جائز.
ومنع سحنون بيع بعضه ببعض متفاضلًا، ورآه مما يدّخر، فيكون على هذه الطريقة لاحقًا باللحمان، ولكنه صنف رابع.
فأحطت 1 علمًا بهذه الأجناس، فبيع لحم بلحم مما يعد من جنسه متفاضلًا لا يجوز كلحم بقر بلحم الضأن أو لحم إبل بلحم بقر أو لحم حيوان من ذوات الأربع الوحشي بلحم إنسي، وعلى هذا الأسلوب يجري في بقية الأجناس والله المستعان لا ربّ سواه ولا خير إلا منه.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إن اللحم إذا شوي أو قدّد من غير أبزار خالطته فإنه لا ينتقل عن حكم اللحم الطبري، ولا يجوز فيه التفاضل.
وأما التماثل في بيع الطبري بالقديد فيعْسر الوقوف على حقيقته وزنًا.
وهل يجوز الاقتصار في التماثل على تحري المساواة؟ هذا مما اختلف فيه المذهب، وهو اختلاف في صفة، فمن منع المبايعة على المساواة تحرّيًا رأى أن التحري لا يوثق به، وقد يغلط المتحري تارة، ويصيب أخرى، وقد قدمنا أن الشك في التفاضل في الربويات كاليقين به في المنع.
ومن أجاز ها هنا الاقتصار على التحري، وقدره بما يُبعد الغلط فيه غالبًا إذا كان من يتحرى عارفًا بالمقدار في هذا صحيحَ الحدس والتخمين فيها.
وكذلك بيع اللحم الطبري بالطري إذا بعد العهد بذبح أحدهما أو قرب عهد الذبح باللحم الآخر، لأن اللحم الأقدم ذبحًا أكثر جفافًا.
وكذلك رأى ابن حبيب في القديد بالقديد والمشوي بالمشوي أنه لا يجوز فيه المبايعة لاختلاف تجفيف الشمس في القديد وتجفيف النار في الشواء، وإن كان المشهور من المذهب جواز بيع القديد بالقديد بناء على أن ذلك يكاد لا يختلف غالبًا اختلافًا محسوسًا واختلافًا مقصودًا.
وبيع الطبري بالقديد ممنوع كما يمنع الرطب بالتمر وهو من المزابنة.
وأما إن صنع القديد بأبزار عظّمت فيه النفقة فإنه ينتقل حكمه عن حكم
اللحم الطبري، وعن حكم القديد الذي لا أبزار فيه، ويصير كجنس آخر من اللحمان يحل التفاضل بينه وبين ما ليس من جنسه.
وأما إن طبخ بالماء صِرفًا وبالملح، فإن هذا الطبخ لا ينقله عن حكم أصله فلا يجوز بيع اللحم المصلوق باللحم الذي تمسه النار ولا الشمس متفاضلًا، ولا يجوز متماثلًا بالوزن لكونه بيعَ الرطْب باليابس.
وأمّا ما ثبت فيه المساواة بالتحري فعلى القولين اللذين قدمناهما.
وأما ما طبخ بشيء من المياه المعتصرة كالخل، وماء الحصرم، وماء الليمون، فإنه ينتقل عن حكم اللحم الطبري الذي لم تمسه النار فيصير كجنس آخر يحل فيه التفاضل، فيجوز بيع السِّكباج والحصرمية والليمونية والسماقية والإجاصية بلحم لم تمسه النار ومتفاضلًا.
وكذلك غير هذا من الأنواع التي يكثر تعدادها.
لكن هذه الألوان التي ذكرنا بعضها كلها صنف واحد، وإن اختلفت المياه التي طبخت بها، فلا يجوز التفاضل بين حصرمية وليمونية وسماقية إلى غير ذلك من ضروب الألوان التي في هذا المعنى، لأن المطبوخات في هذه الأصناف تتقارب الأغراض فيها، وكأن المراد منها الائتدام، وهي من ناحية كونها إدامًا متقاربة في الأغراض والمقصود.
ومال بعض أشياخي إلى أن اختلاف هذه الألوان يصيّرها أجناسًا إذا تفاوت الغرض فيها، فليس الغرض في الإسفندباج كالغرض في السماقية والحصرمية.
وقد ذكر في الموازية أنه لا يحل التفاضل بين الأرز المطبوخ والهريسة.
فإن كان مراده الهريسة المصنوعة من الأرز ولكن خالطها اللحم وضرب معها الأرز، فإن هذا مبني على أن مخالطة اللحم الأرز، هذا النحو من المخالطة لا ينقله عن حكم الأرز المطبوخ بغير لحم.
فقدر أنهما جميعًا أرز ولحم مطبوخان، فلا يحل التفاضل بينهما.
وإن أراد بالفريسة ها هنا ما صنع من القمح واللحم، فكأنه رأى أن الطبخ للأرز والقمح ينقل كل واحد منهما عن أصله، فيجوز التفاضل بينه وبين أصله؛ ولكن لا يجوز التفاضل بين هذين المطبوخين من هذين الأصلين المختلفين، كما ذهب إليه أشهب في أن خبز الأرز وخبز القمح صنف واحد لا يحل التفاضل بين هذين الخبزين، وإن
كان أصلهما مختلفًا يحل التفاضل فيه.
وحكي هذا عن ابن القاسم، لكن مقتضى أصل ابن القاسم أن يكون أخبازهما صنفين، كما كانت أصولهما؛ كما وقفنا لك في أخباز القطنية أنها مختلفة لأجل اختلاف أصولها.
وأما بيع الخبز بالهريسة، فبعض أشياخنا يراه جائزًا متفاضلًا، وهما صنفان لاختلاف الغرض فيهما، وبعض الأشياخ يتردد في هذا إذا بني على الرواية التي ذكرنا عن الموازية في بيع الأرز المطبوخ بالهريسة وقدر بأن اللحم لم ينقل الأرز أو اللحم عن أصلهما مطبوخين والهريسة كذلك.
وإذا وضح أن المذهب إجراء المطبوخات مجرى واحدًا، لتقارب الأغراض فيها على حسب ما قدمناه، فإن التفاضل لا يحل فيها، والمساواة بالوزن، يصير موجب الرجوع إلى طلب المساواة بالتحري.
وتنازع المتأخرون في صفة هذا التحري، فقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: تجري المساواة في اللحوم وامْراقها، لأن حكم مرقها كحكم لحمها، وكذلك يكون التحري في الهريسة إذا بيعت بالهريسة.
ورأى غيره من الأشياخ أن التحري إنما يكون في اللحم خاصة، دون الأمراق.
فكيف جرت الحال على هذا الاختلاف فإن المسألة تتعلق بمسألة أخرى نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى، وهي بيع صاع قمح وصاع دقيق بصاع قمح وصاع دقيق، فإن المرق وإن عدّ حكمه كحكم أن الدقيق ليس هو صورة القمح وإن كان هو أجزاء القمح، كما قدمناه قبل هذا.
وإن قلنا: إن الأمراق، وإن كانت تبعًا، فلا بدّ أن ترعى 1 حكم الربا فيها في نفسها، جرت على ما ذكرناه من بيع قمح ودقيق بمثلهما.
ولا يكون بين المسألتين فرق إذا قيل: إن الاتباع تُراعى في نفسها في أحكام الربا.
وإذا علمت الحكم في التحري وما فيه من الاختلاف في بعض المسائل، فإن اللحم إذا بيع باللحم، طريًا بطري، تتحرى المساواة بين اللحمين على ما هما عليه.
وذهب ابن شعبان من أصحابنا إلى أن التحري إنما يكون بين
اللحمين على أنهما مجردان من العظم، ورأى أن الربا معلل بالقوت أو الإدام للقوت، وهذا المعنى مختص باللحم دون عظامه، وعظامه تختلف بالكبر والصغر والخشانة والرقة فيؤدي إختلافهما في هذا إلى عدم المساواة بين اللحمين.
ويجاب عن هذا بأن بيع التمر بالتمر جائز كيلًا بكيل، مع كون نَوَى كل واحد من التمر يختلف بوجوده في الوزن، واختلافهما أيضًا يتضمن اختلاف وزن التمر لوجود نواه، ولكن عُفي عن هذا الاختلاف للضرورة، وشدة الحاجة إليه، وكون هذا النوع خلق هذا من مصلحته، فلم يعتبر حكمه على حياله.
فكذلك العظام مع اللحم.
فلو أراد التبايع بشاتين مذبوحتين، وهما في جلدهما، فإن هذا فيه اختلافًا: قيل: إنه يجوز إذا تحرى المتبايعان المساواة بين اللحم.
وقيل: هذا لا يجوز إذ لا يقدر على تحري ما تُجِنّه الجلود مما لم يدركه البصر، وهو شراء اللحم المغيب ولا تعرف صفته.
وقيل: يجوز ذلك إذا استثنى صاحب كل شاة جلدها بموضع يجوز فيه استثناء الجلد، ولما كان الجلد ها هنا لا بدّ من سلخه ونزعه على اللحم لم يجر مجرى النوى في التمر، وكان له تأثير في بيع ما تحته من لحم على الخلاف فيه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
يخرج من الحيوان لبن وسمن.
فأما اللبن إذا بيع بلبن مثله في كل واحد منهما زبد فإن المعروف أن ذلك جائز، لحصول التماثل.
وروى أبو الفرج رواية أخرى وهي المنع فيهما لأجل ما فيهما من الزبد المجهول.
وهذا يحتمل أن يكون أراد أن الزبد مقصود، وهو مغيب لا يدرى مقداره، فبيْعه بزبد آخر أيضًا مغيّب لا يدرى مقداره من لبنه، غرر في عقد البيع، فوجب أن يمنع لأجل الغرر.
ويمكن أن يكون اعتبارًا بقوله: إن الزبدين مجهولان إلى الشك في حصول التماثل، والشك في حصول التماثل فيما فيه الربا ممنوع، كما يتحقق التفاضل فيه.
وإذا كان هذا الحليب وما فيه من الزبد في حكم التبع، وجب أن يعفى عن الغرر فيه، لتعذر الاطلاع على مقدار ذلك في حَالِ العقد، فأشبه
في قطن الجبة و 1 المَبيعة التي لا تعرف إلا بعد فتحها مع كونها في حكم التبع، وكذلك الزبد.
وإن حملنا قوله على أنه من (1) أشار إلى الشك في المماثلة، وقلنا: إنه بيع للحليب، والأتْباع تراعى في حكم الربا، فإنه يجب المنع منه لأنه قد يؤدي استخراجه من الحليب إلى عدم المماثلة بعد الاستخراج فأشبه بيع الرطب بالرطب على أحد القولين عندنا في عدمِه 2 لما يترقب من عدم المماثلة إذا جف الرطبان، ولم يعف عن هذا كما عفي عن نوى التمر.
ومعلوم أنه إذا نزع فقد يؤدّي إلى عدم المساواة في التمر نفسه، لكون النوى من مصلحة التمر، وكذلك يدخر بخلاف الزبد.
وأما ما يستخرج من الحليب من زبد، فلا بد من اعتبار التماثل فيه، والتماثل فيه يصح في المآل وكذلك إذا سير الزبد سمنا، فإن التماثل في السمن بالسمن يشترط في صحة العقد أيضًا، وكذلك الجبن بالجبن.
وأما الحليب إذا استخرج زبده وبقي مخيضًا لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، فإن الباب فيه على قولين، أحدهما: أن التفاضل فيه ممنوع لكونه، ملحقًا بالغالب من جنسه والقول الآخر اعتباره في نفسه، وكونه مما لا يدخر، فلم يكن مما يمنع فيه الربا، كأحد القولين في التين الشتوي أيضًا.
وإن أمكن أن يصنع منه ما يدخر مثل الأقط وما في معناه، فإنه يحسن إثبات الربا فيه إذا كان هذا مما يقصد إليه (فيه شيء) 3 كثير من الأحوال.
وقد أجاز في المدونة بيع الحليب المضروب بالسمن.
وهذا يشير عند بعض أشياخي إلى أنه مما لا ربا فيه عنده، وأنه يعتبر فيه حكم نفسه في كونه غير مدخر.
وأما لو لحق بغالبه، وكان فيه الربالمنع بيع المخيض بالسمن، لأنهما جميعًا مما فيه الربا، وما كان فيه الربا لا يباع منه رطب بيابس، كما لا يباع السمن بالزبد.
وقد منع في المدونة من بيع السمن بحليب لم يستخرج زبده، ورأى أن الزبد الذي
لم يستخرج كالمقصود، فيقتضي هذا البيع بيع الرطب باليابس، لأن الزبد كالرطب والسمن كاليابس.
وقد اختلف في بيع الحليب المضروب بالجبن، فمن أجازه رأى أنه مما لا يدخر، ولا مما يصنع منه ما يدخر، فلم يلحق بما فيه الربا.
ومن كرهه رأى أنه قد يصنع منه الأقِط، وبيع الأقط بالجبن لا يجوز، فكذلك بيع الحليب المضروب بالجبن، لكونه يتأتى منه أقط، والأقط لا يجوز التفاضل بينه وبين الجبن، وأما الجبن بالأقط والسمن فإن هذه مدخرات، والتماثل في بيعها واجب، وهو لا يتأتى معرفته فيها فلا يباع بعضها ببعض.
وأما البيض فقد قدمنا أنه فيه الربا، في المذهب المشهور عندنا.
وإذا أثبتنا فيه الربا، فكله صنف واحد.
فبيض الدجاج والإوز وغيرهما نوع واحد، لا يحل بعضه ببعض متفاضلًا، وإنما يجوز بشرط التحري في المساواة، وأن يكون قدرًا واحدًا.
وإذا اقتضى هذا التحري مساواة بيضة واحدة ببيضتين قال ابن المواز: وذلك بعد أن يستثني صاحب بيض النعام قشره لأنه له ثمن، فإذا اشتمل عليه عقد صار كبيع عرض وطعام بطعام.
وهذا الذي اشترطه ابن المواز لم يشترطه غيره، فيمكن أن يكون إنما أطلق الجواب لأنه لا يرى له ثمنًا مقصودًا، أو يراه من مصلحة هذا النوع، فأشبه النوى في التمر.
وقد قدمنا الكلام عليه.
وقد قال بعض الشافعية: لا يباع العسل بالعسل حتى يصفّيا من شمعهما، لئلا يتفاضل العسلان بعد تصفيتهما من شمعهما، ورأى أن الشمعين كعرضين بيعا معًا بعسلين، ولم يرهما كالنوى في التمر، لأن العسل إنما يدخر مصفّى غالبا، والتمر إنما يدخر بنواه.
والله المستعان.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله.
والجنس الآخر مما يحرم التفاضل في عينه هو الذهب والفضة، على اختلاف صفتيهما، من تبر ومضروب ومهمل ومصوغ، فلا يجوز التفاضل في
الجنس الواحد منه بجنسه.
وما غيرته الصنعة من المأكول صار كجنس آخر، فيجوز التفاضل بينه وبين ما بقي على صفته.
وذلك كالحنطة والدقيق والعجين بخبزهما، واللحم النيّىء بمطبوخه، والرطب والتمر والزبيب بخلّها.
وأما التفاضل في المعنى فمثل صاع مَعقِليّ وصاع دَقَل بصاعين برْنيٍّ لأن المعْقلى أعْلى من البرني، والدقل أجود منه، والبرني وسط بينهما.
وكل ما حرم التفاضل فيه جاز البيع فيه مع التماثل.
والجهل بالتماثل في المنع كتحقق التفاضل 1.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى:
هذا الفصل تكلمنا عليه، وإنما أوردناه ها هنا لأجل أنه افتتحه بالكلام على الربا في الذهب والفضة، ورأينا تأخير الكلام على الربا في الذهب والفضة إلى أن نتكلم على كتاب الصرف، كما رأينا الكلام على ما يمنع فيه الربا مضافًا إلى ما أضفناه إليه، ولا 2 لأنه مقتضى ما رتبناه نحن.
وقد تكلم ها هنا على الربا وجعله نوعين: تفاضل في العين وتفاضل في القيمة.
والتفاضل في العين قد تكلمنا عليه.
والتفاضل في القيمة رأينا تأخير الكلام عليه إلى كتاب الصرف، لأنه لما ذكر منه ها هنا هذه المسألة، وهي بيع صاع 3 بصعين من التمر من جنس واحد بصاعين مختلفين من التمر، وقد وجدنا في المدونة الكلام على مسألة بيع مدّ قمح ومدّ دقيق بمد قمح ومد دقيق في كتاب السلم.
رأينا أن نتكلم ها هنا (على ما في كتاب السلم من هذا المعنى خاصة في كتاب الصرف مبسوطًا) 4 إن شاء الله تعالى.
فاعلم أن كل جنس فيه الربا فإنه لا يباع شيء منه بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما جنس آخر مثل أن يبيع صاع تمر بدينار وبصَاعَيْ تمر من جنسه.
وكذلك لا يباع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح أو قفيزي دقيق، ولا قفيزًا قمح بقفيز قمح وبقفيز دقيق.
وكذلك لو كان بدل الدقيق شعيرًا أو جنسًا آخر من الأطعمة، أو عَرْضًا من العروض.
وقد منع في كتاب السلم الثالث من المدونة بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق.
وأجاز ذلك ابن المواز لأنه قال بجواز بيع قفيزي قمح وقفيز دقيق إذا كان قفيز القمح مثل القمح والدقيق أو أدنى منهما، أو مثل أحدهما أو أعلى من الآخر وأدنى، على حسب ما نجيزه في المراطلة ما بين ذهبين مختلفين بذهب واحد منفرد.
فلما قيل لابن المواز: إن مالكًا يمنع من بيع قفيز قمح وقفيز دقيق بقفيز قمح وقفيز دقيق، قال: إنما منعه للذريعة ولا بأس به عندي.
وقال ابن ميسر: لا يعجبني ما قال ابن المواز.
فصارت المسألة عندنا على قولين، والمشهور المنع، إذا انضاف جنس مع أحد العوضين، أو انضاف مع كل واحد منهما جنس آخر.
وبالمنع قال الشافعي: وبالجواز قال أبو حنيفة.
وأشار بعض أشياخي إلى أن هذه المسألة خارجة عن أحكام المراطلة بين الذهوب؛ لأن الذهب مما يتساوى ما كان منه من سكة واحدة قطعًا.
والتساوي في الأطعمة طريقه الاجتهاد، ولهذا عدل ابن القاسم في التمثيل في المدونة عن المراطلة إلى مثل بيع دينار ودرهم بدينار ودرهم، لكون الدراهم المقابلة للدنانير إنما يعرف مقدارها منها بالتقويم، والتقويم طريقه الاجتهاد، وما طريقه الاجتهاد يغلط فيه ويضاف.
وقد خرج في الصحيح أنه عليه السلام أتي في خيبر بقلادة فيها خرز وذهب فأمر - صلى الله عليه وسلم - بالذهب الذي في القلادة فنزع، ثم قال عليه السلام: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" وفي بعض طرق هذا الحديث أنه قال: "اشتريت قلادة فيها خرز وذهب باثنى عشيا دينارًا، ففصلتها فوجدت فيها أكثر
من اثنى عشر دينارًا فقال عليه السلام: "لا يباع حتى يفصل" 1 وظاهر هذا يقتضي المنع من بيع الذهب مع جنس آخر بذهب منفرد، لأنه نهى عن ذلك وعن 2 الإباحة بالتفصيل وقال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" 3. وهذه إشارة إلى الرجوع إلى المساواة قطعًا ويقينًا، ولا يكون ذلك إلا بالميزان.
وأبو حنيفة يشترط في جواز هذا أن يكون الذهب الذي أضيف إليه غيره من الذهب المنفرد عوضًا عن الجنس المضاف إلى الذهب، وتغالى في ذلك حتى يجيز درهمًا في قرطاس بمائة درهم، ويجعل درهمًا من المائة مقابلة الدرهم الذي في القرطاس، والتسعة وتسعون درهمًا في مقابلة القرطاس وعوض عنه.
وقد ذكر عنه في هذا الحديث: أنها لما فصلت وجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا.
فيتعلق أبو حنيفة بهذه الرواية، ويقول: إني مشترط في الجواز أن يكون الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضاف إليه جنس آخر لتحصل المساواة بين الذهبين، ويكون ما زاد من المنفرد عوض الجنس المضاف إلى الذهب حتى يقدّر العقد الواحد كعقدين منفردين.
وها هنا قد ذكر أن الذهب الذي في القلادة أكثر من المنفرد، وإنما يمنع من هذا البيع إلا بشرط كون الذهب المنفرد أكثر من المضاف إليه غيره.
ويجاب عن هذا بأنه عليه السلام أشار إلى علة المنع وقال: الذهب بالذهب وزنًا بوزن، وإذا بيع ذهب منفرد بذهب وسلعة أخرى فإن الذهب المنفرد لم يبع بالذهب وزنًا بوزن، لأنه إنما قابل الذهب المنفرد شيئان يفترقان إلى أن يعلم فيه كل واحد منهما بالنسبة إلى صاحبه.
فإذا احتيج إلى ذلك، ونظر في التقويم، والنص على الذهب المنفرد، فقد يقابل الذهب المنفرد من الذهب المضاف إليه غيره ما هو أكثر أو أقل أو ما يساويه والخروج عن المساواة بين الذهبين أو الجهل في المساواة يمنع من صحة البيع.
وإلى هذا أشار مالك
رضي الله عنه بقوله: قد يترك فضل شيء على غيره لما أخذ عن فضيلته في الأخذ.
وبهذا علل الشافعي أيضًا، وقال: إن كل معاوضة تفتقر للتقويم لا تتحقق فيها المقابلة للمفرد إلا بعد النظر والتقويم، والنظر والتقويم قد يخرج إلى التفاضل، أو يمنع تيقن المساواة، فوجب المنع.
ألا ترى أن من باع شِقصًا بدابة وثوب فإنه لا يدري ما يقابل الشقص من الثوب والدابة إلا بعد التقويم، فإذا قوم ذلك بقي عليه ما يستحق من شفعة أو رجوع بثمن مغيَّب أو ثمن مستحق وهذا يؤكد ما قلناه من الوقوع 1 والتفاضل أو الجهل بالمساواة.
وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأن الحديث ذكر في بعض طرقه أنه وجد في القلادة على حسب ما ذكرنا عنه.
وقد قال الطحاوي إن حديث فضالة بن عبيد فيه اضطراب، وقد روي موقوفًا عليه، فإن صح أن الحديث مَرْفوع، فإنما نهى عن ذلك لئلا يغبن أهل المغنم فيما يبيع لهم.
وقد كشف الغيب وجه الغبن لأنه وجد في القلادة من الذهب أكثر من وزنها.
عندي أنه إنما أشار بوقف هذا الحديث على فضالة بن عبيد بما خرجه مسلم عن عمر 2 أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذنّ إلا مثلًا بمثل، سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل" 3.
ويجيب أصحاب أبي حنيفة عما ذكرناه من طرق الاعتبار، بأن ها هنا العقد لا بدّ من اعتبار أنواع الاقتسام فيه، فاعتبرتم أنتم الاقتسام من ناحية التوزيع والفصل، ليحصل لكم التفاضل من ناحية التقويم بين الذهبين أو الطعامين.
واعتبرنا نحن التقسيم من جهة أخرى، وهو أن العقد إن قصد فيه إلى مقابلة الفرد بالفرد، بأن يجعل صاع التمر قبالة أحد الصاعين، والدينار الذي مع
صاع التمر قبالة الدينار، صحّ التعاوض على هذه الصفة، والجمع إذا قوبل بالجمع قوبل الفرد بالفرد، كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم.
فالمراد مقابلة الفرد بالفرد، وهو أن كل رجل ركب دابته ولبس ثوبه، وإن صرفنا هذا الانقسام إلى مقابلة الجمع بالجمع على التوزيع والشياع، اقتضى ذلك فساد العقد، كما قلتم، وإذا احتمل العقد وجهين جهة صحة وفساد، صرفت عقود المسلمين إلى الوجه الصحيح الذي يتدينون به.
ألا ترى أن من باع سلعة بدنانير ولم بسم سكتها، وفي ذلك العقد سكك مختلفة، لكن العرف تبايعهم بسكة معينة، وبكون البلد لا سكة فيه سوى سكة واحدة، فإن لفظ الدنانير يحمل عليها، وما ذلك إلا لأجل وجوب حمل عقود المسلمين على الوجه الجائز.
وأما وجوب التوزيع والفصل فيمن باع شِقصًا وسبعًا بدابة وثوب، فإنما ذلك لأنه ليس له وجهًا صحة وفساد يجب حمله على أحد الوجهين، وهو وجه الصحة.
فلا مرَجِّحَ يقع بين احتمال واحتم الذي نفس أحد العوضين للشقص.
(ولو فرضنا فيه مقابلة الفرد بالفرد لم يجز فرقًا بين حملنا كون الشقص في مقابلة الثوب حملنا له على أن يكون في مقابلة الدابة لا صحة وفساد ها هنا يتقابلان يقع الترجيح بينهما ولهذا استغنى إلى موافقتهم ها هنا على وجوب التوزيع والقصر) 1.
ولا ينقض هذا علينا بأنا نمنع من بيع دينار بدينارين مع احتمال أن يكون أحد الدينارين مقابل الدينار الفرد، والدينار الثاني هبة، لأن هذا خلاف نص اللفظ لأنهما جعلا الدينارين جميعًا بيعا وعوضا، فصرف أحدهما إلى كونه هبة إبطال عقد المتعاقدين.
وإذا باع دينارًا وصاعًا من تمر بصاعين من تمر، هما جنس التمر، لما صاف 2 إلى الدينار، فإن مقابلة الفرد ها هنا وصرف المعاوضة إلى مقابلة الصالح بالصاع ومقابلة الصالح الآخر بالدينار وليس فيه
إبطال النص الذي تعاقدا عليه.
وكذلك أيضًا إذا نوقض مخالف أبي حنيفة بإيجازهم 1 بيع درهمين جيدين بدرهمين رديئين، مع إمكان العض 2 ها هنا أجابوا عن هذا بأن هذا لا يتصور فيه الفضل من جهة التقويم والعض (2) ولأنه معلوم أن الدرهمين الرديئين دون الدرهمين الجيدين في القيمة، ولكن كل درهم من الجيدين أو الرديئين مثل صاحبة فلا يقع اختلاف ها هنا من جهة التقويم والعصر (2) لتساوي الدرهمين في كل واحد من الجانبين وإنما يقع الاختلاف والتفاضل من ناحية التقويم وإذا 3 اختلف العوضان المقومان، وكانا في حكم الجنسين، ألا ترى أن من باع قمحًا بمثله فاستُحِق بعضه فإنه يرجع فيما باع فصعد أن 4 المستحق بنسبة التجزئة لا بنسبة التقويم.
وكذلك أيضًا يجاب أصحاب أبي حنيفة عن استشهادهم في وجوب حمل العقد على الصحة إذا تقابلت الاحتمالات في العقد، بإن كل سكة يجوز العقد بها، فما تردد هذا العقد إلا من وجوه كلها صحيحة ولكن إنما يحمل العقد على نقد البلد لأجل العرف والعادة التي تقوم مقام النطق والاشتراط.
ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة في كتاب الصرف ونصف به ما تعلق به منه.
فصل
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المزابنة:
والمزابنة يجمعها بيع معلوم بمجهول من جنسه، كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ورطْب كل تمرة بيابسها، أو حَبَّ كالحنطة المبلولة باليابسة، والدقيق بالعجين؛ والحي الذي يراد للحم، كالكبش، باللحم من جنسه، والمشوي 1 (فلا يجوز) (1) والمالح بالطري والسمسم بالشيرج 2. وهذا فيما بعده 3 الربا ومنع 4 مجهول بمجهول من جنسه كصبرة بصبرة أو جزاف بجزاف، وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى.
وأمّا فيما يجوز التفاضل في بعده (3) فإن تحققت الزيادة جاز أو إن لم تتحقق دخله الحَظر.
ويجوز الرطب بالرطب متماثلًا وكذلك البر بالبر 5 وقسمة اللحم والسمن 6 على التحري 7.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله:
هذا فصل قد تكلمنا على أكثر المسائل التي ذكرها القاضي أبو محمَّد في هذا الفصل للقدر الذي قدمنا من أنا توخينا ترتيب المدونة.
ولكنه تكلم ها هنا على المزابنة.
فاعلم أن أصل هذه اللفظة مأخوذة من الدفع، يقال: ناقة زبون، إذا منعت من حِلابها.
وقال معاوية: ربما زبنت، يعني الناقة، فكسرت أنف حالبها.
ويقال للحرب: زبون لأنها تدفع بنيها للموت، ومنه سمي ملائكة العذاب زبانية لأنهم يدفعون الكفرة إلى النار.
ومنه سمي الرجل المغبون زبونًا لأنه كالمدفوع عن وجه الصلاح له في البيع.
وقد ثبّت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - النهي عن المزابنة.
فذكر في الصحيح أنه عليه السلام نهى عن المزابنة.
قال: والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع القمح بالزرع كيلًا 1. وهذا لأجل أن هذه الأجناس إذا بيعَ بمثله كيلًا لم تستحق 2 المساواة إلا مع كَيْلِهِمَا جميعًا، وإذا كان أحدهما جزافًا أو هما جميعًا جزافان أمكن أن يكون بينهما تفاضل.
وقد قدمنا أن تحقق الربا في المنع مثل الشك فيه.
فإذا كان التعاوض بما فيه الربا منع لأجل الشك في الربا، ومنع أيضًا لأجل الغرر والتدافع الذي هو المزابنة، وكل واحد من المتعاقدين يقدّر أنه غبن صاحبه.
وهذا من الغرر والتخاطر.
فإن كان هذا التعاوض مما لا ربا فيه منع أيضًا لأجل التخاطر والغرر، حتى يتبين الفضل في أحد العوضين فيرتفع الخطر والغرر ها هنا عند تبين الفضل يكون أحدهما أكثر من الآخر.
فإذا كان التعاوض بجنسين مختلفين انتقلت الأغراض إلى اختلاف منافع الأعْواض فلم يقع التخاطر.
فإذا كان العوضان من جنس واحد لم ينصرف الغرض إلا إلى القلة والكثرة.
وقد قال في المدونة في آخر كتاب السلم الشاك: كل شيء لا يجوز أن يباع منهما 3 مجهول بمجهول ولا مجهول بمعلوم حتى يتبين الفضل، ولو كان ذلك ترابًا.
وقد عارض بعض الأشياخ هذا الذي وقع ها هنا فقال: إن بيع، ما فيه الربا محرم، يجوز إذا كان مما يكال.
وهذا المنصوص عليه في المذهب، وإنما كان ذلك كذلك لأجل أن الميزان قد يتعذر في كثير من الأماكن فتدعو
الضرورة إلى العدول عنه إلى غيره، وما ذلك إلا بأن يتحرى أن يكون الشيئان يتقابلان في الوزن، وأما المكيال فلا يتعذر وجوده أو وجود ما ينوب 1، ولو أن يكتال 2 أحدهما أو بجفنة فالعدول عن المساواة (لا من يشاهد إلى التحرز غررًا) 3. من غير ضرورة تدعو إليه.
ولكن هذا إنما يجوز في القليل لا الكثير، لأنه لا يضبطه التحري ضبطًا يوثق به.
ويشترط أيضًا في جواز القليل أن يكون المتعاقدان بحيث يتعذر عليهما الميزان حتى يضطر إلى التحري.
لكن ذكر في كتاب السلم من المدونة أنه أجاز السلم في اللحم تحريًا، وقد بينّا هناك معنى هذا التَحري، والسلم إنما يقبض إلى أجل يتأخر عن العقد، ولا يعلم المتعاقدان حينئذٍ هل يتعذر الميزان عند حلول الأجل أم لا، إلا أن يريد إذا أمكن تصوره عند الأجل سومح باشتراط العدول عنه حين العقد، لأجل هذه الضرورة التي تُتَرقَّبُ.
ومن الناس من أبقى هذه المسألة على ظاهرها وقال: لا يجوز الاقتصار على التحري إذا تبايعا ما يجوز فيه الربا، لأنهما لا يتحفّظان في التحري لاعتقادهما أنه لا إثم عليهما 4 في التفاضل.
ولم يتكلم ها هنا إلا على ما يجوز التفاضل فيه، ويتكلم في إباحة التحري فيما يوزن من لحم أو خبز فيما فيه الربا، فلا تعارض بين الجوابين، وهذا ضعيف لأنهما يؤمران بالتحري ها هنا، لئلا يقعا في الغرر الذي نهى عنه بطاعتهما للأمر باجتناب الغرر لإطاعتهما للأمر باجتناب الربا.
ومن الأشياخ من قال: لم يقصد بهذه المسألة التي ذكرها في آخر كتاب السلم الثالث منع بيع مجهول بمجهول إذا تحريا ذلك كما يجب، وإنما يتكلم على بيع الجزاف بالجزاف لم يقصدا فيه إلى تحري المساواة.
وقد ذكرنا أن المزابنة والغرر إنما يتصور بتجانس العوضين، وإذا اختلفا انصرفت الأغراض لاختلاف الأعواض، على حسب ما بيناه، وقد حكموا ببيع المصنوع بالأصل
الذي صنع منه، بأنهما جنسان إذا كان المصنوع لا يمكن أن يعود إلى أصله، كبيع غزل بثوب منسوج، فإن ذلك يجوز، وإن لم يتبين الفضل، إلا أن يكون الثوب من خزّ فلا يباع بخز، لأن ثوب الخز قد ينفش فيرجع خزًا كما كان، وإذا كان المصنوع يعود إلى أصله اعتبر فيه تبين الفضل، وجرت فيه أحكام المزابنة، كبيع طست نحاس، لأنه قد يسبك الطست فيعود نحاسًا كما كان.
وأجاز في المدونة بيع المصنوع بالمصنوع وإن تجانس أصلاهما وأمكن أن يعودا لأصلهما، كطست من نحاس بمنارة من نحاس، ورأى أن المقصود اختلاف الصنائع، وكذلك العُروض المختلفة.
وأجاز في المدونة التفاضل ما بين الفلوس والنحاس، وإن كان النحاس أصلًا للفلوس، ولم يُجْر النحاس مجرى التبر الذي يصنع منه الدنانير، لكون الربا في الدنانير محرمًا باتفاق، والربا في الفلوس غير متفق عليه على ما سنبينه في كتاب الصرف إن شاء الله.
وأما القسمة إذا وقعت بالتحري تجري على ما قلناه، ويتضح هذا فيها إذا قيل: إنها بيع من البيوع.
ويتكلم على هذا في موضعه إن شاء الله، ونذكر الخلاف فيه: هل القسمة بيع من البيوع أو تمييز الحقوق؟ وبالله التوفيق.