شرح التلقينصفحات 1055-1094
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلح

صفحات 1055-1094

بسم الله الرحمن الرحيم صلَّى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كتاب الصلح

قال القاضي أبو محمَّد رضي الله عنه في كتاب الأقضية: والصلح ضربان: معاوضة كالبيع، فحكمه حكم البيع فيما يجوز فيه ويمتنع.
وإسقاط.
ويجوز على الإقرار والإنكار، وافتداء اليمين بشيء يبذله من لزمته جائز، وإن علم المبذول له أنه طالب بغير حق لم يجز له أخذه.

قال الإِمام أبو عبد الله رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة 1 منها أن يقال: 1 - ما الدليل على جواز الصلح على الجملة؟ 2 - وما الدليل على جواز الصلح على الإنكار على الجملة؟ 3 - وما حكم الصلح على العيب مع الإنكار؟ 4 - وما حكم الصلح بين الورثة في التركة؟ 5 - وما حكم أخذ الأشراك في الديون؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:.
الصلح على قسمين: صلح على إقرار، مثل أن يدعي رجل على رجل آخر بدار في يديه، أو يدعي بدين له عليه، فيقر المدعى عليه بصحة دعوى المدعي ثم يتفقان على معاوضة عن هذا الذي ادعاه المدعي، فهذا لا خلاف في جوازه.
وينظر فيما يجوز منه وما لا يجوز مما تقدم في أحكام البيوع الفاسدة والبيوع الصحيحة.
وهو بيع على الحقيقة، وإنما خص بهذه التسمية لكون العوضين في يد أحد الرجلين فالدار المدعى فيها في يد المدعى عليه، والذي يبذله عنها حتى يسلمها له المدعي في يديه أيضًا.
وغالب البياعات مناولة يد ليد أخرى سلعة عن سلعة من الطرفين جميعًا.
والقسم الثاني: الصلح على الإنكار، وهو أن يدعي رجل على رجل في يديه دار أنها له، وينكر ذلك من في يده الدار، أو يدعي بدين عليه فينكر ذلك المدعى عليه.
والأصل في جواز الصلح على الجملة -قبل النظر في هذا التفصيل والتقسيم- الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ 1 ... الآية فتضمنت الحض على الإصلاح والوعد عليه بالأجر العظيم.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا﴾ 2 الآية.
فأمر بالإصلاح في القتال.
وقال تعالى في الفروج أيضًا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ 3

وقال تعالى في الحكمين: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا﴾ 1. وطلب كعب بن مالك من أبي حدرد، في حق له عليه، وارتفعت أصواتهما عند باب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخرج إليهما وقال: ضع الشطر 2. وهذا نوع من الصلح.
وخرج - صلى الله عليه وسلم - لبني عوف ليصلح بينهم 3. وأبين من هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلح جائز بين المسلمين، الأصلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" 4. فأما تحليل الصلح فتبيين أمثلته: كمن صالح على دار ادعاها بخمر أو خنزير، أو غير ذلك مما لا تجوز المعاوضة به.
وأما قوله: أو حرم حلالًا، فمثاله: أن يصالح عن هذا الدار -التي ادعى فيها- على أمة يشترط أن لا يطأها، أو ثوب يشترط أن لا يلبسه أو لا يبيعه، إلى غير ذلك من وجوه التحجير مع ما يدخل في هذا المعنى من تحريم المحلّل ..

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف الناس في الصلح على الإنكار، فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنع منه الشافعي.
ونحن نوضح لك المعنى الذي أدى لهذا الاختلاف بعد أن تقدم لك مقدمة، عليها يعرض النظر في هذه المسألة.
فاعلم: أن إضاعة المال قد تقرر في الشرع المنع منها.
كما تقرر أن حقيقة البيع نقل الملك بعوض.
وأن الملك إنما ينتقل عن مالكه بأحد أمرين: إما عطية، وهو بذله بغير عوض لغرض صحيح، وهو طلب الأجر إن قصد الصدقة، أو المجازاة من الموهوب له بعوض آخر، أو بغرض صحيح ببذل المال له.
أو ينتقل الملك عن معاوضة وهي التي تسمى بيعًا.
والصلح على الإنكار لا يتصور فيه حقيقة الهبة لأنهما لم يقصدا إليها، وإنما قصدا إلى المعاوضة لعوض بعوض.
فإذا امتنعت الهبة ها هنا تقديرًا لأجل

كونهما لم يقصدا إليها، واستحال البيع لكون من ادُعِي عليه في دار فأنكر، وصالح على عبد دفعه، فإن العبد لا يقابل الدار، لكون الدار والعبد جميعًا ملكًا لحائز الدار وباذل العبد، وهو لم يبذل العبد هبة فيجوز ذلك، ولا بذله عن معاوضة عوض بعوض آخر وأعطى فتصح المقابلة التي يتصور فيها حقيقة البيع.
فإذا استحال تصور الهبة والبيع استحال انتقال الملك واستحالة انتقال الملك ها هنا تتضمن استحالة الصلح على الإنكار.
ولكن هذه الاستحالة في تقدير المعاوضة.
والمقابلة إذا كانت من الطرفينا جميعًا واستحالت من جهة كل واحد من المتعاقدين فلا خفاء بامتناع هذا العقد وبطلانه، كمن باع ولده الحر بولد رجل آخر حر.
فإن استحالت من أحد الطرفين دون الآخر فها هنا يقع النظر.
فواضح أن الذي في يده الدار وادُعي عليه فيها فأنكر الدعوى، ثم صالح عليها بعبد دفعه للمدعي، أن هذا من جهة المدعَى عليه في الدار لا يتصور فيه حقيقة البيع والمعاوضة، بأن يكون اشترى مالًا بعبد، ولكنها تتصور من الطرف الآخر، وهو جانب المدعي، والمدعي يعتقد أن الدار ملك له، وأن ملكه نقله عنها بعبد أخذه ممن في يده الدار.
فهل يقدم ها هنا حكم الاستحالة على حكم الجواز، ويصير هذا العقد كالمستحيل من الطرفين فيبطل، أو يغلب حكنم الجواز على حكم الاستحالة فيجوز ذلك، ويصح العقد، كما يصح إذا كان جائزًا من الطرفين جميعًا؟ فمقتضى هذا منع الصلح على الإنكار في حق من غلب جانب الاستحالة على جانب الجواز، وجواز الصلح على الإنكار في حق من غلب جانب الجواز على جانب الاستحالة.
وقد ناقض المغلبون لجانب الجواز على جانب الاستحالة المجيزون للصلح على الإنكار أصحابَ الشافعي المغلبين حكم الاستحالة على حكم الجواز بموافقتهم على أن من شهد على رجل أنه أعتق عبده ثم اشتراه منه، أن الشراء لا يبطل، وأنه يعتق علىْ مشتريه، مع كون هذه المعاوضة تستحيل من جهة المشتري الشاهد بالعتق، وَتَجوز من البائع المنكر للعتق.
فكون هذا العقد لا يبطل ولا يفسخ يدل على أن الأصل تغليب الجواز على الاستحالة.
وهذا يجيب عنه أصحاب الشافعي بأن هذه الموافقة على هذه المسألة ما

صاروا إليها لأجل تغليب الجواز، وهو مقتضى قول المشهود عليه: إني لم أعتق.
فيبقى جَائزًا، ولكن بمقتضى أنه حائز لعبده، والعبد تحت يده، واليد دليل الملك.
وشهادة الشاهد عليه قد أسقطها الشرع واطرحها وأثبت حكم يده، فكان ما أثبته الشرع أوْلى بأن يرجح على ما أسقطه واطّرحه.
ولو شهد رجل آخر أنه أعتق عبده، وشهد المشهود عليه على الشاهد بأنه أعتق عبده، وكل مالك لعبده ينكر العتق، ثم تبايعا أحد العبدين بالآخر، فإنه لا يصح في جانب أحد هذين المتبايعين دعوى الجواز، بل كل واحد منهما يدعي المنع من المعاوضة التي فعلاها، ثم مع هذا تثبت المعاوضة، ثم يؤخذ كل واحد منهما بعد صحة العقد بمقتضى ما زعم من كون العبد لا يصح أن يملك.
فالقضاء، ها هنا، بإمضاء العقد لجهة إسقاط الشرع قول الشاهد، وما أسقطه فهو كالعدم.
وقد اشترط بعض أصحاب مالك أن المشتري الذي شهد بالعتق لا يلزمه العتق إلا إذا تمادى على صدقه فيما شهد بة بعد أن ملك العبد بالشراء.
وقدَّر أن قوله قبل أن يملكه لما اطرحه الشرع فكأنه لم يقله.
وعلى هذا المذهب يتضح هذا التعليل الذي ذكرناه من اعتبار القول الذي رجحه الشرع دون القول الذي اطّرحه.
وقد قال بعض الناس في الاعتذار عن إمضاء هذه المعاوضة، بأن الذي يبذله الشاهد بالعتق إنما هو كالفداء للحر من يد من يسترقه.
وهذا الاعتذار يتصور لو أعتقه المشتري وعلم أنه يعتق عليه وأن شراءه لا ينعقد فيه، فيصير ما بذله كالفداء للحر.
وأما إن لم يكن الأمر كذلك فإنه لا يتحقق فيه معنى الفداء على الحقيقة.
وإطلاق القول بأن جانب الجواز يغلب على جانب الاستحالة من غير ترجيح لا يصح لأنه يقتضي جواز معاملة الذمي بما يجوز في شرعه ولا يجوز في شرعنا تغليبًا لحكم الجواز.
وهذا لم يقله أحد.
وقد ناقض هذه الطريقة وهي ترجيح جانب الجائز بعض أصحاب أبي حنيفة بأن الحائز حجته حوزه ويده.
وقوله في الشرع مستغنى عنه، لأن الحوز يكفيه، وقول المدعي ينبغي أن يحمل على الصدق، لأن المسلم إذا أخبر بخبر

ظن به الصدق، ما لمْ يعارضه خبر آخر، وهو قول المدعى عليه، والمدعي مُبطِل قولي مستغنى عنه طرحه الشرع في كونه حجة له، فلا يعارض به قول المدعي المحمول على الصدق، فيجب أن يرجح جانب المدعي في إجازة الصلح على الإنكار.
وهذا الذي أشار إليه يلاحظ ما قاله أصحاب مالك: إن الحائز إذا أقام بينة على أن ما في يديه ملكه، وأقام المدعى عليه بينة أنه ملكه، فإن بينة المدعي تسمع، لأن بينة المدعَى عليه مستغنى عّنها في الشرع بالحوز، فلا تعارض بينة المدعي الذي طالبه الشرع بها.
وإنما ذكرنا هذا لكونه يلاحظ بعض ما قاله أصحابنا، لا على أنا نعتمد عليه في جواز الصلح على الإنكار.
وقد يستدل أيضًا من منع الصلح على الإنكار وجعله معاوضة عن دفع الشر والأذى بالخصام، فإن ذلك يمنع منبما كما يمنع من أخذ الرشوة على ترك السعاية لرجل مسلم إلى السلطان، أو صرف الأذى عنه، لأن بذل المال، على الكف عما يوجب الشرع أن يكف عنه أو على فعل ما يوجب الشرع فعله، لا يجوز.
فكذلك الصلح على الإنكار هو بذل مال على الكف عن دعوى المدني للباطل والتحصن من ضرره وأذاه.
وهذا ينفصل عنه بأن الصلح على الإنكار معاوضة جائزة في حق المدعي في نفسه، وليست معاوضة في حق المدعى عليه، فآخذ المال يعتقد أنه ما أخذه إلا على وجه جائز، وهو دفع العوض عنه من دار ادعاها أو دين ادعى به.
وآخذ الرشوة يعتقد أنه أخذها على ما لا يحل له فمنع من الأخذ على مقتضى قوله، ولم يمنع في صلح الإنكار؛ لأن الذي أخذه جائز له أخذه على قوله.
وقد احتج على أصحاب الشافعي بأن المعاوضة في الصلح على الإنكار أن يسلم لهم أنها لا تنصرف إلى معاوضة.
مال بمال، فإنها تنصرف إلى شراء يمين ودفع خصام.
ومن المصلحة للإنسان أن يفتدي بماله من ضرر يلحقه.
ولهذا افتدى عثمان وحذيفة بن اليمان مين يمين وجبت عليهما، وما ذلك إلا

لأن المال أعد للمصالح، ومن المصالح للإنسان بذله في أن يدفع عن نفسه ضررًا به.
وقد قال الله تعالى: ﴿صُلْحًا وَالصُّلْحُ﴾ 1 وعموم هذا يقتضي جواز الصلح على الإنكار كإسقاط الحقوق والإبراء منها.
ويجيبون هم عن هذا، بأن الإبراء إذا لم يكن عن معاوضة فهو مما ينفرد به صاحب الحق، ولا يقف جوازه وفعله على اعتبار جانب مَن عليه الحق.
والصلح على الإنكار، وإن قذر كالإبراء والإسقاط، فإنه لم يقع إلا عن معاوضة، والمعاوضة لا تكون إلا من الجانبين جميعًا، وحقيقة المعاوضة تستحيل كما تقدم بيانه، وذكرُ ما قالوا في استحالتها.
وقد نوقض أصحاب الشافعي أيضًا بجواز خلع المرأة زوجها على مال، وما يأخذه الزوج ليس يبذل عنه عوضًا ماليًا ليحصل للمرأة.
وهم يجيبون عن هذا بأن المعاوضة على إسقاط الحق لا يطلق القول بجوازها عمومًا، لكن في مواضع دل عليها الدليل، ومن الحكمة والمصلحة أن يباح للمرأة بذل مال للتخلص ببذله من ضرر الزوج، وهو عشرفه التي تؤدي إلى سقمها وهلاكها، فلهذا جازت المعاوضة فيه على الإسقاط، ولا توجد مثل هذه الضرورة في الصلح على الإنكار.
وهذا ينتقض عليهم تعليلهم فيه بجواز بذل رجل أجنبي لرجل مالًا على أن يخلع زوجته من عصمته، مع كون هذا الباذل للمال لا ضرر يلحقه من بقاء الزوجة في عصمة الزوج، ثم مع هذا أجيز له بذل المال على إسقاط حق، فكذلك يجوز بذل المال للمدعَى عليه على إسقاط الطالب حقه في دعواه عليه.
ومن أهم ما يناقَضون به جواز صلح المتوسط، فإن الشافعي أطلق القول بجواز بذل رجل مالًا ليسقط رجل دعواه في مال على رجل آخر.
وهذه معاوضة على الإسقاط للحقوق، فإذا جازت منْ أجنبي فجوازها من المطلوب بالدعوى أولى.
وأصحاب الشافعي لا يسلمون أن مذهبه جواز صلح المتوسط على

الإطلاق، ولكن يقولون: إن صلحه في دعواه الأعيان لا يجوز، وإنما يجوز في دعواه الديون، بشرط أن يكون هذا المتوسط يقرّ بأن الصدق في جانب المدعي، وأن المدعى عليه أقر عنده سرًا بالحق أو وكله على ما فعل، فتصير المعاوضة من هذا المتوسط كأنها وقعت على بذل مال عوض مال.
ودُفِعوا عن هذا الفرق بين صلح المتوسط وصلح المدعى عليه وهو منكر، بأن المتوسط إقراره لا يتوجه على المدعى عليه، ولا يلزمه منه شيء، فأخذ المال من المتوسط لم يبذل عنه عوضًا ثبت ملكه له ولا وجب استحقاقه له، فوجب أن يمنع من المتوسط كما يمنع من المدعى عليه المنكر للدعوى.
ومما ينبني على النظر في صرف الصلح على الإنكار أن المدعي المعاوضة عن الدعى فيه، أو المعاوضة على إسقاط الطلب باليمين والخصام، وقوع الصلح على الإنكار بشقص من دار.
فقد اختلف هل فيه الشفعة أم لا؟ فقال أصبغ: لا شفعة فيه، لأن البذل في الصلح على الإنكار كالهبة من المدعى عليه للمدعي.
واستدل على هذا بأن الصلح إذا وقع على وجه حرام فإنه لا ينقض.
واستند في هذا أن علي بن أبي طالب رفع إليه صلح على حرام فقال: لولا أنه صلح لنقضته.
والمشهور من المذهب عندنا أن الصلح على الحرام ينتقض قرب زمن الصلح أو بعد.
وإنما الذي لا ينقض إذا بعُد زمن الصلح الصلحُ على مكروه.
واختلف مطرف وابن الماجشون في نقض الصلح على مكروه، إذا نظر بَحدْثان الصلح.
وقد قيل: إن الصلح بشقص من دار فيه الشفعة، وإن وقع الصلح على الإنكار.
ويُستشْفَع الشقصُ بقيمة المدعى فيه.
وأنكر بعض الأشياخ هذا، ورأى أن الأولى الصلح بقيمة الشقص، كما تكون الشفعة بقيمته إذا عقد به نكاح.
ورأى بعضهم أن الشفعة تكون بالأقل من قيمته أو قيمة المدعى فيه.
وسنبسط هذا في كتاب الشفعة إن شاء الله.
وإنما أوردنا ها هنا الخلاف في الشفعة في الصلح على الإنكار، لأنا قدمنا ما قاله النظار في صرف المعاوضة في

الصلح على الإنكار إلى المعاوضة عن نفس المدعى فيه أوجب الشفعة بقيمة المدعى فيه.
وهو أحد القولين.
ومن صرفه إلى الافتداء من اليمين لم يوجب الشفعة على ما سيبسط القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: أمّا صلح المشتري عن عيب يطّلع عليه بالمبيع قبل أن ينفسخ العقد بالرّدّ بالعيب، فإنّه قد ذكر في المدوّنة، فيمن اشترى عبدًا بدنانير، فاطّلع على عيب، فصالحه البائع، على أن لا يقوم به، بشيء دفعه.
وذكر حكم أنواع مِمّا يدفعه البائع في الصّلح عن هذا.
ونحن نبدأ قبل ذكر أحكام هذه الأنواع بالتّنبيه على ما تستند إليه فروع هذه المسألة.
فاعلم: أن أصل ابن القاسم في هذا الأخذ بالأحوط، وصرف الصلح عن هذا العيب الّذي ذكرناه في المدوّنة إلى كونه استئناف مبايعة ثانية، بعد تقدير كون الأولى قد انفسخت.
فيعتبر ما يحلّ ويحرم في هذه المعاملة الثانية.
وتعرض هذا على ما تقدّم في كتاب البيوع، من تحريم ما يوقع في ربا أو بيع وسلف أو فسخ دين في دين.
وأصل أشهب أن هذه المعاملة الثّانية، وهو الصّلح، ليس بفسخ العقد الأوّل تحقيقًا ولا تقديرًا، وإنّما هو معاوضة عن ترك منازعة وإسقاط حقّ في أن لا يقام بعيب.
فيعتبر ما يجوز أخذه عوضًا عن إسقاط هذه المطالبة بالرّدّ، غير ملتفت إلى تقدير كون هذه المعاملة الثّانية استئنافًا لعقد بعد فسخ الأوّل.
وقد كنّا قدّمنا نحن ما يلاحظ هذه الإشارة لما ذكرنا اختلاف فقهاء الأمصار على جواز الصلح على الإنكار، وأن منهم من أحاله ومنع منه لكون المعاوضة إنّما تقع على عين المدّعى فيه، والمعاوضة عنه تستحيل في حقّ المدّعى عليه، فيجب أن يستحيل في حقّ المدّعي.
وأنّ منهم من أجاز الصّلح على الإنكار وغلّب جانب المدّعي في تصوّر المعاوضة منه على جانب المدّعى عليه.
وأنّهم عضدوا ذلك بأنّه قد ينصرف الصّلح إلى إسقاط يمين وجبت على

المدّعى عليه وإسقاط خصام.
وكذلك يصرف أشهب ما يفرعه من هذه المسألة في الصّلح عن العيب إلى كونه معاوضة عن إسقاط حقّ في الرّدّ بالعيب.
ويصرفه ابن القاسم إلى معاوضة مستأنفة عن العبد.
ومِمّا قد يلاحظ أيضًا 1 هذه المسألة اختلاف أهل المذهب في فروع كثيرة بني اختلافهم على النّظر فيمن خيّر بين شيئين، هل يقدّر أنّه مالك لما قدَر أن يختاره أم لا؟ والمشتري لهذا العبد المعيب ملك أن يتمسّك به وملك أن يردّه.
فهل يقدر أنّه مالك لردّه قبل أن يختار ذلك، فيكون الصّلح على ما ملك في هذه العين.
أو لا يكون مالكًا إلاَّ لما اختار وهو التمسّك بالعبد؟ فإذا تقرّر هذا، عدنا إلى مسألة المدوّنة التي مثل بها هذا الأصل.
فنقول: لا يخلو الصلح عن العيب من أن يقع بعد أن دفع المشتري الثّمن للبائع أو قبل أن يدفعه.
وكلّ واحد من هذين القسمين لا يخلو الصلح فيه من أن يكون بعوض معجّل أو بعوض مؤجّل، وقد فات المبيع أو لم يفت.
فإمّا إذا كان هذا العبد اشتراه مشتريه بمائة دينار، مثلًا واطّلع على عيب وقد دفع المائة دينار، فإنّه يجوز أن يصالحه البائع على هذا العبد لئلاّ يردّه عليه بالعيب، بكلّ شيء يدفعه البائع معجّلًا، سوى أن يدفع ذهبًا من غير سكّة الثّمن أو يدفع دراهم كثيرة، فإنّه على أصل ابن القاسم يقدّر كأن المشتري ردّ العبد بالعيب، ووجب له على بائع العبد ارتجاع المائة دينار منه.
فإذا أخذ من البائع عرضًا أو طعامًا، صار ذلك كأنّه دفع عن مائة دينار وجب عليه ردّها، العبدَ وما دفر في الصلح عن العيب من عرض أو طعام.
ومن عليه مائة دينار دَيْنًا لرجل فدفع إليه عنها عبدًا وطعامًا أو عبدًا وعرضًا، لم يمنع ذلك على الإطلاق.
لكن إذا دفع إليه في الصلح دنانير من غير سكّة الدّنانير التّي هي ثمن العبد، صار كأنّه أعطاه العبد وعشرة دنانير من سكّة، عوضًا عن مائة دينار وجب عليه أن يردّها للمشتري، وشراء مائة دينار عليه من سكة بعبد ودنانير لا يجوز، كما تقدّم بيانه في كتاب الصّرف.
وإذا صالحه على دراهم كثيرة هي أكثر من صرف دينار

فدفعها نقدًا، فابن القاسم منع ذلك.
وأشهب أجازه.
فأمّا ابن القاسم فيقدّر كأنه إذا صالحه على مائة درهم، فقد دفع إليه العبد ومائة درهم عوضًا عن المائة دينار التي عليه، فتسعون منها ثمن العبد، والمائة درهم مصارفة عن العشرة الباقية من المائة، واجتماع الصرف والبيع لا يجوز عنده إلاّ فيما قل قدره.
وأمّا أشهب فإنّه أجاز ذلك لكونه لا يمنع من البيع والصرف أن يجتمعا في عقد واحد.
ولو منع ذلك لجاز، على أصله أيضًا، لكونه لم ير الصّلح معاوضة عن الثّمن الذي قبضه البائع، وإنما يقدّره معاوضة عن إسقاط القيام بالعيب، وأخذ دراهم كثيرة معاوضة عن هذا لا يمنع.
ولو صالح البائع على عشرة دنانير من سكة الثّمن يدفعها نقدًا، لجاز ذلك.
ويقدّر أنّه دفع من الثّمن الّذي وجب عليه ردّهُ عشرة دنانير ودفع العبد عوضًا عن التّسعين التي بقيت عليه.
ولو وقع الصّلح ها هنا بعوض مؤجّل، لمنع جميع ذلك على الإطلاق في سائر الأنواع.
فلو فرضنا أنّ البائع صالح على عشرة دنانير يدفعها للمشتري إلى شهر، لكان ذلك ممنوعًا على أصل ابن القاسم، لأنّه يقدر أنّ البائع فاسخ المشتري في المبيع ووجب عليه ردّ المائة دينار بأسرها، وأخذ عبده فقبل منه المشتري تسعين منها معاوضة عن العبد الذي أبقاه المشتري في يده، بشرط أن يؤخّر البائع بالعشرة الباقية إلى أجل.
فيصير هذا بيعًا للعبد بتسعين على أن أسلف المشتري البائعَ العشرة التّي وجبتْ له معجّلة فأخرها إلى أجل، وتأخيرها سلف منه للبائع والبيع والسلف محرّم.
وإذا وقع هذا جرى على أحكام البيع والسلف.
ومقتضى أصل أشهب جواز هذا.
لأنّ العشرة التّي يدفعها البائع إلى شهر ليست معاوضة عن العبيد 1 ولكنّها معاوضة عن إسقاط القيام به، وذلك جائز.

وكذلك لو صالح على دراهم مؤجّلَة، لجاز ذلك على أصل أشهب، لما قلناه، ولم يره صرفًا مستأخرًا.
ويمنع على أصل ابن القاسم لكونه صرفا مستأخرًا، لما قرّرناه صرفًا عن العشرة دنانير التّي ذكرنا.
وكذلك لو وقع الصّلح بعرض أو طعام في ذمّة البائع إلى أجل معلوم، لمنع ذلك عند ابن القاسم، لكونه أخذ عوضًا عن بعض ثمن العبد، فيكون تأخيره في الذّمّة فسخ دين في ذين.
ويجوز على أصل أشهب لكونه معاوضة على إسقاط القيام بالعيب لا ثمن بعض الثّمن الّذي وجب ردّه.
هذا حكم هذه الفروع إذا كان البائع قوإنتقد الثّمن ثمّ صالح على العيب.
وأمّا إذا كان لم يقبض الثّمن، فإنّك أيضًا تعتبر في هذا ما اعتبرناه على أصل ابن القاسم من كون هذا الصّلح مبايعة ثانية، فيسلك فيها هذا المسلك فيما يحلّ ويحرم.
وعلى أصل أشهب يكون ذلك معاوضة عن إسقاط القيام بالعيب.
فتعتبر في ذلك ما تجوز به المعاوضة عن إسقاط هذا الحقّ وما لا يجوز.
فإذا صالحه البائع على عرض مؤجّل، جاز ذلك.
ويقدّر أنّ البائع دفع إليه العبد والعرض في مائة دينار، فذلك جائز.
ولكن يشترط تعجيل الثّمن، لكون المائة دينار التّي يحاول البائع طلب المشتري بها إنّما دفع عنها عوضًا عبدًا معجّلًا وعرضا مؤجّلًا، فصارت المائة دينار بعضها رأس مال سلم، وهو العرض المؤجّل، وبعضها ثمن معجّل والسلم لا يحلّ تأخير رأس المال فيه أيّامًا كثيرة، فلهذا قلنا إنّ هذا الصّلح يجوز بشرط ألاّ يؤخّر المشتري دفع الثمن الّذي عليه أمدًا بعيدًا، فيكون قا، عقد على دين بدين، وذلك لا يجوز.
وإن صالحه البائع على دنانير ينقدها له، لم يجز ذلك، لأنّه قد أعطى عبدًا ودنانير في مائة دينار، يأخذها من المشتري، وبيع عرض وذهب بذهب لا يجوز.
لكن لو زاده دنانير على أن يقاصّه بها من الثّمن، جاز ذلك.
وكأنّه هضم عنه بعض الثّمن لأجل العيب.
ولو صالحه البائع على تسعين دينارًا يأخذها منه وتبقي عشرة إلى أجل،

لانعكس حكم التّفريع على المذهبين.
فيجوز هذا الوجه ها هنا على أصل ابن القاسم؛ لأنه بني التّفريع في هذا على تقدير كون العقد الأوّل قد انحلّ وصار الصّلح مبايعة ثانية، فحصل منه أنّه باع عبدًا بتسعين دينارًا انتقدها، وبعشرة دنانير مؤخّرة.
وهذا لا مانع منه.
ويمنع ذلك على أصل أشهب.
لأنه يرى أنّ العقد الأوّل على حاله، لم ينحلّ، وإنّما الصّلح شراء ردّ بالعيب قد وجب للمشتري، فصار البائع كأنّه وجب له مائة.
دينار بحكم العقد الأول، فأخذ منها تسعين وأخّر عشرة إلى أجل، وجعل التأخير عوضًا عن إسقاط قيام المشتري عليه بالعيب، والتأخير سلف، فصار ذلك سلفًا جرّ منفعة للمسلف، وهو إسقاط القيام عليه بالعيب.
وكذلك لو صالح على تسعين دينارًا أو دراهم يدفعها للمشتري مؤخّرة، أو عرضًا مؤخّرًا، لجاز ذلك على أصل ابن القاسم لما بيّناه.
ومنع على أصل أشهب لكونه يرى هذا الصّلح لم ينحلّ به العقد الأوّل، وإذا كان لم ينحلّ به، فقد صارت العشرة الباقية من المائة التّي هي بعض الثّمن فسخت في عرض إلى أجل أو في دراهم إلى أجل.
لكن لو صالحه على أن يأخذ منه المائة كاملة ويزيده عرضًا إلى أجل 1 دراهم إلى أجل، لعاد المذهبان على ما قدّمناهما في هذا.
ولو كانت الزّيادة من جانب المشتري على أن يستردّ منه البائع العبد، لكان التّفريع على ما قدمناه، ويقدّر المشتري بائعًا للعبد ولما يضيفه إليه من زيادة.
فإن كان نقد الثّمن جاز أن يصالحه.
على ردّ العبد وعبد آخر معه أو عرض آخر، ويكون كبائع سلعتين بمائة دينار ويأخذها من البائع.
ولو صالح على دراهم، لاعتبر أيضًا كونها أقلّ من صرف دينار فيجوز، أو أكثر من صرف دينار فيمنع عند ابن القاسم لأنّ المشتري يكون قد باع العبد ودراهم معه بالمائة دينار التّي يستردّها من البائع وذلك بيع وصرف.
ولو زاد المشتري دنانير، لم يجز ذلك، لأنه يكون قد باع عبدًا ودنانير بدنانير يأخذها من البائع.

ولو كان الثّمن لم ينقده المشتري فصالح على دنانير يدفعها للبائع، لجاز ذلك.
ويكون قد دفع العبد عن بعض الثمن، والدّنانير التي دفعها هي بقيّة المائة التّي كانت عليه.
ولو صالح على عرض مؤجّل، لمنع ذلك، لأنّ المشتري يكون قد دفع ذلك في بعض الثّمن، وبقيّة الثّمن فسخه البائع في عرض إلى أجل، وفسخ الدّين في الدّين لا يجوز.
هذا حكم فروع هذا النّوع من الصّلح على العيب.
وقد ذكر أصبغ فروع هذا الباب ثمّ أتبعها بأن قال: وهذا في عيب ثابت لا خصومة فيه ولا يمترى هل يلزم الرّدّ به أم لا؟ وأمّا لو كان مِمّا فيه امتراء، لكان ذلك كالصّلح عن العبد وهو قائم، فيجري فيما يحلّ منه.
ويجري مجرى الصّلح عن مبيع قائم.
واستبعد الشّيخ أبو إسحاق هذا القول ورأى أنّه إذا قدّر الصّلح كمبايعة ثانية، لم يلتفت إلى العيب، هل هو مِمّا يتمارى فيه أو لا يتمارى؟ ونبّهنا نحن ها هنا على اختلاف طريقة ابن القاسم وأشهب في هذه الفروع، واحد ما ذكرناه من التفريع كون البائع يصالح على تسعين دينارًا ويؤخر عشرة إلى أجل.
وقلنا: إن ابن القاسم أصله إجازة هذا لكونه يرى الصّلح مستأنف.
وأصل أشهب منعه لكون العقد الأوّل لم ينحل فيكون هذا كسلف جرّ منفعة.
فيمكن أيضًا أن يقال: فإن ابن القاسم إنّما يصح على أصله هذا التّفريع إذا كان العيب ثابتًا.
وأمّا إذا لم يثبت فيحتاط للمنع من سلف جرّ منفعة.
ويقدّر أنّ العقد الأوّل لم ينحلّ، لكون العيب لم يثبت.
إلى غير ذلك من الفروع التي يمكن إجراء قول أصبغ فيها.
فإذا تقرّر أحكام الصّلح على العيب والمبيع لم يفت بل يجب ردّه إذا ثبت العيب، فإن العبد لو مات لكان الحكم فيه ردّ قيمة العيب إذا طلب ذلك المشتري وثبت العيب.
فلو تصالحا أيضًا على هذا العيب بعد ذوات العبد، فإنّ الأصل فيه أن ينظر إلى القيمة الواجبة في عيب العبد، فيجعل ما يدفعه البائع

عوضًا عن ذلك.
فإن سلمت المعاوضة من الفساد أجزتها، وإن لم تسلم منه فمن وجوه الفساد فيها الصّلح عن هذا العيب قبل أن تعرف قيمته.
فقد منع في المدوّنة أن يصالح على ذلك إلاّ بعد المعرفة بقيمة العيب، على مقتضى ظاهر كلامه، وساوى بين كون الصّلح يقع في هذا بدنانير أو دراهم أو عروض.
وذكر أصبغ أنّ بعض أهل العلم أجاز ذلك قبل المعرفة بقيمة العيب.
وفي الموّازيّة جواز الصّلح عن ذلك بدراهم وإن لم يعرف قيمة العيب والثمن دنانير.
ومقتضى هذا، فيما أشار إليه بعض الأشياخ، جواز ذلك في جميع الأنواع التّي يصالح بها على الجملة، كما حكاه أصبغ عن بعض أهل العلم.
وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ الصّلح عن هذا العيب على دنانير من سكة الثّمن ينبغي ألّا يمنع إذا علم على الجملة أنّه دون ما يجب للمشتري من قيمة العيب أو أكثر.
وإنّما يمنع إذا شكّ في مقدار ما وقع به الصّلح، هل هو مقدار الواجب، أو تحاكما 1 في قيمة العيب، أم لا؟ وقد قال أصبغ: لو كان المشتري لم ينقد الثّمن ومات العبد، فإنّه يجوز التّراضي على حطيطة بعض الثّمن بحسب ما يتّفقان عليه قبل أن يعرفا قيمة العيب.
وهذا لا يتّضح فرق بينه وبين المنع كذلك إذا انتقد.
لأن الأمر في كلا الوجهين يقتضي أخذ معلوم عن مجهول.
لكن يمكن أن يكون أصبغ أشار إلى كون هذا الّذي يطرح من الثّمن يعلم على الجملة أنّه أكثر من قيمة العيب أو أقلّ، فيكون النّقص البيّن والزّيادة البثنة هبة لا معاوضة عن أمر مجهول مقداره.
وكذلك لو كان الصّلح على دراهم، إذا قلنا: إن الدّراهم والدّنانير مِمّا تختلف الأغراض فيهما كما تختلف الأغراض بين الدّنانير والعروض.

ولو وقع الصّلح ها هنا على عرض يُنقد بعد المعرفة بقيمة العيب، لجاز ذلك.
ولو كان يؤجّل، لمنع ذلك، لكونه فسخ دين، وهو قيمة العيب التّي هي دنانير، في عرض إلى أجل.
وكذلك لو وقع الصّلح على دنانير مؤخّرة، لمنع من ذلك أيضًا إذا كانت أكثر من قيمة العيب.
لأنّه يكون المشتري إنّما أخّر البائع بما يجب له أن يستردّ منه من قيمة العيب لأجل ما زاده على القيمة، وهذا سلف بزيادة.
وقد أشار بعض المتأخّرين إلى إلزام من قال بجواز الصّلح عن العيب، وقد فات العبد قبل المعرفة بقيمة العيب، أن يجيز هذا لكونه يرى أنّ ما أخذه إنّما هو عوض عن الجزء الذي بقي عند البائع.
فكأنّها معاوضة عن عين ذلك الجزء قبل المعرفة بقيمته، وذلك لا يمنع، كما لا يمنع شراء العبد قبل المعرفة بقيمته.
وهذا أمر لا يفيد، لأنّ المحصول في هذا أنّ الجزء الّذي بقي عند البائع قد أخذ عوضه، وحقُّه ألاّ يأخذه، فوجب للمشتري أن يستردّه منه.
ولا يمكن أن يقال: إنّه يشتريه الآن منه بعد أن فات العبد، فلا يتصوّر ها هنا ما تخيّله هذا من كون ما يؤخذ ها هنا من العروض إنّما هو بيع للجزء الّذي بقي عند البائع.
لكن قد يقال: إنّ من أجاز الصّلح، قبل المعرفة بقيمة العيب، يرى أنّ قيمة العيب أمر لم يدخلا عليه.
والشّرع ردّهما إليه مع كونه مجهولًا، وهي جهالة لا يقدران على رفعها حين ابتداء الطّلب، فسومح بالمعاوضة عنها، مع كوز الصّلح في هذا لا يقع إلاّ على ما هو أقلّ من القيمة بالمقدار البيّن.
وقد ذكر في المدوّنة من فروع هذا الباب مسألة من باع طوقًا ذهبًا بألف درهم، ثمّ اطّلع على عيب، فصالح البائعَ عن العيب على ألاّ يردّ الطوق عليه، فإنّه إن صالح على دراهم يأخذها عن البائع من سكّة الثّمن جاز ذلك، ويقدّر لمّا ردّ بعض الثّمن أنّ المبيع وقع بما بقي من الثّمن، لم يردّ.
ولو صالح على دراهم من غير سكّة التقن لمنع ذلك، لكؤنه يقدّر فيه أنّ البائع باع طوق ذهب

ودراهم من سكة بألف درهم من سكة أخرى، وبيع ذهب وففمة بفضة لا يجوز.
وآجاز هذا أشهب.
واعتل بأن الصّلح على أن لا يردّ الطوف بالعيب على حسب ما قدّمنا بيانه من مذهبه والتّفريع عليه.
ولو صالح البائع على دنانير، لجاز ذلك.
ويقدّر أن البائع باع طرف ذهب ودنانير بألف درهم، وذلك غير ممنوع.
وأنكر سحنون هذا وقال: مسألة سوء.
ومنع الصلح على الجملة، ورأى أنّ بائع الطوق وإن دفع الآن دنانير، فإنّه كصرف تأخر بعضه.
وذلك أنّه دفع الطوق بالأمس مثلًا، ودفع اليوم دنانير، وأخذ بالأمس عنهما جميعًا ألف درهم.
وتأخير بعض الصّرف لا يجوز.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى هذا الاعتراض فيما قدّمناه من قولنا، في مسألة العبد إذا اطلع المشتري على عيب وقد اشتراه بمائة دينار فصالح البائع على دراهم يسيرة، فإنّ ذلك جائز، ولا يقدّر فيه أن المائة دينار ثمن لعبد قبض بالأمس ودراهم قبضت الآن.
فصار أيضًا كمصارفة تأخّر بعضها.
وقد كنّا قدّمنا في كتاب الصرف في الدّينار إذا وجد زائفًا فصالح دافعه آخذه بشيء دفعه إليه على ألا ينقض الصرف فيه.
وذكرنا أن أحد القولين المنع من ذلك، لأن إجازته تقتضي تأخير بعض ما وقع الصّرف عليه.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى تخريج هذه المسألة على هذا.
وإليه أشار سحنون أيضًا.
لكنّ الشّيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، رضي الله عنه، أشار إلى افتراق المسألتين بأنّ الطوق يراد لعينه، والصّرف فيه منعقد لم يبطل بردّه ولا تأخّر بعض الصّرف.
وأمّا مسألة الدّينار الزائف، فإنّ الصّرف لم يقع على دينار بحينه، وإنّما وقع على دينار طيب.
والدّينار الطيّب الذي عقد الصرف عليه لم يقبض، بل تأخّر قبضه عن العقد، فأخذ الدّينار الرديء وزيادة معه عوضًا عنه تأخير المصارفة، وذلك ممنوع.
وقد كنّا نحن بسطنا القول في هذا في كتاب الصّرف، وذكرنا طريقة بعض

أشياخي في التّفرقة في مسألة الزّائف بين أن يكون الصرف عقد على دنانير معيّنة أو غير معيّنة.
وإنّما حذا في هذا حذو الشّيخ أبي محمّد بن أبي زيد في هذه المسألة.
وأشرنا نحن إلى ما عندنا في ذلك هناك.
وأشرنا إلى أنّ أصل أشهب الإضراب عن الالتفات إلى هذه الطّرق، وأنّه يرى أنّ الصّلح في هذا على الإنكار ومعاوضة على ألاّ يردّ بالعيب.
ولهذا نصّ ها هنا في مسألة الطّوق على جواز الصّلح بسكّة غير سكة الدّراهم.
وابن القاسم يجيز ذلك إذا كان بسكة الدّراهم الّتي هي الثّمن، ويمنع إذا كان بخلاف السكّة.
وسحنون يمنع ذلك في الوجهين، لما أشرنا إليه من كونه يرى ذلك يجري مجرى تأخير بعض الصرف.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إذا صالح بعض الأشراك في أنواع المال بقيّة أشراكه على أخذ نصيبه من أحد أنواع الأموال المشتركة، فإنّه قد ذكر في المدوّنة، في مثال هذا، مسألة من توفّى عن زوجة وأولاد، وترك دنانير ودراهم حاضرة، وعروضًا حاضرة وغائبة، وعقارًا.
فإنّ المرأة إذا صالحت على أخذ مقدار نصيبها من الدّنانير خاصة فإنّ ذلك جائز إذا أخذت ذلك من عين الدّنانير التّي تركها الميّت.
وإن صالحت على أخذ مقدار نصيبها من الدّنانير، ولكنّها لم تأخذ ذلك من عين الدّنانير التّي تركها الميّت، وإنّما أعطاها ذلك الورثة من أموالهم، فإنّ ذلك لا يجوز.
هذا مذهب ابن القاسم.
وأجاز ذلك أشهب.
وقد استبعد المتأخّرون من الأشياخ هذا الذي قاله أشهب ورواه أنّه يهدم أصولًا اتّفق عليها مالك وأصحابه، وغيرهم من الشافعية والحنفيّة.
فمن ذلك جواز بيع دينار بدينارين، وهذا لم يقل به أحد من فقهاء الأمصار.
وكذلك ألزموهُ أن يجيز بيع عرض وذهب بذهب.
وهذا يمنع منه مالك والشافعي.
وصوّروا هذا الإلزام من جهة كون المرأة إذا أخذت عشرة دنانير من ثمانين دينارًا من نفس الثّمانين دينارا كانت واهبة لنصيبها في بقيّة أنواع الأموال،

وهو الثّمن من جميع ما عدا الدّنانير، والهبة مِمّا يجوز لها أن تفعله.
فإذا أخذت العشرة دنانير من مال الورثة، صارت قد أخذت من مالهم عشرة دنانير عوضًا عن العشرة التي تستحقّها من عين الثّمانين دينارًا، التّي ترك الميّت، وعوضًا مِمّا تستحقّه من ثمن الدّراهم والعروض والرّباع.
وذلك بيع ذهب بذهب وعروض معه، وذلك تفاضل بين الذّهبين لأجل ما أضيف إلى أحدهما.
فإذا أجاز أشهب هذا مع ما فيه من التّفاضل، لكونه يقدّر ما زاد على ما باعته من مقدار حقّها من عين الدّراهم التّي تركها المتت هبة للورثة فيلزمه على هذا أن يجيز دينارًا بدينارين، ويقدّر أحد الدّينارين هبة منه.
وكذلك يقدّر ذلك في بيع عرض وذهب بذهب، لا سيما وقد فتح أشهب باب هذا الالتزام لمّا حاجّ المخزوميّ لمّا أجاز بيع عبد بعبدين، أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل، فألزمه أشهب أن يجيز دينارًا بدينارين أحدهما نقد والآخر إلى أجل.
وهذا الّذي ألزمه أشهب تعسّف فية على المخزوميّ عندي، لأجل أنّ الدّنانير لا يحلّ التّفاضل فيها بنصّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك في الأحاديث الثّابتة، والرّبا في العروض والعبيد يجيزه بعض فقهاء الأمصار، ولو كان في النّساء والتأخير فشتّان ما بين الأمرين.
كما أنّ الأشياخ أيضًا تعسّفوا في إلزام أشهب ما ألزموه، لأجل أنّ مبايعة دينار بدينارين أو عرض وذهب بذهب ابتداءً لا ينصرف إلاَّ إلى المبايعة والمعاوضة التّي مبناها على المكايسة.
وفي مسألة المرأة قد ينصرف ما فعلوه إلى القصد إلى التخلّص منها بالإسراع بدفع حظّها إليها من مالهم، لكون ذلك أخفّ وأيسر عليها وعليهم.
وأمّا إذا صالحت على أحد عشر دينارًا من عين الذنانير التي ترك الميّت، فإنّ ذلك يقدّر فيه أنّ الدّينار الزّائد علي العشرة دفع عوضًا عن دراهم وعروض.
فيجوز ذلك على المشهور من مذاهب من منع اجتماع الصرف والبيع، لكون هذه المصارفة وقعت مع المبايعة في دينار واحد، وذلك مستخفّ

ليسارته.
وإن كان قد وقع في الموّازيّة منع ذلك، إلاَّ أن يكون نصيبها من الدّراهم الدّرهمين والثلاثة، بناء منه على أن.
الصرف والبيع في الدّينار إنّما يجوز إذا كان الصّرف منه هو القليل، على حسب ما بيناه في كتاب الصّرف.
أمّا إن صالحت على أكثر من أحد عشر دينارًا, فإنه يتّضح في هذا أنَّه بيع وصرف.
فيجيزه من أجاز البيع والصرف ويمنعه من منع ذلك.
وإذا أجزنا اجتماع البيع والصّرف، أو صوّرنا كون هذه التّركة لا دراهم فيها حتّى يرتفع حكم اجتماع البيع والصّرف، فإنّ هذه المصالحة جائزة على الإطلاق عند ابن القاسم إذا لم يكن في التّركة دراهم.
واشترط ابن الموّاز في جواز ذلك أن تكون المرأة أخذت جميع الدّنانير المتروكة ولم يبق منها بقيّة.
وقدر أنّها إذا أبقت منها بقيّة، مثل أن تكون أخذت من الثّمانين عشرين دينارًا، فإنّها إنما تستحقّ من العشرين التّي أخذتها الثّمُن من كلّ دينار، وسبعة أثمان كل دينار إلى الورثة.
فاشترت هذه السبعة أثمان منهم بما بقي لها في الستّين دينارًا وهو الثُّمُن من كل دينار، والثُّمُن من العروض.
فصار محصول هذه المعاوضة بيعها ذهبًا وعرضا بذهب وذلك ممنوع.
وابن القاسم لم يشترط هذا لكونه يرى أنّ العشرين التّي أخذت من عين الثّمانين دينارًا عشرة منها هي نصيبها، والعشرة الأخرى هي تمام العشرين باعت سهامها في العروض، وذلك لا مانع يمنع منه.
كما لا يمنع أن تأخذ عشرة دنانير من عين الدّنانير، وتترك ما سوى ذلك.
وقد نوقض ابن الموّاز بموافقته في ظاهر كلامه على جواز أخذها عشرة دنانير من عين الثّمانين دينارًا، مع كون ما صوّره في العشرين يتصوّر ها هنا، بأن يقال: إنّما تستحقّ من كلّ دينار من العشرة دنانير ثُمُنه وسبعة أثمان كلّ دينار من العشرة للورثة.
فاشترت منهم هذه السبعة أثمان بما سلّمت لهم أيضًا من الثُّمُن الذي يبقى في بقتة الدّنانير، والثّمن في العروض.
وهذا عندي قول لا يلزمه.
لأنّ من له شرك في دنانير كثيرة الحكم أن تجمع الأجزاء التّي استحقّها من كلّ دينار في دنانير معدودة تميّز له.
فإذا أخذت المرأة عشرة دنانير، فقد

جرى الأمر على الأصل في الحكم بجمع الثُّمن 1 من كلّ دينار من الثّمانين دينارًا في عشرة دنانير.
فإذا انضاف إلى ذلك مبايعة بالعشرة الثّانية، حسن ها هنا أن نسحب على الكلّ أحكام المبايعة تغليبًا لما لا يجوز على ما يجوز.
كما يغلب ذلك في صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، فإنّا نفسخ جميعًا.
فإذا لم تأخذ إلاّ عشرة، لم يقع منهم ولا منها ما يدل على قصد البايعة، فوجب ألاّ يمنع من ذلك، لا سيما إذا قلنا بأنّ الأصل جمع الأجزاء في دينار واحد، كما قلنا، في المشهور من المذهب، فيمن وجد درهمًا زائفأوقد صرفْ دنانير، فإته إنّما ينتقض صرف دينار واحد.
لأنّه، وإن كان هذا الدّرهم يقابله جزء من.
كلّ دينار، فإنّ هذه الأجزاء تجمع في دينار واحد، فيقع الفسخ فيه.
ولهذا لم يشترط ابن القاسم ما اشترطه ابن الموّاز.
ولعلّ ابن الموّاز لحظ، فيما قال، أحد القولين في أنّ الصّرف كلّه ينتقض بناء على أنّ أجزاء الدّنانير لا تجمع في دينار واحد، لا سيما إذا قلنا: إنّ القسمة تمييز حقّ، فإنّ المرأة إذا أخذت عشرة دنانير من عين الثّمانين دينارًا فإنّها لم يقع منها مبايعة أصلًا على حال على هذه الطريقة من كون التسْميَة 2 تمييز حقّ.
وعلى الطّريقة الأخرى أنّها بيع من البيوع قد ينظر فيما نوقض به ابن الموّاز على أنّ ما زاد على العشرة دنانير مبايعة قد اتّفق على كونها معاوضة، والعشرة دنانير مختلف فيها، هل هي تمييز حق أو مبايعة.
وما اختلف فيه أضعف ها هنا مِمّا اتّفق عليه.
ولو كان في التّركة شيء غائب فصالحها الورثة على دنانير يدفعونها إليها من مالهم، فإنّ ذلك لا يجوز، من أجل كون ما بيع مع الدّراهم والدّنانير لا يجوز فيه التأخير.
وأمّا إن وقع الصّلح على عرض، فإنّ الحكم في ذلك يؤخذ مِمّا قدّمناه في أحكام بيع الغائب.
فينظر في الّذي غاب، فإن كان قريب الغيبة بحيث يجوز

اشتراط النّقد فيه، ويكون ضمانه من مشتريه، فإنّه يحكم فيه بحكم التّركة كلّها حاضرة.
وأمّا إن كان بعيد الغيبة، والغائب من التّركة هو أكثرها، فإنّ هذا العرض الّذي وقع به الصّلح يوقف جميعه حتّى يصير الغائب في حكم المقبوض.
فأمّا وقف ما قابل الغائب منه، فإنّ ذلك يتّضح، لكون الغائب البعيد الغيبة لا يجوز شرط النّقد فيه، على ما تقدّم بيانه في كتاب بيع الغائب، وأمّا ما ينوب من التركة فإنّه يمنع أيضًا من اشتراط نقده لجواز أن يهلك ما غاب من التّركة، وهو جلّها، فيقتضي ذلك حل العقد في الأقل، لكون استحقاق جل الصفقة يمنع من إلزام المشتري أقلّها.
وأمّا إن كان ما غاب من التّركة هو الأقلّ منها، فإنّ الذي ينوب الحاضر منها من العروض الّذي دفع للمرأة يستحقّ قبضه.
ويختلف فيما ينوب من هذا العرض الأقلّ الّذي غاب من التركة.
فمن ذهب إلى أنّه إذا استحقّ الأقلّ من الصّفقة، لم يرجع في عين العرض الّذي اشترته به، وإنّما يرجع في قيمته، جاز نقد جميع العرض، ولم يصحّ ها هنا اشتراط وقف هذا المقدار من العرض الذي يقابل الأقلّ الّذي غاب، لأن العرض المعيّن إذا عُقِد البيع به، وتسليمه لمشتريه يجوز ولا يمنع منه الشرع، فإن اشتراط إيقافه أجلًا بعيدًا لا يجوز.
وإنما يصحّ البيع للسلع الغائبة بعروض حاضرة يجب وقفها, لأجل أنّ المتعاقدين لا يجوز لهما اشتراط النّقد، فصار كالمغلوبين شرعًا على التأجيل فيه.
ولو كان في التّركة ديون ومن عليه الدّيون حاضر مقرّ، فإنّه يجوز للورثة أن يدفعوا للمرأة قدر ميراثها من الدّيون، سلفًا منهم لها, ليرجعوا بذلك عليها إذا تعذّر عليهم القبض من الغرماء.
وأقا إن دفعوا ذلك إليها على جهة الحوَالة منها لهم، فإن ابن القاسم يمنع من ذلك، لكونه يرى الحوالة بيعًا، فيحصل من ذلك بيع دين بدين.
وأشهب وسحنون يجيزان الحوَالة في هذا إذا لم يقصد دافع/الدّنانير منفعة نفسه.
ولو كانت الدّيون طعامًا من قرض أو من بيع، لجرى الأمر فيها مجرى ما ذكرناه من الدّيون إذا كانت دنانير.

وأمّا لو كانت الدّيون طعامًا من سلم، لم يجز للورثة فيه دفع شيء من الأعواض عنه إلاّ أن يكون ذلك على جهة التّولية.
وهذا كلّه تعرف أحكامه من مواضعه التّي سلف ذكرها؟ فيما تقدّم من كتاب البيوع.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: ذكر في المدوّنة فيمن ادّعى على رجل بمائة درهم فأنكرها المدّعى عليه، ثمّ صالح المدّعي على خمسين درهمًا منها إلى أجل، أنّ ذلك جائز.
وفي الموّازيّة أنّ ذلك لا يجوز.
وقد اشترط مالك في المدوّنة في جواز هذا التأجيل كون المدعى عليه مقزًا.
وهذا قد يشير إلى أنّه يمنعه إذا كان منكرًا.
وسبب هذا الاختلاف ما كنّا قدّمناه في صدر هذا الكتاب من الالتفات إلى مقتضى الصّلح على قول المدّعي والمدّعى عليه.
وقد علم أنّ الصّلح إذا كان لا فساد فيه على قول المدّعي والمدّعى عليه، فإنّه لا وجه للمنع منه.
وهذا يتصوّر في الصّلح على الإقرار وفي بعض مسائل الصّلح على الإنكار.
وإن كان لا يجوز على مقتضى قول المدّعي والمدّعى عليه، فإنّهما يمنعان منه، وإن وقع ذلك، فسخ عليهما.
مثل أن يدّعي رجل أن له عنده عشرة أرادب قمحًا سلمًا.
ويقول الآخر: بل هي تمر.
فيصطلحان على عشرة أرادب من شعير أو فول مؤجّلة، فإنّ ذلك صلح فاسد على قول المدعي أنه أسلف في قمح، لكونه باع طعامًا قبل قبضه وفسخ دينًا في دين، وهو أيضًا فاسد على قول المدّعى عليه؛ لأنّه أعطى في تمر حالّ عليه شعيرًا إلى أجل.
فقد فسخ الدين في الدّين أيضًا.
فهذا لا يجوز ويفسخ عليهما.
ولا يسلّم فيه كون أصبغ يجيزه لمّا قال: إنّ الصّلح على الحرام لا يفسخ، كما تقدّم ذكرنا ذلك عنه وذكر ما احتجّ به.
لأنّه قد يريد صلحًا حرامًا على

مقتضى قول أحد الخصمين.
مثل أن يدّعي بعشرة أرادب قمحًا فينكرها، ثمّ يصالحه على عروض إلى أجل، فإنّ ذلك على قول المدّعى عليه لا حرج فيه، لأنّه يزعم أنّ دعوى المدّعي باطلة، وإنّما التزم عروضًا إلى أجل وقاية من شرّ المدعي وطلبه له بطلب اليمين.
وذلك على قول المدعي لا يجوز، لأنّه يعتقد أنّ الّذي له في ذمّة المدّعى عليه دراهم أو طعامًا ففسخه في عرض أو في طعام إلى أجل.
فها هنا يمكن أن يقول أصبغ: إن هذا لا يفسخ لكونه لا حرج فيه على المدّعى عليه.
ورأى بعض الأشياخ إصلاح هذا الفساد بعد إمضاء الصّلح، بأن يأمر ببيع العروض إذا قبضت لمّا حل أجلها، فإذا صارت ثمنًا اشترى من ذلك الثّمن ما ادّعاه المدعي، فإن قصر عنه كان جائحة عليه، وإن أربى على ما ادعاه ردّ ما فضل من الثمن للمدّعى عليه، لكون المدعي يقرّ أنّه قد وصل إليه جميع ما ادّعاه فلا حقّ له في الفضلة.
وهذا الّذي قاله احتياط لحق الله، سبحانه، في المنع من الوقوع في الحرام الّذي نهى عنه، مع التلطّف في وصول المخلوق إلى حقّه.
وهذا لم يشترطه أصبغ في إمضاء الصّلح على الحرام.
ولعقه منعه من سلوك هذه الطريقة أنّ فيها ظلمًا على المدّعي.
لأنّه يقول: مقتضى هذا الرّأي أن يحال بيني وبين هذه العروض قبل أجلها, لكونكم شرطتم تأخيرها إلى الأجل لتباع، وأنا لم أرض بإسقاط اليمين إلاَّ على تملك هذا الّذي صالحته عليه تملّكًا لا حجر فيه عليّ، ولا يلزمني ركوب المشقّة في بيعه واقتضاء ثمنه.
فإن روعي حقّ الله، سبحانه، فينبغي أن يراعَى حقي في ألاّ ألتزم خلاف ما دخلت عليه.
فيقتضي هذا فسخ هذا الصّلح بهما قاله بعض أصحاب مالك.
فإذا تقزرت هذه الأقسام، فالمسألة التّي ذكرناها عن المدوّنة وجّه الأشياخ مذهب من منع من الصّلح على تأجيل بعض الدّراهم المدّعى فيها لكون ذلك يقتضي سلفًا جرّ منفعة.
ووجه المنفعة في هذا كون المدّعى عليه قد يحلف فيبرأ، وقد يردّ اليمين على المدّعي، فيكره اليمين، فيُسقِط ما كره من ذلك بتأجيل ما يقول: إنّه دين حال.
ويصير التأجيل سلفًا منه.
والمنفعة الّتي

ينالها من هذا السلف ألاّ يردّ المدّعى عليه اليمين.
وكذلك لو قام للمدّعي شاهد، فصالح على إسقاط اليمين فيه بالتأجيل، فإن ذلك لا يجوز على هذا التّعليل.
والمنفعة ها هنا في إسقاط يمين وجبت عليه أوْضح منها فيما يترقّبه من ردّ يمين عليه.
وكلاهما ممنوع على هذا المذهب.
وأمّا القول الآخر بإجازة هذا التأجيل، فإنّه يرى أنّ اليمين ليست بمال، وإنّما هي تعبّد من الله سبحانه والمطلوب بها يعتقد أنّه مظلوم، والطّالب يقول: إنّي غلبت على تأجيل بعض حقّي.
فلا وجه.
للمنع، ولو صالح عن هذه الدّراهم المدّعى فيها بعروض إلى أجل، لاتّضح الفساد على قول المدّعي، لكونه فسخ دينًا في دين على مقتضى دعواه، فلا يحلّ له ذلك.
بخلاف تحصيل إسقاط يمين عنه، يعتقد أنّه مظلوم فيها إن طلب بها.
وقد وقر لابن القاسم فيمن ادّعى على رجل بمائة درهم فأنكرها، ثمّ قال المدّعى عليه للمدّعي: أجلني بخمسين منها وأنا أقرّ لك بدينك: إن ذلك لا يجوز.
ولكنّه إن وقع لم يطلب المدّعى عليه بهذا الإقرار، لكونه يشترط من التزامه التأجيل بالخمسين درهمًا.
فإذا لم يصحّ له التأجيل، بطل عنه الإقرار وعاد إلى الخصام.
وهذه إشارة إلى ما قلّمناه الآن في القدح فيما قاله بعض الأشياخ من بيع ما وقع الصلح عليه على وجه فاسد.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا كان شريكان في دين على إنسان، فاقتضى أحدهما جميع حقّه من الدّين، أو بعضه، أو صالح عليه، فإنّ ذلك لا يخلو من أن يكون وقع ذلك منه بإذن شريكه ورضاء من أباح له أن ينفرد له بذلك دونه، أو وقع ذلك بغير رضي شريكه ولا إذنه.
وهذا أيضًا عَلى قسمين: أحدهما أن يكون ذلك بعد أن أذن له القاضي لمّا رفع ذلك إليه، وأعذر إلى شريكه في الاقتضاء معه، فامتنع عليه، أو اقتصر هذا المقتضى لحقّه على إعلام شريكه والإشهاد عليه بذلك، فلم

يخرج معه للاقتضاء.
فأمّا إذا كان أعلم شريكه بذلك وأذن له في الاقتضاء دونه ورضي له بأن ينفرد بما اقتضاه من حقّه، فإنّ ذلك يمنع هذا الشّريك الّذي لم يقتض من الدّخول على شريكه فيما اقتضاه ومشاركته فيه، ولو افتقر الغريم أو فلس.
لأنّ ذلك إذا كان عن إذن الشّريك كالمقاسمة بين هذين الشّريكين.
والحقّ الشّائع إذا تقاسم فيه الشّريكان وتميّز لكل واحد منهما نصيبه، [تصرّف فيه كيف شاء، ولم] 1 يكن لشريكه حقّ في التّحجير عليه، أو مشاركته في التصرّف.
فكذلك الدّين ها هنا إذا أذن الشّريك لشريكه في الاقتضاء دونه، يقدر ذلك كأنّ ذمّة الغريم كانت شائعة بينهما، فليس لأحدهما أن ينفرد بأمر متميّز فيما حقّهما فيه على الشّياع، إلاّ أن يقتسماه.
والإذن ها هنا كالاقتسام كما بيناه.
وكذلك إذا لم يأذن الشّريك لما أعلمه شريكه واستأذنه، فرفع إلى السلطان، فقضى السلطان بالإذن في الاقتضاء لهذا الذي رفع إليه لما أَلدَّ شريكه وامتنع عليه، فإن ذلك كحكم القاضي بالمقاسمة أيضًا.
وإن اقتصر على إعلام شريكه، ولم يساعده على الخروج معه للاقتضاء، وأشهد عليه بذلك، فظاهر المدوّنة أنّ ذلك كالمقاسمة أيضًا.
وينفرد هذا المقتضي بما اقتضاه ولا يدخل فيه معه شريكه.
لكن أشار بعض الحذّاق من الأشياخ إلى حمل هذه الرواية على أنّه أراد بقوله: فلم يساعده على أن يخرج معه.
أنّه رضي له بأن ينفرد بالاقتضاء.
وهذا التأويل لا يشكّ في صحّة الجواب إذا كان هو المراد بالرّواية.
وقد وقع لابن القاسم في هذا أنه إذا استأذنه وأشهد عليه، فلم يخرج، أنّه رضي منه بأن ينفرد بالاقتضاء.
وأنّه أيضًا لو رفع الأمر إلى السلطان، لأذن له في الانفراد بالاقتضاء.
وهذا الّذي قاله من تقرير امتناعه من الخروج مع شريكه رضي منه بأن ينفرد شريكه بالاقتضاء شهادة بمقتضى عادة.
وقد لا تسلم هذه الشّهادة بالعادة.

ويمكن أن يلدّ عن الخروج اعتقادًا منه أنّه يدخل معه فيما اقتضى.
ولهذا تأوّل من ذكرنا من المتأخّرين ما وقع في المدوّنة على أنّ الشريك الذي استؤذن رضي بأن ينفرد هذا بالاقتضاء.
وأشار إلى ثبوت ذلك ووقع منه نطقًا أو مفهومًا.
لكن أشار ابن القاسم في هذه الرواية إلى تعليل آخر، وهو كون هذا الشّريك لو رفع الأمر إلى القاضي، ما فعل القاضي أكثر مِمّا فعله هذا المقتضي لحقّه.
وأجرى فعله مجرى فعل القاضي.
وقد وقع في المذهب فروع تنبّه على الاختلاف فيمن فعل فعلًا لو رفع للقاضي، لم يفعل سواه، هل يحمل فعله محمل فعل القاضي أم لا؟ وهذا الّذي نحن فيه منه.
وأمّا إن اقتضى دون أن يُعلم شريكه ويُعذر إليه في الخروج بالاقتضاء، فإنّ المعروف من المذهب أن شريكه يدخل معه فيما اقتضاه.
وهذا لما قدّمناه من كون الدّيون التي في الذمّة حقّ كل واحد منها غير متميّز في الذمة من حق صاحبه، كعرض مشترك بينهما متى تصرف فيه أحدهما بشيء كان لصاحبه أن يجيز فعله ويشاركه في التّصرّف الّذي تصرف فيه.
لكن حاول بعض المتأخّرين أن يجعل في هذا قولًا آخر، وجعل المذهب على قولين.
وخرّج هذا من مسألتين.
إحداهما ما ذكر في المدوّنة، فيمن قتل رجلًا عمدا وله وليّان، فصالح أحدهما من حقّه في الدّم على عبد، فإنّه قال: يدخل الوليّ الآخر معه في هذا.
قال: وقال غيره: لا يدخل معه.
فأشار إِلى أنّ قول الغير: لا يدخل معه.
يقتضي ألاّ يدخل معه في سائر الدّيون الّتي اشتركا فيها إذا انفرد أحدهما باقتضاء شيء منها في نصيبه.
وهذا التّخريج قد يقدح فيه بأنّ دم العمد ليس بمال، لا سيما على أحد القولين في أنّ أولياء القتيل ليس لهم إجبار القاتل على أداء الدّيّة.
وإنّما تؤخذ الدّيّة بالتّراضي من القاتل وأولياء القتيل، والدّم الّذي تعلّق حقهم به ليس بمال ولا يقدرون على تصييره مالًا إلاّ برضا القاتل.
ولا يشبه الأموال المحقّقة التّي في الذّمم، وهي مشتركة بين شريكين، يكون من حقّ أحدهما أن يمنع الآخر من عيب هذه الذمة ووهنها وتعريضها للفقر بما يقتضي منها مّما هو مشترك بينهما.

والدّيّة لا يصحّ فيها هذا التقدير، إذ لا يملك الأولياء أخذ الدّيّة بغير رضي القاتل.
فإنّهم لا يتعيّن ملكهم له دون ما سواه، بل هم مخيّرون بين أخذ الدّيّة أو القتل.
وإنّما هم قادرون على أن يملكوا هذا المال الذي هو الدّيّة.
ومن قدر أن يملك مالًا فلا يعدّ مالكًا، على إحدى الطّريقتين عندنا.
لكن إنّما يقوّي هذا التّخريج عند من خرّجه كون ابن القاسم لا يرى الدّيّة تؤخذ إذا أبى منها القاتل.
مع كون هذا الّذي ذهب إليه يبعد كون العبد إنّما أخذ عن مال.
ثمّ مع هذا قال: إنّ أحد الوليّين يدخل مع الآخر في هذا العبد.
فدلّ ذلك على أنّ هذا الّذي أشرنا إليه من القدح في هذا التّخريج لا يلتفت عنده إليه.
وقد أغلى الشّيخ أبو إسحاق في صحّة هذا التخريج بأنّ العافي عن الدّم أفسد الدّم على أخيه، وأخذ عوض هذا الإفساد مالًا أوْهَنَ به الذّمّة.
وأنكر احتجاج من قال في المدوّنة أنّه لا يدخل أحد الوليين على الآخر فيما صالح به عن العفو عن الدّم.
كما لا يدخل أحد الشّريكين على شريكه في عبد باع نصيبه منه، لكون الشّريكين في العبد لم يدخل أحدهما على الآخر شيئًا، ولا أخلى ذمّة مشتركة.
بخلاف صلح أحد الوليّين الّذي أفسد بصلحه المال وأوهن الذّمّة.
وقد ذكرنا ما يمكن أن يقال في منع هذا التّخريج.
لا سيما وأشهب يجيز العفو عن دم العمد، وإن وقع في المرض على ما سنبيّنه فيما بعد.
وأمّا المسألة الثّانية فهي ما ذكر في كتاب السلم في المدؤنة في رجلين أسلما إلى رجل في طعام فأقاله أحدهما منا نصيبه، فإنّه أجاز ذلك.
قال: ولا حجّة لشريكه عليه في ذلك.
فنفى ها هنا دخول الشّريك على شريكه في الدّيون المشتركة.
لأنّهما قد استحقّا جميع هذا الطّعام في ذمّة الغريم.
فأخذ أحدهما عوضه وهو رأس ماله فيه.
وذلك أيضًا مِمّا يوهن الذّمّة ويضعفها.
ثمّ مع هذا لم يجعل لشريكه مشاركة فيما أخذ.
والمذهب فيمن أخذ عين حقّه في الدّين أو أخذ عوضًا عنه، فإنّ لشريكه مشاركته في ذلك إذا لم يستأذنه.
ولهذا أنكر سحنون هذه المسألة.

وقد أكثر الأشياخ الكلام على هذه المسألة.
فمنهم من ذهب إلى أن لا اعتذار عما وقع في هذه المسألة وقدّرها قولًا آخر في أن الشّريك لا يدخل على شريكه جوابًا عامّا في مسائل هذا الباب.
ومنهم من منع تخريج الخلاف في هذا الأصل من هذه المسألة، واعتذر عنها بأنّ إثبات دخول الشّريك على شريكه في هذه الإقالة يؤدي إلى فسادها.
وإذا ادّى ذلك لفسادها، بطلت في نفسها.
وبطلانها يمنع من ثبوت حقّ الشريك فيها.
إذ من شرط ثبوته له أن تكون الإقالة ثابتة في نفسها.
واختلفت إشارة هؤلاء إلى طريق الفساد بدخول الشّريك على شريكه ها هنا.
فمنهم من أضاف ذلك إلى أنّها إقالة فيها خيار للشريك الّذي لم يقل، هل يمضيها على ما هي عليه، أو يردّ ما تعلّق له من حقّ برده فيها؟ وإثبات الخيار في مثل هذه الإقالة يفسدها.
ومنهم من أشار إلى أنّ الّذي أقال إذا شاركه فيها 1 أخذ صاحبه الّذي أسلم معه، صارت إقالته من بعض ما يستحقه من السلم، والإقالة من بعض ما يستحقّه من السلم لا تجوز.
لا سيما إذا قلنا ها هنا: إنّه يرجع شريكًا لصاحبه الّذي لم يقل فيما في ذمّة الغريم الّذي عليه السلم.
ومنهم من اعتذر عن هذه المسألة من طريقة أخرى، ورأى أنّ الّذي عليه الطّعام إذا أقاله أحد الشّريكين، فإنّه يحلّ محل الشّريك الّذي أقاله في الطعام الذي هو سلم في ذمته.
فيصير ذلك كتولية الشريك لرجل بقدْر رأس ماله في هذا الطعام، وذلك غير ممنوع.
ولا موجب لدخول شريكه عليه فيما أخذه في التّولية.
ولا تقدّر هذه الإقالة كبيع لنصيبه من الدّين وصلح عنه فيجب دخول شريكه عليه، لأن بيع الطعام قبل قبضه ممنوع.
إلى غير ذلك من الاعتذارات التّي ذكروها ونقلناها نحن عنهم فيما أمليناه في السلم الثّاني.
وذكرنا هناك الّذي عندنا نحن في هذه المسألة.
فإذا وضح هذا ووجب مشاركة الشّريك لشريكه فيما اقتضاه من الدّين،

فإنّا نذكر ها هنا صفة الدّين التّي تجب المشاركة فيه.
فالدّيون التي بين الشّريكين لا يخلو من أن تكون ثمن سلعة اشتركا فيها ثمّ باعاها بثمن معلوم، أو مال اشتركا فيه ثمّ أقرضاه لرجل.
أو يكون ذلك ثمنًا لمال لم يشتركا فيه، كسلعتين ينفرد كل واحد منهما بملكها، ثمّ يجمعانهما في البيع من رجل صفقة واحدة، على القول بجواز جمع السلعتين في البيع، وهما ملك لرجلين.
ثمّ لا يخلو كل قسم من هذه الأقسام من أن يكتب الرّجلان بينهما هذا على من هو عليه في كتاب واحد، أو يكتباه في كتابين، أو لا يكتبانه أصلًا.
فأمّا إذا كان الدّين ثمنَ سلعة اشتركا فيها، وكتبا ثمنها على المشتري في صحيفة واحدة، أو كانت بينهما دنانيرهما فيها شريكان، فأقرضاها لرجل واحد وكتباها عليه في كتاب واحد، فإنّ هذا هو الّذي فرغنا من حكايته المذهب فيه، وأخبرنا أنّ المنصوص في المذهب إيجاب دخول أحد الشّريكين على الآخر إذا اختار ذلك.
والقول المخرج في هذا من ألمّه لا يدخل عليه.
وقد حكيناه أيضًا.
ووجه هذا أنّ المال إذا كان مشتركًا وعاملا فيه رجلًا واحدًا وهما على الشّركة فيه، وأكّدا ذلك بأن كتباه في كتاب واحد، فإن ذلك يقتضي استحقاق ذمّة لهما على المساواة والشّياع فيها، فليس لأحدهما أن ينفرد بما يضرّ شريكه فيما اشتركا فيه بما يوهن ذمّة الغريم ويخلّيها من مقدار ما قبضه، فتقل الثّقة بمعاملته فيلحق شريكه ضررٌ في هذا الّذي اشتركا فيه، فيكون من حقّه أن يرفع الضّرر عن نفسه بالمشاركة فيما أخذه الشريك لنفسه حتّى يكونا قد استويا فيما خلت الذّمّة منه وما بقي فيها، كما كانا مستويين في هذه المعاملة.
وإن كانت هذه السلعة المشتركة باعاها جميعًا ولم يكتبا على الغريم كتابًا بثمنها.
فالجواب أيضًا ما ذكرناه من حكم الاشتراك في الذّمّة، واعتبارُ رفع الضّرر عن أحدهما ثابت.
وإن كتبا ثمنها في كتابين ينفرد كلّ واحد منهما بكتابه، فإنّه لا يدخل أحدهما على الآخر، لكون هذا الانفراد بالكتاب كالمفاصلة في الشّركة،

والمقاسمة لما على الغريم.
وقد قدّمنا أن الدّين إذا اقتسماه، انفرد كل واحد بما اقتضاه.
وكذلك حكم هذا الذين إذا كان من قرض لمال اشتركا فيه، وكتباه في كتاب أو كتابين أو لم يكتباه، الحكم في هذه الأقسام كما قدّمناه في 1 إذا كان الدّين من بيع سلعة مشتركة.
وأمّا إذا كان الذين ثمن سلعتين ينفرد كلّ واحد منهما بملك سلعته، فباعاهما جميعًا على القول بجواز ذلك، وكتبا ثمنهما في كتابين، فإنه لا يدخل أحدهما على الآخر فيما اقتضاه، لكونه لا شركة بينهما في ثمن ولا مثمون.
وأمّا إن كتبا ذلك في كتاب واحد، فإنّ الشّيخ أبا محمّد بن أبي زيد، رحمه الله اعتبر حال المثمون ولم يوجب لأحدهما الدّخول على الآخر لَمّا كانا غير شريكين فيما باعاه.
واعتبر بعض المتأخرين الثّمن، وقدر أنّه لما كتباه في كتاب واحد، صار ذلك كشركة فيه، وإذا ثبتت الشّركة فيه، وجب دخول أحدهما على الآخر فيما اقتضاه.
ولا بعد في أن يوجبْ الكتاب الواحد الجمع فيما كان أصله مفترقًا، كمسألتنا هذه.
كما لم يبعد كون افتراق الكتابين يوجب التفرقة فيما كان أصله مشتركًا.
فإذا لم يبعد هذا، لم يبعد في عكسه.
فإذا تقرّر هذا، فإنّه إذا أوجبنا لأحدهما مشاركة صاحبه فيما اقتضاه منه فإنّ المذهب على قولين مذكررين في المدوّنة هل يكقف المشارك لشريكه فيما اقتضاه أن يقتضي جميع دينه، ثمّ يردّ منه على الشريك المقتضى أوّلًا المقدار الّذي اقتضاه وأعطاه إيّاه حتى يعتدلا في مشقّة الاقتضاء، كما اعتدلا في المساواة في هذا المال؟ أو لا يكلّف ذلك، بل يقتضيان جميعًا ما بقي في الذمّة ويشتركان فيه أيضًا؟ وكأنّ من ذهب إلى هذا قدّر أن ما في الذّمّة من عين هما فيه شريكان، وهو كعرض تعدّى أحدهما فأخذ بعضه، فإنّ للآخر أن يجيز فعله وينفرد بحقّه الّذي كان في الذمّة، ويقتضي، جميعه لنفسه.
أو يشارك المقتضي

فيما اقتضاه بحكم تعدّيه في الاقتضاء، ثمّ يرجعان جميعًا مشتركين فيما على الشّريك، لكونه إذا أجاز فعل الشريك اقتضى ذلك أن يجيزه على حسب ما يتضمّنه حتى كأنّه وكّله على الاقتضاء لنفسه، وله 1 على أن يبقي ما في الذّمّة على حكم الشّركة.
وإذا دخل الشّريك على شريكه فيما اقتضاه، فإنّه يدخل عليه بنسبة ما كان له معه.
فإن كان الدّين بينهما نصفين شاطره فيما اقتضاه وأخذ نصفه.
وإن كان على الثّلث والثّلثين، قسم ما اقتضاه أحدهما على هذه النّسبة أيضًا.
لكن لو كان الدّين بينهما نصفين وهو مائة دينار مثلًا فاقتضى أحدهما من نصيبه عشرة، وهضم عن الغريم أربعين دينارًا، فإنّ في المدوّنة قولين: هل يقتسمان هذه العشرة على حسب ما كانت المشاركة في الدّين في أصل المعاملة.
ويقدّر أنّ الهضيمة كأنّها حدثت بعد استحقاق المشاطرة في العشرة حين الاقتضاء.
أو يقدّر كاْنّ الهضيمة لمّا قارنت الاقتضاء كالنسبة له، وكأنّه لم يكن للّذي هضم من حقّه أربعين دينارًا سوى عشرة دنانير في الأصل، ولشريكه خمسون ينارًا، فيقتسمان ما اقتُضِي على النّسبة في هذه المشاركة، فيأخذ الّذي لم يقتض من هذه العشرة الّتي اقتضيت خمسة أسداسها, لمّا كان له من جملة الدّين الّذي هو ستّون دينارًا خمسون، وهي خمسة أسداس هذه الجملة، فيأخذ من العشرة خمسة أسداسها، وهي ثمانية دنانير وثلث.
ويرجع الشّريك الآخر على الغريم بأحد وأربعين دينارًا وثلثي دينار.
ثمّ يختلف في اقتضاء الثّمانية وثلث، هل هي على آخذها من شريكه حتّى يردّها إليه؟ أو على الشّريك الّذي أخذت من يديه.
ولو اقتضى العشرة ولم يهضم ما بقي من دينه ثمّ بعد ذلك هضمه، لارتفع هذا الخلاف الّذي ذكرناه واقتسما العشرة نصفين، لأنّ حالة الاقتضاء كان حقّهما في الذّمّة متساويًا، وحينئذ تعلّق حق الشريك بالمقاسمة على المساواة.
هذا حكم اقتضاء أحد الشّريكين كلّ المال الّذي يستحقّه أو بعضه.

وأمّا لو باع حقّه من الغريم بعرض يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن، والدّين ليس بطعام من سلم حتى تفرض المسألة في صلح عن الدّين بما يجوز.
ولهذا قيّد في المدوّنة في هذا السؤال أن الصّلح عمّا في الذّمّة مِمّا ليس بطعام ولا إدام.
لأجل أن الطّعام والإدام إذا كانا في الذمة، فلا يجوز الصّلح عنهما بعرض.
لأنه بيع الطّعام قبل قبضه إذا كان ذلك استقرّ في النمّة من سلم لا من قرض.
لأن بيع الطّعام القرض يجوز قبل قبضه.
فإن المذهب في هذا أيضًا على قولين مذكررين في المدوّنة.
أحدهما أنّه من حقّ الشّريك الّذي لم يصالح أن يشارك شريكه في العرض الذي أخذ، فيكون ذلك بينهما لكونه أَوْهَنَ الذّمّة وأضعفها بما أخذه من عرض.
فمن حقّ شريكه أن يمنعه من أن يوهن ذمّة مشتركة بينهما ويرفع هذا الضرر عنه.
وهو.
لا يرتفع إلاّ بالمشاركة في العرض الّذي أخذ لكنّه إذا قبض، هذا الذي لم يصالح، دينَه، فإنّه يطالبه شريكه، الّذي صالح بالعروض، بقيمة ما أخذ منه وهو نصف العرض.
ويعتبر قيمته يوم صالح به الشّريك لا يوم أخذ نصفه منه.
والقول الثّاني: أنّهما إذا اشتركا في العرض عادا مشتركين فيما بقي في ذمّة الغريم من الدّين، فيكون بينهما نصفين، لكون ما في الذّمّة حكمه حكم العرض، وإن كانا عينًا.
فإذا صالح عما في الذمّة بعرض، فكأنّه تعدّى على عرض مشترك فباع بعضه بعرض آخر، فإنّ للشّريك الّذي لم يبع أن يمضي فعله في نصيبه خاصّة.
ويبقى هو على حقه في العرض المشترك ويجيز فعله.
ويكونان مشتركين في العرضين جميعًا الثّمن والمثمون.
وكأن من ذهب إلى القول الآخر قدّر أنّه إنّما يشاركه لرفع الضرر عنه فيما أوهن به الذمة الّتي حقه باق فيها.
ولهذا وجبت المشاركة.
فإذا رفع الضّرر عنه بالمشاركة فمتى أمن من هذا الوهن واقتضى جميع حقّه، غرم لشريكه ما أخذ منه، ولو لم يجد عند غريمه إلاّ نصف الحق الّذي له عليه، لم يغرم لشريكه عوض جميع ما أخذ منه وهو نصف العرض.
ولكنّه يغرم له بمقدار ما أخذ، وقد أخذ نصف حقّه، فارتفع الوهن في نصف الحقّ الّذي قبض، فعليه أن يردّ لشريكه قيمة نصف ما

أخذ منه وهو ربع العرض.
ولا يردّ إليه ما قابل الرّبع الآخر من الدّين الّذي عجز عن أدائه الغريم.
فهذه الطّريقة لا تتضمّن كون الشريك الذي لم يصالح يجيز الفعل لشريكه وما يقتضيه فعله ويتضمّنه حتّى يعودا شريكين في الباقي في الذّمّة الّذي هو ثمن لما صالح به.
وإنّما يجيز من هذه المبايعة ما أخذ خاصّة دون ما أعطى عوضًا عمّا أخذ.
ولا يجري ما أخذه هذا الشريك من شريكه مجرى القرض لهذا العرض، فإن من أقرض ثوبًا، فإنّما يردّ مثله.
ومن استهلكه تعدّيًا أو عن بيع فاسد، فإنّما يغرم قيمته.
وهذا أوجبته الأحكام، فلا يكون كالعرض الّذي يدخلان فيه باختيارهما جميعًا، ولهذا تلزمه غرامة القيمة ولو كان عين الثّوب الّذي وقع الصّلح به باقيًا لم يتغيّر، والقرض له أن يردّه بعينه على من أقرضه له إذا لم يتغيّر.
ومقتضى هذا الّذي أشرنا إليه أنّ الصّلح عن الدّين إذا وقع بمكيل أو موزون، فإنّه يردّ قيمته أيضًا.
وإلى هذا ذهب بعض حذّاق الأشياخ، لكون هذا أمرًا أوجبته الأحكام لرفع الضّرر.
فلو قضِي في المكيل والموزون بمثله ها هنا لأوشك ألاّ يرتفع الضّرر عن هذا الّذي لم يصالح، بأن تغلو أسعار الطّعام الّذي أخذ مِمّا وقع به الصّلح.
فيكلّف أن يشتري مثله فيشتريه بأضعاف ثمنه يوم أخذه، فيكون ذلك أشدّ إضرارًا به عمّا دخل عليه من وهن الذمة بما أخذه شريكه.
وقد يرخُص الطّعام أيضًا، فإذا أخذ الشّريك المصالح مثل الطعام الّذي أخذ منه وصالح به وقت كونه غاليًا، وهو حين يغرمه شريكه له لا قيمة له، لحِقَه الضّرر البيّن، وأصل المشاركة إنّما قضى بها للعدل بين الشريكين حتّى يرتفع الضّرر عن أحدهما.
ومن الأشياخ من ذهب إلى أنّ الصّلح إذا وقع عن الدّين بمكيل أو موزون فأخذ الشّريك الّذي لم يصالح نصفه، فإنّه إذا قبض دينه ردّ مثل الّذي قبض كيلًا أو وزنًا لا قيمة، كما يردّ من استهلك طعامًا مثله لا قيمته.
وقد أشرنا إلى المعنى الّذي يمنع قياسه على الاستهلاك، وهو أنّ

المشاركة إنَّما وجبت للعدل بين الشّريكين في رفع الضّرر عن أحدهما، وهذا المعنى لا يتصوّر في مسألة الاستهلاك للمكيل والموزون.
فإن قيل: إذا كان وجوب الرّدّ على هذا الشّريك الّذي لم يصالح بقيمة ما أخذ معلّقًا بأن يأخذ دينه من الغريم فيرذ قيمة ما أخذ من شريكه المصالح، فإن لم يأخذ من دينه شيئًا، فلا يردّ على شريكه شيئًا من عوض ما أخذ منه.
فقد يقدّر أنّ الشّريك المصالح لمّا كان وجوب حقّه في الرّدّ عليه معلَقًا بأن يأخذ شريكه دينه من الغريم يكون أحقّ بما في يد شريكه إذا فلس وقد أخذ دينه من الغريم، أو يحاصّ الشّريك المصالح بما وجب له على شريكه من العوض عمّا أخذ منه غرمًا للشريك الذي لم يصالح، لكون هذا الدّين في ذمّة الشّريك المصالح ووجوب قيمة نصف العرض الذي أخذ من شريكه المصالح دينًا في ذمّته، وتعليق هذا الدّين بشرط أخذه من غزيمه لا يخرجه عن كونه دينًا متعلّقًا بالذّمّة تجب المحاضة به كما تجب المحاضّة بسائر الدّيون.
قيل: هذا مِمّا تردّد فيه بعض حذّاق الأشياخ ومالي إلى وجوب المحاصّة بهذه القيمة الّتي وجبت للشّريك على شريكه.
وهذا تبسط أصوله إن شاء الله في كتاب المديان والتّفليس، ونذكر هناك ما يلاحظ هذا أيضًا مِمّا اختلف فيه الأشياخ وكثرت مناظرة بعضهم لبعض فيه، وهو المفلس إذا ثبت عليه كراء دار لم يسكنها بعد، فهل يحاص صاحب الدّار غرماء المكتري بالكراء ويقدّر دينًا حالًا كما تحلّ آجال الدّيون إذا وقع التّفليس، ولا يلتفت إلى ما يمكن أن يطرأ من هدم الدّار فيسقط الكراء، فتصير المحاصّة بأمر غير ثابت؟ أو يكون ما يترقب من هدم الدّار لا يلتفت إليه لأنّا نستصحب وجوب الكراء وسلامة الدّار، واستصحاب ذلك يلحقه بالدّيون الثّابتة الّتي لم تعلق بشرط.
فإذا وضح هذا كلّه، فإنّ الإشتراك في سائر الدّيون يوجب دخول أحد الشّريكين على صاحبه على تفصيل ما قدّمناه.
ولو كانت الدّيون وجبت عن وراثة، والوراثة لم يرض الورثة بالشّركة فيها, ولا دخلوا على ذلك، حتى يقدر أن أحدهم إذا اقتضى بعض الدّين المورود فقد أوهن ذمّة دخل الشريكان فيها

على أنّ أحدهما لا يضز بصاحبه.
لكن هذا الاشتراك وإن أوجبته الأحكام، فإنّه يجري مجرى ما اشتركا فيه بالطّوع.
لأنّ الذّمّة التي ملكوها عمّن ورثوه بينهم على الشّياع، والحقّ إذا كان شائعًا، لم يكن لأحد الشركاء أن يفعل فيه ما يعيب به الحقّ وينقصه.
وأشار سحنون إلى أن الدّيون الثّابتة في الذّمم لغير المشتركين فيها كالدّيون الموروثة أو أروش الجناية لا يدخل فيها أحد الشريكين على الآخر، لكون الشّركاء ها هنا لم يلتزموا شركة تتضمّن ألاّ يعيب أحدهما ما اشتركا فيه.
ولهذا يلحق بالاشتراك في المال في هذا الحكم ما هو متعلّق به، كوارث ادّعى على رجل أنّ لأبيه عنده دينًا فافتدى المدّعى عليه من اليمين الواجبة عليه بمال دفعه لهذا الوارث المدعي، فإن لمن سواه من الورثة أن يشاركوه فيما أخذ صلحًا عن هذه اليمين.
لأنّ الصّلح إنّما وقع عن مال زعم هذا أنّه لأبيه الّذي اشتركوا في وراثته وأنّه مظلوم فيما انتقص من حقّه.
فصارت دعواه تتضمّن وجوب مشاركة بقيّة الورثة.
ولو استحلفوا الغريم ووصلوا إلى حقّهم منه بالاستحلاف، فإن ذلك لا يمنعهم من مشاركة هذا الوارث الّذي صالح عن هذه اليمين الواجبة بهذه الدّعوى، لأجل ما نبّهنا عليه من كون دعواه تضمنت ثبوت المشاركة فيما أخذ بينه وبين بقية الورثة.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: قد قدّمنا الكلام في السؤال الّذي فرغنا من جوابه الآن أنّ مذهب ابن القاسم أن صلح أحد الوليين عن دم العمد يوجب مشاركة بقيّة الأولياء له فيما أخذ.
كما يجب ذلك لهم إذا اقتضى ثمن سلعة باعوها وهم أشراك فيها.
وأن غيره منع، في المدوّنة، من هذا، وقاسه على بيع أحد الأشراك نصيبه من عبد، فإنّ بقيَّة أشراكه لا يدخلون معه في الثّمن الّذي قبض.
وذكرنا إلزام بعض الأشياخ لهذا القائل أن يمنع المشاركة فيما اقتضى من الدّيون التي هي أثمان سلعة اشتركوا فيها.
وذكرنا الفرق بين بيع التصيب من السلعة، وهو مقدار ما يختصّ بالبائع، وبين الدّيون المشتركة، وأنّْ من باع نصف سلعة بينه وبين غيره، فإنّ البيع ينطلق على نصيبه ونصيب غيره .. بخلاف إذا باع نصيبه خاصّة، فإنه لا

مدخل لشريكه في ذلك.
وإن كان وقع في الموّازيّة في الدّين المشترك أنّه يدخل الشّريك الّذي لم يغ نصيبه على من باع نصيبه من الدّين المشترك من الغريم أو من أجنبيّ.
[مع كون بيعه من أجنبى] 1 لا يوهن ذمّة الغريم ولا يخليها، فيجب ألاّ يدخل شريكه في هذا الّذي باعه من أجنبيّ، كما لا يدخل عليه في ثمن نصيبه الّذي باع من عبد مشترك بينهما.
وقد ذكر أشهب في المدوّنة أنّ القتيل إذا استحقّ دمه ابناه وبنته، فصالح أحد الولدين عن الدّيّة على مقدارها أو أكثر من ذلك، فإن لأخويه أن يشاركاه فيما أخذ وإن كان أكثر من الدّية.
ولم يقيّد أشهب أنّ ما زاد على الدّيّة لا حق للأخوين فيه، فلا يجب أن يشاركا فيه المصالح، لأجل أن الزيادة على الدّيّة إنّما كانت بسبب العفو عن الدّم الّذي هم فيه شركاء، فوجب اشتراكهم في الزّائد على الدّيّة.
كما وجب اشتراكهم فيها لما أن كان الجميع عوضًا عن الدّم المشترك بينهم.
قال: ولو صالح أحدهم على أقلّ من نصيبه من الدّيّة، وهو خمساها, للزمه ما حطّ من نصيبه.
ولم يلزم ذلك أخويه بل يأخذ كلّ واحد منهما من القاتل نصيبه على الكمال.
ولو عما أحد الولدين على غير شيء يأخذه، لانتقل حكم الدّم في نصيب من لم يعف إلى حكم الخطإ، فيكون له على القاتل خمسمائة دينار، لكون الدّم امتنع القصاص فيه لعفو أحد الوليين عن نصيبه، ونصيبُه من الدّم المراق لا يتميّز فلمّا ارتفع القصاص، لأجل هذا صار كارتفاعه لأجل كون القتل خطأ.
ولو طرأ على الميّت دين لأخذ من الخمس مائة دينار الّتي أخذها الّذي لم يعف، لكون ما يؤخذ من دم العمد من ديّة يورث على فرائض الله، ويرث فيه من لا قيام له في الدّم كالزوجة وشبهها.
وإذا ثبت أنّه يورث، ثبت أنّه تقضى منه الدّيون، إذ لا ميراث إلاّ بعد الدّين.
بخلاف معتَق يموت بعد موت سيده، فإنّه، وإن كان يرثه عصبة سيّده، فإنّ الدّين لا يقضى مِمّا ترك هذا العتيق، لكون هذا المال إنّما يرثه العصبة

بالولاء بحكم الشّرع لا على أنّ الميت مَلكَه وتركه موروثًا عنه، لأنّ العتيق لا يملك سيّدُه ما اكتسبه بعد عتقه ولو كان العتيق حيًّا، فكيف به إذا مات والدّيّة وجبت على القاتل المُذهِب للحياة؟ فصارت الدّيّة كأنها تركة للميّت كانت له في حياته، مع كون القتل أتلف ذمته، وأحل مكسبه للغرماء ما يقتضي منه ديونه.
ولا مطالبة للوليّ، الّذي أخذت من يده المائة من نصيبه الّذي قبضه من الدّيّة، على القاتل بشيء.
ولا يقدّر في هذا أنّ الدّم لمّا انتقل إلى حكم الخطإ في حقّ الّذي لم يعف، انتقل أيضًا في حقّ العافي, فيصير كأنه وجبت له خمسمائة دينار فأسقطها عن القاتل فوهبها.
فيقول الآخذ للخمسمائة: إنّما عليّ من مائة الدّين خمسون وعلى العافي خمسون فوهبها، وهبته لا يلزمني أن أقوم بها عنه.
لأنّ هذا التّقدير إنما يصحّ لو عفيا 1 جميعًا على أن يأخذ كل واحد منهما نصيبه من الدّيّة.
فلمّا وجب ذلك لكلّ واحد من الولدين على القاتل وهب نصيبه للقاتل.
والعفو ها هنا لمّا وقع على غير شيء، وهذا العفو هو الّذي صيّر الدّم كالخطإ، لم يستقرّ فيه كون ثبوت الدّيّة المعلّقة بالعفو سابقًا لاستحقاقه أيضًا هو نصيبه من الدّيّة على القاتل.
ولو ترك هذا القتيل مائة دينار لم يختصّ الدّين بها، بل يؤخذ منها وممّا أخذه الذي لم يعف عن الدّم بالحصص، فيُقضَى من المائة، الّتي ترك الميّت، سدسُها في الدّين، ويؤخذ خمسة أسداس الدّين من الخمسمائة الّتي أخذها الّذي لم يعف، ثمّ يعود الّذي عما فيشارك أخاه في خمسة أسداس المائة، الّتي ترك أبوهما، فيقسمانها نصفين على فرض الله سبحانه.
ولو كان أبوهما ترك مدبّرًا ولم يترك هذه المائة دينار ولا غيرها، فإنّ عتق المدبّر يكون أيضًا غير مختصّ بما أخذ في الدّيّة، بل يفرض في العتق على المدبر سدسه، وعلى قابض الخمسمائة خمسة أسداسها على مذهب عبد الملك الّذي يرى أن المدبر يعتق فيما علم به الميّت من ماله وفيما لم يعلم

به.
فالمدبّر مِمّا علم به الميّت وما أخذ في الدّيّة مِمّا لم يعلم به.
فيعتق المدبر بالحصص في هذين المالين بخمسة أسداسه يعتق في الخمسمائة دينار للّذي لم يعف.
وأمّا على مذهب ابن القاسم الّذي يرى أنّه يبدَّأ في عتق المدبر بثلث المال الذي علم به.
فإن قَصُر ذلك عن عتق المدبر، أكمل عتقه في ثلث المال الّذي لم يعلم به أيضًا.
فيبدأ بعتق ثلث المدبر لأنّه هو المال الّذي علم به، ويبقى ثلثاه، فينوب ذلك المال الّذي لم يعلم به.
فإذا قدّرنا أن قيمة المدبر مائة دينار، وقد أخذ أحد الوليين خمس مائة دينار فتضاف إليها قيمة ثلثي المدبر وذلك سبع وستون دينارًا غير ثلث، فيقسط جميع المال أثلاثًا فتكون الخمسمائة خمسة عشر ثلثًا وثلثا المدبر يضاف إلى الخمسة عشر، فيكون جميع المال المتروك سبعة عشر ثلثًا كلّ جزء منها ثلاثة وثلاثون وثلث، فيكمل عتق المدبر.
ويرث الّذي لم يعف ثلث المائة وهو ثلاثة وثلاثون وثلث.
ويكون بقيّة المال للذي لم يعف.
ولو ترك مع المدبر مائة دينار، لعتق على مذهب ابن القاسم ثلثا المدبر، لأنّه ثلث المال الّذي علم به وهو المدبر وقيمته مائة، والمائة الّتي تركها، فثلث المائتين ثلثا المدبر.
ويرث الّذي عما ثلث المائة على أصل ابن القاسم.
ولو عفا الجريح في مرضه عن هذا الجرح، فإنّ عفوه ماض، وإن لم يترك مالًا، ولا مقال في ذلك لورثته، ولا لغرمائه إن كان عليه دين.
وهذا واضح على أصل ابن القاسم الّذي يرى أن ليس لأوليائه إجبار القاتل على الدّيّة.
وإنّما يثبت له إذا رضي هو ورَضُوا هم، فعفْوُ الجريح لا يتصوّر فيه إتلاف مال استقرّ لهم، فأتلفه عليهم بالعفو، فيكون ذلك في ثلثه.
وإنّما ينظر في هذا على أصل أشهب الذاهب إلى أنّ لأولياء القتيل إجبار القاتل على الدّيّة.
فقد صاروا كالقادرين على ملك الدّيّة، فمنعهم من ورثوه من تملّكها، فصار كمتلف مال عليهم.
لكن أشهب نصّ ها هنا على أنّ عفوه جائز، على حسب ما ذهب إليه ابن القاسم، وقدّر أنّ قدرتهم على تملّك هذا المال لا يصيّره ملكًا لهم، فيكون متلفًا لذلك عليهم.
لكنّه لم يطرد هذا الأصل في القاتل إذا كان عبدًا وقد قتل

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل