شرح التلقينصفحات 417-456
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع الفاسدة

صفحات 417-456

1 قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: كتاب البيوع.
كلّ بيع فالأصل فيه الجواز، إلاّ ما تعلّق به ضرب من ضروب المنع.
وفساد البيع يكون بوجوه: 1 - منها ما يرجع إلى المبيع، 2 - ومنها ما يرجع إلى الثّمن، 3 - ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين، 4 - ومنها ما يرجع إلى صفة العقد، 5 - ومنها ما يرجع إلى الحال الّتي وقع فيها البيع 2. وربّما انفرد بعض هذه الأقسام بنفسه وربّما تداخلت.
فأمّا ما يرجع إلى المبيع فككونه 3 مِمّا لا يصحّ بيعه، وذلك كبيع الحرّ والخمر والخنزير في حقّ المسلم، وبيع النّجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والكلاب.
واختلف فيما يجوز الانتفاع به منها.
وما 4 يرجع إلى الثّمن فككونه مِمّا لا يصحّ المعاوضة بجنسه.
ويرجع ذلك إلى أنّه لا يصحّ بيعه.

قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا منها أن يقال:

1 - ما حقيقة البيع؟ 2 - وما يجوز العقد عليه أو يمنع؟ 3 - وهل يجوز بيع المائعات النجسة؟ 4 - وهل يجوز بيع جلود الميتة؟ 5 - وهل يجوز بيع فضلات غذاء الحيوان؟ 6 - وما حكم شعر الميتة؟ 7 - وهل يجوز بيع المسك؟ 8 - وهل يجوز بيع الكلب؟ 9 - وهل يجوز بيع الصور؟ 10 - وهل يجوز بيع جلد الضحايا والهدايا؟ 11 - وهل يجوز بيع الماء؟ 12 - وهل يجوز بيع ما يستعان به على ما لا يحلّ؟

فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: البيع هو نقل الملك بعوض.
وهذا الكلام يتضمّن إثبات ثمن ومثمون، وناقل، ومنقول إليه، وصفة النّقل.
وهذا يحوج إلى الكلام في المعقود عليه، وصفة العقد، وصفة المتعاقدين.
وإذا قلنا: إنّ البيع الفاسد ينقل الملك كان بيعًا على الحقيقة.
وإن قلنا: لا ينقل الملك، لم يكن بيعًا على مقتضى هذا الرّسم الّذي رسمنا به الحدّ من جهة معناه.
لكن العرب قد تكون التّسمية عندهم حقيقة لاعتقادهم أنّ الملك قد انتقل، على حكمهم في الجاهليّة، وإن كان لم ينتقل، على حكم الإِسلام، فتكون التّسمية حقيقيّة على مقتضى أصل وضعهم، ومجازًا على ما اشتقوا منه التّسمية بالإضافة إلى اعتقاد أهل الشّرع.

والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: ينبغي للفقيه أن يعتني بالنّظر في هذا الفصل، فإنّه تتفرّع عنه مسائل كثيرة.
فيعلم أنّ سائر الموجودات الّتي يَحوزُها الإنسان للمنفعة بها لا تخلو من أن تكون مِمّا لا يصحّ تملكها ولا انتفاع بشيء

من منافعها، أو تكون مِمّا يصحّ تملّكها والانتفاع بمنافعها كلّها، أو مِمّا يصحّ تملّكها ويحلّ الانتفاع ببعض منافعها دون بعض.
فإن كانت مِمّا لا يصحّ تملّكها، فلا خفاء أنّ بيعها لا يصحّ.
لأنّا كنّا قدّمنا أن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وإذًا لم يتصوّر البيع الّذي هو تابع للملك وفرع، كما أنّ الملك وصحّته قد يكون تابعًا لجواز الانتفاع وفرعًا عنه.
وهذا القسم أحد أمثلته الخمر، فإن بيعها لا يصحّ لمّا كان ملكها لا يصحّ، وملكها إنّما لم يصحّ لأنّ الانتفاع بسائر منافعها لا يجوز لتحريمه.
وقد نبّه - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى بأحسن تنبيه.
فخرج في الصحيحين أنّه عليه السلام ذكر أنّ الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والدّم والأصنام.
1 فقيل: يا رسول الله، إنّ شحوم الميتة تطلى به السفن ويستصبح.
فقال: "لا، هو حرام، لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" (1) الحديث المشهور.
فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على أنّ الشّحم لما حرّم على اليهود أكله وهو المقصود، وجب أن يمنع البيع كالمعاوضة عمّا لا ينتفع به، وذلك من أكل المال بالباطل.
وقد ورد في الكتاب والسنّة النّهي عنه.
وهذا جار على ما أصّلناه وبيّناه في الخمر.
وكذلك ما ذكر معه من الميتة والدّم وغير ذلك مِمّا في معناهما مِمّا ذكر في هذا الحديث.
وفي غيره علّة المنع من بيعه ما نبّهنا عليه من تحريم الانتفاع به، وتحريم الانتفاع به يمنع من تملّكه.
ولا ينقض هذا يكون الإنسان يملك أباه ولا يحلّ له استخدامه والانتفاع به في مثل هذا المعنى، ثمّ لم يكن المنع من الانتفاع به يحيل صحّة ملكه لأنّ الأب يُملك بالشّراء.
ولولا أنّه يملك بالشّراء لما عَتَق على ولده.
فقد صحّ ها هنا الملك مع تحريم الانتفاع بالمملوك.
لأنّ هذا إنّما أبحنا شراءه، وإن كان لا ينتفع به، وجعلناه مملوكًا بالشّراء، لأنّه قد تضمّن فعل قربة لله سبحانه وهو برّ الوالدين، والقُرَبُ إلى الله سبحانه أعظم المنافع.
فإذا فات ها هنا تصوّر المنفعة بالأب من ناحية الدّنيا، لم يفت تصوّر ذلك من ناحية الآخرة.

فلم ينخرم ما أصّلناه، ولم يُبَح البيع والشّراء إلاّ في منتفع به في الدّنيا والآخرة.
وأمّا ما يصح بيعه وتملّكه فإنّه كلّ ما يجوز الانتفاع بسائر منافعه المقصودة فيه، كالثّوب والدّار والدّابة، وغير ذلك مِمّا في معناه.
فإنّ ما ذكرنا من ثوب ودابّة ودار يصحّ الانتفاع بسائر منافعه المقصودة منه، فلهذا جاز تملّكه وبيعه.
وأمّا ما اختلف حكم منافعه بأن حلّ بعضها وحرّم بعضها، فإنّك تنظر ها هنا، فإن كانت المنفعة المحرّمة مقصودة مرادة في نفسها، والمنفعة المباحة مقصودة مرادة في نفسها، فإنّ هذا القسم يصحّ تملّكه ولا يصحّ بيعه.
أمّا جواز تملّكه وبقائه في اليد، فلأجل حاجة مالكه إلى تلك المباحة فيه.
وأمّا منع بيعه فلأجل أنّ الثّمن المبتذل فيه إنّما بذل عن سائر منافعه من غير تخصيص ولا تعيين.
وإذا كان الأمر هكذا، فقد صار الثّمن مبذولًا عن محرّم ومحلّل، فوجب فسخ العقد وإبطاله كلّه, لأنّ الّذي يقابل المنفعة المحلّلة من الثّمن مجهول حين العقد، والّذي يقابل المنفعة 1 ممنوع فيه البيع والمعاوضة، فبطل الجميع، هذا لكونه ثمنًا لمحرّم، وهذا لكونه ثمنًا مجهولًا عوضًا عن مباح، ومن اشترى ما يحلّ تملّكه وبيعه بثمن مجهول، فإنّ ذلك فاسد لا يجوز.
وقد مضى هذا فيما تقدّم لمّا تكلّمنا على حكمٍ صفتُه 2 جمعت حلالأوحرامًا، كبيع قلّة خلّ وقلّة خمر بثمن واحد في عقد واحد.
لكن قد يقع في هذا الامتزاج إشكال بأن تكون المنفعة المحرّمة لا يتّضح كونها مقصودة في بعض المتملّكات أو المنفعة المباحة.
فيُفرض ها هنا إشكال: هل هذا المقصود عليه الّذي اختلف حكم منافعه يلحق بما حرُم سائر منافعه لمّا كان ما يباح منه يشكل أمره، هل هو غير مقصود في حكم العدم؟ أو يكون هذا الإشك الذي المنفعة المحرّمة، فيلحق بما أبيح سائر منافعه (فيلحق) 3 ها هنا اختلاف في المذاهب، أو يزول بهذا عن طبقة التّحريم إلى الكراهيّة؟ فهذا هو السرّ الّذي من انكشف له وأجراه كما ينبغي

في سائر فروع هذا الباب 1 وصحّ له وجه الاتّفاق أو الاختلاف في المذاهب فيها.
وقد تكلّمنا على هذا في كتابنا المترجم بالمعلم 2.

والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: الأصل في منع بيع النّجاسات ما تقدّم من الحديث المذكور فيه أنّه عليه السلام لمّا نهى عن بيع الميتة قيل له: إنّها تطلى بها السفن ويستصبح بها.
فقال: "لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" الحديث المشهور.
فأشار إلى أنّ ما منع الانتفاع به منع أخذ ثمنه، لمَّا بسطنا وجْه المنع منه فيما تقدّم.
فمن هذا النّوع الزّيت الّذي ماتت فيه فأرة، فإنّه لا يجوز بيعه في المشهور من المذهب.
وأجاز بيعه ابن وهب إذا بيّن.
واشترط غيره في جواز بيعه ألاّ يباع من مسلم.
فإذا عرضت هذه المذاهب على ما تقدّم بيانه من التّعليل، علمت سبب هذا الاختلاف.
وأنت قد علمت أنّ الزّيت أحد منافعه أكله، وهي منفعة مقصودة فيه، وفيه منفعة أخرى وهي وقيد ودهن ما يحتاج فيه إلى ترطيبه أو حفظه بالزّيت.
فأمّا الأكل فإنّه ممنوع منه ما دام نجسًا، لا سيما إذا كانت النجاسة ظاهرة فيه.
وأمّا وقيده في غير المساجد الّتي يحترم 3 أن يوقد فيها النّجاسات، فإنّ المشهور من المذهب جوازه.
وقال ابن الماجشون: لا يجوز ذلك، ولو أجزناه لأجزنا الانتفاع بشحم الميتة.
فأشار إلى الانتفاع بشحمٍ لا يخالَف فيه، ولذلك جعله حجّة على من أجاز الاستصباح.
بشحم 4 الميتة، والانتفاع به يجوز على مقتضى من أجاز الاستصباح بالزّيت النّجس.
ويمكن عندي ألاّ يلزم هذا المذهب ما ألزم عليه شيخنا لكون أجزاء شحم الميتة نجسة كلّها نجاسة ترجع إلى العين، ولا يمكن تطهيرها.
والزّيت النّجس إنّما اجتنب لأن فيه أجزاء يسيرة وهي ما يحلّ فيه من أجزاء ميتة أو غيرها, ولو تميّز هذا النّجس من الأجزاء

الظّاهرة لحلّ الأكل والاستصباح، ولكن منع الجميع لعدم التّمييز الآن، أو لامتناعه على ظاهر الرّوايات.
وإن كان قد روي عن مالك أنّه أجاز استعماله إذا طُهِّر.
وبهذا كان يفتي ابن اللباد، ويستشهد بما وقع لابن القاسم 1 في ما سقطت فيه فأرة أنّ الدّهن الأوّل يستعمل بالماء مرّتين أو ثلاثة (1). فإذا تحقّقت حكم الانتفاع في الأكل وفي الاستصباح، فإنّا إن منعنا الاستصباح به منعنا أكله.
وذهابنا إلى أنّه لا يطهر بالماء اقتضى هذا منع بيعه لكون جملة منافعه المقصودة ممنوع استباحتها, ولا يرجى ذلك منها.
وإن قلنا: إنّ الاستصباح به مباح وهو على حالته، فإنّ البيع أيضًا لا يجوز لكون منفعة مقصودة فيه محرّمة وهي الأكل.
وقد تقدّم بيان علّة المنع من هذا الوجه.
وإن قلنا مع هذا: إنّ تطهيره بالماء يميّز منه أجزاءَ النجاسة حتّى يعود طاهرًا يجوز الانتفاع به أكلًا واستصباحًا، حسن أن يقال على هذا: إنّ بيعه جائز كما يجوز بيع الثّوب النّجس، وإن كان لا يصلّى به، لما أمكن زوال السبب المانع من الصّلاة به بإزالته نجاسته بالتّطهير.
وقد يعترض على هذا بأنّ الخمر لا يجوز بيعها، وإن قلنا: إنّها إذا تخلّلت جاز شربها, لما أشرنا إليه من كون الخمر جميع أجزائها نجسة العين، فتكون المعاوضة عليها معاوضة عمّا جميعه نجس حرام، والمعاوضة على الزّيت النّجس معاوضة عمّا أكثر أجزائه حلال، ويمكن تمييز الأجزاء النّجسة منه من غير تغيير أعيان، بخلاف الخمر الّتي جميع أجزائها نجسة، والتّحليل إنّما يكون بالتّخليل وهو أيضًا لا يباح ابتداء، ولكنّه إن فعل، جاز شربها على أحد القولين.
وعلى هذا الأسلوب يجري الانتفاع بالماء الّذي غلبت عليه النجاسة، فإنّ

شربه ممنوع، والانتفاع به جائز على أحد القولين.
فأجاز في المدوّنة أن يعلف العسل النّجس للنّحل.
وأجاز أيضًا ما في جباب انطابلس 1 إذا سقطت فيه دابّة، أن يسقي المواشي.
ولكنّه لم يذكر كون نجاسة هذه الدّابّة غلبت على الماء.
وقيل: لا يطعم ما عجن به لداجن ولا لكافر، وأجراه مجرى الميتة.
وقيل: يقصر هذا المنع على تغذية حيوان يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه، لكون ما يؤكل لحمه قد يستباح بالتّذكية فيؤكل وقد خالط لحمه شيء من الأجزاء النّجسة، بخلاف سقي الشّجر به والزّرع، لكون هذه الأجزاء النّجسة استحالت، وكأنّها انعدمت في الزرع والشّجر إذا صار الزّرع حبًّا وأثمر الشجّر.
وأنت إذا أجريت هذه الرّوايات على أسلوب واحد، علمت أنّ الانتفاع بالنّجس مختلف فيه في المذهب على قولين.
وقد 2 أشار إلى التّفرقة بين الحيوان المأكول وما لا يؤكل، فإنّما ذلك لمعنى آخر وهو كون تغذية ما يؤكل لحمه بذلك يقتضي إباحة أكل النّجس أو شربه.
وقد وقع في الحديث الّذي تقدّم ذكره أنّه عليه السلام لمّا قيل له في شحوم الميتة: إنها تطلى بها السفن ويستصبح بها النّاس، فقال: "لا، هو حرام".
وقد ذكرنا في كتابنا المعلم ما المراد بقوله: "لا، هو حرام" هل هو البيع، الّذي ذكره في صدر الحديث، وما اعتذر له به من الحاجة إلى استعماله مباح 3، ولكنّه ليس بعذر في جواز البيع؟ أو المراد بقوله: لا، هو حرام، الاستصباح بذلك وطلي السفن.

والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا جلود الميتة، فإنّ الانتفاع بها قبل الدّباغ ممنوع عندنا لكونها نجسة.
والنّجَس لا ينتفع به على حسب ما قدّمناه.
وأمّا حكمها إذا دبغت، فإنّ المذهب على قولين: هل تطهير بالدّباغ طهارة كاملة فإن بيعها جائز لإباحة جملة منافعها.
وإن قلنا: إنّها لا تطهير

بالدّباغ طهارة كاملة فإنّا لا نجيز بيعها لكون بعض منافعها لا تباح وإن دبغت.
وقد تقدّم كون حكم الشّيء، مختلفًا أحكام منافعه منها محلّل ومنها محرّم، هل يجوز بيعه أم لا؟ واتّقى مالك استعمالها في المائعات دون اليابسات الّتي يؤمن أن تميّع شيئًا من أجزاء الجلد.
ولكنّه لم يحرّم هذا، بل أشار إلى إباحة الانتفاع باستعمالها وعاء للجمادات وللمائع، ولكنّه استثقل المائع تورّعًا واحتياطًا.
وقد تكلّمنا على حسب هذا الاختلاف في كتابنا المعلم وعلى جملة مذاهب النّاس فيه وما ورد من الأحاديث.
وخرّجنا ذلك على أصول الفقه وشواهد الأصول.
وذكرناه أيضًا في شرح التّلقين بما يغني عن إعادته ها هنا.
ونبّهنا على ما وقع من اختلاف الرّواة في جلد الشّاة الّتي ماتت، وإباحته أن ينتفع 1 قولًا مطلقًا.
وتقييد هذا القول في رواية أخرى بقوله: ألا أخذوه فدبغوه وانتفعوا به.
لكن إذا قلنا ها هنا إنّه نجس قبل الدّباغ وأنّه يطهَر بالدّباغ، فهل يباع قبل الدّباغ لكونه يمكن فيه كون فعلٍ مّا يصيّره طاهرًا، كما قلنا في الزّيت النجس؟ أو لا يسوغ ذلك لما أشرنا إليه من الفرق بين بيع الخمر قبل أن يخلّل وبين بيع الزّيت النجس؟ فإذا قلنا: إنّ الدّباغ يصيّره طاهرًا، ونجاسته ليست راجعة لعينه لكن أجزاء تخلّلت الجلد تذهب بالدّباغ، فإنّ هذا يوجب إلحاقه بالزّيت النّجس.
وقد أشرنا في كتاب المعلم وغيره إلى علّة كون الدّباغ يصيّره طاهرًا لكونه حافظًا له من الفساد كما تحفظ الحياة من الفساد.
وأمّا عظام الميتة، فإنّه قد اختلف في الإدِّهان بدهن وضع في أنياب الفيل، على أنّ النّاب من الفيل ليس كالعظام الباطنة، وإنّما هو كقرن مقلوب، واختلف في قرون الميتة وأظلافها، فقيل: إنّ ذلك نجس.
وقيل: أمّا ما قطع منها وهي حيّة وكان لا يؤلمها، فإنّه طاهر، سواء أخذ في حياتها أو مماتها.
وعلى هذا يجري حكم الأظفار.
وقد أوعبنا الكلام على عظام الميتة فيما تقدّم من هذا الكتاب في موضعه الّذي يليق به.
وقد ذكر في المدوّنة من كتاب البيوع الفاسدة أنّه لا يوقد عظم الميتة تحت قدر فيها ما يستعمل لوضوء أو عجين.
وقال بعض الأشياخ: إنّ ذلك إذا فعل لا

يوجب نجاسة الماء الّذي سخن بها ولا نجاسة الطّعام الّذي طبخت به، إذا لم يوضع الطّعام على عظام الميتة وضعًا 1 وقدت العظام فتصاعد دخانها.
ورأى بعض أشياخي أنّ هذا الدّخان إذا انعكس إلى الطّعام أو الماء نجّسه.
وهذا الاختلاف من هؤلاء المتأخّرين يلتفت فيه إلى النّظر في استحالة أعيان الجواهر النّجسة حتّى ينتقل اسمها وهيئتها، هل يرفع حكم النجاسة أم لا؟ وهذا أيضًا بسطناه في موضعه.
وقد قال في المدوّنة في كتاب البيوع الفاسدة أيضًا: إذا أوقدت عظام الميتة على الجير والقدور، فإنّه لا بأس 2 بذلك.
فقال بعض: إنّما مراده أنّ ذلك لا يكون نجسًا، ولم يرد إباحة هذا الفعل ابتداء, لأنّ نقل الميتة وحيازتها على جهة التملّك لها منهيّ عنه.
كما قال ابن الموّاز: إنّ عظام الميتة يجوز أن ينقل الرّجل كلابه إليها لتأكل منها, ولا ينقل الميتة إلى كلابه.
ورأى أنّ نقل الميتة إلى كلابه حيازة للميتة على جهة التملّك.
فكذا ينبغي أن ينهى هذا عن نقل هذه العظام ليوقد بها على جير أو قدور.
وبعض أشياخي يحمل ذلك على ظاهره وأنّه يقتضي جواز الفعل.
وقد اختلف الشيخ أبو الحسن بن القابسي والشيخ أبو القاسم بن شبلون في قدر طبخت بعظام ميتة.
فقال الشّيخ أبو الحسن: لا يطهّرها الغسل بالماء، وإذا لم يطهّرها ذلك، فإنّها لا يطبخ فيها.
وقال أبو القاسم بن شبلون: بل تطهير بالماء إذا غسلت كما ينبغي.
واستشهد بجواز أكل ما يطبخ في قدور المجوس إذا غسلت وهم يطبخون فيها الميتة.
وانفصل عن هذا بأنّ قدور المجوس إنّما نجست لأجل ما يطبخ فيها من ميتة، فكذلك تطهير بالماء المطبوخ فيها.
والقدور الّتي أوقد على طبخها عظام الميتة نجست نجاسة باطنة لا يزيلها الماء.
وقد ذكر الطّحاوي في كتاب مسائل الخلاف له عن مالك أنّه رأى أنّ ما طبخ بعظام الميتة من الطّين حتّى صار قدرًا لا يطهر بالماء.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: ذكر في المدوّنة ابن القاسم أنّه لم

يسمع من مالك في جواز بيع الزّبل شيئًا، ولكنّه سمع منه أنّه كره بيع العذرة لنجاستها.
قال: كذلك ينبغي أن يكره بيع الزّبل لنجاسته، وأنا لا أرى ببيعه بأسًا.
فساوى ابن القاسم في إلزامه مالكًا ما بين حكم العذرة والزّبل، فمقتضى هذا جواز بيعها عنده، والنّهي عنه على رأي مالك.
وقد قيل في الزّبل: المشتري أعذر فيه من البائع، وأمّا العذرة فلا خير فيها.
وقيل أيضًا: إنّ المشتري العذرة أعذر من البائع.
وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه واحدًا منهما وهما سيّان في الإثم.
وقد قدّمنا لك ما تعلم منه سبب هذا الاختلاف.
لكن عرض في هذا ضرورة، وهي حاجة النّاس للتّسميد لبقولهم لأنّها محتاجة إلى التّسميد بالعذرة أو روث الدّواب.
وهذه الضّرورة تبيح المحظور وتنقل الأحكام.
فحرّم ابن عبد الحكم البيع لأجل كون هذه نجسة، والنّجس لا يباع كما قدّمناه لمّا ذكرنا الحديث الوارد في مثل هذا.
ورأى ابن القاسم أنّ هذه الضّرورة تبيح المحظور.
وأشير في بعض الرّوايات إلى أنّ الزّبل أخفّ في هذا من العذرة، لكون العذرة متّفق على نجاستها.
وفرق في العذرة بين البائع والمشتري.
لكون المشتري لا مندوحة له عن الشّراء، وكون البائع يمكنه بذل ذلك بغير عوض.
فالضّرورة متحقّقة في حقّ المشتري، وغير متحقّقة في غير 1 البائع.
وقد كره ابن عمر أكل البقل الّذي ينبت بهذا.
ذكر عنه ابن الموّاز، وقال: وأنا لا أرى بأكله بأسًا.
فكأن ابن عمر لا يرى استحالة عين النجاسة مؤثّرًا.
وهذا الّذي ذكرناه في هذه المسئلة مأخوذ حكمه وتعليله مِمّا قدّمناه وأصّلناه فيما قبل.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: الشّعر كأنّه متكوّن عن أبخرة وغيرها مِمّا ينبعث من البدن على رأي صناعة أهل الطّبّ.
وقد اختلف العلماء في طهارة شعر الميتة.
فقال مالك إنّه طاهر.
وقال الشّافعي: إنّه نجس.
وسبب هذا الخلاف ما قدّمناه مرارًا من كون ما كانت به حياة ثمّ ذهبت بأمر إلهي، فإنّها به ميتة، وما لم تخلق فيه حياة قطّ، فلا يقال: إنّه ميتة، في عرف التّخاطب،

ولكنّه جماد أو موات.
فإن سلّمنا أنّ الشّعر كان حيًّا أيّام حياة ذي الشّعر، ثمّ مات ذو الشّعر، فإنّ الشّعر يموت بموته، وإذا مات وذهبت منه الحياة وتعقبّها الموت، كان ميتة.
والميتة ليست بطاهرة، ويستدلّ على كونه حيًّا بنمائه وزيادة أجزائه، على حسب ما تنمي أجزاء بدن الحيوان الحيّة كسائر أعضائه وغيرها.
وإن قلنا: إنّه لم تخلق فيه حياة قطّ، فإنّه لا يكون ميتة بموت ذي الشّعر، لما قدّمنا من كون هذه التّسمية إنّما يراد بها ما كان حيًّا فمات حتف أنفه.
ويستدلّ لهذا المذهب بكونه لا يحسّ الألم، ولا يحسه ذو الشّعر إذا قصّ ذلك عنه.
وإنّما يستدلّ على وجود الحياة أو فقدها بإحساس الألم أو فقده, لأنّ الإحساس للأم أو اللّذّة إنّما تكون في الحسّاس الدّارك، ولا يكون حسّاسًا درّاكًا من الحيوان إلاّ وله إدراك وحياة، فإذا لم تدرك الآلام ولا اللّذّات، فقد فَقَد الحسّ والإدراك، وذلك يشعر بكونه جمادًا أو مواتًا، إذا لم توجد آفة منعت من الإدراك، فإذا ذهبت عاد الحسّ والإدراك إلى ما كانا عليه.
والاستدلال على الحياة بوجدان الحسّ والألم أولى من الاستدلال بالنّماء وانبساط الجسم في الجهات, لأنّ النّبات ينمي ويزيد، ثمّ ليس هو بحي.
وشعر الخنزير يجري مجرى شعر الميتة من الحيوان الّذي يحلّ أكله.
لكن أصبغ خالف في هذا، ورأى أنّ شعر الخنزير نجس على كلّ حال حيًّا أو ميّتًا، كما كان الخنزير نجسًا حيًّا وميّتًا.
بخلاف الشّاة والبقرة فإنّ أعيانهما طاهرة حال الحياة، فكذلك شعورهما بعد الموت لكونها غير مشاركة في الحياة.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: المسك طاهر عند جمهور العلماء.
وشذّ قوم، فقال وابن جاسته.
وكأنّهم قدّروه كفضلة انبعثت من جسم الغزال الّذي يؤخذ منها المسك، حتّى صارت كعضو منها 1 تلحق فيه الحياة، ثمّ تخلق 2 فيه الموت إذا فارق الجسم الّذي أخذ منه وانفصل عنه، عاد كإصبع قطع من

الحيوان، فإنّه يكون نجسًا لكون حياته عدمت من غير تذكية.
وأمّا الجمهور الذّاهبون إلى طهارته، فإنّهم يشيرون إلى حصول الاتّفاق على استعماله والتطيّب به في زمن السلف حتّى صار كالإجماع.
وقد أشار البخاري إلى الاستدلال على جواز بيعه بحديث أبي موسى أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحديد لا يعدمك من صاحب المسك إمّا تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحدّاد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد ريحًا خبيثة" 1. فأشار البخاري إلى الاستدلال بقوله: "إمّا تشتريه".
وظاهر هذا إباحة الشّراء، ولو كان نجسًا لم يبع ولم يشتر، على حسب ما أصّلناه في منع بيع النّجاسات الّتي لم تضطرّ ضرورة إلى إباحة بيعها.
كما لم يجز بيع الخمر لنجاستها وكونها لا ضرورة بالإنسان إلى الانتفاع بها، بل يضرّه الانتفاع بها لكونها تصدّ عن ذكر الله في حقّ الصّلاة، كما قال سبحانه.
وقد ذكر أيضًا في الصّحيح دم الشّهداء وشبهه بالمسك في طيب رائحته 2. وهذا يشعر بطهارته لكون الحديث ساقته 3 تدلّ على المدحة والثّناء.
وأيضًا فإنّا لو سلّمنا أنّه نجس وأنّه من دم الغزلان الّتي يؤخذ منها المسك، كما أشار إليه المتنبّي في قوله يمدح سيف الدّولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال فإنّه قد استحال عن كونه دمأوتبدّلت أعراضه وصفاته.
وقد قدّمنا أنّ تبدّل الصفات وتغيّر الأسماء والأشكال للأجسام تقتضي تبدّل الأحكام في النجاسة.
وهذا إذا سلّمنا كون المسك كلّه صفة واحدة.
ويمكن أن يكون يؤخذ منه ذلك بعد التذكية المبيحة لأكله فيكون هذا المقدار من جنسه طاهرًا أيضًا.
ويمكن أيضًا أن يكون يؤخذ منه ولا يؤلمه، وليس الطّريقين اللذين ذكرناهما.
وقد وقع اضطراب في الطّرطر الّذي يشبّب به الصوف إذا صبغ باللّكّ 4، هل

يجوز أم لا؟ فإن قدّرنا أنّه ليس بنجس لأنّه استحال عن كونه خمرًا استحالة غيّرت اسمه وصفاته لكونه يابسًا والخمر مائعة، ولكون الخمر يسكر وهو لا يسكر، لم نقل بنجاسته.
وإن قلنا: إنّه بعض أجزائه 1 الخمر الكثيفة والجواهر الغليظة المعتصرة من الأعناب وإنّه أحد أجزاء الخمر الّتي غلت ونشّت، والاستحالة لا تنقله عن حكم النجاسة، قضين ابن جاسته ونظرنا في تصوّر الحاجة إلى إجازة بيعه.
فإن تصوّر في ذلك ما تصوّر في بيع الرّجيع والأزبال، جرى الأمر فيه على ما قدّمناه فيها.
وقد اختلف عندنا في عرق السكران، هل هو نجس أو طاهر؟ فقيل بطهارته, لأنّا، وإن قدّرناه دفعته القوّة الطبيعيّة من أجزاء الخمر المشروبة، فما دفعته إلى صحن الجسم إلاَّ وقد استحال وتبدّلت صفاته لمّا كان خمرًا.

والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: اختلف المذهب في جواز بيع الكلب المباح اقتناؤه على قولين.
وسبب هذا الاختلاف فيما مضى التّنبيه عليه لمّا ذكرنا كون جواز البيع متعلّقًا بجواز الانتفاع.
فالكلب الّذي لا ينتفع به منفعة مأذونًا فيها لا يجوز بيعه، لما قدّمناه من كون إجازة بيعه إجازة لأكل المال بالباطل.
والّذي أذن في الانتفاع به قد تقرّر من جملة منافعه أكله.
وأكله منهيّ عنه لأنّه داخل في ظاهر قوله: أكل كلّ ذي ناب من السباع 2. ومن منافعه المباحة الاصطياد به وحراسته الزّرع والضّرع.
وأمّا حراسة الدّيار وما فيها من الأموال، فإنّ ذلك مِمّا اختلف النّاس فيه.
فمنهم من ذهب إلى إباحة ذلك قياسًا على حراسته الزّرع والضّرع.
ومنهم من منع ذلك لأنّه عليه السلام قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" 3. فحصر هذا الذم بالبيوت الّتي فيها الكلاب.
والزّرع والضّرع إنّما يكون غالبًا في الفيافي والقفار الغير مسكونة، فلا يصحّ قياس حراسة البيوت على حراسة الزّرع والضّرع لما ذكرناه.
على أنّه يمكن أن

يقال: إنّ الغنم المحروسة بالكلاب في الفيافي والقفار ربّما باتت في المداين في ديار أربابها.
وإِذْن الشّرع في اتّخاذ الكلب لحراسة الزّرع وقع مطلقًا لم يفرّق فيه بين نهار ولا ليل ولا مكان.
وقد رأيت بعض أصحابنا البغداديين يحتجّ للقول بالمنع من اتّخاذ الكلب حارسًا للدّيار بأنّه قد يطرق الدّار الضيفان والزوّار فيروّعهم وقد يؤذيهم.
وأيضًا فإنّه لا يباح تسليط الكلب عليه ولا يعلم مبلغ أذاه له وقد يؤدّي إلى تلاف 1. ورأيت في بعض التّعاليق عن أشياخ القرويين تنازعًا فيه.
وقد اختلف النّاس أيضًا فيما أبيح اتّخاذه لصيد أو لحراسة ضرع أو زرع، هل من شرط الإباحة حصول الزّرع والضّرع أو إمكان الاصطياد والعزم عليه، أو يجوز ذلك وإن لم يكن عند، متّخذه زرع ولا ضرع ولكنّه إنّما اقتناه لأجل كونه قد يكسب ذلك ويحتاج إليه؟ فإذا تقرّر ما يجوز من الانتفاع بالكلب وما لا يجوز، وكانت منافعه منها مقصود محرّم ومنها مقصود محلّل، وجب المنع من البيع، لأجل ما قدّمناه فيما سلف.
ولا يلزم إذا أُلزِم قاتلُه القيمةَ أن يجوَّز البيع، لأنّ البيع معاوضة عن جملة منافع منها محلّل ومحرّم، ومقدار ما ينوب كلّ واحد من الثّمن لا يتميّز، والتّقويم إنّما يكون مبنيًّا على ما يقابل ما أتلف عليه مِمّا يصحّ له ملكه والانتفاع به.
وإلزام القيمة وهي مجهولة قبل النّظر فيها لا أصل له في المنع كما يلزم من أتلف ثوبًا قيمته، وبعد إلزامه ذلك ينظر في مقدارها.

والجواب عن السؤال التّاسع أن يقال: أمّا الصّور فممنوع بيعها، وممنوع إنشاؤها لما ورد من الأخبار في وعيد المصوّرين بعذاب، على حسب ما وقع في الأخبار.
وهذا على مذهبنا فيما سوى الأرقام الّتي يحاكى بها الصّور وهي تمتهن، على حسب ما ذكره في المدوّنة، وما ورد به الحديث المستثنى فيه الثيّاب الّتي ترقم 2. وإذا ثبت منع التّصوير واستعماله، منع البيع لكونه معاوضة على ما لا ينتفع به.

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: قد تكلّمنا في كتاب الضّحايا على منع بيع جلودها لكونها تذبح على جهة التّقرّب إلى الله سبحانه، وقصدًا لأنْ يكون العوض عنها ثوابَه، فلا يصحّ أن يباح طلب العوض من جهة أخرى مخالفة للجهة الّتي أريقت دماء الأضاحي عليها.
وكان الأصل منع أكل لحومها ومنع أكل لحوم الهدايا لكونها قصد بها وجه الله تعالى واتّخاذها قربة إليه ولا يرجع فيما تقرّب به.
لكنّ الشّرع أن في أكل اللّحوم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ 1. وإذا جرى هذا مجرى التّرخيص لم يخرج بالرّخصة عمّا وجد فيها.
وهذا مبسوط في كتاب الضّحايا.

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: أمّا الماء فقد اختلف في بيعه العلماء.
وقد وقع في الآثار النّهي عن بيعه مطلقًا.
وفي بعضها أنّه نهى عن بيع فضل الماء 2. والانتفاع بالماء مباح وليس فيه منفعة مقصودة محرّمة، فكان الأصل جواز بيعه لكون سائر منافعه محلّلة، ولهذا أجزنا بيع ما في دار الإنسان من ماء في ماجل أو في بئر قد احتفره لحاجته إليه واختزن فيه الماء لشربه وطهوره، فتسوغ له المعاوضة عن هذه المنافع المباح جميعها.
وإنّما يمنع بيع فضل الماء لكون منبع هذا الماء بالحفر وغير ذلك إذا قصد به تحبيس 3 ما زاد على مقدار حاجته إليه على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال: قد تقرّر أنّ ما حرّمت منافعه حرّم بيعه.
فكذلك ما أدّى إلى الوقوع في التّحريم، مثل أن يبيع عنبًا مِمّن يعصره خمرًا، فإنّ العنب مباح الانتفاع به، فجاز لهذا بيعه، فإذا صار خمرًا حرم شرب الخمر.
فإذا باعه مِمّن يصنعه خمرًا لشربه، صار معينًا على ما لا يحلّ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ 4. وكذلك بيع ثوب

الحرير مِمّن يلبسه.
وألحق بعض الأشياخ شراء بعض الصقالبة، فقال: إن كان الشّراء لم يحمل النّاس على خصاهم لكونهم يثمنون في ذلك منع من شرائهم.
وإن كان شراؤهم لا يحمل على خصاهم، ولا يكون باعثًا لأرباب العبيد على خصاهم ولا داعيًا لهم إلى ذلك جاز شراؤهم.
وهذا الّذي قال ينبغي أن يقيّد يكون المخصي لهم لا يعتقون عليه لأجل ما فعل مِمّا لا يحلّ له.
وقد اختلف المذهب عندنا في النّصراني إذا أخصى عبده، هل يعتق عليه أم لا؟ فإذا وجب عتق من صار خصيًّا لجناية سيّده عليه، وقضي عليه بذلك، لم يجز الشّراء، كما لا يجوز شراء الأحرار.
وبيع السلاح مِمّن يقاتل بها من لا يحلّ قتاله لا يجوز أيضًا لكون ذلك معونة على ما لا يحلّ، كما قلناه في بيع العنب مِمّن يتّخذه خمرًا إلى غير ذلك مِمّا في معناه.

فصل آخر

يتعلّق بما ذكره القاضي عبد الوهاب ها هنا وهو قوله: كلّ بيع فالأصل فيه الجواز، إلاّ ما تعلّق به ضرب من ضروب المنع.

قال الشّيخ رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل ينقل البيع الفاسد الملك أم لا؟ 2 - وما سبب الاختلاف في ذلك؟ 3 - وهل ينقل الضّمانَ العقدُ الفاسد؟ 4 - وما الّذي يفيت البيع الفاسد 1؟.

فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: اختلف النّاس في البيع الفاسد، هل ينقل الملك أو لا ينقله؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنّه ينقل الملك إذا اتصل به القبض وذهب الشافعي إلى أنه لا ينقل الملك ولو اتّصل به القبض.
وبعض أصحابنا يحكي أنّ مذهب مالك أنّه لا ينقل الملك، ولكن نقل شبهة الملك.
إلى هذا يشير بعض البغداديين من أصحابنا.
وقال بعض أشياخ القرويين: إنّ مذهب مالك أنّه لم 2 ينقل الملك.
وعوّل في هذا على قوله في المدوّنة 3 في كتاب الحبس والصدقة.
فيمن باع بيعًا فاسدًا ثمّ وهب المبيع قبل أن يفوت في يد المشتري، فذكر التّعليل بأن قال: بأنّ البيع ها هنا إذا نقض عاد الملك إلى البائع الأوّل فنفذت الهبة، ولو كانت الهبة بعد الفوت لم تنفذ.
فاعتمد على قوله: إنّ

البيع إذا نقض لفساده عاد على الملك الأوّل، ورأى أنّه لو نقل الملك، لم يعد على الملك الأوّل، بل يكون ملكًا مستأنفًا.
وهذا الّذي قال قد يقتضي ظاهره صحّة ما تعلّق به هذا من كون اللّفظ يقتضي كون البيع الفاسد لم ينقل الملك.
لكنّه قد يتأوّل فيه: إنّما أراد: الملك انتقل، ولكنّه انتقل عن هذا الانتقال بفسخ هذا العقد.
كما يقال: إنّ المبيع المعيب قد انتقل الملك فيه للمشتري، ولكنّه إذا ردّ بالعيب، كان ردّه بالعيب حل 1 للبيع من أصله على أحد القولين.
وهذا وإن صح تأويله لأنّه 2 الأظهر فيه ما قاله بعض الأشياخ.
لكن قد ظهر لي لفظ آخر قد وقع في المدوّنة ربّما كان التعلّق به في عكس هذا الحدّ.
وذلك أنّه قال في كتاب العتق فيمن قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك، فأنت حرّ.
فاشتراه أو ملكه: إنّه يعتق عليه إذا اشتراه شراء فاسدًا.
فلو كان الشّراء الفاسد لا ينقل الملك، لم يعتق عليه، لعدم الشّرط الّذي علق به العتق، وهو: لو صحّ ملكه بشراء صحيح.
ولكن لو علق اليمين بشرط غير هذا فقال: إن اشتريتك فضربتك فأنت حرّ، فإنّه لا يعتق عليه إذا اشتراه ولم يضرِبْه.
فكذلك إذا قال: إن ملكتك فأنت حرّ.
فاشتراه شراء لا يملكه به، فإنّه لا يعتق عليه لعدم الشّرط الّذي علق به العتق.
فإن سلّمنا التعلّق بما في كتاب الحبس والصدقة، كان المذهبان المذكوران عن أبي حنيفة والشّافعي موجودين عند نافي المذهب.

والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: ما سبب الاختلاف في كون البيع الفاسد ينقل الملك؟ فإنّ له تعلّقًا بمسئلة أصولية هو كون النّهي دالاّ على فساد المنهيّ عنه ونقضه وكونه مرفوعًا من أصله، قولًا على الإطلاق، وهو أصل الشّافعيّة.
وأصل الحنفيّة تسليم هذا إذا كان النّهي يعود إلى نفس المنهيّ عنه.
فأمّا إن كان يعود إلى معنى غيره 3، ولكنّه.
متّصل به، فإنّه لا يصير المنهيّ عنه مرفوعًا كأنّه لم يكن.
ولكنّه، وإن لم يرفع الأصل، رفع بعض أوصافه الشّرعيّة.

وأمّا إن لم يكن النّهي راجعًا إلى نفس المنهيّ عنه، ولا إلى معنى متّصل به حتّى يصير كحرمته، فإنّه لا يرفع الفعل من أصله ولا وصفه الشّرعي المختصّ به.
فهذه ثلاثة أقسام: مثال الأوّل منها، وهو ما يعود إلى عين المنهيّ عنه، بيع سلعة دم 1 أو ميْتة، فإنّ ذلك منهيّ عنه.
وهذا النّهي لمّا رجع إلى العين أبطل العقد من أصله، ورفعه حتّى لا يصحّ الملك به.
ومثال الثّاني إذا باع بخمر أو خنزير، فإنّ الخمر والخنزير فيهما معنى الماليّة، ولكنّهما لا يتقوّمان في الشّريعة، ولا قيمة على المسلم إذا أتلفهما على مسلم.
وكأن كونهما مِمّا يتقوّمان وصف زايد على المعنى الذّاتي وهو الماليّة، فإذا بيعت بهما سلعة انتقل بهذا العقد ملك السلعة، وبطل العقد فيهما، وصار كالثّمن المستحقّ، فإنّ استحقاقه لا يمنع من كون السلعة المستحقّ ثمنها انتقل الملك فيها, ولكن منع النّهي وصفًا من أوصاف هذا العقد وهو الصحّة والجواز، ولم يمنع ما يعود إلى ذاته وهو كون حقيقة البيع المعاوضة عن مال بمال.
ومثال الثّالث: بيع وقت الجمعة، فإنّه لا يمنع عندهم انعقاد البيع ولا صحّته, لأنّ النّهي لم يعد إلى عين المبيع ولا إلى معنى متّصل به، وإنّما عاد إلى معنى منفصل عن العقد وهو الاشتغال عن صلاة الجمعة، حتّى لو باع في طريقه إلى الجمعة ولم يشغله البيع عنها، فإنّه لا يمنع من ذلك.
ولو اشتغل بغير البيع من المباحات لمنع من ذلك.
فلم يؤثّر هذا النّهي في صحّة العقد، كما لم يؤثّر النّهي عن الصّلاة في الدّار المغصوبة في إجزائها, لكون النّهي تعلّق بمنع اشتغال الغير بأن يشتغل كلّ صلاة أو غيرها 2. وأيضًا فإنّ أصل البيع الجواز

لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 1. وما نهي عنه إنّما يتعلّق بحاصل موجود يكون إيجابه باكتساب، وكفّه عن ذلك باكتسابه.
فلو كان العقد لا ينقل الملك لما تصوّر الملك، وإذا لم يتصوّر عنه وهو منهيّ عنه، صار النّهي كالمتعلّق بما لا يمكن، وذلك مِمّا لا يحسن النّهي عنه، كما لا يحسن أن يقال للأعمى: لا تر كذا, ولا تقرأْ كذا.
فإذا أشعر تعلّق النّهي يكون المنهيّ عنه يمكن إيقاعه، ولا يمكن إيقاع البيع الفاسد إلاّ بأن يتصوّر فيه انتقال الملك، وهذا يقتضي كون البيع الفاسد ينقل الملك ما لم يقع بميْتة أو دم، لكون ذلك مِمّا لا تتصوّر فيه حقيقة الماليّة.
والبيع لا يتصوّر فيه حقيقة إلاَّ محلّ 2، والمحلّ لا بدّ أن يكون له حقيقة الماليّة، وعاقد له حقيقة الأهليّة، وهو العاقل المميّز الّذي يكون أهلًا للبيع.
بخلاف العقد بخمر أو خنزير، فإنّ له حقيقة الماليّة، ولكن فقد وصفا شرعيّأوهو كونه مِمّا يقوّم.
وكان مقتضى هذا التّقسيم والتّركيب أن ينقل الملك بمجرّد العقد، لكن لمّا ضعف العقد يكون الشّرع سلبه وصف الجواز والصحّة، احتاج هذا الضّعيف إلى ما يقوّيه حتّى يحصل انتقال الملك وما ذاك إلاَّ القبض.
ألا ترى أنّ الهبة لمّا ضعف القول فيها, لم ينقل مجرّده الملك حتّى احتاج إلى ما يقوّي هذا الضعف وهو القبض، ولم يلزم هذا في عقد نكاح وقع على فساد, لأنّ العقد في الأنكحة له حرمة، بخلاف حرمة البيع، قوي من أجلها، فاستغنى عمّا يقوّيه في نقل الملك، وجرى مجرى الوطء في النّكاح الفاسد الّذي ينقل الملك.
وأيضًا فإنّ العقد الفاسد يسلبه النّهي وصف الحلّ والجواز، وحقيقة النّكاح أن يكون حلالًا.
ومن آكد ما يستدلّ به الكتابة الفاسدة، فإنّها يثبت معها العتق عندهم وعند الشّافعيّة.
وأجيبوا عن هذا بأنّ اتّفاقهم عليها إنّما كان لأجل حرمة العتق، ألا ترى أن من أعتق جزء عبد عتق عليه ما لا يملكه منه تغليبًا لحرمة العتق.
بخلاف أن يبيع نصيبه منه.
وأيضًا فإنّ الكتابة كأنّها عتق معلّق بصفة، والتّعليق بالصّفة ينفذ فيه العتق سواء كانت

الصفة جائزة، كقوله: إن دخلت الدّ فأنت حرّ، أو ممنوعة كقوله: إن قتلت مسلمًا فأنت حرّ.
وأمّا الشّافعيّة، فإنّها ترى أنّ النّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه وارتفاعه، سواء كان النّهي يعود لعين المنهيّ عنه أو لمعنى متّصل بها.
لأنّ ما اتّصل بها وكان لازمًا لها فإنّه يكون كالرّافع 1 إلى العين، فلا معنى لهذه التّفرقة.
وأيضًا فإنّ القبض من مقتضى العقد، وهو تابع للعقد، فإذا لم يحصل الملك والضّمان بمجرّد العقد الّذي هو الأصل، فأحرى ألاّ يحصل بما يتبعه وهو متفرّع عنه وهو القبض.
ويرون أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 2 على حسب ما قدّمنا نحن ذكر اختلافهم فيه.
وقد تقرّر في الشّريعة أنّ ما نهى الله عنه ورسوله غير مأذون فيه، وهو مردود.
ولا يصحّ الجمع بين كونه منهيًّا عن مباشرته وفعله وبين كونه منعقدًا منبرمًا ناقلًا للملك, لأنّ هذا يصير كالمتناقض من الأحكام.
وقد يتعلّق في هذه المسئلة بحديث بريدة 3 وهو كون اشتراط الولاء للبائع لا يجوز.
ثمّ مع هذا قال لها عليه السلام: "اشتري واشترطي لهم الولاء فإنّ الولاء لمن أعتق" (3). فإنفاذ عتقها يدلّ على صحّة ملكها، وكون هذا العقد نقل الملك إليها.
وهذا الاستدلال إنّما يصحّ لو قلنا: إنّ عقدها كان فاسدًا، وأنّهم اشترطت لهم الولاء حين العقد.
وهذا لا يصحّ أن يضاف إليها، وهي قد فعلت ما فعلته بعد مشاورة النبيّ عليه السلام.
وقد قيل: معنى: اشترطي لهم الولاء اشترطي عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 4 يعني فعليها.
وقيل: إنّ هذا مِمّا خصّت به عائشة رضي الله عنها، فأجيز لها فعل ذلك ليكون فسخ الشّرط، والزّجر عنه بالفعل والقول والبيان لجميع النّاس آكد في المنع

منه.
وقد بسطنا الكلام على هذا الوجه في كتابنا المعلم 1.

والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: مجرّد العقد الفاسد في البياعات لا ينقل ضمانها.
لكن إن أمكن البائع المشتري من القبض، فترك ذلك باختياره، فعندنا فيه قولان: 1 - هل ينقل الضّمان إلى المشتري كما ينقل الضّمان إليه في التّمكين في البيع الصحيح.
ويعَدّ التّمكين كالقبض لمّا ترك المشتري المبيع باختياره وكأنّه أبقاه بعد قبضه في يد بائعه كالوديعة؟ 2 - أو لا ينقل التّمكين ضمانًا لكون الشرع نهى المشتري عن التّمادي على هذا العقد، ونهاه عن قبضه، وأمره بفسخه.
فلا يعدّ تمكين البائع منه كقبض المشتري له لمّا فعل المشتري، من اجتناب القبض، ما أمره به الشّرع.
بخلاف البيع الصحيح، فإنّ الشّرع لم يمنع فيه من القبض منه ولا نهى عنه وصار التّمكين فيه كالقبض.
وأمّا إذا حصل القبض في البيع الفاسد، فإنّ الضّمان ينتقل، ولكنّه عندنا انتقال مقتضية شبهة الملك لا حقيقة الملك، على ما قدّمناه وحكيناه عن بعض أصحابنا، وذكرنا نحن ما فيه عندنا وما قاله غيرنا من الأشياخ.
وقد قال القاضي إسماعيل: إنّ بعض من حدّث يقول: إذا مات العبد المشترى شراء فاسدًا في يد مشتريه، فإنّ ضمانه من البائع، لكون هذا القبض عند هذا كقبض الوديعة الّتي يكون ضمانها من مالكها الّذي أودعها.
وهذا الّذي ذكره خلاف طريقة فقهاء الأمصار، ولهذا أضافه القاضي إسماعيل لبعض من حدّث مشيرًا بهذا القول إلى كون هذا القائل شذّ عن الجماعة.
فأمّا الحنفيّة، فإنّها تراه ضامنًا بالقبض, لأنّ حقيقة البيع حصلت، ولهذا نقلت الملك وحقيقة البيع نقل الملك بعوض، والأصل في العوض المعادلة، والمعادلة إنّما تكون بالقيمة.
لكنّهما إذا تراضيا بتسمية قضي بها إذا كانت جائزة.
فإذا أبطلها الشّرع، رجع إلى الأصل وهو كون القيمة عوضًا من هذا المقبوض.
ولو زادت في المقبوض زوائد متّصلة به لردّت معه عندهم لكونها

بيعًا للعين التّي زيدت، وحكم التّابع حكم المتبوع.
وأمّا الشّافعيّة، فإنّها لمّا صارت إلى أنّ البيع لم ينقل الملك، والمشتري يردّ المبيع، صار في يده كالمغصوب، والغاصب يضمن ما قبضه غصبًا، وكون المشتري قبض بإذن البائع لا يخرجه عن أحكام الغصب، لكون البائع إنّما أَذِن له لاعتقاده أنّه يملك بهذا العقد السلعة، ويتمّ لهما ما تعاقدا عليه.
فإذا ظهر الأمر بخلاف ما اعتقد، صار كالقابض بغير إذن حتّى قالوا على هذا: لو كانت أمة فاستخدمها لردّ إجارة الخدمة، ولو باعها لنقض بيعه، ولو فاتت في يد مشتريها شراء فاسدًا لغرم أغلى قيمتها في الأزمنة التّي كانت في يده كما يغرم الغاصب أغلى القيم.
ونحن نرى أنّه ليس كالغاصب لكون البائع أذن له في القبض والتصرّف، ولا كالمودع لأنّه قبض ما قبضه لمنفعة نفسه فتعلّق به الضّمان.
ولكنّا نعدل بين المشتري والبائع، فنرى أنّ تغيّر الأسواق يمنع من ردّ المبيع، ويوجب أخذ القيم على حكم ما سنبيّنه في أحكام القيم.
وسحنون يجريه مجرى الرّهان إذا كان البيع الفاسد متّفقًا على تحريمه، فيضمن قابض السلعة على عقد فاسد ما يغاب عليه، إلاّ أن تقوم البيّنة بهلاكه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه.
ويُجري الأمر في ذلك على أحكام ضمان الرّهان لمّا لم يقبض المشتري ذلك لمنفعة دافعه خاصّة حتّى يكون مثل الوديعة بل لمنفعة نفسه، فصار شبه الرّهان.
لكن شَرَط أن يكون الفساد والتّحريم واضحًا متّفقًا عليه لأجل أنّ المختلف فيه من ذلك يحسن أن يراعى فيه خلاف من أجازه، فيضمن كضمان البيع الصحيح.
لكن يشترط في هذا القبضُ، لأجل تحريم العقد عند من صار إليه وتقاصره بمجرّده عن نقل الملك حتّى ينضاف إليه القبض على حسب ما قدّمناه.
فتلخّص من هذا أنّ هذا القبض تتصوّر فيه المذاهب المختلفة في إسنادها إلى ما يسند ذلك إليه، هل يمنع من نقل الملك، وإن اتّصل العقد بالقبض،

فيبقى المقبوض على ملك دافعه كالوديعة على حسب ما ذكرناه من حكايته القاضي إسماعيل وإشارته إلى التّنبيه بالوديعة، أو يلحق بالرّهان وإن لم ينقل ذلك القبض الملك لكون القابض ها هنا قبض لمنفعة نفسه، أو يضمن ضمان الغصوب، لأجل ما أشرنا إليه من كونه عند هؤلاء لم ينقل الملك ولا شبهة الملك.
وللإذن في التصرّف لهما وقع بشرط أن يكون البيع نافذًا غير مردود، أو يكون قبض المبيعات الّتي صحّ ملكها بالمعاوضة عليها، كما قال أبو حنيفة، أو شبهة الملك، كما حكيناه عن بعض أصحابنا، وإسناد ذلك إلى المذهب، وحكينا نحن ما عندنا في ذلك مِمّا أسندناه إلى المذهب.

والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: يحسن ها هنا أن نصدر هذا الفصل بتقاسيم تتعلّق بهذا الكتاب فمن ذلك أنّ عقود المعاوضة أربعة: 1 - عقد صحيح منحتم.
2 - وعقد صحيح غير منحتم كعقد الخيار.
3 - وعقد فاسد منحتم فساده، كبيع الغرر وشبهه.
4 - وعقد غير منحتم فساده، كبيوع الشّروط التّي فسد العقد لأجل ما قارنه من الشّرط.
فيجب للمشترط الفسخ إن تمسّك المشترط، وإن سمح بإسقاطه انحتم العقد وصحّ، مثل البيع بشرط السلف، وبيع جارية على أن يتّخذها المشتري أمّ ولد، على أحد القولين في وقف الفسخ على التمسّك بالشّرط، والإمضاء على إسقاط الشرط.
والفساد يلحق العقد من ثلاثة أنحاء: 1 - من ناحية العقد.
2 - أو من ناحية الثّمن.
3 - أو منهما جميعًا.
والمتملّكات التّي يتصوّر فيها العقد الفاسد في البياعات أربعة: 1 - عقار 2 - وعروض 3 - وحيوان 4 - ومكيل وموزون.

والمفيت لهذه العقود الفاسدة أربعة: 1 - تغير الذّوات 2 - أو تغيّر الأسواق 3 - أو إخراج عن الملك 4 - أو تعلّق حقّ آخر بهذا المبيع.
فنبدأ بالكلام على حصول الفوت بمجرّد القبض من غير أن ينضاف إلى ذلك أحد هذه الأربعة أقسام.
فاعلم أنّ المعروف من المذهب أنّ مجرّد القبض لا يكون فوتًا في البياعات الفاسدة.
لكن ذكر ابن مسلمة أنّ الفسخ بعد القبض استحسان.
وهذا إشارة منه إلى أنّ القياس كون مجرّد القبض مانعًا من الفسخ.
وهو مقتضى المذهب الّذي حكيناه من كون العقد الفاسد إذا اتّصل به القبض ينقل الأملاك.
وإذا تحقّق نقل الملك لم يتصوّر الفسخ.
وقد أطلق القول بعض أشياخي على ذلك الخلاف في البيع الفاسد، هل يفوت بالعقد أو القبض، تخريجًا منه ذلك من مسئلة من أسلم في ثمر بعينه على الكيل لمّا زهي بشرط أن يأخذه تمرًا.
فإنّا كنّا قدّمنا في كتاب السلم ذكر الاختلاف، هل يكره ذلك وينهى عن العقد؟ فإنْ وقع العقد، فسخ إذا لم يقبض، أو يمضي بمجرّد العقد ويفوت المبيع بالقبض؟ وهذا التّخريج عندي لا يحسن إطلاقه, لأنّ هذه المسئلة وأمثالها إنّما يحمل النّهي فيها على الكراهة لا على التّحريم المتّضح.
والكراهة لا تلحق بالتّحريم ويحسن أن يقال فيها: ينهى عن هذا العقد لكونه مكروهًا.
فإن عقد، لم يفسخ لكونه ليس محرّمًا.
وهكذا قال ابن القاسم فيمن باع نخلًا مثمرًا على أن يختار منها نخلات، أي لَكُره هذا البيع.
فإن وقع أمضيته، لقول مالك فيه.
فشتّان ما بين مكروه ومحرّم، ومجمع عليه ومختلف فيه.
وقد قال مالك: ما كراهة النّاس فيه من هذه العقود، فإنّه يفسخه إلاّ أن يفوت فيمضي، فعبّر عن ذلك بالكراهة.
لكن ابن مسلمة لمّا أطلق القول بأنّ الفسخ بعد القبض في البياعات الفاسدة استحسان، صار هذا منه كالمسهّل لهذا التّخريج.
وقد قدّمنا نحن من ذكر المذاهب في تأثير العقد الفاسد المتّصل به القبض ما تبنى عليه هذه المسئلة.
وإذا وضح ما قلناه في مجرّد العقد المتّصل به القبض، فلنذكر ها هنا ما

ذكرنا من الأقسام المفيتة، ونذكر حكمها في كلّ قسم من الأجناس المبيعة.
فأمّا العقار، فإنّ ذهاب عينه، واندراسَه الّذي يقوم مقام ذهاب العين، فلا خفاء يكون ذلك فوتًا يمنع الرّدّ للمبيع.
لأنّ ردّ عين المبيع مع ذهابها يستحيل، وكذلك اندراسها المقارب لذهاب عينها.
وأمّا التّغيير لها، فإنّها إن كانت ديارًا فإنّ الهدم يفيتها.
والأبنية في أرضها تفيتها.
والأرضون يفيتها الغرس أو قطعه، وحفر الآبار وشقّ العيون، وما في معنى ذلك.
لكون هذه الأحوال يتحوّل معها الغرض المقصود من العقار.
والغرض المقصود إذا تبدّل في العين فصارت 1 العين كأنّها غير موجودة.
وهذا الّذي قلناه يشير لك إلى توجيه ما قاله أصبغ فيمن اشترى أرضًا شراء فاسدًا، فغرس فيها غرسًا، فإنّه قسّمه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يغرس جميع ما أحاط بالأرض ويبقي جلّها بياضًا، فإنّ ذلك فوت.
وإن غرس منها ناحية بعينها، مِمّا لها مقدار بالنّسبة إلى ما بقي، فإنّ المغروس خاصّة هو الّذي يفوت.
وإن كانت هذه النّاحية لا مقدار لها, لم يفت شيء من الأرض وتردّ إلى بائعها ويقضى عليه بقيمة الغرس.
والأشبه أن يقضى عليه بقيمته قائمًا لكونه غرس بوجه شبهة.
وإن كان أصبغ لم يصرّح بهذا, ولكن مقتضى المذهب هذا الّذي قلناه.
فأنت تراه كيف جعل الغرس فوتًا للجميع، أو ليس بفوت في الجميع، أو فوتًا في المغروس دون ما لم يغرس.
وما ذلك إلاّ لما قلناه من اتّضاح اختلاف الأغراض وتباينها أو تقاربها.
فاعتبار ذلك ودّاه إلى هذا التّقسيم الّذي قسمه.
وقد اضطرب الأشياخ في مسئلة المدوّنة إذا باع جارية بجاريتين بيعًا فاسدًا، فإنّه ذكر في المدوّنة فسخ العقد وإلزام القيمة مع ذوات المبيع.
وتنازع

الأشياخ إذا كان الفوت في الجارية الرّفيعة من الجاريتين اللتّين بيعتا بيعًا فاسدًا، والجارية الّتي هي الحقيرة من الصفقة لم تفت، هل ينسحب حكم فوت الرّفيعة على المحتقرة حتّى يقدّر أنها كالفائتة لكونها تابعًا لما فات، والتّابع يجري عليه حكم المتبوع، على حسب ما نقوله في أحكام الاستحقاق لإحدى الجاريتين، أو ردّ إحداهما بعيب، أو يفسخ البيع في الّتي لم تفت، وإن كانت محتقرة، لكون الفسخ حقًّا لله سبحانه، وحقّه غير مبنيّ على الأغراض.
فلا يعقد في المحتقرة عقد فاسد من غير حصول فوت، بخلاف أحكام البيوع والاستحقاق، فإنّها مبنيّة على حقوق الخلق واعتبار أغراضهم.
فإذا استحقّت الرّفيعة من الجارتين وانتقض البيع فيها، كان لمن استحق ذلك من يده ردّ المحتقرة الّتي لم تستحقّ لبطلان غرضه في الصفقة لمّا استحقّ جلّها والمقصود.
وقد رأى أصبغ أنّ مرور السنين الكثيرة كالعشرين ونحوها على الدّيار المبيعة بيعًا فاسدًا يفيتها، واعتلّ بأنّ ذلك لا يكون حتّى تتغيّر بالبلى.
وهذا لا يخالَف فيه.
والرّوايات المذكور فيها أنّ مجرّد الطّول لا يكون فوتًا، إنما أطلقت على أنّ طول الزّمان لم يغيّر عينها.
وأمّا حوَالة الأسواق في العقار، ففيه اختلاف: هل يفيت البيع الفاسد أم لا؟ فالأشهر لا يفيته.
وقال ابن وهب: إنّ ذلك يفيته.
وأجرى العقّار مجرى العروض.
وإذا كان السبب المانع من الفسخ المعادلة بين المتبايعين في رفع الضّرر عنهما.
ومن الضّرر إذا زادت قيمة السلعة في يد المشتري أن يؤخذ من يديه، فيخسر ما اشتراها لأجله من الرّبح.
وإذا نقصت قيمتها فرددناها على البائع، أضررنا أيضًا به.
فكان من العدل بينهما المساواة في نفي هذا الضّرر عنهما.
فجعلتَ اختلاف الأسواق بزيادة أو نقصان يفيت البيع الفاسد، ولا فرق بين العروض والعقار في اعتبار هذا الضّرر.
وأشار بعض الأشياخ إلى الاعتذار عن المذهب المشهور من التّفرقة بين العقار والعروض بأنّ الغالب في الدّيار أنّها لا تشترى للتّجارة بل للقنية والسكنى أو الاغتلال.
فلم يؤثّر اختلاف الأسواق لمّا لم يكن ذلك مقصودًا عند المتعاقدين فيها.
والغالب في العروض شراؤها

للتّجارة.
وإذا كان مقصود المتعاقدين زيادة الأسواق فيها وانخفاضها، أثّر ذلك في العقد ومنع من الفسخ، وتغيّر الحكم في الفسخ لمّا تغيّر المقصود.
وإذا نقض البيع في العقار المبيع بيعًا فاسدًا قبل الفوت ولم ينقض بعد الفوت وقد بيّنا وجوه الفوت، فإنّ الزّرع في الأرض لا يفيتها ولا الإثمار في النّخل.
فأمّا الزّرع فإنّه من حقّ المشتري للأرض شراء فاسدًا أن يبقى زرعه فيها إلى أن يحصده من غير أن يجب عليه كراء، لكونه كمحتلّ بوجه شبهة، وضامنًا لما اغتلّه.
وقد قال عليه السلام: "الخراج بالضّمان" 1. إلاّ أن يتوجّه الحكم عليه بفسخ البيع، وإبّانُ الزّراعة لم يفت، فإنّه يجب عليه كراء الأرض, لأنّ الأصل إذا حكم بالفسخ، قلع زرعه وردّ الأرض فارغة إلى بائعها على حسب ما أخذها منه، لكن في ذلك إتلاف مال المشتري وإضرار.
وقد قدّمنا أنّ حوّالة الأسواق تمنع من ردّ المبيع لنفي الضّرر عن المشتري إن زاد سوق السلعة، وهي في يديه، وعن البائع إن نقص سوقها، وهي في يد المشتري، فكذلك يجب مراعاة حقّ المشتري في أن لا يُتلَف زرعه فيجب إبقاؤه لأجل هذا, ولكن في إبقائه أيضًا منع البائع من زراعة أرضه، وإبّانُ زراعته لم يفت، فيجب أيضًا ألاّ يُضَرَّ بالبائع ويُحرَم الانتفاع بأرضه.
فكان العدل بينهما إقرار زرع المشتري وإعطاء البائع كراء ما حُرِم الانتفاعَ به.
فإذا وقع الفسخ بعد الإبّان، فإنّ البائع لم يحرم انتفاعًا يجب أن يعاوض عنه.
وأمّا لو كانت نخلًا أثمرت وقد اشتريت شراء فاسدًا، فإنّ الثّمرة تردّ على البائع لمّا وجب ردّ النّخل، إلاّ أن يحصل لها حكم كونها غلّة، فيكون للمشتري لكونه ضامنًا، والخراج بالضّمان.
واختلف متى يكون ها هنا غلّة، فقيل بطيابها، فإذا طابت كانت للمشتري ولا بدّ مع النّخل، كما لو قبضها المشتري وأكلها، ثمّ وقع الفسخ بعد ذلك.
وقيل: بل يكون لها ها هنا حكم الغلّة بالإِبّار وتكون للمشتري.
وسنبسط الكلام على هذا وأمثاله في الحال الّتي تكون بها الثّمرة غلّة إذا ردّت النّخل بعيب أو استحقّت أو أخذت بشفعة أو بحكم تفليس، وأحكام نفقة المشتري عليها وسقيه لها في

المواضع الّتي تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فإذا تقرّر حكم الفوت في العقار، فإنّ العروض يفيتها في البيع الفاسد ذهاب عينها، وتغيّرها في ذاتها، أو تغيّر أسواقها.
وهذا لمَا قدّمناه من المعادلة بين المتبايعين في نفي الضّرر عنهما.
فلو قضينا بردّ العين بعد تغيير 1 ذاتها أو تغيير (1) سوقها لألحقنا بأحدهما ضررًا دون صاحبه، وهما قد استويا في سبب الفسخ دخلا فيه مدخلًا واحدًا.
بخلاف الرّدّ بالعيب، فإنّ العروض لا يمنع من ردّها تغيّر سوقها لمّا كان العيب من جهة البائع دون المشتري.
وقد يظنّ بالبائع أنّه علم به، فلم يبيّنه أو فرّط في الكشف عنه لمّا باع سلعهُ على أنّها سالمة، والمشتري يقدّر أنّ الأمر على ما أظهره البائع له.
وكذلك يفيت العروض أيضًا، في البيع الفاسد، نقلُها من بلد إلى بلد، لكون ردّها إلى البلد الّذي بيعت فيه لا يمكن في غالب العادة إلاّ بمشقّة سفرها وأداء إجارة على حملها.
وأمّا الحيوان، فإنّه يفيته حوَالة الأسواق أيضًا، وأمّا نقله من بلد إلى بلد، فإنّ ذلك لا يفيته لكونه لا يفتقر إلى حمل بل يمشي بنفسه.
بخلاف العروض الّتي لا تنتقل بنفسها.
وإذا انتفت المضرّة في ردّه وكان علة الفوت لحوق المضرّة بأحد المتبايعين وجب في الحيوان أن لا يكون نقله فوتًا.
لكن مقتضى هذا التّعليل أن يكون إذا تصوّر فيه الضّرر بركوب غرر في ردّه أو غير ذلك مِمّا في معناه أن يلحق بالعروض ويكون نقله فوتًا.
واختلف في مجرّد طول زمان مرّ على الحيوان ولم يتغيّر الحيوان في ذاته ولا في سوقه، هل يكون فوتًا؟ فذكر في كتاب العيوب من المدوّنة أنّ مرور شهر عليه يكون فوتًا له.
وذكر في كتاب السلم أنّ الشّهر والشّهرين لا يكون فوتًا.
واعتقد بعض أشايخي أنّ هذا قول على الإطلاق.
وليس الأمر كذلك، وإنّما هو اختلاف قول في شهادة بعادة 2. لأنّه أشار في المدوّنة إلى أنّ المقدار الّذي حدّه من الزّمان لا يمضي إلاّ وقد

تغيّر الحيوان، فلهذا رآه مفيتًا.
فحصل من هذا أنّ الاعتبار بالتّعيين 1 بالذّات أو السوق.
والتغيّر قد يكون مدركًا محسوسًا، وقد يكون مستدلاّ عليه بطول زمان، فيقع الاختلاف في تحديد هذا الزّمن الّذي يستدلّ به على التّغيّر.
وأمّا المكيل والموزون فإنّه إذا لم يتغيّر في ذاته ولا في سوقه، فإنّه يفسخ البيع فيه لعدم ما يفيته.
وإن تغيّر في ذاته أو انعدمت ذاته ولم يتغيّر في سوقه، فإنّ الواجب ردّ مثله لأنّ مثله يقوم مقام عينه.
وقد فرضنا أنّ عينه إذا لم تتغيّر ولا تغيّر سوقه أنّ الفسخ فيه واقع.
فإذا تغيّرت عينه أو انعدمت، وانضاف إلى ذلك تغيّر سوقه، فإنّ في المذهب قولين: أحدهما، وهو المشهور، أنّ تغيّر السوق فيه لا تأثير له، ولا يعدّ فوتًا.
وذهب ابن وهب وغيره إلى أنّ تغير السوق فيه يعدّ فوتًا مع قيام العين أو انعدامها.
وهذا الّذي قاله مقتضى طرد التّعليل الّذي قدّمناه مرارًا، من الالتفات إلى المعادلة بين المتبائعين في كون أحدهما لا يختصّ بضرر، إذا وقع الفسخ، دون صاحبه.
ومقتضى هذا أن يوجب القيمة إذا وقع الفسخ في المكيل والموزون لأجل تغير سوقه.
فإذا قضينا بذلك، انتفى الضّرر عن اختصاصه بأحدهما دون الآخر.
وكأن من ذهب إلى القول المشهور يرى أنّ العرض إذا تلف، قضى بقيمته.
وإذا تغيّرت سوقه مع وجود عينه، جرى ذلك مجرى تلف عينه فتجب القيمة.
فلمّا كان الإتلاف لعين العرض كتغيّر سوقه، وكان إتلاف عين الموزون والمكيل يوجب مثله، وجب أن يكون تغيّر سوقه كإتلاف عينه أيضًا، فيجب فيه المثل إن عدمت عينه، ويردّ بعينه إن بقيت العين موجودة، لكون عينه بالرّدّ أولى من ردّ مثلها.
فمقتضى هذا لا تؤثّر حوّالة السوق فيه لما بيّناه.
ولا يجب العدول عن أصل الشّرع المقرّر فيه في غرامة مثله إن أتلف إلى غرامة قيمته من غير دليل يلجي إلى الخروج عن هذا الأصل المقرّر فيه.

وأمّا نقله من بلد إلى بلد فيجري مجرى العروض لكونه لا ينقل بنفسه، بل يفتقر إلى كلفة في نقله وإجارة على حمله.
وهذا إذا اشترى المكيل والموزون على الكيل والوزن.
وأمّا إن بيع جزافًا، فإنّه لا يصحّ أن يقضي بمثله لكون مقداره مجهولًا، ولا يلحق حكمه بالمكيل والموزون في الفوت، بل يلحق بأحكام فوت العروض لمّا كان الواجب فيه عند انعدام عينه القيمة كما يجب في العروض.
لكن وقع اختلاف بين المدوّنة والموّازيّة في السيف المحلّى إذا بيع بيعًا فاسدًا، هل يمنع من ردّ عين الحلية حوالة السوق فيه أو لا؟ وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصرف.
وقد كان بعض أشياخي يذهب إلى أنّ هذا المكيل المبيع جزافًا إذا أراد بائعه أن يقضى له بأقلّ ما يقدر فيه من المكيلة، أنّ ذلك له، ويصير حينئذ كالمبيع على الوزن أو الكيل، وكذلك إذا أراد المشتري أن يغرم ما يتحقّق أنّ الّذي يغرمه أكثر مِمّا أتلف.
وذهب إلى أنّ المذهب على قولين فيما بيع جزافًا، ثمّ علم كيله بعد ذلك، هل يعود الحكم إلى ما علم من حاله بعد عقد البيع فيقضي فيه بالمثل، أو يبقى على حكمه حين عقد البيع على كون المبيع غير متيقّن مقداره.
وقد أشار الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد إلى إمكان ارتفاع الخلاف في هذا لما نقل المذهب فيمن باع ثمرة قبل الزهُوّ فجذّها المشتري رُطَبًا، أنّ البيع يفسخ ويردّ المكيلة تمرًا إن كان جدها بعد أن صارت تمرًا.
وسنذكر ما أشار إليه إذا تكلّمنا على المسئلة بعد هذا.
وأمّا إذا تقرّر 1 أحكام نوعين من المفيتات وهما تغيّر السوق أو الذّات في جميع أجناس المبيعات.
فلنذكر الفوت بالقسم الثّالث وهو خروج المبيع من الملك.
فإذا بيع أحد أجناس المبيعات بيعًا فاسدًا ثمّ باعه مشتريه بعد قبضه بيعًا صحيحًا، فإنّه لا يخلو: أن يكون فساد البيع واضحًا متّفقًا على فساده لا إشك الذي الدّليل الّذي منع منه.
فإنّ المذهب على قولين في كون البيع الصحيح الّذي عقده المشتري

مفيتًا للبيع الفاسد.
وقد قدّمنا ذكرهما وأشرنا إلى أنّ سحنونًا يرى هذا العقد الفاسد لا ينقل الملك ولا شبهة الملك، وأنّ القبض فيه يلحق بقبض الرّهان.
والرّهن إذا باعه من هو في يديه لم ينفذ بيعه فيه.
وذكرنا أنه المشهور من المذهب، وأنّ عقدة الصحيح مفيتة لشرائه إيّاه شراء فاسدًا، لتعلّق حقّ المشتري به، وكون البائع سلم المبيع إليه، وهو قد أذن له في التّصرّف فيه، ومن التصرّف فيه بيعه إيّاه، فلو قرّرنا أنّ الملك لم ينتقل ولا شبهة الملك، لكنّا ننفذ هذا العقد الثّاني لكون البائع أذن فيه وسلّط المشتري على عقده.
وأمّا إن كان العقد الفاسد مختلفًا فيه اختلاف طرق الاجتهاد، فإنّه يمضي بيعه فيه، ويكون ذلك فوتًا للبيع الفاسد إذا كان المشتري لم يبعه بيعًا صحيحًا إلاّ بعد أن قبضه وصار في يديه.
فأمّا إن باعه قبل قبضه وهو في يد بائعه لم يمكنه منه، فإنّ الظّاهر كون المذهب على قولين في انعقاد بيعه فيه.
وقد تنازع الأشياخ ما مقتضى المدوّنة من هذين القولين، فقال بعضهم: مقتضاها كون هذا البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد، لقوله في كتاب العيوب من المدوّنة فيمن اشترى سلعة شراء فاسدًا ثمّ باعها بيعًا صحيحًا: إنّ عليه قيمتها يوم قبضها وينفذ 1 بيعه الصحيح فيها إن كان قبضها.
فرأى هؤلاء أنّه لمّا اشترط في نفوذ بيعه كون بيعه واقعًا بعد أن قبضها، كان دليل هذا الخطاب يقتضي أنّه لا ينفذ بيعه فيها إذا باعها قبل قبضها.
ورأى من خالفهم في هذا التّأويل أنّه يمكن أن يكون أراد بهذا الاشتراط صرفه إلى ما قدّمه من قوله: عليه قيمتها يوم قبضها.
وقصد أن يبيّن أنّ قوله: عليه قيمتها يوم قبضها، أنّ ذلك إنّما يتصوّر إن كان قبضها، وتعلّق هؤلاء أيضًا بقوله: ولو تصدّق بها قبل قبضها, للزمه قيمتها يوم تصدّق بها.
فإذا نفذت الصدقة قبل القبض، فأحرى أن ينفذ البيع قبل القبض لكونه آكد من الصدقة.
وهذه المبالغة الّتي أشاروا إليها قد لا يسلمها لهم الآخرون، ويقولون: لا يكون البيع أحرى من الصدقة لأنّ البيع إذا نقض رجع المشتري بالثّمن، فلم يلحقه ضرر بالفسخ.
والصدقة إذا نقضت بعد أن قبضها

المتصدّق عليه، لم يرجع عليه بشيء ففاته ملك من غير عوض يأخذُهُ عنه.
هذا مِمّا يمكن عندي أن يدافعهم به الآخرون.
وتعلّق أيضًا من ذهب إلى أنّ المدوّنة تقتضي كون البيع الواقع قبل القبض لا ينفذ بقوله في كتاب السلم فيمن اكترى دارًا كراءًا فاسدًا ثمّ أكراها كراءًا صحيحًا: إنّ المكتري كراءًا فاسدًا يردّ الغلّة.
وإذا وجب عليه ردّها اقتضى ذلك أنّه لم ينفذ عقده الصحيح فيها.
وقال الآخرون: المراد بردّ الغلّة قيمة الغلّة.
والتعلّق بهذه المسئلة فيه نظر عندي، وذلك أنّ المكتري لهذه الدّار كراء فاسدًا إذا سلّمت إليه، فقد صار قابضًا لها وكالقابض لمنافعها الّتي أكراهًا، لا سيما وقد أتلف من هذه المنافع من اكتراها منه كراء صحيحًا.
فيحصل من هذا أنّ عقد البيع الصحيح إنّما وقع بعد قبض المبيع، وقد قدّمنا أنّ وقوعه بعد قبض المبيع لا يختلف فيه إذا كان الفساد غير مجمع عليه.
والمراد ها هنا تطلب حلّ البيع الصحيح قبل القبض.
وهذا الّذي اعتذرنا عنه به نحن في هذه المسئلة لا يمنع من تصوّره كونُ ضمان المنافع من الّذي باعها بيعًا فاسدًا، وكونُ الضّمان منه يصيِّر القبضَ كالعدم.
لأنّ الأمر لو كان كذلك لم يختلف في منع أخذ دار معيّنة عوضًا عن دين مضمون في الذّمّة.
وقد قدّمنا نحن اختلاف ابن القاسم وأشهب في ذلك، وأنّ القول بإجازة ذلك مبنيّ على أن قبض أوّل المنافع كالقبض لجميعها، أو لغير ذلك مِمّا أشرنا إليه، مع كون الضّمان لم يختلف أنّه باق على المديان الّذي سلّم منافع هذه الدّار عوضًا عن دين عليه.
وكذلك أيضًا تعلّق بعض الأشياخ بمسئلة الموّازيّة فيمن اشترى ثمرًا قبل الزّهوّ على التّبقية، ثمّ باعه بيعًا صحيحًا.
فذكر ابن الموّاز عن مالك أنّه قال: عليه قيمته يوم بدا صلاحه.
وقال ابن الموّاز: بل إنّما تكون عليه القيمة يوم أفاته بالبيع الصحيح.
وحكي عن مالك أيضًا أنّه قال: يردّ مثل المكيلة.
وقوله هذا يقتضي أنّ البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد, لأنّه لو أفاته لم تردّ المكيلة الّتي قبضت عن بيع صحيح يجب إنفاذه، وإنّما يكون الواجب عليه قيمة ما اشتراه يوم أفاته بالبيع، كما قال ابن الموّاز، أو قيمته يوم بدا صلاحه.
ويكون وجه هذا القول أنّ البائع دخل مع المشتري على

أنّه مكّنه من جدّ هذه الثّمرة إذا بدا صلاحها.
والتّمكين يعدّ كالقبض على أحد القولين.
والبيع الصّحيح بعد حصول القبض ينفذ بغير خلاف على حسب ما قدّمناه.
وقد تأوّل أيضًا من خالف أصحاب هذا المذهب هذه الرّواية على المراد بها أنّه يردّ مثل المكيلة يوم باعها وأفاتها بالبيع، وقد علم كيلها يوم أفاتها بالبيع.
فلمّا وجب نقض البيع الأوّل الفاسد ردّ مثل المبيع لكون المبيع مكيلًا، كما يردّ قيمة العرض إذا فات، وقد وجب نقض البيع فيه.
وأشار بعض أشياخي إلى تأويل آخر وهو أنّ الضّمان في الثّمرة على بائعها ما دامت محتاجة إلى السقي، على ما سيأتي في كتاب الجوائح، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الجائحة يطلب بها المشتري الأوّل، الّذي اشترى شراءًا فاسدًا، مَن باع الثّمرة منه.
فإذا كان لكلّ واحد منهما على من 1 باع منه الطّلب بحكم الجائحة، وكان الضّمان من البائع وجب أن يردّ مثل المكيلة تمرًا، وهي الحالة الّتي سقط بها الضّمان عن البائع الأوّل وعن البائع الثّاني.
وكأن هذا اعتذار منه عن وجوب ردّها تمرًا، وهو لم يفتها بالبيع إلاّ قبل أن تصير تمرًا، على مقتضى ظاهر الرّوايات في وجوب ردّ مثل المكيلة تمرًا، وإن وقع البيع الصحيح قبل أن يصير تمرًا.
وهذا الاعتذار منه يتعلّق بالكلام على مسئلة أخرى، وهي أنّ من باع قبل الزّهوّ فتركه حتّى زهي فجدّه رطبًا، فإنّ البيع فاسد، ويجب عليه ردّ قيمة الرّطب إذا فات، وفات إبّانه حتّى لا يوجد مثله ولو كان مكيلًا.
(أمّا عقد البيع على كونه جزافًا وتعذّر وجود ردّ مثل المكيلة تمرًا وإن وقع البيع صحيحًا قبل أن يصير تمرًا) 2. وأمّا لو لم يتعذّر وجود مثله، ولكنّه علم كيله بعد العقد، فإنّا قدّمنا ما وقع في ذلك لبعض أشياخي من إضافته إلى المذهب قولين في هذا.

وأشار الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد إلى تأويل يرفع الخلاف فيه.
واضطرب الأشياخ في من باع تمرًا قبل الزّهو على التّبقية، فجدّه مشتريه عقيب العقد، هل تعتبر فيه القيمة إذا وجبت على المشتري على الرّجاء أن تبقى حتّى تصير تمرًا، أو يُعَاهُ قبل ذلك، أو يجب فيه القيمة مطلقًا على حالته الّتي جدّ عليها.
فذهب بعضهم إلى أنّ القيمة تجب على الرّجاء والخوف قياسًا على من تعدّى على زرع قبل زهوه فأتلفه، فإنّ القيمة الواجبة عليه يعتبر فيها رجاء سلامته والتخوّف من عاهته.
وأنكر أبو القاسم بن الكاتب هذا القياس، وقال: إنّما وجب على المتعدّي القيمة على الرّجاء والخوف لأجل أنّه لم يؤذن له في حصد هذا الزّرع وإتلافه قبل بلوغه الغرض المقصود منه، وهذا الّذي اشترى تمرًا على التّبقيه شراء فاسدًا قد أذن له البائع في التصرّف فيه بالجدّ وغيره، فلم يلزمه إلاَّ قيمته على الحالة الّتي جدّه عليها, لأنّ الّذي منع منه من رجاء بقاء الثّمرة حتّى تصير تمرًا، لم يكن منه إلاّ بإذن البائع، فلا مطالبة عليه بأن حرمه منفعة هو أذن له في حرمانه إيّاها.
وأشار بعض الأشياخ إلى اعتبار هذا الشّرط للتّبقية، هل هو حقّ للمشتري خاصّة إن شاء أبقى الثّمرة إلى أن تصير تمرًا، وإن شاء لم يبقها، فيكون ما قاله ابن الكاتب هو الصّوَاب، لكون المشتري لم يمنع البائع من حقّ له ولا منفعة.
أو يكون للبائع في هذا حقّ، لكون الجدّ قبل الطّياب يؤدي شجره ويضرّبه، ومن حقّه أن يمنع ما يضرّبه، فيحسن ما قاله الآخرون من اعتبار القيمة على الرّجاء والخوف.
وهذا التّفصيل يقتضي أن يكون حقّ البائع في المطالبة بما لحقه من الضّرر في شجره، لا قيمة ما حُرِمه من رجاء طِياب الثّمرة، إذ لا حقّ له في ذلك إذا لم يكن له فيه منفعة ولا تلحقه مضرّة.
وكان بعض أشياخي يرى أنّ من باع ثمرة قبل الزّهو، فتركها مشتريها

حتّى صارت رطبًا فجدّها، أنّ البائع لا يلزمه أخذ عين الرّطب المجدود، ولو كان قائمًا، لكون الواجب على المشتري القيمة على الرّجاء والخوف.
وإذا أخذه رطبًا هضم من حقّه المنفعة الّتي كان يرجوها، وهذا منه ذهاب إلى إحدى الطّريقتين الّتي ذكرناها عن بعض الأشياخ.
فإذا تقرّر أحد الأسباب المفيتة، وهو إخراج المبيع بيعًا فاسدًا عن يد مشتريه، فإنّ ذلك يكون بأنواع منها البيع، وقد استقصينا الكلام عليه إذا وقع بعد قبض المبيع أو قبل قبضه.
ومنها الهبة والصدقة والعتق، وحكم ذلك حكم البيع الواقع بعد القبض أو قبل القبض.
وكذلك ما يؤدّي إلى الخروج عن الملك كالكتابة والتّدبير والاستيلاد والعتق إلى أجل، فإنّ جميع هذه الأمور مفيتات للبيع الفاسد، والحكم فيها كالحكم في البيع إذا وقع قبل قبض المبيع أو بعده، جميع ذلك يجري على أسلوب واحد.
ومن الأسباب المفيتات ما ذكرناه فيما تقدّم من تعلّق حقّ غير البائع والمشتري بهذا المبيع بيعًا فاسدًا، وذلك كرهن السلعة المبيعة بيعًا فاسدًا أو إجارتها أو إخدامها إن كانت حيوانًا، ووقعت الخدمة إلى أجل حتّى تجري مجرى الإجارات في حكم الفوت.
وممّا قد يعدّ قسمًا خامسًا في المفيتات الوطء للأمة اشتريت شراء فاسدًا، فإنّ في الموّازيّة أنّ ذلك فوت.
وإنّما لم نثبته نحن قسمًا لأنّ التّعليل لهذا المذهب يلحق هذا القسم بأحد ما ذكرناه من الأقسام المفيتة، وذلك أنّ الوطء يوجب منع البائع من وطء هذه الأمة الّتي باعها بيعًا فاسدًا، ويوجب إيقافها لأجل الاستبراء، وهذا أمر يحول بينه وبين ملكه، ويمنعه من الانتفاع به، فلهذا وجبت القيمة فيه.
وجرى ذلك مجرى نقل العروض والطّعام من بلد إلى بلد في كون ذلك فوتًا، لمّا حال بين البائع وبين قبضه، لمّا وجب أن يُرَدَّ عليه.
ولكن مقتضى هذا التّعليل أنّ الأمة المبيعة بيعًا فاسدًا لو كانت من الوخش اللاّتي لا يردن للوطْء، لم يكن الوطْء فوتًا لكونه لم يمنع البائع إذا ردّت هذه الأمة عليه

من منفعة مقصودة منها.
لكنّه يمنع من بيعها لأجل حقّ الله سبحانه في منع بيع أمّهات الأولاد، ولكون أن يكون المشتري الّذي وطئها قد عَلِقت منه، فيصير من حقّه منع البائع من بيعها ووطئها لأجل حقّه في الولد أيضًا.
لكن إذا لم يثبت وطْء المشتري ببيّنة ولا إقرار منه، ولكنّه غاب عليها، فإنّ البائع إن صدّقه في ذلك، كان ذلك فوتًا لاتّفاقهما على أنّه لا يسوغ ردّها إلى البائع.
وإن أكذبه البائع في ذلك لم يتحقّق الفوت، ولكن ينظر في حكم الإيقاف لحقّ الله تعالى في ذلك.
ويفترق فيه حكم الجارية المرتفعة من الوخش، على حسب ما سيأتي بيانه في كتاب الاستبراء إن شاء الله تعالى.
وكذلك نبيّن أيضًا سبب الاختلاف في الوطء، هل يمنع من الرّدّ بالعيب وكون الغيبة بمجرّدها لا تمنع من الرّدّ بالعيب إذا صدق البائع المشتري في أنّه لم يطأ، بخلاف الغيبة على أمة أخذت على وجه الغصب، فإنّ الغيبة عليها عيب فيها، والغاصب يضمن بالعيب اليسير، فهذا كلّه يَرِدُ في مواضعه مستقصًى أحكامه، وحكم الغيبة على أمة أراد الأب أن يعتصرها أو محلّلة غاب عليها من حلّلت له.

والجواب عن السؤال الخامس 1 أن يقال: قد تقرّر، فيما تقدّم، المبيعات بيعًا فاسدًا والأنواع المفيتة لها.
فإذا تحقّق الوجه المفيت للبيع، وحكم بموجبه، وقضى القاضي بردّ العين أو القيمة أو المثل، لم يرتفع حكم ما قضاه بارتفاع الأسباب الموجبة للفوت.
وإن حصل السبب الموجب للفوت فلم ينظر فيه حتّى ارتفع، فهل يرتفع حكم الفوت بارتفاع سببه أم لا؟ هذا فيه اختلاف في المذهب كثير فروعه.
فذكر في المدوّنة فيمن باع سلعة بيعًا فاسدًا، فحالت سوقها وهي بيد المشتري، ثمّ عادت السوق إلى ما كانت عليه حين عقد البيع، فإنّ الفوت قد حصل في القيمة قد لزمت 2 وارتفع السبب الموجب لها وهو تغيّر السوق.
وأمّا إن كان السبب المفيت لها بيع مشتريها لها بيعًا صحيحًا ثمّ عادت إليه بميراث أو

هبة أو اشتراء أوردت عليه بعيب، فإنّه ذكر في المدوّنة اختلافًا في هذا، وأنّ ابن القاسم يرى أنّ حكم الفوت قد ارتفع لمّا ارتفع حكم البيع الّذي وقع من المشتري.
وأن أشهب يرى أنّ حكم الفوت لم يرتفع لمّا لم يرتفع، عنده وعند ابن القاسم، حكم الفوت بارتفاع تغيّر السوق وكون القيمة لزمت، فلا يرتفع ما لزمه بارتفاع سببه.
وقد أكثر المتأخّرون الاعتذار عن ابن القاسم في تفرقته بين هذين السببين المفيتين.
فرأى أنّ المفيت إذا كان تغيّر السوق ثمّ ارتفع، فإنّ حكم الفوت لا يرتفع.
وإن كان السبب المفيت عقد بيع صحيح، ثمّ ارتفع، فإنّ حكم الفوت يرتفع.
فأشار الشّيخ أبو الحسن ابن القابسي، رحمه الله، إلى أنّ السوق إذا تغيّرت ثمّ عادت، فإنّ السوق الثّانية ليست هي السوق الأولى بعينها وإنّما هي مثلها، والسلعة الّتي اشتريت شراء فاسدًا، فإنّا نقطع قطعًا أنّ المبيع بعينه عاد على ما هو عليه؛ فلم يؤثر سبب الفوت لمّا ارتفع ارتفاعًا مقطوعًا به.
وكأنّه، رحمه الله، يشير إلى أنّ عدم اليقين والقطع على كون السوق الّتي تغيّرت ارتفع 1 تغيّرها يمنع من ارتفاع حكم الفوت، والقطع على أنّ السلعة المبيعة بعينها، عادت، تقتضي ارتفاع سبب الفوت.
وهذا الّذي قاله لا يشفي الغليل.
وذلك أنّ البيع هو المفيت لهذا الّذي اشتُرِي شراء فاسدًا، ونحن نقطع قطعًا أنّه قد وقع، فلا معنى للتعرّض إلى كون السلعة بعينها عادت لأنّ نفس السلعة وعينها ليس هو السبب المفيت، وإنما المفيت بيعها، فلا فرق بين سوق تغيّرت ثمّ عادت، أو سلعة بيعت ثمّ عادت، بل ربّما قيل: إنّ التغيّر المفيت قد لا يقطع به ووقوع البيع مِمّا يقطع به في الظّاهر المحسوس.
وسلك الشّيخ أبو عمران، رحمه الله، قريبًا من مسلكه فقال: السلعة الّتي بيعت بيعًا صحيحًا وقد اشتريت شراء فاسدًا، يجب نقض البيع الفاسد الّذي وقع فيها, ولكن يد المشتري شراء صحيحًا صارت حاجزة بيننا وبين ردّ هذا

المبيع، فإذا زال الحاجز، تمكّن من إيقاع الحكم.
وتغيّر السوق أوجب منع الرّدّ، وعودُه إلى ما كان عليه أمر ثان غير الأوّل.
وهذا أيضًا قريب من مسلك الشّيخ أبي الحسن.
وقال غيرهما: إنّما الفرق عند ابن القاسم أنّ تغيّر السوق مِمّا لا يدخل تحت قدرة العباد، وما لا يكتسب لا يتّهم النّاس فيه، والبيع مِمّا يكتسب، فيمكن أن يكون المشتري للسلعة شراء فاسدًا أظهر البيع ليمنع من نقض ما اشترى شراء فاسدًا، فلمّا تطرّقت التّهمة إليه في ذلك، وتأكّدت التّهمة بأن عادت السلعة إلى يده، فظنّ به أنّ ذلك البيع إنّما كان زورًا فلم يؤثّر وقوعه.
والسوق إذا تغيّرت لا يتّهم المشتري ولا البائع على أنّهما تواطآ على تغيّرها قصدًا للمنع من نقض فعلها.
ألا ترى أنّه ذكر في كتاب العتق فيمن حلف بعتق عبده إلاّ فعل فعلًا، ثمّ باع العبد ثمّ اشتراه، فإنّ اليمين يبقى حكمها لمّا اتّهم أن يكون أظهر البيع زورًا ليرفع حكم اليمين.
وهذا الفرق أيضًا والتّمثيل يقدح فيه بأنّه ذكر في المدوّنة في هذا الّذي اشترى سلعة شراء فاسدًا، ثمّ باعها بيعًا صحيحًا، ثم عادت إليه بشراء أو ميراث أو عطيّة، أنّ حكم الفوت ارتفع، وقد علم أنّه لا يتّهم في الميراث أن يكون قصدا إلى أن يموت حتّى يورث عنه، فلا ينتقض بيعه.
كما لم يتّهمه في المدوّنة فيمن حلف ألاّ يفعل فعلًا بحرّية عبده ثم باعه ثمّ ورثه، أنّ اليمين ارتفعت لمّا لم يتّهم في الميراث بخلاف البيع هذا أيضًا.
وقد اضطرب المذهب فيمن قصد إلى التّفويت لما اشتراه شراء فاسدًا لئلاّ يُقضَى بأخذه من يده، فإنّه إذا فعل ذلك قبل أن يقام عليه، فإنّ التّفويت حاصل ولا يمنع منه لكونه قاصدًا لذلك.
وإن كان فعل ذلك بعد أن قام عليه البائع لينقض بيعه، ففيه اختلاف.
هكذا ذكره بعض أشياخي مطلقًا.
والّذي في المستخرجة أنّ ذلك لا يكون فوتًا إلاّ أن يكون التّفويت بالعتق، فإنّ التّفويت حاصل لأجل حرمة العتق.
فهذه الفروق كلّها مطلوبة كما أريناك.

وقد قال بعض الأشياخ: إنّ مقتضى القياس ما قاله أشهب لكون العُهَدِ اختلف محلّها باختلاف هذه البياعات.
واختلاف العهد، وتبدّل الأملاك أولى أن يكون موجبًا للفوت، ولا يقدّر السبب المفيت كالمرتفع.
ألا ترى أنّ من باع سلعة بثمن إلى أجل، ثمّ باعها، ثمّ اشتراها وفلس، فإنّ البائع منه الأوّل لا يكون أحقّ بها من الغرماء، وإن كانت عينَ السلعة، لمّا تخلّل ذلك اختلاف العُهَد وتبدّل الأملاك.
وإذا تقرّر هذا، فإنّ بعض الأشياخ مال إلى افتراق حكم الأسباب الّتي رجعت السلعة بها إلى يده، فقال: إذا ردّت عليه بعيب ينبغي ألاّ يمنع ذلك الفوت, لأنّ البيع قد انتقض من أصله حتى كأنّه ارتفع، لا سيما على أصل أشهب الذي يرى أنّ الرّدّ بالعيب كنقض بيع.
وقد جمع في المدوّنة هذه الأسباب على حكم واحد، فقال: إن اشتراها أو ورثها أو وهبت أو ردّت عليه بعيب.
وهذا الّذي قاله في المدوّنة إنّما يحسن إجراؤه مجرى الشّراء على القول بأنّ الرّدّ بالعيب كابتداء بيع.
وعلى هذا التّوجيه والأسلوب الّذي ذكرناه تجري بقيّة فروع هذا الباب، مثل أن يشتري عبدًا شراء فاسدًا ثمّ يدبّره أو يعتقه فيردّ غرماؤه تدبيره وعتقه، فهل يرتفع حكم الفوت بردّ الغرماء بسببه؟ في ذلك قولان.
وهكذا يجري الأمر فيه لو سافر به ثمّ عاد، أو مرض ثمّ صحّ، أو طرأ عليه عيب ثمّ زال، أو أجّره، أو رهنه ثمّ افتكّه بالقرب، فإنّ هذا كلّه يجري على القولين.
هذا إذا سافر به سفرًا يكون مفيتًا.
وقد تكلّمنا على حكم نقل العبيد من بلد إلى بلد.
وقد ذكر في المدوّنة في هذا الكتاب أنّ من باع ثمرة قبل الزّهو فجدّها مشتريها قبل الزّهو، أنّ البيع جائز إذا لم يشترط التّبقية.
وقد ذكرنا نحن فيما تقدّم كلامُنا عليه في كتاب السلم أحكام بيع الثّمرة قبل الزّهو بشرط التّبقية أو بشرط الجذاذ إذا وقع العقد عاريًا من هذين الشّرطين.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل