شرح التلقينصفحات 126-131

كتاب الحجر والتفليس

صفحات 126-131

وهذا المقر وإن علم في الباطن أن هذا المقر له أخوه فإن كون الظاهر بخلاف ذلك يوجب عدم الموالاة.
فحصل من هذا أن مجرد النسب والقرابة لا يوجب التوارث إلا أن تنضم إليه علة أخرى وهي الموالاة.
فلهذا لم نغلب ها هنا حكم الباطن على الظاهر لعدم العلة الأخرى وهي الموالاة.
وأما التخريج بطريقة ثبوت النسب، ولا يشترط فيه الموالاة، ولهذا تحرم على المسلم ابنته الكافرة، وإن لم يكن بينها وبينه موالاة.
وهذا يرد ما حكيناه عن القاضي حسين من اقتحامه على تحليل المقر لها بأنها أخت.
وإذا تقرر حكم إقرار بعض الورثة بوارث، وخالفه من سواه من الورثة، وتقرر ما ذكرناه من الاتفاق على أن نسب المقر له لا يثبت، وأن الشافعي لما رأى الاتفاق على نفي النسب ألحق به نفي المشاركة في الميراث للمقر.
وأن مالكًا وأبا حنيفة، وإن لم يثبتا النسب، فإنهما أثبتا المشاركة في الميراث.
ولكن اختلفوا في صفة المشاركة فعند أبي حنيفة أنها تكون للمساواة 1، فيعطي المقر للمقر له نصف ما في يده، حتى كأنه لم يرث أباهما سواهما.
ويقدر من ذهب إلى هذا المذهب أن الذي أخذه الجاحد النسب كأنه لم يكن من التركة، وكأنه جائحة وظلمه على المقر والمقر له نصفانْ، والذي في يد المقر يكون بينهما نصفين.
وأشار بعض أصحابنا إلى هذه الطريقة.
والمشهور من مذهبنا أن المقر يعطي للمقر له العدل.
ويقر أن الولدين إذا أقر أحدهما بولد ثالث وجحد الآخر فإن المقَر له إنما يستحق ثلث التركة، وثلثها نصف ما في يد المقر ونصف ما في يد الجاحد، فالذي في يد الجاحد كأنه إنما غصبه للمقَر له فلا يلزم المقَر أن يغرَمه عن الغاصب.
وقد قيل: إن هذا النصيب الذي هو نصف الثلث يكون نصف 2 المقر له والنصف الآخر لبقية الورثة الجاحدين.
وكأن من ذهب إلى

أن 1 هذا يرى أنه إذا كان الواجب أن يقضى على المقر بما فضل في يده على نصيبه الذي يستحقه لو قسمت التركة أثلاثًا فكأن محصول إقراره التبري منه، واعتقاده أنه لا يستحق فيه ميراثًا.
فإذا أنس عن نفسه مِلك هذا النصيب صار المقَر له يدعيه، وبقية الورثة الجاحدين يقولون: ليس لك فيه شيء، قيقسم ذلك بين المقرَ له وبين الورثة الجاحدين.
وهذا أضعف المذاهب، ولا يتُصوّر له عندي وجه سوى ما ذكرته.
ويرد الجميع على الشافعي في إنكاره أن يستحق المقَر له شيئًا بما قدمناه من أنه إقرار يتبعض، بعضه يجب أن يمضي، كقول بعض 2 المقر: يعض هذا المال الذي في يدي لزيد، فلأنه يقتضي إبطال الإقرار لزيد كما لو أقر لزيد على أبيه وأنكر ذلك بقية الورثة، وقد قدمنا جوابه عن هذا أيضًا.
هذا حكم إقرار بعض الورثة لرجل بالنسب وإكذاب بقيتهم له.
وأما القسم الثاني وهو أن يتفق جميع من يستحق التركة على الإقرار بالنسب، فلا يخلو أن يكون المستحق للتركة جماعة، اثنان فصاعدًا، أو واحد.
فإن كانوا جماعة فلم يختلف عن الشافعي وأبي حنيفة في ثبوت نسب المقَر له باتفاقهم على الإقرار.
وأما نحن فلا نحفظ عن مالك نصًا نجليًا في إثبات النسب، ولكنه تجب المشاركة في المال، على حسب ما قدمناه.
لكن ابن القصار، من أصحابنا، لما ذكر المذاهب، وحاج المخالفين، (يكون تكرر كلامه هذا السؤال) 3 في أثناء معاريض تعرض إليها، فاقتضى

كلامه أنه سلّم أن مذهبنا كما حكيناه عن الشافعي وأبي حنيفة من كون النسب يثبت بإقرار من يحيط بجميع التركة إذا كان المحيط بها اثنين فصاعدًا.
وأشار بعض الأشياخ إلى إبعاد هذا عن أصول المذهب.
وسلم ابن القصار أن المحيط بالتركة إذا كان رجلًا واحدًا فإنه يشارك في الميراث ولا يثبت نسبه.
ومَرّ في ذلك على أصل المذهب الذي قدمناه في الفصل الأول، وإليه ذهب محمَّد بن الحسن فرأى أن المشاركة تثبت بإقرار الواحد المستحق لجميع التركة، ولا يثبت النسب.
ولكنه تثبت 1 النسب وإذا 2 كان المقرون جماعة استحقوا جميع التركة.
وهذا المذهب المشهور عن أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى وهي إثبات النسب والمشاركة في الميراث إذا أقر من يحيط باستحقاق التركة كلها، واحدًا كان هذا المستحق لجميع التركة أو جماعة.
وبه قال صاحبه أبو حنيفة 3. وإليه ذهب الشافعي وذهب بعض الناس إلى أنه لا يثبت النسب كان المقر بهذا النسب واحدًا أو جماعة.
وهذا المذهب لا أحفظ الآن من ذهب إليه.
فيعتمد الشافعي وأبو حنيفة، في الرواية المشهورة عنه، التفرقة بين إقرار الواحد المحيط بالتركة وإقرار الجماعة بأن شهادة الواحد بالنسب لا تقبل، فإقراره على غيره أحرى ألا يقبل، لكون الشهادة على الغير أقوى من الإقرار عنه.
فلو شهد رجلان على رجل، وهما عدلان، لقضي عنيه.
ولو ذَكَرَا ذلك على جهة الخبر عنه لم يقض بذلك عليه.
وإذا شهد عدلان فأكثر منهما قضي بشهادتهما، فكذلك إذا أقر 4 بالنسب جرى إقرارهما مجرى شهادة العدول، فقبل ذلك من إقرارهما، وإن لم يكونا عدلين، إذا أحاطا بالتركة، لأنهما إذا أحاطا بها حلاّ

محل الميت المضاف إليه الميت 1، والميت الذي أضاف 2 إليه النسب إذا استلحق ولدًا ثالثًا قُبِل ذلك منه، فكذلك تقبل من ولديه المستحقين لجميع ما ترك.
وسلم أصحاب الشافعي ما قلناه عن كون الشهادة عن الغير أقوى من الإقرار عنه إلا في هذا السؤال فإنهم قالوا: الإقرار ها هنا آكد من الشهادة، لأن جميع الورثة يقبل منهم إذا أقروا، ولا يقبل في ذلك شهادة غير العدول، ممن لا يرث وتقبل شهادة جميع الورثة، وإن لم يكونوا عدولًا.
ويعتمد من ينكر إلحاق النسب بمجود إقرار من يحيط بالتركة على أن الولاء كالنسب، كما تقرر في الشرع.
ثم إقرار الورثة بالولاء يوجب ثبوتَه في حق غيرهم، فكذلك الإقرار بالنسب.
ويطعن في قياس إقرار الوارث الواحد المحيط بالتركة على استلحاق الميت بنفسه، فإن للميت أن يستلحق النسب، وله أن ينفيه عن نفسه باللعان، وليس ذلك لورثته.
ويُنفَصل عن هذا بأن استلحاق جميع الورثة يُتصور، ولا يتصور نفي جميعهم لأن الورثة إذا نفوا حمل امرأة، فليسوا حين النفي بجميع الورثة، لكان 3 ما في بطن الزوجة أحد الورثة، فيستحيل مع هذا أن يتصور تطابق جميع الورثة على النفي والمنافي أحدهم، فلا يقبل دعواهم عليه.
والأب يتصور فيه الاستلحاق والنفي فلهذا تساويا في حقه.
واعتمد الشافعي في نصرة مذهبه في إلحاق النسب بإقرار من يحيط بالتركة، واحدًا كان أو جماعة، بحديث عبد بن زمعة، وذلك: أن زمعة كانت له وليدة، فلما أن مات تحاكم فيه ابن سيد هذه الوليدة واسمه عبد فقال: هو أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد بن أبي وقاص: أخي عتبة بن أبي وقاص عهد أنه أَلمّ بهذه الوليدة في الجاهلية، وأن الولد ولده.
فقال - صلى الله عليه وسلم - لما تحاكما إليه:

"هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر" 1 فاعتمد الشافعي على هذا الحديث وجعله حجة في ثبوت النسب باستلحاق الواحد المحيط بالتركة، كما ألحقه عليه السلام ها هنا بزمعة، ولم يدّعه إلا وحده.
ودُوفِع عن هذا بمدافعات: أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعول في القصة على مجرد استلحاق هذا الواحد الذي هو عبد.
وإنما عوّل على الفراش، فذكر أن الحكم أنه لعبد، وأشار إلى علة الحكم فقال: "الولد للفراش" يريد: ولأجل هذا قضيت لك به يا عبد.
ويجاوب عن هذا بأن الفراش لم يكلف النبي عليه السلام عبدًا إثباتَه، بل ظاهر الحديث أنه عوّل فيه على مجرد قوله، ولا فرق بين أن ينفرد الواحد بالإقرار بسبب النسب وهو 2 الفراش.
والانفصال عن هذا: إلا أن يدعى أن الفراش اشتهر اشتهارًا استغني به عن طلب إثباته.
ودفع الشافعي أيضًا عن احتجاجه بهذا الحديث لم يرد على قوله: "هو لك يا عبدبن زمعة" بيان هل لعبدبن زمعة ملك، لكونه ولدته أمة أبيه فهي وولدها عبيد لمن ورث زمعةَ وهو ولده عبدٌ، أو أراد هو لك أخ.
والأظهر أنه أراد: هو لك عبد لأن هذه اللأَمَ تقتضي الملك، كما يقال هذا الغلام لزيد.
وأجيبوا عن هذا الاعتذار بأن أبا داود قال في رواية هذا الحديث: ليس هو لك بأخ 3. فلا يلتفت إلى روايتهم: ليس هو لك بأخ 4. قال أصحاب الشافعي: لم يَرْوِ هذه الرواية عدْل ولا ضعيف، مع أن التعليل يقتضي إن 5

أراد: هو لك أخ، ولم يُرد: أنه لك ملك، لأن الفراش لا يدل على الملك، ألا ترى أن رجلًا لو تزوج أمة رجل فولدت، فإن الولد ملك لسيدها لا لزوجها الذي هو صاحب الفراش، وإنما لزوجها النسب لأجل الفراش ورواية من روى "هو لك عبدٌ" لا يجب حملها على أن المراد: أنه لك يا عبدُ بن زمعة عبدٌ مملوك.
ولأن المخاطَب لم يصرح - صلى الله عليه وسلم - باسمه، وإنما أراد إخباره بأن هذا الوليد لك عبدٌ مملوك، لأنه لا يصح أن يكون المراد: هو لك يا عبدٌ، بحذف حرف النداء، وهو شائع في لسان العرب، قال الله تعالى خبر عن مخاطبٍ: ﴿يوُسُفُ أَعْرِض عَن هَذَا﴾ 1 والمراد: يا يوسف.
ودُوفع الشافعي أيضًا عن هذا الحديث، بأن عبدًا لم يكن جميعَ ورثة زمعة، بل كانت أخته سودة تشاركه.
وإذا أقر بعض الورثة فلا يختلف في أن النسب لا يلحق.
ويجاوب عن هذا بأن سودة كانت مسلمة، وكان زمعة أبوها مات كافرًا ووُلد عبدٌ حينئذ على دين أبيه، فلا تستحق سودة مشاركته في الميراث، إذ لا يرث المسلم الكاَفر، فصار عبدٌ هو المحيط بجميع التركة.
ودوفع الشافعي أيضًا، عن احتجاجه بالحديث بأنه عليه السلام: أمرها أن تحتجب من عبد 2 فلو قضى بأنه أخوها لم تحتجب منه، إذ لا تحتجب المرأة من أخيها.
فدلّ ذلك على أنه لم يقض بلحوق ابن زمعة نسبًا.
وأجاب الشافعي عن هذا بأنه قد كانت آية الحجاب قد نزلت، وحكمه مشهور، فلو كان الحجاب الذي أمرها به لكونه (احسا منها) 3 لما احتاج إلى إعادته.

جارٍ التحميل