شرح التلقينصفحات 598-637
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 598-637

تقسيمه.
وقد ذكر عن علقمة 1 والأسود أنه لا سجود في سهو الزيادة ويرد عليهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسًا فسجد 2.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: مذهب فقهاء الأمصار الاكتفاء بسجدتين عن جميع ما يسهى عنه وإن كثر مما فيه السجود.
وقالت طائفة لكل سهو سجدتان.
وقال الأوزاعي إن كان من جنس واحد تداخل.
وإن كان من جنسين لم يتداخل.
وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي مسلمة إن كان أحدهما محله قبل السلام والآخر بعد السلام سجد قبل السلام لما يختص بما قبل السلام، وبعد السلام لما يختص بما بعد السلام.
فدليلنا على تداخله أنه - صلى الله عليه وسلم - سلَّم من اثنتين ثم مشى ثم تكلم 3. وهذا سهو في ثلاثة مواضع مختلفة الأجناس، ومع هذا فإنما سجد سجدتين.
وأيضًا فإن سجود السهو إنما أخر عن سببه إلى آخر الصلاة ليكتفى عن جميعه بسجدتين.
ولو لم يُكتف بذلك عن جميعه لجُعِل السجود عقيب سببه.
وهذا لم يقله أحد.
ويستدل نفاة التداخل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكل سهو سجدتان" 4 وأجيبوا عن هذا بأن الخبر لم يثبت.
ولو ثبت لحمل على أن المراد به 5 لكل سهو انفرد سجدتان.
واستدلوا بأن الدم في الحج لا يتداخل مع تعدد أسبابه.
فكذلك سجود السهو.
وأجاب ابن القصار عن هذا بأن القياس أن يكون الحج كالصلاة في اتحاد الدم.
على أنه يفرق بينهما.
بأن الدم يجب في الحج عقيب السبب ولا يجب السجود في الصلاة عقيب السبب بل أخر فيها 6 لجواز أن يتكرر فيكتفي عن جميعه بسجود واحد.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما نبه القاضي أبو محمَّد بقوله

كان من أحد الوجهين أو من كليهما على ما ذكرناه من الخلاف عن ابن أبي حازم وعبد العزيز ومصيرهما إلى أن يختص كل سهو بسجوده إذا تباين محله.
فأشار القاضي أبو محمَّد رحمه الله إلى اختلاف الأجناس أو المحال لا تمنع من تداخله 1 على حسب ما بيناه.
فلما كان التداخل فيما تماثل جنسه ومحله أوضح منه في ما اختلف جنسه ومحله نبه عليه حتى يشتمل كلامه على الغامض والواضح.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ويؤخر سجوده 2 إلى آخر الصلاة فيؤتى به 3 في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعده، وفي اجتماعهما يُغلِّب النقصان فيسجد قبل السلام ويكبر لهما في ابتدائهما والرفع منهما ويتشهد للتين بعد السلام ويسلم.
وأما اللتان قبل السلام فإن السلام من الصلاة يكفي منهما.
وفي التشهد لهما روايتان.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما وجه تأخير سجود السهو إلى آخر الصلاة؟؟ 2 - وما الدليل على افتراق حكم النقص والزيادة فيه؟.
3 - وما الدليل على التكبير والتشهد فيه؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تأخير سجود السهو إلى آخر الصلاة فمعلل بعلتين: إحداهما: أنه إنما أخر لجواز أن يتكرر السهو فيكتفي فيه وإن كثر بسجدتين ولو أوقع عند سببه لوجب أن يسجد بسهو آخر ويفعل ذلك في ثان وثالث.
وهذا لم يصر إليه أحد.
والثانية أن الأصل أن يعوض ما سهى عنه بمثله ويفعل عند الذكر له.
وحالة الذكر إذا كانت في أثناء الصلاة لا يصح أن يفعل فيها ما ترك سهوًا، أو يفعل العوض منه؛ لأن ذلك المكان قد استحق فعلًا آخر من أفعال الصلاة بأصل الشرع.
فإذا تزاحم هو والمتروك على

المحل 1 كان أحق به لاستحقاقه إياه في أصل الشرع.
فمن رأى أن سجود السهو بعد السلام لم يعترض في تعليله بهذا.
ومن رآه قبل السلام قد يعترض بأنه يفعل في محل قد استحق فعلًا آخر من الصلاة.
والانفصال عند هؤلاء عن هذا الاعتراض بأن أفعال الصلاة قد تصرمت ولم يبق منها إلا التسليم.
والتسليم لا يتعين وقته بل له تأخيره.
فصار إيقاع سجود السهو في محل لا يستحق فعلًا آخر يزاحمه سجود السهو عليه.
فافترق حال ما قبل السلام من حال ما سواه من أثناء الصلاة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في محل سجود السهو.
فذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار ابن ياسر وأنس بن مالك وابن عباس وابن الزبير إلى أنه بعد السلام.
وبه قال من الفقهاء الحسن البصري وابن صالح والنخعي وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة.
وذهب أبو هريرة وأبو سعيد الخدري إلى أنه قيل السلام.
وبه قال الشافعي والزهري وربيعة والأوزاعي والليث بن سعد.
وذهب مالك رضي الله عنه إلى أنه إن كان عوضًا عن نقص كان قبل السلام وإن كان لأجل زياده كان بعد السلام.
وبه قال إسحاق وأبو ثور والشافعي في القديم.
وذهب ابن حنبل وغيره إلى اتباع ظواهر الآثار.
وما لم يرد فيه أثر فالسجود فيه قبل السلام.
فالسجود عنده في ترك الجلسة الأولى قبل السلام على حديث ابن بجينة 2 وإذا شك فرجع إلى اليقين فالسجود قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري 3 فإذا شك فكان ممن يرجع إلى التحري.
فالسجود بعد السلام على حديث ابن مسعود 4. وإذا سلم من اثنتين فالسجود بعد السلام على حديث أبي هريرة 5. وذهب داود إلى اتباع الآثار على حسب ما ورد.
ومن أصله نفي القياس، فنفى السجود فيما سوى ما وردت به الآثار.

وأشار بعض العلماء إلى التخيير في محله.
وقد قال مالك رضي الله عنه: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد.
وكان ذلك عندهم سهلًا.
ومدار هذه المذاهب على اختلاف الطرق في بناء الأحاديث المختلفة الظواهر الواردة في السهو.
فقد خرج الصحيحان في حديث ابن بجينة لما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين أنه سجد قبل السلام.
وخرجا في حديث ذي اليدين لما سلم من اثنتين أنه صلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين.
وخرجا في حديث ابن مسعود أنه عليه السلام لما صلى الظهر خمسًا سجد سجدتين بعد السلام.
فهذه أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختلفت كما ترى.
وقد اختلفت ظواهر أقواله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشك وسنوردها عليك إن شاء الله فيما بعد.
فأما داود فلما كان من نفاة القياس أخذ بكل حديث على ما وقع فيه وأنكر ما خرج عنه ولم يستعمل البناء في الأحاديث لجواز ورود التعبد بحسب ما وردت فيه من الاختلاف.
وأما ابن حنبل.
فلم يستعمل البناء فيها لأجل ما اعتللنا به لداود ولكنه استعمل القياس فيما سواها.
وتمسك فيه بالمعنى.
وصار إلى كونه قبل السلام لما سنورده عليك في احتجاج القائلين بأن السجود كله قبل السلام.
وأما من أشار إلى التخيير فإنه قد تعذر البناء عليه ولم يجد سبيلًا إلى طرح جميع الأحاديث فاستعملها على جهة التخيير.
وأما من قال: السجود كله قبل السلام فإنه يتأول ما ورد من الأحاديث بأنه بعد السلام على ثلاثة أوجه: أحدها أن يقدر أن المراد بالسلام، السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -: السلام 1 المذكور عند التشهد.
أو يحمل ما وقع من سجوده عليه السلام بعد السلام على أنه نسي أن يوقعه قبل السلام فأوقعه بعده.
أو يحمله على أنه كان ثم نسخ.
ويعضده بقول ابن شهاب كان آخر الأمرين السجود قبل السلام.
وهذا إشارة إلى أنه كان بعد ثم نسخ.
وأما من قال السجود كله بعد السلام فإنه يتأول ما وقع من الأحاديث بأنه قبل السلام على أحد وجهين.
إما أن يريد أن السجود قبل التسليمة الثانية وإما أن يريد السجود قبل التسليم منه.
وأشار بعضهم إلى تأويل ثالث وهو أن المراد بالسجدتين السجدتان اللتان من نفس

الصلاة.
فهذه جملة تأويلات هؤلاء، وهؤلاء 1. وإنما يبقى النظر في أحد أمرين هل البناء غير واجب فيكون الأمر كما قاله من أَتبع الأحاديث على حسب ما وقعت.
أو البناء واجب، فينظر في تأويل الفئتين فترجح طريقة من كان أقرب منهم استمساكًا بالظواهر.
وقد دافعت كل طائفة الأخرى عن تأويلها.
فقيل أما التسليمة الثانية فلا يسلمها، وإذا لم يسلمها لم يصح البناء عليها.
وأيضًا فإن في بعض طرق ابن بجينة فانتظرنا تسليمه 2. والتسليمة الثانية لا تنتظر.
وكذلك حمل القول بأنه سجد قبل السلام على أن المراد به قبل التسليم من سجود السهو، فيه بُعْد عن مقتضى اللفظ وخروج به عما يفهم عنه.
وكذلك تأويل السجدتين على اللتين من نفس الصلاة تأويل بعيد وتعسف شديد.
وكذلك تأويل السلام على السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - خروج عن الظاهر.
وأيضًا فإنه قال تشهد.
ثم سلم.
والتشهد بعد السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتقدير سهوه عليه الصلاة والسلام عن إيقاع السجود للسهو قَبْلُ بعيد؛ لأن السهو منه نادر.
ولما استشعر مالك رضي الله عنه بعد هذه التأويلات وبناء الفريقين وكون كل واحدة من الطائفتين ترد مذهمه ظواهر ألفاظ أحاديث الطائفة الأخرى، استعمل في البناء طريقة ثالثة لا يردها ظاهر لفظ.
فأثبت سجود السهو قبل السلام تارة لأن حديث ابن بُجينة تضمن نقصًا فجعل سجود النقص قبل السلام.
ورأى حديث ابن مسعود في زيادة الخامسة تضمن زيادة فأثبت سجود الزيادة بعد السلام.
وأما مذهبه في سجود الشاك فسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وقد تمسك فقهاء الأمصار بطريقة المعنى فيقول من رأى السجود قبل السلام أن الأصل أن يوقع عقيب سببه.
وإنما أخر لما قلناه من العلل.
والعلل التي ذكرناها ترتفع قبل السلام، فوجب أن تفعل عنده ولا تؤخر عنه.
وتمسك

من قال: بأنه بعد السلام بأنه زيادة على المقادير المقدرة في الصلاة فرسمه 1 أن يفعل عنده ولا تؤخر عنه و"تمسك" 2 ويكون خارجًا عنها صيانة للصلاة عن الزيادة في مقاديرها.
وتمسك من فرق بين النقص والزيادة بأن سجود النقصان جبر.
وجبران الشيء لا يكون إلا في نفسه وقبل تقضيه.
وسجود الزيادة ترغيم وليس بجبران 3 الناقص.
فوجب أن يكون بعده.
هذه النكت التي دارت عليها جملة المذاهب لفظا ومعنى.
وإذا اجتمع النقص والزيادة غلّب مالك حكم النقص إذ السجود بعد السلام ترغيم للشيطان ولا يرغم الشيطان بصلاة ناقصة.
وقد قدمنا مذهب عبد العزيز في هذا.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف قول مالك في الإحرام لسجود السهود الذي بعد السلام 4 فنفاه مرة وأثبته أخرى.
واختلف قوله في التشهد لما قبل السلام من سجود السهو فأثبته مرة لأن من سنة السلام أن لا يقع إلا بعد تشهد.
ونفاه مرة أخرى لئلا يتشهد في الرابعة مرتين.
وقد اختلف الناس في التشهد والسلام في سجود السهو الذي محله بعد السلام من الصلاة.
فمذهبنا إثباتهما.
وذهب الحسن إلى نفيهما.
وروي ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وذهب النخعي إلى إثبات التشهد دون السلام.
وذهب عطاء إلى التخيير في ذلك إن شاء فعل التشهد والسلام وإن شاء لم يفعلهما.
وفي المدونة لابن القاسم إذا انتقض وضوؤه قبل أن يسلم منهما إن لم يعدهما اكتفى بهما.
وقيل لا يكتفي بهما.
واختلف القول عندنا في الإحرام لهما إذ لم يوقعهما بعد السلام وأوقعهما بعد أن طال انفصاله من الصلاة.
ولو كانتا قبل السلام فنسيهما لأحرم لهما إذ لا يرجع لإصلاح ما انتقض من الصلاة إلا بإحرام.
وقد اختلف الرواة في حديث

ذي اليدين: فبعضهم ذكر السلام وبعضهم لم يذكره 1. وهذا سبب اضطراب الناس.
وكذلك لم يذكر في حديث ابن بجينة التشهد لهما.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وإن سها عنهما سجد للتين بعد السلام متى ما ذكر 2. وأما اللتان قبله فيسجدهما ما لم يطل أو ينتقض وضؤوه فإن 3 كان ذلك أعاد الصلاة.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - هل سجود السهو واجب أو سنة؟.
2 - وما حكم من أخر سجود السهو الذي قبل السلام؟.
3 - وأين يسجده 4 إذا ذكره؟.
4 - وما حكمه إذا ذكره وهو في الصلاة؟.
5 - وما حكم من قدم ما بعد السلام 5 إلى ما قبل السلام؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في سجود السهو، فذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب وذهب الشافعي إلى أنه سنة، وقد قدمنا قول القاضي أبي محمَّد في هذا الكتاب أنه يتنوع إلى واجب، وسنة.
ومعنى ما أشار إليه من هذا التنوع أن ما كان منه بعد السلام فهو سنة وما كان قبله 6 فهو واجب على قولنا: إن تأخير ما قبل السلام إلى ما بعد الصلاة تأخيرًا طويلًا يفسد الصلاة.
وسنتكلم في جواب السؤال الثاني على اختلاف المذهب في هذا عندنا.
وثبوت الوجوب أو سقوطه مخرج على ما نذكره من الخلاف في هذا 7

فحجة الوجوب قوله عليه السلام في حديث ابن مسعود فليتحر به الصواب وليتم ما عليه وليسجد سجدتين 1. وهذا أمر والأمر على الوجوب عند جماعة من أهل الأصول.
واستدل بعض الموجبين بجبران الحج.
وأجيبوا عنه بأن جبران الحج عوض عن واجب وسجود السهو عوض عن غير واجب.
بهذا انفصل بعض أصحاب الشافعي عن القياس على الحج.
ولعلنا نحن إن شاء الله نحقق القول في كتاب الحج على هذا الموضع.
وحجة من أنكر الوجوب قوله في حديث أبي سعيد كانت الركعة نافلة له والسجدتان 2. فقد صرح بكونهما نافلة.
وقال أيضًا والسجدتان ترغمان الشيطان (2). وترغيم الشيطان ليس بواجب.
أصله الحوقلة.
ولأن الجبران يجب أن يكون بحسب المجبور وحكمه حكمه.
لأنه كالتابع له.
فلما كان سجود السهو إنما يفعل عوضًا عن ترك سنة لا عن ترك واجب وجب أن يكون السجود في نفسه سنة لا واجبًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد تقرر من مذهبنا أن سجود السهو إذا كان بعد السلام فإن الصلاة تصح، وإن طال الفصل بينه وبين الصلاة.
فأما الذي قبل السلام فاختلف المذهب إذا آخره عن الصلاة حتى طال الفصل بينهما.
فروي عن مالك أن الصلاة تفسد من غير اعتبار بالمتروك الذي كان السجود عوضًا عنه.
وروي عنه أن الصلاة إنما تفسد إذا كانت عوضًا عن بعض الأفعال.
ولم يعتبر الأفعال على الإطلاق ولا اعتبر شيئًا من الأقوال.
وقال في المختصر إنما تبطل الصلاة إذا كانت عوضًا عن الجلسة الأولى أو أم القرآن من ركعة.
وما سوى هذين فلا يؤثر في بطلانها.
وأوجب ابن القاسم الإعادة في أحد قوليه إذا كانت عوضًا عن ثلاث تكبيرات.
أو عن القول سمع الله لمن حمده ثلاث مرات.
وقال محمَّد بن عبد الحكم لا إعادة، وإن كانت عوضًا عن الجلسة الأولى، أو ترك القراءة في ركعة.
وهذا القول حكم بصحة الصلاة مع المتروك على الإطلاق بعكس القول الأول الذي ذكرنا فيه بطلان الصلاة على الإطلاق من غير اعتبار بالمتروك.
ولم أقف على خلاف في المذهب.

أما ما كان منها قبل السلام فأوقعه بعد 1 السلام، إن الصلاة لا تبطل.
وقال أبو حنيفة إن تكلم عامدًا قبل أن يسجد لسهوه بطلت صلاته.
وأصله أن سجود السهو كله بعد السلام كما قدمناه.
وقد اختلف هو وصاحبه محمَّد بن الحسن في تسليم الصلاة الذي يؤمر المصلي بعده بسجود السهو هل يخرج هذا التسليم من الصلاة أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج من الصلاة ويحلل منها حكمًا، وينفصل منها المصلي ثم ينفصل بعد ذلك بالسجود؛ لأن السجود جبران.
وجبران الشيء بعد إكماله، ويعود في حكم المتصل به.
وقال محمَّد بن الحسن لا يخرج التسليم من الصلاة ولا يحلل منها لأن تسليم التحليل لا يؤمر بعده بصلاة هي من الأولى.
وعندي أن بطلان الصلاة بالكلام على أصل محمَّد بن الحسن أوضح.
وقال الحسن وابن سيرين إذا صرف وجهه لم يسجد.
وقال الحكم وابن شبرمة إذا خرج من المسجد أعاد الصلاة.
وقال أبو ثور إن كانتا 2 للنقصان فتعمد وسلم وهما عليه أعاد الصلاة.
وإن كانتا للزيادة سلم 3 وسجد سجدتي السهو.
وقال أحمد ما كان منه من الصلاة إن تركه عامدًا بطلت صلاته.
وإن كان ساهيا أتى به ما لم يتطاول الفصل.
فإن تطاول الفصل لم يأت به.
وإن لم يذكر سجود السهو قبل السلام ولم يقل بإبطال الصلاة مع طول الانفصال.
فظاهر مذهب من قال بذلك من أصحابنا عندي أن يسجد متى ما ذكر.
واختلف قول الشافعي.
فقال مرة إنه يسجد وإن طال الفصل كجبران الحج فإنه يوقع وإن طال الفصل وقال مرة أخرى لا سجود عليه إذا طال الفصل 4 لأن سجود السهو مبني على الصلاة.
ومقدر كالجزء منها.
ومع الطول يمتنع البناء.
وجبران الحج ليس مبنيًا عليه فيفتقر للاتصال.
وسبب ما قدمناه من الاضطراب في مذهبنا في تأخير سجود السهو الذي قبل السلام: أن

من اعتبره بحال ما هو 1 عوض عنه لم يبطل الصلاة لأنه عوض عن متروك ليس بواجب.
وإلى هذا كان يميل 2 بعض أشياخي المحققين.
ومن أبطل الصلاة به على الإطلاق إذا تطاول الفصل، فإنه ينزله بخلاف منزلة ما هو عوض عنه.
ولا يستبعد أن يكون ترك مندوب إليه علمًا على وجوب فعل آخر.
ومن فصل اعتبر تأكيد المتروك وخفته 3. فقد تستخف الأقوال وتنحط رتبتها عن الأفعال لأجل مجيء الشرع يحمل الإِمام بعضها وهي القراءة.
وهي من أركان الصلاة.
ولم يرد الشرع بحمله فعلًا من الأفعال.
ومن قصر الإبطال على ترك الجلسة الأولى وقراءة أم القرآن من ركعة واحدة، قصر التأكيد على هذين خاصة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: من ذكر سجود السهو الذي قبل 4 السلام فإنه يسجد حيث ما ذكره إلا أن يكون عوضًا عن متروك من صلاة الجمعة.
فإن ابن المواز قال لا يجزيه إلا أن يكون في الجامع.
وكأنه رأى أن الجمعة من شرطها الجامع على الجملة.
فكان شرطًا في أجزائها 5. وقد قال ابن شعبان إن الراعف 6 في صلاة الجمعة يتم حيث غسل الدم.
فعلى هذا يسجد ذاكر السجود حيث ما ذكر.
وكان هذا رأى أن السعي أشد من اعتبار الجامع أو غير ذلك مما سيبسط في باب الرعاف إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا ذكر سجود السهو الذي قبل السلام وهو في صلاة أخرى فإن ذلك معتبر ومبني على المذاهب التي قدمناها.
فمن رأى أنه لا يبطل الصلاة تأخر الفصل لم يؤثر ذكره في هذه الصلاة، ولكنه يوقعه بعد فراغها.
وقد قال ابن القاسم فيمن ذكره 7 من نافلة وهو في نافلة

أخرى قد أط الذيها أنه يستحب له السجود بعد فراغه منها.
قال أصبغ ولا يجب ذلك عليه.
وأما من حكم ببطلان الصلاة على الإطلاق أو حكم ببطلانها على تفصيل، وكان هذا السجود مما اقتضى تفصيله إبطال الصلاة به، فإنه إن ذكره ولم تطل قراءته في هذه التي هو فيها ولا ركع فيها، فإنه يعود إلى إصلاح الأولى بالسجود، ويقدر هذا الفاصل كالعدم، ما لم يكن سجود السهو من نافلة والذكر في فريضة، فإن هذا لا يقطع الفريضة أصلًا لحرمتها وعلو قدرها على قدر النافلة، فلا يؤمر بإبطال الأعلى بما هو أدنى منه.
وإن لم يذكر السجود إلا بعد أن أطال القراءة أو ركع فإنه يكون كذاكر صلاة وهو في صلاة أخرى.
وسنتكلم على حكم ذاكر صلاة وهو في صلاة.
وقد وقع بين الأشياخ تنازع في ظاهر المدونة فيمن ذكر سجود السهو في فريضة وقد أطال القراءة في فريضة أخرى.
فقال بعضهم يقطع هذه.
ولو كانت نافلة لأتمها لأن الفرض الثاني إنما يوقع عند ذهاب وقت الفرض الأول.
فلو أمران يصير ما هو فيه من الفرض نفلًا لزاد الأولى تفويتًا.
والنفل قد يقع ووقته الأول لم يفت ولو كان تماديه على النفل بفوات وقت الاختيار في الفريضة لقطع 1 كما يقطعه من ذكر 2 وهو فيه قبل أن يركع صلاة فات وقتها.
وقد قيل إنما يقطع في الفرض دون النفل لأن الفرض يعود إليه والنفل لا يعود إليه.
ولأن الفرض إن تمادى فيه إلى صورة النفل تغيرت نيته الأولى.
والنفل لا تتغير نيته فيه.
والفرق الأول مال إليه بعض الحذاق.
وقال غيره من الأشياخ إنما قال في المدونة تنتقض صلاته ولم يذكر ماذا يفعل.
وهذا التنازع أيضًا إنما هو في ظاهر المدونة خاصة وإلا ففي الموازية أنه يقطع في الفريضة كما قال الأولون.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا لمالك أنه أشار إلى أن محل سجود السهو واختصاصه بما قبل السلام أو بما بعد السلام ليس يتأكد.
فمن آخر ما قبل السلام إلى ما بعد أجزأته صلاته.
ومن قدم ما بعد السلام إلى ما قبل تعمدًا ففي بطلان صلاته اختلاف.
فذهب ابن القاسم إلى الأجزاء.
وهذا هو

المستحسن على ما قلناه في نفي تأكيد تعين المحل.
وذهب أشهب إلى بطلان الصلاة.
وقدره كالزيادة فيها متعمدًا.
وإذا 1 لم نقل ببطلان الصلاة فهل يؤمر بإعادته بعد الصلاة ليقع في محله المشروع فيه اختلاف أيضًا.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: والمتروك بالسهو أربعة أنواع: فريضة وسنة وفضيلة وهيئة، ولا يسجد لشيء من ذلك إلا للسنة وحدها.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة استيعاب هذا التقسيم؟.
2 - وهل فيه تداخل أم لا؟.
3 - ولِمَ اختص سجود السنن دون ما سواها؟.
4 - وهل تختلف أجناس السنن في هذا أم لا؟.
5 - وهل يعفى عن القليل منها أم لا؟.
6 - وهل كثيرها يفسد الصلاة أم لا؟.
7 - وهل تركها عمدًا كتركها سهوًا؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الدليل على صحة هذا التقسيم أن المشروع في الصلاة من الأقوال والأفعال، إما أن يأثم بتركه فيكون واجبًا أو لا يأثم بتركه، ويؤجر على فعله فيكون ندبًا.
ثم يتأكد الندب فيسمى سنة.
ويضعف فيسمى فضيلة وما سوى ذلك فليس بمشروع لأن المحرم والمكروه والمباح لم يشرع فعله في الصلاة فثبت صحة استيعاب هذا التقسيم.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: هذا التقسيم فيه أشكال.
وقد يظن به تداخل في التقسيم وذلك أن الهيئة ما كان مباحًا فعله 2. لم 3 يشرع للمصلي ولا أمر به على وجه فإنه غير معدود في المتروكات المشروعات وهو إنما أخذ في تقسيم المتروك المشروع.
وإن كانت الهيئة مشروعة ومأمورًا بها

فإن 1 الأمر لا ينفك من أن يكون واجبا أو ندبًا.
والهيئة معدودة في جملة الفضائل.
وإذا عدت في الفضائل وقع التداخل في هذه القسمة.
لكن لما كان رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وشكل الجلوس في الصلاة أمرًا غير خارج عنها ولا منفصلًا منها.
والصلاة راجعة إلى حركات، ولا تنفك الحركات من وقوعها على إحدى الجهات عدها قسمًا غير ما يقع منفصلًا من الصلاة، وتنفك الصلاة منه.
ويصح تركه على حياله كالتأمين والقنوت.
وقد تقدم للقاضي أبي محمَّد في هذا الكتاب عد الهيئات في الفضائل.
لأنه قال وفضائلها سبع وهي رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.
ورفع اليدين من الهيئات.
فإذا عد رفع اليدين من الفضائل وهو من الهيئات ثبت أن التحقيق ما قلناه من دخول الهيئات في الفضائل، ولكن العذر عن عدها ها هنا قسما رابعًا ما أشرنا إليه.
والمعنى الواحد يختلف تقسيمه باختلاف مواقعه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد قدمنا أن المشروع في الصلاة لا ينفك من كونه واجبًا أو ندبًا.
والأصل في القضاء الامتثال.
فما أفسد أو أتلف فإنما يقضى بمثله.
فالفروض إذا تركت تقضى بأمثالها.
والمندوب إليه ما ضعفت مرتبته ثم لم يؤثر في نقص كمال الصلاة تأثيرًا يحوج إلى تلافيه فاستغني عن سجود السهو فيه.
وما تأكدت مرتبته من المندوبات جاء الشرع بأنها لا تقضى بأمثالها وخرج عن الأصل الذي قلناه.
ولما كان تأثيرها في نقص الكمال تأثيرًا متحسسًا إليه تلافى النقص بسجود السهو.
فلهذا قصر السجود على ترك المسنون.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: لا يختلف جنس السنن عندنا في إيجاب سجود السهو، خلافًا للشافعي في قصره سجود السهو على ترك الأفعال دون الأقوال.
ولنا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكل سهو سجدتان" 2. وقياس الأقوال على

الأفعال بعلة أن السجود على ترك المسنون إنما شرع تلافيًا لنقص الصلاة.
وانتقاصها يكون بترك الأقوال كما يكون بترك الأفعال.
ولم يختلف المذهب عندنا في أن ترك التسبيح في الركوع والسجود لا يوجب سجود السهو 1. واختلف المذهب في ترك تكبيرات الركوع والسجود.
فالمشهور من المذهب إثبات سجود السهو في ذلك.
وقال أشهب لا يجب، ويستحب أن يسجد فيه بعد السلام، وصرح بقياس ترك التكبير على التسبيح في نفي إيجاب سجود السهو.
ولما رأى السجود في ذلك ليس بواجب، ولكنه مستحب جعل محله بعد السلام لئلا يزيد في الصلاة فعلًا لا يجب فيها.
وسلم أن ترك المزيد من تكبيرات إحدى ركعتي العيد يوجب سجود السهو.
وهكذا قال أبو حنيفة بقصر سجود السهو على ترك المزيد من تكبيرات العيد دون غيره 2 لما كانت كثيرة يؤتى بها في محل واحد كالتشهد الأول.
وقال الشافعي في تارك التكبيرات وتسبيح الركوع والسجود لا يقضيه ولا يسجد له بناء على أصله الذي قدمناه في اختصاص سجود السهو بترك الأفعال.
وقال قتادة والأوزاعي يقضيه إذا ذكره.
وهذا فاسد لما قدمناه من أن محل الفعل إذا فات لم يقض الفعل بمثله إذا كان مسنونًا، وإنما يُقضى بسجود السهو.
وقال الحكم وإسحاق وأبو ثور يسجد للسهو.
وقد قدمنا اختصاص سجود السهو بترك السنن دون ترك الفضائل.
وهكذا اختلف الناس فيمن أسر في موضع الجهر أو جهر في موضع السر.
فقال الشافعي لا سجود عليه، واحتج له بأن ذلك هيئة لا يقتضي تركه للسجود كوضع اليمين على الشمال.
ولم يختلف المذهب عندنا في إثبات السجود في ذلك.
وإن كان وقع لمالك رضي الله عنه فيما روى أشهب عنه فيمن أسر في موضع الجهر أن سجوده بعد السلام، وأصله في النقص أن يكون السجود قبل السلام.
فتأخيره السجود إلى انقضاء الصلاة إشارة إلى ضعف السجود عنده، وتوقى 3 في إثبات السجود قبل السلام من زيادة فعل في الصلاة ليس بواجب.
وهذا

كنحو ما ذكرناه عن أشهب في استحبابه إيقاع سجود السهو بعد السلام في تارك التكبيرات.
وقد حاول بعض الأشياخ أن يخرج في المذهب اختلافًا في الإسرار والإجهار هل يعد ذلك في جملة الهيئات أو لا يعد في جملتها؟ وبنى على هذا اختلاف أصحاب مالك رضي الله هـ تعالى عنه فيمن ترك الإجهار والإسرار تعمدًا هل تبطل صلاته أم لا، وهذا الشيخ وإن سلم له هذا التخريج في عد ذلك هيئة فإنه قد لا ينحو نحو الشافعي في إسقاطه السجود في ذلك لكونه هيئة على ما قدمناه.
وقد كنا قدمنا اختلاف المذهب في السجود عند ترك قراءة السورة التي مع أم القرآن.
وأشرنا إلى وجه الاختلاف فيه.
فمن أحب مطالعته فليقف عليه في باب القراءة.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا أن المندوب إليه يتنوع.
فما تأكد منه جُبر بسجود السهو.
وما ضعف منه وهو المسمى بالفضيلة لم يسجد فيه للسهو.
فاختلف المذهب على هذا الأصل فيمن ترك تكبيرة واحدة هل يسجد للسهو أم لا؟ فمن أثبت السجود فإن التكبيرة الواحدة لحقت بتأكدها بمرتبة السنن فكان في تركها السجود.
ومن لم يثبت السجود فيها فإنه يراها لقلتها بالإضافة إلى سائر التكبير لم تتأكد تأكدًا يُلحقها بالسنن التي يجب السجود فيها.
وقال في المدونة لا سجود في ترك التكبيرة ونحوها 1 وقال الأشياخ معنى قوله ونحوها القول: سمع الله لمن حمده.
وقد وقع في المدونة لفظ آخر يُبعد عندي تأويلهم هذا على مقتضى ظاهره.
وهو قوله من نسي سمع الله لمن حمده ذلك خفيف بمنزلة من نسي تكبيرة أو نحوها.
وفي المدونة أيضًا فيمن أبدل سمع الله لمن حمده بالتكبير.
والتكبير يسمع الله لمن حمده أنه يعود فيفعل ما وجب عليه فإن لم يفعل سجد للسهو قبل السلام.
وقد يفهم من إطلاق هذا الظاهر ما كنا حكيناه عن قتادة والأوزاعي من أن تارك التكبير يقضيه بعد فواته؛ لأن هذا إنما ذكر ما أحل به بعد أن رفع رأسه من الركوع.
فإذا 2

أمر بأن يقول الله أكبر بعد رفعه من الركوع فقد قضى الشيء في غير محله وبعد فواته.
ولكن تأول بعض الأشياخ أن المراد بما وقع في المدونة أنه يعود فيقول سمع الله لمن حمده خاصة.
فيكون إنما أتى بالتحميد عنده في محله ولم يقض شيئًا بعد فواته.
وأكدوا هذا التأويل أيضًا بأنه إذا اقتصر في الإصلاح على التحميد خاصة، صار قوله مرتبًا؛ لأنه لما أعاد التحميد بعد التكبير فقد حصل الترتيب المطلوب في الشرع آخرًا، وإن كان لم يحصل أولًا.
وهذا كمن قرأ السورة قبل أم القرآن فإنه إنما يعيد السورة خاصة فيحصل بإعادتها الترتيب آخرًا، الذي أحل به أولًا.
وخالف في ذلك بعض الأشياخ فقال يأتي بالتحميد والتكبير؛ لأن التكبير الذي أوقعه قصد به الرفع فلا ينوب له عن تكبير شرع له أن ينوي به الخفض.
ولا يحصل الترتيب بإعادة التحميد خاصة لأجل ما قلناه من عدم النية المشروعة في التكبير.
ورأيت في بعض 1 التعاليق عن الشيخين أبي القاسم بن الكاتب وأبي عمران أنه إذا عاد لقول ما يجب عليه لم يسجد؛ لأنه إنما يحصل معه زيادة تكبيرة وزيادة التكبير لا سجود فيه.
وحكى أبو محمَّد عبد الحق عن بعض أشياخه أنه يسجد بعد السلام.
وقال بعضهم إن قلنا أنه يعود فيأتي باللفظتين جميعًا اتضح سجود السهو لأن اللفظتين المطروحتين زيادتان.
وزيادة تكبيرتين يؤمر فيه بسجود السهو.
وتردد قوله في السجود على طريقة من قال إنما يأتي بإحدى اللفظتين وأشار إلى بناء ذلك على اختلاف 2 التعليلين.
هل أمر بإعادة التحميد خاصة لأنه يعتد بما سبق من التكبير فيكون المزيد التحميد خاصة وذلك لا يقتضي سجود السهو.
وإنما أمر بإعادة التحميد خاصة لفوات محل التكبير فيكون قد زاد لفظتين وذلك يقتضي السجود.
ونقص التكبير أيضًا يقتضي السجود.
واختلف المذهب فيمن أبدل في أحد هذين الموضعين خاصة، فقيل: لا سجود عليه لأن قصارى ما فيه أنه أدخل تكبيرة أو ما في معناها.
والإخلال بتكبيرة لا سجود فيه كما قدمناه.
وقيل يسجد قبل السلام لأنه نقص ما كان مأمورًا به أن يقوله فلم يفعل وزاد

القول الذي وضعه في غير موضعه، فاجتمع فيه سهوان.
فأمر بالسجود لهما بخلاف السهو الواحد الذي هو مجرد ترك تكبيرة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما زيادة ركعة في الصلاة الرباعية سهوًا فلم يختلف المذهب في أن الصلاة لا تبطل بها.
وقال أبو حنيفة إذا زاد الركعة الخامسة بعد أن جلس في الرابعة مقدار التشهد ولم يذكر حتى سجد فإنه يضيف إليها سادسة وتكون الركعتان نافلة.
وإن لم يذكر حتى سجد في الخامسة ولم يكن قعد للرابعة بطلت صلاته.
لأنه يرى أن السلام ليس بركن في الصلاة، وإن الخروج من الصلاة يكون بغيره.
فإذا جلس مقدار التشهد عدّ خارجًا منها بالنفل.
فإن لم يجلس مقدار التشهد فقد خلط النفل بالفرض، فأفسد الفرض.
ولا يعذر في هذا السهو وإنما أمره أن يضيف إلى الخامسة سادسة إذا جلس مقدار التشهد ليشفع الركعة النافلة المزيدة.
ويستدل على هذا الشفع بما وقع في حديث الشاك من الركعة المزيدة تكون نافلة ويشفعها بسجدتين.
ولنا عليه حديث ابن مسعود أنه عليه السلام صلى الظهر خمسًا 1. فقيل له في ذلك فسجد للسهو.
فهذا الحديث حجة عليه على أي الوجهين وقع.
فإن تأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم -جل س في الرابعة فإنه لم يشفع الخامسة سادسة.
وإن كان لم يجلس في الرابعة فإن صلاته اعتد بها فلم تكن فاسدة.
وحديث الشاك إنما ذكر فيه الشفع بسجدتين.
وأبو حنيفة يرى في مسألتنا الشفع بركعة كاملة.
ومعنى قوله في حديث الشاك كانت الركعة نافلة 2 أي يثاب عليها وإن لم تكن واجبة عليه في باطن الأمر.
وإن كثر السهو فاختلف المذهب فيه.
فقيل: زيادة نصف الصلاة كركعة في الصبح واثنان في الظهر تبطل الصلاة.
وقيل لا يعتبر النصف في الصلاة الثنائية وإنما يعتبر زيادة ركعتين.
وروي عن مالك أنه لو صلى الظهر ثمانية ساهيًا لم تبطل صلاته.
وهكذا قال مطرّف من

صلى المكتوبة ستًا فأكثر لم تبطل صلاته وبأنه رأى 1 الطول في قربة بخلافه في غير قربة.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: من أحل بشيء من السنن متعمدًا فقد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال: فقيل يسجد كما يسجد الساهي.
وقيل بل هو بخلاف الساهي.
واختلف هؤلاء في الإعادة.
فقيل لا إعادة عليه.
وقيل يعيد في الوقت.
وقيل يعيد أبدًا.
فمن أمره بالسجود رأى أن الساهي إذا سجد تلافيًا للنقص مع عذره بالسهو.
فالعامد الذي لا عذر له أولى بالسجود.
ومن نفى السجود يرى أن الأصل قضاء ما أحل به بمثله، وتعويضه بالسجود خارج عن الأصل.
وإنما ورد السجود في السهو فلم يقس عليه مع خروجه عن الأصل.
ثم تأكد أمر المتروك عمدا عند طائفة من هؤلاء حتى لحق بالواجبات في إفساد الصلاة إذا تعمد تركه، فأوجبوا الإعادة أبدًا.
ولم يتأكد عند آخرين فلم يفسدوا بتركه الصلاة.
واستحب بعض هذه الطائفة الإعادة في الوقت ليأتي بصلاة متفق على صحتها.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: فأما الفريضة فلا يجزئ منها إلا الإتيان بها وقد بينا السنن فيما تقدم.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالًا.
منها أن يقال: 1 - ما حكم من ذكر أنه ترك سجدة من ركعة وهو فيها؟.
2 - وما حكمه إن ذكر ذلك من ركعة سابقة؟.
3 - وما حكمه إن ذكر تركها من ركعات؟.
4 - وما حكمه إن شك في تركها؟.
5 - وما حكمه إن ذكر تركها بعد أن زاد في عدد الصلاة؟.
6 - وما حكمه إن فعلها دون إمامه؟.

7 - وكيف يرجع إلى إصلاح ما ترك من السجود؟.
8 - وما حكم سجود السهو في ذلك؟.
9 - وما حكمه إن نسي الركوع؟.
10 - وما حكمه إن ذكر سجدة أو ركعة في صلاة أخرى؟.
11 - وما حكمه إن نسي التشهد الآخر؟.
12 - وما حكمه إن نسي السلام؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: من ذكر سجدة من ركعة هو فيها لم تنقض بعد فلا خفاء في أنه يسجدها.
ولو كانت في الركعة الرابعة فذكرها بعد أن تشهد وقبل أن يسلم، فإنه يسجدها إذا لم يحل بينه وبين ذلك حائل.
ويعيد تشهده لوقوعه في غير موضعه.
لأن من سنته أن يؤتى به بعد السجدتين.
وهذا أتى به بعد إحداهما.
وإن لم يذكر ذلك حتى سلم من الرابعة، فالمذهب على قولين: فقيل الحكم فيه كما ذكرناه.
والسلام لا يحول بينه وبين إصلاح ما هو فيه.
وقيل قد حال السلام بينه وبين الإصلاح.
والسلام في هذا كركعة تحول بينه وبين الإصلاح فيقضي الركعة في جملتها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إن ذكر سجدة من الركعة الأولى وقد قام إلى الثانية ولم يقرأ فإنه يرجع لإصلاح ما أحل به.
وإن ذكر بعد ما قرأ فكذلك أيضًا.
خلافًا لابن حنبل في قوله: إذا قرأبيلت الركعة التي أحل بسجدتها.
واعتد بالركعة التي هو فيها، وكأنه رأى أن القراءة لما كانت فرضًا لم يحسن إبطالها لفرض آخر فات موضعه وكان الجماعة رأوا أن السجود آكد من القراءة.
وأركان الأفعال آكد من أركان الأقوال، فإنما رجوعه لما هو آكد ثم يعود إلى القراءة فيجد محلها لم يفت.
وإما أن ذكر وهو راكع لم يرفع رأسه من الركوع.
فالمذهب على قولين: هل انعقاد الركعة تمام الانحناء فيمنعه ذلك من إصلاح ما قبل، إذ لا يحسن إفساد فرض حاصل لفرض فائت.
أو انعقادها رفع الرأس منها فيعود لإصلاح ما سبق، إذ أن ركعته لم تنعقد حتى يقدر مفسد ركعته لركعة أخرى.
وخيره ابن المواز بين الاعتداد بها وإبطال ما قبلها مما أحل بسجوده أو الرجوع لإصلاح ما فاته.
وأما أن ذكر بعد أن رفع رأسه فإن المذهب

عندنا أنه يعتد بما هو فيه ويلغي الركعة التي أحل بسجدتها.
وإن لم يذكر حتى سجد للثانية فإن ذلك عندنا آكد في إلغاء ما سبق.
وعند الشافعي إن سجد للثانية يعتد به عما ترك من الأولى حتى يكمل به الأولى ويلغي ما فعله في الثانية.
ويتخرج هذا عندنا فيمن لم يركع للثانية من قول ابن مسلمة فيمن سجد قبل السلام سجود سهو ثم ذكر أنه لم يسجد للرابعة أنه يعتد بسجود السهو.
فإذا اعتد ابن مسلمة بسجود السهو وجعله قضاء عن سجود الرابعة المفروض فأحرى أن يكتفي بسجود ثانية عن سجود أولى لتساويهما في الوجوب وكونهما من أركان الصلاة.
وقد كنا قدمنا من الكلام في تبدل النية ما يؤخذ منه تحقيق القول في هذه المسألة.
وذكرنا تبدل نية الفرض إلى نية النفل وتبدل النية بين الواجبات فلا معنى لإعادته ها هنا.
وأما أصل أبي حنيفة في هذه المسألة فمذكرر في التي تليها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات فعندنا أنه يصلح الرابعة بالسجدة التي أحل بها منها ويبطل ما قبلها.
ويجري كثرة السهو فيها على الاختلاف المذكور عندنا وهو إحدى الروايتين عن ابن حنبل، وعنه رواية أخرى وهو بطلان الجميع.
وقال الحسن والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة يأتي بأربع سجدات متواليات يكمل بها صلاته.
وحكى أصحابنا عن الشافعي أنه يعتد بركعتين بعد إصلاح الرابعة بسجدة.
ورأيت في كتب أصحابه الاعتداد بركعتين من غير اشتراط إصلاح الرابعة بسجدة.
وأما إن نسي الثاني سجدات فإنه لم يحصل 1 له سوى ركوع الرابعة.
فيبني عليها على أصلنا على حسب ما ذكرناه.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي أنه يأتي بثماني سجدات متوالية وتتم صلاته.
فدليلنا على أبي حنيفة أن الترتيب واجب في الصلاة فلا يجزئ سجود قبل ركوع ولا ركوع قبل قراءة.
فكذلك لا يجزئ توالي السجدات على ما ذكر لعدم الرتبة المشروعة.
وأما أبو حنيفة فإنه يرى الصلاة مبنية على ركعات متكررة.
وكل ركعة فيها أركان مختلفة من قراءة، وركوع وسجود فإذا حصلت

الركعة بسجدة واحدة فقد حصلت الأركان المختلفة.
وإنما بقيت سجدة واحدة هي مكررة بعد الأولى.
والتكرير لا يراعى فيه الترتيب كمن فاته بعض ركعات الإِمام، فإنها آخر صلاته، وإن كانت أول صلاة الإِمام، فلم يراع الترتيب ها هنا.
وأيضًا فإن الركعة إذا سجد فيها فقد أتى بأكثرها، والحكم متعلق بأكثر في صحة البناء، كمن أدرك الركوع مع الإِمام.
فأما ما قالوه من قضاء من فاته بعض ركعات الإِمام.
فسنتكلم على حقيقته في موضعه وأما ما قالوه فيمن أدرك الركوع مع الإِمام فإنما صح له البداية بالركوع لأن الإِمام ناب عنه في فعل ما قبله.
فقُدر المسبوق كالفاعل لما فعل الإِمام فلم تختل عليه الرتبة.
وفي مسألتنا لا نائب عنه حتى يقدر حصول الترتيب 1 بالنيابة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: حكم الشاك في ترك السجدة كحكم الموقن بتركها في 2 وجوب إتيانه بها.
لكن لو تيقن بتركها وهو في الرابعة، وشك في محلها هل هي من الرابعة أو مما قبلها أو شك في تركها وفي محلها.
فالمذهب على قولين: أحدهما أنه يصلح الرابعة بسجدة لجواز أن تكون السجدة منها.
ويأتي بعد ذلك بركعة لجواز أن تكون مما قبلها.
وهذا مذهب ابن القاسم.
والثاني أنه يأتي بركعة من غير أن يصلح الرابعة بسجدة.
وهذا مذهب أشهب.
وسبب هنا الاختلاف تقابل أمرين يطلب الترجيح بينهما فمن أمره بركعة وسجدة حاذر وقوعه في أمر غير مشروع.
وهو التفرقة بين سجدتي الركعة بعمل آخر ليس منها.
لأنا لو اطلعنا على أن السجدة المنسية من الركعة الرابعة، لم يجز للمصلي أن يؤخر إيقاعها ويتشاغل بقراءة وركوع قبل فعلها، وهذا لا يجوز مع اليقين.
وكان الشاك يمكن أن يكون حاله كحال هذا الموقن.
فلم

يحسن أن يأمره بفعل يقدر فيه الغلط لو تيقن.
فلما كان الاقتصار على الركعة خاصة يوقع في هذا تقديرًا عُدل عنه إلى أنه يؤمر بسجدة قبل الركعة.
ومن أمره بركعة خاصة حاذر وقوعه في أمر غير مشروع وهو زيادة في الصلاة قد يستغنى عنها.
وتفرقة بين الركعة التي هو فيها والركعة التي يقضيها بسجدة قد لا تجب 1 وإذا كان هذا لا يجوز مع اليقين مُنع الشاك منه خوفًا من الوقوع في الغلط الذي يقدر في الموقن.
وإن كان في الأمرين توقى ما ذكرناه فأيهما أحق أن يتوقى؟ اختلف المذهب فيه على حسب ما ذكرناه.
وعلى هذا المعنى جرى اختلاف أصحاب مالك في هذا الذي ذكر سجدة في الرابعة وشك في محلها وأمرناه أن يصلحها بالسجود هل يتشهد بعد سجدته لجواز أن تكون السجدة من الرابعة.
وحكم الرابعة أن يتشهد عقيب سجودها فإن لم يتشهد جوزنا عليه الوقوع في الغلط أو لا يتشهد لأنه يتشهد بعد ما يقضي، والتشهد الآخر لا يتكرر.
ولأن ما يقوم لقضائه فرض فلا يتشاغل بسنة، ولأنه يجوز أن يكون لم يحصل له سوى ثلاث والثلاث لا يتشهد فيها.
فإذا تشهد جوزنا عليه الوقوع في الغلط.
وكذلك اختلف أصحاب مالك فيمن ذكر وهو قائم في الثالثة سجدة لا يدري هل هي من الأولى أو من الثانية إذا أمرناه بسجدة يصلح بها الثانية هل يجلس ويتشهد لجواز أن تكون السجدة من الثانية وقد أصلحها فصحت له الركعتان.
وترك الجلوس بعد الركعتين غلط.
فإن لم يفعل توقينا عليه الوقوع في الغلط أو يؤمر إذا أصلح الثانية بالسجود ولا 2 يجلس ولا يتشهد لئلا تكون الثانية أولى، والجلوس في الأولى غلط.
فإن جلس توقينا عليه الوقوع في الغلط.
واحتج ابن المواز في الجلوس بأنه إذا أصلح بالسجدة وصار كمن شك لما سجد السجدتين، هل هو في الأولى أو في الثانية، ولو كان ذكره هذا وهو قائم في الرابعة وشك في محل السجدة فإنه إذا أتى بالسجدة جلس لأنه لم يحصل له من الصلاة سوى ركعتين وجلوسه في الركعتين مشروع.
فكان هذا بخلاف ما قدمنا الاختلاف فيه.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: قد قدمنا أن من نسي سجدة فإنه يعود لإصلاحها ما لم يَحُل بينه وبين أن يعود لإصلاحها عقد ركعة.
فإن عقد ركعة بعد ما نسي فإن كانت الركعة أصلية حالت بينه وبين الإصلاح كعقد الثانية فإنه يمنع من إصلاح الأولى والثالثة من إصلاح الثانية، والرابعة من إصلاح الثالثة.
وإن كانت الركعة خامسة زادها غلطًا فهل يَمنع من إصلاح الرابعة أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أن ذلك يمنع كما منعت الرابعة من إصلاح الثالثة.
والثاني أن ذلك لا يمنع لأن الخامسة المزيدة لا حرمة لها فيراعى إفسادها وإبطالها بخلاف الركعة الأصلية.
فإن قلنا إنها لا تمنع من الإصلاح عاد إليه وأكمل به ما وجب من الركعات عليه.
وإن قلنا إن ذلك يمنع من إصلاح الرابعة فإن الرابعة قد بطلت إذ لم يمكن إصلاحها.
ولما بطلت هل يقضيها أو تكون له الخامسة قضاء عنها؟ فيه قولان مبنيان على ما كنا أشرنا إليه في مسألة الساجد للثانية التارك لسجود الأولى، هل ينوب له ذلك عن سجود الأولى مع قصده بذلك غيرها أم لا ينوب له عن ذلك؟ فكذلك مصلي الخامسة ظنا أنها الرابعة لم يقصد بها القضاء عما وجب عليه من الرابعة التي أفسدها.
وقد قدمنا من الكلام في النية ما يؤخذ منه حقيقة الكلام في هذه المسألة.
ولو شك هذا الذي زاد ركعة خامسة في السجدة هل أسقطها من الرابعة أو الخامسة لكان جوابه مخرجًا على هذا الخلاف المتقدم: هل الركعة المزيدة لا تمنع من العود إلى الإصلاح فيصلح الرابعة بسجدة أو تمنع من الإصلاح ولكن تنوب عن الرابعة ويكتفي بإحدى الركعتين لقطعه بسلامتهما؟ أو تمنع ولا تنوب فتبطل الرابعة؟ وكذلك لو شك هل إسقاطه لسجدة أو سجدتين مجتمعتين أو مفترقتين؟ فيتخرج على أحد الأقوال المتقدمة أنه يسجد سجدة ينوي بها الخامسة لإمكان أن تكونا مفترقتين وقد بطلت الرابعة.
والخامسة تنوب عنها فتصلح بسجدة لجواز أن تكون السجدة منها.
ولا يصلح بسجدتين لأننا لو قدرنا أن السجدتين من الخامسة تحققنا كمال الرابعة.
والرابعة إذا كملت لم تفتقر إلى مزيد.
وإكمال التخريج على بقية الأقوال جار على نحو ما قدمناه.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا نسي الإِمام السجدة من ركعة

وسجدها المأمومون 1 فلا يخلو أن يكون لم يحل بينه وبين إصلاحها حائل (1) أو حال بينه وبين إصلاحها حائل.
فإن كان لم يحل بينه وبين إصلاحها حائل كناسي سجدة من الأولى وهو قائم في الثانية.
فإن الإِمام يرجع إلى إصلاح ركعته الماضية فيصلحها بسجدة.
واختلف في المأمومين فأوجب عليهم سحنون متابعته فيها، وإن كانوا قد سجدوها.
وقيل يستحب لهم متابعته فيها وإن كانوا قد سجدوها 2 وهم بمثابة من رفع من الركعة أو السجدة قبل الإِمام، فالإجزاء قد حصل والمتابعة تستحب.
وقال ابن القاسم لا يتابعونه في السجود وأحب إلى أن يعيدوا.
وهو أولى من أن يسجدوا ثانية فيزيدوا في صلاتهم متعمدين.
وأولى من أن يتبعونه في الركعة فتكون خامسة.
وإن كان قد حال بينه وبين إصلاحها حائل كالإمام يذكر في تشهد الرابعة أنه أسقط سجدة من الأولى وقد سجدها من خلّفه.
فاختلف في ذلك.
فمر سحنون على أصله وقال لا تجزيهم الركعة القياسجدوا فيها دون الإِمام.
ويأتي الإِمام بركعة يتبعونه فيها.
وقال محمَّد يعتد المأمومون بها ويقضي الإِمام الركعة دونهم.
وقد قدمنا استحباب ابن القاسم للإعادة 3 وهي عنده أولى من زيادة ركعة قد تكون خامسة.
وحكى ابن حبيب أن الإِمام إذا ذكر السجدة بعد أن حال بينه وبين إصلاحها حائل فألغى تلك الركعة وبنى على ما سواها أن صلاة المأمومين باطلة لاختلاف بناء الصلاة منهم ومن إمامهم.
ولو أن الإِمام زاد ركعة خامسة سهوًا لبطلت صلاة من تعمد اتباعه دون من سها، كسهوه، أو جلس.
فلو قال الإِمام ها هنا إنما أتيت بها لكوني أسقطت سجدة من الأولى فتصح صلاة الساهي وتبطل صلاة الجالسين إن جلسوا على شك، وتصح إن أيقنوا أنه لم يسقط.
وأما المتعمدون إتباعه فتبطل إن أيقنوا أنه لم يسقط إلا أن أن يتأولوا وجوب اتباعه فتكون إعادتهم مستحبة.
وأطلق ابن المواز القول

بصحة صلاة العامد وبطلان صلاة الجالس.
ولو أَتبع الإِمام في هذه الركعة الخامسة من فاتته معه الأولى وهو يعلم بكونها خامسة فقد بطلت صلاته.
وإن لم يعلم فليقض ركعة أخرى.
ولو قال الإِمام ها هنا كنت أسقطت سجدة من الأولى لأجزته هذه الركعة التي اتبعه فيها، وقد فاتته ولم يعلم بكونها خامسة إلا أن يجمع كل من خلف الإِمام على أنهم لم يسقطوا شيئًا فلا يجزئ هذا الذي اتبعه وهو لا يعلم وليقضها.
ويؤمر هذا الذي علم بكونها خامسة ألَّا يتبعه.
فإذا لم يتبعه واجتمع الإِمام وكل من خلفه على إسقاط سجدة من الأولى أعاد هذا صلاته.
ولو انفرد الإِمام بنسيانها دون من خلفه أجزأت هذا صلاته.
وإنما افترق انفراد الإِمام بالنسيان دون من خلفه من اجتماع المأمومين معه عليه؛ لأن الإِمام والمأمومين إذا اجتمعوا على إسقاطهم السجدة من الأولى فقد صارت الخامسة رابعة لهم وسقطت الأولى عن الإِمام والمأمومين كما سقطت عمن فاتته، وسجود السهو ها هنا قبل السلام لاجتماع الزيادة والنقصان فإذا لم يتبعه فيها من فاتته فقد بطلت صلاته لتركه الاتباع فيها يجب عليه الاتباع فيه، فإذا انفرد الإِمام بالنسيان فإنه يتنزل 1 منزلة من استخلف بعد أن فاتته ركعة، فلا يؤم فيها من فاتته.
وسجود السهو ها هنا بعد السلام، وإذا كان لا يؤم فيها من فاتته، فلا يقضي من فاتته إلا بعد فراغه منها وسلامه من صلاته، لم تبطل صلاة هذا بترك اتباع من لا يجب عليه اتباعه.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: لا يخلو الناسي للسجود إما أن يكون نسي سجدتين، أو سجدة واحدة.
فإن نسي سجدتين وذكرهما قبل أن ينحني في الثانية راكعا خرّ لهما ساجدا.
وإن ذكرهما وقد حتى ظهره للركوع ولم يرفعه وقلنا إن ذلك لا يمنعه من أن يعود لإصلاح ما نسي، فاختلف هل يرفع رأسه ليخِر للسجود من قيام على حسب ما كان يفعل 2 لو لم يسه.
وأما لو كان نسيانه ها هنا لسجدة واحدة فإنه لا يعود إلى القيام لأنه قد كان خر للسجدة الأولى 3

من قيام.
ولكن اختلف هل غير ساجدا أو ينحط جالسًا ليسجد للثانية من جلوس إذ لم يكن جلس فمن رأى أن المقصود السجدة دون الحركات إليها لم يأمره إلا بما أحل به من السجود.
ومن رأى أن ذلك مقصود كما كان السجود مقصودًا أمره بالرجوع إلى الشكل الذي أحل به ليكون سجوده منه.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: قد قدمنا أن المعتبر في سجود السهو عندنا السجود في النقص قبل السلام وفي الزيادة بعد السلام.
فناسي السجدة أو السجدتين إنما يعتبر فيه هل حصلت معه زيادة فيسجد بعد السلام، أو نقص بانفراده أو مع الزيادة فيسجد قبل السلام.
واختلف المذهب أيضًا فيمن فاته بعض ركعات الصلاة هل يكون قاضيا أو بانيًا فتختلف قراءته بحسب اختلاف حال كونه بانيا أو قاضيًا؟ واختلاف القراءة على المذهبين قد يؤدي إلى نقص يفتقر إلى أن يجبره.
فلو نسي سجدة من الرابعة سجدها وأعاد التشهد.
وكان سجوده بعد السلام إن أطال 1 الجلوس بين السجدتين لأنها زيادة محضة.
ولو كانت السجدة من الثالثة وذكر وهو في الرابعة لسجد بعد السلام أيضًا.
ولو كانت السجدة من الأولى أو من الثانية فاختلف في ذلك فقيل: يسجد قبل السلام لأنه يكون بانيًا فيقرأ في الركعة التي يأتي بها بأم القرآن لا أكثر فيحصل له من هذا أنه لما عادت الثالثة ثانية نقص منها السورة التي مع أم القرآن والجلسة وزاد الركعة الملغية، والزيادة والنقص يسجد لهما قبل السلام، وقيل بل سجوده بعد السلام لأنه يكون قاضيا فيقرأ بأم القرآن وسورة فتتجرد الزيادة من النقص.
ولو ذكر في الرابعة سجدة من الثالثة وأخرى مما قبلها فقد صارت الرابعة ثانية.
فإن بنينا على القول بالبناء كان سجوده قبل السلام.
لأن الركعتين اللتين يأتي بهما يقرأ فيهما بأم القرآن.
فحصل من هذا أنه نقص السورة التي مع أم القرآن من الثانية وزاد الملغيتين.
وإن بنينا على القول بالقضاء قرأ في أول ما يقضيه بالحمد وسورة وفي التي تليه بالحمد خاصة وسجد بعد السلام ولو أن الإِمام ذكر وهو في الرابعة نسيان سجدة من الأولى فإن انفرد بنسيانها دون المأمومين سجد بعد السلام لأنه يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة.
وإن

كان قد شاركه في إسقاطها المأمومون أو بعضهم فإنه يسجد قبل السلام وتصير رابعته ثالثة لأنه لما وجب أن يصلي هذه الركعة التي بطلت فمن شاركه في بطلانها صارت صلاته كأنها لم تنقض بعد، ولم تكمل، وصار كإمام لم يصل بمن معه إلا ثلاث ركعات.
ولو أن هذا الإِمام المسقط لهذه السجدة التي شاركه فيها المأمومون أو بعضهم علم بسلامة الأوليين وجوز كونها من إحدى الأخيرتين لكان سجوده بعد السلام لتجرد الزيادة ها هنا في صلاته عن النقص.
وقال بعض أصحابنا 1 ولو ذكر سجدتين لا يدري أمجتمعتين أو مفترقتين فليسجد سجدتين ويتشهد ويأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة ويسجد قبل السلام ولو كان مع الإِمام سجد سجدتين فإذا سلم إمامه قام فأتى بركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة في كل ركعة ويسجد بعد السلام.
واستحب أن يعيد الصلاة في المسألتين.
وهذا الذي تقدم ذكره تفريع على أحد القولين المتقدمين.
وأما تفرقته بين المأموم والمنفرد فقال ابن المواز: المأموم فيما يفوته أو يسهو عنه قاض.
والإمام والفذ بانيان.
هذا قول المدنيين وإليه رجع ابن عبد الحكم وفرع على هذا نسيان ثلاثة سجدات لا يدري كيف هي فمر فيها على ما حكيناه عنه من التفرقة بين الإِمام والفذ، فقال في الفذ يسجد سجدتين ولا يتشهد ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويجلس.
ثم يأتي بركعة 2 بأم القرآن ويسجد قبل السلام.
ولو كان مأمومًا سجد سجدتين.
فإذا سلم الإِمام أتى بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، وأخرى كذلك ويقوم.
وأخرى بأم القرآن ويسجد بعد السلام، وأجرى الجواب في ذلك لأربع سجدات على هذا الأسلوب.
وقال ابن عبدوس إذا ذكر المأموم في قيام الثانية سجدة أو شك فيها ولم يقدر على إصلاحها خوفًا من ذوات الركعة التي تليها فإنه يأتي بركعة، بعد سلام الإِمام، بأم القرآن وسورة.
فأما الموقن بترك السجدة فلا سهو عليه.
والشاك يسجد بعد السلام لجواز أن تكون الرابعة زيادة.
ولو كان في قيام الثالثة فذكر سجدة، أو شك فيها ولم يدر هل هي من الأولى أو من الثانية فإن طمع ألا تفوته الركعة خر بسجدة

ثم يتبع الإِمام.
فإذا سلم أتى بركعة بأم القرآن وسورة لجواز أن تكون من الأولى ويسجد بعد السلام إذ لعله أصاب بالسجدة موضعها والركعة زيادة.
ولو أيقن بسلامة الثانية فيختلف يقينه وشكه.
فإن أيقن بالسجدة قضى ركعة ولا يسجد للسهو.
وإن شك سجد بعد السلام وإن لم يدرك أن غير بسجدة في الثالثة وتمادى مع الإِمام وشك في السجدة هل تركها من الأولى أو من الثانية فإنه إذا قضى الركعة بأم القرآن وسورة سجد بعد السلام، إذ لعله لم يبق عليه شيء فيصير سهوه بعد الإِمام.
ولو أيقن أنها باقية من إحداهما لم يسجد للسهو، وقد وافق ابن المواز ابن عبدوس في جميع ما قاله ها هنا، وقد وقع في المدونة في ناسي السجود من الأولى والركوع من الثانية أنه يسجد للأولى ويبني عليها ولم يذكر سجود السهو فيها.
وزاده بعض المختصرين للمدونة في اختصاره فقال يسجد بعد السلام.
واختلف هؤلاء المختصرون الذين زادوا سجود السهو، فقال بعضهم إذا نسي السجود.
وقال ابن أبي زيد: إذا نسي سجدة.
فأما على نقل ابن أبي زيد أن المتروك سجدة.
فالسجود بعد السلام كما قال.
وأما على نقل غيره أن المتروك سجدتان فإنما يصح السجود بعد السلام إذا ذكر وهو قائم فانحط لهما من قيام.
فأما لو ذكر وهو جالس لم يقم فينحط لهما من قيام فسجوده ها هنا قبل السلام لنقصه الانحطاط لهما.
وإذا كان المتروك سجدة واحدة فالانحطاط قد فعله للسجدة الأولى فلم ينقص شيئًا.
إلى هذا أشار بعض الأشياخ وقد كنا نحن قدمنا اختلافًا في مراعاة الانحطاط للسجود.
فهذا الذي أشار إليه بعض الأشياخ مستمر على إحدى الطريقتين اللتين قدمناهما.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إن قرأ في الركعة وسجد ونسي ركوعها فقال مالك: يرجع قائمًا ثم يركع.
ويستحب له أن يقرأ قبل أن يركع.
ويتخرج على القول الآخر الذي قدمنا الإشارة إليه أنه يرجع محدودبًا ثم يرفع رأسه ويسجد.
وقد أشرنا إلى سبب الخلاف في الحركة إلى الأركان.
ولو أن هذا ركع ولكنه سها عن الرفع من الركوع لكان جوابه مأخوذًا مما قدمناه من الاختلاف في الرفع، هل هو فرض أو سنة؟ وقد اختلف قول مالك في هذا فقال مرة تجزيه صلاته.
وقال مرة أخرى يتمادى ويعيد.
وقال محمَّد إذا فعل ذلك سهوًا رجع إلى الركوع محدودبًا ثم يرفع.
وإن رجع إلى القيام معتدلًا أبطل.

قال وإن لم يذكر حتى ركع 1 التي تليها تمادى وأعاد ولم يأمره بإلغاء 2 الركعة للاختلاف.
ويتخرج على ما قدمناه، أنه تلغى تلك الركعة وظاهر كلام ابن حبيب في صفة الرفع أنه لا يرجع محدودبًا لأنه قال من خر من ركوعه للسجود فليرجع إلى القيام كالرافع من الركوع.
وكأنه رأى أن القصد بالرفع من الركوع أن ينحط للسجود من قيام.
فإذا رجع إلى القيام وانحط منه للسجود فقد حصل المقصود 3 وقد تنازع الأشياخ في ناسي الركوع من الأولى فذكره وهو راكع في الثانية، ما الذي يجب على القول: بأن 4 عقد الركعة رفع الرأس منها؟ فقال بعضهم يرفع رأسه بنية إصلاح الأولى ولا يكون إتمامًا لهذه؛ لأنه نوى بذلك غيرها وأنكر هذا غيره من الأشياخ.
وقال لو صح هذا لوجب أن يركع للأولى إذ لا يمكن أن يرفع بنية الأولى ولم يكن ركوعه لها وإنما كان لغيرها، بل يتمادى على هذه الركعة التي هو فيها ويبطل الأولى وتصير هذه مكانها.
وقال غير هؤلاء 5 من الأشياخ في هذين الجوابين نظر.
ويحتمل أن يقال يرفع رأسه من غير تكبير ليعود لإصلاح الأولى ثم يركع لها ويرفع، ولا يجزيه الركوع بنية الثانية عن ركوع الأولى كما لم يجزه سجود الثانية عن سجود الأولى.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: كنا قدمنا حكم الذاكر سجود السهو قبل السلام وهو في صلاة أخرى، واقتصرنا على ذكر المذهب المشهور.
وقد اختلف في ذاكر ركعة أو سجدة من صلاة فرض وهو في صلاة فرض أخرى، ففي المدونة أنه يرجع لإصلاح الأولى إذا كان قريبًا.
وإن أطال 6 القيام أو ركع بطلت الأولى.
وفي الموازية أن الركعة خفيفة لا تبطل الأولى.
ولمالك في المبسوط في هذا الأصل تخيير المصلي إذا صلى ركعة بين أن يعود إلى إصلاح الأولى أو يمضي على هذه ويعيد تلك.
ولمالك في مختصر ابن شعبان

فيمن سها عن شيء من الفريضة فأحرم لنافلة أن صلاته تبطل.
وظاهر هذا الاقتصار في إبطال الأولى على مجرد الإحرام.
وقال أشهب لو صلى سبع ركعات ما عاد 1 إلى المكتوبة وهذه طريقة مطرف وقد قال في الثمانية من دخل من مكتوبة في نافلة قبل السلام فذكر بعد أن ركع ركعتين فإنما عليه سجود السهو ولا يكون أسوأ حالًا من المصلي خمسًا أو ستًا، وفرق بين الفصل بقربة أو بغير قربة.
وأما ذاكر الركعة أو السجدة من نفل وهو في فرض فالمشهور أنه لا يرجع لإصلاح الأولى.
وقد قدمنا توجيه هذا في ناسي سجود السهو.
وقال محمَّد بن عبد الحكم في ذاكر سجدة من النافلة بعد ركعتين من الفريضة أنه يعود لإصلاح النافلة.
وكذلك الساهي عن السلام من النافلة فإنه يعود لإصلاح النافلة فيسلم منها ويسجد.
ولو كان ذكره ذلك في الرابعة من المكتوبة، فكان ابن عبد الحكم لما رأى النفل لا يخل قطعه صار بالشروع فيه كالفرض فلم تنحط حرمته عما هو فيه كما تصور الجمهور انحطاطها، فلم يقطع الفرض لأجلها.
وقال مطرف فيمن دخل في المكتوبة قبل أن يسلم من النافلة إن ذكر قبل أن يركع رجع فجلس وسلم.
وإن لم يذكر حتى ركع مضى إلى الرابعة لينصرف على شفع ويسجد قبل السلام لتركه السلام من الركعتين الأوليين.
وأما ذاكر ذلك من نفل وهو في نفل بعد أن ركع الثانية فإنه لا يرجع لإصلاح الأولى ولا يقضيها لأنه مغلوب على فسادها وعلى قول ابن عبد الحكم يرجع لإصلاحها وإن ركع.

والجواب عن السؤال الحادي عشر: أن يقال: قد قدمنا ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في وجوب التشهد الآخر.
فإن قلنا أنه ليس بواجب فقال في المدونة إن ذكر وهو في مكانه سجد لسهوه وإن لم يذكر حتى تطاول فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم وكذلك سهوه عن التشهدين جميعًا لا يراه 2 بمنزلة غيره من الصلاة فيما يسهو 3 عنه.
وإن قلنا بوجوبه فقال في المبسوط إن لم يذكر حتى انتقض

وضؤوه أعاد الصلاة وإن ذهب الوقت.
وإن لم ينتقض وضؤوه وكان قريبًا من مصلاه رجع إليه وجلس وكبر وسجد لسهوه ثم سلم.
وإن بعد من مصلاه جلس حيث هو وكبر وتشهد.
فأمره بالقرب من مصلاه أن يعود لمكانه.
وفي البعد منه أن يصلي حيث هو.
فأما عوده إلى مصلاه في القرب فلا يظهر وجهه.
وأما صلاته في مكانه إذا بعد من مصلاه فحمله بعض الأشياخ على أنه موافق لقول ربيعة في الناسي لبعض صلاته يأتي به وإن بعد ما بينهما ما لم تنتقض طهارته.
وقال مالك لو كان الناسي للتشهد إمامًا صنع كما يصنع الفذ وإن طال وجبت عليه الإعادة.
وليس على الناس أن يستأنفوا معه يريد إذا تشهدوا.
قال وإن كان مأمومًا حمله عنه الإِمام.
وقال ابن القاسم إذا نسيه حتى سلم الإِمام فليتشهد ولا يدعو ويسلم.
وقد حمل بعض الأشياخ ما وقع ها هنا في المبسوط من إعادة الصلاة بعد الوقت لترك التشهد على أنه يقتضي القول بوجوب التشهد.
وفيه نظر عندي.
لاحتمال أن يكون إنما قال ذلك لأنه يجب لأجل السهو عن التشهد السجود قبل السلام.
وترك سجود السهو قبل السلام سهو يفسد الصلاة على ما تقدم تفصيل القول فيه.
وما ذكره ها هنا من حمل الإِمام له عن المأموم يحتمل أن يكون يراه واجبًا ولكنه من الأركان الواجبة التي يحملها الإِمام عن المأموم كالقراءة.
ويحتمل أن يكون رآه من السنن والسنن يحملها الإِمام عن المأموم.

والجواب عن السؤال الثاني عشر: أن يقال: إذا نسي السلام وذكره بعد أن فارق موضعه فلا يخلو إما أن يذكر 1 عن قرب من مفارقته لموضعه أو عن بعد.
فإن ذكر عن قرب فإنه يرجع ليأتي بما بقي عليه.
واختلف فيه هل يرجع للإتيان بما بقي عليه بتكبير أم لا؟ فالمشهور رجوعه بتكبير ووقع ما ظاهره أنه لا يؤمر بتكبير.
وعلى القول إنه يرجع بتكبير اختلف هل يوقعه قائمًا أو بعد أن يجلس.
وسبب الخلاف في التخيير أن هذا الناسي للسلام نوى بانصرافه من الصلاة الخروج منها فلا يكون خارجًا عندنا لأنه لم يخرج بسلام.
وأبو حنيفة يرى الخروج منها بما يضادها.
فإن راعينا خلافه افتقر في رجوعه إلى تكبير

يعود به إلى صلاة قوإنصرف عنها وإن لم يراع خلافه 1 لم يفتقر إلى تكبير لأنه لم يخرج من الصلاة فيفتقر إلى تكبير يعود به إليها.
وقد اختلف في المسلم من اثنتين هل يرجع بتكبير أم لا؟ وهو قد سلم قاصدًا الانصراف من الصلاة.
وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا رجع ليأتي بما بقي عليه من الصلاة فهل عليه أن يتشهد ليقع السلام عقيب تشهد عار من فاصل بينه وبين السلام أو يكتفي بتشهده الأول لكون هذا الفصل غير معتبر في إبطال الصلاة ولا يتشهد في آخر الصلاة مرتين؟ فيه قولان.
وأما إن ذكر السلام وقد بعد عن موضعه فإن انتقضت طهارته بطلت صلاته.
وإن لم تنتقض طهارته بطلت صلاته على المشهور.
وقد قدمنا الاختلاف في هذا الأصل.
وما ذكره في المبسوط في نسيان التشهد.
وهذا حكم من أيقن بنسيان السلام.
ولو شك هل سلم أو لا؛ فإنه يسلم ولا يسجد للسهو ها هنا لأنه إن كان قد سلم فسلامه هذا مطرح.
وإن كان لم يسلم اعتد بسلامه.
هكذا قال ابن القاسم.
ومحمله على أنه لم يبعد من الصلاة.
وأما لو بعد منها جرى الأمر على ما قدمناه في الموقن بنسيان السلام وذكر ذلك بعد أن بَعُد.
لجواز أن يكون هذا الشاك لم يسلم.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ومن لم يدر كم صلى بني 2 على يقينه وسجد بعد السلام إلا أن يكون ممن لا تيقن له 3 لاستنكاح الشكوك له وغلبتها عليه فلا يلزمه إلا غالب الظن ويستحب له السجود بعد السلام.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن المستنكح يبني على الظن ومن سواه على اليقين؟.
2 - وما حكم سجود السهو في ذلك؟.

3 - وهل يجوز للشاك أن يسأل؟.
4 - وما حكمه إذا أخبره مخبر عما شك فيه 1 أو عما يعتقد خلافه؟.
5 - وهل يبطل التسليم الصلاة؟.
6 - وما حكم البناء بعد التسليم 2؟. 7 - وهل توجب فكرة المتشكك سجودًا أم لا؟.
8 - وما حكم من كثر السهو عليه؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس فيمن شك في عدد الركعات أو السجدات.
فمذهبنا ما ذكره القاضي أبو محمَّد من التفرقة بين المستنكح وغيره.
وقال الشافعي يبني على اليقين.
وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.
وقال أبو حنيفة تبطل صلاته في 3 أول شك يعتريه.
فإن تكرر ذلك منه بني على اجتهاده.
فإن لم 4 يؤده اجتهاده إلى شيء بني على اليقين.
وقال أحمد يبني المنفرد على اليقين.
واختلفت الرواية عنه في الإِمام فرآه مرة كالمنفرد، ورآه مرة أخرى بخلافه فيبني على غلبة الظن.
وقال الشافعي وشريح والأوزاعي وغيرهم تبطل الصلاة ويعيد حتى يتحفظ.
وروي ذلك عن ابن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان عطاء وابن مهران وابن جبير في إحدى الروايتين عنه إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات وإذا كانت الرابعة لم يعيدوها.
وقال الحسن يبني على وهمه ويسجد سجدتي الوهم.
وروي ذلك عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما.
وذكر الطبري عن بعضهم أنه خير المصلي بين أن يأتي بما شك فيه أو لا يأتي به.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في هذا.
ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد

سجدتين وهو جالس 1. وقال أبو سعيد الخدري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا شك أحدكم في صلاته فلا يدري كم صلى فليطرح الشك وليس على اليقين ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى تمامًا كانت ترغيمًا للشياطين 2. وقال ابن مسعود قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه 3. وفي بعض طرقه فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب 4. وفي بعض طرقه فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب 5. فظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه اقتصاره على سجدتي السهو من غير أن يؤمر بالإتيان بما شك فيه.
وحديث الخدري رضي الله عنه يقتضي الإتيان بما شك فيه.
فلما رأى بعضهم هذا التعارض وفقد التواريخ خير المصلي بين أن يأتي بما شك فيه أو لا يأتي به على ما حكاه الطبري.
ورجح الحسن حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخذ به.
ورجح الشافعي حديث الخدري فأخذ به وعضده بالقياس على الشاك هل صلى أم لا، فإن عليه أن يصلي.
ولأن الركعة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها بالشك قياسًا على من شك في صلاة لا يدري عينها فإنه يصلي الخمس طلبًا لليقين لما لم توجد أمارة يظن منها.
وكذلك الشاك في عدد الركعات لا أمارة له يظن منها وأيضًا فإن شك المصلي في فعل هيئة

ولا يتحرى في فعل هيئة 1 كالشاهد والحاكم إذا شكا فإنهما لا يتحريان.
وأما نحن فإنا أخذنا بهذا في غير المستنكح فإذا استنكحه الشك أخذنا فيه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب 2. وظاهر هذا الرجوع إلى الظن لا إلى القطع فيبني الأحاديث على هذه الرتبة.
على أن بعض أصحابنا تأول قوله فليتحر الصواب على أن المراد به البناء على اليقين لأن البناء عليه هو تحري الصواب، والتحري القصدوقد يقع بفكرة وقد يقع بغير فكرة.
كما قال: لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها 3. فهذا قصد لا فكرة فيه.
وهذا التأويل إن سلم لهذا المتأول احتمال الظاهر له فقد لا يسلم هذا الاحتم الذي رواية من روى فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب.
فإن لفظ أقرب يشير إلى الظن.
وأيضًا فإن المستنكح لا يمكنه إتمام الصلاة إلا على الظن لأن فيما لا يقدر فيه إلا على الظن هو 4 أصل الشرع كالاجتهاد للقبلة والأواني والقيم والنفقات.
فإن قيل لا أمارة عنده يظن منها كالشك هل صلى أم لا؟ قيل بل له أمارة 5. وهي أن يعلم أن بينه وبين الإحرام من الزمان مقدار ما يصلي فيه ركعات مقدرة على عادته.
والشاك هل صلى أم لا، لو كان مستنكحًا لم يجب 6 عليه طلب اليقين.
مع أنه قد يمكنه أيضًا أن يأتي بالفرض من غير تقدير وقوع في منهي 7 عنه.
بخلاف هذا الذي يحاذر الوقوع في زيادة أو نقص.
ولأجل هذه المحاذرة أمره من ذكرناه بإعادة الصلاة ليأتي بصلاة يتحقق سلامته

من الوقوع في منهي عنه.
واعتمد هؤلاء على قوله عليه السلام: لا غرار في الصلاة 1. وتأولوا قوله لا غرار على معنى لا تغرير والباني على اليقين مُغَرر بصلاته.
وأجيبوا عن هذا بأن البناء على اليقين يرفع التغرير.
وإنما يكون مغرورًا من بني على الظن كما قال أبو حنيفة فيمن تكرر عليه الشك.
ويناقض أبو حنيفة فيمن تكرر عليه الشك.
فإنه إن زعم أن صلاة الشاك الذي لم يتكرر الشك عليه تبطل مخافة التغرير.
فهذه العلة موجودة فيمن تكرر الشك عليه وهو قد فرق بينهما.
ثم التغرير في البناء على الظن أشد منه في البناء على اليقين.
لأن الباني على اليقين متردد بين أن يكون أكمل أو زاد، والزيادة لا تبطل الصلاة.
والظان متردد بين هاذين مع زيادة التجويز أن يكون نقص.
والنقص يبطل الصلاة.
وأما الذين أعادوا الصلاة ثلاث مرات فلعلهم قدروا أن المشقة إنما ترتفع بهذا القدر من العدد 2 فإذا زاد عليه تحققت المشقة فلم تلزم الإعادة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما سجود هذا الشاك للسهو بعد عمله 3 ما أمرناه به فقد قدمنا مذهبنا في محل سجود السهو وما يكون فيه قبل السلام وما يكون بعده.
وقد وقع في حديث الشاك ها هنا ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
وقد كنا قدمنا الكلام على تأويل هذا الحديث وانفصلنا عن استدلال من استدل به على أن محل السجود كله قبل السلام بما يغني عن إعادته ها هنا.
وقد دعا محمَّد بن يحيى ى بن عمر بن لبابة ظاهر هذا الحديث إلى أن قسم محل سجود السهو على غير ما قسمناه.
فقال: السجود للنقص المتحقق وفي الشك، قبل السلام.
وإنما يسجد بعد السلام من تيقن الزيادة.
ولو أن المصلي شك في سهوه، هل هو مما يقتضي السجود قبل السلام أو بعد السلام؟ فالمشهور أنه يسجد قبل السلام.
وحكى ابن حارث أنه يسجد بعد السلام.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في الشاك هل أكمل صلاته أم لا؟ هل يجوز له أن يسأل المؤتمين به؟ فالمشهور منع ذلك كان في الصلاة أو انصرف منها بسلام ثم حدث له الشك بعد سلامه.
ووجه هذا أنه مع الشك مخاطب بالبناء على اليقين كما تقدم.
فهو في حكم من يتحقق أنه لم يكمل الصلاة.
ومن لم يكمل الصلاة لا يجوز له الكلام.
وقيل يجوز السؤال بعد التسليم خاصة.
ووجه هذا: أنه بالتسليم خرج من الصلاة في الظاهر فيستظهر بالسؤال حتى يعلم حقيقة ما يعود إليه.
ومن لم يسلم لم يخرج من الصلاة فلا يتكلم على شك.
ولأن كلامه - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين إنما كان بعد أن سلم.
وأجاز محمَّد بن عبد الحكم السؤال قبل السلام وبعده.
ووجهه أنه كلام لإصلاح الصلاة.
والكلام لإصلاح الصلاة غير ممنوع وإن كان في أثنائها.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف قول مالك في الإِمام إذا أخبره من خلفه أنه لم يكمل هل يرجع إليهم أم لا؟ فروي عنه أنه لا يرجع إليهم إذا كان الأمر عنده بخلاف ما قالوه.
وبه قال الشافعي.
وروي عنه أنه يرجع إليهم وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن حنبل يرجع إلى قول اثنين.
وبه قال أشهب واشترط أن يكونا عدلين.
وقال ابن مسلمة يرجع إلى قول العدد الكثير ولا يرجع إلى العدد اليسير كالاثنين والثلاثة.
فوجه القول أنه لا يرجع، قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا شك أحدكم فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا فليبن علي يقينه 1. ووجه القول بأنه يرجع إليه، رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى قول من خالفه.
والظاهر أنه لم يذكر ولا تحقق أنه نسي.
إذ لو كان ذلك كذلك لأعلمهم بذلك لئلا يتوهموا عليه أنه رجع إلى قولهم، وهو إنما رجع إلى علم نفسه.
ولأن الإنسان يرجع إلى خبر غيره في رؤية الهلال، وكذلك 2 يرجع إلى خبر غيره في الصلاة.
وأجيب عن هذا أنه إنما رجع في استهلال الهلال إلى خبر غيره لأنه لا يعتقد بطلان قوله، بخلاف المصلي الذي يعتقد بطلان قول من خلفه.
على أن

الشاك في الوقت لو أخبره غيره لم يعمل على خبره، فكذلك الشاك في عدد الركعات.
وقوإنفصل الأولون عن هذا أيضًا بأن الزوال له علامات ويقدر على العلم فلم 1 يعول فيه على الخبر.
وقد أشار ابن القصار إلى أنه لا يرجع إلى قولهم في الزيادة إذا تيقن خطأهم لأنهم إن تعمدوا تركه على غلطه فليسوا بعدول، وإن جهلوا لم يرجع إليهم.
وإن نسوا ثم أيقنوا فيقينه أولى لتبدل اعتقادهم.
ولأن سجود السهو في الزيادة بعد السلام ليس بواجب.
وأما إن أخبروه بالنقص فليرجع إليهم لأن يقينهم أولى من يقينه.
والمصلي مأمور بالبناء على اليقين.
وأما إذا شك المصلي فأخبره من 2 ليس معه في صلاة فقال بعض أشياخي إذا شك الإِمام ومن خلفه فأخبرهم عدلان أنهم أتموا رجعوا إليهما.
ويختلف إذا كان المخبر عدلا واحدًا.
فروي عن مالك أنه لا يرجع إليه.
وفي الموازية إذا أخبره واحد أنه أتم طوافه أرجو أن يكون في ذلك بعض السعة.
فمن سلك به مسلك الشهادات اشترط العدد، ومن سلك به مسلك الإخبار لم يشترطه.
ولو كان على يقين لم يرجع إلى قول من ليس معه في صلاة، أخبره بالإكمال، أو بالنقص، إلا أن يكونوا عددًا كثيرًا فيرجع إليهم على أصل ابن مسلمة.
وقال ابن القصار إذا شك هل صلى أم لا فأخبر أنه صلى فإن كان المخبرون معه في الصلاة فهي كمسألة الإِمام يشك في عدد الركعات لأنهم يراعون أمر صلاته كما يراعيها.
وإن لم يكونوا معه لم يقبل منهم لأنهم لا تكون مراعاتهم لصلاته أكثر من مراعاته هو لها.
وكذلك لو شهد شاهدان أن القبلة إلى جهة كذا لم يصل إليها من يعتقد خطأهم لأنه يبتدىء الصلاة إلى جهة يعتقد أنها غير القبلة ولا يصلي وراءه الشاهدان لاعتقادهما أنه في غير صلاة.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا سلم الإِمام فكلمه بعض من

خلفه بعد سلامه مخبرا أنه لم يكمل، فقيل تصح صلاته وقيل تبطل صلاته.
وقيل إن جرى ذلك في الركعة الثانية خاصة صحت الصلاة.
وإن جرى فيما سواها من الركعات لم تصح.
فوجه القول بصحة الصلاة على الإطلاق.
حديث ذي اليدين 1 وقد ذكر فيه بعض كلام المأمومين للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم ينقل أنه أمرهم بالإعادة.
ووجه القول ببطلان الصلاة أن الكلام في الصلاة عمدا يبطلها.
وهؤلاء قد تكلموا وهم على علم بأن صلاتهم لم تكمل.
ومن تكلم ممن صلى وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - فعذره بيّن لتجويز النسخ حينئذٍ، فليس على يقين من عدم الإكمال ومن بَعْد النبي - صلى الله عليه وسلم - على يقين من عدم الإكمال 2. وقد أفسد ابن القاسم هذا الاعتلال لما ذكر له عن ابن كنانة بأن القوم تكلموا بعد علمهم بعدم النسخ.
ألا ترى أنهم قد قالوا قد كان بعض ذلك لما سألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان قولهم ذلك بعد الإخبار أنها لم تنسخ.
ولما استشعر بعض المتأخرين من أصحابنا صحة انفصال ابن القاسم اعتذر عن كلام بعض الصحابة رضي الله عنهم بعد علمهم بعدم النسخ بأن قال: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال: أصدق ذو اليدين استدعى منهم الجواب.
ومجاوبته - صلى الله عليه وسلم - لازمة.
وامتثال أوامره مشروع.
فهو في هذا - صلى الله عليه وسلم - بخلاف من سواه من الأئمة الذين لا تلزم مجاوبتهم.
ولعمري إن هذا الذي قاله ليروق.
ولكن قد يقول قائل في الممكن أن يجيبوه - صلى الله عليه وسلم - إشارة لا عبارة.
والإشارة في الصلاة لا تبطلها.
والكلام يبطلها إلا أن يدعي هذا المعتذر بما حكيناه عنه أنه لا يمكنهم إفهامه - صلى الله عليه وسلم - إلا بالعبارة أو يدعي أنه استدعى منهم الجواب عبارة، وإن أمكنت الإشارة.
ووجه القول بالتفرقة بين الثانية وما سواها أن الأصل بطلان الصلاة بالكلام ووقع في حديث ذي اليدين الكلام في الثانية فقصرت الإباحة على الثانية دون ما سواها.
وهذا ضعيف.
لأن المنع من الكلام تتساوى فيه الركعات

والحاجة إليه تتساوى فيه أيضًا، فلا معنى للتفرقة.
على أنه قد خرج مسلم في حديث 1 أن ذلك جرى في الثالثة، وهذا يفسد القول بالتفرقة.
وقد وقع في حديث ذي اليدين أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أن الصلاة لم تقصر وأنه لم ينس.
وقد ثبت أنه نسي.
وهذا إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه وهو معصوم - صلى الله عليه وسلم - من الكذب.
والجواب عن هذا أن نقول لو صرح - صلى الله عليه وسلم - بتقييد كلامه فقال ما قصرت ولا نسيت في اعتقادي، وسمع الناس منه هذا التقييد، وهو قوله في اعتقادي، لم يعد ذلك كذبًا ولا إخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه.
فإذا لم يقل ذلك وسكت عن التقييد بقوله في اعتقادي، كانت قرينة الحال دالة على أنه مراده.
لأن المراجعة التي كانت تقتضي ذلك ولا ينكر عاقل أن الإنسان منا قد يقول قولًا أو يفعل فعلًا فينبه على وهم وقع منه فيه فيقول لم يكن ذلك ويشعر المنبه له بأن مراده أني لم أقصد لما أضفت إلى وإن اعتقادي خلاف ما نسبت إلى لا سيما ولم يقع قول ذي اليدين موقع التصميم على أمر يعينه، وإنما وقع منه لفظ تردد بين أمرين فقال أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ كالمستفهم فأجابه بأن الأمرين لم يكونا، يعني على ما أعتقد.
وأشعره أنه لم يسلم إلا وعنده أنه قد أكمل الصلاة.
وهذا لائق في جواب المستفهم بمثل هذا اللفظ.
كما أن عصمة الأنبياء من وقوع الكذب منهم تعمدًا أو نسيانًا فيه كلام يطول وموضعه كتب الأصول.
وقد تكلف بعضهم تأويلا تعسف فيه فتأول قوله - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لم يكن على أن المراد به لم يكن القصر والنسيان جميعًا، وإن كان يمكن أن يكون قد وقع أحدهما.
وهذا تعسف وبعيد عن ظاهر اللفظ.
وهب أنه سلم له هذا التأويل على بعده فما يصنع في الرواية الأخرى التي ذكر فيها أن الصلاة لم تقصر وأنه لم ينس.
وهذا لا يسلك فيه إلا ما سلكناه في الجواب.
والاعتماد

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل