ثم إن لقي السادس يأخذها منه.
ثم إن لقي الثالث الذي غرم للأول والثاني مائتين واثني عشر ونصفًا لقي الراببم فقال: بقي لي مما وديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصفًا عن ثلاثة، أنت أحدهبم، فأعطني ثلثها وهو سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، ويقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسة وسبعون، أنت معي بها حميل، فيقول له هذا الرابع: قد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول خمسة وعشرين، وللثاني خمسة وعشرين، فذلك خمسون ساويتك بمثلها، وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها اثني عشر ونصفًا فيصير جميع ما يأخذه منه خمسين، وجميع ما ودى هذا الرابع للأول وللثاني وللثالث مائة واثنان وستون نصف.
ثم إن لقي الخاص فيقول له: بقيت لي مما وديت يالحمالة اثنان وستون ونصف، عنك وعن السادس، عليك منها نصفها: أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي أحد وثلاثون وربع، أنت معي بها حميل، فيقول له عذا الخامس: قد وديت أيضًا للأول ستة وربعًا، وللثاني تسعة وربعًا وثمنًا،
وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها.
وبقيت لك خمسة عشر ونصف وثمن أيضأ عليّ نصفها سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن، فيدفعها إليه فيصير جميع ما أخذ منه سبعة وثلاتون ونصف ثمن، ويصير جميع ما ودّى هذا الخامس للأول وللثاني اثنين وتسعين وثمنًا ونصف ثمن.
ثم إن الثالث إن لقي السادس فيقول له: بقي لي مما وديت عنك بالحمالة ثلاثة وعشرون وربع ونصف ثمن، فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مائة.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول وللثاني وللثالث مائة واثنين وستين ونصفاَّ لَقي الخامس فيقول له: بقيت مما وديت بالحمالة اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك نصفها: أحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه ثم يقول له: بقيت لي أحد وثلاثون وربع، وأنت معي بها حميل.
فيقول له الخامس: فقد وديت أنا أيضًا بالحمالة للأول والثاني والثالث ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان
ونصفَ ثمن، ساويتك فيها، وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمر، علي نصفها: ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن، فيأخذها منه، فيصير جميع ما يأخذه الرابع من الخامس خمسة وثلاثون وثمن وربع ثمن، وجميع ما ودى الخامس للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمن.
وبقي الرابع يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن.
ثم إن لقي السادس فيأخذها منه، فيذهب وقد أخذ مائة.
ثم إن الخامس لقي السادس وقد كان ودى للأول والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، عليه منها مائة، بقي يطلب سبعة وعشرين وربعًا وثلاثة أرباع ثمن، فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مائة.
فيذهب السادس وقد غرم مائة: للأوّل ستة وربع، وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمن، وللرابع سبعة وعشرون وربع وثلاثة أرباع ثمن، وللخامس مثلها، جميعُ ذلك مائة.
فقد خلص من ذلك أن كل واحد منهم إنما غرم مائة وكمل حسابها.
وقد ذكرنا عن المدونة أن قوله: كل اثنين حميلان بجميع المال عن أصحابهما، أو عن اثنين، أو عن واحد، أو على أن كلّ واحد حميل بنصف جميع المال، فذلك كله سواء.
فإن لقي رب المال اثنين منهم أخذ كل واحد منثهم بثلاثمائة، وإن لم يلق إلا واحدًا أخذه بثلاثمائة وخمسة 1: مائة منها عليه من أصل الدين، ومائتان وخمسون بالحمالة, لأنه بنصف ما بقي كفيل.
ولو قال: على أن كل ثلاثة حميل بجميع المال، فإن لقي واحدًا أخذه بمائة عن نفسه وبثلث ما بقي.
ولو لقي ثلاثة وأخذ منهم جميع المال، فلقي أحدهم واحدًا من الذين لم يغرموا فإنه يقول له: أديتُ بالحمالة مائة عن ثلاثة، أنت أحدهم، فأعطني ثلثها
عن نفسك، ونصفَ باقيها بالحمالة عن الباقين.
ثم إن لقي الآخرَ لذلك أخذ الثلاثة الغارمين معه رجل عليه بنصف ما فضله حتى يكونا في الغرم سواء.
فإن اقتسما ذلك ثم لقيا الثاني الذي غرم معهما.
أوّلًا دخل معهما فيما في أيديهما من قِبَل الثالث المرجوع عليه حتى يصير ما أخذ الثالث بينهم أثلاثًا.
وهذا يوضح لك ما تقدم أن محصول الأمر متى لقي إنسان منهم إنسانًا آخر أن يساويه فيما أدّى وفيما أخذ من غيره من جملة الحملاء.
والجواب عن السؤال السابع عشر 1 أن يقال:
ذكر في المدونة في رجل له على رجل ألف درهم من قرض وألف دينار من حمالة، فدفع له ألفًا ثم اختلفا بعد دفعها، فقال القابض: هي الكفالة، وقال الدافع: إنها من القرض.
يذكر عن مالك أنها تقسم بين الحقين نصفين.
وذكر عن غيره أن القول قول المقتضي مع يمينه؛ لأنه هو ثمن 2 مدعى عليه.
فاعلم أن هذه المسألة أو ما يُيدَأ فيها بذكر فائدة اختلافهما في ذلك.
وهذا تظهر فائدته إذا كان الغريم المتحمَّل عنه، والحميل الذي تحمل به موسرين؛ لأنه يقول القابض: إنها إنما أخذتها من الكفالة كرامة منه في مطالبته المكفول به، وخفة طلب الكفيل بما عليه من قرض.
وقد صرح ابن المواز باسم الغير الذاهب إلى أن القول قول القابض، فقال: هو مذهب عبد الملك، واحتج بأنه مؤتمن.
وذكر عن أشهب أنه ذهب إلى ذلك أيضًا، وقال: القول قول المقتضي، لكنه خالف عبد الملك في الحجة، واعتلّ بأن الدافع 3 قضاء ما ذكر أنه قضاه من الحقين، والقابض منكر لأخذ هذا الحق، فصار القول قول المنكر
المدعى عليه.
واختار ابن المواز تعليل ابن الماجشون.
وهذا يُلتَفت فيه إلى ما قدمناه مرارًا في كتاب البيوع وفي غيرها من أصل ابن القاسم، وأصل أشهب في تبعيض حكم الإقرار، كالقائلَ: لك عندي فائة دينار وديعة، وقد ضاعت، فهي منك.
ويقول الآخرة بل سلفًا أخذتَها مني فضياعها منك.
فإن ابن القاسم يبعض حكم الإقرار، ويراه مقرًّا لإنسانٍ يقال، وخصص إقراره بأحد الأحوال التي يؤخذ عليها المال، فقال: أخذت منك مائة دينار وديعة، والوديعة وصف من أوصاف هذه المائة، فاقتضاؤها على هذا الوصف دعوى منه.
وأصل أشهب أنه لا يؤخذ بأكثر مما أقرّ به على الصفة التي أقر بها، والتقييد الذي قيد قوله به، فكذلك ها هنا القابض يقول أخذها من الكفالة أو من القرض، فصار تقييده لا يؤخذ فيه بأكثر مما أقرّ به.
وأمّا مالك رضي الله عنه وابن القاسم فذهبا في هذه المسألة إلى أن كل واحد منهما يحلف، فإذا حلفا قسم المقبوض بين الكفالة والقرض، ورأيا أن ليس أحدهما أحرى بالتصديق من الآخر لأن الدافع كان المال في يديه، ولا يخرج من يده إلا على الصفة التي يقول: إني أخرجت هذا المال عليها, ولا يؤخذ بغير ما أقرّ به.
وكذلك القابض يقول: أخذته على صفة كذا فلا يؤخذ أيضًا بأكثر مما أقر به.
فإذا تساويا في ابدعوى على هذا الأصل، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب قسم هذا المال بينهما كما 1 ليس في يد أحد، ادعاه رجلان فإنه يقسم بينهما.
وهذا إذا ادعى كل واحد منهما 2 قد بيّن حين الدفع الوجه الذي دفع عليه من قضاء دين أو قضاء ما وجب بالحمالة.
فأما إن اتفقا على أن كان الدفع منهما 3 ولم يقع بيان لارتفع الخلاف الذي قدمناه بين مالك وبين عبد الملك وأشهب على ما ذكره ابن المواز، وذلك لما أشرنا إليه من كون ما ادعاه أحدهما وحلف عليه ليس بأرجح مما ادعاه الآخر وحلف
عليه فإذا تحالفا لما زعم كل واحد منهما أن البيان قد وقع حين الدفع وجبت التهسمة، فكذلك أيضًا إذا اتفقا على الإبهام المانع من اليمين وجبت أيضًا القسمة.
وكأن أشهب وعبد الملك رأيا أنه إذا زعم كل واحد منهما أنه قد بين حين الدفع تصور في المسألة مدع ومدعى عليه، والمدعى عليه هو القباض، فقيل 1 قوله مع يمينه.
وإذا اتفقا على الإبهام خين الدفع واستحال في المسألة مدع ومدعًى عليه، والدفع محتمل فوجب القسمة بين محتملين.
وتعليل عبد الملك بأن القول قول القابض لأنه مؤتمن، فلاحظ أحد أقوال مالك رضي الله عنه في اختلاف المتبايعين في الثمن: إن القول قول المشتري إذا قبض السلعة وبان بها, لأنه رآه كالمؤتمن على ما يدفع من الثمن، وكأن البائع لما دفع السلعة للمشتري من غير إشهاد، وهو يجوّز مخالفته في مقدار الثمن، صار ذلك كالتصديق له فيما يدعيه من الثمن.
وإن كان هذا التعليل عندي في هذه المسألة ضعيفًا, لأنه يقتضي أنهما لو اختلافا في جنس الثمن لكان المشتري أيضًا مصدَّقًا فيه لأنه كالمؤتمن، وهذا لم يقله مالك رضي الله عنه.
هذا الحكم إذا اتفقا على البيان حين الدفع واختلفا في صفته، واتفقا 2 على الإبهام وعدم البيان.
فأمّا لو اختلفا في ذلك فقال: أحدهما: لم يقع بيان حين الدفع، وقال الآخر: بلِ وقع البيان.
فإن ابن المواز حكى عن أصبغ أن القول قول من ادعى البيان.
قال ابن المواز وهذا خلاف لابن القاسم وهو مذهب أشهب وعبد الملك.
فأشار بعض الأشياخ إلى معنى المخالف 3 من أصبغ لابن القاسم أن مقتضى أصل ابن القاسم أن تجري المسألة على حكم التداعي فيما يحوزه
رجلان، كثوب حائز به، قال أحدهما هو لي كله، وقال الآخر: بل نصفه.
فإن مذهب ابن القاسم أن المدعي في النصف قد سلم النصف الآخر لمدعي الكل، وبقي النصف، فمدعي الكل يدعي جميعه، ومدعي النصف يدعيه ولا يدعي أكثر منه، فوجب أن يقسم بينهما جميعًا، فيكون ثلاثة أرباع الثوب لمدعي الكل، وربعه لمدعي النصف.
فكذلك من يزعم ها هنا أن الدفع وقع مبهمًا، فإنه يسلّم أن الحكم يقتضي كون المال يقسم نصفين بين الحقين، فقد سلم أحدَ النصفين لمدعي البيان، والنصفُ الآخر يشتركان في الدعوى فيه، فمدعي البيان يدعيه ويقول: شرطت حين الدفع أنه أحد الحقين وسميتُه، والذي زعم أنه وقع مئهمًا إنما استحقه بمقتضى حكم الإبهام، فيقسم بينهما نصفين.
وهذا التخريج مما يتأمل, لأن (يدعي الكل ومدعي النصف تصريح) 1 كل واحد منهما قد صرح بدعواه، وهاهنا مدعي الإبهام لم يصرح بأنه لا يستحق إلا النصف، وأن الاسم 2 الآخر مسلم لمدعي البيان، وإنما الأحكام على قوله أوجبت قسمة المقبوض نصفين، فهو غير مسلم إلى مدعي البيان أنه يستحق النصف قطعًا بل الأمر عنده محتمل، ولأجل احتماله أوجبت الأحكام القسمة فلا يكون مصرحًا بتسليم النصف لمدعي البيان فهذا مِمّا ينبغي أن يتأمل.
وأما قول ابن المواز إنه مذهب أشهب وعبد الملك فهذا أشد إشكالًا مَن الأول، فإن كان مدعي الإبهام هو القابض فمقتضى ما حكيناه عنهما أن القول قول القابض فيصح ما قال ابن المواز, لأن أشهب وعبد الملك يزعمان أن القول قول القابض.
وأما إن كان مدعي الإبهام هو الدافع ومدعي البيان هو القابض فمقتضى ما حكيناه عنهما أن القول قول القابض، ولا يتصور ها هنا، على أصلهما، قسمة المال، كما أشار إليه أصبغ.
وقد ذكرنا في صدر هذه المسألة فائدة اختلافهما في هذا، وهو اختلاف الأغراض في طلب الدين الذي هو قرض
أو الحق الذي هو بالحمالة.
وكذلك أيضًا إنما يفيد تصور القسمة واختلافهما إذا كان الغريم المتحمل بالدين الذي عليه موسرًا الآن، ومعسرًا حين الدفع، على القول بأن من له الحق لا يمكّن من طلب الحميل إلا عند تعذر استيفاء الحق من الغريم.
فإن، ها هنا، يقول الدافع: إنما دفعتها مما وجب لك عليّ.
وأما إذا كان الغريم الذي تحملت بما عليه موسرًا يوم دفعى إليك، فلم تجب لك عليّ حينئذٍ المطالبة بالحمالة، وكذلك هو موسر الآن، فلا تجب عليّ أيضًا المطالبة بالحمالة الآن.
فإنه ها هنا لا يقسم المال، ويكون القول قول الدافع.
وأمّا على القول بأن الحميل يُطلب مع إمكان أخذ الحق من المتحمَّل عنه، فإن القسمة 1 ها هنا تصح لكون الحقين جميعًا قد وجب أداؤهما..
وأما لو كان الغريم المتحمَّل عنه موسرًا حين الدفع عنه، ومعسرًا الآن، فلا فائدة في القسمة ها هنا, لأنه يجب عنه الآن الأداء لعسره، فلا فائدة للدافع في كون ما دفع مقسومًا لوجوب قضاء الحقين عليه.
وإن كان الغريم موسرًا يوم 2 الدفع ومعسرًا الآن، لم تفد القسمة لوجوب الحقين جميعًا على الرجل الذي عليه القرض، وعليه: أي ما تحمل به لكون من تحمل به معسرًا.
ولو كان (يعكس بذلك يكون) 3 الغريم معسرًا يوم الدفع وموسرًا الآن، وقلنا: إن المتحمل 4 له مطالبة الحميل.
وإن كان الغريم موسرًا فإنه أيضًا لا فائدة في القسمة لأن القابض يقول للحميل: لي طلبك بالحمالة، وإن كان من تحملت عنه حاضرًا موسرًا.
وما ذكرناه من القسمة أيضًا إنما يصح إذا كان القرض والحمالة قد حلاّ
جميعًا ولم 1 يحلا، وأصلنا لو حل أحدهما دون الآخر فإنه لم يختلف أيضًا وأن القول قول من زعم أن المقبوض مِمّا حل لا مما لا يحل, لأن ما حل قد وجب فيصرف القضاء إليه، وما لم يحل لم يجب، فلا يصرف الدفع إليه.
فتلخص من هذا أن مَن له الحق إذا استحق طلب كل واحد من المدينين لم يجر اختلافهما في النوع الذي قصد في القضاء، ومتى لم يستحق الطلب بأحد النوعين حمل ما دُفع على ما استحق أخذه لأنه يدعي عليه أنه يتطوع بما لم يلزم، فيكون القول قولَه في أنه لم يتطوع.
وعلى هذا أيضًا يجري ما قلناه: إن الحقين إذا حلاّ فقد وجبا جميعًا، وإذا لم يحلا فقد تساويا أيضًا في نفي الوجوب، وإن حل أحدهما، فالذي حل قد وجب والذي لم يحل لم يجب، فلا يحمل بما دفع على التطوع وقضاء ما لم يجب.
هذا هو المنصوص في الموازية، كما قدمناه، وقد سلمه بعض أشياخي.
ولكنه قدح في كون الحقين لم يحلا، ورأى صرف القضاء إلى القرض، لكون الحمالة لم تجب، فيقول الدافع: تطوعت بقضاء ما عليّ دون ما ليس على.
وهذا الذي قاله لا يتضح, لأنه متطوع بالتعجيل في الحقين جميعًا.
ومما يلحق بهذا الذي نحن فيه (أن رجلًا لو) 2 كان له ذكر حق على رجلين وقد شرط: أيهما شاء أخذه بحقه.
فقال: لم يبق لي عليهما حق، فإن وصل هذا الكلام بأن قال: لأن فلانًا منهما أخذته بجميع الحق، وهو دفع جميعه إليّ.
واتفق الغريمان على أنهما لم يقبض منهما سوى مائة دينار واحدة، وهي جميع الحق لأن الدفع كان بمحضرهما جميعًا، فقد أسقطا عنه المطالبة، والادعاء عليه، وصارت الدعوى مترددة بينهما.
فإن كان واحد منهما يقول
لصاحبه: أما 1 كنت الدافع إليه.
فيقبل إقراره أن فلانًا منهما هو الدافع إليّ، وإن لم يكن عدلًا, لأنه لو أنكر الدفع أصلًا لكان القول قوله.
فإذا أقر به لأحدهما فقد سقط حقه عنهما وسقط حقهما عنه في أن لا يطالباه في إقرارهما في أنه ما أخذ أكثر مِمّا وجب له، فتبقى الدعوى مترددة بين الغريمين، فيحلف المقر له بأنه هو الدافع لصاحبه، وأن صاحبه لم يدفع من الحق، فيستحق بيمينه الرجوع بنصف ما دفع على صاحبه, لأن الدفع ثبت له بإقرار المقر له وصار صاحبه مدعيًا عليه أنه قد سقط عنه ما قضى عنه، فلا تقبل دعواه إذا حلف المقَر له.
فإن نكل المقَر له، وحلف الآخر، كان هو المستحق الرجوع بنصف الحق على المقَر له, لأنه يقول: أنت تعلم أني أنا الدافع، والمقِر لك أقر بباطل، فإذا لم تحلف على دعواي، فقد رددت اليمين عليِّ فيحلف (ويستحق ما تقتضيه دعواي عليك) 2. وكذلك لو كان المقر نسقًا 3 قولَه: فأبقى 4 لكما عليَّ شيء، بقوله: وفلان منكما هو الدافع إلى فلان، فإن القول قوله في أن الآخر لم يدفر إليه شيئًا.
ولكن إذا لم يحضرا جميعًا الدفع ولا عِلْم عند أحدهما ببطلان ما ادعاه صاحبه، فإنه لا يصح أن يكون ها هنا شاهدًا لمن أقر له, لأن الآخر مدعًى عليه بأنه دفع إليه فأنكره، فلا يكون إنكاره شهادة على من ادعى عليه، ولكن يحلف له على أنك لم تدفع إلى شيئًا.
فإذا حلف له سقطت دعواه، ووجب أن يرجع المقَر له بنصف ما دفع على صاحبه هذا الذي ادعى الدفع وحلف له جاز ادعى ذلك عليه.
ولو نكل المقرُّ صاحبُ الحق عن اليمين لهذا الذي ادعى عليه أنه دفع إليه لأخذ منه المائة دينار التي ادعى عليه، ودفر منها خمسين إلى صاحبه الذي أقر له صاحب الحق بأنه هو الذي دفع جميع الحق إليه.
وأمّا لو قال: ما بقي لي عليهما شيء، ثم قال، بعد ذلك، لما سئل: فلان منهما هو الذي دفع ذلك إليّ، فإن ابن القاسم أطلق الجواب فقال: صاحب الحق شاهد، فإذا كان عدلًا حلف معه من أقرَّ له، واستحق الرجوع على صاحبه.
ولم يقتد قولَه هذا يكون المقِر عيَّن مَن دفع إليه متصلًا بقوله الأول أو منفصلًا.
فكأنه أشار بهذا إلى أن قوله ما بقي لي عليهما شيء.
ظاهر هذا القول يقتضي أنهما جميعًا دفعا إليه, لأن أصل الدين عليهما جميعًا وإنما شرط الطالب لهما أن يطلب من شاء منهما فكأنه إذا أخذ منه الجميعَ فقد أخذ نصف ذلك عن الدين الذي على الدافع إليه والنصف الآخر بالحمالة عن صاحبه، والأصل أن الإنسان إنما يُطلب بما عليه في نفسه.
وقوله بعد الانفصال من قوله الأول: فُلانٌ منهما هو الدافع، فكأنه كالرجوع عن مقتضى قوله الأول، وقد اقتضى قوله الأول كونَ الدفع منهما جميعًا، فيكون على مقتضى هذا التعليل بريان جميعًا من طلبه إذا لم يكن يعينه لأحدهما نسقًا بقوله الأول.
فإذا لم يحضر كل واحد منهما دفع صاحبه وحلف لمن أنكر أن يكون هو الدافعَ إليه، وحلف أيضًا هذا الذي أنكرهُ أن يكون دفع إليه على أنه دفع إليه ما ينوبه بحسب ما اقتضاه كلامه الأول.
(ويرى ولا رجوع لأحد الغريمين على صاحبه إذا وقعت الأيْمان بينهما) 1 وإذا كان الكلام والتعيين متصلًا بقوله الأول، ولم يكن عدلًا، حلف كل واحد من الغريمين لصاحبه.
وإن كان عدلًا قُبلت شهادته في التعيين لارتفاع التهمة عنه في شهادته إذا اتفقا على أنه لم يقبض سوى مائة واحدة.
فصار محصول قوله أنه شهد يكون أحدهما استحق أن يرجع على صاحبه بنصف الذي قضاه عنه.
وإذا لم يتفقا على ذلك صار كل واحد منهما مدعًى عليه فلا تقبل شهادته عليه.
وإذا لم يكن الكلام منسوقًا أعطى الجملة الأولى وهي قوله: ما بقي لي عليكما شيء أظهر محتمليها عنده وهو كون الدفع منهما جميعًا.
وإذا عين بعد ذلك من دفع إليه، ولم يتفقا على إبرائه، طلباه بمقتضى قوله الأول، وكان الحكم ما ذكرناه.
ويتخرج على أصل المذهب قول آخر أنه يقبل قوله في التعيين كان ذلك منه متأصلًا 1 بكلامه الأول، أو منفصلًا عنه, لأن اللفظ المحتمل يُقبل تفسير قائله له، فسره متصلًا أو منفصلًا.
وهذا هو التحقيق على مقتضى الأصول، إلا أن يكون أحد محتمَليْ الكلام أظهر من الآخر فينظر في قبوله 2 تفسيره إذا لم يكن متصلًا.
ومما يلحق بهذا اختلاف من له الحق مع الحميل في الجنس الذي تحمل به، مثل أن يقول الحميل: تحملت لك بألف درهم، ويقول المتحمَّل له: بل تحملت لي بخمس مائة دينار.
ويكون الفتحمل عنه صدّق مَن له الحق، فإنه ها هنا يكلف الحميل إخراج الألف درهم من ذمته التي أقر بها للطالب، ويشتري بها ما يدعيه الطالب.
فإن وفت بخمس مائة دينار سقط حق الطالب، وبرِىء الحميل، وتبقى المطالبة بين الحميل وبين من تحمل عنه.
فإذا غَرِم المتحمل عنه ما أقرّ به من الخمس مائة دينار، التي ادعاها الطالب عليه، بيعت أيضًا واشتري بها الألف درهم التي غرمها الحميل عنه.
فإن وفّتْ برىء كل واحد من طالب ومطلوب وحميل، وإن زادت لم يستحق الحميل هذه الزيادة لأنها أكثر مما أداه عن المتحمل عنه، وترجع للغريم.
وإن انقضت 3 عن الألف درهم التي أداها الحميل حلف المتحمل عنه أنك لم تتحمل عني بالألف درهم التي أديت عني، بل بما أقررتُ به وبرىء من النقص.
وإن نكل حلف الحميل واستحق وطالب بهذا النقص من أداه عنه.
ولو اختلف الثلاثة فقال الحميل: تحملت بألف درهم، وقال الطالب: بل
بخمسمين دينارًا، وقال الغريم المتحمَّل (عنه ابنا علي) 1 مائة إردب قمح، فإن القول قول الغريم، فيما يقر به فيؤخذ منه القمح، ويباع، فإن وفّى الخمسين دينارًا التي ادعاها الطالب، وإذا سقط حقه برىء الحميل لسقوط حق الطالب لهما، وسقطت الأيْمُنُ عن جميعهم.
وإن كان القمح إذا بيع لم يبلغ ثمنه الخمسين دينارًا التي ادعاها الطالب، ولكنه بلغ الألف التي أقر بها الحميل، أُخّرت يمين الحميل رجاء أن ينكل الغريم عن اليمين فيغرم للطالب ما ادعاه إن كان موسرًا.
وإذا حصل الطالب على من 2 ادعاه سقطت اليمين عن الحميل.
فإن لم يحلف ونكل عن اليمين، أو كان معسرأوحلف، فهاهنا ينتقل الحكم في النظر فيما بين الطالب وبين الحميل، فيكون القول قول الحميل فيما تحمل به، فمن حق الطالب أن يحلفه عن بقية ما قصرت عنه الألف درهم إذا أشترى بها دنانير فلم تبلغ الخمسين دينارًا التي أدعاها الطالب، ومن حق الحميل أن يحفف الغريم أيضًا إذا قصر (عن ما أخرجه عن ما أداه الطالب) 3. والغرض من هذا أنه متى قدر على رقع الأيمان وتقليلها برىء من ذلك متى قدر عليه، كما تقدم في كتاب الدعاوي والأيمان.
ومما يلحق باختلاف الحميل والمتحمَّل له: رجل تحمل لرجل بدنانير له على رجلين، فأتاه بأحد الدينين ليقضيه عن أحد الغريمين، فقال المتحمل له: لا أقبضه إلا على الغريم الآخر، فقال في الموازية: القول قول المتحمل له، إلا أن يكون المطلوب مخوفًا 4 فيكون الذي أتى به الحميل مقسومًا.
ولم يبيّنْ عن ما مراده بقوله: المطلوب، هل أراد به الحميل أو أراد به أحد الغريمين؟ ولا
بيّن أيضًا هل الحميل موسرٌ بالدينين جميعًا، أو ليس هو موسرًا إلا بأحد الدينين الذي للمتحمّل له.
قد حمل بعض الأشياخ على ابن المواز مراده بالمطلوب أحد
الغريمين، وأن مراده أيضًا كون الحميل غير موسر إلا بأحد الدينين: فأما تأويله أن المراد أنه غير موسرٍ إلا بأحد الدينين فإن الحميل إذا كان موسرًا بالدينين جميعًا، والغريمان معسران، لم يكن لاختلافهما عمّن يكون القضاء فائدة, لأنه إذا قبضه 1 المتحمل له عن الغريم الذي قال: لا أقبض منك إلا عنه، طلبه بالقضاء عن الآخر.
وإن كان الغريمان موسرين، فكذلك أيضًا، إذا قلنا بأحد قولي مالك أن له طلب الحميل مع يسر الغريم.
فيصح ها هنا أيضًا أن القول قول من له الدين: إني لا أطلبك إلا عمّن شئتُ أنا دون من شئتَ أنت.
وكذلك إذا كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا وقلنا: له مطالبة الحميل بالقضاء عن الموسر، صار في حقه كأنهما معسران.
وإن قلنا: ليس له مطالبته فمن دعا منهما إلى كون القضاء عن المعسر، قبل ذلك منه.
وبالجملة فإن الذي له الدين يجب أن يكون هو المبدَّأ في قبول القول لأنه حق له يطلبه ممن شاء.
لكن إن ظهر غرض وفائدة في اختلافهما فيمن يقضى عنه من الغريمين فكأن لمن له الدين فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، وللحميل فائدة فيمن اقترح أن يكون القضاء عنه، كان العدل بينهما قسمةَ المال بين الغريمين كما يقسم الم الذي التفليس بين الغرماء.
وإذا اشترى الغريمان في الزمن الذي ينتظر يسيرهما إليه لم تظهر فائدة أيضًا للحميل فيما دعي 2 إليه.
لكن إذا ادعى 3 إلى كون القضاء عن أقربهما يُسْرأ، فقد يكون له في ذلك غرض أن يصرف له الآن مما في يديه مقدار ما يترك للمفلس من الإنفاق على استبعاد هذا الغرض.
ومما يلحق بهذا أيضًا: إذا غاب الغريم فقضى الحميل عنه الدين بعد حلول أجله، ثم قدم الغريم فأثبت ببينة أنه كان قضاه أيضًا قبل سفره فإن رجوع
الحميل ها هنا بما قضاه إنما يجب له على من قضاه له، وهو المتحمل له، لا على من فضاه عنه, لأن دفع الحميل يعد قضاء الغريم خطأ منه على نفسه، وأداء ما لا يلزمه أداؤه، ولا تكون له مطالبة على الغريم لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، وقد سقط بأداء الغريم له.
وإن ثبّت الحميل دفع 1 بعد حلول الأجل، قبل أن يدفع الغريم كان له الرجوع بما دفع على الغريم، لكونه دفع عنه مالًا يلزمه، والغريم هو الذي غلط على نفسه فدفع ما لا يلزمه.
وأما إن عُلم بالدفع منهما وجُهلت التواريخ لم يجب للحميل رجوع على الغريم مع الشك في كونه يستحق الرجوع عليه أو لا يستحق، إلا أن يكون دفعه بقضية من سلطان فيرجع على الغريم.
وهذا الذي ذكره في الرواية من كونه يرجع على الغريم مع الشك إذا كان الدفع بقضية من السلطان لا يتضح وجهه إلا أن يكون قدّر أن السلطان، لما قضى عليه بالدفع لمن له الدين، تضمنت قضيته هذه أنه قضى له بالرجوع عن الغريم، فلا تنتقض قضية السلطان بالشك، بخلاف إذا لم تكن هناك قضية وإنما تطوع الغريم بالدفع.
والجواب عن السؤال الثامن عشر 2 أن يقال:
إذا حل الدين فأخّر من له الدين غريمه الذي عليه الدين، فلا يخلو أن يكون الغريم عند التأخر 3 معسرًا أو موسرًا.
فإن كان الغريم معسرًا لم يكنَ ذلك إسقاطًا لحمالة الحميل الذي تحمل بالدين, لأنه أخّر به من لم يجب له عليه بعسره وهو الغريم، وقد وجب له أخذ الدين من الحميل فلا يكون عدوله عن طلب ما لا يفيده طلبه وهو الحميل
الموسر.
وأمّا إن كان الغريم حين التأخير موسرًا، فهل يكون تأخيره إسقاطًا لحمالة الحميل أم لا؟ في هذا قولان: فذهب اين القاسم في المدونة أن ذلك لا يكون إسقاطًا لحمالة الحميل.
وقال غيره: بل هو إسقاط لحمالة الحميل..
واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو راجع إلى اختلاف في شهادة العوائد وما تقتضيه.
فلو نص من له الدين حين تأخير الغريم على أنه أسقط الحمالة عن الحميل لم يكن له رجوع عن ذلك.
ولو نصر على أنه بتأخير الغريم غيرُ مسقط لحمالة الحميل لم تسقط الحمالة مع اشتراطه ما اشترط.
فإذا لم ينص عن هذا ولا عن هذا، وإنما أخر الغريم تأخيرًا مجردًا، فذلك عند ابن القاسم أمر محتمل للقسمين جميعًا، فلا يسقط حقه في الحمالة مع الشك.
ورأى الغير أن ذلك في العادة إنما يكون مع إسقاط الحمالة لكونه قَدَر على أخذ دينه من الغريم فأخذه 1، وقد علم أن ذلك مما يضر بالحميل، لجواز أن يُفلَّس الغريم قبل حلول الأجل الثاني فيطلب الحميل بالغرامة، وقد كانت ساقطة عنه على أحد القولين، أَوْلَه بها مرجع فدل ذلك على أنه قصد بتأخير الغريم رفع هذا الغرر عن الغريم.
ومن أشياخي مَن تأول هذا الخلاف على أن الغريم لم تتغير حالته، بلَ كان موسرًا يوم تأخيره، وموسرًا عند الأجل الثاني عند استحقاق الطلب.
وأما لو كان موسرًا عند التأخير ثم أفلس، فإنه يبعد الخلاف في ذلك، لأنه كمُتلفٍ مالَه بنفسه فلا مطالبة له عن الحميل.
وعلى الطريقة الأولى التي عللت بها وهي طريقة بعض أشياخي أيضًا لا يفتقر إلى هذا التأويل الذي ذكرته عن بعضهم.
وَهذا إذا لم يعلم الحميل بالتأجيل فرضيه.
وأمّا لو علم به فأنكره لكان من حقه ذلك ويقال للمتحمَّل له: إما أن تُسقط الحمالة فيصح لك التأخير.
وإمّا أن تتمسك بها فلا يُمكن من التأخير لحق الحميل ونفي الضرر عنه بالتأخير ولو لم يعلم الحميل بالتأخير حتى حل الأجل الثاني لم تسقط الحمالة عنه، ولكنه يحلف عند ابن القاسم: أنه ما كان ذلك منه رضي بإسقاط الحمالة، إذا أنكر ذلك الحميل بعذر التأخير.
وأوجب اليمين عليه أشهب: أنه لم يقصد بتأخير الغريم إسقاط الحمالة.
وهذه يمين تهمة فإذا قويت التهمة قوي الاستحلاف، وإذا ضعفت ضعف الاستحلاف.
وأمّا إن أخر الحميلَ فليس ذلك بتأخير للغريم, لأنه لو أسقط عنه الحمالة بالكلية لبم يسقط الدين على الغريم.
فكذلك إذا أخر عن الكفيل الطلب لم يكن ذلك تأخيرًا للغريم لأنه يتصور ها هنا إلى الرفق بالحميل والإحسان إليه بالتأخير لما أحسن هو بتحمل ما لا يلزمه، لكنه يحلف أيضًا: لم يرد بتأخير الكفيل تأخير الغريم.
فإن نكل عن هذه اليمين لزمه تأخير الغريم أيضًا، بناء على الأصل في أيمان التهم: أن النكول عنها يوجب غرامة ما نكل عنه.
وقد وقع لمالك ما يشبه ما نحن فيه: في رجل عليه دينان لرجل، أحد الدينين بحميل والآخر بغير حميل، فمات الذي عليه الدين، وترك مَا لاَ يفي بالدينين، فإن الذي ترك يقسم بين الدينين، ويُطلب الحميل بما بقي عليه من الدين الذي تحمل به بعد ما أُخِذ من التركة ما أسقط عنه بعضَ ما تحمل به.
فسأل بعضُ الورثة من له الدين أن (يحال إلى) 1 الميت مما بقي عليه من الدين، ففعل، فإن ذلك ليس بإسقاط عن الحميل ما بقي من الحمالة، بعد أن يحلف أنه لم يرد بما فعل إسقاط الحمالة.
وهكذا حكى ابن المواز أيضًا عن أشهب عن مالك في ورثة سألوا من له الدين أن يحالل الممت بما عليه، أن ذلك لا يكون إسقاطًا للحمالة عن الحميل بهذا الدين، إذا حلف من له الدين أنه لم يرد إسقاط الحمالة، قال ابن المواز في هذا.
وفي موضع آخر قال: في هذا
شيء.
فأشار إلى قدح في هذا الجواب.
وصرح بعض المتأخرين بما أشار إليه ابن المواز فقال: تسقط الحمالة عن هذا الحميل إذا حالل من له الدين الميتَ, لأن معنى التحليل ها هنا إسقاط الدين على كل، سقطت 1 الحمالة بما سقط, لأنها فرع عن ثبوت الدين في الذمة، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.
وهذا الذي أشار إليه ابن المواز من القدح، وصرح به بعض المتأخرين، يسبق إلى النفس صحته، وأنه لا وجه لما وقع في الرواية.
لكن عندي المخرج من هذا أن الناس يعتقدون أن من له الدين يطالب به من له عليه في الآخرة، ويؤكد اعتقادَهم هذا قوله عليه السلام: "نفس المؤمن مرتهَنة بديْنه حتى يُقضى عنه" 2 فأشار إلى أحكام الآخرة، وأن مَن مات وعليه دين كان الأمر فيه هكذا، وامتنع من الصلاة عليه حتى يقضَى دينه، كما تقدم ذكر هذا الحديث وما يتعلق به من مسائل الخلاف مبسوطًا.
فإذا تقرر هذا وأمكن أن يريد من له الدين لما سئل في أن يحلل الميت الذي عليه الدين أن يؤيد بتحليله أن لا مطالبة عليه في الآخرة، وأسقط إثم المطل عنه إن كان مَطَله.
وهذا مما يختص بالغريم الذي قد صار إلى الآخرة دون الحميل الذي هو حي، ويقضى عليه في الدنيا بأحكام المعاملة، حلف من له الدين أنه لم يرد إلا أحد الوجهين وهو التباعة في الآخرة دون الدنيا، وبقي الحميل مطلوبًا بما تحمل به، فلا يسقط عنه بالشك والاحتمالِ أمرٌ قد كان وجب عليه بيقين.
والجواب عن السؤال التاسع عشر 3 أن يقال:
إذا تحمل رجل لرجلين بدينين لا شركة بينهما فيه، فقضى أحدَهما، فلا مدخل للغريم الآخر معه، إذا كان الغريم مليئًا بجميع الدينين 1.
وإن قضى أحد الغرماء وقد أحاط الدين نجماله، فقد قدمنا اختلاف قول مالك.
وتأول بعض الأشياخ أن هذا الاختلاف إذا قضى جزءًا من ماله، ويبقى 2 في يده جزء، بخلاف أن يقضي جميع ما في يديه لغريم، ويبقى فقيرًا.
وأما إن كان الدين مشتركًا بين رجلين فاقتضى أحدهما دون الآخر، فهل لصاحبه أن يشاركه فيما اقتضى؟ تقدم بيان ذلك مبسوطًا في كتاب البيوع، وأن المشهور من المذهب مشاركة من لم يقبض لمن اقتضى، على تفصيلَ في صفة المشاركة، تقدم أيضًا بيانه، وأن هذا إذا كان اقتضى أحد الشريكين دون استئذان صاحبه وإعلامه.
وأما إذا رفع أمره إلى السلطان فأمَرَ شريكه بالاقتضاء معه،
فلم يفعل، فإنه لا يشاركه، ويصير ذلك كحكم القاضي بينهما بالقسمة لهذا الدين، وتمييز أحدهما من الآخر.
وذكر في المدونة أن الإشهاد على شريكه بأنه امتنع من الاقتضاء معه ينوب مناب الرفع إلى القاضي.
وتعقبه بعض الأشياخ وأشار إلى أنه يمكن أن يكون المراد: الرفع إلى القاضي يتعذر، فقام الإشهاد مقامه للضرورة إلى ذلك.
وهذا كله قد مضى مبسوطًا.
لكن ذكر في المدونة في هذا الكتاب أن الحميل إذا تحمل بدينٍ مشترك بين رجلين، فأتى أحدهما فدفع إليه الحميل ما ينوبه من الدين، والحميل موسر، في يديه ما يقضي منه الشريك الآخر الذي لم يقبض لغيبته، فإن القضاء صحيح جائز.
وإنما يبقى النظر في مشاركة الغائب إذا قدم من اقتضاء 3 وهذا الخلاف الذي أشار إليه إذا لم يرفع المقتضي أمره إلى القاضي، فإن رفع الأمر إليه، والحميل موسر بجميع دين الشريكين، فإن
القاضي يقضي لهذا الدافع إليه بجميع حقه، ولا يتعرض لحق الغائب بل يبقيه في الذمة على حسب ما كان.
وأمّا إذا لم يكن في يد الحميل إلا نصف الدين الذي عليه فإن القاضي إذا قضى لهذا الحاضر بحقه عليه كان قضاؤه باطلًا، والدفع إلى أحد الغريمين فاسد.
فلم يختلف المذهب ها هنا بأن الشريك القديم يشارك الشريك الحاضر فيما اقتضى.
فإذا كان جميع الدين مائة دينار، وهي بين الحاضر المقتضي والغائب نصفان، فرفع الأمر إلى القاضي، فلم يجد في يد الغريم سوى خمسين دينارًا، فقضى بجميعها للشريك الحاضر لأنها منتهى جميع دينه، فإن الشريك الغائب إذًا قدم يقاسم المقتضي للخمسين, التي أخذ، نصفين، لكون قضية القاضي له بجميع الخمسين خطأً وغلطًا يجب أن يُنقض الحكم فيه.
ولو وقع الغلط في مقدار ما ينوب في المحاصة، مثل أن يكون الدين مائهّ 1 دينار، وهي بين الشريكين نصفين، ولم يوجد في يد الحميل سوى خمسين دينارًا، فقضى له القاضي بجميعها، فإن الغلط ها هنا إنما وقع في أن زاده عشرة دنانير على ما ينويه في المحاصة، فإن من الأشياخ من ذهب إلى أنه يمضي له القاضي بأربعين دينارًا، وهي التي تنوبه في المحاصة ولم يقع فيها غلط في الحكم فلا مشاركة فيها وإنما الغلط في زيادة عشرة دنانير وهي التي ترد إلى الشريك الغائب.
ومنهم من ذهب إلى أن المشاركة تقع في جميع الخمسين دينارًا وكأن الغلط لما وقع في 2 سرى ذلك إلى كلها لأنها قضية واحدة, فإذا ظهر الغلط فيها وجب نقض الحكم غير ملتفَتٍ فيه إلى ما كان منه صوابًا, لأن الصواب لم يقصد إليه، فكأنه لم يقع الحكم به.
واحتج هؤلاء بما قيل في القاسم إذا غلط أن حكمة ينقض.
وتأول الآخرون هذه الرواية على أن المراد غلطُه فيما تختلف فيه
الأغراض كالرباع وغيرها، وتختلف أجناسه، وأما الدنانير فجنس واحد فغلطه في بعضها لا يسري إلى ما أصاب فيه منها, لكونها لا تختلف فيها الأغراض، ولا يمكن ذلك في الرباع التي تختلف فيها الأغراض, لأن الغلط 1 بعضها يصيّر ما بقي مغلوطًا فيه لاختلاف الأغراض فيه.
وأما لو قضى القاضي لهذا الحاضر الدافع إليه بمقدار نصيبه في المحاصة، ووقف نصيبَ الغائب، فإن هذه القضية ماضية، ولا مشاركة للغائب، إذا قدم، فيها 2 قبفحه الحاضر من الحميل، لكون ما وقفه القاضي كأنه قبضه، ومصيبته منه.
وأما إن لم يوقف القاضي نصيب الغائب، ولا بقاءه 3 في ذمة الحميل، وليس عند الحميل سواه، فإن ظاهر كلام ابن القاسم أن ما أخذه الحاضر بحكم هذه القسمة يمضي له ولا يشاركه فيه.
وعلى هذا تأول يحيى قول ابن القاسم في المدونة: إن القاضي فعل ذلك ولم ينتزع من يد الحميل نصيب الغائب.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: بل هذه القضية خطأ تُنقض كما لو قضى للحاضر بحقه كله.
واعتذر الشيخ أبو محمَّد 4 بن القاسم بأن القاضي لم يقصد سوى التمسمة بين الشريكين فمضى للحاضر ما قسم له، لكون ذلك هو المقصود بالقضاء، ولم يردّ ذلك لأجل غلطه على الغائب.
واعترض هذا بأنه يجري مجرى التفليس للغريم، فيجب ألاّ يبقى في يديه من غاب، فلو لم يكن ذلك كالتفليس على هذا التعليل لاقتضاء هذا أنه لو قبض الحاصر نصيبه كله لمضى ذلك كله له، لكون من أحاط الدين بماله له أن يقضي غريمًا دون غريم.
وبالجملة فإن في كلام ابن القاسم احتمالًا، وإنما يلتفت في هذا إلى كون هذا كالتفليس فتجري فيه أحكام التفليس، أَوْ لاَ يكون كالتفليس فتجري فيه أحكام
المديان لقوم من الغرماء دون قوم.
والجواب عن السؤال العشرون 1 أن يقال 2:
قد تقرر أن من له دين على غريم وأخذ به حميلًا فإن دينه متردد بين ذمتين، فإذا دفع الغريم أو الحميل فلا خفاء في جواز ذلك.
وأن غير ما عليه تغييرًا في الصفة أو تغييرًا في النوع 3 في الجنس فإن ذلك إذا كان من 4 عليه الدين فقد مضى ذلك في كتاب البيوع، بتنا فيها ما تجوز المعاوضة به وما لا
تجوز، دينًا كان أو غيره.
وإن كان ذلك من الحميل فشرى لنفسه ليملك بما دفع من الدين الذي على الغريم، وتبرأ ذمة نفسه منه، فإن ذلك أيضًا أصوله مفردة في كتاب البيوع، فيلتفت في ذلك إلى كون ما يفعله الغريم من تغيير الصفة والجنس في قضاء الدين قد عري من الوجوه الممنوعة، المذكورة فيما تقدم في شراء الديون والسلم فيها.
وإن كان يقضي ذلك عن الغريم لا ليملك ما عليه، فهاهنا أيضًا تفاصيل جملتها ترجع إلى ما قدمناه من الممنوعات في المعاوضات من غرر أو وقوع في وعلى هذه الأصول يعرض صلح الكفيل لمن له الدين عن نفسه أو عن الغريم، وبيان هذا، على التفاصيل في صلح الكفيل، أنه لو تكفل بمائة دينار عن رجل مؤجلة عليه، فأراد، قبل الأجل، الكفيلُ أن يصالح من له الدين
بخمسين دينارًا، فإن ذلك لا يجوز على الإطلاق، كان الدين سلعة أو قرضًا، لأنه يقع في "ضع وتعجل" إن صالح عن الغريم.
وإن صالح عن نفسه وقع في سلف بزيادة، أسلف من له الدينَ خمسين ليأخذ من الغريم إذا حل الأجل مائة.
وإن كان الأجل قد حصل 1، فصالح عن دنانير طيّبة بدنانير أَدْنَى منها، فإن ذلك جائز إن كان صالح عن الغريم، وذلك للعلم بأنّ العادة جرت بأن الغريم متى قدر أن يدفع أقلّ مما عليه فلا يدفع أكثر منه، فيصير الكفيل إذا صالح عن دنانير طيبة يدنانير ونهى 2 يعلم من مقتضى العادة أن الغريم لا يدفع إليه إلَّا دنانير دنية مثل ما دفع هو لمن له الدين.
ولأن دفع الحميل دنانير طيبة عن دنانير دنيئة في ذمة الغريم فذلك منه مكارمة لمن له الدين وهو يعلم أن الغريم لا يلزمه أن يتطوع بأجود مما عليه، فإنما يدفع إليه الدنانير التي عليه فلا يكون في هذا وقوع في ربا ولا في غرر، فلهذا جاز ذلك.
لكنه لم يطرد الأصل في المدونة في هذا الذي قلناه في الكفيل بطعام جيّد حلّ أجله، وهو من سلم، فإنه منع الكفيلَ أن يصالح من له الدين إذا حلّ الأجل بطعام أجود مما تحمل به، أو طعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضى 3 عن الغريم لا يشتريه لنفسه.
وعلل ذلك بأن ذلك بيع للطعام قبل قبضه، لأجل ما يكون لمن عليه الدين من الخيار في أن يدفع مثل ما دفعه الكفيل لمن له الدين، أو يدفع خلاف ذلك، وهو الدين الذي عليه، فيصير من له الدين كبائع الطعام قبل قبضه.
ولو كان تغيير هذه الصفة في الطعام المسلم فيه مِمّن عليه الدين، لجاز ذلك, لأنه مبادلة طعام جيد بدنيء أو دنيء بجيد، بخلاف الكفيل.
وهذا التعليل يقدح في الأصل الذي قلناه, لأنه يجري في دفع الحميل عن سكة طيبة سكةً دنيئة وعن سكة دنيئة سكةً طيبة، فيكون ذلك أيضًا بيعَ ذهب
بأدْنى منه أو أجود منه، ليس يدًا بيد، فيجب أن يمنع.
وأمّا ما أشار إليه من التفرقة بين الطعام والدنانير، من كون ذلك في الطعام بيعًا له 1 قبضه فإنه لا يتضح هذا الفرق, لأن بيع الطعام قبل قبضه إنما يكون إذا باعه بغير جنسه من عوض 2 أو طعام، وأما بيعه بجنسه فإنه لا يكون بيعًا قبل قبضه، بدليل أنه أجاز ذلك فيمن عليه هذا الطعام، وهذا الذي أسلم فيه ورآه مبادلة، لا بيع الطعام قبل قبضه.
لكن قد يفرق بين من عليه السلم إذا قضى أجود أو أدنى برىء هو وبرىء الحميل، ولم يكن فيما دفع خيار لأحد، والكفيل إذا دفع ذلك على غير الصفة التي تحمّل بها ثبت التخيير لمن عليه الدين، هل يقضي للحميل مثل ما قضى عنه أَوْ لاَ يقضيه إلا ما كان عليه؟ لكن هذه التفرقة وإن صحت من هذه الجهة فإن مقتضاها منع الصلح بسكة طيبة عن دنيئة أو دنيئة عن طيبة، لأجل ما يدخل في ذلك من التخيير للغريم، فيصير ذلك كالمبايعة ذهب بذهب أدنى منه أو أعلى، ليس يدًا بيد.
ولو اتفق أن يكون صلح الكفيل في الطعام بما يخالف صفته ما تختلف الأغراض فيه، كمن صالح عن محمولة بمحمولة أدنى منها، والدنانير لا يتصور اختلاف الأغراض فيها على حال، لأمكن أن يكون هذا فرقًا بين صلح الكفيل عن طعام بأجود منه أو أدنى، أو عن دنانير ودراهم بأجود منها أو أدنى.
ولو كان الصلح عن دنانير مؤجلة بدراهم معجلة لمنع ذلك من الغريم والحميل, لأنه صرف مستأخر، عخل دراهم عن دنانير إنما تستحق إلى أجل، سوأء كان ذلك الصلح من الغريم أو من الحميل.
ولكن قد قيل، في قول شاذّ عندنا: إن لمن عليه دنانيرُ مؤجلةٌ أن يدفع عنها دراهبم معجلة، إذا رضي بذلك من له الدين.
وبعدما 3 تأجل ها هنا كالخالّ، فيجوز ذلك، على هذا القول،
من الغريم، أو من الحميل إذا صالح بذلك عن إذن الغريم ورضاه، فيصير
كالوكيل على هذه المصارفة.
وأمّا إذا حلّ فأراد الكفيل أن يصالح من له الدين عن الدنانير تكفل 1 بدراهم لدفعها إليه، فإن فعل ذلك صلحًا عَمن له الدين فقد اختلف قول مالك في جواز ذلك، فقال مرة بالمنع من ذلك لما يتصور فيه من وجهين محرمين، وهو أنه دفع دراهم يكون الغريم عليه فيها بالخيار، إن شاء دفع له مثل ما دفع ويكون كأنه أسلفه دراهم أبرأ بها ذمة نفسه وذمة الغريم، (فلا يتصور ها هنا الوقوع) 2، أو يدفع إليه الدنانير التي عليه ولا يجيز ما عقد إليه 3 من مصارفة، فيكون الحميل قد دفع دراهم معجلة لمن له الدين ويأخذ عوضها دنانير ممن عليه الدين ليست يدًا بيد، وذلك ممنوع، وتجويز الوقوع كتحقق الوقوع فيه، كما بيناه في كتاب الصرف، ويتصور فيه أيضًا معاوضة فيها غرر, لأنه دفع دراهم لا يدري هل يرجع إليه مثلها فيكون ذلك سلفًا أو ترجع إليه الدنانير التي هي على الغريم فيكون ذلك بيعًا، وذلك غرر، ودفع ما يكون تارة بيعًا وتارة سلفًا.
وأجاز ذلك مرة أخرى، كما قدمناه في كتاب البيوع من أن المقصود متحيل 4 أحكام العقود، (والقصد ها هنا من الحميل بما دفع عنه التخفيف عنه من الطلب، ومكارمة أن يجيز فعله فيكون سلفًا، أو يجيز فعله فيكون أخذ منه عما دفعه لمن له الدين لم يقصد به المبالغة وإنما قصد به التخفيف عنه فجاز ذلك) 5.
واعلم أن نكتة هذا الخلاف أن الحميل إذا دفع دراهم لمن له الدين عن دنانير، فإنه قد أبرأ نفسه بما دفع مما 6 عليه من المتحمَّل بالدنانير، وأبرأ بهذا
الدفع الغريم أيضًا، وقد حصلت المناجزة بينه وبين من له الدين فلا يتصور في ذلك صرف مستأخر، بل صرف منه ما في الذمة بدراهم دفعها إليه في الحال، وذلك غيرِ ممنوع.
لكن مقتضى هذه المصارفة إثبات خيار لمن عليه الدين فيما يدفع للحميل عن هذه المصارفة.
وقد صورنا في هذا التخيير الوقوع في الصرف المستأخر، فهو صرف ناجز فيه أوَّلًا، وتضمنت هذه المناجزة تأخيرًا من جهة أخرى، فهل يقضى في هذا الحكم المناجزة 1، وهو السابق لثبوت التخيير، أو يلتفت في هذا إلى ما تصور بعدها مما يوقع في تأخير المصارفة وكأن ما يلزم عن الأول يقدّر في الأول ويتصور فيه.
بالتحميل 2 تصور فيها بين الحميل ومن له الدين, والتحريم يتصور فيها بين الحميل والغريم كما بينا.
وقد قال ابن المواز في حميل جُبِر على قضاء الدين لعُدْم الغريم، فدفع عن دنانير دراهم، فإن ذلك جائز، ولكن تؤخذ الدنانير من الغريم فتصرف بدراهم، وتدفع الدراهم إلى الحميل قضاءً عما دفع الحميل وأسلف.
فإن تقايلا بذلك 3. وإن قصرت الدراهم التي صرفت عما دفع الحميل لم يطلب من عليه الدين بنقصها، وكان مُصيبة ذلك من الحميل الذي دفع خلاف ما تحمل به.
وإن كان فيه فضل رُدَّ إلى الغريم، لكون ذلك فضل بعد أن قضى الحميل جميع ما دفع.
قال ابن المواز: وقد رجع ابن القاسم عن هذا، وقال: هذا حرام بين الغريم والحميل.
فأنت ترى كيف أشار إلى ما قلناه من أن التحريم إنما ينشأ في المسألة فيما بين الغريم والحميل.
واعلم أن هذا الذي قال ابن المواز لا ينبغي أن يختلف في جوازه, لأنه لا يتصور فيه وجه من التحريم، لكون من عليه الدين لم يُلزَم بأكثر من دفْع ما عليه، والحميل أخرج دراهم سلفًا، وعاد إليه مثل سلفه.
فما صورناه من وقوع في الربا، أو غرر في المعاوضة، يرتفع في هذه المسألة.
وإنما يتصور فيها الخلاف إذا لم يُجْبَر على القضاء، وأثبتنا التخيير للغريم، وأن يدفع ما عليه، أو يدفع إلى الحميل ما دفعه عنه.
فإذا تقرر حكم صلح الكفيل عن دنانير تحمل بها بدراهم يدفعها لمن له الدين، فلو كان هذا الصلح عن هذه الدنانير بمكيل أو موزون مما يقضى بمثله، وصالح بذلك بشَرْيٍ منه للدين الذي تحمل به، فإن هذا يعتبر فيه ما يعتبر في شراء الديون التي في الذمم، من النظر فيما يشترى به الدين، هل يجوز أن يكون ثمنًا للدين أم لا, وهذا يعرف حكمه مما قدمناه في كتاب البيوع وبيناه، مما يجوز أن يكون رأس م الذي السلم، وعوضًا عما أسلم فيه، من اعتبار اختلاف الأغراض إلى غير ذلك مما بيناه.
ومن شرطه أيضًا أن يكون الغريم الذي بيع الدين عليه حاضرًا مقرًّا بالدين الذي عليه، لئلا يقع الغرر والتخاطر في العقد بالجهل بما يجري على الغريم في ذمته، وجواز جحوده لما عليه..
لكن وإن كان شرط في المدونة مثل ذلك في شراء الحميل الدين الذي تحمل به، فإن الرواية في المدونة اختلفت في إثبات كونه مقرًّا، ففي بعضها إسقاط اشتراط كونه مقرًا، وفي بعضها إثبات ذلك، كالأجنبي إذا اشترى دينًا لم يتحمل به.
ووجه إسقاطها أن الحميل مطلوب بغرامة الدين الذي اشتراه، فكأنه اشترى الدين الذي عليه واشترى ما لا يخشى سقوطه بخلاف الأجنبي الذي اشترى دينًا لم يتحمل به، وقد أنزل الحميل منزلة الغريم حتى كأنه هو.
وبهذا منعوا أن يشتري الحميل الدين المسلم فيه بدنانير هي أكثر من رأس مال
المسلم، كما يمنع من ذلك الغريم الذي عليه السلم, لأن الغريم إذا أسلم إليه مائة دينار، وأقاله من له السَّلَم على مائة دينار وخمسين، فإن ذلك لا يجوز،
لأنهما يتهمان على أن المائة الأُولى أخذها سلفًا، وأظهرا أن يزيدا أكثر من السلف، وذلك حرام إذا كان بشرط، وقد حصل أمرهما في هذه الإقالة على أن المسلِم أخرج مائة دينار فرجع إليه أكثر منها، فيتهمان أن يكونا جعلا تسمية ما وقع السلمُ فيه زورأ ومحلِّلًا لسلف جرّ منفعة.
وهذه العلة مفقودة في الحميل إذا اشترى المسلم فيه بأكثر من رأس المال, لأنه لم يقبض شيئًا فرد أكثر منه فهو في هذا كالأجنبى تولى سلمًا في عروض بأكثر من رأس مالها, لكنهم منعوا ذلك في الحميل، وإن فقدت فيه هذه العلة، لكونه أحل نفسه محلّ الغريم، فكما منع ذلك في الغريم منع فيمن حل محله وهو الحميل، لا سيما إذا قلنا بإحدى الطريقتين: إن حماية الذرائع قد يتصور أن يكون للحماية حماية.
هذا إذا اشترى الحميل هذه الدنانير يمكيل أو موزون لنفسه.
وأمّا إن اشتراها للغريم حتى يكون الغريم بالخيار إن شاء أمضى على نفسه ما فعله الحميل من المعاوضة على الدنانير التي عليه بمكيل أو موزون، فيَغرم للحميل مثل ما دفع عنه، وإن شاء لم يُجِز فعلَه، ولم يغرم سوى الدنانير التي عليه، فإن هذا اختلف فيه القول في المدونة: ففي كتاب الحمالة جواز ذلك، وفي كتاب السلم منعه.
وسبب الخلاف فيه ما تقدمت الإشارة إليه من كون هذه معاوضة فيها غرر، لأجل أن الحميل أخرج مكيلة من الطعام، ولا يدري هل يرجع إليه مثلها، فيكون ذلك سلفًا أسلفه الغريم، والسلف جائز، و 1 يكون ذلك بيعًا، باع طعامًا بالدين الذي على الغريم، وما يكون تارة بيعًا وتارة سلفًا يمنع منه، ولكن المعاملة بين الحميل ومن له الدين لا غرر فيها, لأن من له الدين أبرأ ذمة الغريم وذمة الحميل بهذا الطعام الذي وصل إليه، لكن ذلك يتضمن تخيير الغريم، وتغييره 2 يصور فيه الغرر الذي قلناه.
والعقد إذا تضمن شيئًا ولزم عنه، فهل يكون ذلك كالمعقود عليه المقصود بالعقد أم لا؟ هذا سبب الإشكال الذي اقتضى الاختلاف.
وأما لو كان الصلح عن الغريم بعوض 1 إنما يلزم الغريم، إذا أمضى هذا الصلح عنه، قيمةُ العوض (1) الذي دفعه الحميل وهي دنانير من جنس ما عليه.
فإذا كانت قيمته مائة دينار مثل المائة التي عليه، يمكن في هذا غرر, لأنه إنما يغرم مائة دينار سواء أجاز الصلح ورده 2. وإن كانت قيمة العرض أكثر من المائة دينار أو أقل منه، فمعلوم من جهة العادة أنه لا يختار أن يدفع إلا الأقل من الأمرين: إما المائة دينار أو قيمة العرض.
وهذا يرتفع معه ما صورناه من الغرر.
وعندي أن هذا الذي أطلقه أهل المذهب من الجواز للصلح على الدنانير التي على الغريم بعوض (2) إن كان ذلك يقوم بالدنانير.
وأما إن قوِّم بالدراهم ودفع الحميل العرض على أنه لا يدري ما.
يرجع إليه، إما دنانير وهي التي على الغريم، وإما دراهم، فإن المسألة قد ترجع إلى المسألة الأولى في دفع دراهم عن دنانير.
وقد حاول الشيخ أبو إسحاق تخريج خلاف في هذا فقال: قد منع في الموازية، في هبة الثواب، أن يخرج رجل عن الموهوب له عرضًا، يكافىء به عن الهبة قضاء عن الموهوب له، مع كونه إنما يقضي له بقيمة أقلِّ العرضين: إما العرض الذي هو هبة، وإما العرض الذي دفعه أيضًا عن الموهوب له، وهو يعلم أيضًا أن الموهوب له لا يختار إلا الأقلّ من القيمتين.
فكان الواجب له، على مقتضى التعليل الذي ذكرناه في صلح الكفيل، أن يجوز هذا أيضًا.
وهذا الذي قاله من التخريج فيه نظر، وذلك أن الهبة للثواب، الأصل منعها, لأنها معاوضة فيها غرر، إذ لا يدري الواهب ما يعوض عنها.
لكن إنما جازت قياسًا على نكاح التفويض كما نصّ عليه أئمة المذهب فصارت كالرخصة، والرخصة فيها اختلاف: هل يقاس عليها أم لا؟ فلا يقاس هذا الرجل الثاني، المتبرع بالمكافأة عن غيره، بالموهوب له السابق، مع كون الغرر في هذا أوضح, لأن الموهوب له الغالبُ أنه لا يكافىء بأقل من قيمة الهبة، بل الغالب أن يكافىء بأكثر منها بما لا يدرى حقيقة مبلغه.
فكأن العلة ها هنا بالعكس من علة الحميل، مع كون هذا الثاني إنما هو كمشترٍ حقًا على غيره لا يعرف مبلغه ولا جنسه، فهو بخلاف الموهوب له الذي يقبل الهبة على أمر يضمر أنه به يكافىء.
وإذا أخذ الكفيل من الغريم سلعة على أن يؤدي عنه ما تحمل به عنه من دنانير أو دراهم فأتى من له الدين فألزم الغريم أن يعطيه دينه، فأعطاه دينه، (في أن) 1 البيع في هذه السلعة لا ينفسخ, لأن من اشترى سلعة بدنانير أو دراهم فاستُحقت الدنانير أو الدراهم من يد البائغ، فإنه يرجع بمثلها على المشتري، ولا ينفسخ البيع.
فكذلك ها هنا يرجع الغريم على الحميل بالدنانير التي قضاها عنه.
وإذا صالح من له الدين الكفيل على الخمسين دينارًا، وقد تحمل له بمائة، وقد حل الأجل، جاز ذلك وسقطت المطالبة عن الحميل بالخمسين دينارًا، وبقيت المطالبة بها على الغريم.
وإذا تحمل رجلان لرجل بألف درهم فأخذ أحدهما من صاحبه مائة درهم، على أن يؤدي عنه ما توجه عليه بالحمالة، فإن ذلك لا يجوز إذا كان ذلك قبل حلول الأجل، أو كان ذلك بعد حلوله، والذي له الدين غائب, لأن قابض المائة استعجلها قبل حلول أجلها، أو بعد حلوله، والذي يستحق قبضها منه غائب، فتبقى في يديه ينتفع بها، حتى إذا حل الأجل وقدم الغائب، قام له
بدينه ما يختص بحمالة صاحبه الدافع إليه المائة درهم، فصار دافع المائة إليه كالمسلف لها، قد ينتفع مدة ثم يؤدي عنه ما وجب عليه بالحمالة، ويرجع هو به على الغريم، وذلك سلف جر منفعة، فيحرم.
فإن كان الأجل قد حل ومستحق قبض الدين حاضر، ولم يقصد قابضُ المائة منفعةَ نفسه، بل التخفيف عن صاحبه أو مكارمة من له الدين لم يحرم ذلك لأنه لا يتصور فيه سلف جر منفعة.
ولو أن من له الدين صالح عن الألف 1 درهم بخمسين درهمًا، فإن دافع المائة درهم يرجع على صاحبه الذي قبضها منه بخمسة وسبعين درهمًا, لأن هذه الخمسين كأنها هي أصل الدين، لا يستحق من له الدين أكثر منها، وبها وقعت الحمالة، فعلى كل واحد من الخمسين منها خمسة وعشرون درهماً، فيبقى في يد قابض المائة درهم خمسة وعشرون يؤديها عن صاحبه ويدفع هو عن نفسه خمسة وعشرين فالفاضل من المائة لدافعها خمسة وسبعون لمّا ظهر أنه لا يستحق عليه إلا الحمالة بخمسة وعشرين.
ولو كان الصلح عن هذه الألف بمائة وخمسين درهمًا لرجع دافع المائة على قابضها بخمسة وعشرين درهمًا, لأن الصلح لما وقع بمائة وخمسين درهمًا ظهر أن الحمالة إنما توجهت بمائة وخمسين درهمًا بين الحميلين نصفين، فعلى دافع المائة خمسة وسبعون درهمًا فيعسها 2 قابض المائة منه ويفضل له من المائة خمسة وعشرون يزيدها قابض المائة إلى دافع المائة.
ولو كان الصلح بمائتين لم يسترجع دافع المائة من قابضها شيئًا، لكونها مقدار ما يظهر أنه توجه عليه بالحمالة.
فلو كان الصلح بخمسمائة لم يسترد أيضًا دافع المائة شيئًا، يؤدي قابض
المائة جميع الخمسمائة التي وقع الصلح عليها، مائة منها هي التي دفع إليه صاحيه وأربعمائة منها عن نفسه، وثلاث مائة عما التزم اداؤه عن صاحبه الذي تحمك معه، ويرجج الحميلان كل واحد بما أدى لمن له الدين،
وإذا كانت الحمالة بثمن طعام فلما حلّ أجل الثمن طُلب الحميل به، فأداه، ثم أراد أن يأخذ من الغريم الذي أداه عنه طعامًا من صنف المبيع، أو من غير صنفه، أقلَّ من كيله أو أكثر، فذلك جائز، ولا يحل الكفيل ها هنا محل من تكفل عنه بثمن الطعام المبيع, لأن مشتري قمحٍ بمائة دينار إلى أجل، إذا حل فأراد أن يمّضى عن المائة دينار فولًا أو طعامًا غيره، لم يجز ذلك، على ما قدمناه في كتاب البيوع, لأنهما لتهمان على أن أظهرا بيع قمح بدنانير، وأبْطنا بجع قمح بفول إلى أجل وبحع الطعام يالطعام إلى أجل لا يجوز.
ولا يتصور هذا في الحميل بدنانير إذا أراد أن يأخذ من الغريم، عنها طعامًا, لأنه لم يخرج من يده إلا دنانير وهي التي أداها بالحمالة، ورجج إلى يده عوضًا عنها طعامٌ، وبيع دنانير (وطعام) 1 بطعام إلى أجل جائز.
وإذا كان بائع القمح هو الذي أخذ عن ثمنه فولًا، خرج من يده قمحٌ ورجع إليه بعد مدة فولًا، وذلك لا يجوز.
وكأن ظاهر هذه العلة تقتضي أن بائع القمح لو كان قد تسلف دنانير مثل ثمن القمح من رجل، وأحال بها على الرجل الذي باع منه القمح ألاَّ يمنع هذا المحال، أن يأخذ طعامًا ممن أحيل, لأنه لم يخرج من يده طعام ثم رجج إليه طعام عوضه، لكن يمنع من ذلك ها هنا لأن هذا المحالَ يَدُه كيد المحيل له، وكأنه عنه يقبض، ألا ترى أن المحيل لو غرّه بفلَس المحال عليه لكان له الرجوع على من أحاله، فلما كانت يد المحال كيد المحيل له، وهو بائع القمح، وبائع القمح لا يجوز له أن يأخذ من ثمن طعامه طعامًا، فكذلك من حل محله، وكانت يده كيده.
وإذا تحمل من طعام من سَلَم فدفع إلى الحميل الذي تحمل عنه بالطعام دنانير لشتري بها طعامًا، ويقضيه عنه، فدفع الحميل ذلك الطعام من عند نفسه، فاتصل ذلك بالذي عليه السلَم فأجاز فعله، لم يمنع من ذلك.
ولو كان أعطاه الدنانير ليدفع عنه بها طعامًا من عند نفسه لم يجز ذلك إلا أن يكون قبضه منه أو وكّل من يقبض ذلك منه، ثم يقضيه عنه لمن له السلم.
ولو وكل الحميلَ بدفع ذلك عنه، فإنه تردد القول فيه عندنا: فقيل: يجوز.
أو لا يجوز (وها الآن بما) 1 وأشاروا إلى ضعف الجواز وارتفاع المنع.
وإذا تكفل الكفيل بطعام في الذمة، فتطوع لمن تحمل له بأن يعجله قبل الأجل على صفهّ ما هو عليه، لم يمنع من ذلك، كما قدمناه.
ولو أن أجنبيًا لم يتحمل، تطوع بدفع هذا الطعام إلى من استحقه على أن يحيله على غريمه يقضيه منه عند أجله، لم يجز ذلك, لأن الحوالة كالبيع، فيصير ها هنا من له الطعام كبائع له قبل قبضه من الذي أخذ منه الطعام وأحاله به على غريمه.
وقد تعقب بعض الأشياخ هذا، وأشار إلى أن الحميل قبل الأجل لم تتوجه عليه مطالبة، فإذا دفع قبل أن يتوجه عليه، صار كالأجنبي التي 2 لم تتحمل.
لكنهم لما رأوا أن الحميل تتوجه عليه المطالبة إذا حل الأجل، كما تتوجه على الغريم المتحمل عنه إذا حل الأجل، فارق ذلك حكم الأجنبي الذي لم يتحمل ولم تجب عليه مطالبة لا في الحال ولا في المآل..
وإذا تقرر حكم الحميل وأداء الدين الذي تحمل به، فلا يخلو: إما أن يؤديه من عند نفسه من شيء ملكه قبل المطالبة بالحمالة، أو يشتريه بثمن ثم لا يخلو ذلك أيضًا، في الوجهين جميعًا، من أن يكون ما أدّى مكيلًا أو موزونًا
أو عرْضًا مما يقضى فيه، في الاستهلاك، بالقيمة.
فأمّا إذا أدى من شيء قد تقرر مِلكه عليه، وكان مما يكال أو يوزن رجع بمثله على من أداه عنه، من غير خلاف, لأنه كالمسلف لمن أداه عنه، ومن أمملف مكيلًا أو موزونًا فإنما يرجع بمثله.
وإن كان الذي أداه من ملك نفسه حيوانًا أو عروضًا فمذهب أشهب وغيره من أصحاب مالك أنه يرجع أيضًا بمثله كما يرجع أيضًا بذلك في سلف العروض.
واختلف قول ابن القاسم فيه: ففي الموازية عنه: أنه يرجع بمثله كما قالت الجماعة.
وفي الواضحة أنه يرجع بقيمته كما يرجع بالقيمة في العروض في البياعات الفاسدة والاستحقاقات والاستهلاكات.
وأمّا إن كان كُلِّف القضاءَ فاشترى ما يقضيه بثمن، فإنه يرجع بمثل الثمن الذي اشترى به، سواء كان ما اشتراه وقضاه مكيلًا أو موزونًا أو عروضًا، ولا يعتبر في ذلك قيمة العروض لأنه لما كلف شراءه، صار ذلك كأنه وقع بإذن الغريم الذي تحمل عنه، فكأنه أسلفه الثمن فلا يرجع عليه إلا به.
ولهذا التعليل اختار بعض المتأخرين التفرقة بين أن يكون تحملا عنه بإذنه أو بغير إذنه: فإن تحمل عنه بإذنه صار كالإذن له في السلف.
وإن تحمل عنه بغير إذنه لم يكن له رجوع إلا بالأقلّ مما اشترى، أو قيمة ما أدى عنه لأن
الغريم يقول: من حقي إذا كنت معسرًا التأخيرُ، فأنت أضررت بي في تعجيل ما يجب تأخيره، فإذا كانت القيمة الآن الأقل فلا أعطيه أكثر منها.
تم كتاب الحمالة والحمد لله.