شرح التلقينصفحات 316-357
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 316-357

والفرق عندنا أن مسح شعر الرأس أصل في نفسه وليس ببدل عن غيره، فينتقل الأمر إلى البدل 1 عند زوال الشعر.
والخف بدل فانتقل إلى غيره عند زواله.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: المعروف من المذهب أن وضوءه لا ينتقض.
وروى عن مالك رواية شاذة أن وضوءه ينتقض.
وبه قال الشافعي.
وسبب الاختلاف في ذلك أن الموالاة قد قدمنا الاختلاف في وجوبها.
فمن أنكر وجوبها لم ينقض الطهارة ها هنا.
ومن قال بوجوبها وقدر أن غسل الرجلين الذي انتقل إليه الفرض الآن، لما تأخر عما سواه من الأعضاء، حصلت التفرقة وعدمت الموالاة، أبطل الوضوء.
ومن رأى أنه كالمغلوب على التفرقة أو رأى أنه إنما غسل رجليه بدلًا عن طهارتهما التي بطلت في الحال، لم يبطل الوضوء لصحة الموالاة في جميعه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: تأخير غسل رجليه، فيه اضطراب.
ويتخرج على الاختلاف في وجوب الموالاة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: تأخير المسح على خفيه، المعروف منعه.
وقد روى الأجزاء.
وهذا يحتمل أن يكون بناء الأجزاء على القول بأن الموالاة غير واجبة أو على القول بأن الممسوح حكمه أخف من حكم المغسول.
لأن مبناه على التخفيف.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما لم يجز المسح على الجوربين خلافًا لأبي يوسف وصاحبه محمَّد في إجازتهما المسح على الجوربين، الغير مخروزين إذا كانا ثخينين؛ لأن الآثار إنما جاءت بالمسح على الخفين.
والجوربان لا يسميان خفين.
والحاجة إلى الخفين فوق الحاجة إليهما.
فلا يقاس حكمهما على الخفين، فإن جلدا فقد اختلف فيهما لأنهما أشبها بالتجليد الخفين فقاسهما مرة عليهما ومرة لم يقس على الرخصة ولم يبعد ما جاءت به الآثار 2.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في الجرموقين ما هما؟ فقيل خفان غليظان لا ساق لهما.
وقال بعض البغداديين هما خفان تحتهما خفان.
وأشار ابن القاسم إلى أن ما 1 خرز عليه يسمى جرموقًا.
فإن كان الأمر كما فسره من قال: هما الخفان الغليظان اللذان لا ساق لهما، والتوجيه فيه كنحو التوجيه في الجوربين المخروز عليهما، وإن كان كما أشار إليه ابن القاسم فقد تقدم توجيهه.
وإن كان كما قال بعض البغداديين فسنتكلم عليه بعد هذا.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا قطع الخفان دون الكعبين فالمعروف من المذهب أنه لا يصح المسح عليهما لظهور بعض المغسول.
وحكى ابن شعبان أن الوليد بن مسلم روى عن مالك: أنه يمسح عليهما وعلى ما ظهر من الرجلين.
وهذا مذهب شاذ، وإنما ينسب إلى الأوزاعي.
وكان الوليد كثير الرواية عنه.
ووجه هذه الرواية" إن صحت، أنه رأى 2 أن الظاهر من الرجل في حكم اليسير.
فعفي عنه كما عفي عن الخرق اليسير في الخف.
والفرق على المشهور بينهما، أن الخرق مما لا ينفك الخفاف عنه غالبًا، ومما لا يخرجه عن السورة التي جاءت بها الآثار.
والمقطوع دون الكعبين بخلاف ذلك.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: منع بعض أصحابنا المحرم من المسح لأنه منهي عن لبس الخفين التأمين.
وإذا نهى عن لبسهما لم يرخص له في المسح عليهما.
وعندي أنه قد يتخرج على القولين في جواز القصر لمن سفره معصية.
وعلى هذا تمسح على الخفين المحرمة لأنها في لبسهما غير عاصية.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: حكى البغداديون وغيرهم اختلافًا في ذلك عن مالك.
وأطلقوا الحكاية عن ذلك.
وقال بعض شيوخنا إنما

الاختلاف فيمن لبس خفين، على خفين لم يمسح عليهما.
وأما إذا مسح على الأسفلين ثم لبس خفين فإنه يمسح عليهما إذا توضأ من غير خلاف في ذلك.
وسبب الاختلاف في ذلك أن الآثار إنما وردت بالمسح على خفين مفردين لا على أربع خفاف فلا تتعدى 1 الآثار.
ومن أثبت المسح قاس على ما ورد من الآثار في ذلك.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: اختلف فيمن نزع الخف الأعلى من إحدى رجليه هل عليه أن ينزع الأعلى من الرجل الأخرى أم لا؟ فمن أوجب النزع رأى أن حكم الخفين لا ينبغي أن يختلف.
وقد صار ها هنا تحت الخف الرجل.
وحكمها الغسل.
وتحت الخف في الرجل الأخرى خف آخر وحكمه المسح.
فوجب النزع لرفع هذا الاختلاف.
ومن لم يوجب النزع لم يلتفت إلى ما تحت الخف وإنما اعتبر الخفاف خاصة وهو ماسح على الخفين في كلا الرجلين.
فلا يضر اختلاف العدد.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: لا يجزئ من خلع إحدى خفيه غسل الرجل التي خلع خفها، ومسح خف الرجل الأخرى.
لأن هذا قد اختلف معه حكم الرجلين.
فصارت إحداهما مغسولة والأخرى ممسوحة من فوق حائل.
وكل المسح بدل من كل الغسل، فلا يبعض ذلك.
وأجاز ذلك أصبغ وهذا عندي ينظر إلى الاختلاف في مسألة المكفر عن يمينه إذا أطعم خمسة وكسا خمسة.
ولعلنا أن نبسط.
الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى.
وقد قال بعض الأشياخ لو تعذر على هذا الغاسل لإحدى رجليه نزع الخف عن الرجل الأخرى، وخشي ذوات الوقت إن تشاغل بنزعه، فإنه يباح له المسح عليه.
ويحمل على الجبيرة التي أبيح المسح عليها للضرورة.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والمختار مسح أعلاهما وأسفلهما.
فإن اقتصر على أعلاهما أجزأه وإن اقتصر على أسفلهما لم يجزه 2 ولا يجوز المسح

على عمامة، ولا خمار، ولا على حائل دون عضو، سوى الرجلين، إلا لضرورة كسر 1، أو جراح 2. فيمسح على الجبائر والعصائب شدهما محدثًا أو متطهرًا بخلاف الخفين.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن المختار مسح الأعلى والأسفل؟.
2 - ولم أجزأ الاقتصار على الأعلى ولم يجز الاقتصار على الأسفل؟.
3 - وما الدليل على منع المسح على العمامة والخمار؟.
4 - وما الدليل على جواز المسح على الجبائر؟.
5 - ولم كانت بخلاف الخفين في اشتراط 3 الطهارة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: المشروع عندنا مسح أعلى الخف وأسفله.
وقال أبو حنيفة المشروع مسح أعلاه خاصة.
وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث.
ففي بعضها: أنه مسح أعلى الخف وأسفله، وفي بعضها أنه مسح أعلاه خاصة.
وقال علي لو كان الدين يؤخذ بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره 4. ولكني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يمسح أعلاهما.
فأخذ مالك بحديث مسح الأعلى والأسفل، وحمل حديث الاقتصار على الأعلى على أنه فعله ليعلم بجوازه.
وعضد مذهبه بالقياس على الجبائر الواجب عمومها بالمسح.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا اقتصر الماسح على الأعلى.
فقيل لا إعادة عليه.
وقيل يعيد في الوقت.
وقيل يعيد أبدًا.
فمن نفى الإعادة تمسك بالحديث الوارد بالاقتصار على الأعلى.
ومن أثبت الإعادة في الوقت قال قد بنينا الأحاديث وحملنا الاقتصار على الأعلى على تعليم الجواز.
وأثبتنا

الكمال 1 في مسح الأعلى والأسفل فيعيد في الوقت ليحصل له الكمال.
ومن قال يعيد أبدًا قاسه على الجبيرة إذا أحل بمسح بعضها.
فإنه يعيد أبدًا.
ولأن المسح بدل من الغسل، فلو ترك بعض غسل رجليه 2 لأعاد أبدًا.
فكذلك ترك ما هو بدل عنه.
وأما إن اقتصر على الأسفل خاصة.
فالمعروف من المذهب أنه يعيد أبدًا.
لأنه لم يرد حديث بالاقتصار عليه.
وورد في الأعلى حديث بالاقتصار عليه فاختلف حكماهما، وقياسًا على ترك مسح بعض الجبيرة وترك غسل بعض الرجل.
وقال أشهب يجزيه وكأنه رأى أن مبنى المسح على التخفيف، فلا تفسد الطهارة بترك بعضه كما لا تفسد الطهارة بترك 3 مسح بعض الرأس عند بعض أصحابنا.
وعند جماعة من فقهاء الأمصار.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في المسح على العمامة.
فمنعه جمهور العلماء لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 4. وهذا يقتضي مباشرة الرأس بالمسح.
وأجازه ابن حنبل، وغيره لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: مسح على العمامة 5. وتأول الجمهور هذا الحديث على أنه فعل ذلك لعذر حال 6 بينه وبين مباشرة الرأس.
فأشبه المسح على الجبيرة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المسح على الجبائر واجب عندنا.
وأنكر أبو حنيفة كون المسح فرضًا وقال هو سنة.
وسبب الاختلاف في ذلك أن القرآن جاء بالغسل.
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا بالمسح على الجبيرة 7. وهذه قضية

في عين.
فإذا قلنا بتعديها لسائر الأشخاص، كما قال جماعة من أهل الأصول، فقد صارت هذه القضية زائدة حكمًا، وهي خبر واحد.
والزيادة على النص نسخ على أصل أبي حنيفة.
وليست بنسخ 1 عند غيره.
فمن لم يجعلها نسخًا أثبت المسح كما قال مالك.
ومن جعلها نسخًا لم يوجب المسح على الجبيرة كما قال أبو حنيفة.
لأن النسخ لا يكون بخبر الواحد.
وإنما قال بالمسح على الخفين؛ لأنه خرج عنده ما ورد فيه من الآثار عن مرتبة الآحاد.
ولما سقط عنده العمل بهذا الخبر على جهة الإيجاب استخف أن يعمل به على حكم السنن لئلا يبطل العمل بالخبر أصلًا.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما لم يشترط الطهارة في مسح الجبيرة واشترطناه 2 في مسح 3 الخفين.
لأن لبس الخفين اختياري يمكن أن يؤمر اللابس إذا أراد المسح ألا يلبسهما إلا على طهارة.
فلما أمكن ذلك جاء الشرع به.
ولا يمكن أن يقال للإنسان لا تكسر أو تجرح إلا على طهارة.
فلما لم يمكن ذلك لم يجىء الشرع به.
وقد قال الشافعي إن شد الجبيرة على غير طهارة أعاد الصلاة.
وإن شدها على طهارة فله في الإعادة قولان.
ولا معنى عندنا نحن للإعادة؛ لأنه مكلف انتقل بحكم الضرورة إلى بدل فلم تلزمه الإعادة 4 كالمسافر إذا تيمم لعذر ما 5. والمكفر إذا صام لعدم الرقبة.
وهذا واضح.
وقد كنا أشرنا في باب التيمم إلى ذكر الاختلاف فيمن لبس خفيه قبل الصلاة وهو متيمم ثم أحدث.
هل له أن يمسح عليهما؟ فأغنى ما أشرنا إليه هناك عن نقل نص الاختلاف في ذلك ها هنا.
= النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن أمسح على الجبائر.
السنن ج 1 ص 215. وفي سنده عمرو بن خالد كذبه أحمد وابن معين.
وقال البخاري منكر الحديث.

واضطرب في صفة المسح هل يبدأ بأن يضع 1 عند الأصابع ويمر إلى العقب.
أو عند العقب ويمر إلى الأصابع.
أو يضع إحداهما عند العقب والأخرى فوق الأصابع ويمر بكل واحدة منهما إلى مبدإ الأخرى لئلا يكون في أسفل الخف ما ينبغي إزالته فيلصقه بالعقب إذا كان مروره بيده إليها.
والاختلاف في هذا قريب.
فلهذا لم يفرد 2 بالذكر في سؤال يختص به.

باب في الحيض والنفاس وما يتصل بهما

قال القاضي رحمه الله: الدماء التي تزجيها 1 الرحم ثلاثة: 1 - دم حيض.
2 - ودم نفاس.
3 - ودم علة وفساد، وهو الاستحاضة.
فأما دم الحيض: فهو الخارج من الفرج على وجه 2 الصحة بغير ولادة.
والنفاس ما كان عقيب الولادة.
والفساد ما خرج عن صفتهما 3. ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئًا وهي: 1 - وجوب الصلاة.
2 - وصحة فعلها.
3 - وفعل الصوم دون وجوبه.
وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم، ونفيه في الصلاة 4. 4 - والجماع في الفرج، وما دونه.
5 - والعدة.
6 - والطلاق.
7 - والطواف.
8 - ومس المصحف.

9 - ودخول المسجد.
10 - والاعتكاف.
11 - وفي قراءة القرآن روايتان.
ويمنع الجنب من القراءة إلا الآيات اليسيرة للتعوذ.

قال الإِمام رضي الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة هذا التقسيم؟.
2 - ولم جعل الحيض يمنع وجوب الصلاة دون وجوب الصوم؟.
3 - ولم حرم الجماع في الحيض؟.
4 - وما فائدة تقييده بقوله وما دونه؟.
5 - ولم منع مس المصحف؟.
6 - ولم منع دخول المسجد؟.
7 - ولم اختلف في قراءة القرآن؟.
8 - ولم منع الجنب من القراءة؟.
9 - ولم جوزت له الآيات اليسيرة؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على صحة هذا التقسيم: أنه ليس للجسم سوى حالتين: صحة أو مرض.
فالدم الخارج من الفرج لا بد أن يصادف إحدى هاتين الحالتين.
فإن خرج على حالة المرض سمي دم استحاضة.
وإن خرج على حالة الصحة فليس للمرأة الصحيحة أيضًا سوى حالتين.
إما أن تكون حاملًا.
أو تكون حائلًا.
فإن كان خرج عند وضع العمل سمي نفاسًا.
وإن خرج من حائل صحيحة سمي حيضًا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد تعقب بعض الأشياخ من أهل الأصول على القاضي أبي محمَّد هذا الكلام.
وقال: كيف يقال إن الحيض لا يمنع الوجوب، والحيض لا يصح معه الصوم، بل الصوم فيه معصية؟ فكيف يوسف ما هو معصية بأنه واجب هذا غاية التناقض.
واعلم أنا نفتقر ها هنا إلى

أن نورد عليك فصلًا يتعلق بعلم الأصول ليتضح لك الكلام 1 المتعقب عليه.
فنقول الصوم الذي لا يجوز تأخيره لا امتراء في وجوبه.
لأن الواجب ما يستحق الذم بتركه على وجه ما.
وهذه الحقيقة موجودة فيما قلناه من الصوم الذي لا يؤثم مؤخره.
وقد جاء الشرع بجواز تأخير صوم رمضان لمريض.
وإيجاب التأخير على الحائض.
فالتبس فيه الأمر على من خاض في علم الأصول.
فقد يستلوح من حيث أن الصوم لم يسقط أصلًا 2 أن الوجوب لم يسقط.
وقد يستلوح من حيث أن الفطر جائز أن الوجوب ساقط.
لأن الواجب لا يجوز تركه.
وقد اضطرب أهل الأصول في ذلك.
فأنكر الكرخي خطاب هؤلاء بالصوم، وأشار غيره إلى خطاب جميعهم.
وقال جماعة من أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم بخطاب المسافر والمريض دون الحائض.
وقال آخرون من أصحابنا وغيرهم أيضًا بخطاب المسافر دون الحائض والمريض.
وسبب الاختلاف بين أهل الأصول ما نبهتك عليه أن التأخير، لما وجب أو جاز، لم يصح مع ذلك أن يقال بأن الخطاب بالوجوب متصل بهؤلاء.
لأن اتصال الخطاب بالوجوب يمنع الترك.
والترك جائز لهؤلاء أو واجب.
ولما رأى آخرون وجوب القضاء على جميعهم وحقيقة القضاء إنما تستعمل 3 في ترك واجب، بَعُدَ عندهم مع ذلك وصفهم بسقوط الوجوب.
إذ لو سقط لم يكن الصوم الموقع بعد رمضان قضاء.
ورأى آخرون افتراق حال ما يجب تركه كصوم الحائض، وما يجوز تركه كصوم المريض والمسافر.
فقالوا سقوط الوجوب عن الحائض لأن وجوب الفعل مع وجوب تركه طرفا نقيض.
فكيف يتصور أن يقال الصوم واجب على الحائض، ومن فعل الواجب أجر، ويقال مع هذا، الصوم محرم عليها.
ومن فعل المحرم أثم.
فتكون مأثومة مأجورة معًا في حالة واحدة؟ هذا عين التناقض؟ وأما المسافر والمريض فإنهما لو صاما لأجرا ولم يأثما، وناب صومها مناب الواجب، وبرئت الذمة به.
فلم يُوقِعْ القول بأن

الصوم واجب في تناقض كما وقع في الحائل.
فلهذا افترق الأمر عند هؤلاء، وصار الأمر في إجازة التأخير لهذين، كإجازة تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
ولم يخرج الصلاة ذلك عن وصفها بالوجوب بأول 1 الوقت.
وإنما يبقى ها هنانظر آخر، وهو أن يقال 2 جواز الترك ينفي حقيقة الوجوب.
فكيف وصفت 3 الصلاة بالوجوب أول الوقت؟ وهذه المعارضة ألجأت القاضي أبا بكر بن الطيب وغيره من الأئمة إلى إثبات العزم واجبًا ليكون بدلًا من تقدمة الصلاة أو الصوم 4 ولم يساعده آخرون على إثبات العزم.
ولا مطمع في الخوض في هذا الأصل الآخر في كتابنا هذا.
لأنه من الدقيق الغامض الذي يفتقر إلى الاستبحار في علم الأصول.
ورأى الآخرون 5 أن سقوط الصوم على المريض، قصد الشرع التخفيف عنه بسقوط التكليف لكونه في حكم العاجز عنه.
والعاجز لا يكلف.
والمسافر قادر.
فقصد الشرع التخفيف بالتأخير لا بإسقاط التكليف.
فاتبع في ذلك قصد الشرع.

والقاضي أبو بكر بن الطيب على عظم شأنه في علم الأصول قد يميل في بعض كتبه إلى التفرقة بين المريض الذي يعسر عليه الصوم ويشق، وبين المسافر لأجل هذا الذي قلناه.
ويميل في بعض تصانيفه إلى التسوية بينهما في اتصال الخطاب بهما.
وفيهما وقع الالتباس عند الحذاق.
وأما من ذهب إلى أن الحائض مخاطبة بالصوم كهذين 6 واعتمد على كون صومها الموقع بعد رمضان قضاء، فإنه يتمسك بوجهين: أحدهما لفظي، والآخر معنوي.
فأما اللفظي فتسمية أهل الشرع صومها الموقع بعد رمضان

قضاء.
والواجب 1 على هذا أن يقال القضاء يشعر في اللغة بأمر فائت.
والفوات على قسمين: ذوات واجب، وفوات وجوب.
فمن ترك صلاة سمي فعله لها بعد الوقت قضاء لأنه ناب مناب واجب فات.
وأكثر ما يطلق اسم القضاء في هذا القسم.
وأما الحائض فإنا لو توهمنا عدم طرو الحيض عليها لكانت مخاطبة بالصوم بإجماع.
فلا شك أن الحيض هو الذي يرفع هذا الخطاب حتى صار الوجوب كالفائت الذي يقضي بوجوب آخر، وهو الوجوب المتوجه عليها بعد رمضان.
فتسهل الفقهاء في العبارة فأطلقوا العبارة المستعملة في ذوات الواجب على ذوات الوجوب *لشدة ارتباط ما بين الواجب والوجوب 2 * وهذا غير مستنكر في اللغة والعرف.
ولأن 3 الدليل القاطع العقلي الذي ذكرناه أولًا في إفساد هذه المقالة يتمسك بإطلاق عبارة اصطلح عليها الفقهاء.
وأما الوجه المعنوي الذي تمسكوا به فهو أمثل 4 من هذا.
وذلك أنهم قالوا إن الحائض تنوي بصومها القضاء.
فلولا أنها مخاطبة بالصوم أيام حيضتها لم تؤمر بنية القضاء.
لأن ما لم يجب يستحيل أن يقضى.
وهذه معارضة صعبة لهؤلاء.
وقوإنطلقت الألسنة بشدة النكير عليهم لقولهم إن الحائض مخاطبة بالصوم.
ورأى المنكرون عليهم أن هذا القول أوقعهم في عين المحال المتناقض على حسب ما قدمناه لك أولًا.
والقوم إنما حملهم على ما قالوه، هذا الذي ذكرناه من كون الحائض مأمورة بنية القضاء.
ولعله الذي دعا القاضي أبا محمَّد إلى إطلاق هذا القول الذي تعقب عليه في كتابه هذا.
فاعلم أن الوجوب في الشرع ربما كان له سبب معلوم.
وربما لم يكن له سبب.
فمثال ماله سبب: مفسد الصلاة، ومفسد الحج، ومفسد الصوم.
فإن الوجوب للقضاء متوجه عليه بسبب إفساده 5. ومثال ما لا سبب له، الصلاة الواجبة ابتداء،

والصوم، والحج.
فإذا كان المكلف يعلم أن الوجوب له سبب، فلا بد أن يتعرض له في نيته.
لأن النية إنما شرعت لتمييز عبادة من عبادة.
ألا ترى أن الساجد لله 1، والساجد للصنم، صورة سجودهما واحد.
وإنما فرق بينهما النية والقصد.
وكذلك التطوع، وصوم الفرض.
صورتهما واحدة.
وإنما تفرق 2 بينهما النية.
فإذا لم تصم الحائض رمضان، وأوقعت صومها في شوال، فصورة صومها في شوال، وهي متطوعة بالصوم، كصورة صومها في شوال صومًا واجبًا عليها.
فلا بد إذا صامت في شوال من تجديد نية يتميز بين كون صومها نفلًا أم فرضًا.
فإذا نوت الفرض وتوجه ذلك عليها 3 لما قلناه، فهي تعلم حينئذ أن الله سبحانه لم يفرض على أحد من المسلمات صوم شوال.
ولولا ما رفعه الحيض من الخطاب بصوم رمضان لما وجب عليها صوم شوال.
فقد صارت نية الفرض لا بد لها منها.
ونية الفرض يتضمن أن هذا الوجوب عليها إنما هو كالقضاء عن وجوب فات.
فهذا هو سر إطلاق الفقهاء وأهل الشرع، لكون صومها قضاء، ومعنى أمرها بذلك.
ولقد قال بعض العلماء: لو أمكن تمييزها الصوم بهذه الحقيقة دون التعرض منهالقضاء، أو أداء، لاكتفي 4 بذلك.
وهذا فصل قد كشفنا لك فيه اختلافًا كثيرأوقع بين أهل الأصول.
ومعنى أطلقه أهل الفروع.
وبُحنا لك بالسر فيه فاحتفظ به.
فما تعرض لهذا أحد من الفقهاء المصنفين.
وإذا أحطت به علمًا علمت حقيقة ما قاله القاضي أبو محمَّد في هذا الكتاب، وحقيقة ما تعقب عليه.
فإن تركت قوله على ظاهره فقد وقع بقولته هذه مع تلك الطائفة من أهل الأصول التي ذكرنا لك قولهم.
والحجة لهم وعليهم.
وإن = حول أقل الحيض والنفاس مما يدل على أن الورقة انفصلت من مكانها ثم وضعت في غير موضعها.
وأن الناسخ للنسخة التونسية الثانية نقلها عن النسخة الوطنية رقم -1 - وأن نسخة الوزير منقولة عن النسخة التونسية رقم -2 - .

أحببت 1 الاعتذار عنه وإلحاقه بالجمهور في هذه المسألة وهو الظن الجميل به لعلو قدره في علم الأصول والفروع، قلت قد أريناك معنى قول الفقهاء إن صوم الحائض يسمى قضاء.
وأنها تنوي القضاء فيكون ذلك المعنى الذي أريناك إليه، نحا القاضي أبو محمَّد في إطلاق هذه العبارة، فيكون معنى قوله أن الحيض يمنع من فعل الصوم دون وجوبه ويمنع من فعل الصلاة ووجوبها أن الحيض حرم الصلاة ولم يأت الشرع بفعلها بعد تقضيه.
فقد منع الفعل، والوجوب كما قال.
ومنع فعل الصوم مع الحيض، وأتى بوجوب الصوم بعد أن تقضيه 2 فلم يمنع الوجوب، بمعنى أنه لم يرفعه رفعًا كليًّا بل كان فوت الوجوب في أيام الحيض سبب الوجوب في غيرها من الأيام.
فأشعر بهذه العبارة لوجه الفرق بين الصلاة والصوم.
وهذا هو العذر له عما تعقب عليه.
وقد أشبعنا هذا الفصل من علم الأصول، لتعلقه بهذه اللفظة الواقعة في هذا الكتاب.
ولأن المتعرض لتعقبها عليه من الحذاق بالأصول والفروع.
وفي هذا الذي قلناه مقنع.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما حرم الوطء في الحيض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ﴾ 3. فنبه سبحانه على أن كونه أذًى هو المانع من الوطء وقد جاءت الآثار بمنع ذلك فلهذا منع الوطء في الحيض.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما وطء الحائض فيما دون الفرج بين فخذيها، فالمشهور من المذهب النهي عنه واستخفه أصبغ.
فوجه المشهور قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ﴾.
والمراد من المحيض ها هنا زمن الحيض عند بعض أهل العلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
وظاهر هذا يقتضي اعتزالها جملة وألا يقرب شيئًا منها.
لكن جاءت الآثار بإباحة ما فوق الإزار، فخص ما فوق الإزار بالإباحة.
وفي الخبر: ما يحرم علي

من امرأتي وهي حائض؟ فقال ما تحت الإزار 1. ووجه ما قاله أصبغ: أن علة النهي الدم 2. فيجب أن يختص النهي بموضعه.
وإنما يكون معنى النهي عن وطئها بين الفخذين حماية للذريعة، لئلا يقع في وطء الفرج.
فإذا أمن من ذلك اسخف له الوطء.
وقال ابن الجهم من أصحابنا الإزار من السرة إلى الركبة.
فيكون النهي عن الوطء فيما بين هذين، حماية لئلا يقع في وطء الفرج الذي هو ممنوع.
كما نهي عن التنفل بعد العصر حماية للذريعة أيضًا.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: الحدث مانع من مس المصحف عندنا.
ويستوي في ذلك الحدث الأصغر والأكبر.
وأجاز داود مسه للجنب، وللمحدث 3 الحدث الأصغر.
ودليلنا قوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) في كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ 4. وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: لا يمس المصحف إلا طاهر 5. وأما داود فإنه يحمل الآية على أن المراد بها الملائكة.
ومنعه أصحابنا من هذا وقالوا هذا اللفظ يوهم صحة وجود من ليس بمتطهر في السماء.
وإنما يصح وجود
6 من ليس بمتطهر في الأرض لا في السماء.
وكأن أصحابنا قد رأوا دخول = إلا = ها هنا, يشير إلى أن بعدها من المستثني يدل على أنه إنما خص بالذكر لئلا يتوهم أن حكمه كحكم غيره ممن لم يستثن.
وهذا يقتضي كون غيره متوهمًا دخوله في الخطاب.
قالوا وإن حمل داود الآية على الخبر فلا بد أن يكون معناه معنى النهي؛ لأنه إذا وجب حملها على من في الأرض، ونحن نعلم أنه قد يمسه من أهل الأرض من ليس بطاهر، وخبر الله سبحانه لا يصح أن يوجد الأمر بخلافه، وجب أن يكون الخبر معناه معنى النهي.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف الناس في دخول الحائض والجنب المسجد.
فمنعه مالك على الإطلاق.
وأجازه زيد بن أسلم عابر 1 سبيل.
وقال ابن مسلمة من أصحابنا: الجنب والحائض طاهران وليس ابن جسين.
وإنما تمنع الحائض من دخول المسجد صيانة للمسجد على أن يناله من دمها شيء.
والجنب يدخل المسجد لأنا نأمن ذلك منه.
قال بعض أشياخي: هذا يقتضي جواز كون الجنب في المسجد، والحائض 2 إذا استثفرت وتحققت صيانة المسجد عن الدم.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب 3. وأما زيد فإنه يعتمد على قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 4. والمراد بالصلاة ها هنا موضعها.
إذ نفس الصلاة لا يصح فيها عبور السبيل.
وإنما يعتبر 5 السبيل في المساجد وغيرها من الأماكن.
وهكذا حمل الشافعي الآية على ما حملها عليه زيد وأجاب أصحابنا عن هذا: بأن إثبات إضمار.
وحمل الآية على المجاز من غير دليل يضطر إليه لا يمكن.
وما قدره زيد، دليل يلجئ إلى ذلك.
من كون الصلاة لا يصح العبور فيها.
فليس الأمر كما قدروا.
وإنما المراد بعابري السبيل ها هنا المسافر الذي لا يجد الماء.
فإنه يقرب 6 الصلاة بالتيمم وإن لم يغتسل.
وإن صح حمل الآية على هذا التأويل فلا وجه لإثبات إضمار في الآية من غير ضرورة إليه.
وأما ابن مسلمة فإنه يعتمد على قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن المؤمن لا ينجس 7. وإذا لم يكن نجسًا فلا وجه عنده لمنعه من دخول المسجد.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما وجه إجازة القراءة لها، فلأن عائشة كانت تقرأ القرآن وهي حائض والظاهر أن هذا مع تكرره عليها، وكونها مع النبي عليه السلام من القرب في فراش واحد، أنها طالعته على ذلك، أو فهمت عنه ما استباحت هذا منه.
وأما وجه المنع فقياسًا على الجنب.
وقد فرق أصحاب الرواية الأولى بينهما وبين الجنب، بأن 1 حدث الجنب مكتسب وهو قادر على رفعه بالطهارة، ومدة جواز بقائه عليه لا تطول.
والحائض من غير اكتسابها.
واغتسالها لا يرفع حكم الحيض.
ومدة أيام حيضتها تطول فقد يؤدي هجرها للقراءة لنسيانها.
فأبيحت لها القراءة لأجل هذا.
والجنب فيه بخلافها.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما قراءة الجنب للقرآن فاختلف قول مالك فيها.
والمشهور عنه المنع.
وقال الشافعي لا يقرأ شيئًا من القرآن أصلًا.
وقال داود يقرأ ما شاء.
ودليلنا على المنع ما وقع في الخبر لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن.
وإخبار علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ القرآن ما لم يكن جنبًا 2. وقد صحح الترمذي حديث علي رضي الله عنه هذا.
ولأن ابن رواحة لما اتهمته امرأته بالجارية وجحدها.
فطلبته بقراءة القرآن فتخلص منها بأن أنشدها شعرًا فصدقته.
فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
فقال: امرأتك أفقه منك 3. فلولا اشتهار المنع حتى علمته النساء ما طلبته بالقراءة.
ولو كانت القراءة مباحة لما احتاج هو إلى الإلغاز عليها بإنشاد الشعر ولا قال له صلى الله عليه وسلم امرأتك أفقه منك.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إذا ثبت منع الجنب القراءة فإنه

يباح له اليسير منها كالآية والآيتين للتعوذ أو ما في معناه.
ولم يجز أبو حنيفة له إلا قراءة بعض آية.
ودليلنا على جواز اليسير أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وكتب لهم باليسير منه 1. فدل أن اليسير معفو عنه إذا دعت الحاجة إليه.
وأما حصر أبي حنيفة الإباحة على بعض آية لكون بعض الآية ليس بمعجز.
فإنه غير مسلم له.
إذ لا مدخل للإعجاز ها هنا.
والحرمة ثابتة لجميع القرآن ما قل منه وما كثر.
فإذا دعت الحاجة للإباحة فإنما يقتصر على قدر الحاجة.
وعلى اليسير المعفو عنه على حسب ما بيناه.
هذا وفي القرآن آية أقصر من البعض الذي أشار إليه أبو حنيفة من الآية الأخرى، وما كان بالغًا في القصر من الآي فليس بمعجز وهو مع هذا آية كاملة.
وقد عد من أقصر آي القرآن مدهامتان 2. وأقصر منها ثم نظر 3. لأنها خمسة أحرف.
وهذا القدر ليس بمعجز.

قال القاضي رحمه الله: وأقل الحيض والنفاس لا حد له، وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا وأكثر النفاس ستون يومًا.
ولا حد لأقل الاستحاضة.
ولا لأكثرها 4 ولابد من طهر يفصل بين الحيضتين وأقله خمسة عشر يومًا على الظاهر من المذهب ولا حد لأكثره.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لم قال إن أقل الحيض والنفاس لا حد له؟.
2 - وهل ذلك على الإطلاق أو التقييد؟.
3 - ولم قال إن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا؟.
4 - ولم قال أكثر النفاس ستون يومًا؟.
5 - ولم نفى الحد عن أكثر الاستحاضة وأقلها؟.
6 - وما معنى قوله لا بد من طهر يفصل بين الحيضتين؟.

7 - ولم جعل أقله خمسة عشر يومًا؟.
8 - وما معنى قوله على الظاهر من المذهب؟.
9 - ولم نفى الحد عن أكثره؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما أقل الحيض فاختلف الناس فيه.
فعندنا أن الدفعة من الدم حيض.
وقال الشافعي أقل الحيض يوم وليلة.
وقال أبو حنيفة أقله ثلاثة أيام.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ﴾ 1. فأطلق الاسم.
والاعتزال واجب في قليله من غير تحديد.
فدل على أن قليله حيض.
ولأنها مأمورة بترك الصلاة والصوم 2 عند ظهوره.
فلو لم يتحقق أنه حيض لما أمرت بترك الصلاة في مشكوك فيه، هل يتمادى إلى الحد الذي حدوه فيكون حيضًا؟ أو ينقطع قبله فلا يكون حيضًا؛ وهذا يوضح ما قلناه من أنه لا حد لأقله أيضًا 3 *وحكم النفاس في ذلك كحكمه.
فلهذا قال لا حد لأقله أيضًا 4 *.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نفينا التحديد فيما يمنع الصلاة.
ويسقط الصوم.
وأما الاعتداد به من الطلاق والاستبراء به، فإنا 5 لا نرى الدفعة تكفي في ذلك.
وهل يحد ما يكفي في ذلك أم لا؟ المشهور نفي التحديد والرجوع إلى ما يكون في العادة حيضة.
وقال بعض أصحابنا أقل الحيض ثلاثة أيام.
وقال بعضهم أقله خمسة أيام.
فعلى هذين القولين يكون ما يكفي 6 في العدة والاستبراء محدودًا بما حده 7 به هؤلاء.
فقد وضح أن ما قاله القاضي أبو محمَّد ليس على الإطلاق.
وقد قال أبو الفرج: الدفعة

حيض، وليست بحيضة.
وإنما أشار بهذا القول لما قلناه من افتراق حكم العدة ومنع الصلاة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما أكثر الحيض فإنه خمسة عشر يومًا.
وقال أبو حنيفة أكثره عشرة أيام.
ودليلنا وصفه - صلى الله عليه وسلم - المرأة بأنها تترك الصلاة نصف دهرها 1. فلو كان أكثر الحيض أقل من خمسة عشر يومًا لم تكن تاركة للصلاة إلا أقل من نصف دهرها فدل ذلك على صحة ما قلناه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما أكثر النفاس فاختلف فيه.
هل هو محدود أم لا؟ فروي عن مالك ترك التحديد.
والرجوع إلى عادات النساء في ذلك.
وروي عنه التحديد، وبه قال أبو حنيفة.
فحده مالك بستين يومًا.
وحده أبو حنيفة بأربعين يومًا.
وقد اتفق المحددون على اعتباره بمقدار أكثر في أربع حيضات.
فلما كان أكثر الحيض عند مالك خمسة عشر يومًا حده بستين يومًا لأنها نهاية أكثر في أربع حيضات.
ولما كان أكثر الحيض عند أبي حنيفة عشرة أيام حده بأربعين يومًا لأنه مقدار الأربع كما بيناه.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما نفى التحديد عن دم الاستحاضة؛ لأنه دم خارج عن المجرى الطبيعي المعتاد.
وهو دم مرض وعلة.
والأمراض لا تحد بزمن بل تطول وتقصر وتشتد وتضعف على قدر السبب الباعث لها.
والمزاج، والقوة، والتدبير الصالح أو الفاسد.
وهذا كله يمنع التحديد لكن يعتبر في أيام الاستحاضة أن تبلغ مبلغًا يكون فاصلًا بين الدمين.
وتحديد ذلك والكلام عليه يذكر بعد هذا في موضعه إن شاء الله.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما معنى قوله: ولا بد من طهر يفصل بين الحيضتين.
فإنه يريد بذلك أن المرأة إذا رأت الدم ثم طهرت 2 منه،

ورأت بعد طهرها بأيام دمًا آخر، فهل يكون هذا الدم الثاني حيضة مستأنفة يعتبر فيها خمسة عشر يومًا إن تمادى بها الدم؟ أو تكون مضافة إلى الحيضة الأولى فيحسب من الدمين جميعًا خمسة عشر يومًا، وتقدر أيام الطهر كأنها لم تكن؟ هذا يفتقر فيه إلى معرفة أيام الطهر الفاصلة بين الدمين.
هل بلغت إلى ما يحد به أقل الطهر أم لا؛ فإن بلغت لذلك، كان الدم الثاني حيضة مستأنفة.
وإن لم تبلغ ذلك كان الدم الثاني كأنه بعض حيضة وأولها ما سبق من الحيض قبل أيام الطهر.
فيكون فائدة هذا اعتبار الخمسة عشر يومًا التي هي أكثر أيام الحيض أو اعتبار قدر العادة في الحيض.
هل يكون مبدأ 1 ذلك، مبدأ الدم الأول أو الدم الثاني؟ يعتبر في ذلك ما قلناه من كون أيام الطهر فاصلة أم لا؟.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما جعل أقله 2 خمسة عشر يومًا.
لوصفه - صلى الله عليه وسلم - المرأة أنها تترك الصلاة نصف دهرها، فلا 3 يمكن أن يكون وصفها بالأقل من مدة الحيض والطهر.
لأن اليوم الواحد إذا حاضت فيه تركت الصلاة.
وليس اليوم نصف الشهر ولا يمكن أن يكون وصفها بالأكثر 4 فيهما؛ لأن الطهر قد يطول بها شهرًا فلا تكون تاركة للصلاة نصف دهرها.
ولأجل هذا لا يمكن أن يكون وصفها بأكثر في الطهر والأقل في الحيض, لأن أكثر الطهر لا يحد لما 5 بيناه فلم يبق من التقسيم العقلي سوى وصفها بأكثر الحيض، وأقل الطهر.
وهذا يوجب كون أقل الطهر خمسة عشر يومًا.
وقد جعل الله سبحانه عدة المطلقة التي تحيض ثلاثة أقرؤ وجعل عوضًا عن ذلك في اليائسة ثلاثة أشهر، لكون كل شهر منها بدلًا من أكثر الحيض وأقل الطهر.
إذ لا يمكن أن يكون عن أكثرهما لما قدمناه ويعاد ما ذكرناه من

التقسيم حتى لا يصح إلا ما قلناه.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما قال على الظاهر من المذهب إشارة إلى الاختلاف في ذلك.
وقد اختلف فيه هل هو محدود أو لا؟ فقيل ليس بمحدود بل يرجع إلى ما يكون طهرًا في العادة.
وقيل بل 1 هو محدود.
واختلف المحددون في المبلغ: فقيل خمسة عشر يومًا وهو الذي ذكره القاضي أبو محمَّد.
وقيل عشرة.
وقيل ثمانية أيام.
وقيل خمسة أيام.
ولا يكاد يتحرر لهذه الأقاويل توجيه يعتمد عليه ويسلم من المناقضة سوى من حده بخمسة عشر يومًا.
فإنا قد ذكرنا توجيهه.
ولعل الآخرين حوموا حول العوائد التي قال بها من نفى التحديد.
فحدده كل إنسان منهم بما قدر أنه عادة.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما نفي التحديد عن أكثر الطهر فإنه يحال تصحيحه على المشاهدة لأنا نعاين من النساء من تقيم طاهرًا أشهرًا.
ولا يمكن تحديد ذلك لاختلافهن فيه.
والقول في هذا أيضًا هو القول الذي قدمناه في نفي التحديد عن دم الاستحاضة.
لأن خروج الدم زائدًا 2 على أيام العادة واحتباسه عن أيام العادة كمرض من الأمراض.
والأمراض لا تحد زمانها لاختلاف الأسباب الباعثة لها كما 3 قدمناه، وهذا واضح.

قال القاضي رحمه الله تعالى: والحُيّضُ 4 ضربان: مبتدأة ومعتادة.
فالمبتدأة تترك الصلاة لرؤية أول دم تراه إلى انقطاعه، وذلك إلى تمام خمسة عشر يومًا، أو مدة أيام لِدَاتها.
على اختلاف الرواية.
فإن زاد على ذلك، فإن 5 اعتبرنا الخمسة عشر يومًا اغتسلت وصلّت 6 وكانت مستحاضة.
وإذا اعتبرنا أيام لداتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا.
وفي المعتادة

روايتان: إحداهم ابن اؤها على عادتها وزيادة ثلاثة أيام، والأخرى جلوسها إلى آخر الحيض، ثم يعملان فيما بعد على التمييز، إن كانتا 1 من أهله.
فإن عدمتا التمييز صلتا أبدًا ولم يعتبرا بعادة 2.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل يعتبر كون المبتدأة في سن من تحيض أم لا؟.
2 - وهل يعتبر في المعتادة ذلك؟.
3 - ولم قال بالاقتصار على خمسة عشر يومًا؟.
4 - ولم قال بالاقتصار على أيام لداتها؟.
5 - ولم نفى الاستظهار بعد خمسة عشر يومًا؟.
6 - ولم أثبته بعد أيام لداتها؟.
7 - ولم حده بثلاثة أيام؟.
8 - ولم اختلف القول في المعتادة؟.
9 - ولم عملا على التمييز ولم يعتبرا بعادة؟ 3.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما المبتدأة فإنها التي جاءها الدم المبتدأ الذي لم يتقدمه دم قبله.
ويعتبر فيه أن تكون في سن من يجيئها الحيض.
فإذا جاءها دم وهي من الصغر بحيث لا يمكن أن تحيض، فلا اعتبار بهذا الدم.
وهو دم علة وفساد وقد تقدم الكلام على 4 أن هذا لا يعتبر به.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أن المعتادة هي التي تكرر عليها دم الحيض واعتادته.
فإن جاءها الدم، وهي من الشيخ والهرم، بحيث لا يمكن أن تحيض فهل يعتبر بهذا الدم، ويكون مانعًا من الصلاة والصوم أم لا؟ فيه قولان: فمن لم يعتبر به رآه كدم الصغيرة وقد تقدم الكلام عليه.
ويعضد ما قاله بأن

المذهب اتفق على نفي الاعتداد به.
فلو كان حيضًا لاعتبر في العدة.
وإذا 1 قلنا أنه لا يمنع الصلاة، فهل عليها غسل إذا انقطع؟ فيه قولان: فمن نفى الغسل رآه كدم الجرح.
ومن أثبته فعلى جهة الاحتياط.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد قدمنا أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا.
وذكرنا الدليل عليه.
فأغنى عن إعادته.
فإذا ثبت أن أكثره خمسة عشر يومًا، وكانت التي رأت الدم قد منعها الشرع من الصوم والصلاة فكل ما رأته دم حيض، حتى ينقل عنه ناقل.
ولا ناقل يتحقق إلا بلوغها إلى أمد لا يمكن أن ينتهي الحيض إليه، وذلك خمسة عشر يومًا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما لداتها فهن أترابها وأقرانها، فإنما اعتبر في دمها بلوغها إلى دم أمثالها, لأن الأمور الطبيعيات يستوي فيه ابن ات آدم مع تساوي الأسباب العامة.
هذا هو الغالب المعلوم في العادة.
كاستوائهن في النوم واليقظة واللذة والألم.
وإذا كان ذلك كذلك، غلب على الظن عند بلوغها في الحيض مبلغ أمثالها أن الزيادة على ذلك خروج عن الأمر الطبيعي، ولحوق بالعلل والأمراض.
وذلك يوجب الحكم يكون الزائد على أيام اللدات دم استحاضة قطعًا أو احتياطًا 2. فمنهم من حكم يكون هذا الدم الزائد على أيام اللدات دم استحاضة قطعًا.
ومنهم من حكم به احتياطًا.
وتظهر ثمرة الخلاف في مسائل منها جواز وطئها.
فوقع في الموازية جوازه.
وهذ ابن اء على أنها مستحاضة قطعًا.
وقال بعض أصحاب مالك: تصلي وتصوم ولا توطأ.
فإن انقطع الدم عند الخمسة عشر أشعر بانتقال عادتها في المحيض.
وإن زاد على خمسة عشر تحققت الاستحاضته وقفت الصوم والصلاة الموقعين ما بين أيام لداتها والخمسة عشر يومًا.
وهذ ابن اء على أنها مستحاضة احتياطًا.
ومن ثمرة الاختلاف في ذلك قضاء الصوم والصلاة فإن هؤلاء أمروا

بفضائها، كما حكيناه عنهم.
ومن يراها مستحاضة قطعًا لا يأمرها بالقضاء.
ومن ثمرة الاختلاف في ذلك الحكم في اغتسالها.
فقد قال ابن الجهم تغتسل عند الخمسة عشر يومًا غسلًا هو الواجب عليها.
ولو تركت ما أمرناها به من الصلاة لم تقضها وهذ ابن اء منه على أنها مستحاضة احتياطًا.
وقد عبر بعضهم بناء على هذه الطريقة بأن الغسل عند انقضاء أيام اللدات مستحب، وعنوإنقضاء الخمسة عشر يومًا واجب.
وهذه العبارة يجب عندي أن تحقق.
لئلا تغلط من لا دربة له بالحقائق، فيتوهم أن الغسل مستحب فلا تأثم إن صلت بغير غسل.
لأن من ترك مستحبًا لم يأثم.
وليس الأمر كذلك.
بل إن صلت بغير غسل أثمت بإجماع لأنها حائض صلت ولم تغتسل.
والصلاة وإن كانت عند هؤلاء غير واجبة فالطهر لها واجب على من أراد الشروع فيها.
وهذا كصلاة النافلة، هي غير واجبة.
والوضوء واجب على من أراد الشروع فيها ولعل معنى قول هؤلاء أن الغسل مستحب، أنها لو تركته لتركها الصلاة لم تأثم.
فهذا الإطلاق يجب أن يحقق هكذا.
وأما من حكم بأنها مستحاضة قطعًا فلا ريب عنده في وجوب الغسل، لاعتقاده وجوب الصلاة عليها.
ومن ثمرة الخلاف في ذلك أنها إذا وجبت عليها عدة كان مبدأ الطهر الذي هو عدتها، عند انقضاء أيام لداتها، عند من رآها مستحاضة قطعًا.
ومبدؤه عند من رآها مستحاضة احتياطًا، عند ذهاب الخمسة عشر يومًا.
ويظهر عندي فائدة ذلك في طلاقها حينئذ.
هل يجبر الزوج فيه على الرجعة إذا كان الطلاق رجعيًا؟ فمن رآه استحاضة محققة لم يجبره على الرجعة.
ومن جعله استحاضة على جهة الاحتياط لم يجعله طهرًا فيجبره على الرجعة.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما الاستظهار بعد خمسة عشر يومًا 1 فالمشهور عندنا نفيه.
لأنا 2 قد أقمنا الدليل على أنه أكثر مدة الحيض.
وذلك يفيد كون الزيادة عليه استحاضة.
وإذا تحققنا كونه استحاضة فلا معنى للاستظهار.
وقد قيل تستظهر اليوم واليومين.
وحكي عن ابن نافع أنها

تستظهر بثلاثة أيام.
هكذا نقله عنه ابن حارث وبعض أشياخي.
وأنكر بعض الأشياخ أن يكون ابن نافع حوإلاستظهار بحد.
قال وإنما ذكر عنه أنه قال: تستظهر.
ولعله أراد باليومين.
لأن من الناس من قال أن أكثر الحيض سبعة عشر يومًا.
ولم يقل أحد بالزيادة على ذلك فلا معنى لإثبات الاستظهار في أمد اتفق على أنه لا يبلغ أكثر الحيض إليه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في الاستظهار فقيل بإثباته.
وقيل بنفيه.
فوجه إثباته أن أكثر الحيض قد قصر هذا الدم عنه.
والدم ربما زاد تارة ونقص أخرى، فوجب الاستظهار فيه لاختلاف حاله.
لئلا تكون الزيادة جارية على ما عهد من إطلاقه 1. ووجه نفيه أنا إذا أمرناها بالاقتصار على أيام لداتها أو أمرنا المعتادة بالرجوع إلى العادة غلب على الظن أن ما زاد على ذلك ليس بحيض.
فوجب أن يحتاط للصوم والصلاة.
والاحتياط ينافي ثبوت 2 الاستظهار.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما حده بثلاثة أيام لما وقع في الحديث: واستظهري بثلاث 3. قال أصحابنا ولأنه خارج من البدن يفتقر إلى تمييزه.
فاقتصر في التمييز على ثلاثة كما اقتصر في تمييز لبن التصرية على ثلاثة.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما الاختلاف في المعتادة فتوجيهه قد مر فيما تقدم لما تكلمنا عن أكثر الحيض، وعلى الرجوع إلى العوائد.
لكن القائلون بالاستظهار ها هنا يختلفون.
هل تستظهر المعتادة على أكثر عادتها لأنها لو استظهرت على أقلها لأمكن ألا تبلغ بالاستظهار زيادة على الأكثر من عادتها فيبطل الاستظهار، أو تستظهر على أقل عادتها احتياطًا للصلاة؟ بين القائلين بالاستظهار في ذلك اختلاف ووجهه هذا الذي أشرنا إليه.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إذا تمادى الدم بالمرأة وحكم

باستحاضتها فإنها تبقى عند مالك على هذا الحكم ما لم ينتقل الدم عن كيفية دم الاستحاضة إلى كيفية دم الحيض.
فإنه إن انتقلت كيفيته إلى دم الحيض.
وقد مضى من أيام الاستحاضة مبلغ أقل الطهر حكم بكونها حائضًا.
وإن تغير دمها إلى دم الحيض قبل مضي أقل الطهر فلا اعتبار بهذا التغير.
قال أبو حنيفة إنما تعتبر المستحاضة أيام عادتها من كل شهر فيحكم فيه بكونها حائضًا.
ولم يعتبر التمييز.
وقال الشافعي يعتبر التمييز في المميزة، وتعتبر الأيام في غير المميزة.
ودليلنا أنه - صلى الله عليه وسلم - وصف دم الحيض بأنه أسود ثخين 1. وهذا يقتضي اعتبار هذا الوصف.
فمتى حصل، حكم بأنه حيض، ما لم يمنع منه مانع.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة 2. فمحمله عندنا على جنس الحيض لا على أيام الحيض، بدليل ما ذكرناه.
فإن تمادى بالمستحاضة الحيض فهل تستظهر على أيام عادتها؟ فيه اختلاف بين من قال بالاستظهار.
فمن أثبته قاس الثانية على الحيضة الأولى التي قبل الاستحاضة ومن نفى الاستظهار رأى أن الحيضة الثانية لما تقدمتها استحاضة حمل ما زاد على أيام العادة على الاستحاضة السابقة ورد الزائد إلى أصل تقدم وهو الاستحاضة بخلاف الحيضة الأولى التي لم يتقدمها أصل من الاستحاضة يرد هذا الدم الزائد إليه.

قال القاضي رحمه الله: وإذا تقطعت 3 أيام الحيض والنفاس وجب التلفيق إلى أن تكمل الأيام المعتبرة في الجلوس ما لم يتخللها طهر كامل، فيكون ما بعده حيضًا مؤتنفُ ا. والصفرة والكدرة كالدم الأحمر والأسود.
والحامل تحيض 4. ولا تمنع الاستحاضة شيئًا يمنعه الحيض.
وللطهر علامتان.
الجفوف والقصة البيضاء.
وإذا طهرت الحائض لم توطأ إلا بعد الغسل.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل تلفق أيام الطهر كما تلفق أيام الحيض؟.
2 - ولم جعل الصفرة والكدرة كالدم؟.
3 - وما الدليل على أن الحامل تحيض؟.
4 - وما الجفوف وما القصة؟.
5 - وهل ينوب أحدهما عن الآخر؟.
6 - وما الدليل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد الغسل؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اتفق المذهب على أن أيام الدم إذا تقطعت لفقت.
واختلفوا في تلفيق أيام الطهر فيمن كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا.
فالمشهور من المذهب نفي الاعتبار بأيام الطهر وأنها مستحاضة لأنه يتلفق من دمها ما يزيد على أكثر الحيض من غير أن يفصل بين الدماء ما يكون طهرًا.
فوجب كونها مستحاضة، لأنه قد يلفق من أيام الدم خمسة عشر يومًا، وذلك مبلغ أكثر الحيض.
وتلفق من أيام الطهر خمسة عشر يومًا وذلك أقل أيام الطهر على مذهب بعض أصحابنا.
فقد اشتمل الشهر على أكثر أيام الحيض وأقل أيام الطهر.
ووصف النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة، بأنها تترك الصلاة نصف دهرها وهذا يقتضي كونها حائضًا في هذه الخمسة عشر يومًا.
واختلف المتأخرون في جواز طلاقها في أيام طهرها على المذهب المشهور الذي لا، يلفق أيام الطهر.
فمنعه أبو إسحاق وأجبر على الرجعة فيه إن وقع.
واعتل بأن فيه تطويلًا للعدة وذلك منهي عنه.
وأجازه غيره من الأشياخ واعتل بأن للزوج الطلاق في الطهر.
وقد لا تحيض بعد اليوم الذي طلقها فيه.
ولو حاضت لكان الحيض أمرًا طرأ من غير صنع المخلوق فلم يتوجه عليه النهي.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الصفرة والكدرة والغبرة عندنا حكمها حكم الحيض، إذا لم تر عقيب الطهر.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أبو يوسف لا يكون حكمها حكم الحيض إلا أن يتقدمه دم يوم وليلة.
وقال بعض الناس لا يكون حيضًا إلا أن تراه المعتادة في أيام العادة.

ودليلنا قول عائشة لما سئلت عن الصفرة لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء 1. وهي أعرف الناس بهذا المعنى وقد أجرت عليها حكم الحيض.
وأما إن رأت ذلك عقيب طهرها من المحيض ولم يمض من الزمن ما يكون طهرًا فقد قال ابن الماجشون: إذا رأت المرأة عقيب طهرها قطرة دم أو كالغسالة فإنه لا يجب عليها الغسل منه.
وإنما يجب عليها الوضوء.
ووجه هذا قول أم عطية كما لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا 2. وقد اختلف في اسم الترية 3. فعند ابن الماجشون أنها القطرة أو الغسالة التي ذكرنا حكمها عنده.
وقيل هي دم متغير دون الصفرة.
وقيل هي الدفعة من الدم لا يتصل بها ما يكون حيضًا.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: الحامل تحيض عندنا.
وقال أبو حنيفة الدم الذي تراه الحامل ليس بحيض.
وهو دم علة وفساد.
وقال الداودي لو أخذ فيها بالأحوط، فتصلي وتصوم.
ولا يأتيها زوجها لكان حسنًا.
وقد أشار ابن القاسم إلى قريب مما قاله الداودي.
فقال في المطلقة إذا حاضت ثم أتت بولد، لو أعلم أنه حيض 4 مستقيم لرجمتها.
وهذه إشارة إلى التشكك فيه.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ 5. ولم يفرق بين حائل وحامل.
وقد اضطرب المذهب عندنا في حكم حيضتها فقيل خمسة عشر يومًا، كما قيل في الحائل.
وقيل قدر عادتها ولم يأمر بالاستظهار.
وأمر به أشهب.

واختلفت عنه رواية المدونة.
هل يأمر بالاستظهار بشرط أن تستريب أو بشرط ألا تستريب؟ فالاستبراء عند بعضهم أن يتأخر عن وقته، أو يزيد، أو ينقص في عدده.
وعند بعضهم أن يرتفع في أول العمل لا غير.
لأن الزيادة والنقصان قد تعرضر للحائل.
وقيل بالرجوع إلى الاجتهاد من غير تحديد.
وقيل بالرجوع إليه مع التحديد في الثلاثة أشهر ونحوها بخمسة عشر يومًا.
وفيما بعد ستة أشهر اختلف هؤلاء.
فقال بعضهم: عشرون يومًا.
وقال بعضهم ثلاثون يومًا.
وقيل الواجب عليها أن تضعف أيام عادتها في الشهر الثاني.
وفي الشهر الثالث تثلث عادتها.
وفي الرابع تربعه.
وفي الخامس تخمسه هكذا إلى آخر أشهر العمل.
واختلف هؤلاء إن زاد هذا التضعيف على ستين يومًا، هل يسقط الزايد أم يثبت؟ واختلف أيضًا هؤلاء في الاستظهار في حيضة أول شهر 1 خاصة.
فأمر به بعضهم ولم يأمر به بعضهم.
هذه جملة الأقو الذي حيض الحامل.
وهذا اضطراب شديد من أصحابنا.
وبعض أشياخنا يحمل هذا الاختلاف على من انجلت عليها عادتها في أيام كونها حائلًا.
وسبب هذا الاضطراب الاختلاف في أصل المسألة.
هل تحيض الحامل أو لا؟ وكون 2 العمل في غالب الحال حابسًا للدم.
ثم إذا اندفع عند الوضع اندفع منه المقدار الكثير الذي قد يظن أنه هو المحتبس.
فإذا اندفع في أثناء شهور العمل وقع الإشكال.
وصار بعضهم إلى التضعيف، لظنه أن ما احتبس في كل شهر اندفع.
ولا يمكن توجيه هذه الأقوال على التحقيق إلا بهذه الطريقة التي أشرنا إليها.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: القصة لفظة مستعارة استعيرت من الجير 3 المسمى بهذا الاسم.
شبهت به في بياضها فسميت بذلك.
وقد

مثلها مالك مرة بالبول ومرة بالمني.
والجفوف انقطاع رطوبة الدم الذي من الرحم، فيجف الرحم لذلك.
ويختبر بأن يدخل في الرحم ما يدخل، ثم يخرج 1 ولا رطوبة من ذلك عليه.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: القصة والجفوف كلاهما علامتان لزوال الحيض.
فمن اعتاد من النساء إحدى العلامتين عول عليها إذا وجدها.
فإن وجدت صاحبتها فهل يعول عليها أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال.
فذهب ابن القاسم إلى أن القصة أبلغ في الدلالة على انقطاع الدم من الجفوف، فتطهر معتادة الجفوف عنده بالقصة.
لأنها وجدت ما هو أبلغ.
ولا تطهير معتادة القصة بالجفوف لأنها تترك عادتها لما هو أضعف في الدلالة.
والأخرى تركتها 2 لما هو أبلغ في الدلالة.
وقال ابن عبد الحكم بعكس هذا المذهب.
ورأى أن الجفوف أبلغ في الدلالة فتطهر معتادة القصة به.
ولا تطهير معتادته بالقصة.
وذهب الداودي والقاضي وأبو محمَّد عبد الوهاب إلى أن كل واحدة من العلامتين تنوب عن الأخرى في الدلالة وقال ابن عبد الحكم بعكس هذا المذهب ورأى أن الجفوف أبلغ في الدلالة فتطهر معتادة القصة في حق من اعتادتها أو لم تعتدها.
فوجه قول ابن القاسم أن الجفوف قد يعرض في أثناء الحيض لعارض يعرض.
فلو كان دلالة بالغة لما عرض في أثناء الحيض.
ووجه قول ابن عبد الحكم أن القصة هي مما يزجيها الرحم وتدفعها 3 الطباع.
ولذلك قد يستشعر معه أن الطباع لم ينقطع دفعها.
وهذا يوجب أن يكون أخفض رتبة من الجفوف الذي يعلم به عدم الدم حسًّا.
ووجه ما قاله الداودي والقاضي أنهما رأيا أن العادة جرت بأن كل واحدة

منهما علامة في انقطاع الدم، فاستوى في ذلك من اعتاد العلامة ومن لم يعتدها وهذا في المعتادة.
وأما المبتدأة فقد وافق ابن القاسم على أنها إذا رأت الجفوف طهرت.
قال بعضهم: وهذا منه جنوح إلى طريقة ابن عبد الحكم.
وعندي أن الأمر ليس كما قدره هذا المتعقب على ابن القاسم لأن المعتادة خروجها عن عادتها يريب، فلا تنتقل عن العادة إلى ما هو أضعف.
فإن وجدت ما هو أقوى وجب إطراح عادتها.
والمبتدأة قد رأت الجفوف وهو علامة في نفسه.
ولم تسترب لمفارقة عادة.
وشتان بهن علامة استريبت، وعلامة لم تسترب.
وإذا أمكن أن ينح وابن القاسم هذا النحو، فلا وجه لأن يضاف إليه التناقض أو الرجوع عن مذهبه.
وهذا واضح.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف الناس في وطء الحائض إذا رأت الطهر، فمنعه مالك.
وقال ابن بكير من أصحابنا: بالمنع منه استحبابًا لا إيجابًا.
وقال أبو حنيفة: إن رأت الطهر بعد أكثر الحيض الذي هو عنده عشرة أيام حل وطؤها.
وإن رأته قبل ذلك لم يحل وطؤها إلا بالغسل.
ويتحقق 1 وجوب الصلاة عليها.
ووجوب الصلاة يتحقق بآخر وقت الصلاة عنده.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ 2. وقد اختلفت القراءة في يطهرن فقرئ بالتشديد والتخفيف.
والظاهر أن التشديد يفيد الغسل والتخفيف يفيد زوال الدم.
فإن قيل قد يفيد التشديد زوال الدم، قيل صيغة تفعل إنما تستعمل فيما يكتسب بمثل تكلم وتعلم.
وزوال الدم لا يكتسب.
فإن قيل قد قالوا: تكسر الكوز وتقطع الحبل.
والكوز والحبل لا يكتسبان الفعل المضاف إليهما.
قيل: هذا مجاز.
والأصل في اللسان ما قلناه.
فإذا ثبت هذا قلنا قد وضح 3 أن قوله حتى يطهرن على قراءة التشديد.
يفيد منع الوطء قبل الاغتسال.
وأما قراءة التخفيف فإن قلنا إن التخفيف يستعمل في

اللسان في الاغتس الذيقال: طهرت المرأة إذا اغتسلت، لم يكن بين القراءتين تعارض إذا حملنا يطهرن بالتخفيف على الغسل.
وإن سلمنا أن الظاهر في قراءة التخفيف زوال الدم قلنا: هاتان قراءتان هما كآيتين.
فكأنه قال في الآية لا تقربوهن حتى يزول الدم.
وقال في آية أخرى لا تقربوهن حتى يغتسلن.
فذكر غاية وذكر غاية بعدها.
فيمنع ما بعد الغاية الأولى بما تضمنته الغاية الثانية، وتصير كآية ثانية زادت حكمًا.
ويعضد هذا بقوله فإذا تطهرن.
وهذا كلام متعلق بما قبله، تعلق الشرط بالمشروط.
ولا شك في حمل هذا الكلام الثاني على الغسل؛ لأنه لم يقرأ إلا مشددًا.
والتشديد يفيد الغسل.
مع أنه سبحانه ختم الآية بالثناء على المتطهرين، ولا يثنى 1 على المكلف إلا بما يكتسب.
وإذا ثبت حمل الكلام الثاني على الغسل، كان دليله أنهن إذا لم يتطهرن فلا تأتوهن، فقد صار دليل هذا الخطاب الثاني يطابق ما اقتضته قراءة التشديد.
ويجب النظر في قراءة التخفيف.
فيعلم أنها إنما تفيد إباحة الوطء من جهة دليل الخطاب، وأهل الأصول مختلفون في إثباته ونفيه.
ولا شك في أن مثبتيه يثبتونه ها هنا.
وأما نافوه فبينهم اختلاف فيما عُلق بحرف الغاية.
هل ينفي طردًا للأصل أو يثبت لقوة دلالة الغاية على الغاية على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها؛ فإن قلن ابن فيه في مثل هذا لم يبق معارض يعارض قراءة التشديد.
وإن قلنا بإثباته ها هنا وقلنا أن العرب تقول طهرت المرأة إذا اغتسلت، فقراءة التخفيف يحتمل أن يراد بها الغسل فتحمل عليه.
وتكون قراءة التشديد المفيدة للغسل كالمفسرة لهذا الاحتمال الرافعة لهذا الإجمال.
وإن قلنا إن الظاهر إفادة قراءة التخفيف لزوال الدم كان ما بعد هذه الغاية مستفاده الإباحة فيه من ناحية دليل الخطاب.
وقد عارض هذا التأويل 2 عموم قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن على قراءة التشديد.
وعارضه أيضًا دليل قوله فإذا تطهرن فآتوهن لأن دليله 3 أنهن إذا لم يتطهرن لا تأتوهن.
فهذان كدليلين تعارضا وترجح أحدهما على الآخر لمطابقة العموم له

فكان أولى.
فإذا كان قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن متعلقًا بما قبله تعلق الشرط بالمشروط فلا بد من إضمار على قراءة التخفيف لينتظم الكلام مرتبطًا بعضه ببعض فيكون التقدير فلا تقربوهن حتى يطهرن.
فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن.
وفي هذا كفاية في إثبات الرجوع إلى قراءة التشديد.
ومما يرجح به مذهبه من أخذ بقراءة التخفيف أنه يقول أن الله سبحانه ذكر أن المحيض أذى ونبه على أن ذلك علة لتحريم 1 الوطء فيه.
فإذا زال الدم وعدم ذلك 2 فقد عدمت علة التحريم.
فيجب أن يرتفع التحريم للوطء لارتفاع علته.
وأجاب أصحاب قراءة التشديد على هذا بأن العلة قد ترتفع وتخلفها علة أخرى تقتضي إثبات مثل حكمها.
كالوطء يمنع لأجل الصوم.
فإذا حاضت الصائمة بطل الصوم وحرم الوطء لعلة أخرى وهي الحيض.
والحائض وإن ارتفع دمها المانع للوطء فإن حكم حدث الحيض باق.
وهو يمنع الوطء بالدليل الذي قدمناه.
كما منعه نفس الحيض.
فإذا ثبت أن الحائض لا يستباح وطؤها بزوال دم الحيض دون تطهير على ما أفادته قراءة التشديد فما هذا التطهر؟ اختلف الناس فيه على ثلاثة أقوال.
جمهور العلماء على أنه الطهارة الكبرى التي هي غسل جميع الجسد.
وصار قوم إلى أنها الطهارة الصغرى التي هي الوضوء.
وصار آخرون إلى أنه غسل الفرج، وهؤلاء الصائرون إلى غسل الفرج حملوا الآية على الطهارة من النجاسة.
وإنما ينجس الفرج خاصة فوجب قصر هذا الطهر عليه.
ورأى آخرون أن الطهارة إذا أطلقت في الشرع فالمراد بها طهارة الحدث فاقتضى الشذوذ من هؤلاء على الطهارة الصغرى.
لأنه أدنى ما يقع عليه الاسم العرفي عند أهل الشرع.
ورأى الجمهور أن الطهارة الصغرى لا ترفع جميع موانع الحيض بإجماع الأمة.
وإذا لم ترفعه فلا معنى لفعلها ولا وجه لحمل الآية عليها 3.

كتاب الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم

كتاب الصلاة 1

قال القاضي رحمه الله: الصلاة من أركان الدين ومعالمه ومم ابن ي الإِسلام عليه.
قال الإِمام رضي الله عنه أبو عبد الله المازري: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منها أن يقال: 1 - ما الصلاة؟.
2 - وما معنى بناء الإِسلام على الصلاة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إن الصلاة في اللغة هي الدعاء.
وزعم بعض أصحابنا أن أصل هذه التسمية الإقبال على الشيء واعتماده متقربًا إليه.
وإنما سمي الدعاء صلاة لما فيه من هذا المعنى.
وسمي وسط الظهر صلا لاعتماد البدن عليه وسمي الفرس الثاني مصليًا لأنه عند صلا السابق 2. وإن قلنا بهذا الاشتقاق، وأن أصل الصلاة الإقبال على الشيء تقربًا إليه فتسمية أهل الشرع الصلاة المعهودة صلاة جار على الاشتهار وغير خارج عن أصل اللغة.
وكل جزء من أجزاء الصلاة وفعل من أفعالها تنطلق عليه التسمية حقيقة على أصل هذا الاشتقاق.
لأن الراكع والساجد مقبل على ربه متقرب إليه بفعله.

وإن قلنا إن الصلاة في اللغة الدعاء.
وهذا المشهور عند العلماء.
فيقال على هذا، تسمية أهل الشرع الصلاة المعهودة صلاة غير جارية على أصل اللغة.
فهل يكون الشرع غير اللغة ها هنا أم لا؟ فاعلم أن هذا سؤال يتكلم عليه أهل الأصول.
واختلف فيه الفقهاء والمتكلمون.
فمنهم من ذهب إلى أن الشرع لم يغير اللغة في ذلك، وإلى هذا ذهب الأئمة من الأشعرية.
ومنهم من ذهب إلى أن الشرع غير اللغة في ذلك كما غيرها في تسمية الحج والصوم.
وإلى هذا ذهب المعتزلة وسموا هذا المعاني بالأسماء الشرعية.
وسبب هذا الاختلاف أن المعتزلة لما رأت انطلاق هذه التسمية على الركوع والسجود وما في أثناء ذلك من قيام وقعود، وذلك ليس بدعاء دل على أن الشرع غير هذه التسمية وأقرها على غير إقرارها في اللغة.
لا سيما إن لم يوجب قراءة أم القرآن المشتملة على الدعاء.
أو كان المصلي لا يحسن قرانًا ولا ذكرًا.
ولما رأت الأشعرية أن الصلاة مشتملة على الدعاء، لا سيما إن قلنا بإيجاب قراءة أم القرآن المشتملة على الدعاء، رأت أن الشرع لم يغير هذه التسمية وإنما أتى بإضافة أفعال إليها.
وأخبر أن الدعاء لا يجزئ دون أن يقع على صفات من استقبال جهة، وإضافة أفعال إليه.
فالتسمية جارية على مجراها في اللغة، وإنما أحدث الشرع زيادات وإضافات إليها، وذلك ليس بإزالة التسمية 1 عن قرارها في اللغة.
والحق في ذلك يوضحه ضرب مثالين وذكر طرفين.
فأقول: من زعم أن الشرع غير هذه التسمية كما يغير اسم الدار والفرس.
فيسمي الفرس باسم الدار والدار باسم الفرس فقد باهت.
لأن تسمية كل واحد من هذين لا ينطلق على الآخر في اللغة.
لا كلية ولا جزئية ولا حقيقة ولا مجازًا.
والصلاة المعهودة فيها الدعاء وما يقرب من معناه.
ومن زعم أن الشرع لم يغير ذلك، ولا أحدث فيه حديثًا، كما لم يحدث في تسمية الدار دارًا أو الفرس فرسًا حدثًا.
فقد أبعد.
لأن الدعاء يسمى في اللغة صلاة على أي جهة وقع مفردًا غير مضاف إلى شيء.
والصلاة المعهودة بخلاف ذلك.
فإذا بان أن المسألة خارجة عن هذين الطرفين فلا بد من سلوك الوسط.
فنقول قد علم من عادة العرب إطلاق الاسم على

معاني شتى.
ثم قصره على بعضها عند كثرة دورانه، والحاجة إلى استعماله.
كما قالوا طبيب لكل عالم.
ثم قصروه على من يحسن تدبير الناس بالأدوية.
وقال 1: فقيه لكل عالم ثم قصروه على من يحسن تدبير الناس بالشريعة.
فغير بعيد تعارف أهل الشرع على قصر هذه التسمية على بعض الأدعية.
وإن كان في أصل اللغة لجميعها 2. ولا يكون القاصر لهذه التسمية مغيرًا للغة ولا ناقلًا لها.
لأنه إنما سكت عن استعمال التسمية في معنى.
والساكت عن النطق غير مغير للغة ولا ناقل لها.
وكذلك أيضًا عرف 3 من عادة العرب تسمية الشيء باسم ما قاربه 4 وتعلق به وكان بينه وبينه ارتباط.
وكلما اشتد التعلق بالارتباط كان آكد في وقوع التسمية.
وفي القرآن: إني أراني أعصر خمرًا 5. وإنما يعصر العنب وسمي خمرًا لخروج الخمر منه.
وكذلك قوله: واسأل القرية 6. وإنما يسأل أهل القرية.
ولكن لما بينهما من التعلق عبر عن أهلها باسمها.
وإن كان ذلك كذلك.
وكانت هذه الإضافات التي أضافها الشرع إلى الدعاء مرتبطة بالدعاء ملازمة له، صح انطلاق التسمية عليها بحكم اللغة.
ومن سلك مسلك العرب في تسمية الشيء باسم ما قاربه وتعلق به فلا يقال إنه ناقل للغة ولا مغير لها.
وكذلك أيضًا علم من عادة العرب الاستعارة والتشبيه.
وقد استعاروا للشجاع أسدًا لما أشبهه في القوة.
وللبليد حمارًا لما أشبهه في عدم اللهم.
ومعنى الدعاء ومحصوله وثمرته طلب ما عند الله سبحانه.
وكذلك معنى الذكر والسجود ثمرته طلب ما عند الله أيضًا.
فتسميته باسم الدعاء الذي هو صلاة غير خارج عن اللغة ولا ناقل لها عن بابها.
فإذا حصل في الركوع والسجود التعلق والارتباط، وعادة أهل اللسان إطلاق التسمية عليه، وحصل فيه المعنى والمحصول، وعادة أهل اللسان نقل التسمية إليه علم قطعًا أن إطلاق هذه التسمية غير خارج عن لغة العرب.
بل 7 هي لغتهم وتسميتهم.
لأنا لا نطلب

منهم أن يسموا لنا كل شخص بعينه رجلأولا كل نبيذ بعينه خمرًا.
وإنما يؤصلون أصلًا، ويفهم 1 عنهم ضرورة إجرائه في كل ما حدث بعدهم.
فالركوع والسجود على الصفة المعهودة مما حدث بعدهم، فاتبع أهل الشرع فيه طريقتهم.
وأجروا عليه تسميتهم.
فهذا هو الحقال في لا امتراء فيه.
وطريقة الأئمة الأشعرية قد وضحت.
ولكن بهذا التفصيل قد عمل الشرع في التسمية قصرًا واستعارة.
وكلاهما طريقة أهل اللغة فلم يخالفهم ولا غير لغتهم.
ولا وجه للغلو بأن يقال لم يعمل الشرع في ذلك عملًا بعد العمل الذي أوضحناه.
وهذا العمل الذي عمل الشرع هو الذي غلط المعتزلة ومن تبعهم.
ولو حقق النظر لم يبق بين الجميع اختلاف.
وفي هذا كفاية.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: وأما قوله ومم ابن ي الإِسلام عليه فهو مطابق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة 2. ولكن يجب أن نتكلم ها هنا على الإِسلام ما هو؟ وعلى هذا البناء كيف هو؟ فاعلم أن الإِسلام هو الاستسلام والانقياد، والإيمان شعبة منه.
لأن الإيمان هو العلم بالله.
والمؤمن مستسلم لله منقاد إليه لعلمه به.
فكل إيمان إسلام.
وليس كل إسلام إيمانًا.
لأن المؤمن مستسلم لإيمانه للأبد.
والمنافق قد يستسلم وينقاد للطاعة رهبة وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وقد فرق الله سبحانه بينهما فقال: قالت الأعراب آمنا.
قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا 3. فجعلهم مسلمين غير مؤمنين.
فإذا ثبت ذلك فسائر الطاعات والعبادات تسمى إسلامًا.
لأن المطيع منقاد بعبادته، وطاعته لله سبحانه.
وقد أمر الشرع بأن يطاع الله وينقاد إليه في أمور لا تكاد تحصى كثرة، فمنها المعاملات التي هي بين الخلق.
ويندرج تحتها النكاح والعتاق والحدود والبياعات والإجارات وغير ذلك من ضروب المعاملات.
ومنها العبادة التي لا تعلق لها بالمعاملات بل هي

بين العبد وبين ربه، كالصلاة والصوم والحج وما أشبه ذلك.
وهذه أشرف وأعلى قدرًا لأنها معاملة بين المخلوق والخالق.
وتلد معاملات بين الخلق بعضهم لبعض.
فلما كانت هذه العبادات المحضة خوطب بها الكل وهي مقصود الشرع.
وشرعت ليطلب بها الكل الزلفى.
وقد لا يحتاج مسلم للمعاملات، صارت هذه العبادات من هذه الجهة كالأساس للبناء الذي لا قوام له إلا به.
ولا ينفع المسلم في الآخرة عند الموازنة لأعماله 1 طاعته في المعاملات وإهماله لهذه العبادات، كما لا يصح بناءٌ بغير أساس.
لا سيما وقد ذهب بعض الناس إلى أن مجرد ترك الصلاة كفر.
ولا شك أن من كفر لا يصح أن ينبني 2 له عمل.
فمن هذه الجهة التي أشرنا إليها، كانت الصلاة وما ذكر معها أن كان بني الإِسلام عليها لما كانت هي المقصود في الشرع والعماد على ما ذكرناه.
قال القاضي رحمه الله: وهي في الشرع على أقسام خمسة: 1 - فرض على الأعيان.
2 - وفرض على الكفاية.
3 - وسنة.
4 - وفضيلة.
5 - ونافلة.
3.

قال الشيخ رضي الله عنه يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما فائدة تقييده بقوله في الشرع؟.
2 - وما الفرق بين فرض العين والكفاية؟.
3 - وما الفرق بين السنة والفضيلة والنافلة 4؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما قيد بقوله في الشرع لأنا ذكرنا

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل