وأما المأمومون هل يتبعونه في سجوده إذا وضعه في الموضع الذي نهيناه عنه؛ وهذا لا يخلو أن يكون جهر بالسجدة أو لا يجهر.
فإن كان جهر بالسجدة فلا شك في اتباعه.
وإن كانت صلاة سر ولم يجهر بها، ففي السليمانية قولان: أحدهما أنهم يتبعونه، فإن لم يفعلوا فلا شيء عليهم.
قاله ابن القاسم.
والثاني لا يتبعونه إذ لا يدرون أنه قرأ سجدة ويجوز أن يكون ساهيًا.
قاله سحنون وتصح صلاتهم عنده وإن لم يتبعوه.
ولا يقرأ السجدة الخطيب على المنبر يوم الجمعة.
قاله أشهب.
وكأنه رأى أن النزول للسجدة 1 يؤثر في نظام الخطبة واتصالها وتركه مع القراءة لا ينبغي.
فَنُهي عنه كما ينهى الإِمام عن قراءتها في الصلاة إذا خاف التخليط على المأمومين.
فإن قرأها الخطيب فقال أشهب ينزل فيسجد الناس معه.
فإن لم يفعل فليسجدوا ولهم في الترك سعة؛ لأنه إمامهم.
وينبغي أن يعيد قراءتها إذا صلى ويسجد.
وقال مالك لا يسجد.
والعمل على آخر فعل عمر رضي الله عنه.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قارئ السجدة إن جاوزها بيسير سجدها وقرأ من حيث انتهى.
وإن جاوزها بالكثير رجع إليها فقرأها وسجد ثم عاد إلى حيث انتهى في القراءة.
فكذلك المصلي إذا نسي سجودها عند قراءتها وقرأ بعدها يسيرًا فإنه يسجد حينئذٍ وإن قرأ بعدها كثيرًا عاد إليها.
ولو نسي فقدمها عند آية قبلها ظن أنها السجدة فليقرأ السجدة ويسجد لها ثم يسجد لسهوه بعد السلام.
وإن كان المصلي لم يذكرها حتى عقد الركعة التي هو فيها ورفع منها فإنه لا يخلو أن يكون 2 في فرض أو في نفل.
فإن كان في فرض لم يعد إلى قراءتها.
قاله في المدونة.
وقال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه يعود إلى قراءتها في الثانية ويسجد.
وإن كان في نافلة فإنه يعود إلى قراءتها في الثانية.
لم
يختلف فيه المذهب فيما علمت.
وإن ذكر وهو راكع لم يرفع ففيه قولان.
وهما مبنيان على ما قدمناه في عقد الركلعة هل هو تمام الإنحناء أو رفع الرأس؟ فقال مالك في هذه المسألة يمضي على ركوعه وقال أشهب بل ينحط للسجود.
وإذا أمر المصلي الناسي للسجدة في ركعته أن يسجدها في الثانية فهل يسجدها قبل قراءة أم القرآن أو بعد قراءتها؟ اختلف الأشياخ فقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد بعد قراءتها.
وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمان بل قبل قراءتها.
قال وإنما يكره أن يقدم قبل أم القرآن ذكر أو دعاء في الركعة الأولى إذا أحرم.
وأما في غيرها فلا يكره ذلك.
وكان الشيخ أبا محمَّد حافظ على الرتبة 1 الأصلية وهي كون السجود بعد القراءة، وكان الشيخ أبا بكر حافظ على تعجيل القضاء، ورأى أنه إذا صارت الركعة الثانية هي محله، قُدم أولها.
لأنه أقرب إلى موضعها الأصلي.
وإن لم يذكر المصلي للنافلة السجدة حتى عقد الثانية، فقد فاته 2 السجود وقضاؤه في هذه الصلاة.
وقال أشهب بل يسجد وإن لم يذكر إلا وهو جالس لم يسلم أو قد سلم.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما قارئ السجدة فإنه لا يركع بها عندنا.
قاله مالك وابن القاسم لأنه إن قصد بفعله الإتيان بما عليه من الركوع فقد ألغى السجدة.
وإن قصد السجدة فقد أحالها عن صفتها وأزالها عن هيئتها.
ونحا ابن حبيب إلى إجازة ذلك.
وهكذا قال أبو حنيفة أن الركوع يقوم مقام السجود ولكنه جعل ذلك من ناحية الاستحسان.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ 3.
وأجيب عنه بان المراد أنه سجد وعبر عن السجود بالركوع بدليل قوله: ﴿وَخَرَّ﴾ إذ لا يقال خرّ راكعًا وإنما يقال خرّ ساجدًا.
ويمكن عندي أن يكون ابن حبيب رأى أن السجود الأصلي المتصل بالركوع يُغني عنها لأن صورته كصورتها.
وهو يفعل عقيب قراءتها فاكتفي به عنها.
كما ينوب غسل الجنابة عن غسل الجمعة لتساويهما في الصورة وحصول الغرض من غسل
الجمعة بغسل الجنابة.
فإن قلنا بما قاله مالك وتعمد فعل الركوع اعتد بركعته وقرأها في ثانيته على حسب التفصيل الذي أمرنا به ناسي سجودها عند قراءتها في الأولى، فذكر في الثانية.
وإن لم يتعمد الركوع ولكنه أراد السجود لها فركع ناسيًا فهل يعتد بركوعه أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يعتد به.
فإن ذكر وهو منعن خر لسجدته، وإن ذكر وقد رفع لم يعتد بركعته وألغاها.
وهذا مذهب ابن القاسم.
والثاني أنه يعتد بركعته.
وإلى هذا ذهب مالك.
فإن ذكر وهو منعن رفع متممًا للركعة.
وإن ذكر بعد أن رفع فقد تمت الركعة ويقرأ السجدة فيما بعد على حسب ما تقدم.
فإن قلنا بالإلغاء فقال بعض المتأخرين: يسجد السجدة ثم يقوم فيقرأ شيئًا ثم يركع.
وإنما أمره ها هنا بقراءة شيء استحسانًا ليكون الركوع عقيب قراءة على حسب عادات الشرع وإلا فقد قال ابن حبيب من قرأ سورة في آخرها سجدة فسجد ثم قام فإن شاء ركع وإن شاء قرأ من الأخرى شيئًا ثم ركع.
وسبب هذا الاختلاف في الاعتداد بهذه الركعة أن الانحطاط للركوع ها هنا لم يكن بنية الركوع ولكن بنية السجود.
والركوع فرض والسجود نفل.
فإن قلنا أن الحركة إلى الأركان غير مقصودة في نفسها وإنما القصد أن يحصل المصلي راكعًا فهذا قد حصل راكعًا فينوي بركعته الفرض.
وأعظم مراتب الانحطاط أن يكون كالفرض 1. ولو صح الركوع مع عدمه لاكتفي به.
وها هنا قد صح الركوع.
وإن قلنا أن الحركة إلى الأركان مقصودة في نفسها وقلنا إن الخروج عن نية الفرض إلى نية النفل لا يمنع الاعتداد كالمصلي في نفل وهو في فرض يعتقد أنه أكمل، اعتد هذا بركعته.
وإن قلنا أنه يمنع الاعتداد لم يعتد هذا بركعته.
ولقد استبعد ابن حبيب قول ابن القاسم حتى تأول قوله: لا يعتد بالركعة.
على أن مراده لا يعتد بالركعة في النيابة 2 عن السجدة، ولا معنى لاستبعاده مع ما أريناك من وجه قوله.
وحاول الشيخ أبو محمَّد خلاف ما حاول ابن حبيب فتأول قول من قال بالاعتداد على أنه إنما أجاب عن من قصد في الانحطاط الركوع ساهيًا عن السجدة.
ولكنه مع هذا أشار إلى تخريج الخلاف
في المسألة على الاختلاف في تحويل النية.
وإذا قلن ابن في الاعتداد فذكر وهو منعن فخر ساجدًا فهل عليه سجود السهو أم لا؟ قال ابن حبيب: إن طال الركوع سجد بعد السلام.
وفسر أبو محمَّد الطول ها هنا بالطمانينة في الركوع.
وإن قلنا بالاعتداد بالركعة، ففي المجموعة يقرأ السجدة فيما بقي من صلاته ويسجد بعد السلام.
ولم ير المغيرة في هذا سجود سهو.
والذي قاله المغيرة هو الأصل، إذ ليس ها هنا زيادة تقتضي السجود بعد السلام، ولا يظهر عندي للسجود بعد السلام وجه على مقتضى أصل المذهب إلا أن يعتقد أن الحركة إلى الركوع لما حولت النية فيها صارت كالعدم.
وعدمها لا يمنع الاعتداد، ولكنه نقص يقتضي سجود السهو.
ومقتضى النقص أن يكون قبل السلام لكنهم ربما أخروه إلى بعد السلام، لما كان إثبات السجود فيه ضعف احتياطًا للصلاة لئلا تكون فيها زيادة، وقد قدمنا قول أشهب أن ناسي التكبير يسجد بعد السلام لضعف السجود فيه، فاحتيط فيه من الزيادة في الصلاة.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف الناس في المستمع لقراعة السجدة.
فعندنا أن المستمع لها يسجد مع القارئ دون السامع.
وقال أبو حنيفة القارئ والمستمع والسامع سواء.
وبما قلناه قال جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
روي أن عثمان مر بقاصّ فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان رضي الله عنه فلم يسجد.
فقال ما استمعنا له.
وقال ابن مسعود وعمران بن حصين ما جلسنا لها.
وقال سلمان ما غدونا لها.
وإذا ثبت أن السامع لا يسجد وإنما يسجد المستمع الذي جلس للقارىء، فإن لسجوده شروطًا.
منها: أن يكون القارئ ممن يؤتم به فإن كان ممن لا يؤتم به كالمرأة فإن المستمع لا يسجد، وكالصبي فإنه لا يسجد أيضًا.
ويتخرج أيضًا على القول بجواز إمامة الصبي في النافلة أن يسجد معه المستمع.
أو كرجل بالغ على غير وضوء فإن المستمع لا يسجد.
أو كان بالغًا فاسقًا وفسقه يمنع من الائتمام به فإن المستمع لا يسجد.
فإن كان القارئ ممن يؤتم به ولكنه قرأ قراءة يُنْهى عنها كالقاصد لقراءة القرآن وسجوده بالناس لا لإرادة التعليم، فإن المستمع لا يسجد وإن سجد القارئ وإن كانت قراءته مما تجوز سجد وسجد معه المستمع.
وإن لم يسجد القارئ فإن
كان في صلاة لم يسجد المأموم لئلا يخالف الإِمام لورود النهي عن مخالفة الإِمام.
وهكذا عندي لو قرأ المأموم سجدة لم يسجد على أصلنا لئلا يخالف الإِمام فيه 1 وبه قال أبو حنيفة.
وقال محمَّد بن الحسن يسجدها ومن سمعه إذا فرغوا من صلاتهم.
وهذا غير صحيح لأنه وإن تحرز من المخالفة ففيه التأخير للسجود وذلك لا يصح على أصلنا.
مع أن قراءته كالتبع لقراءة الإِمام فقدرت كالعدم.
فلم توجب سجودًا.
وإن كان في غير صلاة ففيه قولان: فقال ابن القاسم في المدونة يسجد المستمع.
وقال غيره من أصحاب مالك لا يسجد المستمع.
واحتج ابن حبيب لهذا القول: بترك سجود المأموم إذا لم يسجد الإِمام.
وقد قدمنا أن الصلاة إنما لم يخالف فيها الإِمام لورود النهي عن مخالفة الإِمام.
لكن مما يحتج به لهذا القول ما روي أن رجلًا قرأ آية فيها سجدة وهو عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فسجد الرجل وسجد معه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قرأ آخر آية فيها سجدة وهو عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. فانتظر الرجل أن يسجد، فلم يسجد فقال الرجل يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كنتَ إمامًا فلو سجدتَ سجدتُ معك" 2. ومما يحتج به لابن القاسم أن المستمع خوطب بالسجدة كما خوطب القارئ بها.
فإذا اشتركا في الخطاب فيها فلم يمتثله أحدهما فلا يؤمر الآخر بارتكاب النهي لركوب غيره له.
ولو كان السامع للقراءة مصليًا سمعها من قارئ غير فصل فإنه لا يسجد عندنا؛ لأنا نشترط في سجوده وهو في غير صلاة أن يكون مستمعًا فكيف به إن كان في صلاة مشتغلًا بعمل آخر.
ومن كان في صلاة فليس بمستمع وإن كان سامعًا.
وقال الحكم وحماد يسجد.
وبه قال النخعي إلا أنه يشترط ألا يكون ساجدًا.
وقال ابن سيرين وأبو حنيفة يسجد إذا فرغ من الصلاة.
وبنى أبو حنيفة على أصله في السامع يسجد وإن لم يكن مستمعًا.
ولا يمكن هذا أن يسجد في الصلاة فأخر إلى بعد الفراغ.
وقد نوقض في هذا بأنه يقول إذا قرأ المصدي آية سجدة في الصلاة ودم يسجد فإنه لا يسجد إذا فرغ.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا قرأ القارئ آية سجدة بعد ما سجد، فإنه يسجد عندنا، وعند الشافعي.
وقال أبو حنيفة لا يسجد استحسانًا.
فلنا أنه ممن يخاطب بالسجود وقد وُجد سبب السجود فشرع له السجود كما لو أعادها في مجلس إخر.
واحتج لأبي حنيفة بأنه اجتمع سبب سجدتين في مجلس واحد فأجزأه سجود واحد، كما لو لم يسجد.
وأجيب عن هذا بأنه إذا سجد فعل الموجب عن سبب السجود، وإذا لم يسجد فإنه لم يفعل الموجب فاكتفي بسجود واحد، ألا ترى أن الحدود إذا لم تقع وقد تكرر السبب فإنه يكتفى بحد واحد، وإذا تكرر السبب بعد استيفاء الحد كرر الحد.
وهذا الذي ذكرته من تكرر السجود هو أصل المذهب عندي، إلا أن يكون القارئ ممن يتكرر ذلك عليه غالبًا كالمعلم والمتعلم، فهذا فيه قولان في المذهب إذا كان المعلم والمتعلم بالغَيْن، فقال ابن القاسم يسجدانها أول مرة ولا إعادة عليهما في ترديدها.
وقال غيره لا سجود عليهما ولا في أول مرة.
فكان ابن القاسم رأى أن المشقة إنما تحصل بالتكرار وإنما يحصل التكرير بعد أول مرة.
ورأى غيره أنهما لما كانا منتصبَيْن لشغل يتكرر سقط السجود، في أوله وآخره.
ولو كان المعيد للقراءة ليس بمعلم ولا متعلم، وإنما اتفق إعادتها بأن قرأ حزبه ثم أعاد اتفاقًا أو لغرض ما، فإن الأظهر عندي أن يسجد على أصل المذهب كما بدأت بذكره.
وإن كان بعض المتأخرين رأيته قد وجه سقوط السجود على المعلم والمتعلم، بان قال إذا تكرر على القارئ والمستمع السجود سقط.
كما لا يلزم الجنب المزيد للنوم إعادة الوضوء إذا أحدث.
لأن ذلك يتكرر على القارئ.
فأشار في هذا الكلام إلى سقوط السجدة مع التكرار من غير اعتبار حال القارئ.
ولو أن معلمًا قرأ عليه متعلم حرفُ افيه سجدة فسجد، ثم أتى آخر فقرأ حزبًا فيه سجدة أخرى لسجدَا جميعًا، العالم والمتعلم.
لأن قارئ جميع القرآن يسجد جميع سجداته.
ولا يسقط عنه بتكرير السجود.
هذا اختيار بعض أشياخي وهو قد يتضح وجهه على قول ابن القاسم الذاهب إلى أن المعلم والمتعلم يسجدان السجدة أول مرة ويسقط عنهما السجود إذا كرراها.
لأن هذا المعلم السامع جميع سجدات القرآن من آحاد بعددها لم يتكرر عليه سجود
سجدة واحدة، بل هو في كل سجدة لم يسجد لها إلا مرة.
وأما على قول من قال من أصحابنا أن المعلم والمتعلم لا يسجدان، ولا في أول مرة، لما كانا منصوبين لأمر يتكرر، فإن سجود المعلم ها هنا فيه نظر على أصلهم؛ لأنهم إنما راعوا مشقة التكرر فاسقطوا المبدأ والمُعاد.
والتكرر ها هنا حاصل للمعلم.
فإن قيل فقارىء القرآن كله تتكرر عليه السجدات ولا يسقط عنه السجود لمشقة التكرار.
قيل قد أشرنا فيما تقدم إلى أن المنتصب للتعليم والمُتعَلِم هما بصدد من يتكرر ذلك عليهما على مدى الأيام فخففت المشقة لهما بخلاف قارئ القرآن لغرض غير غرضهما.
فهذا مما يمكن أن يذهب إليه من ذهب إلى هذا القول الثاني الذي أشرنا إليه.
وهكنا اختار شيخنا أيضًا إذا تكررت السجدة بعينها على المعلم أن المكررين لها إن كانوا جماعة، واحدًا بعد واحد سجد كل واحد من المتعلمين ولا يسجد المعلم إلا مع أولهم لحصول التكرر فيه دونهم وإن كان المكرر لها عليه رجل واحد لسقط السجود مع التكرر في ثاني مرة فما بعدها عنهما جميعًا لتساويهما جميعًا فيه 1.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: كره في المدونة أن يقتصر على قراءة السجدة مجردة مما قبلها ومما بعدها.
واختلف الأشياخ في تأويل قوله هذا، فحمله بعضهم على أن المراد به نفس السجدة دون جملة الآية التي هي منها.
وحمله بعضهم على أن المراد به جملة آية السجدة وهذا الأشبه.
لأنه لا فرق بين قراءة كلمة السجدة أو جملة الآية التي هي منها.
لأنه إذا قرأ جملة الآية ليسجد صار كمن قرأ نفس الكلمة، المتعلق السجود بها.
فكان هؤلاء الذين حملوا كراهته 2 لقراءة آية قصدًا إلى السجود رأوا أن ذلك خلاف ما مضى به العمل، وأن الشرع إنما جاء بسجود من قرأ جملة اتفق فيها ذكر سجدة.
فاما من قرأ آية ليسجد فلم يأت الشرع به فكره.
لأنه بخروجه عن الشرع يضاهي من سجد في غير موضع السجود.
وإذا كره هؤلاء الاقتصار على قراءة الآية فالاقتصار على قراءة كلمة السجدة ينبغي أن يكون أقرب إلى الكراهة.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما سجود التلاوة فلا يسلم منه عندنا.
وأما التكبير له خافضًا ورافعًا فاختلف قول مالك فيه.
فأثبته مرة وضعفه مرة أخرى إلا أن يكون في صلاة فلم يختلف قوله في إثباته.
وبمثل قولنا في إثبات التكبير خافضًا ورافعًا ونفي السلام 1. قال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه.
وعنه رواية أخرى أنه يكبر للرفع دون الخفض.
وبمثل قولنا أيضًا في إثبات التكبير خافضًا ورافعًا.
قال ابن حنبل إلا أنه أثبت السلام.
وبمثل قولنا في إثبات التكبير خافضًا ورافعًا.
قال الشافعي إلا أنه زاد تكبيرة أخرى للافتتاح وأثبت السلام في أحد قوليه دون تشهد.
فأما إثبات التكبير في الصلاة فإنه في عبادة مشروع في سجودها التكبير فجرى الأمر في سجودها الفرض والنفل مجرى واحدًا.
وأما إثباته في أحد القولين في غير الصلاة فتشبيهًا بسجود الصلاة.
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن فلما مرّ بالسجدة كبّر وسجد 2. وأما نفيه فلان التكبير إنما شرع في الصلاة وسجود التلاوة بمجرده ليس بالصلاة المعهودة.
وأما إثبات الشافعي تكبيرة الافتتاح فقياسًا على صلاة مبتدأة، وابتداؤها إنما يكون بتكبيرة الافتتاح.
وقد قال بعض الأشياخ إنما اختلف قول مالك في التكبير ولم يختلف قوله في نفي التسليم لأن التسليم إنما يكون فيما كبر فيه للافتتاح قائمًا.
ألا ترى أن صلاة الجنازة لما كان تكبير افتتاحها قائمًا شرع فيهآ السلام.
فعورض هؤلاء بسجود السهو لما كان السلام ثابتًا فيه وتكبيره جالسًا، فأجاب بعضهم بأنه تبع لصلاة شرع فيها السلام، فشرع في التابع لها.
وأجاب بعضهم بأن العقد للصلاة آكد من الحل؛ لأنها يخرج منها بالحدث وغيره كما حكيناه عن أبي حنيفة.
فلأجل الاختلاف في افتقار الصلاة إلى التسليم ضعف حتى انحطت رتبته عن التكبير.
والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: من شرط سجود التلاوة عندنا أن يكون القارئ طاهرًا ويستقبل بسجوده القبلة.
ويجب عندي أن يراعى
فيه ما يراعى في سجود الصلاة من طهارة النجس وستر العورة.
لأنه جزء من أجزاء الصلاة فروعي فيه ما يراعى في كلها.
وقد قال ابن المسيب الحائض تومىء برأسها وتقول اللهم لك سجدت.
وروي ذلك عن عثمان رضي الله عنه.
وما قدمناه من القياس على الصلاة يرد هذا المذهب، وكذلك يرد فعل الأسود بن يزيد وعلقمة وعطاء ومجاهد أن الماشي إذا قرأ آية السجدة يومئ إلى السجود.
ولأن الماشي يمكنه السجود على الأرض فلم يجز له الإيماء كسجود الصلاة.
والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: أما إذا اصفرت الشمس بعد العصر أو أسفرت بعد الصبح فإن سجود التلاوة حينئذٍ ينهى عنه حتى تغرب الشمس أو تطلع.
وأما قبل ذلك وقد صليت العصر أو الصبح ففي المذهب ثلاثة أقوال.
قال مالك السجدة صلاة فلا تصلى حينئذٍ.
وقال ابن القاسم بل يسجد حينئذٍ وفرق مطرت وابن الماجشون بين ما بعد العصر وما بعد الصبح فأجازاها بعد الصبح ولم يجيزاها بعد العصر، وهكذا فرقا في ركعتي الطواف وأجرياها مجرى سجود التلاوة.
فاما النهي فقد أشار إلى توجيهه مالك حيث قال إن السجود صلاة.
وإذا ثبت أنه صلاة كما قال منع بعد العصر وبعد الصبح، كما تمنع النوافل حينئذٍ.
وأما الإجازة فلأن سجود التلاوة سنة والسنن تصلى حينئذٍ.
وقد كنا قدمنا في الكلام في قضاء الفوائت جملًا في أحكام الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
وسنبسط القول فيها فيما بعد إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ.
وعند بسط القول فيها يتضح حكم الصلاة حينئذٍ.
وأما ابن الماجشون وصاحبه فرأيا أن النهي بعد العصر آكد منه بعد الصبح فلهذا فرقا بينهما.
والجواب عن السؤال الثالث عشر: أن يقال: اختلف الناس في سجود الشكر فالمشهور عن مالك كراهته وإنكاره.
وحكى ابن القصار عنه الجواز وبه قال ابن حبيب.
وأما الشافعي فحكى عنه اين القصار الجواز.
وذكر أصحابه أنه سنة.
وهو مذهب أبي بكر وعلي وكعب بن مالك.
وأما أبو حنيفة فذكر ابن القصار عنه أنه يراه سنة في قول وفي قول آخر يجيزه.
وحكى غير ابن القصار عنه أنه يكرهه في أحد قوليه.
فأما المنكرون له فيتعلقون بأنه - صلى الله عليه وسلم -
لم يذكر عنه أنه سجد شكرًا عند تجدد نعمة وارتفاع نقمة.
ولو كان مشروعًا لفعله.
أو جائزًا لاتفق وقوعه منه مع تكرار نعم الله عليه وعلى أصحابه.
ولا نعمة أشرف من الإيمان بالله والهداية للإسلام ولم ينقل عن أحد ممن أسلم على يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه شكر 1 نعمة الإيمان بالسجود.
وأما المجيزون له فيحتجون على الجواز بقوله - صلى الله عليه وسلم - في سجدة "ص" سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا 2. وبقول أبي بكر رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه شيء يُسرّ به خرّ ساجدًا 3. وروي أيضًا أنه سجد عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة.
وحين جيء برأس أبي جهل.
وحين كتب إليه علي في إسلام أهل همدان 4. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لقيت جبريل فأخبرني أنه من صلى عليّ صلى الله عليه ومن سلم عليّ سلم الله عليه فسجدت شكرًا لله تعالى 5. وفي البخاري أن كعب بن مالك خرّ ساجدًا لما بشر بتوبة الله عليه 6. ومن أثبت سجود الشكر سنة رأى أن الاقتداء بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - مشروع وقد سجدها ها هنا فيما ذكرناه، فكان سجود الشكر مشروعًا ليحصل الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم -.
الأوقات المنهي عن التنفل فيها
قال القاضي أبو محمَّد: والأوقات التي نهي عن التنفل فيها وقتان، بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع.
فأما الأحوال التي نهي عن التنفل فيها فتختص ولا تعم، كحال خطبة الإِمام وشروعه في الصلاة وغير ذلك.
والاختيار في النفل مثنى مثنى، والجهر بالقراءة فيها جائز ليلًا ونهارًا.
قال الشيخ الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما الدليل على النهي عن التنفل في الوقت الذي ذكر؟.
2 - وهل يلحق به غيره من الأوقات؟.
3 - وهل سائر البلاد وسائر الأيام في النهي واحد أم لا؟.
4 - وما الدليل على أنه لا يركع إذا خطب الإِمام أو شرع في الخطبة أو في الصلاة؟.
5 - وما معنى قوله وغير ذلك؟.
6 - ولِمَ اختار في النفل مثنى مثنى؟.
7 - وَلِمَ أجاز الجهر فيه؟.
8 - وهل يصلي جالسًا اختيارًا؟.
9 - وهل يصلي إيماءً أو اضطجاعًا اختيارًا؟.
15 - وما حكم قطعه؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا في باب الكلام في قضاء
الصلاة المنسية قول بعض أصحابنا إن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها 1 وقتان راجعان إلى الفعل.
وهو إذا صُليت الصبح أو العصر، ووقتان راجعان لنفس الوقت.
وهما بعوإلاصفرار وعند الطلوع 2. وذكرنا اختلاف الناس فيما يتعلق بذلك الفصل.
وقد اختلف الناس في صلاة التطوع بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فمذهبنا النهي عنها على حسب ما ذكره القاضي أبو محمَّد.
وبه قال أبو حنيفة ووافقنا الشافعي على ذلك فيما لا سبب له.
فاما ماله سبب من النوافل فإنه يجيزه.
وبما ذهب إليه الشافعي قال جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
وقال ابن المنذر يجوز فعل النوافل بعد العصر إلى أن تصفر الشمس.
وقال داود بل إلى أن تغرب.
وذهبت طائفة إلى قصر النهي على طلوع الشمس حتى ترتفع.
وعلى دنوها أيضًا إلى الغروب للمغيب حتى تغيب.
وذكر الطبري أن هذا مذهب ابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي وبلال رضي الله عنهم.
وذكر عن علي وأبي أيوب وتميم الداري وأبي الدرداء رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون ركعتين بعد العصر.
وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يصلي بعد صلاة الفجر.
فاما نحن فنستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس 3. وقد قال ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون ارتضاهم عمر بن الخطاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد صلاتين صلاة الصبح وصلاة العصر 4. واختلفت إشارات الذاهبين إلى ما ذهبنا إليه، وفي معنى النهي عن ذلك.
فمنهم من أشار إلى أن النهي عن ذلك حماية لئلا توقع التوسعة فيه إلى الصلاة حالة الطلوع والغروب.
وقد أشار إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنه لما نهى تميمًا الداري عن الصلاة بعد
العصر فقال له تميم: صليتها مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال عمر: ليس من إياكم من أنهى
أيها الرهط.
ولكني أخاف من قوم يأتون بعدكم فيصلون بعد العصر إلى الغروب حتى يمروا بالساعة التي ينهى عنها.
وأشار آخرون إلى أنه إنما نهى عن ذلك حقًا لهذين الفرضين ليكون ما بعدهما مشغولًا بما هو تبع لهما من دعاء ونحوه تخصيصًا لهاتين الصلاتين بذلك دون ما سواهمامن الصلوات.
ونهي عن الصلاة بعدهما لأنه شغل بفعل مقصود في نفسه وهو الصلاة.
وأما الفرض فإنه يقضى حينئذٍ لأنه لا يمنع فرض مراعاة لتوابع فرض غيره.
وكذلك ما له سبب من النوافل ورآه الشافعي كالفرض لا ينبغي أن يمنع لما يتبع غيره.
ورأيناه نحن كما لا سبب له من النوافل.
ويحتج الشافعي على صحة ما ذهب إليه بما روته أم سلمة أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر فلما سئل عنهما أخبر أنهما عِوَض عما شغله عنه الوفد من ركعتين بعد الظهر 1. وأجيب عن هذا بأنه خصوص له - صلى الله عليه وسلم - لأن أم سلمة قالت: دخل علىّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر فصلى ركعتين فسألته عنهما فقال ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني الوفد عنهما.
فقالت أنصليهما إذا فاتتنا.
قال: لا 2. وهذا كالنص في اختصاصه بهما.
ويحتج أيضًا بقول قيس بن فهو.
قال: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال ما هاتان الركعتان يا قيس؟ فقلت يا رسول الله لم أكُ صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان.
فسكت 3. وأما داود فاحتج له بقول عائشة رضي الله هـ تعالى عنها قالت: والله ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد العصر قط 4. وهذا لا دليل فيه لاحتمال أن يكون لم تصفر الشمس.
وابن المنذر يجيز التنفل ما لم تصفر الشمس، ويحتمل أن يكون فيما له سبب.
هكذا حمل الشافعية هذا الحديث على ما له سبب، وأشاروا إلى أنهما الركعتان اللتان بعد الظهر، اللتان شُغِل عنهما.
وهذا ضعيف لأن عائشة أخبرت بتكرر ذلك.
واللتان شغل عنهما لم يتكرر الشغل عنهما.
وأجاب أصحابنا بأنه يحتمل أن يكون المراد أن دخوله - صلى الله عليه وسلم -عليها بعد وقت العصر، لا بعد فعل العصر.
وأما ابن المنذر فإنه يحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" 1. وأجيب عن هذا بأن إخبار النهي المطلق أشهر وأكثر رواة.
وأما الذين قصروا النهي على طلوع الشمس حتى ترتفع وعلى دنوها للغروب حتى تغيب فيحتجون بقوله عليه السلام: لا يتحز أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها 2. فقصر النهي على هذين الزمانين يدل على نفيه عما سواهما.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا طلع الفجر كره التنفل سوى ركعتي الفجر، وبه قالت الشافعية في ظاهر مذهبهم.
قال بعضهم وفيه وجه آخر أنه لا يكره.
فوجه النهي قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر 3. وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي بعد الفجر إلا ركعتي الفجر.
وأيضًا فإن صلاة النهجر أول الوقت أفضل.
ففي إباحة التنفل في هذا الوقت ذوات فضيلة أول الوقت.
ويحتج أيضًا من أجاز بالأحاديث الواردة في النهي وفيها من التقييد ما يدل على جواز التنفل في هذا الوقت كقوله: نهي عن الصلاة بعد صلاتين الصبح وصلاة العصر 4. فقُيد النهي بفعل الصلاة فدل على أنه قبل فعلها يجوز.
وإذا ثبت النهي فعندنا أنه يستحب لمن فاته حزبه بالليل أن يصليه حينئذٍ لأجل الاختلاف في هذا الوقت، ولأنه أمر لا يتكرر.
وكالقضاء لنافلة فاتت.
وهكذا التنفل بعد غروب الشمس ينهى عنه لما ذكرناه من أن في إباحته تأخير المغرب.
وقد تقرر أن أول الوقت فيها أفضل.
وعلى ذلك مضى العمل.
بل قال قائلون: ليس لها إلا وقت واحد.
لكن بعض أشياخي أجاز التنفل بعد
الغروب إلى أن تقام الصلاة وبعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة لقوله في الصحيحين: بين كل أذانين صلاة قال ذلك ثلاث مرات ثم قال ذلك لمن شاء 1. ومراده بالأذانين الأذان والإقامة.
وفي حديث آخر قال: "صلوا صلاة قبل صلاة المغرب" 2. وقال عقبة بن عامر كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 3. وأما الصلاة إذا استوت الشمس نصف النهار.
ففيه قولان: أجازها مالك في المدونة.
وقال في المبسوط لا أحبها للذي بلغني من النهي فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأما الجواز فلما قدمناه من النواهي المقيدة مثل حديث طلوع الشمس وغروبها وبصلاة الصبح والعصر.
وهذا يقتضي قصر النهي على ذلك.
وقد قال مالك ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون ويصلون نصف النهار.
وأما النهي فلما رواه في الموطإ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها" 4. ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في تلك الساعات.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: لم يفرق أحد من أصحابنا بين مكة وغيرها من سائر البلاد في حكم ما قدمناه من النهي.
وبه قال أبو حنيفة.
وأجاز الشافعي صلاة التطوع بمكة في جميع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
فلنا عموم النواهي انمتقدمة ولم يفرق فيها بين مكة وغيرها.
ولأن النهي كان لمعنى مقارنة الشمس قرن الشيطان.
وهذا المعنى يعم سائر الأمكنة فوجب أن لا يخص مكان دون مكان، كالنهي عن صوم يوم النحر.
لما كان المعنى عم الأمكنة كلها.
واحتج الشافعي بما رواه أبو ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا
بمكة إلا بمكة" 1. وهذا يخصص ما تقدم من النواهي المطلقة والزيادة مقبولة.
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ي ابن ي عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئًا فلا يمنعنّ أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهارًا" 2. وهكذا لم يفرق أصحابنا بين يوم الجمعة ولا اغيرها.
فإذا قلنا بالنهي عن الصلاة نصف النهار نهي عن ذلك يوم الجمعة أيضًا.
وبه قال أبو حنيفة.
وأجاز الشافعي وأبو يوسف التطوع في نصف نهار يوم الجمعة.
فلنا عموم النهي.
وله قول الخدري: نهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة 3. ولأن الناس يوم الجمعة ينتظرون الصلاة فيغلبهم النوم فأبيحت لهم الصلاة ليشتغلوا بها عن النوم.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في الركوع تحية المسجد حال خطبة الإِمام يوم الجمعة، فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي، ورأى أن حكم تحية المسجد في هذا الحال باق على أصله.
فاحتج أيضًا بقوله عليه الصلاة والسلام: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب أنصت فقد لغوت 4. فإذا نهي عن التشاغل بقول: أنصت وكان الركوع أشد شغلًا فهو أولى بالنهي.
ولقوله عليه الصلاة والسلام: إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة له ولا كلام حتى يفرغ 5. وهذا نفي لجميع الصلوات حيئنذٍ إلا ما خرج بدليل، ويقوله عليه الصلاة والسلام لرجل دخل المسجد وهو يخطب: اجلس فقد آنيت وآذيت ولم يأمره بالركوع 6. وهكذا صنع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لما دخل عثمان وهو
يخطب وجرى بينهما ما جرى ولم يأمره بالركوع 1.
وأما أصحاب الشافعي فإنهم يحتجون بعموم الأمر بتحية المسجد وبأن رجلًا جماء والشعبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال لا.
قال: قم فاركع 2. وبغير ذلك مما سنبسطه إذا أعدنا الكلام على المسألة في باب صلاة الجمعة، وحينئذٍ نتكلم على تأويل كل طائفة أحاديث الطائفة الأخرى.
وأما قوله عطفًا على الركوع في الخطبة وحال شروعه في الصلاة فقد تقدم الكلام عليه لما ذكرنا حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد فصلى النافلة.
وبالجملة فإن التنفل والإمام يصلي داخل في عموم النهي عن صلاتين معًا.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما قوله وغير ذلك فإنه إشارة إلى أحوال أخر سنبسط الكلام عليها في مواضعها كالآتي مُصلّى العيد فإنه لا يركع قبل صلاة العيد ولو كانت صلاة العيد في الجامع.
فعن مالك في إجازة تحية الجامع روايتان.
وكذلك التنفل بعد صلاة الجمعة سنتكلم عليه في موضعه.
وقد تقدم الكلام على أن من عليه صلاة منسية فإنه لا يشتغل عن قضائها بالتنفل.
فإلى هذه المعاني أشار القاضي أبو محمَّد رحمه الله بقوله وغير ذلك.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف الناس في عدد التنفل فعندنا أنه مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين سواء كان التنفل، ليلًا أو نهارًا.
وقالت الشافعية بما قلنا إلا أنها أجازت ما سواه كالتنفل بركعة وبثلاث وبأربع وبما زاد على ذلك وترًا كان أو شفعًا معدودًا كان أو غير معدود، يخرج عن جميع ذلك كله بتسليمة واحدة.
وذهب أبو حنيفة إلى التفرقة بين نافلة الليل والنهار فقال في نافلة النهار: الأفضل أربع والجائز ركعتان، وفي نافلة الليل الأفضل أربع والجائز ركعتان وست وثمان ولا يزيد على ذلك.
ومن الناس من ذهب إلى أن
صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربع.
وقد اختلفت الأحاديث في هذا الباب فروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: صلاة الليل مثنى مثنى 1. وروي عنه حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة فحكى أنه صلى ركعتين ثم ركعتين 2. الحديث.
وروي عنه حديث عائشة أنه كان يقوم من الليل: فيصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثًا 3. وروي عنها أيضًا أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شيء إلا في آخرها 4. وروي عنها أيضًا أنه كان يصلي تسع ركعات لا يجلس منها إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم ويصلي التاسِعة.
فلما أسن - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع 5. وروي أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء 6. فأما مالك فعول على قوله عليه الصلاة والسلام: صلاة الليل مثنى مثنى 7. وحديث ابن عباس، ورجحهما لأن الفرائض أكثرها ضعف أقلها فلتكن النوافل كذلك.
فلما كان أقل النوافل ركعة وجب أن يكون أكثرها ركعتين.
وبأن التسليم في كل ركعتين فيه زيادة في الأذكار والقُرب وأحوط لسلامة ما خرج منه إذ العمل المتصل يفسد أوله بفساد آخره.
وأما من خالفه فيحتج بما أوردناه من الأحاديث المخالفة لهذا.
وقد قال بعض أصحابنا: قول عائشة رضي الله عنها: كان يصلي أربعًا، لا دلالة فيه.
لأنها لم تذكر هل صلى الأربع بتسليمة أو بتسليمتين.
وأما أحاديث أربع قبل الظهر لا يُسلّم فيهن، فقال بعض الناس رواية عبيدة بن مغيث قال يحيى بن سعيد لو حدثت عن ابن مغيث بشيء لحدثت بهذا الحديث.
وقد ذكر
عنه أيضًا أنه قيل له الذي ترويه كله عن إبراهيم سمعته منه؟ فقال منه ما سمعته ومنه ما أقيس عليه.
وهذا يوجب عدم الثقة بحديثه.
ويرجح المخالفون أيضًا حديثهم بأن السلام مُخرج من العبادة.
ومن خرج منها فلا يعود إليها.
فكان ترك اشتراطه في كلل ركعتين أولى.
ولأن البقاء على الصلاة أشق من التحلل.
فكان بزيادة المشقة فيه أولى.
وقد احتج على الشافعية في إجازتهم الاقتصار على ركعة واحدة بما كنا قدمناه في غير هذا الموضع، من أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء.
وبأن ما لا يجزئ في الفرض لا يجزئ في النفل كالسجدة.
وأجابوا عن الخبر بأنه مرسل أرسله محمَّد بن كعب.
وأيضًا فإن ابن عمر فسر البتيراء بان يقوم الرجل فيصلي ركعة يقرأ فيها ويتم ركوعها وسجودها ثم يقوم إلى الثانية فلا يقرأ فيها ولا يتم ركوعها ولا سجودها.
وأجابوا عن القياس على السجدة بأنها لا تجمع أفعال الصلاة بخلاف الركعة.
على أن النفل لا يقاس عليه الفرض.
واستقبال القبلة يسقط في النفل ولا يسقط في الفرض.
على أنه قد يعكس القياس المذكور على الفرض بان يقال: أول الشفع صلاة فرض فيجب أن يكون 1 الوتر صلاةَ نفل.
هذا المعنى من القياس وإن لم يكن.
نصَّ عليه أصحاب مالك والشافعي فهو مقتضب مما نصوا عليه.
والجواب عن السؤال السابع: أن بقال: أما الجهر والإسرار في النافلة فجائز.
واستحب ابن حبيب الجهر في نافلة الليل واختار مالك رفع الصوت فيها.
وكان الناس يتواعدون بالمدينة لقيام القُرَّاء بالليل.
وأما نافلة النهار فقال
مالك في المبسوط: يخافت فيها بالقراءة.
قال الشيخ أبو محمَّد يستحب فيها الإسرار.
وذكر القاضي أبو محمَّد أن في الإجهار فيها قولين: الجواز والكراهة.
وقد كنا قدمنا ذكر الخلاف في هذه المسألة.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: القيام ركن من أركان الصلاة وشرط في صحة صلاة الفرض مع القدرة عليه.
لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ
قَانِتِينَ} 1. وخص من هذه الآية العاجز عن القيام في الفرض.
لقول عمران بن حصين رضي الله عنه كانت به بواصير فسالت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جَنْب" 2. وخص بهذا الحديث أيضًا من لا يستطيع القيام في النافلة إذا قلنا أن الآية واردة في الفرض والنفل.
وأما من يستطيع القيام في النافلة فإن له تركه والصلاة جالسًا ويخص هذا بما روي من صلاته - صلى الله عليه وسلم - النافلة جالسًا 3 ولقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين وقد سأله عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل ومن صلى قاعدًا فله أجر نصف القائم ومن صلى نائمًا فله أجر نصف القاعد 4. وقد اختلف الأئمة في تنصيف الأجر على ماذا يحمل؟ فحمله ابن الماجشون على من صلى قاعدًا مع القدرة على القيام.
ورأى أن من أقعده المرض في المكتوبة أو النافلة فإن أجره في القعود كاجره في القيام.
ورأى بعض المتأخرين أن التنصيف في صلاة الفرض جالسًا مع العجز عن القيام أو في صلاة النافلة جالسًا مع القدرة على القيام أو العجز عنه.
وذكر إسماعيل القاضي أن الحديث ورد في النوافل.
قال لأن الإتيان بها غير واجب.
فإذا أتى بها جالسًا كان له نصف أجر القائم على رأي من قدمنا ذكره من المتأخرين.
وتخصيص الحديث بالنوافل يفتقر إلى دليل وكان بعض أشياخي يميل إلى طريقة ابن الماجشون ويحتج لها بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن كان له حزب من الليل فغلب بالنوم عليه أن له أجره ونومه صدقة عليه 5.
فإذا كانت الغلبة المانعة من فعل الصلاة يكتب معها أجر جميع الصلاة فالغلبة عن بعض الصلاة يكتب له أجر ذلك البعض.
وهذا الذي قاله شيخنا يروق ولكن يلزم على طرده أن يكتب للحائض أجر الصلاة أيام حيضها لما كانت مغلوبة على تركها.
فإن التزم هذا فقد طرد أصله.
وبالجملة فإن التحقيق أن القياس الشرعي
لا يستعمل في مقادير الثواب إلا أن يرد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفظ يقوم مقام العموم حتى يشتمل على ما يتنازع فيه من ذلك.
ويستعمل القياس فيه في العمليات لتقدم بعضها على بعض في العمل.
وهذه إشارة يَفهم منها ما وراءها من خاض في علم الأصول وعلم أحكام القياس وحيث يجوز.
وإذا ثبت أن له أن يصلي النافلة جالسًا فله أن يقوم ليأتي بالركوع على إكماله وله أن يومئ به جالسًا.
فاما قيامه ليركع فلما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قام بعد جلوسه فقرأ وركع 1. وأما ركوعه جالسًا فلأنا لو منعناه منه لكنّا أوجبنا القيام في النافلة وقدمنا أنه لا وإذا ثبت أن له الجلوس فإنما يكون ذلك إذا افتتح النافلة عليه.
فأما لو افتتحها قائمًا ثم أحب أن يجلس ففيه قولان: أجازه ابن القاسم ومنعه أشهب.
وكان بعض أشياخي يرى أن الاختلاف إنما يحسن فيمن افتتح قائما ونوى القيام في جميعها غير ملتزم له.
فأما من التزمه فإنه لا يختلف في أنه لا يجلس.
كما لا يُختلف فيمن افتتحها قائمًا ونيته أن يجلس، أن الجلوس يجوز له.
وأما من افتتحها جالسًا فلا شك أن له أن يقوم لأنه ينتقل إلى ما هو أفضل.
وقد صلى - صلى الله عليه وسلم - جالسًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية 2. فإن قيل ظاهر هذا حجة لابن القاسم في إجازته القعود بعد القيام لكون هذا الخبر مبنيًا 3 على أنه يرجع إلى القعود بعد أن قام.
قيل: قال بعض المتأخرين يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينوي ذلك عند افتتاح نافلته.
وقد قدمت قول بعض أشياخي إن الخلاف لا يتصور فيمن نوى عند الافتتاح الجلوس بعد القيام.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما الإيماء في النافلة فقال ابن القاسم لا يومئ الجالس للسجود إلا من علة.
فإن أومأ من غير علة في
النوافل أجزأه.
وقال عيسى لا يومئ من غير علة في نافلة ولا غيرها.
قال بعض المتأخرين ظاهر قول ابن القاسم الكراهة.
وظاهر قول عيسى المنع.
وقال ابن حبيب له ذلك في النافلة كما له ترك القيام مع القدرة.
وأما تنفل المضطجع اختيارًا فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل يُمنع الصحيح والمريض.
ويجوز لهما عند الأبهري.
ويجوز للمريض خاصة عند ابن الجلاب، وهو ظاهر المدونة.
وقد احتج الأبهري للجواز على الإطلاق بما قدمناه من حديث عمران بن حصين وقد ذكر فيه: ومن صلى نائمًا مثل نصف أجر القاعد.
وظاهر الحديث أنه في المختار كما قدمناه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما النافلة فليس له أن يقطعها قبل إكمالها لأنها عمل متصل شرعًا، فالشروع في أوله التزام لآخره.
وقال الشافعي وابن حنبل له قطعها متى شاء.
وكأنهما رأيا أنها لما لم تكن واجبة في أصل الشرع وإنما هي موقوفة على اختيار المكلف اقتضى ذلك بان يكون بالخيار بين الفعل والترك متى شاء.
والاختلاف في هذه المسألة كالاختلاف في جواز قطع صوم التطوع وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى ونذكر ما تعلق به الشافعي من الأحاديث الدالة عنده في الصوم على ما قال.
وسنتكلم أيضًا في كتاب الحج على قطع حج التطوع والصد عنه وفواته بما يكون الوقوف عليه يكشف الغطاء عن الاختلاف في هذه المسألة.
وأما لو قطعت النافلة غلبة كما لو أحدث مغلوبًا فإنه لا قضاء عليه لمّا كان الفعل في أصله غير واجب.
ولم يكن القطع باختياره فيعَدّ قاطعًا لما التزم.
ولو كانت النافلة منذورة لقضاها وإن قطعت.
لأنها بالنذر والإحالة على الذمة تُشبه الصلوات الفرائض المحالة على الذمة.
لكن لو كان النذر في الصلاة نذرًا معينًا، كالناذر تنفل ساعة بعينها فَغُلِب على ترك الصلاة فيها فإن هذا يتخرج على القولين في ناذر صوم يوم بعينه فغُلب على إفطاره.
فإن أصحابنا اختلفوا في قضائه.
فصل الأماكن التي نكره فيها الصلاة
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وتكره الصلاة في معاطن الإبل وفي البِيَع والكنائس، والفرض داخل البيت عند مالك وعلى ظهره، وتجوز الصلاة في مراح البقر والغنم.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - لِمَ نهي 1 عن الصلاة في معاطن الإبل ولم ينْه عنها في مراح البقر والغنم؟.
2 - وما حكم الصلاة في المقبرة والحمّام؟.
3 - ولم كرهت الصلاة في البيع والكنائس؟.
4 - وما حكم المصلي إذا صلى على نجاسة أو حملها أو استقبلها؟.
وبقية هذا الفصل وهو الصلاة على الكعبة وداخلًا فيها 2، قد تقدم الكلام عليه مبسوطًا مفصلًا فيه المسائل المتعلقة به؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما معاطن الإبل فهي مباركها عند الماء.
وأما مراح الغنم فهو مجْتَمعها من آخر النهار.
وقد روى ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله عَزَّ وَجَلَّ ومعاطن الإبل.
وخرج الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الصلاة في سبع مواطن: في المجزرة والمزبلة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام 3. فاستفيد من هذا الحديث والذي قبله النهي
عن الصلاة في معاطن الإبل، ولم يختلف العلماء في كراهة الصلاة في معاطن الإبل واختلفوا في تعليل النهي عن الصلاة فيها.
فقال بعض أصحابنا إنما نُهي عن ذلك لأنها يستتر بها للبول والغائط فلا تكاد تسلم مباركها من نجاسة.
وقال غير هؤلاء من أصحابنا بل لأنها خلقت من الشياطين، ويحتج هؤلاء بأنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: " توضؤوا منها.
وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة" 1. وقال غير هؤلاء من أصحابنا إنما نهي عن ذلك لنِفَارها فإن نفارها يمنع من إتمام الصلاة.
وقالت طائفة إنما نهي عن ذلك لزفورتها وثقل رائحتها.
والشرع قد سن الصلاة للنظافة 2 والمساجد تُطيّب لأجل الصلاة.
وقد جمع القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا بين جميع هذه التعاليل: فقال كرهت الصلاة في معاطن الإبل لمعان منها ما روي أنها جنّ خلقت من جنّ فلا ينبغي أن يصلي بحيث الشياطين.
ومنها أنه يستتر بها عند البراز، ومنها أن نفورها خلاف نفور البقر والغنم، ومنها أن الأغلب عليها الوسخ والزفورة والغنم والبقر بخلافها.
ولما جمع القاضي أبو محمَّد بين هذه التعاليل وذكر التعليل بالنفار أشار إلى أن البقر بخلافها كما حكيناه عنه.
وقد قال غيره من المتأخرين إذا علل بالنفار وجب أن تجري البقر مجراها لأن نفارها أيضًا لا يُؤمن منه.
وتختلف أحكام التفريع ها هنا
لاختلاف 3 هذه التعاليل.
فإذا أمِن من النجاسة لتيقن طهارة مباركها أو بُسِط فيها ثوب يصلى عليه فإن في ذلك قولين: قال ابن القاسم تأويل النهي لما يخالطها من مذاهب الناس ولو سلم من ذلك فلا بأس بالصلاة فيها.
وروي عن مالك أنه لا يصلى فيها وإن لم يجد غيرها ولو بسط عليها 4 ثوبًا.
فإذا عللنا بالنجاسة كان الأمر كما قاله ابن القاسم وكما علل به.
وإن عللنا بكونها من
الشياطين مخلوقة نهي عن الصلاة ولو بسط عليها ثوبًا كما قاله مالك.
وإن عللنا بالنفار لم يصل في مباركها ما دامت فيها، وأن تُيقن طهارتها ويصلي فيها بعد أن تزول عنها.
وهذا تنبيه على طرد التفريع على ما بقي من التعليل.
وحكى ابن مُزيَنْ أن الإبل المؤبلة 1 لا بأس بالصلاة في مواضعها.
قال الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب إنما النهي عن المعاطن التي اعتادت الإبل أن تغدو منها وتروح إليها.
وأما لو باتت إبل سُفّار في بعض المناهل لجازت الصلاة فيها.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلي إلى بعيره في السفر فإن صلى فيها فصل وهو منهي عن الصلاة فيها فاختلف فيها فقال أصبغ يعيد في الوقت.
وقال ابن حبيب إن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا، كمن صلى على موضع نجس.
فكأن ابن حبيب رأى أن الظن بحصول النجاسة كاليقين بحصولها.
فإذا كان الغالب نجاسة المبارك كانت الصلاة فيها كالصلاة في موضع تحقق نجاسته.
وكان أصبغ رأى اختلاف التعليل 2 في ذلك وأن التعليل بأحدها، وهو كون المبارك تخالطها النجاسة أمر غير محقق، ولا مقطوع به.
فكان حكمه الاستظهار بإعادة الصلاة في الوقت، وإعادتها بعد الوقت إنما يكون مع عدم الإجزاء.
ولا دليل ها هنا يمنع الإجزاء.
وأما الصلاة في مراح الغنم فإنها جائزة لسلامتها من سائر العلل المذكررة، ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مرابض الغنم.
ولم ينقل في ذلك خلاف عن أحد من أهل العلم.
وعلى هذا الأصل مضى ابن حبيب فيما ذكره 3 في الأحاديث المتقدمة من النهي عن الصلاة في المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق لما كان الغالب نجاسة هذه المواضع.
فاجرى الصلاة في هذه المواضع 4 مجرى من صلى في موضع يتحقق نجاسته.
فإن كان عامدًا أو جاهلًا أعاد أبدًا وإن كان ساهيًا أعاد في الوقت، وهذا إذا صلى في الطريق
اختيارًا.
وأما من 1 صلى فيه اضطرارًا لضيق المسجد فإن الصلاة حينئذٍ جائزة.
ورأيت فيما عُلّق على ابن الكاتب وابن مناس من صلى على قارعة الطريق لم يُعد إلا أن تكون النجاسة فيها عينًا قائمة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصلاة في المقبرة، فالمشهور من مذهبنا إجازتها وإن كان القبر بين يديه.
وروى أبو مصعب عن مالك أنه كره الصلاة فيها.
وتال القاضي أبو محمَّد تكره الصلاة في المقبرة الجديدة في الجملة.
وإن كانت قديمة وفيها نبش فلا يجوز إلا أن يجعل فيها حصيرًا تحول بينه وبينها.
وتكره في مقابر المشركين جملة من غير تفصيل.
ووافقنا أبو حنيفة والشافعي على الجواز.
هكذا حكى بعض أصحابنا.
وفي كتب أصحاب الشافعي أن الصلاة لا تجوز إذا تكرر نبشها وتجوز إذا لم تنبش إلا أنه يكره، ولا فرق بين 2 أن يصلي فيها أو إليها.
قالوا وإن جهل حالها هل تكرر نبشها أم لا؟ قولان: أحدهما الجواز لأن الأصل الطهارة.
والثاني لا يجوز لأن الظاهر تكرار النبش لكون المقبرة مدفنًا قديمًا.
وقال بعض أهل الظاهر لا تجوز الصلاة في المقبرة.
فدليلنا على الجواز قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا" 3.
ولأنه عليه الصلاة والسلام صلى على السوداء في قبرها بعد دفنها 4. وقد قال نافع صلينا على عائشة رضي الله عنها وأم سلمة رضي الله عنها وسط البقيع والإمام يومئذٍ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر رضي الله عنهم.
وأما وجه النهي عن ذلك فلأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تتخذ القبور مساجد 5. وخرج مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها 6. وقد أخذ
الليث بظاهر هذا الحديث فكره الصلاة في القبور والجلوس عليها والاتكاء إليها، ورأى للميت حرمة تمنع من القعود والاتكاء عليه.
وقال بعض أصحابنا مجيبًا عن خبر النهي عن الصلاة في المقبرة فحمل النهي على مقبرة المشركين.
لأن الصلاة رحمة ولأن الغالب عليهم النجاسة فلا يتحفظون أن تصيب قبورهم.
وهذا الذي ذكره من حمل النهي على مقبرة المشركين قد نص الشيخ أبو محمَّد على المنع من الصلاة في مقبرة المشركين، وعلل بعض أصحابنا ذلك بأنها بقعة خصت بأهل العذاب فشرع اجتنابها كما شرع تحري مواضع الصالحين.
وهكذا حمل ابن حبيب خبر النهي عن الصلاة في المقبرة في الحديث الذي قدمناه المذكور فيه تعديد ما نهى عنه من المواطن تأويله أنه في مقبرة المشركين لأنها حفرة من حفر النار.
وأما مقبرة المسلمين فلا، عامرة كانت أو داثرة.
قال بعضهم يريد إلا أن تكون مبعثرة، فلا يصلَّى فيها.
قال ابن حبيب فيمن صلى في مقبرة المشركين وهي عامرة أعاد أبدًا في العمد والجهل.
وإذا كانت دارسة لم يعد، وقد أخطأ.
وهذا الذي حكيناه عن بعضهم من تقييده كلامَ ابن حبيب بأن لا تكون مبعثرة فيه نظر.
فإن مالكًا ق الذيها لا بأس به وإن كانت دارسة.
قال بعض المتأخرين هذا بناءً أن المؤمن لا ينجس بالموت.
وقال وقول القاضي أبي محمَّد لا يصلي في المقابر التي يكون فيها النبش، مبني على أن المؤمن 1 ينجس بالموت.
وأما الصلاة في الحمام فأنجازها مالك في المدونة.
وقال القاضي أبو محمَّد تكره الصلاة داخل الحمّام.
وبالكراهة قالت الشافعية.
وبالمنع قال ابن حنبل فلا تصح الصلاة عنده فيه لحديث النهي عن ذلك.
ومحمل النهي عن ذلك على الكراهة إذا أثبتناها كما أثبتها القاضي أبو محمَّد 2 وإن احتج أحمد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام " 3. تأولناه كما
تأولنا الذي قبله.
وتأولنا استثناءه المقبرة 1 على ما تقدم من اختلاف الطرق والمذاهب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما كرهت الصلاة في البيع والكنائس لنجاسة الموضع وللصور التي فيها.
وقد كره مالك أن يصلى إلى قبلة فيها تماثيل.
لأنه يصير كالساجد للصورة.
وأيضًا فإن النظر إليها يلهيه.
وقد جاء الشرع باجتناب ما يلهيه عن الصلاة.
وقد قال مالك في الخاتم فيه تماثيل لا يلبس ولا يصلى به.
وأيضًا فإنها مواضع أسست على غير التقوى.
وقد كره مالك النزول بالكنائس إذا وجد عنها مندوحة، فإن اضطر إليها المسافر لبَرْد وشبْهِه بسط فيها ثوبًا طاهرًا إذا أحب الصلاة.
وقد قال مالك لا يصلى على بساط فيه صورة إلا من ضرورة.
فأباح الصلاق على ما فيه صورة للضرورة.
فإن صلى مُصَلّ في الكنيسة جرت إعادته على القولين اللذين أشار إليهما في معاطن الإبل.
وقد قال سحنون أحب إليّ أن يعيد من صلى في الكنيسة لضرورة أو غير ضرورة في الوقت.
وقد قال ابن حبيب من صلى بثوب نصراني أو في بيت مسلم لا يتنزه عن النجاسة أعاد أبدًا.
وقد قدمنا أصله في هذا في معاطن الإبل.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: تقدم الكلام على اختلاف المذهب في إزالة النجاسة هل هي فرض وشرط في صحة الصلاة مع الذكر والنسيان كطهارة الحدث أو ليست بشرط مع النسيان لقا كانت من قبيل التروك كالأكل في الصوم والكلام في الصلاة؟ وبسطنا القول في ذلك وذكرنا اختلاف عبارة الأصحاب عنه، ونبهنا على وجه التحقيق فيها.
وكذلك قدمنا الكلام على نجاسة الموضع إذا جفت، وذكرنا ما قال الناس في ذلك فلا معنى لإعادته.
وحكم الموضع عندنا إذا كان نجسًا كحكم الثوب إذا كان نجسًا.
وقال
أبو حنيفة إذا كان موضع قدميه طاهرًا صحت صلاته ولو كان موضع يديه وركبتيه نجسًا.
وفي الجبهة روايتان واعتمد في هذا على أن الركبتين واليدين لا يجب السجود عليها فصار وضعها كَلاَ وضع.
ويجاب عن هذا بالنظر في وجوب السجود عليها.
وقد قدمنا ما قال الناس فيه في موضعه.
ويناقض بالثوب الزائد على ستر العورة فإنه لا يجب لباسه، وإذا كان نجسًا أثر في الصلاة، ولم 1 يلحقه عدم وجوب لباسه بان يكون لباسه كَلاَ لباس.
وإنما تشترط طهارة البقعة التي يصلى عليها.
فلو كانت البقعة الطاهرة متصلة ببقعة نجسة كحصير أحد طرفيه طاهر والآخر نجس، فإن الصلاة على الطرف الطاهر تصح.
قال بعض المتأخرين ولو تحرك الموضع النجس.
بخلاف العمامة يكون بطرفها المنسدل نجاسة، فهاهنا يراعى التحرك، فإنْ تحرك الموضع النجس أثر في الصلاة وكان كمصل بنجاسة.
ومذهب الشافعية أن من صلى بثوب، الطاهر منه عليه، والنجس على الأرض، لم تصح صلاته لاتصال ما عليه بالنجاسة.
وقال أبو ثور تصح صلاته.
وقال أبو حنيفة إن لم يتحرك بتحركه صحت صلاته.
وأجاز مالك للمريض أن يصلي على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا كثيفًا طاهرًا.
واختلف الأشياخ في الصحيح هل هو في هذا كالمريض أو بخلافه؟ فقال بعضهم هو كالمريض لأن مصلاه طاهر.
فنجاسة ما تحته كنجاسة طرف الحصير الآخر الذي ذكرنا أنه لا يؤثر في الصلاة ولو تحرك.
وقال بعضهم لا يباح ذلك للصحيح.
لأنه بصلاته يكون محركًا للنجاسة.
وقد قدمنا فيما مضى الكلام على النجاسات الضرورية.
ووسعنا القول في فروعها بما يغني عن إعادته.
ومما أغفلنا ذكره هناك ويناسب ما نحن فيه اختلاف المذهب فيما تداوى به الجراح من النجاسة.
فقال مالك في المرتك الذي يصنع من عظام الميتة إذا جعل في القرحة لا يصلى به حتى يغسل.
ورخص ابن الماجشون في ترك غسله
وأجاز الصلاة به.
فكان مالكًا أبقى هذه النجاسة على أصلها.
وكأن ابن الماجشون أخرجها عن أصلها للضرورة.
إما لحدوث الألم والضرر بنزعها، أو بغسلها.
وقد اختلف الناس فيمن جبر عظمه بعظم نجس.
فقال أبو حنيفة لا يجب قلعه إذا التحم.
وقالت الشافعية يجب قلعه وإن التحبم إذا لم يؤد إلى التلف أو تلف ذلدق العضو.
ومن الشافعية من أوجب قلعه وإن أدى إلى التلف.
فحجة أبي حنيفة أن العظم إذا التحم صارت النجاسة باطنة فلم تجب إزالتها كالخمر إذا شربها.
وأجابت الشافعية عن هذا بأن الخمر تجب إزالتها بأن يتقيا.
فلم يسلم أصل القياس.
قالوا: ولو سُفم أنه لا يلزم إزالة الخمر، فإنما ذلك لأنه أوصلها إلى معدن النجاسة.
والعظم بخلاف ذلك.
ورأت الشافعية أنها نجاسة باقية على أصلها تجب إزالتها ما لم يمنع من ذلك مانع وهو تلف العضو.
ورأى بعضهم أن تلفه ليس بعذر يسقط الإزالة.
وقد قدمنا مذهبهم فيمن خاف باستعمال الماء التلف هل له أن يتيمم؟.
وأما الصلاة مستقبلًا النجاسة فقال ابن حبيب من تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد، إلا أن تكون بعيدة جدًا.
وقال مالك في المدونة فيمن صلى وأمامه جدار مرحاض فلا بأس به إذا كان موضعه طاهرًا.
قال بعض أشياخي لو ظهرت النجاسة في هذا الجدار ببلل، ونحوه لم يُصل إليه.
فصل الجمع بين الصلاتين
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويجوز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت أيتهما شاء إذا جد به السير، والاستحباب في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية.
وذلك في الظهر والعصر وفي المغرب والعشاء ولا يتنفل بينهما.
قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما الأسباب المبيحة للجمع؟.
2 - وهل يجوز لغير سبب؟.
3 - وما الدليل على جواز الجمع في السفر؟.
4 - وما صفة السفر المبيح للجمع؟.
5 - وما وقت الجمع؟.
6 - ولِمَ قال لا يتنفل بينهما؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الأسباب التي تكلم أهل العلم على كونها مؤثرة في جواز الجمع أربعة.
أحدها السفر.
والثاني المطر.
والثالث المرض.
والرابع الخوف.
وقد تكلم القاضي أبو محمَّد ها هنا على سببين منها وهما السفر والمطر.
وسنلحق نحن الكلام على السببين الآخرين في أثناء كلامنا على ما تكلم عليه وإنما انحصرت الأسباب في هذه الأقسام لأنه لا يتصور عذر في غالب الأمر يشق معه أداء الصلاة على الفرض الأصلي سوى هذه الأسباب.
ولهذا انحصر الأمر فيها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الجمع لِغير سبب فإنه مأخوذ مما قدمنا الكلام عليه في أول كتاب الصلاة لما ذكرنا اشتراك الظهر والعصر في الوقت.
وذكرنا الخلاف في ذلك، وسبب الخلاف.
وأشرنا إلى أن من ذهب إلى الاشتراك يستدل بجمع عرفة والمزدلفة.
وإن الجمع بعرفة ترك فيه الوقت لفضل الوقوف.
فلو كان الوقت فرضًا لما ترك لما ليس بفرض وكذلك تأخير المغرب في المزدلفة لأجل الإفاضة.
فلو كان الوقت فرضًا ما ترك للإفاضة، وما ورد من الأحاديث في جمعه عليه الصلاة والسلام في السفر.
وأن من نفى الاشتراك يحتج بحديث الأوقات، ويرى أن سبب وجوب الصلاة: الوقت.
فلو كان الوقت واحدًا لم يفتقر إلى التمييز بين الصلاتين في النية كما لم يحتج إلى التمييز في سائر أيام رمضان لاستواء أيامه في سبب الوجوب، وكونها من رمضان.
فلما افتقر إلى التمييز في الصلاتين علم أن السبب مختلف، وأن الأوقات متميزة، وهذا الذي أحلنا عليه إنما يفيد النظر في الإجزاء إذا خولف في الأوقات حكم الاختيار.
وإلا فالجامع لغير عذر منهي عنه عندنا.
وقد قال القاضي إسماعيل في المبسوط لما نص على القول بالاشتراك واحتج له إنما هذا عند الضرورة كما فعله الأئمة.
وأما من فعله لغير ضرورة فإنه
ينهى 1 عن ذلك ويُؤدب عليه.
وفي التأديب هنا نظر لأن القاضي إسماعيل إذا سلم القول بالاشتراك لم يكن الجامع للصلاتين مخالفًا لوقت مفروض إلا أن يقصر الاشتراك على حال الضرورة والعذر وينفيه مع حال الاختيار.
فيصح التأديب حينئذٍ.
أو يكون أثبت الاشتراك في حال الاختيار وحال الضرورة.
لكنه أدب من جمع اختيارًا لتاكد النهي عنده عن ذلك.
وإلحاقه بالسنن المؤكدة، فيكون التأديب في ذلك جاريًا على قول من تقدم من أصحابنا أن تارك الوتر يؤدب.
وقد قدمنا الاعتذار عن هذا القول وذكرنا ما تأول عليه.
فإن جمع جامع اختيارًا فهل تصح الصلاة أم لا؟ في المجموعة قولان.
ذكر عن ابن القاسم فيمن جمع بين العشاءين في الحضر من غير مرض أنه يعيد الثانية أبدًا.
قال أبو محمَّد يريد أنه صلاها قبل مغيب الشفق.
وذكر عن أشهب فيمن صلى العصر قبل القامة والعشاء قبل مغيب الشفق أرجو أن تكون صلاته صلاة.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الجمع في السفر بين الصلاتين المتفق على أنه لا شركة بينهما في الوقت كالظهر مع الصبح والمغرب مع العصر فإنه لا خلاف في منع الجمع بينهما ولو تكاثرت الأعذار.
وأما ما يشترك وقته كالظهر مع العصر والعشاء مع المغرب فإن الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا جائز باتفاق فقهاء الأمصار.
وذلك بأنْ يُصلى الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها فيكون المصلي جمع بينهما فعلأولم ينقل إحداهما إلى وقت الأخرى.
وقال أشهب في كتبه: يجوز مع الاختيار للحاضر والمسافر أن يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها.
والعصر أول وقتها.
قال وذلك أن ينقضي الظهر وقد صار ظل كل الشيء مثله أو يبتدىء صلاتها حينئذ فإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العصر.
أو تنقضي المغرب إذا غاب الشفق أو يبتدىء صلاتها حينئذٍ فإذا صلاها أقام الصلاة وصلى العشاء.
وأما الجمع بينهما بنقل الوقت على الجملة فإنه يجوز عندنا وعند
الشافعي، ومنع أبو حنيفة من الجمع إلا بعرفة والمزدلفة.
وقد وقع في المذهب عندنا الكراهية.
فقال مالك في العتبية: أكره جمع الصلاتين في السفر.
قال بعض المتأخرين: محمله على جهة إيثار الأفضل لئلا يتسهل فيه من لا يشق عليه.
وقال أيضًا إذا ارتحل المسافرون عند الزوال فلا يجمعون.
قيل معناه إذا كان نزولهم عند الغروب.
وقال في كتاب ابن شعبان يكره الجمع في السفر للرجال ويرخص فيه للنساء.
وسبب الاختلاف في هذا أن أحاديث الأوقات وبيانها ثابت مشتهر 1، وفي بعضها ألفاظ تدل على الحصر على ما ذكر ونفي ما سواه من الوقت.
كقوله وقت الظهر ما لم تحضر العصر إلى غير ذلك مما قدمنا ذكره من الأحاديث وهذا ينفي الجمع.
وقد تواتر الجمع بعرفة والمزدلفة منقولًا بالعمل في سائر الأعصار ووردت أحاديث بجمعه عليه الصلاة والسلام في السفر سنذكر نصوصها فيما بعد.
وهذا يبيح الجمع.
فايّ الأمرين أولى أن يؤخذ به؟ فرأى مالك والشافعي أن أحاديث الأوقات عمومات خص منها السفر بما ذكرناه من جمعه عليه الصلاة والسلام في السفر.
وأفاد هذا التخصيص الاشتراك في الحضر أو 2 لم يفده على الاختلاف في ذلك ورأيا أن جمع الحجيج معلل في عرفة بمشقة الشغل الملهي عن الصلاة لأنهم في حط رحال وإقبال على دعوات وابتهال فصار ذلك عذرًا أباح الجمع.
فقيس عليه المسافر فإنه ربما كانت حاجته للجمع أشد، وأيضًا الجمع بالمزدلفة لمشقة الاشتغال بالإفاضة إلى غير ذلك من المشاق المذكررة في هذا.
فصار ذلك عذرًا أيضًا أباح الجمع.
ورأى أبو حنيفة أن أحاديث الأوقات أولى أن تتبع لاشتهارها وكثرتها وكونها أقوالًا وأفعالًا، وجمع الحجيج لا يراه معللًا.
لاذا لم يكن لم يقس عليه.
وأخبار جمعه عليه الصلاة والسلام يتأولها على أنه جمع بينهما فعلًا لا وقتًا.
وهو يحيى الجمع فعلًا كما قدمناه عنه.
ويؤكد هذا بأنه روي عن أنس أنه جمع بينهما فعلًا.
ثم قال هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقول ابن مسعود ما صلى عليه الصلاة والسلام صلاة قبل ميقاتها الإ صلاتين صلاة العصر بعرفة وصلاة الفجر بالمزدلفة، فإنه قد
غلس بها 1. وإن ورد من الأخبار ما لا يمكن حمله على الجمع فعلًا، جوّز أن يكون ذلك من غلط الراوي في التقدير.
وإن كان حمل الغلط على الرواة بعيدًا.
فهذا سبب اختلاف فقهاء الأمصار في هذه المسألة.
وأما ما وقع عندنا من الكراهة فقد ذكرنا ما تأول عليه.
ويمكن أن يتأول فيه الاحتياط من الاختلاف الذي ذكرناه عن أبي حنيفة.
والتفرقة في الكراهة بين الرجال والنساء يمكن أن يكون لشدة حاجة النساء إلى الصون عن الحط والترحال بخلاف الرجال.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: يجوز الجمع في السفر وإن كان سفرًا لا تقصر في مثله الصلاة خلافًا لأحد قولي الشافعي في أنه لا يجوز إلا في سفر القصر.
ودليلنا جمع أهل مكة بين الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء بالمزدلفة.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله في غير كتابه هذا: ولأنه سفر مباح فأشبه ما يقصر فيه.
وتقييده ها هنا بالإباحة إشارة إلى أنه لا يجمع في سفر المعصية.
وسنتكلم على الاختلاف في تعلق الرخص بسفر المعصية إن شاء الله تعالى.
وأما الشافعي فإنه يحتج في منع الجمع بالقياس على الفطر فلما كان الفطر لا يجوز في قصير السفر فكذلك الجمع.
ولا يكون مجرد السفر الطويل مبيحًا للجمع عندنا دون أن يضامه وصف آخر.
واختلف في الوصف المشترط فيه.
فقال مالك في المدونة: لا يجمع المسافر في حج أو غيره حتى يجدّ به السير ويخاف ذوات أمر فليجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها ثم العصر في أول وقتها إلا أن يرتحل عند الزو الذيجمع حينئذٍ في المنهل.
ويجمع بين العشائين بمقدار ما يكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق.
فأشار مالك ها هنا إلى اشتراط الجدّ في السير وخوف ذوات أمر.
وهكذا اعتبر أشهب مبادرة ما يخاف فواته والإسراع إلى ما يهمه.
واعتبر ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ قطع السفر بمجرده.
فاباحوا للمسافر الجمع إذا كان القصد بالجد في السير قطع المسافة ولم يعتبروا خوف ذوات أمر لما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أعجل به
السير جمع بين المغرب والعشاء 1 فلم يذكر الراوي ها هنا سوى العجلة في السير.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما وقت الجمع فقد وردت في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث فروى أنس في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى آخر وقت العصر ثم نزل فجمع وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر وركب 2. وروى أنس أيضًا في كتاب مسلم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عجل به السير أخّر الظهر إلى آخر وقت العصر فيجمع ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق 3. وروى معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها مع العصر وإذا ارتحل بعد أن ترتفع الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا.
وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب 4 وجمعه - صلى الله عليه وسلم - بعرفة مشهور.
وهو من هذا المعنى.
لأنه قدم العصر.
لأنهم يركبون للوقوف ولا يرفعون حتى تغيب الشمس.
وكذلك جمعه بالمزدلفة وتأخيره المغرب، لأن الوقت يدخل عليهم وهم ركبان فلا ينزلون إلا بالمزدلفة.
واعلم بأنا قدمنا في أول كتاب الصلاة من الكلام على الوقت الاختياري والضروري ما هو أصل لهذه المسألة.
فإذا علمت من هناك جميع ما قلناه في تحديد الوقت الاختياري ووقت الاضطرار فالجمع ها هنا لا يخلو من ثلاثة أقسام.
أحدها أن تصلي الصلاتان في وقت اختيار لهما جميعًا.
والثاني أن يصليهما في وقت اختيار لإحداهما ضرورة للثانية 5. والثالث أن يصليهما في وقت ضرورة لهما جميعًا.
فأما الجمع بينهما في وقت اختيار لهما جميعًا فلا
يتصور إلا بان تقع أولى الصلاتين في آخر وقتها وأخرى الصلاتين في أول وقتها.
وقد عُد هذا القسم في المدونة من قبيل ما لا يرخص فيه للمسافر إلا بأن يجدّ به السير ويخاف ذوات أمر.
وقد حكينا قوله في المدونة في هذا لما قال لا يجمع المسافر إلا عند جذ السير وخوف ذوات أمر.
فيصلي الظهر آخر وقتها والعصر أول وقتها.
وهذا الذي في المدونة لا وجه لعدّه من قبيل الرخص، لأنه لم يختلف في أن تأخير الظهر إلى آخر وقتها اختيارًا جائز.
وقد قدمنا ما قوله أشهب في كتابه من إجازة ذلك للمسافر اختيارًا وللحاضر أيضًا.
وذكرنا قوله وإجازته ذلك بان تنقضي الظهر وقد صار ظل كل شيء مثله، أو يبتدؤها حينئذٍ.
وقد تقدم نص قوله في هذا لكنه يمكن عندي أن يكون مالك رضي الله عنه لما رأى أن وقت الاختيار أفضله أوله، وكان مؤخر الظهر إلى آخر وقتها، قد أحل بتحصيل هذا الفضل ألحق التأخير لأجل عذر السفر بأبواب الرخص.
وصار فوته الفضل ها هنا لَمّا دعت إليه ضرورة السفر كفوت جملة وقت الاختيار أصلًا الذي لا يلحق منه تقصير لضرورة السفر.
وقد أشار أشهب إلى هذا المعنى فقال في المجموعة لا أحب الجمع بين الظهر والعصر إلا بعرفة أول الزوال وهي السنة.
قال: وللمسافر وإن لم يجدّ به السير من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم.
وله في جدّ السير أكثر مما له إذا لم يجدّ في ذلك، وللمقيم في ذلك أيضًا رخصة، لأنه يصلي في آخر 1 الوقتين الذي وفت جبريل عليه السلام.
فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت وللعصر أول وقته وأول الوقت فيهما أحبّ إلينا وإذا ساغ للحاضر جاز للمسافر وإن لم يجد به السير، وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتًا لهما يشتركان فيه.
مع ما روي من جمع المسافر ولم يذكر جدّ السير.
وأما جدّ السير فمجتمع عليه.
وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر وقت هذه وأول وقت هذه وذلك أن تنقضي المغرب وقد غاب الشفق أو يبتدىء بها حينئذٍ ثم يقيم فيصلي العشاء بعدها.
وهذا في الظهر والعصر أجوز منه في المغرب والعشاء لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد في الحديث.
فأنت ترى أشهب لما ذكر الجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية سماه
رخصة.
وعقبه بقوله وأول الوقت فيهما أححت إلينا، ليشعر أن عدّه رخصة إنما كان لفوت فضيلة أول الوقت على حسب ما تأولناه على المدونة.
وما ذكره أشهب في المغرب والعشاء إنما ذلك على القول بان للمغرب وقتين، وأشار إلى كونهما أخفض رتبة من الظهر والعصر لأجل الاختلاف في وقت المغرب.
وأما الجمع في وقت اختيار لإحداهما ضرورة في الأخرى فيتصور بأن تقع الأولى في أول وقتها، والثانية في وقت لها ضروري ليس باختياري لأن من جمع بين الظهر والعصر عند الزوال فإن الظهر واقعة في وقتها المختار والعصر في وقت اضطرار.
ويتصور أيضًا بان تؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر فيجمع بينهما.
وأما كونهما يوقعان في وقت ضروري لهما فيتصور بأن يجمع بينهما قبل الغروب.
فإذا وضح لك أن الخروج عن وقت الاختيار إنما يسوغ عند العذر والاضطرار فيجب أن يراعى حال المسافر.
فإن كان زالت عليه الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه متى رحل لا ينزل إلا بعد الغروب، فإنه ها هنا يجمع بين الظهر والعصر عند الزوال إذا كان رحيله حينئذٍ، لأنا إن منعناه من الجمع فلا بد أن نكلفه النزول ليصلي المعصر قبل خروج وقتها، وفي النزول اضرار به.
وإن لم نكلفه النزول صلى العصر بعد الغروب، وتأخير الصلاة عن جميع وقتها محظور.
فلما تقابل الإضرار به في تكليف النزول، والتقصير في العصر بأن توقع في وقتها الضروري، رأى لك رحمه الله أن مراعاة الضرورة آكد من مراعاة الاختيار في الوقت.
ورأى المخالف أن مراعاة الاختيار في الوقت أولى من مراعاة الضرورة.
وقد تقدمت الحجة لمالك في هذا.
وقد ذكر في المدونة جمع المسافر في المنهل إذا كان رحيله عند الزوال ولم يذكر إباحة الجمع بين العشاءين إذا كان 1 رحيله عقيب الغروب.
وذهب سحنون إلى جواز ذلك في العشاءين كجوازه في الظهر والعصر.
وأشار بعض المتأخرين إلى أن مذهب المدونة خلاف ما قال سحنون.
ووُجَّه ظاهر المدونة عنده بأن ما بعد الغروب
ليس بوقت للرحيل في العادة، فإذا وقع نادرًا لم تتعلق به الرخصة كما تعلقت 1 بالرحيل عند الزوال.
لأن الرخص لا تتعلق بالشواذ 2. وأما سحنون فإنه يحتج بالقياس على الظهر والعصر.
وإذا كانت الإباحة عند الزوال لعذر الرحيل عنده.
فلو زال العذر بان نزل بعد الزوال فجمع بينهما حينئذٍ لا لعذر استئناف الرحيل حينئذٍ فإنه يعيد العصر ما دام في الوقت.
رواه زياد عن مالك.
قال بعض المتأخرين وكذلك يجب أن يكون حكم من جمع بين الصلاتين ولم يجد به السير عند من شرط في الجمع أن يجد به السير.
وفي هذا نظر عندي لأن اشتراط الجد في السير لا يبلغ مبلغ مخالفة وقت الاختيار في الحرمة.
وإذا أمكن أن لا يبلغ الجدّ في السير عند من اشترطه مبلغ وقت الاختيار في الحرمة والتاكد، لم يصح إلزامه أن يقول بالإعادة في الوقت فيمن جمع ولم يجدّ به السير.
وإن كان المسافر الراحل عقيب الزوال من المنهل يعلم أنه ينزل قبل تصرم وقت الصلاة الثانية لم يجمع، بل يصلي الظهر قبل رحيله والعصر إذا نزل قبل الاصفرار.
وكذلك المغرب عند الغروب والعشاء قبل ثلث الليل أو نصفه.
لأن إيقاع كل صلاة ها هنا في وقتها المختار يمكنه على حسب ما يمكن الحاضر، فلا معنى للجمع.
وإن كان المسافر، زالت الشمس أو غربت 3 وهو على ظهر، ويعلم أنه ينزل قبل الاصفرار وقبل ذهاب ثلث الليل أو نصفه على الاختلاف في آخر وقت العشاء جمع في آخر وقت الصلاة الثانية ويكون هذا كالراحل عند الزوال من المنهل، وإن كان هذا أخر الأولى فاوقعها في وقت الضرورة والثانية في وقت الاختيار، والراحل من المنهل عند الزوال بالعكس من ذلك.
لأنه قدم الثانية فاوقعها في وقت الضرورة وأوقع الأولى في وقت الاختيار.
لكنهما يستويان في إزاحة 4 صلاة واحدة عن وقتها المختار.
وإنما اتفق نفي الضرر فيهما على هذا الأسلوب من التقديم والتأخير.
وإن كان هذا
المسافر الذي أخذه الزوال أو الغروب وهو على ظهر لا ينزل في، النهار إلا بعد الغروب أو في الليل إلا بعد طلوع الفجر جمع الصلاتين في وقتهما المختار فيصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها لأن الشرع لم يسوغ له تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها الضروري.
فإذا كان ذلك لا يسوغ له ولا بد له من النزول فنزول تتفق فيه الصلاتان في وقتهما المختار أولى من نزول يقعان فيه جميعًا أو إحداهما في وقت ضروري.
ولو كان المسافر زالت عليه الشمس وهو في المنهل ويعلم أنه إذا رحل نزل بعد الاصفرار فهذا لا بد له من إيقاع الصلاة الثانية في غير وقتها المختار.
فإن أبحنا له التعجيل والجمع أوقع العصر مقدمة على وقتها المختار.
لان نهيناه عن الجمع أوقعها مؤخرة عن وقتها المختار.
فهذا فيه إشكال.
وطريقة النظر فيه الموازنة بين التقديم على الوقت أو التأخير عنه أيهما أخف فيركب؟ وقد أشار بعض أشياخنا إلى تخيير المسافر في ذلك.
ورأى مع هذا أن تأخير العصر أولى لأنها توقع في وقت يخصها.
وهذا الذي قاله ومال إليه من التأخير يظهر وجهه إذا قيل إن مؤخر العصر اختيارًا إلى الاصفرار ليس يأثم ولكنه مقضر.
وأما إن قلنا بتأثيمه إذا أوقع العصر بعد الاصفرار على ما ذكره ابن سحنون عن مالك فإن ترجيح التأخير يحتاج نظرًا آخر.
ولو كان المسافر زالت عليه الشمس وهو على ظهر ولا ينزل إلا بعد الاصفرار فإن ابن مسلمة أشار إلى جواز التأخير ليجمع الصلاتين إذا نزل.
فقال فيمن خرج وأجمع السير يومه كله إلى الغروب يجمع إن شاء.
وكذلك جمع أهل عرفة حين راحوا.
قال: ولا أرى إلا أن وقتهما للضرورة من الزوال إلى الغروب.
وهذا أيضًا يتّضح وجهه على القول بان المؤخّر إلى بعد الإصفرار لا يأثم.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما لم يتنفل بين الصلاتين المجموعتين في السفر لأن الجمع إنما أباحه ضرورة الجد في السير، فسقط مراعاة وقت الاختيار لضرورة الاستعجال والتنفل يشعر بالطمأنينة والاستقرار.
فلما نافى التنفل ما وضع الجمع له لم يكن لإدخاله في الجمع معنى.
ولهذا اجتنب من اجتنب التنفل في السفر لأنه إنما رأى أنه ينافي ما وضع للمسافر من وضع شطر الصلاة.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويجوز في الحضر لعذر المطر في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر.
قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - ما الدليل على جواز الجمع في المطر؟.
2 - وما المساجد التي يجمع فيها؟.
3 - وما الصلوات التي يجمع بينهما 1 فيه؟.
4 - وهل الجمع سنة أم لا؟.
5 - وهل يكون الطين عذرًا كالمطر؟.
6 - وما وقت الجمع؟.
7 - وهل يتنفل بين صلاتي الجمع؟.
8 - ومن الذي يباح له الجمع؟.
9 - وما حكم الجمع في المرض؟.
10 - وما حكمه في الخوف؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في جواز الجمع لأجل المطر فأجازه مالك والشافعي ومنعه أبو حنيفة والمزَني.
وقد قال ابن القاسم في المجموعة من جمع بين المغرب والعشاء في الحضر لغير مرض أعاد العشاء أبدًا.
قال بعض المتأخرين هذا يقرب من قول أبي حنيفة.
وكأن هذا لما رأى ابن القاسم استثنى المرضى خاصة استلوح من ذلك أنه لا يرى المطر عذرًا كالمرض.
وأنه لو رآه عذرًا لذكره كما ذكر المرض.
وهذه المسألة مبنية على القول بالاشتراك في الوقت، فإذا قيل بنفيه لم يكن للجمع وجه وإذا قيل بإثباته فقد تقابل فضيلتان، إحداهما فضيلة وقت الاختيار، والثانية فضيلة الجماعة، فتجب الموازنة بينهما.
فمن رجح فضيلة الوقت لم يجمع ورأى أن صلاة العشاء فذًا بعد مغيب الشفق أولى منها جماعة قبل مغيبه.
ومن رجح فضيلة الجماعة ورأى أن صلاة العشاء جماعة قبل مغيب الشفق أولى منها فذًا