شرح التلقينصفحات 638-677
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 638-677

عليه أولى لاطراده وجريانه على الروايتين جميعًا وسلامته من التعسف على ظاهر هذا اللفظ.

والجواب عن السؤال السادس 1: أن يقال: إذا سلم من اثنتين فذكر وهو جالس في مقامه فعليه أن يرجع إلى الصلاة بإحرام ثم يكبر تكبيرة القيام للثالثة.
وقد قال بعض الأشياخ ليس ذلك عليه وإنما يفتقر إلى الإحرام لو قام بعد سلامه أو فعل ما يوجب حاجته إلى الإحرام.
وأما إن ذكر بعد قيامه وانصرافه فإنه يفتقر في رجوعه إلى إحرام.
فإن رجع بغير إحرام بطلت صلاته عند ابن نافع ولم تبطل صلاته عند ابن أبي زيد وغيره من مشائخ عصره.
قال الأصيلي ونيته تكفيه عن الإحرام كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد وقع في المدونة أنه - صلى الله عليه وسلم - رجع بإحرام.
وقال بعض الأشياخ لم يثبت لأن ابن سحنون أسنده لابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال الشيخ أبو الحسن: ليس في السهو لابن عمر حديث صحيح ولا سقيم.
فإذا أمرناه أن يرجع بإحرام فهل يوقعه جالسًا لأنها الحالة التي فارق منها الصلاة، أو يوقعه قائمًا؟.
قال من تقدم من أصحاب مالك يوقعه قائمًا.
وقال ابن شبلون يوقعه جالسًا: فإذا قلنا بوقوعه قائمًا فهل يجلس بعد إيقاعه أم لا؟ فيه قولان.
قال ابن القاسم يجلس ليأتي بالنهضة التي فعلها أولًا في غير صلاة.
وقال ابن نافع لا يجلس، ورأى أن النهضة غير مقصودة في نفسها وقد فات محلها بالقيام فلا يعود إليها.
وإذا قلنا أنه إذا أحرم قائمًا جلس فهل يجلس من سلم حين رفع رأسه من سجود الثانية أو الثالثة؟ قال بعض أصحاب مالك لا يجلس.
وقال بعض المتأخرين بل يجري ذلك على القولين لأن ما بين رفع رأسه ومنتهى قيامه لم يفعله في صلاة فيختلف فيه أيضًا.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إطالة التذكر لا تخلو من قسمين: أحدهما أنه تقطع في فعل في تطويله قربة كالقيام والركوع والسجود

والجلوس فليس في إطالة هذا سجود سهو.
لكن سحنون قال في الجلوس: إن أطاله طولًا خرج فيه عن الحد سجد للسهو.
وقال أيضًا فيمن أطال القراءة في السجود أو الركوع أو القيام أو القعود، فإنه يسجد بعد السلام لأجل الإطالة.
لا لأجل القراءة.
وإن كان 1 لا قربة في تطويله كالجلوس بين السجدتين والمستوفز للقيام على يديه وركبتيه بعد رفعه من السجدتين فإن مالكًا قال في هذا لا سجود عليه.
وكأنه رأى أن الشك بانفراده لا يوجب سجودًا وإطالة الفعل عمدا لا توجب سجودًا.
وقال أشهب يسجد للسهو لأنه إنما طولها بالشك ولا قربة في التطويل.
وقد اعتل ابن القاسم لنفي السجود في إطالة التذكر في الركوع أو السجود أو القيام أو القعود بأنه ليس بزيادة ولا نقصان.
واعتل أشهب بأن الإطالة لما لم تمنع على الجملة لم يتعلق بها سجود سهو 2. وقد تلخص من هذا أن الإطالة يراها سحنون توجب سجود السهو على الإطلاق.
ومالك وابن القاسم وأشهب لا يوجبون بالإطالة سجود سهو، لكن أشار بعض المتأخرين إلى الاختلاف فيما لا قربة في إطالته وذكر ما ذكرناه في المطيل بين السجدتين عند رفع الرأس منهما.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: لا يخلو الاستنكاح ها هنا إما أن يكون كثرة شك فلا يدري سها أم لا، أو يسهو.
أو يتكرر ذلك عليه.
فأما الذي يتكرر عليه الشك فإنه لا يلزمه أن يبني على اليقين.
وكأن كثرة تكرر 3 الشك أسقطت (3) عنه أن يأتي بالإكمال الذي يؤمر به من لم يتكرر الشك عليه.
وهل يسقط عنه هذا التكرر سجود السهو أم لا؟.
اختلف فيه قول مالك فقال مرة يسجد، وقال مرة أخرى لا سجود عليه.

فوجه القول بالسجود قياسًا على من لم يتكرر عليه.
ووجهه القول بنفيه أن التكرار إذا أسقط مقتضاه من البناء على اليقين أسقط مقتضاه من السجود.
فإن قلنا بالسجود فما محله؟.
فيه اختلاف.
قال مالك بعد السلام.
ووجه هذا أنه سجود ترغيم.
وتجويز النقص غير معتبر.
ولو اعتبر لما اقتصر على سجود السهو لتجويز نقص ما لا يجزئ عنه السجود.
وقال ابن حبيب يسجد قبل السلام.
ووجهه أن النقص والزيادة يجوز أن يُغلّب حكم النقص على الزيادة في تجويزهما كما غلب في اليقين بهما.
وأما الذي يتحقق السهو ويكثر عليه فإنه يبني ولا سجود عليه قاله في الموازية.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ولا يسجد المأموم لسهوه.
والإمام يحمله عنه 1. ويسجد هو مع الإِمام في سهو الإِمام أدركه أو سبقه به 2. فإن سبقه به سجد معه إن كان قبل السلام، وإن كان بعده انتظر إلى أن يفرغ من القضاء ثم يسلم ويسجد 3.

قال الشيخ رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لم حمل الإِمام سهو المأموم؟.
2 - ولم سجد المأموم في سهو الإِمام؟.
3 - وإن لم يسجد الإِمام فهل يسجد المأموم؟.
4 - وهل يسجد المسبوق لسهوه فيما يقضيه؟.
5 - ومتى يسجد المسبوق عن سهو الإِمام؟.
6 - وما حكم المسبوق إذا اجتمع عليه سهو الإِمام وسهو نفسه؟.

7 - وما حكم المسبوق إذا قام لقضاء ما عليه قبل سلام الإِمام؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أطبق العلماء على أن المأموم لا يلزمه السجود في سهوه.
وحكي عن مكحول أنه قام عن قعود الإِمام فسجد سجدتين، ولنا ما رواه الدارقطني بإسناده عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس على من خالف الإِمام سهو.
وإن سها الإِمام فعليه وعلى من خلفه 1. وأيضًا فإن معاوية ابن الحكم تكلم في صلاته خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بسجود.
ولأنه لما لزمه سهو الإِمام وإن لم يسه، لم يلزمه سجود عن سهوه؛ لأن الإِمام يتحمله عنه.
ولأن الجماعة شرعت ليحصل للمأموم من مراعاة الاتباع والاقتداء ما يبعد صلاته عن السهو، فإذا سها لم يسجد.
فكانت كلفة الاقتداء والمتابعة تسقط 2 عنه سجود السهو لتشاغله بمعنى شرع ليبعده عن السهو.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا سها الإِمام لزم المأموم أن يسجد معه.
لقوله: فإذا سها الإِمام فعليه وعلى من خلفه.
ولأنه كما حمل عنهم عهدة ما فعله فليتبعه المأموم ويلزم معه عهدة ما لم يفعله.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما جعل الإِمام ليؤتم به 3. ومن الائتمام به اتباعه في السجود.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا لم يسجد الإِمام للسهو فإن المأموم يسجد، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
وقال عطاء والحسن والقاسم والثوري والمزني وابن حنبل في أحد الروايتين عنه لا يسجد المأموم.
ودليلنا أن سجود السهو إنما شرع في النقص ليتلافى به ما انتقص من الصلاة عن الكمال.
فإذا انتقصت صلاة الإِمام انتقصت صلاة المأموم فيؤمر الإِمام بالإكمال فإن لم يفعل أمر به المأموم كما يؤمر المأموم بفعل السجدة إذا تركها الإِمام.
وإن كان السهو زيادة فحكمه حكم النقص في هذا.
واحتج المخالف بأن المأموم لم يسه، وإنما يسجد على سبيل التبع

للإمام.
فإذا ترك المتبوع لم يفعل التابع.
وما قدمناه من مراعاة طلب الكمال انفصال عن هذا.
وقال بعض المخالفين سجود السهو نفل، والمأموم يتابع الإِمام في النفل.
والجواب عن هذا ما قدمناه من اختلاف الناس في سجود السهو هل هو واجب أو مستحب، فإن قلنا بوجوبه فمخالفة الإِمام 1 يظهر وجهها.
وإن قلنا باستحبابه فإن المأموم لم يخالف الإِمام في حال كونه إمامًا، وإنما يسجد للسهو بعد سلام الإِمام.
فالإمام إذا سلم خرج من الإمامة فلم يكن في الأمر للمأموم بالسجود سلوك لطريقة مخالفة للإمام.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته فسها فيه فإنه يسجد لسهوه.
وبه قال ابن عمر وابن الزبير والخدري.
وقالت الشافعية لا سجود عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم - ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا 2. قلنا إن السهو حدث له في فعل انفرد به فأمران يتلافى نقصه كالمنفرد في الصلاة كلها.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: المسبوق لا يخلو من قسمين: أحدهما أن يكون لم يدرك ركعة مع الإِمام وإنما أدركه في الجلوس الآخر 3 والثاني أن يعقد معه ركعة.
فأما من لم يعقد معه ركعة فاختلف في متابعته الإِمام إذا كان سجوده 4 قبل السلام.
فقال ابن القاسم لا يتبعه.
وقال سحنون يتبعه.
وأما إن عقد معه ركعة فإنه يلزمه أن يسجد لسهو الإِمام فيما سبقه.
وهل عليه متابعة الإِمام في السجود في الفعل والزمن أو الفعل دون الزمن؟ اختلف الناس في ذلك.
فقال ابن سيرين وإسحاق لا يتابعه في الزمن سواء كان السجود قبل السلام أو بعده

وإنما يسجد إذا قضى ما عليه.
لأن محل السجود ما بعد القضاء لا ما قبله.
وقال أبو حنيفة يتابعه في السجود فعلًا وزمنًا لأنه يرى أن السجود كله بعد السلام.
وقد قدمنا الاختلاف بينه وبين صاحبه في كون تسليم من عليه السهو غير محلل له من الصلاة.
وإذا لم يكن التسليم محللًا وكان الإِمام يعود لسجود السهو إلى حكم صلاته حتى كأنه لم يخرج منها أمر المأموم بمتابعته قبل أن يقوم إلى القضاء لكون الإِمام غير مقدر خروجه من الصلاة عند سجوده للسهو.
ومذهبنا أن سجود الإِمام إن كان قبل السلام تابعه فيه المأموم، إذ لو لم يتابعه فيه لكان مخالفًا عليه.
وهو يتابعه فيما لا 1 يعتد به مثل إذا أدركه ساجدًا فإنه يسجد معه، وإن كان لا يعتد بالسجود فأحرى أن يتابعه ها هنا.
وإن اتبعه لم يعد السجود إذا سلم خلافًا لأحد القولين عند الشافعية بإعادة السجود إذا فرغ من القضاء؛ لأن الإِمام إنما سجد عن سهوه وتابعه المأموم على ذلك فلا يعيد السجود إذ لا يسجد عن سهو واحد مرتين.
وإن كان بعد السلام لم يسجد إلا بعد قضائه لأن الإِمام خرج بالتسليم عندنا من الصلاة وتحلل منها.
فلم يكن في تأخر المأموم عن السجود معه مخالفة على الإِمام لزوال الإمامة بالتسليم وفساد 2 هذا التعليل أن يقوم للقضاء عند سلام الإِمام من صلاته لكون المخالفة غير معتبرة حينئذٍ فيما قلناه وهو أحد الأقوال عندنا.
وإن كان قد قيل إن المختار قيامه بعد سلام الإِمام من سجود السهو لأن انتظاره إلى أن يسلم من سجود السهو فيه تقليل المخالفة عليه، ومجانبة لأن يكون المأموم يحدث فعلًا مخالفًا لما أحدثه الإِمام.
وقيل إن المأموم غير بين هذين المذهبين.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: لا يخلو المسبوق إذا سها فيما يقضيه إذا سها إمامه أن يكون سهو الإِمام قبل السلام وقد سجده معه، أو بعد السلام ولم يسجده معه.
فإن كان قبل السلام اعتبر حكم سهوه في نفسه فيسجد

للنقص قبل، وللزيادة بعد.
وقيل لا يعتبر بسهوه وينوب له سجوده مع الإِمام عنه سواء كان سهوه نقصًا أو زيادة.
إذ لا يسجد للسهو مرتين.
وأما إن كان سجود الإِمام بعد السلام فلا يخلو أن يكون سهو المسبوق زيادة أو نقصانا.
فإن كان زيادة سجد بعد السلام وناب له عن السهوين.
وإن كان نقصًا فاختلف فيه.
فقيل يسجد قبل السلام عنهما تغليبا لحكم سهوه على حكم سهو الإِمام لما كان سهوه نقصا.
وقيل بل يغلب حكم سهو الإِمام فيسجد بعد السلام عنهما.
ولو كان هذا المسبوق استخلفه إمامه بعد أن سها الإِمام فإنه لا يخلو أن يكون سهو الإِمام زيادة أو نقصانًا.
فإن كان زيادة فلا يسجد للسهو إلا بعد فراغه من قضائه وتسليمه من الصلاة.
فإذا سلم بهم سجد بهم.
وإن كان نقصًا فاختلف في سجوده متى يكون؟ فقيل بعد أن يفرغ من قضائه فيسجد حينئذٍ ويسلم بهم.
وقيل عند انقضاء صلاة الإِمام.
ولو كان هذا المسبوق سها فيما يصليه، بعد إمامه، فلا يخلو إما أن يكون إمامه الذي استخلفه سها، أو لم يسه.
فإن كان إمامه لم يسه فلا يخلو سهو المستخلف إما أن يكون مما يسجد فيه بعد السلام أو قبله.
فإن كان مما يسجد فيه بعد السلام فلا يتبعه المأمومون لانفصالهم عن حكم الإمامة بالسلام.
وإن كان مما يسجد فيه قبل السلام فهل يتبعه المأمومون فيه أو لا؟ اختلف فيه.
فقيل لا يتبعونه ووجهه أنه سها في صلاة انفرد بها فلم يلزم 1 اتباعه فيها في سهو.
وقيل بل يتبعونه كما يتبع المسبوق إمامه فيما لم يحضر مجه السهو فيه.
وإن كان هذا المسبوق قد سها إمامه ثم سها هو فيما يصليه بعده.
فإن كان سهو الإِمام نقصانًا كان سجوده عن جميع السهو الذي انفرد به والذي لم ينفرد به قبل السلام.
وسواء كان ما انفرد به زيادة أو نقصانًا.
وإن كان سهو الإِمام زيادة وسهو المسبوق فيما يصليه بعده زيادة كان سجوده عن جميع السهو الذي انفرد به والذي لم ينفرد به بعد السلام.
وإن كان سهو المسبوق نقصانًا حتى اختلف حكم سهوه وحكم سهو

إمامه ففيه قولان: ما الذي يغلب من السهوين؟ هل حكم زيادة الإِمام؟ فيكون السجود بعد السلام.
أو ما نقصه المسبوق؟ فيكون السجود قبل السلام، وقد تقدم ذلك.
وسواء كان سهو المسبوق في بقية صلاة الإِمام أو فيما يقضيه مما فاته لم يتعرض أحد من أصحابنا إلى 1 التفرقة بينهما ولو فرق مفرق بينهما بقدر ما يقع من السهو في بقية صلاة الإِمام.
أن الإِمام فعله حتى يتوهم أن الإِمام بنفسه زاد ونقص فيكون السجود قبل السلام، وقدر ما يقع من السهو فيما يقضيه المسبوق لا تعلق 2 له بالإمام فينظر في التغليب بين سهو المسبوق وسهو الإِمام، لكان 3 للنظر في قوله مجال.
ولم أر أحدًا من أصحابنا تعرض للتفرقة وهذا مما يحتاج إلى قصد تأمل.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: لا يسوغ لمن فاته بعض صلاة الإِمام أن يقضي ما فاته حتى يسلم الإِمام من صلاته.
فإن قام للقضاء ظنًا أن الإِمام سلم فهل يعتد بما عمله من القضاء أم لا؟ المشهور أنه لا يعتد بذلك.
وقال ابن نافع يعتد به.
فوجه المشهور أن القضاء لما تعين محله وجب أن يكون تقدمته على محله تمنع من الاعتداد به، كما لو قدم السجود على الركوع.
فإذا لم يعتد به وأمرناه بإعادته فهل يسجد للسهو؟ لا يخلو من أن يكون صادفه سلام الإِمام وهو جالس أو صادفه وهو ساجد، أو صادفه وهو قائم.
فإن صادفه وهو جالس فلا سهو عليه لأن جميع الأفعال التي وقعت منه كانت والإمام في صلاته فهو يحمل ذلك عنه.
وإن صادفه سلام الإِمام وهو ساجد فرفع رأسه بعد سلام الإِمام وجلس ثم قام للقضاء سجد بعد السلام لزيادته الحركات التي هي رفع الرأس من السجود.
وإن رفع رأسه من السجود ولم يرجع جالسًا بل استوى قائمًا سجد قبل السلام لأنه زاد حركات الرفع ونقص النهضة من الجلوس الذي يجب عليه عند القضاء على طريقة من قال من أصحابنا باعتبار سقوط النهضة.
وإن سلم الإِمام وهو قائم فاختلف في سجوده.
فقيل: لا سجود عليه

وعلل ذلك بعلتين: إحداهما إن 1 تركه النهضة وقع منه وهو مؤتم، والمؤتم لا سجود عليه.
والثانية أنه لم يتركها نسيانًا بل فعلها بعمد وقصد، فإذا لم يسه لم يسجد.
وقيل عليه السجود.
واختلف هؤلاء في محل سجوده.
فقيل قبل السلام لنقصه النهضة والنقص محل السجود فيه قبل السلام.
وقيل بل يسجد بعد السلام.
ولعل هذا رأي ضعف السجود، فتحفظ من إيقاعه في الصلاة فاستظهر به واستظهر للصلاة فأوقعه بعدها.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: من قام من اثنتين قبل الجلوس رجع ما لم يعتدل قائمًا فإن اعتدل قائمًا مضى وسجد قبل السلام؛ لأنه نقص.
فإن أخطأ فرجع جالسًا سجد بعد السلام لأنه زاد.
وقيل قبله لأنه زاد ونقص.
قال الشيخ الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لم رجع قبل أن يستوي قائمًا؟.
2 - ولمَ لم يرجع إذا اعتدل قائمًا؟.
3 - وما حكمه إذا رجع بعد أن اعتدل قائمًا؟ 4 - وما حكم سجود السهو إذا لم يعتدل؟.
5 - ولم اختلف في محل 2 سجوده إذا رجع بعد أن اعتدل؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف المذهب في المتحرك للثالثة ساهيًا إذا ذكر قبل أن يستوي قائمًا.
فقيل إذا استقل وفارق الأرض تمادى على قيامه ولم يرجع.
وهذا هو المشهور.
وحده ابن المنذر عن مالك بأن قال إذا فارق الأرض بأليتيه.
وقيل يرجع ما لم يستو قائمًا.
فوجه القول بأنه لا يرجع: إن محل الجلوس قد فات فلا يعود إليه بعد فواته.
ووجه القول بأنه يرجع أن الأصل قضاء الأفعال بمثلها ما لم يمنع من ذلك مانع، فإذا اعتدل قائمًا فقد تلبس بالقيام، والقيام فرض فلا يترك فرضًا نشب فيه لسنة أحل بها.
وما قبل

استوائه قائمًا لم يتلبس بفرض فَيُمنعَ من الانتقال منه إلى السنة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس فيمن اعتدل قائمًا وقد نسي الجلوس، فمذهبنا أنه لا يرجع.
وقال النخعي يرجع ما لم يقرأ.
وقال الحسن يرجع ما لم يركع.
وقال ابن حنبل إذا لم يقرأ فهو بالخيار بين أن يرجع أو لا يرجع، والأولى أن لا يرجع.
فدليلنا ما روي أن المغيرة قام من اثنتين فسبحوا به فأشار إليهم أن قوموا فلما فرغ قال هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1. ولأنا قدمنا أن القيام فرض وذكرنا اختلاف الناس في الجلسة الأولى وبينا أن مذهبنا أنها سنة، ودليلنا على ذلك.
وإذا كان ذلك كذلك فلا يترك فرض لسنة.
ولعل النخعي رأى أن القيام إنما يراد للقراءة فإنما يتحقق تلبسه بالفرض إذا تلبس بالقراءة.
وكذلك الحسن لعله قدر أن القيام إنما يراد للقراءة، والقراءة في هذه الركعة لا تجب فإنما يتحقق تلبسه بالفرض عند تلبسه بالركوع.
ولعل ابن حنبل رأى أن تتساوى المراتب فيما أحل به وفيما أخذ فيه.
فخير بينهما واستحسن أن لا يرجع لنوع من الترجيح، ولكونه أقرب لظاهر الحديث.
هذا الذي يظهر لي في توجيه هذه الثلاث مقالات.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا رجع بعد أن اعتدل قائمًا لم تبطل صلاته في المشهور من مذهبنا.
وقيل بل تبطل إذا فعل ذلك عن قصد.
وقال ابن سحنون تبطل ولم يقيد قوله، وقد يتأول قوله على أنه أراد إذا رجع عن قصد كما حكيناه عمن سواه.
فوجه المشهور أن نهيه عن الرجوع بعوإلاعتدال لم تقم عليه دلالة قاطعة لا يمكن دخول التأويل فيها.
وقد وقع فيه من الخلاف ما حكيناه.
فإذا رجع بعد اعتداله فقد أصاب وجه الصواب عند من حكينا قوله من العلماء.
فلم تبطل صلاته لذلك.
ووجه القول الآخر أنا إذا كنا نوجب عليه التمادي على قيامه، فمتى لم يفعل وتعمد مخالفة المشروع بطلت صلاته كما لو رجع من سجدة إلى ركعة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: ذكر ابن حبيب أنه إذا تزحزح

للقيام ثم ذكر فجلس أنه لا يسجد.
وقال أشهب: إذا رجع للجلوس بعد أن قام ولم يعتدل قائمًا فإنه يسجد بعد السلام.
وذكر الشافعية 1 قولين في سجود من قام ولم يعتدل ثم رجع.
قالوا: فإثبات السجود لحصول الزيادة ونفيه لخفة الزيادة وقلتها.
وقياسًا على من مشى خطوة أو خطوتين.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا رجع بعد أن اعتدل قائمًا فاختلف في سجوده.
فقيل: بعد السلام لزيادة القيام.
وقيل قبل السلام لأن سجود السهو قد ترتب عليه واستقر حكمه باعتداله قائمًا ونقصه الجلسة.
وهي لا تقضي بمثلها بعد فواتها.
فإذا رجع إلى الجلوس فقد زاد بعد تحقق النقص واجتماع النقص والزيادة محل السجود فيه قبل السلام.
وعلى هذا الاختلاف يسري حكم جلوسه الذي رجع إليه هل يتمادى عليه حتى يكمل جلوسه أو يرجع إلى القيام حين يذكر؟ فإذا قلنا أن سجوده بعد السلام، تمادى على جلوسمعتى يكمله.
لأن التقدير على هذه الطريقة أن الزيادة قد تجردت بحصول القيام الذي رجع عنه.
والجلوس لم يأت به ولا بعوض عنه فيجب أن يتمادى على هذا الجلوس الذي رجع إليه.
وإذا قلنا أن سجوده قبل السلام فإنه لا يتمادى على جلوسه هذا؛ لأنه قد عوض عن الجلوس المتروك بهذا السجود الذي قبل السلام فلا يجمع العوض والمعوض عنه.

مفسدات الصلاة

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: ويفسد 1 الصلاة اثنتا عشرة خصلة: 1 - قطع النية عنها جملة.
فأما تغييرها ونقلها فله تفصيل.
2 - والردة.
3 - وطرو 2 الحدث على أي وجه كان من سهو أو عمد أو غلبة.

قال الشيخ الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما معنى قوله بقطع النية عن الصلاة جملة؟.
2 - وما مراده بالتغيير والنقل؟.
3 - ولم أفسدتها الردة؟.
4 - ولم استوى في الحدث سهوه وعمده وغلبته؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا الدلالة على وجوب النية للصلاة.
وذكرنا أنه لا يلزم استصحابها ذكرًا.
ولكنها تستصحب حكمًا.
ومعنى استصحابها حكمًا أن من نوى الصلاة حين الإحرام ثم ذهل عن النية في أثناء الصلاة فإن ذهوله لا يفسد صلاته وكان النية مذكررة حكمًا.
وهذا لمشقة التحرز من الذهول عنها في سائر أجزاء الصلاة.
فإذا كان ذاكرًا لها.
وخطرت بباله وقصد رفعها ورفضها 3 وأن يوقع بقية الصلاة لهوًا ولعبًا فإن ذلك لا يجزيه

لقطعه النية جملة وإحداثه معنى ينافي القربة.
وقد اختلف فيمن ظن أنه أحدث أو رعف فخرج من الصلاة ثم تبين له خطاه في ظنه هل يبني على صلاته أم لا؟ فقيل يبني قياسًا على حديث ذي اليدين.
وقيل لا يبني إذا لم يكن في ليل مظلم يتعذر فيه معرفة الخارج منه، لتركه التثبت قبل الخروج.
واختلف لو كان هذا الخارج إمامًا.
هل يفسد على من خلفه؛ فإنما ذكرنا هذا ها هنا لأن الخارج لظن الحدث قطع النية عن الصلاة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: كنا قدمنا اختلاف أصحابنا فيمن ظن أن فرضه قد كمل وأنه في نافلة هل يعتد بما عمله بنية النافلة أم لا؟ وذكرنا اختلافهم أيضًا فيمن ظن في أثناء الظهر أنه في العصر فأكملها على ذلك هل تجزيه صلاته أم لا؟ وذكرنا وجه الاختلاف في هذا كله فلا معنى لإعادته ويمكن أن يكون القاضي أبو محمَّد عبر عمن تغيرت نيته عن الظهر إلى العصر بالتغيير.
وعمن انتقلت نيته من الفرض إلى النفل بالنقل.
ويمكن أن يكون أراد بالعبارة كل واحد من هذين المعنيين.
وكذلك اختلف فيمن زاد ركعة خامسة ساهيًا أو عامدًا ثم تبين له أنها رابعة لفساد إحدى الركعات.
وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك.
ولما تنوع التغيير والنقل إلى هذه الأنواع ولم يكن القاضي بسطها أشار إليها، بقوله فله تفصيل.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: حكم الردة في الصلاة مأخوذ مما تقدم لأن المرتد يستحيل منه التقرب إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.
وإذا استحال ذلك منه فقد قطع النية عن الصلاة جملة.
وقد ذكر القاضي أبو محمَّد أن قطع النية عن الصلاة جملة يفسد الصلاة.
والردة منه.
مع أن 1 الردة لها مدخل في إفساد الطهارة أيضًا على ما كنا ذكرناه في كتاب الطهارة.
وإذا فسدت الطهارة فسدت الصلاة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الحدث ينقض الطهارة باتفاق وهل ينقض الصلاة أم لا؟ لا يخلو من قسمين إما أن يكون محمدًا أو سهوًا.
فإن كان

محمدًا نقضها باتفاق وإن كان سهوًا نقضها عندنا خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا ينقضها.
وأما الشافعي فله قولان.
وأصحابه ينصرون من قوليه ما ننصره.
وقال الثوري إن كان قيئًا أو رعافُ الم تبطل صلاته.
وإن كان غير ذلك بطلت صلاته.
وقد احتج أصحاب أبي حنيفة بقوله عليه السلام: من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضا وليس على صلاته ما لم يتكلم 1. وروى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من قاء أو رعف أو مذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليس على صلاته ما لم يتكلم.
قالوا والمذي حدث بإجماع.
قالوا وروي عن ابن عباس 2 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
وكذلك عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزاد فيه إذا تكلم استقبل الصلاة.
قالوا ومذهب الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عمر وأبي الدرداء وسلمان الفارسي البناء على الصلاة عن 3 الحدث السابق فيها.
وعن علي في الغائط والبول.
وليس في السلف موافق لمن خالفنا إلا المسور بن مخرمة.
وأعلم أن حديث ابن أبي مليكة هو العمدة في الاحتجاج لأنه ذكر فيه المذي والمذي حدث.
ولهذا وقع التنازع فيه فقال بعضهم هو مرسل لأن ابن أبي مليكة لم يلق عائشة رضي الله هـ تعالى عنها وقد أسند الحديث إسماعيل بن عياش.
وقال الشافعي إسماعيل سيء الحفظ فيما يرويه عن غير الشاميين وابن أبي مليكة ليس شاميًا.
وزعم أصحاب أبي حنيفة أنه لقي عائشة رضي الله عنها فإنه قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقرأ: إذ تُلِقّونه بالسنتكم بكسر اللام وتخفيفها.
وقد سلم حذاق أصحاب أبي حنيفة أن القياس ما قلناه لولا الخبر.
لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة.
فلا تبنى الصلاة بدون شرطها.
ألا ترى أن الوقت لما كان شرطًا ذهب الوجوب بذهابه.
وكذلك المحتلم في الصلاة تفسد صلاته وإن كان الاحتلام بغير قصد منه.
ولأن المشي في الصلاة من غير حدث يفسدها.
فالحدث إذا انضاف إلى المشي لا ينبغي أن يكون مخفيًا لحكمه بل منتقلًا له مع ما ينضاف

إلى ذلك من استدبار القبلة واستقاء 1 الماء والتوضئ.
ولأن الطهارة شرط ابتداء فوجب أن تكون شرطًا دوامًا ولا يعارض ذلك بما هو شرط في الابتداء دون الدوام لأن ذلك لعلل.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي إن نوقضنا بمن انكشفت عورته فرد إزاره على البدار أو ألقت الريح على ثوبه نجاسة يابسة فنفضها أو حوله محول عن القبلة لحظة ثم أرسله فاستدار إليها.
قلنا أما النجاسة اليابسة إذا أزيلت عن البدار فإن الثوب لا يتصف 2 بالتنجس ولم يحصل ما يخرم نظام الصلاة بخلاف أن يحمل النجاسة اليابسة، فإن حملها إسقاط لحرمة الصلاة لكونه يسمى حاملًا.
ولو كانت النجاسة رطبة فقرض موضعها على الفور لبطلت صلاته لاتصاف الثوب بالتنجس.
وكذلك لو انعطف طرف إزاره وبدا شيء من العورة فرد ما انعطف على الفور لم تبطل صلاته.
لأن هذا لا يعد زوالًا للستر، وابتداء السترة بعد الزوال.
فلو انحل عقد إزاره وزايله الإزار ورده على البدار لبطلت صلاته لأن هذا ستر جديد.
وكذلك لو صرف بكليته عن القبلة بطلت صلاته ولو صرف بعضه فعاد إلى الاستقبال لم تبطل؛ لأنه يعد استقبالًا واحدًا.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: و 3 تعمد الكلام بغير 4 إصلاحها.
ولا يفسدها سهوه ولا عمده المقصود به إصلاحها.

قال الشيخ الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما حكم الكلام في الصلاة محمدًا من غير عذر؟.
2 - وهل يحل أو لا؟.
3 - وما حكمه محمدًا لإصلاحها؟.
4 - ومما حكمه لصيانة نفس أو مال؟.
5 - ومما حكم القرآن أو الذكر 5 إذا قصد به الإفهام لمعنى مطلوب؟.

6 - وما حكم الكلام سهوًا؟.
7 - وما حكم النفخ والتنحنح؟.
8 - وما حكم الأنين؟.
9 - وما حكم الضحك؟.
10 - وهل يحل الشرب في الصلاة محل الكلام؟.

الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تعمد الكلام في الصلاة بغير عذر فإنه يبطل الصلاة.
وقد جاءت الآثار بمنعه.
واشتهر نقلأوعملًا.
ووضوحه يغني عن الإطناب فيه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: كل ما ينطلق عليه اسم كلام فله مدخل في إفساد الصلاة من غير تحديد لحروفه ولا تعيين لها.
وقال أبو يوسف كل كلمة من حرفين أحدهما من حروف الزوائد فإنها لا تقطع الصلاة.
وحروف الزوائد عشرة يجمعها قولك اليوم تنساه.
وقولك سألتمونيها.
فكان أبا يوسف رأى أن أصل الكلام ثلاثة أحرف.
فالحرف الواحد أقل هذا الأصل والأقل لا يحكم له بحكم الكل.
وإذا كانت الكلمة من حرف أصلي وحرف زائد قدر الزائد كانه لم ينطق به وكان النطق إنما وقع بالأصلي وهو حرف واحد.
والحرف الواحد لا يؤثر.
ولهذا لم يقطع التنحنح الصلاة لأنه حرفان.
أحدهما الهمزة وهي من حروف الزوائد.
وهذا الذي قال انما يروق في تعاليل النحاة لا في تعاليل الفقهاء.
وما للفقهاء وللكلام على الحرف الزائد والأصلي؟ إنما هذا شغل أهل النحو والتصريف.
فإذا كان النطق يسمى كلامًا كان له مدخل في إفساد الصلاة.
والنظر في حروفه أصلية أو فرعية، شفوية أو حلقية مجهورة أو مهموسة شغل قوم آخرين.
وسنتكلم على التنحنح إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما كلام المتعمد المضطر للكلام لإصلاح الصلاة كالمأموم يتكلم ليشعر إمامه بسهو دخل عليه فاختلف فيه.
فالمشهور أنه لا يبطل الصلاة.
وقال المغيرة يبطل الصلاة.
والأصل في هذه المسألة كلام ذي اليدين.
وقد ذكرنا ما تأوله ابن كنانة فيه.
وأشرنا إلى قول

بعض المتأخرين أن كلام من أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة لا يقاس عليه؛ لأن الاستجابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور بها.
وقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنسًا لما دعاه وهو في الصلاة على أن من حقه أن يجيبه وتلا عليه قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ 1. الآية.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا تكلم محمدًا لاستنقاذ مسلم كتحذير أعمى من السقوط في مهلكة فإنه عندنا يبطل الصلاة.
وإن كان الكلام واجبًا.
وقال الأوزاعي لا تبطل الصلاة.
ورأى أن وجوب الكلام يمنع من كونه مبطلًا.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي لو كان هذا المصلي في خناق من الوقت لم يبطل كلامه الصلاة قياسًا على المسايف في الحرب لعلة اشتراكهما في إحياء النفس.
وفي هذا التشبيه نظر.
لأن المسايف لا يبطل كلامه الصلاة إذا اضطر إليه.
ولو أوقع الصلاة في أول الوقت.
والمصلي الرائي للأعمى يبطل كلامه الصلاة إذا لم يكن في خناق من الوقت مع اشتراكهما في كون الكلام تتساوى الحاجة إليه في أول الوقت وآخره.
ولو خاف المصلي على تلف مال كثير له أو لغيره تكلم وأبطل الكلام صلاته أيضًا.
وقال سحنون في إمام يخاف على أعمى أن يقع في بئر أو ذكر متاعًا له خاف عليه التلف، فله الخروج لذلك ويستخلف.
وقال أشهب في مدونته إذا خرج المصلي ليغسل النجاسة من ثوبه أو جسده ثم بني فإنه يجزيه قياسًا على الراعف.
وقد يتخرج على قول أشهب أن يبني من قطع الصلاة لصيانة نفس أو مال ما لم يحدث ما يمنعه 2 من البناء.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: المصلي إذا افتتح على إمامه بالقراءة 3 فإن صلاته لا تفسد لأن قراءة الإِمام له قراءة 4. فإنما اشتغل بإصلاح عمل هو عامله في الحكم، ويعود بإصلاح صلاته.
وأما إن فتح المصلي على

من ليس معه في صلاة فاختلف فيه.
عندنا على قولين.
فقيل: لا تفسد صلاته وبه قال الشافعي.
وقيل تفسد صلاته.
واشترط الحنفيون في إفساد الصلاة أن يتكرر ذلك منه مرارًا؛ لأنهم رأوه تعليمًا، والتعليم مما ينفع الناس به بعضهم بعضًا.
وإذا كان من أعمال الناس روعي فيه أن يكون كثيرًا كسائر الأعمال بخلاف ما هو فيه من كلام المخلوقين فإنه ينقض الصلاة، وإن قل.
لأنه بعينه من نواقض الصلاة.
ووجه أحد القولين 1 عندنا بإبطال الصلاة من غير مراعاة لتكرار، أنه يقدر كلكلام في الصلاة بغير القرآن لما كان لا حاجة به إليه ولا هو من مصلحة صلاته.
وأما إن تكلم في الصلاة بالقرآن 2 لإفهام رجل فقد قال ابن حبيب ما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من الذكر والقراءة 3 فجائز له أن يرجع بذلك رجلًا أو يوقفه.
وقد استأذن رجل على ابن مسعود وهو في الصلاة فقال ادخلوا مصر إن شاء اله آمنين 4. ولقد أجاز مالك والشافعي التسبيح للتنبيه والنائبة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن التسبيح لإفهام رجل يبطل الصلاة.
وقد يتخرج في ذلك قول آخر بإبطال الصلاة قياسًا على أحد القولين عندنا فيمن فتح بالقرآن على من ليس معه في صلاة.
وقد قال ابن القاسم فيمن أُخْبِرَ في الصلاة بما يسره فحمد الله تعالى أو بمصيبة فاسترجع، أو يخبر بالشيء فيقول الحمد لله على كل حال أو قال الذي بحمده تتم الصالحات فلا يعجبني.
وصلاته مجزية.
قالِ أشهب إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة.
وهكذا قال أبو حنيفة فيمن أخبر في صلاته بما يسر فأجاب عن ذلك باذ قال: الحمد لله إن صلاته تبطل.
وقال أبو يوسف لا تبطل صلاته.
ووافق أبو يوسف أبا حنيفة على إبطال الصلاة إذا نطق بالاسترجاع مجاوبًا لمن أخبره بما يسوؤه كما أبطل الصلاة بقول المصلي أيضًا: يا يبيح خذ الكتاب بقوة 5، قاصدًا بذلك تنبيه رجل على أخذ كتاب.
وقد تردد في هذا بعض أصحابنا البغداديين.
قال لا يلزمنا على

إجازة التسبيح بقصد التنبيه، إجازة التنبيه بقوله يا يبيح خذ الكتاب بقوة.
لأن هذا مما يستعمل خطابًا في مثل هذا المعنى.
ولو أورده على جهة التلاوة وقصد به التنبيه لم يبعد القول بان الصلاة لا تبطل.
لأن التنبيه ها هنا في حكم التبع فصار كالمعفو عنه.
وقد كنا قدمنا أن إنشاد الشعر المشتمل على الثناء على الله تعالى يبطل الصلاة.
ولو كان منشده لا يحسن قرآنًا لما كان ذلك من صنع كلام المخلوقين.
وهذا المعنى هو سبب اختلاف أبي حنيفة وصاحبه في صلاة المجيب بالحمد لله؛ لأن أبا يوسف لما رآه قرآنًا لم يبطل الصلاة.
ولما قدره أبو حنيفة مما يستعمله الناس جوابًا في التهنيات لحق بالاستعمال بحكم كلام المخلوقين في هذا.
وقد يصعب على أبي يوسف الفرق بين الجواب بالحمد لله والاسترجاع لأنهما يستعملان جميعًا مجاوبة على حسب ما قلناه.
وقد استدل أصحابنا على أبي حنيفة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: من نابه شيء في صلاته فليسبح 1. فاجاز التسبيح للنائبة تنوب.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف الناس في الكلام في الصلاة على جهة السهو.
فمذهبنا أنه لا يبطل الصلاة.
وذهب ابن المسيب وقتادة والنخعي إلى إبطاله للصلاة.
ووافقهم أبو حنيفة على هذا.
لكنه استثنى السلام 2 ناسيًا فلم يبطل به الصلاة.
فلم يستثنه من ذكرناه.
وسبب الاختلاف في ذلك اختلاف ظواهر الأحاديث.
فحديث ذي اليدين يتعلق به من لم يبطل الصلاة لأن ذا اليدين تكلم كالمكره لإصلاح الصلاة، ومجاوبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلموا كالمكرهين شرعًا لوجوب مجاوبته والشعبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم ناسيًا.
ولم تنقل الإعادة لأجل هذا الكلام.
وهذا الحديث الذي قدمناه في القيء والرعاف قد ذكر فيه: وليس على صلاته ما لم يتكلم.
ولم يفرق بين أنواع الكلام.
وذكر أيضًا في بعض الأحاديث الكلام في الصلاة ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء 3. فعم

جهات وقوع الكلام، فلأصحابنا أن يتاولوا ما تعلق به المخالف على كلام العمد ويمنعوا من القياس في صلاة قطعت برعاف أو قيء على صلاة لم تقطع برعاف أو قيء.
وأما أصحاب إبي حنيفة فإنهم تأولوا حديث ذي اليدين 1 على أنه إنما جرى الأمر فيه كذلك لكون الكلام في الصلاة مباحًا حينئذٍ.
وقد رد هذا عليهم بان راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه.
وهو ممن أسلم بالمدينة.
وتحريم الكلام في الصلاة كان بمكة.
وأجابوا عن هذا بأنه قد يكون رواه عن غيره وأرسل الحديث.
وقد جرى ذلك لأبي هريرة رضي الله عنه في حديث آخر.
وقد قال بعض من أنكر إبطال الصلاة بالكلام سهوًا: إن موارد الشرع تنقسم إلى مأمور به ومنهي عنه.
فالمأمور به إذا لم يفعل بقيت على المكلف عهدة الامتثال.
والمنهي عنه إذا ركب فإنما في ركوبه انتهاك الحرمة، والاجتراء على النواهي.
وهذا المعنى إنما يتحقق مع القصد والعمد.
والمتكلم على جهة النسيان غير منتهك للحرمة ولا مجترىء على الشرع فلا وجه لإبطال صلاته بكلامه.
هذا ولأن القارئ لو جرى في خلال قراءته تغيير حرف من حروف القرآن أو إبداله حتى يكون كالمتكلم لم يمكن أن يقال بإبطال صلاته.
وقد تعلق المخالفون لهذا المذهب بان الحدث يستوي سهوه وعمده في نقضه للصلاة، فكذلك الكلام يجب أن يستوي سهوه وعمده في نقض الصلاة.
وقوإنفصل عن هذا بأن الحدث مباح لا حرام فيه بخلاف الكلام.
وهو ناقض للطهارة بعينه فوجب أن ينقضها كيفما تصرفت به الحال.
مع أن التحقيق فيه أنه ليس بناقض لها على الحقيقة.
إذ لو كان كذلك لسرى النقض إلى ما قبل الحدث حتى تبطل الصلاة من أولها.
وإنما التحقيق فيه أنه أجلها ومنتهاها.
والآجال والنهايات لا يختلف حكمها باختلاف الحالات.
وأما أبو حنيفة فإنه إنما استثنى السلام من أنواع الكلام لأن السلام شرع في الصلاة وأمر به عند التحليل منها.
فإذا وقع في غير حينه محمدًا أبطل الصلاة.
وإن وقع في غير حينه على غير عمد لم يبطل الصلاة.
لأن قصارى ما فيه قصد التحليل نسيانًا، والقصد من أفعال القلوب.
ومثل هذا الفعل من أفعال القلوب لا يثمر إبطالًا لكونه غير مقصود للتعدي فيه.

وإنما حصل كلام جنسه مشروع.
وهذا النوع من القصد غير ملوم فيه.
فعفي له 1 عنه ولم يؤثر إبطالًا.
والكلام لم يشرع في الصلاة على حال فصار كالمبطل لها بعينه.
فاستوى سهوه وعمده.
ولما تكلمنا على حكم الكلام سهوًا أو محمدًا فاعلم أن الكلام جهلًا يجري عندنا على القولين في الجاهل هل حكمه حكم العامد أو حكم الناسي؟ وقد تعلق من أنكر بطلان الصلاة بالكلام جهلًا بحديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة فاستدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين 2. ولم يأمره بالإعادة.
وقوإنفصل بعض المخالفين عن هذا بان الجهل حينئذٍ معفو عنه لأن الشرائع لم تكن بُلّغت كلها وإنما بلغها - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فشيئًا وعلمها الناس حينًا فحينًا، والمتكلم حينئذٍ يعذر بالجهالة بخلاف الحال الذي بعده لكمال ما بلغ من الشرائع فيه.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: التنحنح على قسمين: تنحنح طبعي دعت إليه ضرورة الطباع فهذا لا حكم له.
وتنحنح اختياري ليسمع رجلًا فالمذهب عندنا على قولين.
هل يبطل الصلاة أم لا؟ فقيل يبطل الصلاة لأنه كالكلام.
وقيل لا يبطلها لأنه ليس فيه حرف من حروف التهجي.
وقد قدمنا ما قاله أبو يوسف من أن الكلمة التي على حرفين أحد حرفيها من الزوائد لا تبطل الصلاة، وعد التنحنح من ذلك.
وأما النفخ في الصلاة فعندنا أنه مأمور باجتنابه في الصلاة فإن فعل فعندنا قولان في إبطال الصلاة به.
وقال أبو يوسف لا يبطل الصلاة إلا أن يقصد به التأفيف.
وله قول آخر أنه لا يبطلها ولو قصد به التأليف.
فوجه قولنا بالأبطال قوله عليه السلام وقد مر برباح وهو ينفخ في التراب فقال من

نفخ في الصلاة فقد تكلم 1. ووجه قولن ابن في الإبطال أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في سجوده في صلاة الكسوف أف، أف ألم تعدني أنك لا تعذبهم وأنا فيهم 2. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: مذهبنا أنَّ مَنْ أَنَّ مِنْ وجع فإن صلاته لا تبطل.
ومذهب الشافعية إبطال الصلاة بالأنين إذا أبدى من الأنين حرفين.
فقال أبو حنيفة أن من أنّ من وجع بطلت صلاته وأن من أن خشية لم تبطل صلاته.
وهكذا مذهب الحنفيين في البكاء إذا اشتد به يبطل الصلاة؛ لأنهم يرونه عملًا من الأعمال، والعمل الكثير يبطل الصلاة.
وقد استدل على نفي الإبطال بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ 3 فاثنى عليه بذلك.
وهذا لا دليل فيه.
لأنه لم يثن عليه بالتاوه في الصلاة، على أن بعضهم قال إن التاوه قولك أؤه 4 بشديد الواو وهي كلمة من أربعة أحرف والكلمة التي عددها هذا تبطل الصلاة.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما مبدأ الضحك وهو التبسم.
فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: 1 - لا اعتبار به 5 لخفته.
2 - وقيل يسجد قبل السلام لإخلاله بالخشية والخشوع.
3 - وقيل يسجد بعد السلام لأنه كالزائد في الصلاة.
وأما الضحك الذي هو القهقهة فاختلف فيه هل هو كالكلام يفترق سهوه من عمده؟ أو هو بخلاف الكلام يستوي سهوه وعمده وغلبته.
فقيل هو كالكلام لا يبطل الصلاة نسيانه ويبطلها عمده.
وقيل بل هو بخلاف الكلام يبطلها سهوه وعمده وغلبته.
ولكن الضاحك إن كان مامومًا ولم تجزه صلاته لضحكه فالمشهور أنه يتمادى ويعيد.
وظاهر الواضحة أنه يقطع.
وإن كان الضاحك إمامًا وتعمد الضحك فقد أفسد على نفسه وعلى من خلفه.
وإن غلب عليه

استخلف من يتم بهم وأتم معهم.
فإذا فرغوا أعادوا.

والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: الشرب في الصلاة ممنوع وسواء كان فريضة أو نافلة، خلافًا لابن الزبير وابن جبير والحسن وعطاء في قولهم بإجازة ذلك في النافلة.
ولنا عليهم أنه عمل ينافي الصلاة فاستوى في المنع الفرض والنفل قياسًا على الكلام وغيره من جملة الممنوعات.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويفسدها 1 وترك ركن من أركانها.
والعمل الكثير فيها من غير جنسها والقهقهة سهوًا أو محمدًا.
وذكر صلاة عليه يجب 2 ترتيبها وفساد صلاة الإِمام لغير سهو الحدث 3. وطرو النجاسة المقدور على إزالتها.
وانكشاف العورة المقدور على تغطيتها إذا تعمد ترك الإزالة أو التغطية في "المجمع عليه من ذلك فإن كان قدرًا مختلفًا فيه سهل الأمر قال الشيخ الأمام رضي الله عنه: أما ما يشمل هذا الفصل من ذكر ترك ركن من أركان الصلاة والقهقهة وحكم العورة والنجاسة فإنا قد قدمنا الكلام عليه بما يغني عن إعادته ها هنا.
لكنه قد تحرز ها هنا باشتراط القدرة على إزالة النجاسة واشتراطها في تغطية العورة.
وهذا التحرز إشارة إلى ما قدمنا القول فيه عند ذكرنا ما ينبعث من الدماء غلبة وما تدعو الضرورة إلى العفو عنه.
وعند ذكرنا حكم من لم يجد 4 ما يستر به عورته.
وكذلك أيضًا إشارته إلى تسهيل الأمر في المختلف فيه وتشديده في "المجمع عليه، فيه تعريض لما فرغنا من القول فيه لما تكلمنا على المختلف فيه في العورة والنجاسة.
وكذلك إفساد الصلاة بالعمل الكثير من غير جنسها معلوم صحته واضح حكمه فلا معنى للإطناب فيه وإنما يفسدها العمل الكثير إذا كان من غير جنسها كما ذكر؛ لأنه إذا كان من غير جنسها أفسد نظامها ومنع اتصالها.
هذا جملة ما اشتمل عليه هذا الفصل سوى

مسألتين نؤخر الكلام على إحداهما وهي وجوب الترتيب، ونتكلم الآن على المسألة الأخرى وهي فساد صلاة الإِمام بحكم الحدث فهي مما اختلف الناس فيها.
فذهب أبو حنيفة إلى بطلان صلاة المأموم إذا كان إمامه غير متطهر.
وذهب الشافعي إلى صحة صلاة المأموم إذا كان لم يعلم يحدث إمامه.
وذهب مالك إلى بطلان صلاة المأموم إذا علم بهذا الحدث الإِمام والمأموم.
وصحة صلاة المأموم إذا جهلاه جميعًا.
وقال بعض أشياخي يتخرج على قوله في المدونة في الإِمام إذا ذكر صلاة وهو في صلاة أخرى أن المأمومين يقطعون.
واعتل بأنه يجب عليهم ما يجب على الإِمام كما قاله أبو حنيفة في بطلان صلاة المأموم علم الإِمام بحدثه أو جهله.
وقد قال أبو الفرج القياس على مذهب مالك بطلان صلاة المأموم علم الإِمام بحدثه أو جهله.
ويتخرج على القول 1 عندنا بصحة صلاة الفرض خلف الصبي، ما قاله الشافعي من أن صلاة المأموم تصح إذا لم يعلم يحدث إمامه وإن علم الإِمام بالحدث.
وقد ذكر ابن عبد الحكم في المولدات أن أشهب ذهب إلى صحة صلاة المأموم وإن علم الإِمام بحدثه.
وذكر في المستخرجة في إمام أحدث بعد التشهد متعمدًا وقعد حتى سلم بهم أن صلاة المأمومين لا تبطل.
وإن كان هذا قولًا يلزم عليه إيقاعه جميع الصلاة محدثًا لكون الصلاة يتحلل منها بالحدث على ما كنا حكيناه عن أبي حنيفة.
ولكن أبا حنيفة اشترط أن يقصد بالحدث التحلل، ففي الرواية إشكال.
وأشار القاضي أبو محمَّد إلى أن بطلان صلاة المأموم إذا علم الإِمام بالحدث يجري على الاختلاف في صحة صلاة من ائتم بفاسق.
ولهذا فرق مالك بين علم الإِمام وجهله.
وقال ابن الجهم تبطل صلاة المأموم إذا لم يقرأ 2 وإن كان الإِمام لم يعلم بحدثه.
وكذلك جرى الاختلاف في الإِمام إذا طرأ عليه الحدث في أثناء الصلاة فعند الشافعي أن المأمومين يتمون لأنفسهم أفذاذًا وعندنا أنه يستخلف وكذلك رأيت أصحاب أبي حنيفة حكوا عنه ورأيت أصحاب الشافعي حكوا عن أبي حنيفة بطلان صلاة المأمومين وهو البخاري

على ما قدمناه من مذهبه.
وقال أبو بكر الأبهري لو ترك الإِمام القراءة لبطلت صلاة من خلفه بخلاف كونه محدثًا لأن قراءة 1 الإِمام قراءة للمأموم فإذا تركها الإِمام فكان المأموم تركها.
وهذا الذي قاله ابن عبد الحكم هو 2 الذي دعا ابن الجهم إلى اشتراط قراءة المأموم لأن الإِمام إذا بطلت (2) صلاته بطلت قراءته (2). فإذا كان المأموم لم يقرأ والإمام مقدر أنه لم يقرأ.
وإن كان لم يقرأ 3 فقد حصل: المأموم صلى بغير قرأءة.
وإذا كان لم يقرأ فمذهب (2) بعض أصحابنا لا تجزئ الصلاة خلف الكافر والأمي لأنهما ممن يتأتى الاطلاع على حالهما.
وطهارة الإِمام (2) لا يطلع عليها غالبًا.
وقال مالك لو أحل الإِمام بالإحرام لبطلت صلاة من خلفه، وإن أحرموا.
وقال بعض أشياخي يتخرج على قوله في الإِمام الجنب أن تصح صلاة المأموم 4. وقد كنا قدمنا اختلاف قول أصحاب مالك في الإِمام إذا ذكر وهو في الرابعة سجدة من الأولى وقد سجدها المأمومون فلا يجب عليهم إعادتها معهم أو يعتدون بها 5. ولو كانت الصلاة صلاة جمعة فصلاها الإِمام وهو غير عالم بحدثه لصحت صلاة المأمومين على أصلنا.
وقال بعض أشياخي تبطل صلاة المأمومين على قول ابن الجهم وإن 6 قرأوا لأن الجمعة من شرطها الإِمام.
وقد فقد ها هنا.
وقد قدمنا الاختلاف في الإِمام إذا خرج لظن الحدث غالطًا.
هل تبطل صلاة من خلفه 7 أم لا؟ وأشرنا إلى توجيه ذلك.
وقد احتج على صحة صلاة المأموم إذا كان إمامه محدثًا لا يعلم بحدثه بان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه جنب فأشار إليهم أن امكثوا 8 الحديث.

وأجيب عنه بأنه لم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كبر.
فيمكن أن يكون ذلك قبل أن يكبر.
ولو ثبت أنه كبر فإنه لم يثبت أنهم كبروا.
ولو ثبت أنهم كبروا فإنه لم ينقل هل بنوا على صلاتهم أو استأنفوها.
وقد احتج على بطلان صلاة المأموم بأنه لو علم يحدث إمامه لبطلت صلاته باتفاق.
فلو كان كل فصل فصل 1 لنفسه ولا تعلق له بصلاة الإِمام لم يضره علمه كما لم يضره علم 2 إمامه إذا جهل هو في نفسه.
واحتج على بطلان صلاة المأموم أيضًا بأن سهو الإِمام يلزمه وإن لم يسه هو في نفسه.
وما ذاك إلا لكون صلاة الإِمام والمأموم امتزجتا حتى صارتا بالاتحاد كصلاة واحدة.
وإذا بطلت صلاة الإِمام بطلت صلاة المأموم.
وأجيب عن هذا بأن المأموم لما حمل الإِمام سهوه وجب أن يشارك الإِمام في سهوه حتى يعتدل الجانبان جميعًا.
والمأموم لو أحدث ما حمل الإِمام حدثه ولا سري بطلان صلاته إلى بطلان صلاة الإِمام فكذلك حدث الإِمام لا يجب أن يسري إلى صلاة المأموم حتى يعتدل الجانبان أيضًا ها هنا.
على أن الإِمام إنما حمل السهو عن المأموم لما كلفه المأموم من معاناة الاقتداء والاتباع مع كون الاتباع مبعد عن السهو.
فلهذا حمل السهو عنه وكلف المأموم حكم سهو الإِمام لوجوب المتابعة والاقتداء.
والاقتداء والمتابعة إذا وجبا وجب على المأموم ما يجب على الإِمام.
وهذه المعاني مفقددة في الحدث فلم يصح التشبيه.
= رجال الصحيح.
وفي رواية أخرى دون هذه في الصحة.
إنما أنا بشر مثلكم.
وكنت جنبًا فنسيت.
مجمع الزوائد ج 2 ص 69.

باب في الإمامة والجماعة وقضاء الفوائت والنوافل وأوقات النهي ومواضعه والجمع وما يتصل بذلك

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: يقدم في الإمامة كل من كان أفضل.
والفقيه أولى من القارئ.
ولا تجوز إمامة الفاسق ولا المرأة ولا الصبي إلا في نافلة، فتجوز دون المرأة.
ولا العبد في الجمعة.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثمانية عشر سؤالًا منها أن يقال: 1 - ما الدليل على اعتبار شروط في الإمامة؟.
2 - وما هي الشروط 1؟. 3 - وما أقسامها؟.
4 - ومن أولى بالإمامة الفقيه أو القارئ؟.
5 - وما حكم إمامة الكافر؟.
6 - وما حكم إمامة المرأة؟.
7 - وما حكم إمامة الصبي؟.
8 - وما حكم إمامة العبد؟.
9 - وما حكم إمامة الطفل؟.
10 - وما حكم إمامة الألكن واللحان؟؟.
11 - وما حكم إمامة الأمّي؟.

12 - وما حكم إمامة القارئ من المصحف؟.
13 - وما حكم إمامة الفاسق؟.
14 - وما حكم المخالف في مسائل الاعتقاد والاجتهاد؟.
15 - وما حكم إمامة من للمأموم عليه حرمة؟.
16 - وهل للمنفرد أن ينتقل لحكم الجماعة وإن كان في جماعة أو ينتقل إلى حكم المنفرد؟.
17 - وهل للإمام أن يولي غيره ولاية؟.
18 - وما الذي يفعله المتولي؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عَزَّ وَجَلَّ فإن كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًالأولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على مكرمته إلا بإذنه 1. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أئمتكم شفعاؤكم فاختاروا من تستشفعون به" 2. فأمر في الحديث الأول بمراعاة أوصاف وعينها.
وأمر في الحديث الثاني باعتبار حال الإِمام وإن لم يصرح بتعين 3 الحال.
وذلك يدل على آعتبار ما قلناه من اعتبار شروط.
وأيضًا فإن الذي يورده في منع إمامة الكافر والصبي وغيرهما يدل على مراعاة شروط.
وأن الإمامة لا تجوز إلا بعد تحصيل شرائط 4.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الشروط المعتبرة في الإمامة البلوغ، والعقل والإِسلام والذكررية والحرية، والعدالة والعلم بالواجب من فقه

الصلاة وقراءتها وسلامة الأعضاء التي يكون فقدها قادحًا في الصلاة وستقف على تفصيل 1 هذه الجمل إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: المعاني المانعة من الإمامة على قسمين: أحدهما يمنع صحة الإمامة، والثاني يمنع فضيلتها.
فموانع الصحة الأنوثة، وعدم التكليف ونقص الدين على الجملة، وعدم العلم 2 بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه على الجملة.
وموانع الفضيلة المقتضية كراهية الإمامة هي النقائص.
وهي على ثلاثة أضرب: نقمريمنع إكمال 3 الفروض، كالعبد فإنه لا حج عليه ولا جمعة، ولا زكاة.
ونقص يقرب من الأنوثة كالخصاء ونقص يحط المنزلة وتسرع إلى صاحبه الألسنة كولد الزنى.
وستقف على هذه الجملة إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في الفقيه والقارئ أيهما أولى بالإمامة.
فذهب مالك والشافعي إلى أن الفقيه أولى.
وبالغت الشافعية في هذا حتى قالت إن من يحسن الفقه الكثير ولا يحسن من القراءة إلا الفاتحة أولى بالإمامة ممن يحسن القرآن الكثير.
وذهب أبو حنيفة إلى أن القارئ أولى من الفقيه وبه قال أحمد وإسحاق وابن سيرين والثوري.
وقد احتج الشافعي لقوله وقولنا بان ما تحتاج إليه الصلاة من القرآن محصور، وما يحتاج إليه من الفقه في الصلاة غير محصور، فما كان لا ينحصر المقدار المحتاج إليه منه كان أولى بالمراعاة.
فالمكثر منه أحق من المقل بالإمامة.
واحتج أصحابنا بهذا المعنى واحتجوا أيضًا بأن في حديث عقبة ابن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يؤم القوم أعلمهم بالسنة 4. وذكر الأقرأ بعد ذلك.
واحتج المخالف بالحديث الذي قدمناه وهو قوله عليه السلام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عَزَّ وَجَلَّ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة.
وهذا الحديث صحيح خرجه مسلم.
وأجيب عن هذا بأن الصحابة كانوا إذا تعلموا شيئًا من

القرآن تعلموا أحكامه.
ولهذا قال ابن مسعود كنا لا نتجاوز عن آية حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها.
وإذا كان الأمر كذلك كان القارئ لكتاب الله تعالى فقيهًا لأنه أصل الفقه وينبوع الأحكام.
وأما قول الشافعية إذا كان لا يحسن سوى أم القرآن فإنه أولى من القارئ ففيه عندي نظر ويفتقر إلى تفصيل.
وقد كنا قدمنا الاضطراب في عد ما زاد على أم القرآن من السنن أو الفضائل 1. وقد ذكرنا قول من قال من السلف بوجوب الزيادة على أم القرآن.
والنظر في هذه المذاهب ومراعاتها مما يفتقر إليه في معرفة الصواب في هذه المسألة، وهذه الإشارة يكتفي بها من تأملها.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إذا صلى مسلم مؤتمًا بكافر عالم بذلك فلا خلاف في بطلان صلاته.
وإن كان المسلم غير عالم بكفر إمامه فالفقهاء كلهم مجمعون على بطلان صلاته إلا أبا ثور والمزني.
وقد استدل على بطلان الصلاة بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ 2. وبقوله ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 3. فلو لم يعد الصلاة لكان الكافر مساويًا للمسلم.
وقياسًا على علم المؤتم بكفر إمامه.
وقياسًا على ائتمامه بمجنون يجهل جنونه.
ولأن الكفر يمكن الاطلاع عليه والكشف عنه فلا يعذر المؤتم بجهله.
ألا ترى أن الحاكم إذا حكم بشهادة كافر نقض حكمه ولم يعذر لتقصيره في البحث عن كفره.
وكذلك لو حكم بشهادة عبد.
ولو حكم بشهادة غير عدل لم ينقض حكمه وعذر بخطئه لما كان لم يقصر.
وقد ترجح 4 بعض أصحابنا البغداديين في الزنديقال في يسر الكفر ويظهر الأيمان فقال: قد يفرق بينه وبين الكافر الأصلي فإن من أقام زمانًا يظهر الإِسلام ويؤم ويقرأ القرآن ثم اطلع على إسراره الكفر فإن الإعادة تشق وتصعب.
قال ويحتمل أن تعاد الصلاة.
وهذا الذي تردد فيه 5 بعض

أصحابنا قطع القول فيه بعض أصحاب الشافعي بنفي الإعادة.
واعتل بأنه مما لا يظهر غالبًا.
وإذا ثبت أن الصلاة خلف الكافر لا تجزئ فهل يكون الكافر بصلاته مسلمًا أم لا؟ اختلف الناس في ذلك فقال الشافعي لا تكون صلاة الكافر إسلامًا.
وقال ابن حنبل تكون إسلامًا.
وقال أبو حنيفة إن صلى في جماعة إمامًا أو مأمومًا أو صلى منفردًا في مسجد كانت صلاته إسلامًا.
وأما مذهبنا فإنه إذا أم بقوم فلا يخلو بعد فراغه من صلاته بأن يعترف بأنه مسلم وأنه صلى معتقدًا للإسلام أو ينكر كونه مسلمًا.
فإن زعم أنه مسلم فقد قال سحنون في النصراني إذا أم يعرض عليه الإِسلام.
فإن أسلم صحت صلاة من خلفه.
وتؤول قوله على أنه أراد بقوله فإن أسلم أي تمادى على إسلامه.
وتعقب هذا بعض المتأخرين بأنه كجنب صلى عالمًا بجنابته لكون الكافر غير مغتسل من جنابته.
وإن أنكر كونه مسلمًا فلا يخلو من أن يكون ظهر أنه دافع بصلاته عن نفسه وماله عند خوف حدث له أو لم يظهر ذلك.
فإن ظهر ذلك فقال سحنون لا يعترض 1 له.
ووقع في بعض الروايات استتابته مطلقًا من غير تفصيل.
ولم يتعرض لما تعرض له سحنون.
وإن لم يدافع بصلاته عن نفسه وماله فقدلان: أحدهما أن صلاته إسلام فيستتاب كالمرتد.
والثاني أنه لا يستتاب، ولا تكون صلاته إسلامًا.
والأصل في هذه المسألة أن تعلم أن الإيمان الذي تنطوي عليه القلوب مما ينفرد بعلمه علام الغيوب.
وإنما تعبدنا بظواهر جعلت علمًا عليه فجاء الشرع بجعل لفظ الشهادتين علمًا عليه.
وهذا من حكمة الشرع لأن الشهادتين على اختصارهما وإيجازهما تضمنتا كل معنى مطلوب في هذا.
فالقول لا إله إلا الله فيه اعتراف بالألوهية والتوحيد.
ويتضمن إثبات الصفات وتنزيه الباري تعالى عن سمات المحدثات.
والشهادة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة يتضمن تصديق سائر الرسل والتزام جميع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من العبادات والأحكام.
فلما كانت هذه الألفاظ تقتضي التصديق عامًا جعلت علمًا على ما في القلب من الإيمان.
وأما الخاص في مثل هذا فلا يخلو 2 إما أن يكون تكذيبًا أو

تصديقًا.
فإن كان تكذيبًا فلا يختلف في أنه يحل محل التكذيب العام.
وإن كان تصديقًا فهذا موضع الاضطراب.
وإنما اتفق على التكذيب ووقع الإشك الذي التصديق لعدم الاحتم الذي التكذيب وإمكانه في التصديق.
لأن من قال كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله إن الصلاة واجبة فلا شك في أنه كذبه في قوله إني نبي لأن النبي لا يكذب في واحدة كما لا يكذب في آحاد.
وأما من قال صدق في أن الصلاة واجبة فيحتمل أن يكون صدقه في ذلك لأنه وافق ما عنده في شرعه أو في عقله.
وإذا أمكن ذلك لم يحل التصديق الخاص محل التكذيب الخاص.
فإذا انكشف لك هذا السر فاعلم أن مثار الخلاف في المسألة راجع إليه.
فمن اعتقد أن الكافر يكون بصلاته مسلمًا رأى أن هذا الفعل إنما وقع عن تصديق به، والتصديق الخاص يتنزل منزلة التصديق العام.
ومن اعتقد أنه لا يكون مسلمًا أنكر أن يكون هذا الفعل تصديقًا أو سلم كونه تصديقًا وأنكر كون التصديق الخاص يتنزل منزلة التصديق العام.
وقد وقعت في الشرع ظواهر تنوزع في كونها دالة على جعل صلاة الكافر علمًا على إسلامه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ 1. وأجيب عن هذا بان المراد إنما يستحق عمارة مساجد الله تعالى من كان على هذه الصفة.
ألا تراه ذكر الصلاة والزكاة فالمراد أن من كان على هذه الأوصاف استحق عمارة المساجد ومن لم لكن عليها طرد عن المساجد وبقوله في الخبر: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم 2. وأجيب عنه بأنا لا نتحقق أنه صلى صلاتنا إلا بعد إظهاره الشهادتين لجواز أن يكون قصد اللعب والعبث.
والصلاة لهو ولعب ليست من صلاتنا.
وهكذا الجواب عن قوله نهيت عن قتل المصلين 3. وأما الذين غزاهم جرير فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا دلالة فيه على كون الصلاة علمًا على الإِسلام؛ لأنه وداهم بنصف

دياتهم ولو كانوا مؤمنين حقًا لوداهم بجميع دياتهم.
ويناقض أبو حنيفة بصلاة المنفرد في غير المسجد.
وأما الكافر إذا أذن فإن أبا حنيفة رأى أذانه إسلامًا.
وتردد فيه بعض أصحابنا فقال إن قلنا لا يكون إسلامًا فإنه قد يحكي به إنسانًا كما فعل أبو محذورة قبل أن يسلم.
وإن قلنا يكون إسلامًا فلإظهاره في أذانه الشهادتين بخلاف الصلاة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: لا تصح إمامة المرأة عندنا وعند أبي حنيفة لا رجالًا ولا نساء.
وحكى بعض أصحابنا عن الطبري وداود وأبي ثور جواز إمامتها رجالًا ونساء ورأيت في نقل غيرهم عن أبي ثور والمزني والطبري أنهم أجازوا أن تؤم الرج الذي التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلف الرجال.
وذهب الشافعي إلى جواز إمامتها النساء ورواه ابن أيمن عن مالك.
وقد احتج أصحابنا للمنع على الإطلاق بقوله عليه السلام: خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها 1. وبأن كلامها عورة.
وقياسًا على الإمامة الكبرى.
واحتج للجواز بالقياس على العبد.
وأجيب عنه بأن نقص الأنوثة في باب الإمامة آكد وأشد، والمرأة موصوفة بنقص العقل والدين.
والعبد لم يوسف بذلك وقد تنوزع في قوله يؤم القوم أقرؤهم 2. هل يشتمل على النساء أم لا؟ وسبب التنازع في ذلك هل تسمية القوم ينطلق على الرجال خاصة أو على الرجال والنساء؟ واحتج أصحابنا في قصرها على الرجال بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ 3. فقابل القوم بالقوم والنساء بالنساء.
فلو كان النساء يسمين بالقوم لما صحت هذه المقابلة.
وقال زهير: وما أدري ولست أخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء فأظهر التشكك بين كونهم قومًا أو نساء.
وهذا لا يصح إلا مع قصر لفظ القوم على الرجال.
ولو سلم انطلاق القوم على الرجال والنساء لأمكن أن ينازع

في دخولهن في الحديث لقوله أقرؤهم لأن هذا الضمير ضمير المذكرين.
وقد احتج للرواية الشاذة عندنا وهي قصر جواز إمامتها للنساء بما روي أنه عليه السلام كان يزور أم ورقة في بيتها.
وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها 1. وفي رواية الدارقطني نساء دار أهلها.
وقد قال بعض المتأخرين من أصحابنا هذا الحديث مما لا جب أن يعول عليه.
وتعلقوا أيضًا في هذه الرواية الشاذة بان عائشة كانت تؤم النساء.
وأجيب عنه بأنه إن صح حمل ذلك 2 على أنه كان على وجه التعليم أو كان ثم نسخ.
فإن أمت المرأة أعاد صلاته من صلى وراءها، وإن خرج الوقت قاله ابن حبيب.
وقد قال سحنون: الخنثى المحكوم له بحكم النساء يعيد صلاته من ائتم به وإن خرج الوقت.
وإن كان ممن يحكم له بحكم الرجال لم يعد.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: اختلف في إمامة غير البالغ فاجازها الشافعي على الإطلاق.
وللشافعي قولان في إمامته للجمعة لاختصاصها باشتراط الجماعة فيها بخلاف غيرها من الصلوات.
ومنعت في أحد القولين لمالك على الإطلاق.
ومنعت في القول الآخر في الفروض دون النفل.
فإن أم غير البالغ فاختلف عندنا في إعادة صلاة من ائتم به.
فقال ابن حبيب يعيد أبدًا وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو مصعب تمضي صلاة من ائتم به.
وقال أشهب في إمام أحدث فاستخلف صبيًا فأتم بالقوم، إنه إن عقل الصلاة وأمرها أجزته وأعاد من خلفه ما لم يذهب الوقت.
فإن ذهب الوقت فلا إعادة عليهم.
وقد تعلق من أجاز إمامته على الإطلاق بقول عمرو بن مسلمة كنت غلامًا حافظًا قد حفظت قرآنًا كثيرًا فانطلق أبي وافدًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع أو ابن ثمان" 3. وأجيب عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بذلك ولا نقل أنه علم به فأقره.
وإنما توهموا جوازه من قوله يؤمكم أقرؤكم ولم يك عمرو

حاضرًا في هذا الخطاب.
وتعلق من منع إمامته على الإطلاق بأن المفترض إذا صلى خلفه صار كالمفترض خلف المتنفل والمتنفل إذا صلى خلفه فقد صلى خلف من لا يلزمه ما عقد على نفسه من الصلاة.
ألا ترى أنه لو خرج من الصلاة قبل تمامها لم يكن عليه قضاؤها.
ومن فصل بين الفرض والنفل يرى أن عقده الصلاة لم يحله ولم يبطله فلا معنى لاعتبار ما لم يوجد من الحل والإبطال.
وقد كنا قدمنا في غير هذا الباب تردد بعض الأشياخ في قول أبي مصعب هل هو محمول على أن صلاة الصبي نافلة وصلاة المفترض خلف المتنفل تصح أو محمول علي أن الصبي... الفرض صحت... 1 وقول ابن حبيب ها هنا يعيد من أئتم به أبدًا تصريح بتأكيد المنع من إمامته وأنها مما لا ينعقد 2. وقول أشهب بقصر الإعادة على الوقت يمكن أن يكون قاله مراعاة للخلاف.
وقول أبي مصعب يحتمل 3 أن يكوِن سلك مسلك الشافعي.
فلهذا قال إذا أم صحت صلاة المؤتم ويحتمل غير ذلك.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما إمامة العبد فإن أبا حنيفة كرهها والشافعي لم يكرهها.
ومذهبنا جوازها إذا لم يؤم إمامة راتبة ولم تكن الصلاة صلاة جمعة.
وقد روي عن مالك أنه قال: لا يؤم العبد الأحرار إلا أن يكون يقرأ، وهم لا يقرؤون فيؤمهم في موضع الحاجة.
وقد كره مالك وابن القاسم أن يؤم في الفرائض إمامة راتبة.
وأجاز ابن القاسم أن يؤم في التراويح إمامة راتبة، والسنن عند ابن القاسم كالعيدين والاستسقاء والكسوف كالفرائض يكره أن يكون فيها إمامًا.
وأجاز ابن الماجشون أن يكون إمامًا راتبًا في الفرائض على قوله جواز إمامته في السنن 4.

وأما إمامته في صلاة الجمعة فمنعها ابن القاسم وأمر بإعادة صلاته وصلاتهم.
وأجازها أشهب.
فوجه إجازة إمامته في الفرائض قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي أجاع ما أقام فيكم الصلاة" 1. وروي عن عائشة رضي الله هـ تعالى عنه أنه كان يؤمها غلام لها.
ووجه القول بكراهة إمامته الراتبة في الفرائض أنه ناقص الفروض لسقوط الحج عنه والجمعة والزكاة.
والإمامة مقام رفعة فلا يرتب لها من كان ناقصًا.
وسبب اختلاف ابن القاسم وأشهب في إمامته في الجمعة أن العبد لا تتعين عليه صلاة الجمعة وله تركها إلى الظهر.
والأحرار تتعين عليهم صلاة الجمعة.
فإذا أم في من لا تتعين عليه صلاة الجمعة من تتعين عليه ضارع صلاة المفترض خلف المتنفل.
لأن اننفل يشرع فيه المتنفل باختياره.
وصلاة الجمعة يشرع فيها العبد باختياره أيضًا، فمنعها ابن القاسم لهذا.
ورأى أشهب أنه لما خير بينهما وبين الظهر فاختارها صارت باختياره وشروعه فيها كالفرض المتعين وفارقت النفل لأنها لا يسوغ تركها إلا لفعل آخر وهو الظهر.
والنافلة يسوغ تركها لغير بدل.
وإمامة الأعرابي عندنا للحضريين مكروهة خلافًا للشافعي.
واعتل ابن حبيب بجهله بالسنن.
واعتل بعض المتأخرين بأنه يستديم نقص الفرائض كالجمعة والفضائل كالجماعات.
فعلى هذا التعليل يقرب حكمه من حكم العبد.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: من كان ناقص الخلقة فإنه على ضربين: أحدهما أن يكون العضو المنتقص لا تعلق له بالصلاة.
والثاني أن يكون له تعلق بالصلاة.
فإن كان لا تعلق له بالصلاة فلا يخلو أن يقرب من الأنوثة أو لا يقرب منها.
فإن كان مقربًا منها كالخصي ففي جواز إمامته في الفرائض إمامة راتبة قولان: الكراهة لمالك والجواز لابن الماجشون.
ولا يلزم على القول بكراهته كراهة إمامة العنين، فإن العلة ليست بحالة ظاهرة تقرب من الأنوثة بخلاف الخصي.
وإن كان غير مقرب من الأنوثة كالعمى فان الإمامة معه

جائزة.
وقد أم ابن عباس وعتبان بن مالك وهما أعميان.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كيف لا أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة.
والدليل على الجواز أن قوله يؤم القوم أقرؤهم فعم.
وقد استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم على المدينة بضع عشرة مرة.
ولأنها حاسة لا تؤثر في شرط 1 من شروط الصلاة فلم تمنع الإمامة كالصمم.
وإن كان العضو له تعلق بالصلاة فإنه على قسمين: أحدهما أن يتعلق بها تعلق فريضة والثاني أن يتعلق بها تعلق فضيلة.
فإن تعلق بها تعلق فريضة 2 كالسقيم العاجز عن القيام فعندنا فيه قولان: المشهور منهما أنه لا يؤم القيّام.
وأجاز ذلك مالك في رواية الوليد بن مسلم عنه وأجازه أشهب في مدونته.
وبالجواز قال أبو حنيفة والشافعي.
وبالمنع قال محمَّد بن الحسن.
فإذا 3 قلنا بالجواز فإن المؤتمين 4 الأصحاء يصلون قيامًا.
وقال أبو هريرة وجابر وأسيد بن حضير وقيس بن فهو والأوزاعي وأحمد وإسحاق والمزني يصلون جلوسًا.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث.
فروي أنه عليه السلام لما جحش شقه صلى قاعدًا.
قال أنس: وصلينا وراعه قعودًا.
الحديث.
إلى قوله: فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا 5. وصلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه 6. فقد اضطرب الرواة فيه هل بقي أبو بكر على الإمامة أو خرج عنها وائتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو وسائر الناس؟ وقد رجحت رواية من قال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإِمام بكونه عن يسار أبي بكر وهذا يقتضي أن 7 النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإِمام.
وأجيب عن هذا بأن الرتبة 8 ها هنا خرجت عن المألوف لأن أبا بكر لم يرجع إلى صف الناس ويكون معهم كما تقتضيه المرتبة (8) المألوفة.
وقد تأول بعض

الناس من أصحابنا ما خرجه مسلم عن عائشة أن أبا بكر صلى قائمًا يقتدي بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، على أن المراد به أنه ينتظر تمكنه من الركوع والسجود كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي الإِمام بصلاة أضعف القوم فهذا الحديث فيه من الاضطراب ما ترى.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال 1: لا يؤمن أحد بعدي جالسًا 2. وقدح فيه بأن راويه جابر الجعفي وهو متروك.
ورواه عن الشعبي مرسلًا.
فمن منع الإمامة أصلًا يتعلق بهذا الحديث إن ثبت عنده.
ومن أجاز ذلك وأمر الناس بالجلوس يتعلق بحديث أنس صلى قاعدًا وصلينا وراءه قعودًا.
ومن أجاز ذلك وأمر الناس بالقيام تعلق بصلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه.
وأخذ برواية من روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإِمام.
ويرى هذا لتأخره أولى أن يتعلق به.
لأن حديث أنس كان قبله.
وهو كالمنسوخ بهذا.
وقد تأول بعض أصحابنا قوله إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا على أن المراد به النافلة لأن النافلة يجوز ترك القيام فيها اختيارًا.
وقال بعضهم وقوله في هذا الحديث فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد يحتمل أن تكون نافلة وهذا فيه نظر.
وقد منع في المدونة إمامة الجالس في النافلة كما منعها في الفرض 3. وقد يعتل أيضًا بأن المقيم يصلي خلف المسافر مع زيادة فرض المؤتم على فرض الإِمام فكما لا تمنع زيادة فرض الحاضر على فرض المسافر الائتمام فكذلك لا يمنع زيادة الصحيح على السقيم بالقيام جواز الائتمام.
ويؤكد هذا الجمع 4 بان الأصل القعود.
ولهذا جاز ذلك في النافلة اختيارًا والقيام للصحيح في الفروض كالفرض المزيد.
كما أن أصل الصلاة ركعتان.
ولهذا قدرت النافلة بها.
فالركعتان كالمزيد على أصل الفرض.
وقد ينفصل عن هذا الجمع بأن الحاضر يصلي الركعتين المزيدتين منفردًا بها غير

مخالف فيها لأحد.
كما يقضي المسبوق ما فاته.
والقائم 1 المقتدي بالجالس مخالف لمن اقتدى به.
والمخالفة ممنوعة.
ولأجل منع المخالفة ذهب من ذكرنا إلى أن المؤتمين يصلون جلوسًا ويتركون فرض القيام المقدور عليه لفرض الموافقة في الاقتداء.
وقد اختلف المذهب عندنا في الإِمام إذا كان جالسًا لمرض، هل تصح إمامته وهو جالس للجلوس المرضي 2؟ وكان من أجاز ذلك رأى أن المخالفة لما فقدت ها هنا لم تمنع الإمامة.
ومن منع يتعلق بقوله لا يؤمن أحد بعدي جالسًا.
وأما لو كان الإِمام يصلي إيماءً فهل يجوز الائتمام به أم لا؟ فأجازها الشافعي ومنعها أبو حنيفة.
وظاهر ما أشار إليه أصحابنا أنا لا نجيزها، وإن أجزنا إمامة الجالس.
فإن صلاة المومىء لا ركوع فيها ولا سجود فلا يجوز أن ياتم به من صلاته ركوع وسجود كما لا يأتم مصلي الفرض بمصلي الجنازة.
وأما إجازة الشافعي فإنه يرى الإيماء إلى الفعل يحل محل الفعل.
بخلاف الجنازة التي ليس فيها ما يحل محل الركوع والسجود.
فإذا قلنا بمنع إمامة الجالس، فإن الإِمام القائم إذا عجز عن القيام في أثناء الصلاة يستخلف.
وإذا قلنا بإجازة إمامة المريض للمرضى فصح بعض المؤتمين في أثناء الصلاة فحكى ابن حارث عن سحنون أنه يخرج عن الإمامة ويتم وحده.
وذكر عن يبيح بن عمر أنه لا يخرج من الإمامة.
وقد كنا قدمنا الكلام على الأمي إذا تعلم في أثناء الصلاة والمتيمم إذا وجد الماء، والمريض إذا صح إلى غير ذلك من المسائل المنخرطة في هذا السلك.
وإذا ائتم القائم بالجالس أعاد المؤتم وإن ذهب الوقت.
وعند ابن الجلاب يعيد في الوقت لأنه يرى إمامة الجالس مكروهة، والكراهة لا تقتضي الإعادة بعد الوقت.
وإذا قلنا بجواز إمامة الجالس فقد روي عن مالك أنه يستحب أن يصلي إلى جنبه من يقتدي به ليكون علمًا على صلاته، ويلحق بهذا القسم إمامة من لا يقدر على النطق وسنتكلم عليه في إمامة الألكن.
وإن تعلق بها تعلق فضيلة كقطع اليد وشللها 3 فقدلان: أحدهما جواز

الائتمام به وعليه جمهور أصحابنا لأنه عضو لا يمنع من فرض من فروض الصلاة.
فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعمى 1 وقال ابن وهب لا أرى أن يؤم الأقطع والأشل إذا لم يقدر أن يضع يديه في الأرض.
ووجه كراهة ابن وهب لإمامته أنه وإن بلغ نهاية طاقته في فعل لا يتحمله عن المأموم فإنه منتقص عن درجة الكمال فكرهت إمامته لأجل النقص.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما إمامة الألكن فقد روي عن مالك أنه أجاز أن يؤم الألكن الفصيح 2. وقال الشيخ أبو الحسن معناه أنه لا يخل بشيء من قراءته 3. قال بعض المتأخرين محتجًا لصحة ما قاله الشيخ أبو الحسن 4 إن القراءة يحملها الإِمام عمن خلفه فمتى كان التقصير فيها يخل بشيء من القراءة لم يصح التحمل.
فقال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في الأعجمي الذي يلفظ بالضاد ظاء والألثغ الذي يلفظ بالراء خفيف الغين طبعًا، أن إمامته صحيحة لأنه ليس في ذلك إحالة معنى.
وإنما هو نقصان في أداء الحروف.
وقال بعض الأشياخ إذا كان يعرف الظاء من الضاد إلا أنه لا يستطيع اللفظ بها لعلة في لسانه فإمامته جائزة.
وقد روي عن إسماعيل القاضي: إجازة 5 إمامة الألكن إذا كانت لكنته في غير قراءته.
وهذا الاشتراط لا معنى له لأن التقصير في غير القراءة لا يخفى أنه لا يؤثر في القراءة مع بعد اختلاف حال النطق بالحرف في القرآن وفي غير القرآن.
وأما اللحان فاختلف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا: فقيل لا تصح الصلاة خلفه ولو كان لحنه في غير أم القرآن قاله الشيخ أبو الحسن.
وإن كان لحنه في أم القرآن لم تصح الصلاة خلفه.
وإن كان في غير أم القرآن أجزت الصلاة خلفه، قاله ابن اللباد ووافقه ابن أبي زيد، ورأى أن الإِمام لا تصح صلاته أيضًا.
وقيل إن كان لحنه لا يغير معنى صحت

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل