شرح التلقينصفحات 450-483

كتاب الرهن

صفحات 450-483

أشهب إلى أنه لا يتعلق بذمة الراهن بل بعين الرهن، قياسًا على من أنفق على ضالّة وجدها، فإن الإنفاق يكون في عين الضالة تباع فيه، وإن قصر ثمنها على الإنفاق لم يُتبَع به الراهن 1. وفرق ابن القاسم بينهما لأجل أن الضالة لم يكن من ربها إذن في الإنفاق ولا فعل يدل على الإذن، فلهذا تعلق الإنفاق بعينها لا بذمة ربها، وأما الرهن فإن الراهن لما دفعه للمرتهن، وقد علم أنه لا بد من النفقة عليه، وهي واجبة عليه دون المرتهن، صار ذلك كالإذن للمرتهن في الإنفاق.
ولو كان رب الرهن غائبًا فأنفق علبه المرتهن (فأخذ يتبعه) 2 بالإنفاق.
وقال بعض الأشياخ يتبعه بالإنفاق بالغًا ما بلغ.
ولو زاد الإنفاق على ثمن الرهن إذا بيع لكان من حق المرتهن أن يطلب بما بقي من الإنفاق.
وخالف في ذلك بعضْ الأشياخ، ورأى أنْ لا مطالبة له على الراهن بما زاد من الإنفاق على ثمن الرهن، وكأنه قدّر أن من سوء النظر للغائب أن يُنفق على عبده أكثر من ثمنه، بل تحسين النظر له أن يُدْفَع إلى القاضي فيبيع العبد لئلا تتعلق بذمة مالِكه زيادةٌ على ثمنه.
وكأن الراهنَ إنما أَذِن له في الإنفاق ما لم يجاوز قيمة العبد.
وأما الكلام على الوجه الثاني وهو كون المنفق أوْلى بهذا الرهن من غرماء الراهن إن فُلِس الراهن فإنه قد وقع في المدونة، في هذا الوجه، كلام وقع فيه اضطراب بين الأشياخ.
وذلك أنه إذا قال الراهن للمرتهن: أنفقْ على الرهن، ولم يَزِدْ على هذا اللفظ شيئًا، فإن المرتَهن لكون نفقته في ذمة الراهن، ولا يكون أحق بما فضل عن دينه الذي أحدثه ابراهن من غرماء الراهن.
وإن كان زاد على هذا اللفظ زيادةً، وهي التصريح يكون الرهن مرهونًا

بالإنفاق، كما هو مرهون بالدين، فقال الراهن للمرتهن: أنفق على الرهن، والرهن رهن بنفقتك، فإنه يكون أحق من غرماء الراهن بجميع الرهن حتى يستوفيَ دينه، ثم يستوفيَ نفقته.
فما فضل بعد ذلك للغرماء.
وكأنه تسلّف مالًا ينفقه على العبد ودُفِع العبد به رهنًا، أو ما فضل عن الدين الذي أخذ المرتهنُ الرهنَ به.
وإن لم تكن الزيادة بهذا اللفظ ولكن قال: انفق على الرهن على أنّ نفقتك في الرهن، فإنه قال في المدونة، فمن أنفق على الرهن، بأمر الراهن، أنَّ له حبْسَه بالإنفاق.
ولا يكون أحقَّ به منْ الغرماء إذا قال.
أنفق ونفقتك في الرهن إلى 1 أن يقول: أنفق والرهن رهن بنفقتك.
وظاهر الكتاب على ما نقلناه: معناه التفرقة بين اللفظين.
وذهب ابن شبلون من الأشياخ المتقدمين، إلى التفرقة بين اللفظين، فلا يكون أحق إذا قال: أنفق ونفقتك في الرهن، ويكون أحقَّ إذا قال أنفق والرهن رهن بنفقتك.
وإلى هذا مال بعض أشياخي، ورأى أن معنى هذا اللفظ وهو قوله: أنفق ونفقتك في الرهن أن ذلك 2 إمساكه وبيعه لتأخذ إنفاقك من ثمنه، فهو كمن عليه دين فدفع إلى من له الدين سلعة ليبيعها ويقبض من ثمنها.
ولو قام الغرماء قبل بيعها لم يكن أحقَّ منهم بثمنها، لأن (دينه من جنس ثمنها لم يضرّ) 3 في يديه جنس دينه، ولا يكون أحق من الغرماء حتى يصبر في يديه جنس دينه.
لكن لو صرح في هذا القسم بأن يقول: ولا يكون الإنفاق دينًا في ذمتي، لكان ها هنا أحق من الغرماء, لأن النفقة تعلقت بعين الرهن لا بالذمة.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنه لا فرق بين اللفظين، وحَمَل اللفظ في المدونة على أن فيه تقدمًا تأخيرًا، وإن مراده أنه أحق، سواء قال له: أنفق

ونفقتك في الرهن، أو قال له: أنفق والرهن رهن بنفقك، فإن معنى العبارتين أن الإنفاق يكون به الرهن رهنًا كما هو رهن بالدين.
وقد وقع في المجموعة والموازية ما يؤكد تأويل هؤلاء، فقال: إن الإنفاق متعلق بذمة الراهق، أنفق بأمره أو بغير أمره، وللمرتهن حيسه حتى يأخذ إنفاقه، ولا يكون أحق من الغرماء إلا أن يقول: أنفق والرهن رهن ينفعك، بخلاف الضالة، لكونه قادرًا في الرهن على أن يرفع إلى الحاكم ليبيع الرهن، أو يقول له: أنفق ونفقتك في الرهن، فيكون أحق به من الغرماء.
ولو كان الإنفاق بغير إذن الراهن فقد قدمنا أن أشهب يراه كالضالة يكون أحق بما أنفق على الضالة من صاحبها, ولا يكون عند ابن القاسم أحق بذلك ميت الغرماء, لأنا قدمنا عنه أنه يرى أن الإنفاق متعلق بذمة الراهن لا بعين الرهن، فلا يكون أحق من الغرماء.
وذكر في المدونة أن له حبس الرهن إذا كان الإنفاق بأمر الراهن حتى يستوفي نفقته، ولم يصرح بذلك إذا كان الإنفاق بغير أمر الراهن وكأنه سلَف استقرّ في ذمته لا بإذن في حبْس شيء من ماله، وإن كان بأمْره فكأنه أذن له في حبس الرهن حتى يستوفي نفقته، كما مثلناه بمن عليه دين فقال لمن له الدين: خذ هذه السلعة فبعها واستوف دينك من ثمنها، فإنه، وإن كان له حبسها, ولا يكون أحق من الغرماء بها قبل بيعها.
وظاهر الموازية والمجموعة أنّ له حبس الرهن بما أنفق ولم يشترط كون الإنفاق بإذن الراهن.
ومما يلحق بما نحن فيه أن من ارتهن زرعًا، وامتنع المرتهن من الإنفاق على بئره، فلما انقطع ماؤها، وتهدمت، وتسفف الراهن مالًا أنفقه على البئر حتى يسقي، ولو لم يسق لهلك الزرع: أن المسلفَ للمال أحق بالزرع ممن هو في يديه رهن, لأنه بماله حي الزرع، ولولا ماله الذي أسلفه لم يحصل للمرتهن من الزرع منفعة.
وحمل بعض الأشياخ هذه الرواية على أن المراد بها أن المسلف لهذا المال أخبر الذي أسلفه أنه ينفق ما تسلفه منه على إحياء هذا الزرع، ويكون الزرع بما تسلف رهنًا، وهذا يلاحظ ما نحن فيه من النفقة على العبد إنما حي بالإنفاق عليه، فلهذا أوردنا هذه الرواية.

والجواب عن السؤال السادس 1 أن يقال: ذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ها هنا حكم الإقرار بقبض الرهن، وكان الترتيب عندنا يقتضي أن يلحقه بالفصل المشتمل على أحكام الحيازة، ولكن أخرناه إلى حيث آخره.
وهي مسألة اختلاف بين فقهاء الأمصار.
فمذهبنا أن الحوز لا يكفي فيه ولا يثبت حكمه بمجرد إقرار الراهن أن المرتهن قد حازه عنه، وتصديق المرتهن له في ذلك إذا كان مما يُنْقل ويفتقر إلى مشاهدة فراغه من منافع الراهن، على حسب ما قدمنا تفصيله.
وإنما ذهبنا إلى ذلك لأجل أن الأصل أخذ كل مُقرّ من الحائز في الأمر بإقراره في حقوق الخلق، ما لم يتعلق بإقراره مضرةٌ غير ميق أقرّ له بالحق، ويكون الإقرار مبطلًا لحق رجل غير من أقرّ له.
وهاهنا لو اقتصرنا على مجرد إقرار الراهن بالقبض لأدّى ذلك إلى الاستغناء عن الإقباض ومعاينة الحوز.
وقد قدمنا فيما سلف أن العلة في افتقار الرهن والهبات إلى الحيازات تصوّرُ التهمة في إبطال حقوق غير المقرّ 2 بأن يُؤْثِر غريمًا على سواه من الغرماء فيقول: كنتْ رهنته كذا وكذا، ولا يحاصّه الغرماء فيه، ويكون إقراره مبطلًا لحقهم في الديون التي لهم عليه.
وهذا يقتضي اشتراط ما يدفع هذه التهمة وما ذلك إلا معاينة الحيازة وشهادة البيّنة بها.
وأصل الشافعي اطّراح اتّهام الناس.
والاضراب عن حماية الذرائع جَعَل مجردَ الإقرار كافيًا في صحة الحيازة، تغليبًا لحقّ المقرّ له، وإعراضًا عما يُتَّهم به في حق من لم يُقرّ له.
فإن قيل: هلا فصّلتم القول في هذا كما فصّلتموه في إقرار المريض

لوارث دون وارث، فأمضيتم الإقرار إذا تبيّنَ ارتفاع التهمة، مثلُ أن يقرّ لابن عمّه بدين في مرضه الذي مات فيه، وله ولد صغير، فإنّ هذا لم يختلف المذهب في صحة إقراره، ولو أضَرَّ الإقرار بولده (قبل المريض على طرف الحيازة وصار إلى الله سبحانه) 1 وهذه قرينة تدل على ارتفاع التهم، بخلاف الحي الصحيح ولهذا قبل مالك قول الجريح: إن فلانا هو جارحي، لما كان صائريم إلى الآخرة.
ولا يتهم في قتل مسلم ظلمًا بخلاف دعواه في حال الصحة.
وأيضًا فإن الإقرار بالرهن إقرار بعين قد استحقها الغرماء، وتعلق حقهم فيها، فليس له إبطال ما تعين فيه حقهم، وتعين حقهم فيه عند الفلس قد تأكّد حتى صار الغرماء مالكين لعين هذا الذي أقرّ به الميت مع كون ثبوت الدين في ذمة من أقرّ بهذا الرهن وإنه حوَّزه ثبَّت الدينَ، ولا يمنع من ثبوته في ذمته إقراره بأنه قد حوز الرهن، بخلاف الوارث الذي لم يثبت له الأصل الذي أقرّ به.
وقد اختلف قول مالك في إقرار من أحاط الدين بماله، هل يجوز أم لا؟ مع أن في إمضائه إبطال حق من سواه من الغرماء.
لكن يُضعِف التهمة كونُه خلّف في ذمته دينًا يوجب عليه مطالبته لمن 2 أقرّ له بعد إحاطة الدين بماله.
فلو رددناه الآن لم نرده في المستقبل إذا أيسر المقرّ.
هذا قصارى ما يظهر لي في التفرقة بين هذه الأصول المشهورة.

والجواب عن السؤال السابع 3 أن يقال: أما الدين إذا أُخِذ دفعة واحدة على وجه واحد ودفع آخذه رهنًا به، فإن

كان 1 جزء من الدين متعلق بجميع أجزاء الرهن، حتى لو تسلّف مائة دينار واشترى بها سلعة، ودفع المشتري أو السلف 2 رهنًا بهذه المائة دينار، ثم قضى منها تسعة وتسعين دينارًا، فإنه لا يمكّن من أخذ رهنه ولا من أخذ شيء منه، ولو قل حتى يقضي الدينار الذي بقي عليه.
وكان الأصل يسبق إلى النفس فيه أنه متى قضى جزءًا من الدين بطل ما يقابله من الرهن، ولكن المذهب على ما حكيناه.
وبعض الأشياخ يرى أنه إنما عَدَل عن الأصل في هذا العادةُ جرتْ، واطراد الأمر في المتراهنين أن الراهن لا يأخذ من رهنه شيئًا إلا بعد كمال الدين الذي عليه.
ويمكن عندي أن يُلتفَت في هذا إلى طريقة أخرى سوى العادة، وهي أن الراهن لو كان كلّما قضى من الدين جزءًا استردّ من الرهن جزءًا في مقابلته، لأثّر هذا في الحيازة.
أمّا على القول بأن رهن الجزء المشاع لا يصح مع بقاء يد الراهن على جزء آخر، فإن هذا يؤكد ما حكيناه عن المذهب من كون الراهن يُمنع من أخذ شيء من الرهن، لئلا يفسُد الحوزُ، على 3 القول الآخر: إن ذلك لا يفسد الحوز وهو نافذ 4، يلتفت إلى العادة التي أشار إليها بعض الأشياخ، وإلى المشقة في تبعيض الرهن حينًا بعد حين.
وأما لو أخذ الرهن بديون شتى، فإن المشهور من المذهب ما قلنا أيضًا من كون الرهن لا يؤخذ منه شيء إلا بعد قضاء جميعها.
وقد حكى ابن شعبان أنه يستردّ من الرهن بقدر الدين الذي قضى، استمساكًا بالأصل الذي أشرنا إليه.
وقد اشتهر في المذهب فيمن أسلف رجلًا مائة دينار بغير رهن ثم أسلفه بعد

ذلك مائة أخرى على أن يدفع رهنًا بالمائة الثانية والمائة الأولى، فإن ذلك لا يجوز لكونه سلفًا جرّ منفعة، وإنما أسلف المائة الثانية لانتفاعه بأنه تولق في المائة الأولى بالرهن بعد أن كانت بغير رهن.
فأما المائة الأولى فتبقى على ما كان 1 عليه بغير رهن, لأنه إنما دفع الرهن بها لمنفعته بالمائة الثانية.
فإذا أبطلنا السلف في المائة الثانية ومنعْناه لم يصح في المائة الأولى رهنًا.
لكن اختلف قول اين القاسم في هذا الرهن هل يبقى جميعهُ رهنًا بالمائة الثانية حتى يردها قابضها، أو يُفَضّ الرهن على المائتين جميعًا، فيبطل نصفه وهو ما قابل المائة الأولى، ويبقى نصفه رهنًا بالمائة الثانية.
وهكذا ذكر في المدونة، وذكر في غيرها أن جميع الرهن يبقى رهنًا بالمائة الثانية.
وهذا الذي اختار ابن المواز في كتابه بعد أن ذكر المذهب الآخر، وأشار إلى أن ذلك كأخذه رهنًا بعبدين، فاستُحِق أحدهما أو رده أحدٌ بعيب فإن جميع العبد 2 يبقر رهنًا بالعبد الآخر.
وبعض أشياخي حاول أخذ الخلاف فيما ذكرناه من استحقاق أحد العبدين، ويراه جاريًا على القولين المتقدمين.
وكذلك لو تزوج امرأة بمائة دينار، ثم طلقها قبل الدخول وقد كان دفع إليها رهنًا بالمائة، فسقط بالطلاق نصفها وهي الخمسون دينارًا، فإن الرهن يجري على القولين المذكورين، هل يبقى جميعه رهنًا بالخمسين الثانية بعد الطلاق، أو يسقطى نصف الرهن بسقوط نصف الصداق؟ وهذا الذي أجراه على القولين ينبغي، عندي، أن يلتفت إلى الاختلاف المشهور في الصداق: هل وجب كله بالعقد، فيحسن ها هنا بقاء جميع الرهن رهنًا بالخمسين الثانية، وإن قلنا: إن نصفه مترقَّب، ولا يثبت ويستقر إلا بالدخول حسن ها هنا الالتفات إلى الخلاف الذي ذكرناه لاختلاف حكم

الخمسين الأولى والخمسين الثانية كما اختلف الحكم فيمن أسلف مائة بلا رهن، ثم أسلف مائة أخرى وأخذ رهنًا بالمائتين، لكون حكم المائتين قد اختلف، وقد قالوا: لو كانت الزوجة أمة، فأخذ السيد صداقها فأكله، ثم أعمقها قبل الدخول بها, ولا مال له، فإن عتقها ماضٍ، وهذا بناء على أن الصداق وجب كله بالعقد، فكان الزوج إنما وجب له الرجوع بنصف الصداق بعد أن نفذ العتق لا يؤثر في العتق.
ولو قيل: إن نصفه مترقب لأمكن أن يقال: فإن سقوط نصف الصداق، ووجوب ارتجاعه من السيد يؤثّر، إلا أن يقال بأن الزوج لم يكن قادرًا على رد العتق حين أوقعه السيد، على كل مذهب، في الصداق هل جميعه مترقب أو نصفه، فإذا لم يكن قادرًا على رد العتق حين وقوعه، صار إيقاعه الطلاق مع علمه بذلك كالراضي بإجازة العتق وإتْباع ذمة السيد، وهذا يزاد بسطًا في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثامن 1 أن يقال: قد تقدم ذكرنا للحديث الذي نهي فيه عن غلق الرهن، وأن مالكًا في الموطأ رواه عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يغلق الرهن" 2 والمرادُ بهذا النهي.
وهذا الحديث، وإن كان مرسلًا، فقد أسند في غيره بزيادة في لفظه، فقال: عن ابن المسيب عن أبي هريرة وإنّ تأوُّل هذا الحديث مما تنازع فيه العلماء.
فأمّا مالك فإنه بسط في موطئه بأن يرهن رجل عبَد رجل رهنًا في دين يكون له عليه إلى أجل على أن الراهن إنْ لم يأت بفكاك الرهن ويقضي الدينَ عند الأجل وإلا كان الرهن يتملكه المرتهن بالدين الذي له على الراهن.

وهذا الذي فسره به لا شك في أنْ الأصول تقتضي تحريمه لأن المرتهن الذي أخذ الرهن عن دنانير أسلفها أو عن ثمن سلعة باعها بهذا الشرط لا يدري ما الذي يحصل له: هل دينه يُعطاه عند حلول الأجل، فيردّ الرهن إلى راهنه، أو يتخلف الراهن عن قضاء الدين عند الأجل، ويكون الرهن مِلكًا للمرتهن وعِوَض الدين الذي وجب له على الراهن من سلف أو ثمن سلعة لا يدري هل يكون الدين الذي خرج من يده سلفًا عند قابضه أو ثمنًا للرهن الذي دفعه الراهن، وهذا لاخفاء بتحريمه لما فيه من الغرر، وكون ما دفعه تارة يكون سلفًا وتارة يكون بيعًا.
وفيه معنى آخر من فسخ الدين في الدين لأنه كمن أخذ عن دين سلعة لم يتعجل تملكها وقبضها.
وأما أبو عبيد فإنه ذكر أن فيه تأويلين: أحدهما أن الجاهلية كانت إذا لم يأت بفكاك الرهن عند أجله يملك الرهن، وهذا أيضًا هو تأويل مالك، ولكن جَعك هذا الفعل يكون مشترَطًا، وأبو عبيد جعله عادة في الجاهلية من غير أشتراط.
والتأويل الثاني الذي ذكره أبو عبيد أن المراد أن الدين لا يذهب ولا يتلف الرهن كما قال أبو حنيفة أن الراهن إذا ضاع ذهب الدين، على التفصيل الذي حكيناه عنه فيما سلف.
وقال الشافعي تأويله أن الرهن لا يكون على صفة لا يمكن فكاكه، ولكنهم استشهدوا بقول قائلهم:

وفارَقتْكَ برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلِقًا

والمراد: أن الرهن ذهب بغير بدل، وكذا قلب هذا الشاعر أخذتْه وذهبتْ به من غير بدل منه، أو أخذته أخذًا لا يمكن انتزاع القلب منها، فأوقع هذا وتسلف رجل من رجل مالًا إلى أجل أو اشترى منه سلعة بثمن إلى أجل على أن

أعطاه رهنًا إن لم يفتكه منه عند الأجل وإلا ملك الرهن من هو في يديه ملكًا مؤبدًا، فإن هذا يفسخ إذا وقع فإن كان الدين سلفًا فسخ هذا السلف ورد الرهن، ورد المتسلف ما تسلف إلى الأجل الذي تسلف إليه, لأن دافع السلف أمنًا 1 رضي بالتأخير بشرط أن يأخذ ثقة بدينه، فإذا بطلت هذه الوثيقة لم يلزمه بقاء الدين إلى أجله من غير ثقة تبقى في يديه يأخذه منها دينه.
وإذا كان الدين الذي أخذ ثمن سلعة باعها ودفع بثمنها رهنًا بهذا الشرط، فإن البيع ينفسخ أيضًا لَأن بائع السلعة أخرجها من يده ولا يرى 2 ما أخذه عوض سلعته هل الثمن الذي باعها به أو السلعة المرتهنة.
وإذا فسخ الرهن وفسخ البيع رجع إلى كل واحد ما كان على ملكه، وله حبسمعتى يرجع إليه ما استحقه من الدين على الراهن، وهو السلعة، إن لم تفت، أو قيمتها إن فاتت.
ويكون بذلك أحقَّ من الغرماء إن فلّس دافع الرهن.
وهذا إذا كان اشتراط هذا الرهن حين عقد السلف أو حين عقد البيع لأن دافع هذا الدين الذي هو السلف أن 3 السلعة المبيعة لم يخرجه من يده إلا بعد ثقته برهن حصل عنده، فلهذا جعلناه أحق به من غيره من غرماء الراهن.
وأما لو كان دفع هذا الرهن تطوعًا من الراهن من غير شرط كان في أصل السلف وفي أصل البيع، فإنه إنما ينفسخ الرهن خاصّة ويبقى السلف صحيحًا لا يطالب إلى أجله.
وكذلك ثمن السلعة يبقى صحيحًا لا مطالبة به إلا إلى أجله.
وإنما وقع الفسخ في الرهن خاصة لأن دافعه تطوع به على وجه لا يجوز، وهو أنه دفع هذا الرهن على أنه يرجع إليه بعيْنه إن أفتكه، أو يُملَك عليه ملكًا مَؤبَّدًا إن لم يفتكه عوضًا عما عليه من الدين.
وإنما لم يكن أحق بهذا الرهن من الغرماء عند الفلس أو الموت لأنه لم

يُخرِج ما أخرج من يده بسبب هذا الرهن ولا لثقته به فيكون أحق به من غيره.
وهكذا قال ابن حبيب في الرهبان الفاسدة: إنها إذا كانت بعد العقود لا يكون قابضها أحق بها من الغرماء لأنه لم يخرج من يده بسببها شيئًا، وقد قال في المدونة، في كتاب الحمالة، فيمن دفع لرجل مافة دينار إلى شهر من غير رهن أخده، ثم دفع إليه رهنًا على أن يؤخره بها شهرًا آخر: إن ذلك لا يجوز, لأن التأخير سلف، والتطوع بالرهن منفعة حصلت لمؤخر الدين، وسلف جر منفعة لا يجوز.
وقال غيره: إنه لا يكون أحق بهذا الرهن من الغرماء.
ذكر ذلك قولًا مطلقًا.
وقال في الموازية، قولًا مفيدًا: إنه لا يكون أحق به من الغرماء إلا أن يدخل في الشهر الثاني الذي أخده إليه بسبب الرهن فيكون أحْق بالرهن حينئذ، لأنه كمن أخرج من يده شيئًا بسبب الرهن.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا الذي في الموازية خلافٌ لما في المدونة، وأن الذي في الموازية أوْلى للعلة التي ذكرناها.
واعلم أن هذا الرهن، إن كان فاسدًا، فإنه يجري في الضمان مجرى الرهبان "الصحيحة" فيضمنه قابضه 1 أن يجل الأجل، إن كان مما يغاب عليه، ولم تقم بينة بضياعه، على أصل ابن القاسم، ولا يضمنه إذا قامت البينة، وكذلك لا يضمنه إذا كان مما لا يغاب عليه، وإنما هذا لأنه قبل الأجل مقبوض مَحوز على جهة الرهن، لا على جهة الملك، فإذا حل الأجلِ تغيّر القصد بالحوز والنية فيه، فحازه قابضه على أنه ملك له، وثمنه الذي دَفع وقبضه على جهة الملك، وإن كان فاسدًا، فيضمنه حينئذ، كان مما يغاب عليه أوْ لا يغاب عليه، شهدت بتلفه بينة أو لم تشهد.
ويجري ذلك مجرى البيوع إذا قُبِضت.
هذا المشهور من المذهب.
وإن فات هذا الرهن بعد حلول الأجل غرم قيمته يوم حل الأجل، لأنه حينئذ قابض له، وتقويم السلعة المبيعة بيعًا فاسدًا إنما يعتبر فيه يوم القبض.

هذا المشهور من المذهب في هذه المسألة.
وقد ذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن ابن محمد الحكم أنه قال: إنما يضمن هذا الرهنَ قابضُه بعد الأجل يوم أفاته، بإعتاق في العبد، أو بناء في الربع، أو هدم، فيومئذ يُعتبر فيه القيمة.
ورآه بخلاف أحكام البيوع، في المشهور من المذهب عندنا، وما ذاك إلا أن أصل قبضه على معنى الرهبان لا على معنى البياعات الفاسدة.
وقد علم أنه قبل حلول الأجل إنما يُضمن ضمان الرهبان، فكذلك بعد الأجل لا تجب فيه القيمة إلا حين أفاته قابضه، فيصير كالرهن إنما يغرم قيمة المرتهَن يوم أفاته، فكأنه رأى أن تبديل النية وتغيُّرها فيما قبْل الأجل، وبعد الأجل لا يجري مجرى القبض الحسّي في البياعات الفاسدة.
هذا الذي يمكن عندي أن يُوَجَّهَ به ما قال.
وقد ذكر ابن المواز أن المشهور من المذهب في هذه المسألة أنه يُضمن بقيمته يوم حل الأجل.
قال: وقد قيل: يضمن قيمته يوم الفوت.
ولكنه لم يصرح بحقيقة الفوت، هل من فعل قابض هذا الرهن إذا هو فوَّت الرهن 1 من قبل الله سبحانه.
فإن كان أراد أن الفوت من قبل قابض هذا الرهن، فهو الذي حكيناه عن المبسوط.
وقد ذكر ابن عبدوس عن ابن عبد الحكم أنه يغرم قيمته يوم الفوت، وقيل: يوم حل الأجل.
فإن كان هذا الرهن المشترَط فيه هذا الشرط الفاسد موقوفًا على يد عدل، وحل الأجل وهو في يديه، فإن المذهب على قولين، هل يضمنه دافع الدين يوم حل الأجل أم لا؟ فكأن من رأى أنه لا يضمنه دافع الدين عند حلول الأجل إذا كان الرهن في يد عدل قدّر أنه لم يحصل لدافع الدين إلا إذنُ مالك الرهن لدافع الدين بقبضه من يد العدل، وإذنُه كلا إذن لمّا أَذِن بما لا يجوز، وأمر بما نهى الله سبحانه عنه، فصار دافع الدين لم يحصل منه القبض، وإنما حصل منه التمكين من القبض، وهو تمكين لا يسوغ، وما لا يسوغ فكالعدم، فلهذا لا يضمنه.
بخلاف إذا حل

الأجل، وهو في يده، فإن تجدّد نية أخرى تصيّره كمن استأنف قبضا لمبيع بيعًا فاسدًا، ولهذا قال بعض الأشياخ: إن مذهب ابن القاسم في البيع الفاسد أن مشتريه لا يضمنه ما دام في يد البائع، ولو كان البائع مكّنه منه فإن تمكينه لا حكم له لما كان منهيًّا عنه.
فلا يلزمه على هذا أن يقول في هذه المسألة: إن الرهن إذا كان على يد عدل فإنه لا يضمنه المرتهن بحلول الأجل, لأن الذي حكيناه عن ابن القاسم، في تمكين البائع سلعتَه بيعًا فاسدًا، إنما حصل منه التمكين والسلعة في يد بائعها، فكان بائعها أحق بضمانها، وفي مسألة الرهن إذا كان على يد عدل مكّن الراهن من الرهن المبيع بيعًا فاسدًا، فيحسن ها هنا أن يقول: إن مشتريه شراء فاسدًا يضمنه بالتمكين، لما لم يكن هذا التمكن 1 منه في يد بائعه، وكأن الأجل، لما حل، صار هذا العدل وكيلًا للمرتهن خاصة، ويد الوكيل كيد موكّله، ولو قبضه مشتريه لضمنه، وكانت قيمته يوم القبض، وكذلك إذا قبضه وكيله.

قال الفقيه أبو عبد الوهاب رحمه تعالى ورضي عنه: وإذا حل الحق، 2 وتعذر أخذه من الغريم باعه الوكيل على المرتهن، واستوفى المرتهن حقه من ثمنه، من كير حاجة إلى إذن حاكم.
ويجوز أن يكون المرتهن وكيلًا في بيعه، وليس للراهن فسخ الوكالة.
فإن لم يكن له وكيل 3 فإن المرتهن يُثبِت حقَّه ورهنه 4 عند الحاكم.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:

1 - ما حكم وكالة الراهن المرتهِن على بيع الرهن أو وكالته لعدلٍ وُقف الرهن على يديه؟ 2 - وهل لكون العهدة على العدل إذا باعه؟ 3 - وممّن يكون ضمان المشترَى إذا تلف في يد العدل؟ 4 - وهل يجوز اشتراط منفعة الرهن؟ 5 - ما هو الحكم في تسليم الرهن لأحدهما قبل المفاصلة 1.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد تقرر في أصل الشرع أن مِلك الإنسان لا يباع عليه إلا بعد ثبوت سبب يوجب بيعَه عليه بغير اختياره.
والذي تعلق حقه بالرهن توثُّقًا به ليستوفي دينَه منه لم يمْلِك بذلك عيْن الرهن فيكونَ له بيعه، وإنما ملك استيفاء دينه، وبالإجماع إذا فكّ الراهن الرهن، ودفع الدين الذي عليه لمن استحق التوثق بالرهن، فإنه يأخذ رهنه، ولا يمْنع منه.
فإذا كان الأمر كذلك، وحلّ أجل الدين، وكان الراهن حاضرًا ولم يوكل أحدًا بحكم بيعه، فلا خفاء بأن مطالعته واستئذانه في البيع واجب، فهو حق من حقوقه لجواز أن يَشخ على خروج الرهن من يديه ويَدْفع مِنْ عنده ما هو رهن به، أو يتسلف عليه من رجل آخر ما يفك الرهن به، فإن طالعه على ذلك، ولم يُفكَّ الرهن أو أظهر العجز عن فكه، أمِر ببيعه وهو بيد المرتهن، أو بيد العدل، ويمنع من رجوعه إليه.
فإن لذَ وامتنع باعه القاضي عليه.
ولم 2 يكن حاضرًا لافتقر من بيده الرهن إلى مطالعة الحاكم، إلا أن لكون مطالعة الحاكم مما يتعذر ويشُق فإنه إنْ تولّى البيع، وأبدى العذر، نفذ بيعه، على ظاهر ما قال أشهب.
ولكن المختار أن يحضر

لذلك من العدول مما نفى 1 عنه تهمة الخيانة في الثمن، أو النقص في الاجتهاد.
وأسقط أشهب، فيما رواه عن مالك، عنه المطالعة في رهن يخشى فساده إن أبْقي للمطالعة.
فإن وكّل الراهن وكيلًا على البيع في أصل الرهن، فلا يخلو أن يكون هذا الوكيل هو العدل الذي تراضيا بوقف الرهن على يديه، أو هو المرتهن نفسه فإن كان الوكيل على بيع الرهن هو العدل الموقوف ذلك على يديه، فإن ذلك جائز عند فقهاء الأمصار.
وإن كان الوكيل هو المرتهن، فقال ابن القصار وغيره من البغداديين: يجوز ذلك عند مالك رضي الله عنه، وإليه صار غيره من البغداديين، وهو مذهب أبي حنيفة.
وذهب الشافعي إلى منع كون المرتهن وكيلًا على البيع، ولم يُجز اشتراط ذلك.
وقد روي عن مالك أنه لم يُبح للمرتهن بيع هذا الرهن الذي جعل بيعه إليه إلا بعد مطالعة الحاكم إن لم يرض الراهن بالوفاء بالشرط، وامتنع من ذلك، ولم يفرق بين كون الرهن له قدْر وبال، أو كونه حقيرًا لا قدر له ولا بال، ولا كونه بيد المرتهن أو بيد عدل.
لكنه، في هذه الرواية, رأى أنه، وإن كان منهيًا عن ذلك، فإنه إذا باعه بنفسه من غير مطالعة وأخذ بموجب الشرط نُفِّذ بيعه.
ورُوي ذلك عن ابن القاسم أيضًا أد ذلك إنما يجوز له في الرهبان المحتقَرة التي لا قدر لها ولا بال، وأمّا ما له قدر وبال من الرهبان فإنه يفتقر في بيعه إلى استئذان الحاكم وأمره به، فإن لم يفعل فإن بيعه يفسخ ما لم يفُتْ.
واختلف قول ابن القاسم في فسخه، كاختلاف قول غيره، كما حكاه عنه، لكونه انفرد بأن قال عن نفسه: ما لم يفت، فإن فات كان فيه الأكثر من الثمن أو القيمة.
وقد ذكرنا أن البغداديين من أصحابنا أجازوا له الأخذ بهذا الشرط، وأن ينتفع من غير مطالعة، فصار المحتقَر من الرهبان يُنفَّذ البيع فيه دون اعتبار الفوات بغير خلاف عندنا، وإنما خالف فيه الشافعي، وما كان له قدر وبال من

الرهبان ففيه قولان: هل يفوت بالعقد 1 ولا يفوت بمجرد العقد، (ويعتبر فيه الفوات مع المرتهن عن ذلك ابتداء إلا ما حكيناه عن أصحابنا البغداديين 2 ورأيت ابن القصار ما رواه عن مالك من جواز اشتراط كون المرتهن وكيلًا على البيع، على أنه إنما نهي عن ذلك استحبابًا، وقد ذكرنا عن الشافعي أن ظاهر مذهبه منع ذلك إيجابًا.
ولعل ابن القصار لما رأى قول مالك: إنه يفتقر المرتهن إلى مطالعة الحاكم، فإن لم يفعل نفذ بيعه، اعتقد من هذا أن نفوذ البيع يدل على أن يمينه 3 على جهة الاستحباب.
ويمكن، عندي، أن يكون إنما نفذ البيع بمجرد العقد مراعاة للخلاف.
وقد حكينا عن أبي حنيفة أنه يجيز ذلك وقد وقع في كتاب البيوع النهي عن عقود، وأمضاها إذا عقدت، كما تقدم ذكره هناك.
وإذا تلخص ما ذكرناه من المذهب في جواز هذا الاشتراط أو النهي عنه، فهل للموكل أن يُسقط هذه الوكالة، ويعزل وكيله عنها؟ ذكر ابن القصار، فيمن وكل العدل الموقوف بيده الرهن على بيعه أن ليس ذلك من حقه، وذكر أنه رأى إسماعيل القاضي يشير إلى ذلك.
وبعض أشياخي يرى أن البغداديين المجيزين لهذه الوكالة يمنعون الراهن من عزلة الوكيل، وأن مقتضى مذهب مالك وابن القصار، فيما حكيناه، فيما يمكن الراهن من عزلة هذا الوكيل.
وذكر ابن القصار، في الرهن إذا كان موقوفًا على يد عدل، أن الراهن يُمنع من عزلة العدل عن وكالته على بيع الرهن عند الشافعي، وأن إسماعيل القاضي يشير إلى هذا، على حسب ما حكيناه عنه.
ولكن ذكر ذلك في العدل، ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الرهن بيد عدل، واشترط أن للعدل بيعه، أو بيد المرتهن واشترط أن للمرتهن بيعه.

واعلم أن نكتة الخلاف في هذه المسألة راجع إلى أن الأصل جواز هذه الوكالة، والوفاء بالشرط، كما ذكره ابن القصار عن مالك، وعن أبي حنيفة.
وإنما عدل الشافعي عن هذا الأصل إلى أنه رأى أن هذه الوكالة للمرتهن تشتمل معنيين متنافرين متضادين، فمعلوم من جهة العادة أن الراهن يحرص على الاستقصاء في بيع الرهن، والمطاولة في الاجتهاد والنداء عليه، والمرتهن يحرص على ضد ذلك مق سرعة بيعه ليأخذ حقه منه.
وإذا كانت الوكالة تشتمل على معنيين متنافرين بطلت في نفسها.
وقد ذكرنا عنه أنه يبيح هذا الشرط في العدل الموقوف على يديه الرهن: أن يجعل البيع إليه، وما ذاك إلا لزوال هذه العلة في العدل, لأنه لا غرض له في الاستعجال كغرض المرتهن، فلا يتهم في التقصير في غرض الراهن والاجتهاد فيه، بخلاف المرتهن، ألا ترى أن من وكّل وكيلًا على بيع سلعة فإنه يُمنع أن يشتريها لنفسه, لأنه يتُهم على أن يشتريها برخص، وصاحب السلعة يحب أن تباع له غالية، فلما تنافر قصدهما مُنع الوكيل من أن يشتري لنفسه.
وأجاب ابن القصار عن هذا بأن الوكيل إذا اشترى لنفسه، وظهر أنه اجتهد وانتفت عنه التهمة، فإن شراعه ماضٍ.
وقد تكلما نحن في كتاب الوكالات على حكم شراء الوكيل لنفسه، وانفصل عما رآه الشافعي من تهمة المرتهن في هذا البيع بأن الراهن قد رضي بهذه التهمة.
ودخل عليها، فلو وهبه الرهن لم يمنع من ذلك، فكيف إذا اتهمه بأن يحابي نفسه! ذلك أحرى أن يلزم رضاه به.
وذكر أن هذا مثلُ قول الناس: رضي الخصمان وأبى القاضي.
فهذه النكتة التي عول عليها الشافعي، وإن عوَّل على أن هذه الوكالة فيها خطر لنقلتها 1 يكون الراهن لم يأت عند الأجل بعد 2 الرهن، فلمن بيده الرهن بيعه والخطر لا يجوز.
قيل له: فإن الوصية جائزة بشرط أن يموت

الموصي، ولا يُدْرى متى يموت.
وأمّا ما حكيناه عن مالك وابن القاسم من افتقار هذا الوكيل إلى مطالعة الحاكم فإن أشهب أشار في روايته عن مالك: أن الوكالة على هذا البيع بمحض الاختيار، كوكالة رجل آخر على بيع سلعة، لكنها لضرورة ما عليه من الدين، فقد يكون الرهن مما يشح عليه.
ويكره بيعه، فلا تنبغي المبادرة إلى إخراجه من ملكه إلا بعد مطالعة الحاكم.
إلى هذا المعنى أشار غير أشهب، قال: فإن أمد اشتهار السلع في المبيعات تختلف باختلاف أجناسها في مقتضى العادات، وليس أمد بيع الحيوان كأمد بيع الديار، فلهذا افتقر إلى مطالعة الحاكم ليجتهد.
وأما تمكين الراهن من عزلة العدل الموقوف بيده الرهن عن بيعه بعد أن جَعل ذلك إليه، فقد ذكرنا ما فيه من الاختلاف، فكأن من جعل للراهن أن يعزل الوكيل عن هذه الوكالة أجرى ذلك على الأصل في أن للموكل أن يعزل وكيله.
ومَن منع ها هنا العزلة فكأنه رأى أن هذه الوكالة قد تعلق بها حق لمن استوثق بهذا الرهن، والعزلة عن هذه الوكالة قد تضرّ به، ويحدث عنها مطاولة في قضاء حقه، فلهذا منع من العزلة.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: مذهبنا أن من باع مال غيره بوكالة مق صاحب المال، أو وصية وصّاه على ذرية، فباع عليهم، أو أب باع علي بنيه الصغار، أو حاكم باع على مفلّس أو يتيم أو غائب، أو أمين حاكم، فإن جميع هؤلاء لا عهدة عليهم عندنا، وعند الشافعي.
وأوجب عليهم العهدة أبو حنيفة لكنه استثنى من هؤلاء الحاكمَ وأمينَه لأجل أن إثبات الشيء إذا أدى إلى سقوط وجب أن يُمنع ذلك.
والحاكم لو جعلنا علمه عهدة فيما باعه على يتيم أو مفلس، لكان إذا وقع استحقاق أو مطالبة برد الثمن فهو يكون الخصمَ فيها، ويدافع عن نفسه لئلا يضمن، وإذا كان خصمًا لم يجز حكمه وإذا لم يجز حكمه لم ينفذ بيعه وحكمه

بإمضاء البيع، فلهذا استثنى الحاكمَ وأمينه.
وعندنا، نحن، أن جميع هؤلاء لو أوجبنا عليهم العهدة والضمان لم يدخل أحد في قبول وصية، أو قبول وكالة، أو بيع على غيره، بحكم الأبوة أو بحكم ولاية القضاء، وكل ما أدّى إلى أصك فساد من أصول الشريعة، وإلحاق ضرر عظيم بالناس، وجب أن يُمنع.
وهذا بسطناه في موضعه.
وإذا أوجب أبو حنيفة الضمان على من ذكرنا، فإنه إذا وقع استحقاق، ووجب للمشتري الرجوع بالثمن، فعندنا أنه إنما يرجع بالثمن على مالك السلعة التي بيعت عليه.
وعند أبي حنيفة أنه يرجع بالثمن على العدل الذي باع الرهن، ويرجع هذا الوكيل البائع للرهن على المرتهن الذي تسلم ثمن هذه السلعة.
وهكذا عندنا نحن إنما يجب الرجوع إذا وقع استحقاق على المرتهن الذي قبض ثمن السلعة التي بيعت في دينه.
وكذلك الحاكم إذا باع على مفلس، وأخذ غرماؤه ثمن سلعته، ثم وقع استحقاق، فإن الرجوع عندنا وعند أبي حنيفة على الغرماء الذين قبضوا الثمن.
وعند الشافعي أن الرجوع في الاستحقاق بثمن السلعة، التي قبض ثمنها الغرماء، على المديان الذي بيعت عليه السلع لأجل الغرماء القابضين للثمن.
فنحن وإياه نتفق على أن لا عهدة على من ذكرنا، من وصي أو وكيل أو حاكم، ولكن الرجوع، إذا وقع الاستحقاق، عندنا على من قبض الأثمان، وعنده على من بيعت عليه.
وتوجيه ذلك في موضعه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: إذا باع العدل الرهن بمقتضى وكالة الراهن له على بيعه إذا حل الأجل، ووجب لمن له الدين استيفاؤه، وضاع الثمن من يديه قيل أن يصير إلى المرتهن، فقد اختلف الناس في ذلك: فعند أبي حنيفة أن ضمان الثمن من المرتهن، وكذلك ضمان الرهن

بنفسه لو تلف قبل بيعه فإن ضمانه من المرتهن، وان كان على يدي عدل, لأنه يرى أن العدل وكيل لمن له الدين، ويد الوكيل كيد موكله، وهو يرى ضمان سائر الرهبان إذا كانت في يد المرتهن، منه، ويد العدل ها هنا كيد المرتهن.
وأما الشافعي فإنه يرى أن ضمان هذه الأثمان من الراهن، وكذلك ضمان غير الرهن إذا تلف من الراهن، كما قدمناه في مذهبه، ومذهب أبى حنيفة.
ونحن نرى أن ضمان الأثمان التي ضاعت بيد العدل الذي باع الرهن، بحكم وكالته على ذلك من المرتهن، كما ذهب أبو حنيفة إليه، ويرى ضمان الرهبان من الراهن إذا كانت مما يغاب عليها وما قامت بضياعها بينة، على أحد القولين اللذين قدمناهما.
فأفا حكم ضمان الرهبان بنفسها، وسبب الخلاف فيها فقد مضى في موضعه مستقصى.
وأما الاختلاف، الذي ذكرنا في هذا الثمن إذا ضاع في يد العدل، فنكتة الخلاف فيه ترجع إلى بيع المرتهن وقبضه للثمن، هل للجميع، وكأنه من الراهن الإذنُ له في البيع ويد ها هنا العدل 1 كيد الراهن، في الرهن وفي تمكينه، فيكون الضمان منه، أو يقال: إن العدل وكيل للراهن على مجرد العقد خاصة، ووكيل المرتهن على قبض الثمن, لأنه ملك استيفاءه لما صار الرهن ثمنًا، فتكون الأثمان من المرتهن, لأن العدل وكيل للمرتهن عدى قبض الثمن، ويد الوكيل كيد موكله، فيجب أن يكون ضمان الثمن من المرتهن الذي وكل العدل على قبضه؟

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكر بعض أصحاب الشافعي ضبط الشروط المقارنة لعقد الرهن، فذكر أن منها ما هو من موجبات الرهن شرعًا، ويستغنى عن ذكره، كقوله: أرهنك

عبدي هذا على أنّ لك إمساكَه حتى أفْتكُّه، أو على (من حقه) 1 أن يباع لك إذا حل الأجل وعجزتُ عن القضاء، فذكْرُ هذا لا يفسد الرهن, لأنه أبان فيه حكم الشرع.
وهذا مثل الشروط التي من مقتضى البيع: كقوله: أبيعك عبدي على أن التصرف فيه بحق المِلك.
إلى غير ذلك مما يوجبه الشرع.
وإن اشترط في الرهن شرطًا ليس هو من مقتضى الرهن فلا يخلو أن يكون إسقاطًا لبعض حق المرتهن من الرهن، كقوله: أرهنك إياه على أن لا يباع لك في الدين، وشبه ذلك.
فهذا عندهم شرط باطل بغير خلاف.
وإذا كان الشرط باطلًا لم يكن الرهن رهنا بغير خلاف عندهم، وذلك لأن الرهن القصد به الاستيثاق بالحق، ولَمّا شرط ألا يباع فقد منع المقصود منه، وأبطل حقيقة الاستيثاق، ولهذا بطل كونه رهنًا.
وإذا كان الشرط زيادة في حق المرتهن، فإن الشرط باطل بغير خلاف، وذلك مثل أن يقول: أرهنك هذا الرهن على أنّ لك أن تتولى بيعه بنفسك دون مطالعة الحاكم، أو على أن لك الانتفاع به.
فإذا كان هذا الشرط باطلًا، عندهم بغير خلاف، لمخالفة موجب الشرع في الرهبان، فهل يبطل كون هذا المشترَط فيه هذا الشرط رهنًا أم لا؟ عندهم فيه قولان: أحدهما: أنه يبطل كونه رهنًا، لمخالفة مقتضى الشرع، كما أبطل اشتراط نقص حق المرتهن كون الشرط ذلك رهنًا فيه بغير خلاف، أو لا يبطل كونُه، وَإن بطل الشرط، لكون الشرط الذي يُنقص من حق المرتهن أثّر في المقصود من الرهن.
وما اشترط فيه زيادة في 2 حقوق الرهن فليس بقادح في المقصود الذي هو الاستيثاق، فلهذا لم يُبطل الشرطُ حقيقة الرهن.
وإن قلنا ببطلان الشرط إذا كان نقصًا في حق المرتهن بغير خلاف، أو كان فيه زيادة لحق المرتهن على أحد القولين، وقارن ذلك بيعًا، فهل يفسخ

البيع أم لا؟ عندهم فيه فولان: أحدهما: أن البيع يفسخ لأن الرهن له قسطه من الثمن، فإذا أبطلناه، والذي ينوبه من الثمن مجهول، عاد ثمن السلعة المبيعة مجهولًا، والبيع بثمن مجهول لا يجوز.
أو يقال: إن البيع لا يفسخ, لأن الرهن عقدٌ منفردٌ مستقلّ بنفسه، ليس بشرط مشروط في أصل العقد، ففساده لا يسري إلى فساد ما قارنه بالتراضي، ولم يقارنه لإيجاب الشريعة.
فهذا الصنف الذي ضبطه الشافعية في أحكام الشروط.
وأما نحن، فإنا قدمنا، في الشروط، أن المذهب على قولين، بين ابن القاسم وأشهب، فيمن أخذ رهنًا على أنه يكون رهنًا عنده سنةً، فإذا انقضت السنة خرج عن كونه رهنًا، هل يبطل هذا الشرط ويبقى رهنًا في السنة الثانية، كما قال أشهب، أو يبطل كونه رهنًا في السنة الأولى وفي السنة الثانية؟ وهذا اشتراط يُنقص من حق المرتهن في الرهن، ثم فيه قولان، فلا يكاد يستمرّ في شرط يعود بنقض ما ذكروه من مذهبهم، لأجل ما حكيناه من الخلاف عندنا في هذه المسألة.
ولكن تختلف أحكام الشروط باختلاف معانيها.
وأمّا اشتراط ما فيه زيادة، فقد قدمنا نحن، فيمن أخذ رهنًا وشرط له الراهن أن له بيعه من غير مطالعة، أن فيه عندنا اختلافًا بيّنّاه في فصل قبل هذا.
وها نحن نتكلم على شرط فيه زيادة في حق المرتهن، وهو اشتراط الانتفاع بالرهن.
فاعلم أن من ارتهن رهنًا واشترط ذلك في أصل عقد سلعة باعها، فإنه إن لم يبيّن حقيقة الانتفاع بالرهن، كما بيّنْ في عقد إجارته، فإن ذلك لا يجوز لكون هذه المنفعة المشترطة لها حصة من الثمن، فصارت كالإجارة، والإجارة لا تجوز إلا على منافع معلومة.
وكذلك يفتقر في اشتراط هذه المنافع إلى تحديد أجلَ معلوم، فإن سَلِم عقد هذه الإجارة مما يفسدها، كما بيناه، التُفِت إلى أصل آخر، وهو كونها عقدًا قارن عقدَ بيع، وعقد البيع يختلف فيه الغرر في ثمنه، وفيما قارنه مما هو كبعض ثمنه.
فإن كان الرهن عقارًا، كالدور

والأرضين، جاز اشتراط الانتفاع به إذا ثبتت المنفعة، وضُرب أجلها, لارتفاع تصور الغرر في رهن العقار.
وأمّا إن كان الرهن المشترط للانتفاع عروضًا أو حيوانًا، فإن مالكًا منع ذلك في المدونة، وذكر ابن القاسم إن علة منع مالك إياه كونُ الثياب والحيوان يغئرها الاستخدام، فلا يدرَى، عند انقضاء المنافع وحلول الدين، كيف يكون الرهن، هل يوفي بالحق لبقائه على حاله, أولًا يوفي لكثرة تغيره وانتقاصه، واشتراط رهن فيه غرر في أصل عمّد بيع لا يجوز، على هذا.
وفي كتاب الحمالة من المدونة إن الحمالة إذا كانت فيها غرر لا تجوز، ويَبطل البيع الذي قارنها.
وخالف أصبغ في بطلان البيع، كما تقدم بيانه.
وقال ابن القاسم، عقيب حكايته عن مالك ما ذكرناه: وأما أنا فلا أرى بذلك بأسًا.
وأشار إلى أن عقد الإجارة على انفراده يجوز، وإن كان المؤاجِر لعبده أو ثوبه لا يدري كيف يرجع إليه إذا انقضى أمد الإجارة، ثم مع هذه الجهالة لا تبطل الإجارة، فكذلك إذا عُمَدت على هذه الصفة، وقُرن معها عقد بيع.
وذكر ابن المواز أن أشهب وأصبغ أجازا ذلك، وأن قول مالك اختُلف فيه.
وأما إن كان اشتراط المنفعة في عقد قرض فإن ذلك لا يجوز، بغير خلاف قولًا على الإطلاق, لأن المنفعة إنما اشترطها المُسلِف بماله على أنْ جَعَل عِوَض السلف منفعةً ينالها من المتسلف، وهي الانتفاع بالرهن الذي دَفَع إليه.
وأما إن كان هذا الاشتراط لهذه المنفعة بعد عقد البيع، وعقد القرض، فإن حكمها يستوي في كون ذلك لا يجوز, لأنها هدية المديان، وإنما سمَح له صاحب الرهن بالانتفاع برهنه بعد عقد البيع أو القرض رجاءَ أن لا يضيّق عليه في الطلب إذا حل الأجل، ويؤخرَه بالدين الذي له عليه، وتأخيره كالسلف، وما أباح له من الانتفاع هو عوض التأخير الذي يؤخره به.
ولو صحّ في هذين الرجلين أنهما لم يقصدا لذلك لمُنع، حمايةً لغيرهما.

ولو كان الرهن بعد عقد البيع والسلف، فشرط الراهن أن للمرتهن الانتفاع به بإجارة، يجري ذلك على أحد القولين، فيمن عليه دين مؤجّل، فعامل من له الدين ببيع على النّقد.
وذلك مذكرر في كتاب البيوع، ولأنه يتوفى منه في المسامحة هدية المديان، والزيادةُ، على حسب ما تقدم ذكره.
وإذا صح حكم جواز اشتراط المنفعة في الرهن، على التفصيل الذي ذكرناه، ومنْع الشافعية ذلك على الإطلاق، فقد علمت أنّ هذا الرهن امتزج فيه حكمان متنافيان في أحكام الضمان، وقد عملت أن الرهن إذا كان مما يغاب عليه فإنه مضمون، كما تقدم بيانه، والمستأجَر للانتفاع به غير مضمون، على ما يذكر في كتاب الإجارات.
وإذا ادّعى، هذا المرتهن لما يغاب عليه، وقد اشتوط المنفعة،: أنه ضاع، فهل يصدق في دعواه الضياع ويسقط عنه الضمان تغليبًا لحكم الإجارات، أو لا يصدق في ذلك، ويجب عليه الضمان، تغليبًا الأحكام الرهبان؟ فبسبب هذا الامتزاج في هذين الحكمين وقع الإشكال: ما الذي يغلب متهما على صاحبه: هل حكم الرهبان فلا يضمن؟ من الأشياخ من غلب حكم الرهبان وأوجب الضمان، ومنهم من غلب حكم الإجارة فأسقط الضمان، ومنهم من أفرد كل واحد بحكمه ورأى أن الأجزاء التي تنتَهك وتنعدم بالاستخدام لا تضمن، حتى لو اشترط منفعة لباس الثوب شهرًا وادّعى ضياعه، بعد يوم من يوم أخذه، فإنه يسقط عنه مقدار ما يُنقص الثوبَ اللباسُ.
فإن نقصه في هذا الشهر ربع قيمته، رجع بمقدار ذلك على الراهن، من غير المبيع له، في قيمته لأجل ضرر الشركة.
ولو لم يذعِ الضياعَ إلا بعد فراغ لكان في ذلك القولان المذكوران في كتاب الجُعْل والإجارة: هل تلزمه الإجارة كاملة، وإن سقط عنه ضمان العين أمْ لا تلزمه الإجارة، ويصذَق في سقوط الثمن كما صدق في ضياع عينِ مالٍ مستأجَرةٍ؟ وأشياخي الذي شافهتهم على المسألة، يعتبرون المقصود في هذا العقد، هل

قصدهم الإجارة فلا يضمن هذا الرهن، أو قصدهم الرهن فيضمن؟ ويستدلون على مراعاة القصد في هذا مما ذكر المدونة من أن الحمَّال، إذا فُلّس صاحب الأحمال، كان الإجمال 1 أحق بما حل 2 من الغرماء، وهو مع هذا لو ادّعى الضياع لما حمل من العروض لصدِّق, لأن المقصود في هذا العقد الإجارة لا الرهن، حتى إذا بلغ المكانَ الذي استؤجر على أن يبلّغ الأحمال إليه ولم يُعْطِه صاحب الأحمال إجارتَه أبقى عنده الأحمال رهنًا، وغاب عليها، فإنه حينئذ يضمنها.
وهذا يشير إلى اتباع المقصود في هذه العقود.
فإذا وضح هذا فإنه يلتفت إلى صحة الحوز في هذا، وقد قدمنا أن المرتهن إنما يكون أحق بالرهن إذا حازه.
وظاهر مذهب ابن القاسم أن هذا يكون رهنًا مَحُوزًا، وإن امتزج فيه الحكمان: حكمُ الإجارة وحكم الرهبان، فكذلك لو استأجر هذا الثوب ثم ارتهنه فإن سحنونا ذكر أن مذهب ابن القاسم صحة الحوز، وإن تقدم فيه عقد الإجارة، كمن أخدم رجلًا عبده ثم تصدق به عليه، فذكر عبد الملك في الموازية والمبسوط أنه إذا استأجر شيئًا أمسكه رهنًا بعد ذلك بدين أسلفه لصاحب الرهن أن ذلك لا يكون حوزًا، قال: لأنه إنما قبضه أوَّلًا على حكم الإجارة، لا على حكم الرهن، فلا ينتقض الحكم الأول الذي هو حوز الإجارة.
ولو كان الرهن سبق أوَّلًا ثم استأجر هذا الرهن فقد قال عبد الملك: إن الحيازة تصح، لكونه أولًا قبضه على حكم الرهن، فلا يتغير هذا الحكم.
وذكر ابن المعذل لا يصح حوز هذا الرهن, لأن عقد الإجارة فيه بعد ارتهانه كالفسخ لارتهانه.
وقد اختلف أيضًا في رهن ما هو مستأجر في يد غير المرتهن، فوقع لمالك: أن ذلك لا يكون محوزًا.
وقال ابن نافع في المْبسوط: إنه يكون محوزًا.
وقال ابن القاسم في الدمياطية، فيمن وجد جِمالًا ثم رهنها: إن المرتهن إن كان

يقوم عليها ويعلفها فإن الحيازة تصح، وقدر أن هذا النوع من التصرف من المرتهن كالحيازة له، وهي أقصى ما يقدر عليه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد قدمنا جواز وقف الرهن على يد أمين، بتراضي الراهن والمرتهن، أو بحكم حاكم، وذكرنا حكم الضمان في ذلك.
ولكن قد يخالِف هذا الأمين ما أُذِن له فيه من إمساك الرهن حتى يُقضى الدين، بأن يسلّمه إلى أحد الرجلين اللذين تراضيًا به، إما المرتهن وإما الراهن، فإن سلّمه المرتهن فضاع عنده ضمنه للراهن، وإن أسلمه للراهن ضمنه لبمرتهن.
ولكن إذا سلّمه للراهن ضمن للمرتهن الأقل من قيمة الرهن أو الدين الذي أخذ به الراهن، 1 لأنه إن كان قيمة الرهن أقل من الدين فإنما أتلف على المرتهن قيمة الرهن، الذي لو لم يسلم إلى الراهن لباع الرهنَ وأخذ ثمنه في دينه.
وإن كان الدين أقل من قيمة الرهن فإنما أتلف عليه الدينَ لأنه لا يستحق من الرهن إلا مقدار الدين، وما زاد على ذلك فلا يستحقه.
وإن أسلمه للمرتهن، وقد حلّ أجل الدين، سقط حق المرتهن في الدين، وحوسب بقيمة الرهن في دينه.
فإن تساويا ووجبت المقاصّة برئ الراهن من الدين، لاستحقاقه في ذمة المرتهن مثله، وبرئ الأمين الذي كان الرهن موقوفًا بيده أيضًا, لأنه لم يتلف على واحد منهما شيئًا.
وأما إن وقعت المحاكمة في ذلك قبل الأجل، فإن الراهن لم يُستحق عليه الدين، فمن حقه أن يطالب عين الرهن لما 2 تعدى عليه فيه، وقد حصل التعدي من الأمين في دفعه للمرتهن، وحصل التعدي أيضًا من المرتهن في أخذه وقبول ذلك من الأمين، مع كونه لا يجوز له ذلك.
فإن اختار مطالبة الأمين

بقيمة الرهن الذي تعدى عليه، وسلّمه لغيره، كان ذلك من حقه، وغرم هذا الأمين قيمة الرهن، ويستحقها الراهن فيأخذها إن أتى برهن يسد مسدَّها.
وإن لم يأت برهن أُوقِفت هذه القيمة على يد أمين آخر، لظهور خيانة هذا الأمين الأوّل.
فقد يحوز 1 أيضًا مرة ثانية.
وغلب ها هنا حق الراهن لأنه مالك عينِ الرهن، وإنما للمرتهن التوثق بالرهن، والتوثق يحصل له إذا كان في يد أمين غير الأول الذي خان.
وأما الراهن بحقه في عين الرهن، فهو أوْلى بأن يُنظَر له في صيانة عين ملكه، فإن أَغرمَ الراهنُ هذا الأمين قيمة الرهن، رجع بها على المرتهن الذي ضاع الرهن في يديه, لأنه غرم ذلك بسببه، ولم يسلم إليه الرهن على أنه ساقط عنه، وأنه ملتزم قيمتَه قضى 2 عنه، وإنما سلم على حكم الرهبان: الضمان فيما يغاب عليه، يُقضى بذلك على المرتهن, لأنه أخذه على حكم الرهبان التي تؤخذ لمنفعة المرتهن.
لكن لو ضاع في يد المرتهن ببيّنة لسقطت عنه مطالبة هذا الأمين بما استخرج 3 من قيمة الرهن، لكونه سلطه عليه، وهو غير متعد في قبضه في حق الأمين وإن كان متعديًا في حق الراهن.
وإذا كان من حق هذا الأمين أن يرجع على المرتهن بقيمة الرهن التي غرمها بسببه، فهل من حق المرتهن أن يمتنع من أدائها، ويقاصَّ بدينه عوضًا عنها، إذا لم يحل الأجل؟ هذا على قولين: أحدهما: إنه يمنع من المقاصة، ويغرم القيمة على مقتضى حكم التعدي.
وعلى القول الثاني: له المقاصة, لأنا نجوّز صِدْقَه في أن الرهن قد ضاع له.
ولو قامت بينة على ضياعه لم يغرمه، فلا يلزمه تعجيل القيمة إذا رضي بالمقاصّة مع هذا التجويز لصدقه.
ولو اختار الراهن طلب المرتهن بحكم التعدي، وعدل عن طلب الأمين، لكان له أن يُغرمه القيمةَ.
وإن طلبه بغرامة القيمة من جهة دعوى الضياع لجرى ذلك على القولين المتقدمين.

ولو كان الرهن موجودًا في يد هذا المرتهن، ولكن لم يعلم به الراهن حتى قام عليه، فوجده مفلّسًا، عليه غرماء يطالبونه بديونٍ، فهل يكون أحقّ بهم 1 بعين الرهن أوْ لا يكون أحق بل يكون كأحدهم في المحاصة بقيمة الرهن؟ المذهب في هذا على قولين: أحدهما: إنه يكون أحق.
والثاني: إنه لا يكون أحق, وإليه ذهب ابن المواز.
وقال عيسى بن دينار: إنه لا يكون أحق إذا كان الأمين عديمًا.
فأجْرى على قوله أَلا يكون أحق إذا كان الأمين مليا يمكنه أخذ قيمة الرهن منه.
وقال أصبغ: بل يكون أحق إذا كان الأمين عديمًا لا مال له.
وعندي أن سبب هذا الاختلاف الالتفات إلى ما كنا قدمناه أن الرهن إذا رجع إلى يد الراهن، باختيار المرتهن وطوعه، سقط (في الرهن) 2 ولم يكن أحق به إذا وقع الفلس، وذلك بأن يرده الراهن إلى جهة الوديعة أو الإجارة، لكنه له ارتجاعه بعد رمنه على جهة الوديعة وبعْد رده على جهة الإجارة إذا انقضى الأجل ولم يقمْ الغرماء ولا فلِّس الراهن.
ولو ظهر أنه إنما واجَر الراهن من الرهن لاعتقاده أن ذلك لا يُبطل الرهن، لكن 3 من حقه، فيما اختاره بعض أشياخي، أن يفسخ الإجارة.
وهذا عندي يتعلق بأصل آخر ينظر فيه هل يمكن من فسخ الإجارة أم لا؟ ولو كان الرهن عبدًا، فأبق العبد من غير تفريط من المرتهن، وعاد بعد إباقه إلى سيده، ولم يعلم بذلك المرتهن حتى قام الغرماء، لم يبطل حق المرتهن في هذا الرهن، لكونه مغلوبًا على رجوعه إلى يد الراهن.

وهاهنا قد يقال: إنه كالمغلوب لكون الأمين ردّ الرهن على الراهن بغير اختيار المرتهن، فأشبه إباقَ العبد.
أو يقال ها هنا: إن المرتهن رضي بوقف الرهن عند هؤلاء 1 الأمين، مع تجوزه أن يرده إلى الراهن، فصار كأنه ليس بمغلوب على الردّ، بخلاف الإباق، مع كونه ها هنا أيضًا له مرجع بقيمة الرهن على هذا الأمين المتعدى، وينفرد بما يأخذ منه عن الغرماء، ويتبعه بذلك إن كان فقيرًا، ولا يكون أحق من الغرماء، مع كونه قد تميّز عنهم باستحقاق قيمة الرهن في ذمة رجل أحق 2 غير غريمه.
فإذا قلنا: إنه يكون أحق بعين الرهن، وإن فلس الراهن، والرهن في يده، حكم له بأخذ الرهن وحاصّ بما يبقى له بعد ثمن الرهن من الدين.
وإن قلنا: إنه لا يكون أحق, فإن هذا الأمين الموقوف على يديه الرهن قد أضَرَّ بالمرتهن في إعادته إلى يد الراهن، فللمرتهن مطالبة الرهن 3 بما أضر به ما فعله من إعادة الرهن للراهن.
فمذهب جماعة من أشياخ القرويين وحذاقهم أنه يرجع المرتهن على الأمين بمقدار ما نقصه الحِصاص لأجل تسليم الرهن.
ونحن نضرب لهذا مِثالًا يتبين به اختلاف طرق الأشياخ.

فلهم في المسألة ثلاث طرق: 1 - أحدها: ما ذكرناه عن بعض حذاقهم، وإليه مال بعض مشايخ الصقلّيين.
فإذا فرضنا أن الراهن عليه عشرون دينارًا للمرتهن، وعشرون دينارًا أخرى لرجل آخر لم يأخذ بها رهنًا، ففُلِّس الراهن، فوجدنا بيده الرهن الذي رده عليه الأمين، وقيمته عشرة دنانير، وفي يده مع ذلك عشرة دنانير أخرى، فقد صار الموجود في يده عشرين دينارًا، وهي نصف الأربعين التي عليه للرجلين، فيتحاصان في هذه العشرين التي هي عشرة منها ثمن الرهن، وعشرة أخرى

بيده.
فإذا تحاصًا فإن كل واحد من هذين الرجلين يأخذ نصف حقه، وهي عشرة دنانير، فيقول، الذي دينُه أخذ له الرهنَ، للأمين: لو لم تسلم الرهن إلى الراهن وبقي في يديك لكنتُ أنا أحقَّ به، ولم يحاصَّني الغريم الآخر فيه بدينه، بل آخذ ثمنه وهو عشرة دنانير، فتبقى لي من ديني عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون لا رهن له بها، فتكون المحاصة بيني وبينه على ما حكم به الحاكم الآن، وذلك أن العشرة التي أخذتها من ثمن الرهن سقط بها، وبقي لي النصف الآخر الزائد على قيمة الرهن، وهو عشرة لا رهن لي بها, وللغريم الآخر عشرون ولا رهن لي 1 بها، فتقع المحاصة بيني وبينه، على أن له ثلثي العشرة، وهو سبعة غيرُ ثلث، ولي أنا ثلثُها وهو ثلاثة دنانير وثلث، فيحصل في يدفيَ ثلاثة عشر دينارًا وثلث، عشرة منها هي التي حكم بها الحاكم، وثلاثة وثلث تجب بالمحاصة.
ولو كانت على غير الصفة التي حكم لي الحاكم، فيُطلَب الأمين بثلاثة دنانير وثلث، وهي التي تعدَّى الأمينُ على الرهن من حقي هذا في الحصاص.
ولو كان الرهن قد أفاته الراهن بأن يكون طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه، ووجد في يده عشرون دينارًا، لرجع المرتهن على الأمين بسبعة دنانير غيرِ ثلثٍ، وهي ضِعْفا ما يرجع به عليه لو كان الموجود في يده عينَ الرهن وعشرون 2 دينارًا, لأن الرهن إذا كان موجودًا وقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير، لسقوط عشرة من دينه بالرهن الذي يأخذه لو بقي في يد الأمين، وإذا كان الرهن قد فات في يد الراهن وقيمته عشرون دينارًا ووقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير في عشرين بيد الراهن.
وفي المسألة الأولى يقع له الحصاص بعشرة، فلا شك أن الذي يجب له في الحصاص في عشرين دينارًا أضعاف 3 ما يجب له في الحصاص في عشرين 4، وهو سبعة إلا ثلث.

ولو فرضنا المسألة الأولى، وهي الحصاص بعشرة بقيت له بعد الرهن في عشرة قبالة 1 في الحصاص ثلاثة وثلث كضا بيناه، ثم طرأ للراهن عشرة أخرى، فإن حكم الحصاص، الذي ذكرناه، ينتقض بطريان مالِ الراهن 2، وإذا انتقض فقد صار للراهن ثلاثون دينارًا، منها عشرة قيمة الرهن، والعشرة الأخرى التي قدرناها في السؤال الأول، والعشرة الأخرى طرأت، فهذه ثلاثون، تقسم بين الغريمين نصفين كما فعلناه في السؤال الأول، فيحصل للمرتهن خمسة عشر دينارًا, وتبقى له عشرة دنانير لا يشاركه فيها أحد، ويبقى له من دينه عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون دينارًا، العشرة التي قدرناها مع الرهن، والعشرة الطارئة، فتضرب في العشرين المرتهن بالعشرة الباقية به، ويضرب بالغريم الآخر بجميع دينه وهو عشرون دينارًا، فينوب المرتهن من العشرة ثلثاها، وهو سبعة دنانير غير ثلث، فيضاف إلى العشرة التي هي ثمن رهن الذي هو أحق بها لو بقي الرهن في يد الأمين، فيضرب جملة ما يستحق سبعة عشر دينارًا غير ثلث، وقد أخذ خمسة عشر دينارًا، والذي أضرّ به تسليم الرهن دينارًا وثلثا.
وهكذا لو كان الراهن وجد الرهن وقد فات، فإن التفريع على هذا يجري.
فانظر ما حصل له في المحاصة وما نقصه، وأضرَّ به تسليم الرهن، فهو الذي يرجع به على الأمين.
فهذه إحدى الطرق الثلاثة فيما يرجع به المرتهن على الأمين.
وأما الطريقة الثانية، وهي طريقة الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد رحمه الله، وذلك أنه رأى أن هذا المرتهن قد تعدى الأمينُ عليه في تسليم رهنه إلى الراهنو فله أن يطالبه بقيمة الرهن الذي تعدى عليه، وقيمته عشرة دنانير، وقد أخذ الحصاص 3 أوَّلًا عشرة دنانير، على أنّ المحاصة كانت له بعشرين وبعشرين للغريم الآخر، فصارت ها هنا لما أخذ العشرة قيمةَ الرهن من الأمين

قد سقط دينه، وبقي له المحاصة بنصف دينه الآخر الزائد على قيمة الرهن 1 من العشرة التي قبضها بالمحاصة نصفَها لأنه حاص أوّلًا بَعشرين وكشف الغيب أنه لما أخذ من العشرين عشرة من الأمين أنّ المحاصة إنما تجب له بعشرة، فيردّ من العشرة، التي أخذ نصفها في المحاصة، نصفَها وهو خمسة دنانير التي تمسّك بها من عشرة المحاصة، فذلك خمسة عشر دينارًا، وقد ردّ مِمّا أخذ في المحاصة خمسة دنانير بقيت من جملة دينه لكونه حصل في يده خمسة عشر دينارًا، ويضرب فيها الغريم الآخر بعشرة دنانير، وهي التي بقيت من دينه بعد العشرة التي أخذ في الحصاص، فيقضى له بثلثها، وهو ديناران غير ثلث، يضاف إلى الخمسة عشر فيحصل له سبعة عشر دينارًا غير ثلث.
ونحا الشيخ أبو محمَّد في هذه الطريقة نحو ما ذكره يحيى بن عمر في مسألة المدونة، فيمن رهن زرعًا لم يبْدُ صلاحه، وفلّس الراهن، فإن الزرع لما كان لا يحلّ بيعه صار كالعدم، وحاص هذا المرتهن بهذا الزرع غرماءَ الراهن بجميع دينه.
فإذا حل بيع الزرع فإنه تبطل المحاصة الأولى، ويرد نصفَ ما أخذ فيها إذا كان هو قد أخذ نصف دينه، والغريم الآخر نصفَ دينه.
فيرد نصف ما أخذ في المحاصّة، ثم يتحاص فيه هو بما بقى له.
وذهب بعض المتأخرين إلى طريقة ثالثة، وأنكر طريقة الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد، وقال: إنما يرجع المرتهن على الأمين في مسألتنا بخمسة دنانير، وذلك أن مِن حقه أن يُغرّم الأمين 2 وقيمة رهنه، وهو عشرة دنانير، ويبقى له من دينه عشرة يحاص بها.
ويحاص أيضًا الأمين بالعشرة التي غرمها المرتهن، ويحاص الغريم الثالث، الذي له عشرون بغير رهن، بالعشرين دينارًا، فصار جملة ما على الراهن من الدين أربعين دينارًا، وفي يده عشرون دينارًا يتحاص فيها ثلاثة غرماء، المرتهن بالعشرة التي بقيت له بعد ما أخذ الأمين، والأمين

بالعشرة التي غرمها المرتهن، والغريم الثالث يحاص بالعشرين جملة دينه.
فالذي ينوب المرتهنَ والأمينَ في الحصاص في العشرين التي بيد الراهن عشرة دنانير، خمسة منها للمرتهن، وهي التي صارت له 1 حاص بالعشرة الباقية، وخمسة منها للاثنين، فيأخذ الأمين خمسة بالحصاص فيصير جملة ما غرم خمسة، ويأخذ المرتهن خمسة، يتمسّك بها مع العشرة التي غرمها له الأبن، فصار جملة ما يأخذ خمسة عشر دينارًا، منها عشرة التي غرم له الأمين، ومنها خمسة هي التي تنوبه في المحاصة مما بقي له.
فلو فرضنا أنه بدأ بغرامة الأمين، وقدم ذلك على الحصاص، لكان الحكم ما ذكرناه بمن 2 كونه يحصل في يديه خمسة 3 دنانير، وهي ثلاثة أرباع حقه.
فإذا لم يبدأ بغرامة الأمين وبدأ بالمحاصة فإنه يحاص عن نفسه وعن الأمين، فيجب أن يكون الذي يحصل له لو بدأ بغرامة الأمين هو الذي يُعْطى له في المحاصة، فإنها 4 يستغرم الأمين خمسة دنانير.
واعتد صاحب هذا المذهب بلفظ وقع في الموازية وهو قوله "يحصل للمرتهن ثلاثة أرباع حقه".

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: وإذا اختلف المتراهنان في عين الرهن فالقول قول المرتهن 5. وإن اختلفا في قدر الحق فلا يخلو الرهن أن يكون باقيًا أو تالفًا.
فإن كان باقيًا فلا يخلو أن يكون في يد المرتهن أو في يد أمين.

نجز ما وجد من الأمَّ النسخ منها بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه.
والصلاة على النبي وآله.
وكان الفراغ من نسخه أواخر ذي الحجة سنة 1237، سبع وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العلي العظيم.
"إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

انتهى

جارٍ التحميل