المائة المأذون فيها.
وقد ذكر محمَّد بن عبد الحكم فيمن قال لرجل: بيع من فلان دارك بألف درهم، وأنا ضامن لك الثمن فباع منه الدار بألف وخمس مائة درهم فذكر أن في

المسألة قولان 1: أحدهما: أن الحميل لا تتوجه عليه غرامة، لأن زيادة الخمسمائة على الألف المأذون فيها تصيّر الألف كأنها جنس آخر غير ما تحمل به، فأشبه من قال: بيع دارك بألف وأنا ضامن لك بالثمن، فباع منه بستانه، فإن ذلك لا يلزم.
وقيل: يلزمه إذا باع منه داره بألف وخمس مائة الألف التي تحمل بها الحميل، وتسقط عن الحميل الخمسمائة الزائدة، ولا تكون هذه الزيادة مخرجة الألف عن كونها مأذونا فيها.
وهذا الذي ذكرناه عن محمَّد بن عبد الحكم أنه ذكر فيه قولين في كتابه فيمن قال: بع منه دارك بألف وأنا كفيل لك، فباعها بألف وخمسمائة أن في ثبوت الألف على الكفيل قولين بما نبهناك عليه، يؤكد عندك أن هذا الأصل مختلف فيه، وأن الذي قاله بعض أشياخي إحدى الطريقتين (على أن قد يبدوا عوض) 2 في مسألة ابن عبد الحكم بأن يقول الحميل: إنما التزمت الحمالة لغرض لي في ذلك، وهو أن تبيعها منه بدون القيمة، فإذا بعتها منه بأكثر لم تلزمني الحمالهّ، لبطلان الغرض الذي تحملت لأجله.
فيكون هذا القول على هذا التعليل خارجًا إلى أصل آخر، وبه علل هذا القول.

والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال: أمّا ما استقر وجوبه سابقا للحمالة فإن من تحمل به لا يمكّن من الرجوع عن الحمالة، كما: قال: لي عند فلان مائة دينار، فقال له آخر: أنا كفيل لك بها.
فإذا ثبتت على زيد بالبينة وجب على الكميل الغرامة، ولا يمكّن من الرجوع عن هذه الحمالة.
ولو كان إنما تكفل بما سيجب، مثل أن يقول: عامْل فلاناً وأنا كفيل لك

بما تعامله به، فإنه يمكّن من الرجوع عن ذلك لكون هذا لم يلتزم ما قد وجب وإنما التزم ما سيجب، والرجوع عن الشيء قبل وجوبه بخلاف 1 الرجوع عنه بعد وجوبه.
وقد اختلف المذهب فيمن وعد رجلا أن يعطيه مائة دينار في المستقبل ثم امتنع من أن يعطيه، فقيل: يقضى عليه بها، وقيل: لا يقضى عليه بها، وقيل: إذا كان الوعد له سبب قضي به، وإذا كان لا سبب له لم يقض به.
وهذا إذا رجع الكفيل قبل المعاملة.
وأما إن رجع بعد وقوع المعاملة فلا ينفعه ذلك، ولا تسقط عنه الغرامة، لأن من أدخل رجلا في إتلاف مال لزمه ما أدخله فيه.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أن التمكن من الرجوع قبل المعاملة إنما يُمكّن منه إذا أطلق القول بالحمالة فقال: عاملْه وأنا كفيل لك بما تعامله به.
وأما إن قيّد فقال: عامله بمائة دينار وأنا كفيل لك بها، فإنه لا يمكن من الرجوع عن ذلك وإن لم تقع المعاملة، لكون المسِمّي مائةَ دينار حَدَّ غايةً معلومة ينتهي إليها.
ومن أطلق ولم يحدّ فليس هناك غاية تطلب، فلا يمنع من الرجوع فيها.
ألا ترى أن من أكرى داره سنة لزم هذا العقد بالقول لهما جميعًا.
ولو أكراها كل شهر بدينار لكان لكل واحد منهما الرجوع فيما يستقبل من السكنى لما لم تكن غاية يُنتهَى إليها.
واعتمد أيضاً على ما وقع في المدونة فيمن أعار أرضه رجلًا يغرس فيها ويبني وحدَّ أجلًا معلوما، فليس له الرجوع، وإن لم يحدّ أجلا فله الرجوع على ما ذكره في المدونة، واشترط فيه، ولا فرق إلا ثبوت العارية وتحديدها وانتفاؤها 2. وقد كان بعض الأشياخ يجري هذه المسألة على اختلاف القول في الهبة:

هل تلزم بالقول أو لا تلزم؟ والحمالة كالهبة لمنافع، لأن الحميل يدفع عن الغريم مالًا هو كالسلف له ليأخذه منه بعد حين، فكأنه وهبه منافع مال.
وهذا يبسط في كتاب الهبات إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال: قد قدمنا أن الشافعي منع في أحد قوليه الحمالة بوجه الغريم، وما ذاك إلا لكونه عينا لا يدخل تحت القدرة بقاؤها وتحصيلها والتمكن منها عند الأجل المضروب للضمان.
ومما يلحق بهذا المعنى ضمان الدرك في المبيعات: فضمان درك الأثمان عند إلاستحقاق جائز لأنه مقدور على ردّه، إن كان عينا، أو قيمته إن كان عرضا قد فات.
وقد كنا ذكرنا خلاف بعض أصحاب الشافعي فيه.
وأمّا ضمان درك المبيع المتعلق بعينه على أنه إن وقع استحقاق لزم البائع تحصيلها وأعطى كفيلا ضامنا لتحصيلها فلا يصح، لعدم القدرة عليه.
وإن المستحق لعين السلعة لا يملك الحميل أن يأخذها منه بغير اختياره، إلا أن يغصبه فيها، والغصب لا يحلّ، ولو حلّ.
فقد لا يمْكِن، فهي أعلى رتبة من ضمان وجد 1 الغريم، لأن مال 2 ضمان وجد (1) الغريم غرامة الدين الذي عليه إن تغيّب، وضمان الدّيون يصح، وضمان تخليص عين السلعة من مستحقها لا يصح.
لكن 3 وقع ذلك على غير قصد إليه بل تأكيد درك الثمن فإنه لا يفسد البيع ولا يؤخذ الضامن بغرامة، إذا كان ذلك تلفيفا من الموثقين لم يقع العقد عليه، ولهذا قال في المدونة: إن ذلك تلفيف من الموثقين إذا قالوا: وضمن فلان درَكَ هذه السلعة.
ولو أريد به عينها لم يجز.
ولهذا أجري الرسم منا ومن

أشياخنا: الفتوى بترك الاعتداد بما يقوله الموثقون في وثائقهم: شهد على فلان وفلان بما نسب إليهما في هذا الكتاب طوعا في صحة عقولهما وجواز أمورهما.
وأن ذلك لا يكون ترشيدا لمن وصف بِإنه جائز الأمر لكونه لم يقصد الشهود إلى الشهادة ولو قصدوا إلى الشهادة بذلك لم يحل لهم أن يشهدوا حتى يكونوا اختبروا من وصف بذلك وعلموا رشده.
ولهذا يقول الموثقون إذا أرادوا ذلك: وعلى علم بكون فلان وفلان رشيدين لا يولىَّ عليهما.
على حسب ما اعتادوه من العبارة في هذا المعنى.
لكن بعض الاشياخ إنما يرى هذا تلفيفا من الموثقين إذا أدرجوه في آخر الوثائق، جريا على ما اعتادوه.
وأما إذا وقع في أحكام القضاة فوصفوا رجلا بأنه جائز الأمر، فإنه لم تجرِ عادة بأنهم يصفونه بذلك تلففا، بل قصدًا إلى ثبوت ذلك الوصف عندهم.
فإذا عقد ضمان الدرك لتخليص عين السلعة عند إلاستحقاق قصدا إليه، وقد قلنا: إن ذلك لا يجوز، فلو وقع الاستحقاق فهل تلزم الكفيل مطالبة أم لا؟ فيه قولان: أسقط مالك رضي الله عنه في المدونة عن الكفيل غرامة شيء لأجل هذا الضمان، ورآه لا يُثبت عليه غرامة.
وحكى في المدونة عن غير ابن القاسم أن الكفيل تلزمه غرامة الأقلّ من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، أو قيمة السلعة التي أخذت من يديه بالاستحقاق، وضمن له هذا الكفيل تخليصها من مستحقها.
وتكون القيمة يوم الاستحقاق.
يريد يوم تنزع السلعة من يد مشتريها بحكم الاستحقاق.
فمالك رضي الله عنه نظر إلى هذا الضمان من مقتضى لفظه، فأسقط حكمه، واللفظ إنما هو صريح في ضمان تخليص عين السلعة، وذلك لا يقدر عليه، كما بيّناه، وما لا يقدر عليه لا يُلزَمه الإنسان، والثمن لم يذكر في هذا

الضمان فيطالب به الكفيل، ولا يطالب أحد بغرامة ما لم يلتزم غرامة 1 فلهذا لم يوجب على هذا الكفيل غرامة.
وأما قول الغير في المدونة: إن الكفيل تجب عليه غرامة الأقل من الثمن الذي دفعه المشتري، ثقة بضمان هذا الضامن لتخليص السلعة، أو قيمتها يوم الاستحقاق إن كانت قيمتها حينئذ أقل من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، فإنما ذلك منه اطّراح بحكم 2 اللفظ والتفات إلى المعنى.
ومعلوم أن المعنى والقصد بأخذ الحميل التوثق فيما يدفعه الإنسان ويضمن له دركه، فلولا ثقة مشتري هذه السلعة بقول هذا الكفيل: أنا ضامن تخليصها، لم يدفع إلى البائع من الثمن الذي دفع إليه فيها، فكأنه أتلفه الكفيل عليه بسبب هذا الضمان، فتلزمه غرامته.
إلا أن تكون قيمة السلعة حين انتزاعها من يد مشتريها أقل من الثمن الذي دفع فيها فلا يلزم الكفيل إلا غرامة هذه القيمة ويرجع المشتري بتمام ماوزن من الثمن على البائع الذي قبضه منه، لأن الكفيل يقول للمشتري - أرأيت لو لم تُستحق هذه السلعة من يديك: هل يلحقك ضرر لأجل ضماني أم لا؟ فلم يجد المشتري مدفعا لقوله، لأنه إن غبن في الثمن فالغبن لم يكن من جهة هذا الكفيل، وإنما كان من جهة جهل المشتري بالقيم، فدرك جهله عليه، فإنما أضر ضمانه المشتري أخذ السلعة من يديه فلا يكون عليه أيضا أكثر مما خرج من يديه من الثمن.
فهذا وجه قول الغير.
فإذا غرم الكفيل القيمة، وهي أقل من الثمن، فإن حق المشتري من إكمال ما دفع من الثمن لا يسقط عمّن قبضه منه، وهو البائع، وإنما يسقط عن الكفيل لأجل ما ذكرناه من كونه لم يضمنه.
وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا الخلاف إنما يتصور إذا كان الكفيل ومشتري السلعة جاهلين بحكم هذا الضمان، فيكون جهل المشتري المضمون له الدرك قد أعان على تلف مال المشتري من جهة التغرير به غلطا منه.
وأما إذا

علم المشتري يكون هذا الضمان ساقط 1 وجهل ذلك الضمان 2، فيبعد الخلاف في هذا، لأن المشتري وثق بما يعلم أنه غير لازم ولا موثوق به ولا قصد الكفيل إلى التغرير به فيطالب بغرامة.
وكذلك لو كانا عالمين جميعا: الكفيل والمشتري، بكون هذا الضمان ساقط (1). وإذا كان المشتري معتقدا كون هذا الضمان لازما، والكفيل يعلم أنه غير لازم، فلا يحسن الخلاف، لكون الكفيل ها هنا انفرد بالتغرير بالمشتري فضمن له ما يعلم أنه ساقط، والمضمون له يظن أنه ثابت.
وهذا الذي أشار إليه في هذا القسم فيه إشكال لكون الكفيل إذا انفرد بالعلم، وكان المشتري جاهلا، إنما وقع منهما التغرير بالقول، وإتلاف المال بالتغرير بالفعل يوجب الضمان باتفاق، كمن أخذ من إنسان زيتا فأفرغه بيده في زير يعلم أنه مكسور لا يثبت فيه الزيت وصاحب الزيت جاهل بذلك، ولو سأله صاحب الزيت عن زيد هل هو صحيح فنَصبُّ فيه الزيت؟ فقال المسؤول: هو صحيح، فصُبَّ فيه زيتكَ.
وهو يعلم أنه مسكور، وصاحب الزيت يجهل ذلك، فإن في غرامة هذا الغارّ بالقول قولان 3 في المذهب.
فهذا إن أخذت هذه فصورت المسألة من هذه الطريقة لم يبعد تصور الخلاف في غرامة الكفيل.
لكن قد يقال: هذا كالغرر بالفعل، لأنه زاد هاهنا على التغرير بالقول التزامَ تخليص مالٍ من ذمته، ودفعِ عوضه، (فكأنه ارتفع بذلك عن رتبة التغرير بالقول التزام تخليص مال من ذمته ودفع عوضه، فكأنه ارتفع بذلك عن رتبة التغرير بالقول مجردا من التزام الدرك.
فهذا ينظر فيه إذا

شاء الله تعالى.) 1 فإذا صح القول في حكم هذه الكفالة بتخليص هذه السلعة عند إلاستحقاق، فإن البيع يفتقر إلى النطق في صحة أو فساد، وفساده متعلق باشتراط المشتري على البائع حين العقد بتخليصها، فإن هذا الشرط فاسد كما بيّنّا، والعقد في المبيع إذا قارنه شرط لا يجوز، قد أوعبنا الكلام عليه في كتاب البيوع الفاسدة، وذكرنا هناك ما يؤثر في صحة البيع ويوجب فسخه على كل حال، وما يجب فسخه إن لم يُسقط المشترط من المتبايعين هذا الشرط الذي اشترطه، وإمضاء البيع إذا أسقط شرطَه، أو يسقط الشرط على كل حال ويمضي البيع.
وبعض أشياخي يرى أن هذه الثلاث طرق تجري في هذه المسألة، وتختلف فيها على هذه الثلاثة مذاهب.
هذا الحكم في كفالة من تكفل بتخليص السلعة.
وأما الكفالة بثمنها عند إلاستحقاق أو عند ردها بعيب، فقد تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن العلماء بأسرهم على جواز ذلك.
وأما 2 أبا العباس بن شريح ذكر فيه اختلافًا عن الشافعي، وأنكره عليه حذاق أصحابه.
لكن إذا تكفل كفيل بضمان الدرك في الثمن فوجد البيع فاسدًا يجب فسخُه وإبطالُ الثمن عن المشتري فهل يبطل ذلك عن الكفيل أم لا؟ ذلك جار على القولين المتقدمين في الكفالة بتخليص السلعة هل تسقط الكفالة لأنه كالمتكفل بما هو في حكم المستحيل طبعًا، فكذلك الكفيل هاهنا تكفل بثمن كالمستحيل ثبوته شرعًا فيجب سقوطه.
وعلى القول الآخر يكون كفيلًا لِأقلَّ من الثمن أو القيمة، لكون الكفالة هي السبب في إخراج المتكفَّل له ما كان في ملكه إلى المتكفَّل عنه.
فإن كان الثمن أقلّ من القيمة فلم يتكفل يأكثر منه فيغرمه، فتجب على الغريم هذه القيمة التي هي بدل العين، وتصير القيمة كأنها ثمن

السلعة، والكفيل إنما تكفل بالثمن، ومع الفَوْت قيمتها ثمنها.
وفي الموازية لابن القاسم: إن الكفيل لا تلزمه غرامة.
وهذا على أحد القولين في المدونة في ضمان تخليص السلعة، لأن الثمن قد سقط عن المشتري، وما سقط عنه سقط عن الحميل.
وعين السلعة لم يتحمل بها ولا ببدلها، الذي هو قيمتها، فلم يجب عليه شيء.
وهكذا لو كان المبيع مكيلاً أو موزونًا، غيرَ الدنانير والدراهم، فتكفل كفيل بثمنه فوجد البيع فاسداً، أو قد فات المبيع، فوجب على المشتري ردّ مثله، فإن الكفيل لا غرامة عليه لأنه لم يتحمل بهذا المثل، والثمر الذي 1 به سقط.
وعلى القول الآخر عليه غرامة الأقل من الثمن أو مثل المبيع، لما قدمناه من التعليل.
ولو كانت الكفالة بالثمن، وهو مؤجل، ووجد البيع فاسدًا، فإن الكفيل لا يطالب بغرامة حالَّة لأنه إنما تكفل بثمن مؤجل، فلا يلزم أكثر منه.
فإذا حل الأجل: فهل عليه غرامة أم لا؟ ذلك على القولين المذكورين فمن أعطى اللفظ حقه لم يُلزِمه شيئًا، لأنه إنما تكفل بالثمن، والثمن قد سقط بالشرع، وغير ذلك لم يتكفل به فلا يطالب بما لم يتكفل به، ومَن راعى القصدَ فإن الكفالة توثّقٌ للمتكفَّل له والقصد بها ذلك، ولا يخرج ملك الإنسان من يده إلا أن يكون الثمن أو قيمة المبيع في ذمة يثق بها لزمه الأقل كما قلناه.
وفي المبسوط لعبد الملك بن الماجشون فيمن باع زيتًا بمائة دينار إلى أجل، فوجد البيع فاسدًا، فلا يغرم الحميل حتى يحل أجل الثمن، فإذا حل غرم الثمن، واشترى به زيتًا، وهو الذي وجب على المشتري، وأمّا الثمن فقد سقط.
ويشتري الذي غرمه الكفيل بمكيلة الزيت التي وجبت على المشتري، ولم يُطلب الكفيل بما بقي من الزيت، وإنما يبقى في ذمة المشتري الذي أتلفه.

وهذا هو أحد القولين في إلزام الكفيل الأقل من الثمن أو مثل المبيع إذا فات.
وفي الموازية لأشهب فيمن باع دينارًا بدراهم إلى أجل: أن الكفيل لا مطالبة عليه.
وهذا لما قلناه من كون الدراهم التي تحمّل بها أسقطها الشرع وأبطلها.
والدينار لم يتحمل به فلا يطالب بما لم يتحمل.
وعلى القول الآخر وما ذكرناه عن عبد الملك يكون عليه الأقل من الدراهم التي تحمل بها والدينار الذي وجب رده.

والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال: الحمالة قد تمنع من أوجه، منها: أن تقع الحمالة بعوض يأخذه الحميل، فإن ذلك لا يجوز.
ويسلك في تعليل المنع مسلكان أحدهما: أن ذلك من بياعات الغرر.
وبيع الغرر ممنوع منه، وذلك أن من اشترى سلعة وقال لرجل: تحمّل عنّي ثمنَها، وهو مائة دينار وعلى أن أعطيك من حمالتك عشرة دنانير.
أو قال البائع السلعة: تحمل عنّي بالدرك في ثمنها إن وقع استحقاق، وأنا أعطيك عشرة دنانير.
فإن ذلك معاوضة وقعت على جهة الغرر إذ لا يدري الحميل: هل يفلس عن 1 من تحمل عنه أو يغيب فيخسر مائة دينار، ولم يأخذ إلا عشرة دنانير، أو يسلم من الغرامة فيرجع 2 العشرة دنانير من غير خسارة.
وهذا نفس الغرر والمخاطرة، فلهذا منع.
والمسلك الثاني: أن المنع يردّد هذه المعاوضة بين أصلين ممنوعين لا تنفك عنهما.
إما أن يكون الحميل لا يطالب بغرامة ليسار من تحمل عنه،

فيكون قد أخذ العشرة دنانير باطلًا، وأكل المال بالباطل نهى الشرع عنه.. أو يكون يغرم ما تحمل به، ولكنه يرجع به على من تحمل عنه متى أيسر، فيكون ذلك سلفًا جر منفعة لأنه يسلف من تحمل عنه هذه المائة دينار، ويرجع بها عليه متى أيسر، وقد حصل معه زيادة على ما [سلف] وهي العشرة دنانير التي قبضها ثمنها 1 للحمالة فيكون ذلك سلفآ بزيادة، وذلك ممنوع.
فإذا وقر ذلك فسخ، ورد.
الحميل ما أخذه.
ويبقى النظر في إلزامه الحمالة مع رد العوض الذي أخذ عنها، فإن كان العوض بذله من له الحق فلا مطالبة على الحميل، لأنه قد ردّ على ما تحمل عنه ما أعطاه عوض الحمالة.
فإذا بطل العوض بطل المعوض عنه، وصاحب الحق هو الذي جنى على نفسه البيعَ بغير حمالة إن كان لما أعطى من تحمل له العشرة دنانير وهو يعلم أن ذلك لا يجوز.
وأمّا إن كان دافع العشرة دنانير من عليه الحق، ومن له الحق غير عالم بذلك، فإن الحمالة لازمة لأن المشتري الذي عليه الثمن لم يبع منه البائع السلعة إلا لثقته بالحميل، فإذا عامل المشتري الحامل معاملة فاسدة ولم يعلم بها البائع، فلا يسقط حق البائع في الحمالة، لكون الحميك غرّه بحمالته حتى أخذ سلعته من يده، فمن حقه أن يطالبه بثمن سلعته التي تلفها 2 عليه بحمالته.
هذا إذا انفرد بعلم ذلك الباذلُ لعوض الحمالة.
فأما إن علمًا جميعًا: مَنْ له الحق ومن عليه الحق، بأن الحمالة وقعت بجُعْل، فكان لمن له الحق المتحمَّل به مشاركة وسبب في تحمل الحميل، فإن الحمالة ساقطة، لكون من له الحق علم أن الشرع يسقطها ويمنع منها، وله سبب في ذلك وسعي فيه.
وأما إن لم يكن إلا مجرد علمه، دون أن يكون له سبب في ذلك، ففيه قولان: أحدهما: سقوط الحمالة، والمنع من مطالبة الحميل بما تحمل به، وهو مذهب ابن القاسم.
والثاني: إن ذلك لا يُسقط عن

الحميل المطالبة بما تحمل به وهو مذهب ابن المواز.
وسبب هذا الخلاف ما قد يعرض من إشكال في هذا السؤال، وذلك أن من له الحق إذا كان عالمًا بأن الحميل لم يتحمل إلا بعوض أخذه، ويعلم أن ذلك لا يجوز في الشرع، فكأنه باع بغير حمالة، لا 1 مطالبة له على الحميل.
أو يقال: فإن الحميل قد علم أن العوض الذي تحمك من أجله، يؤخذ من يديه، ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، فكأنه تحمل بغير عوض أخذه، والحمالة بغير عوض تلزم، فَمَن التفت إلى أن من 2 علم من له الحق بفساد الحمالة إسقاط لحقه في القيام به أسقط المطالبة عن الحميل.
ومن التفت إلى أن 3 علم بأن العوض الذي أخذه يؤخذ منه ومع هذا التزم الحمالة بالثمن، أثبت عليه المطالبة بالثمن.
وأما إن جهلًا جميعًا الحكم، فقد قال أصبغ: إن الحمالة ساقطة.
وعلى مقتضى ما حكيناه عن ابن المواز: إن الحمالة ثابتة.
وسبب الخلاف في هذا أيضًا يلاحظ ما عللنا به إذا علمًا جميعًا.
وذلك أن من له الحق إذا تيع بهذه الحمالة وهي لا تجوز، جهلًا منه بأنها لا تجوز، فكانه الجاني على نفسه إتلاف ماله، فلا.
مطالبة له به على الحميل.
والحميل أيضًا لما التزم الحمالة بعوض، وذلك لا يجوز، فكأنه بجهله أتلف مال من تحمل له غلطًا منه عليه، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
فهذا الحكم في هذه المسألة إذا علمًا جميعًا، أو علم أحدهما وخفي عن الآخر ما صنع باذل المجهل 4. وإذا تقرر أن الحمالة بعوض يأخذه الحميل ممنوعة، لأجل ما ذكرناه،

وأن العوض مردود، ومطالبة الحميل وسقوطها فيه التفصيل الذي ذكرنا، فيبقى النظر في صحة البيع وفساده.
وقد كنا قدمنا أن بعض الأشياخ أجرى حكم صحة البيع وفساده على بياعات الشروط فيمن تكفل بخلاص السلعة.
ولكن ذلك أمر يعود إلى نفس المبيع ويتعلق بالمتعاقدين بكونهما دخلا جميعًا عليه، والحمالة يجعل ها هنا كأنه أمر خارج عن الثمن والمثمون وعن ما يشرك المتعاقدين جميعًا فيه، لا سيما إذا كان أحدهما غير عالم بما صنع الآخر من بذل العوض في الحمالة، فهذا مما ينظر فيه.
ولو تحمل الحميل بعوض شرْطَ أن يأخذه غيره، ولا يأخذه هو، لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لما ذكرناه من التعليل.
لكن لو كان الغير الذي شرط ذلك له هو من تحمل عنه، لكان في ذلك قولان، مثل أن يحل دين على رجل فيقول له من له الدين: أنا أضع عنك -عددًا سماه- وتعطيني به حميلًا إلى أجل آخر، فإن هذا فيه ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم.
ففي الموازية عن مالك وابن القاسم جواز ذلك.
وذكر عن أشهب أنه روى عن مالك الجواز، وروى عنه الكراهة.
وفي العتبية لمالك أن ذلك لا يصلح، وشبّهه بحميل آخر 1 عوضًا عما تحمل به، فقال: لا يصلح ذلك، وهو كما لو قال له: اعطني عشرة دنانير من دينك وأنا أعطيك حميلًا.
وهذا التشبيه يشير إلى التحريم.
وفي العتبية عن ابن القاسم: لو قال له: اعط غريمك عشرة دنانير، وأنا أتحمل لك بما عليه: إن ذلك جائز وعلى القول الآخر يحرم ذلك.
وكأنه في هذا القول قذر أن الحميل تحمل بعوض أخذه لنفسه ثم وهبه الغريمَ.
وفي القول الآخر: أَن منفعة ذلك للغريم لا يتصور فيه ما صورناه في الحميل إذا أخذ عوضًا لنفسه، فيكون ذلك سلفًا بزيادة أو أكل المال بالباطل.
ولو كان الدين مؤجلًا ولم يحل أجله، فقال من له الدين للغريم: أعطني

به حميلًا إلى الأجل نفسه، أو اعطني رهنًا، وأنا أحط منه، عددًا سماه، فإن في ذلك قولين: ذهب أشهب إلى الجواز.
وذهب ابن القاسم إلى المنع.
وكأنه قدر أن الحميل إنما يؤخذ ها هنا خوفَ التفليس عند الأجل فتجب النظرة اليسيرة فإذا شرط استعجال ذلك ميب الحميل قضاءً عن الغريم، صار كأن الغريم عجّل دينًا قبل أجله، على أن وضع عنه من له الدين بعض دينه، وضعْ وتعجلْ لا يجوز، كما بيناه في كتاب البيوع.
ومما ينخرط في هذا المسلك الذي نحن فيه من أنواع الحمالة الفاسدة أن من سأل غريمه أن يعطيه حميلًا بما لَه عليه من دين فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يسأله أن يعطيه حميلًا بالدين إلى أجله الذي دخلا عليه، أو يعجله له قبل أجله، أو يؤخره عنه إلى أبعد من أجله.
فإن أخذ منه حميلًا قبل الأجل على أن يقضي الدين عند أجله الذي أجلاه، فإن ذلك جائز على الإطلاق، وهو إحسان من الغريم إلى من له الدين.
والقصد بهذا التوثق من الدين، ورفع ما يَخشى من له الدين من فلس الغريم أو غيبته، والحمالة من مصالح العقود في البساعات، ولهذا أجيزت.
فإن أعطاه حميلًا على أن يعجل الدهين قبل أجله، والدين من قرض عين أو عرض أو ثمن بيع، فإن ذلك جائز لأنه تضاعف إحسان الغريم إليه بأن وثقه من الدين وزاده مع ذلك إحسانًا بتعجيله إليه قبل أجله.
وأما إن كان الدين عوضًا من بيع فإن هذا لا يجوز لأن الغريم ليس له تعجيل ما عليه من حق العروض المؤجلة إذا كانت من بيع، لأن لمن له الدين عوضًا 1 في بقائها في الذمة لتضمن له إلى الأجل، فلم يقبل التعجيل من له

الدين إلا بسبب الحميل الذي أعطاه، والمعاوضة على خط 1 الضمان لا تجوز، حسب تقدم في كتاب البيوع.
وأما إن أعطاه حميلًا بالدين يؤخره إلى أبعد من أجله، فإن ذلك لا يجوز، لكون التأخير عن الأجل المشترط كابتداء سلف، لأن من له الدين يستحق قبضه إذا حل أجله، فالتأخير إلى أجك ثان تطوعَّ به، كأنه قبض دينه ثم رده على من أعطاه له سلفًا منه بشرط حميل يوثق به قبل انقضاء الأجل الأول، فصار ذلك كسلف، وهو التأخير، جرّ منفعة وهو توثق الغريم بالدين قبلَ أن يحل أجله، مخافة أن يفلس الغريم قبل الأجل أو يتغيب.
ولكن إذا وقع سقطت الحمالة، ولم يؤخذ الحميل بغرامة قبل انقضاء الأجل ولو فلس الغريم، لأن من له الدين أعطى ماله بغير حميل، فلم يغرّه الحميل في الأجل الأول ولا تلف 2 عليه شيئًا، فلهذا سقطت الحمالة.
وأما إذا وقع الفلس في الأجل الثاني الذي اشترطاه عوض الحمالة، فإن ذلك مختلف فيه على قولين: هل تسقط الحمالة عن الحميل في الأجل الثاني، لكون أصلها فاسدًا حرامًا، والحميك لا يطالب في معاملة فاسدة، أو تلزمه الغرامة لأن رب المال إنما يسمح ببقاء ماله في الأجل الثاني ثقة بحمالة الحميل، فكأنه أخرج من يده ما لا ثقة بحمالته، ولولا ذلك ما خرج من يده ومن عن 3 غيره حتى أتلف عليه مالًا لزمته غرامته؟ وفي الموازية سقوط الحمالة.
واحد قولي ابن القاسم إثبات الغرامة عن الحميل.
وهذا يلتفت فيه إلى ما قدمناه قبل هذا من تعليل إثبات الغرامة أو نفيها عن الحميل إذا تحمل بجعل أخذه، وقوإنفرد بالعلم بالتحريم أو انفرد به

المتحمل له أو علماه جميعًا على ما بسطنا القول فيه فيما تقدم.
ولو كان بذل الحميل في هذه المسألة رهنًا أخذه لكان ذلك أيضًا ممنوعًا، لأنه سلف جر منفعة، والسلف هو التأخير إلى الأجل الثاني، والمنفعة إعطاء الرهن في الأجل الأول، وقد كان ذلك غير لازم لمن عليه الدين، ولولا هذه المنفعة ما تطوع من له الدين بالتأخير.
وإن وقع هذا ففي الموازية أن قابض الرهن يكون أحق به من الغرماء.
بخلاف الحمالة فإنها ساقطة.
وأراه إنما فرق بينهما لكون حق المرتهن به تعلق بعين، وقد قبضها وحازها، فصار ذلك الفوت في المعاملة الفاسدة، (والحميل لم يجزه المتحمل له، ولا حقه فيه) 1 متعلق بعين استحقها عليه.
وقد وقع في الموازية قولًا مطلقًا: إن الرهن والحميل جميعًا ساقطان، ولا يكون من بيده الرهن أحق به وقد قبضه.
وهذا يبسط فيه القول في كتاب الرهون إن شاء الله تعالى في أحكام الرهان الفاسدة.
ولو كان الدين قد حك فأعطاه حميلًا على أن آخره به، فلا يخلو من عليه الدين أن يكون موسرًا به، ولو طلبه من له الدين لحكم له بجميعه، فإن ذلك الآمر كذلك جائز إعطاء الحميل والرهن بشرط التأخير إلى أجل آخر، ويقدر في هذا أنه لما ملك قبض جميعه صار كأنه قبضه ثم استأنف سلفًا إلى أجل بحميل أو رهن، فإن ذلك لا يتصور فيه وجه يوجب المنع.
وهذا مذهب مالك وابن أبي سلمة وغيرهما.
وأما لو كان الغريم عليه ديون، أو تحاصّ من له الدين الذي سئل في التأخير بحميل لو 2 يستوف إلا بعض دينه فأخره بشرط حميل، فإن هذا لا يجوز، لما ذكرناه من كون التأخير كابتداء سلف، واختصاص هذا الغريم دون الغرماء برهن يستوفي منه جميع دينه، أو بحميل، وقد كان لا يتمكن إلا

من استيفاء بعضه، سلفًا جرّ منفعة وهي استيفاء جميع الدين من الرهن أو من الحميل.
وأمّا إن كان معسرًا ليس عنده شيء، وعليه دين لهذا الرجل الذي أشرنا إليه (بما له في التأخير) 1 ويعطيه حميلًا إن آخره أجلا الغائب 2 فيه أنه يجد ما يقضي منه الدين، ويكون موسرًا به كأصحاب الثمار والغلات المنتظرة، فإن ذلك جائز إذا كان أجل التأخير كأجل ما يتوقع من سير 3 هذا الرجل.
وكذلك لو كان التأخير يقصر زمنه عن الزمن الذي يسر 4 إليه (هذا، فإن) 5 أيضًا جائز لكونه في هذين الوجهين التأخير واجب علمه شاء أو لم يشأ.
وأما إن كان الزمن الذي يتوقع فيه يسره متقدمًا على الأجل الذي آخره إليه، فإن ذلك ممنوع عند ابن القاسم لما يتصور فيه من سلف جرّ.
منفعة، وتعود المسألة إلى المسألة المتقدمة، وهو إذا أعطاه حميلًا قبل الأجل أن يؤخره إلى أجل آخر أبعد من الذي دخلا عليه، لأن ما قابل زمن يسْره كالأجل المشترط، وما بعد زمن يسْرِه أجل غير مشترط تطوع فيه من له الدين بسبب ما أخذ من التوثق بالدين قبل أجل اليسر.
وأجاز هذا أشهب.
وأَرَاهُ لأجل أن اليسر مما لا يقع 6 بوجوده عند الأجل المتوقعة 7 فيه فالتهم فيه تضعف.
ولو حل الأجل ووجب الطلب فقال من عليه الدين لمن له الدين: أسلفني مائة أخرى غير المائة التي حلّ أجلها وأعطيك رهنًا أو حميلًا بالمائتين جميعًا، القديمة والحديثة، لمنع هذا؛ لأنه سلف جرّ منفعة، وذلك أن المائة الثانية إنما

أسلفه إياها لأجل ما أعطاه من التوثق بالمائة الأولى بالرهن أو الحميل.
فكذلك لو قال له قبل أجل المائة الأولى: أسلفني مائة دينار على أن أعطيك حميلًا أو رهنًا بالمائتين جميعًا إلى أجل المائة الأولى أو إلى أبعد مدني ذلك الأجل، فإن جميع ذلك يمنع لما صورنا فيه من سلف جر منفعة.
ولكن إن وقع ذلك ففي الموازية أن الحمالة ساقطة في المائتين جميعًا، المتقدمة والمتأخرة.
وأمّا الرهن فذكر أن بعض أصحابنا قال: يكون مفضوضًا، نصفه للمائة الأولى يكون بها رهنًا، ونصف المائة 1 الثانية، فيسقط كونه رهنًا لسقوط السلف والقضاء برده إلى صاحبه معجلًا، لأن السلف الذي يجرّ نفعًا يفسخ إذا وقع.
فاختار ابن المواز أن جميع الرهن يكون بالمائة الأولى، وهو أيضًا المذكور في المدونة.
وهذا يبسط من كتاب الرهن إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا ها هنا أن الرهن آكد من الحمالة في تعلق الحق بالحميل أو الرهن الفاسد لأجل ما قدمناه من التعليل.
فذكر في الموازية ثبوت الرهن، والاختلاف في صفة ثبوته وإسقاط الحمالة، قال: لأن كل حمالة وقعت في معاملةٍ حرام، فإن الحمالة تبطل، وقد قدمنا نحن فيما سلف في إلزام الحميل المتحمل بالثمن في بيع فاسد هل تسقط عنه الحمالة أو يجب عليه الأقل من الثمن أو القيمة، وبَيّنّا وجه ذلك.
فإذا تحقق وجه الحمالة في هذه المسائل فلو حلّ الأجل ودفع الحميل رهنًا لمِؤخر بالدين إلى أجل آخر، فإن الرهن إن كان ملكًا للغريم، وهو قادر على أن يستبد بثمنه، فيأخذ منه جميع ذلك، كان ذلك جائزًا.
ولو كان الرهن ملكًا لغيره استعاره من رجل ليرهنه من له الدين، جرى ذلك على حكم الحمالة، صحيحِها وفاسدِها، ويصير مالك الرهن كأنه حميل بالدين.
ولو كان الراهن اكترى ليرهن، لم يصح كراؤه، بخلاف أن يكتري ليلبس، أجلًا معلومًا، إن كان ثوبًا، لأجل أن هذا المكتري ليرهن إذا أجل الكراء أجلًا لم يصح الرهن، لأن الأجل.
قد ينقضي قبل وصول الدين إلى

مستحقه فيبطل بانقضاء الأجل كونه رهنًا، وإذا بطل كونه رهنًا عند انقضاء الأجل بطل كونه رهنًا من أصله.
وإن كان.
لم يضرب لذلك أجل فالكراء من غير أجك محدود غير لازم، فيصير ما يؤديه من الكراء كل يوم كزيادة أخذها عوض التأخير بالطلب، مع كونه غير منعقد، وإذن لم ينعقد كونه رهنًا.
ولو كان له عليه عشرة دنانير من ثمن مبيع، فأسلفه عشرة أخرى، على أن أعطاه حميلًا بالعشرين، لكان ذلك ممنوعًا لما يتصور فيه من سلف جر منفعة، وهو أن الحميل بالعشرة الأولى إنما تطوع به من هي عليه لأجل ما أسلفه مستحقها من العشرة الأخرى.
ولو كانت عشرة السلف هي المتقدمة فباع منه سلعة بعشرة أخرى، على أن يعطيه حميلًا بالعشرة الأولى التي هي السلف، وبالعشرة الثانية التي هي ثمن المبيع، فإن ابن القاسم يمنع ذلك لكونه كرهن بجعل وهو يمنع من الرهن من 1 الجعل.
ويتضح تصور ذلك بأن تكون قيمة السلعة المبيعة عشرة، وإنما أسقط بائعها الدينار العاشر وباعها منه بتسعة على أن جعل الدينار الذي أسقطه من قيمتها عوضًا عقا أعطاه من الرهن، فصار رهنًا بجعكء وأشهب يجيز ذلك لأنه لا يمنع رهنًا بجعل.
ولو كانت الحمالة معلقة بجهالة، مثل أن يقول الحميل: أتحمل لك بدينك ما دام الغريم حيًا، أو ما دمت أنا حيًا، لم يحرم ذلك إذا كان في أصل سلف أو بعد 2 عقد بيع.
وأما إن كان في أصل بيع فإن ذلك يراه ابن القاسم غرِ جائز وتسقط الحمالة لكونها حرامًا.
وقال أصبغ: أجاب على غير تأمّل، بل ذلك جائز، والحمالة لازمة، لكون هذا الاشتراط بين الحميل والمتحمل عنه، وبائع السلعة خارج عن هذه المعاملة، فلم يَعُدْ ذلك بفساد البيع، ولا فساد الشرط.
وهذا إذا كان البيع

بحميلٍ أقلَّ ثمنًا منه إذا بيع بغير حميل صارت الحمالة لها حصة من الثمن، فإذا كانت فيها غرر صار العقد في بعض الثمن، ففسد البيع لكون الغرر قد عاد إلى نفس الثمن.
وهذا وجه ما قال ابن القاسم.
وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، وسيرد أيضًا في كتاب الرهن ما يتضح بة بعض ما ذكرناه من أحكام الرهبان الفاسدة.

والجواب عن السؤال الخامس عشر أن يقال: إذا دفع أحد الحملاء لصاحبه المتحقَل له سقط حق المتحمل له، وبقي النظر في رجوعهم بعضهم على بعض.
وهذا إذا ثبت وصول الحق إلى صاحبه بشاهدين أو باعترافه.
فأمّا إن لم يثبت ذلك إلا بشاهد واحد فإن الدافع للحق يحلف مع شهادته، ويسقط المتحمل له 1، ويرجع الدافبم على أصحابه بما أدى عنهم.
لكن لو لم يقم ذلك الشاهد إلا بعد موت الدافع فإن ورثته يحلون محله ويحلفون مع شهادته، ويسقط حق من له الحق، ويرجعون على شركاء أبيهم في الحمالة بما أدى أبوهم عنهم، فإن نكل الورثة 2 اليمين فقد ذكر في المدونة: يحلفون مع الشاهد إذا مات أبوهم الذي ب فرع، فإن نكلوا حلف بائع السلعة أنه لم يقبض شيئًا، وطلب من شاء منهم بمالَه من 3 له الحق.
قال: ولا يحلف الشريكان، ويغرمان ما عليهما من ثلثي ثمن السلعة، إلا أن يقول: نحن أمرناه بالدفع، من مالنا دفع.
فإنهم يحلفون ويبرأون.
وقد تأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد 4 بعض ما وقع في هذا الجواب من إطلاق، وقيد مطلقه.
ونحن نورده في أثناء كلامنا على هذه المسألة.

فاعلم أن الشريكين (لا يخلوان من) 1 أن يزعما أن شريكهما الذي دفع وشهد له الشاهدين 2 بذلك أنهما لم يدفعا إليه شيئًا وإنما دفع ذلك من مال نفسه.
أو يزعمان أن المال الذي دُفع هما دفعا ذلك ببينة.
فإن ذكر 3 أنهما لم يدفعا إليه شيئًا، وإنما دفع ذلك من ماله فلا مدخل لهما في اليمين مع الشاهد، لأنهما مقران أن ثلثي الثمن باق في ذمتهما.
فإذا كانا يغرمانه على كل حال ولا فرق بين أن يغرِما ذلك الورثة 4 أو يغرماه إلى البائع.
وإنما يحلف القائم بالشاهد فيما يجتلب بيمينه مع الشاهد له منفعة.
أو يدفع مضرة.
وثلثا الثمن ها هنا لا بد لهما من غرامته، فلا يجتلبان باليمين مع الشاهد بسقوط شيء من هذه الغرامة.
ولهذا علل في المدونة قال: لا يحلفان لأنهما يغرمان.
لكن إن كان الشريك الدافع الذي مات معسرًا فإنهما يلحقهما مضرة إن لم يحلفا مع الشاهد، لكون البائع له أن يغرمهما ثلث الثمن الذي على الميت، فيمكنان ها هنا من اليمين مع الشاهد لينفيا عن أنفسهما غرامة هذا الثلث.
وهكذا تأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد على المدونة، وحمل مطلق قوله: إن الشريكين لا يحلفان مع الشاهد لأنهما يغرمان: أَنَّ المراد غرامة هذا الثلث الذي على الميت، وقد مات معسرًا.
وأما لو مات موسرًا فلا كبير فائدة لهما في اليمين مع الشاهد، لأن للبائع أن يأخذ ذلك من تركة الميت، ولو أخذه منهما رجعا به في ذمة التركة.
وهذا تأويل صحيح، وما قيد به من إطلاق المدونة ظاهرٌ وجهه.
لكن ذكر الشيخ أبو محمَّد أنهما لا يُغرمان الورثة شيئًا، وإن كان قد قال: إن الميت في فرع ذلك من مال نفسه.
وذلك إقرار منهما بأن الميت استحق طلبهما بما دفع

عنهما.
فحجة الشريكين بأنه لما دفع ذلك بغير إشهاد يستقل به القضاء صار دفعَ دفعًا لا يبرىء بشريكه 1. وبذا دفع من ماله قضاء عن شريكه (1) ما لا يَبْريان به فلا مطالبة له عليهما، ولا لورثته، لأنه كمن لا يدفع عنهما شيئًا.
وهذا على أصل ابن القاسم يتضح، ولو كان قد دفع عنهما بأمرهما، لكون ابن.
القاسم يرى أن الوكيل على دفع مال لغير من وكله يضمنه إذا دفعه بغير إشهاد، والذي وكله غير حاضر لدفعه حتى يكون راضيًا بترك الاشهاد.
وإذا وجب على الشريكين غرامة الثلثين، وقد حلفا مع الشاهد لتسقط الحمالة بالثلث عنهما، فلمن يدفعان هذين الثلثين؟ قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: يدفعان 2 ذلك للورثة، ويكون للبائع أن يطلب الورثة بثلث الثمن الذي على أبيهما، فيغرم الورثة ثلثي الثمن الذي أخذوه من الشريكين، لأنه كمال طرأ لأبيهم وعليه دين فلا يرثوه حتى يقضى منه الدين وأنكر الشيخ أبو إسحاق هذه الوجوه، ورأى أن الأصل غرامة هذين الثلثين لبائع السلعة، لأن يمينهما إنما كان لإسقاط غرامة الثلث عنهما الذي كان على الميت وتحمل به.
وأمّا الثلثان فلا يصح أن يحلفا عليهما ليكونا ملكًا للورثة بيمينهم، لأن الورثة حرروا 3 أن يحلفوا مع شاهدهم فأبوا ونكلوا، ونكولهم يقتضي رجوع هذه اليمين على البائع، فيحلف ويستحق هذين الثلثين على الشريكين.
فلا يمكن، مع كون هذا هو الأصلَ، أن يكون يمين الشريكين إنما أفادهما تمليك الورثة لهذين الثلثين، إذ لا يحلف أحد ليستحق غيره بيمينه مالًا من غير أن يحلف 4 الحالف بيمينه لنفسه مالًا ويدفع عنه مغرمًا.

وأكد الشيخ أبو إسحاق هذا التعقب الذي تعقبه عن الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد بأن أشار إلى أن للبائع أن يطلب الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ له مال كما لو حلفوا بأنفسهم مع الشاهد، فإن البائع يسقط طلبه عنهم.
فكأنه رأى أن الشيخ أبا محمَّد أحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في ملكهم لهذين الثلثين، ولم يحل يمين الشريكين محل يمين الورثة في إسقاط الطلب عنهم بهذا الثلث.
واعلم أن الذي قاله الشيخ أبو إسحاق من أن الأصل ألاّ يحلف أحد ليستحق آخر مالًا صحيح مسلم.
ولكن إذا لم يكن للحالف فائدة في يمينه سوى أن يملّك رجك بيمينه رجلًا آخر مالًا، وهاهنا يمين الشريكين إذا مات الثالث عديمًا أفادَتْهم سقوط غرامة نصيبه بما حلفا: أللهما 1 يستفيدان بما نفي غرامة محنهما (وهي الغرامة عنهما) 2 ويمينهما على الشاهد صدق يتضمن تصديقه في كون الورثة يستحقون هذا الثلث، وإن حلفا على ما يفيدهما، وتضمن ذلك ما يفيد غيرهما ضاعَت ها هنا اليمين، وانسحب يمينهما على ما يفيدهما، لأنهما أمران متلازمان، فإثبات أحدهما يقتضي ثبوت ما يلزم عنه.
وقد وقع لهذا نظير تكلمنا عليه في كتاب البيوع في يمين أحد المتبايعين على ما القول قوله فيه، ويضيف إلى ذلك ما القول فيه قول خصمه.
لكن يفتقر في هذا الاعتذار عن الشيخ أبي محمَّد إلى اعتذار آخر عمّا نقضه به الشيخ أبو إسحاق وهو قوله: هلا أفادت يمينهما أيضًا إسقاط الطلب بالثلث عن الورثة كما أفادت تمليك الورثة الثلثين.
والعذر أيضًا عن هذا بأن الورثة قدّروا أنفسهم أن يحلفوا مع الشاهد ويسقطوا الغرامة عن أنفسهم، فلما نكلوا صاروا ممكّنين للبائع من يمينه على ما نكلوا عنه، فإذا مكنوه من ذلك وحلف استحق طلبهم بالثلث بخلاف الثلثين، فإن إقرار الشريكين بأن الشريك

الثالث دفع ذلك عنهما من ماله، وسقوط حق البائع بينهما يقتضي أن يؤخذا بمضمون ما حلفا عليه وهو كون هذين الثلثين صارا ملكًا للميت.
هذا حكم قبل 1 الشريكين: إنا لم ندفع لشريكنا مالًا.
وأما لو قالا: دفعنا إليه المال ليدفعه عنه و 2 عنه،؛ فإن الشريكين ذكر في المدونة أنهما يحلفان مع الشاهد، ويبريان مما عليهما من ثلثي الثمن، ويبقى طلب البائع على الورثة لأجل نكولهم عن يمين قدَروا على أن يبرئوا أنفسهم بها.
ولكن من حق الشريكين أن يحلّفا الورثة أنهما لا يعلمان أنهما دفعا لأبيهما هذا الثلث الذي دفعاه إليه من مالهما ليدفعه عن نفسه إذا كان الورثة ممن يظن بهم علم ذلك، كمدع يدين على ميت طلب يمين ورثته على أنهم لا يعلمون ذلك.
وتعقب الشيخ أبو إسحاق أيضًا هذا الوجه، وأشار إلى أن اليد دليل الملك، وما دفعه الشريك الثالث الذي مات من يده هو ملك له.
ولا يقبل قول الشريكين إن ذلك ملكًا لهما، كما لو كان حيًا.
وأما ها هنا فالورثة الذين محل 3 الميت الذي ورثوه فقد قدروا على أن يحلفوا ويكون ذلك ملكًا لمن ورثوه، فتكلموا 4 عن ذلك، فصاروا بنكولهم كسقصي 5 حقهم فيه، وإذا سقط حقهم فيه صاروا كحائز أقر بأن ما في يديه لا حق له فيه، أو كمالٍ ليس في يد حائز يدعيه.
ولكن مقتضى هذا التعليل أن يرجعوا إذا حلفوا على الورثة بالثلث الذي على أبيهم متى طرأ لهم مال, لأنهم حلفوا على تصديق الشاهد، والشاهد شهد بأنه دفع جميع الثمن، وثلثُ هذا الثمن إذا حكم يأنه من ماله كان للشريكين أن

يرجعا به على ما يطرأ للميت من مال.
وهكذا قال ابن أبي زمنين أنهبم إذا ادّعَوْا أنهم إنما دفعوا الثلثين خاصة بقي طلب البائع على الشريك الذي مات.
وإن قالوا: دفعنا الجميع، وحلفوا على ذلك فقد أثبتوا يمينهم 1 على الميت استحقاقهم على الميت ثلث الثمن الذي عليه، فكان لهم مطالبته به.

والجواب عن السؤال السادس عشر أن يقال: هذه المسألة مشتهرة بالست حملاء، ذكرها في المدونة، وذكر بعض تفصيل حساب التراجع بينهم، وأُفردت بتَواليف من جماعة من الأشياخ.
ونحن تقدم قبل الخوض فيها القول الضابط لما يوجب رجوع من دفع المال على من لم يدفعه منهم ومنعه من ذلك آخرًا.
فالذي ينجر إليه الأمر في هذا اعتبار حكم اللفظ الواقع من الحملاء هل هو نصر صريح في كون بعضهم حملاء عن بعض أو في كون بعضهم ليس بحميل عن بعض، أو يقع اللفظ مشكلًا محتملاَّ؟ فإذا قال الحملاء، وهم جماعة،: نحن نتحمل بهذا الدين، وبعضنا حميل عن بعض فلا خفاء ها هنا بأنه إذا غرم جملة المال أحدهم كان له أن يرجع على أحدهم إذا لقيه بنصف المال حتى يساويه، لكون هذا الحق تعلق بذمة أحدهم على حسب ما تعلق بذمة الآخر، فكأن من أدى جميع الحق أداه عن نفسه وعن الرجل الآخر، إذا لقيه، من الحملاء.
ولو كان اللفظ وقع بأن قال: أيكم شئت أخذت بالدين الذي لي على فلان.
ولم يزد على هذا اللفظ، لم يقتض هذا اللفظ كون الواحد منهم إذا غرم يرجع على صاحبه حتى يساويه.
ولو قال: كل واحد منكم حميل بجميع المال، لاقتضى هذا حمالة بعضهم عن بعض على ظاهر ما قيل في ذلك.
وكأنه لما أتى بلفظة "كل" وهي

من ألفاظ العموم، صار كل واحد منهم حميلًا بجميع المال، وكأنه تحمل بذلك عن صاحبه الذي شاركه في الحمالة.
ولو قال: أنتم حملاء بهذا المال، ومن شئت أخذت بحقي، لم تؤثر هذه الزيادة، ولم تغير الحكم الذي قلناه في التراجع.
لكن يأخذ من شاء منهم بالحق، وإن كانت بقية أصحابه أملياء حضورًا.
فإن لم يقل ذلك جرى على الخلاف في أخذ الحميل مع إمكان الأخذ من الغريم.
وقد ذكر هذه المسألة في المدونة في الست حملاء وساوى بين أن يقول: على أن بعضهم حميل عن بعض، أو على أن كل واحد حميل بجميع المال عن واحد أو اثنين أو ثلاثة.
وفي كتاب ابن المواز: إذا كانوا أربعة فقال لهم: أنتم حملاء بالمال.
فلقي صاحب الحق أحدهم فأغرمه جميع المال، فإنه يرجع على من لقيه من الثلاثة الحملاء بربع الحق.
والمشهور خلاف هذا، وأنه لا يرجع الغارم بما غرم على أحد من أصحابه الحملاء.
وهكذا في الموازية في موضع آخر منها، وكذلك في المدونة؛ لأن الشرط إنما كان ممن له الحق أن يغرم من شاء منهم، فإذا استغرم أحدهم جميع الحق فإنما ذلك غرامة عمّن تحمل عنه بأصل الدين، وليس غرامتَه عمّن تحمل معه حتى يغئر هذا اللفظ كقوله: بعضهم حميل عن بعض، لوجب أن يرجع على من لقيه بنصف الحق الذي أداه.
والذي في الموازية أنه يرجع بربع الحق، وهذا لا يظهر له وجه، إلا أن يكونوا مشترين للسلعة، فعلى كل واحد منهم ربع ثمنها، فالغارم لجميع الحق يرجع بهذا الربع على مشتري ربعها فيكون لهذا وجه، أو يكون المراد أن كل واحد تحمل بربع الحق، ومع هذا فله أن يُلزم جميعَ الحق من شاء منهم.
فإذا استغرم الحق أحدَهم رجع هذا بالربع على من كان تحمل به.
فهذا الذي يظهر في تأويل هذا المذهب.
وقد ذكر في المدونة في حمالة بعضهم عن بعض في مسألة الست حملاء.
وفي الموازية ذكر مسألة الأربعة حملاء، وقال في تفصيل حساب

تراجعهم الذي تركوه فيما بعد: سواء كان هذا الحق على الأربعة دينًا عليهم، أو حمالة تحملوا بها عن غيرهم.
وهذا للإطلاق 1 المساواة بين الوجهين لا يصح، لأنها إذا كانت دينًا عليهم فلقي صاحب الحق أحدهم، فأخذه بجميع الحق، فأمّا ما ينوبه من هذا الدين إنما غرمه عن نفسه، ولا يرجع به على أحد، وإنما يكون التراجع بحق الحمالة فيما زاد على ما ينوبه عن نفسه.
فإذا كانت حمالة عن غيرهم 2 فليس على أحد الحملاء منهما في نفسه نصيب فيختص به ولا يرجع به على أحد.
فإذا لقي من له الحق أحَدَ الحملاء الذين تحملوا عن غيرهم، والدّين ست مائة، فلم يجد عنده إلا مائة، فأخذها منه، فإنه إذا لقي حميلًا آخر طلبه بالمشاركة في هذه المائة لكونهما تساويا في الحمالة بها عن غيرهم.
وإذا كانا مشتريين في سلعة فلقي من له الحق أحدهم أخذ منه هذه المائة لا يرجع بها على أحد هن الحملاء لكونه من نفسه أدّاها.
وظاهر قول ابن المواز يقتضي أنها إذا كانت حمالةً عن غيرهم فغرمها أحدهم فإنه إذا لقي حميلًا آخر فمن تحمل معه لا يرجع عليه بشيء من هذه المائة.
وهذا لا وجه له إلا أن يكون المفهوم من هذا اللفظ عندهم أن تحمل بعضهم عن بعض إنما يكون بما زاد على نصيب كل واحد منهم إذا قسم الدين عَليهم فيكون لهذا وجه، ولكنه بعيد ميت مقتضى اللفظ الضابط لما يوجب التراجع أَوْ لاَ يوجبه.
وأمّا تفصيل حساب التراجع، فالقول فيه على الجملة إنهم إذا تحمل بعضهم عن بعض فإن الفكر إنما يتعب في هذا حتى تحصل المساواة بين من

غرم من الحملاء وبين من لم يغرم منهم، ومن لقي منهم من غرم من لم يغرم طلبه بالمساواة حتى يعتدلا في الغرامة، وإذا لقي آخر طلبه بالمساواة حتى يعتدل معه، ويكون كل واحد منهم إنما يغرم مثل ما أغرم من لقيه.
ولو غرم أحدهم لرجل وساواه، ثم لقيه آخر فمن غرم فإن حقيقة المساواة أن يقول له: غرمت لصاحبك قبل أن تلقاني كذا وكذا، فأسقطها مما غرمت بالحمالة، ونساويك فيما فضل عن ذلك مما غرمته بالحمالة.
هذا القول الجملي في هذه المسألة.
ولكن جرى رسم الأشياخ المؤلفين بسط حسابها في كتبهم، واجتهد بعضهم في ذلك، وبالغ حتى أفردها بالتأليف، ونحن نذكر مسألة المدونة وبسط حسابه في التراجع حتى ينتهي ذلك إلى اعتدال جميعهم.
قال: إذا كان لرجل منه 1 مائة درهم على ستة رجال على أن بعضهم حميل ببعضٍ بجميع المال، فإذا لقي أحدهم فليأخذه بست مائة درهم: مائة عن نفسه وخمس مائة بالحمالة، ثم إن لقي الغارم الست مائة أحدَ أصحابه أخذه بمائة أداها عنه، وبنصف الأربع مائة عن الباقين لأنه حميل معه بهم بجميع ما يأخذه منه، ثلاث مائة، وبقي له مما غرم ثلاث مائة.
ثم إن لقي ثانيًا قال له: غرمت ثلاث مائة عن نفسي، ومائتان 2 بالحمالة عن أربعة، أنت أحدهم، تلزمك، في خاصتك، خمسون، وتبقى مائة وخمسون، أنت معي بها حميل، عليك نصفها خمسة وسبعون.
فجميع ما يأخذه منه مائة وخمسة وعشرون، فصار جميع ما يأخذ من صاحبيه أربع مائة وخمسة وعشرون 3، وبقي له مما أدى بالحمالة خمسة وسبعون.
ثم إن لقي ثالثًا قال له: أديت بالحمالة خمسة وسبعين عن ثلاثة، أنت أحدهم، فادفع لي ثلثها: خمسة وعشرين، ونصفَ ما

يبقى مما أديته بالحمالة، لأنك معي به حميل، فجميع ما يأخذ منه خمسون، وتبقى له خمسة وعشرين 1. ثم إن لقي رابعًا قال له: بقي ما أديت بالحمالة خمسة وعشرين، هي عليك، وعلى صاحبك السدس، فأعطني نصفها: اثني عشر 2 ونصف ما بقي وذلك ستة وربعٌ، فجميع ما يأخذه منه ثمانية عشر وثلاثةُ أرباع، وبقي له مما غرم ستةٌ وربعٌ.
ثم إن لقي السادس فيأخذ منه ستة وربع 3 وهو باقي مما وذى بالحمالة.
(هذا الملحق وعليه أسقطه من كتابه وأمر بطرحه.
قال: هكذا) 4 قال اللخمي: إن غرامة هذه الستة وربع من أصل الدين.
وخالفه في ذلك ابن يونس وقال: إنما يغرم من الحمالة.
وهو الأرجح عندي على ما أصلوه في هذه المسألة فالسادس إنما يغرم هذه الستة وربع 5 ميت أصل الدين عليه لا بالحمالة؛ لأنه لم يبق يعده حميل أدى الأولُ عنه.
هذا بيان أول الحملاء الذي عدم 6 جميع الحق في أول مرة.
ونعود بعده إلى الذي يليه وهو الثاني الذي لقيه ثلاث مائة فإنه إذا لقى الثالث الذي كان غرم للأول أيضًا مائة وخمسة وعشرون 7 فيقول له: إني قد أديت بالحمالة من هذه الثلاث مائة التي غرمت مائتين عن أربعة، نصيبك خمسون، فيأخذها منه، وتبقى مائة وخمسون أنت معي بها حميل.
فيقول هذا الثلاث 8 قد أديت أيضًا أنا بالحمالة للأول خمسة وسبعين، نساويك في مثلها،

وتبقى لك خمسة وسبعين 1 فخذ نصفها: سبعة وثلاثين ونصفًا.
فجميع ما يأخذه منه سبعة وثمانون ونصف.
فجميع ما وَدَّى هذا الثالث للأول والثاني مائتان وأثنا عشر ونصف وبقي الثاني يطالب بمائة واثني عشر ونصف وهو ما أدى بالحمالة، لأنه ودّى ثلاث مائة، منها عن نفسه مائة، ومائتان بالحمالة، رجع إليه ما ودّى بالحمالة سبعة وثمانون ونصف، ومائتين 2. فالباقي له مما أداه بالحمالة، وهو مائة واثنا عشر ونصف.
ثم إن لقي أيضًا الرابع الذي كان غرم للأول خمسون 3، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف على ثلاثة، أنت أحدهم، يلزمك ثلثها في خاصتك، وهي سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، ويقول له بقيت لي خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، اعطني نصفها، فيقول هذا الرابع: قد وديت أنا بالحمالة الأولَ خمسةً وعشرين، ساويتكَ في مثلها، وبقيت لك خمسة 4، فخذ نصفها فجميع ما يأخذ منه: اثنان وستون ونصفٌ.
فجميع ما ودى الرابع للأول والثاني مائة واثنا عشر ونصف، وبقي هذا الثاني يطلب ما أداه بالجمالة وهو خمسون.
ثم إن لقي الخامس، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة، أيها الخامس، عنك وعن السادس، خمسون عليك نصفها خمسة وعشرون، فيأخذها منه، ويقول له: بقيت لي خمسة وعشرون أنت معي حميل بها، فيقول له الخامس: قد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول ستة وربعًا، ساويتك في مثلها، وبقيت لك ثمانية عشر وثلاثة أرباع، عليَّ نصفها وذلك سبعة وثلاثة أثمان.
فجميع ما ودى له الخامس أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان، وجملة ما ودّى هذا الخامس ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وللثاني أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن، وبقي هذا الثاني يطلب الخمسة عشر وخمسة أثمان.

جارٍ التحميل