شرح التلقينصفحات 259-298

كتاب الجنانز

صفحات 259-298

وأما الأحاديث 1 فقد غلظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعضها فقال: "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" 2 فعم باللعنة فاعله ومن أعان عليه بكتبة أو شهادة، وقال: "لا تبيعوا الذهب إلا مثلًا بمثل... " 3 الحديث الوارد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة.
وأما الإجماع فإنه انعقد على تحريم الربا في النسيئة.
وإن كان ربا النقد فيه خلاف سنذكره.
والمعاملة بالربا في النسيئة أكثر تكرارًا لمسيس الحاجة إلى المعاملة نسيئة بزيادة، فلهذا لم يقع فيها اختلاف، وفي كون الآية في البقرة مراد بها ربا النسيئة بدليل قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ 4 وأشعر هذا بأنه ربا في الذمة.
وقد تقدم الكلام على هذا وما فيه من الخلاف مبسوطًا مبينًا بيانًا شافيًا.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قال الله سبحانه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ 5 وقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 6 فمن الناس من ذهب إلى أن جميع البياعات الممنوعة في الشرع غير خارجة عن هاتين الآيتين.
وهذا المذهب يحسن إذا قيل: إن الربا تسمية لكل عقد محرم.
أو قيل: إنه تسمية لبيع وقعت فيه زيادة في أحد العوضين.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (6) يشتمل على بيع الغرر وما في معناه لأنه من إضاعة المال.
واختلف الناس في ربا الفضل في النقد: فالمشهور المعروف عن جمهور الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم المنع منه على الجملة التي نفصلها فيما بعد

إن شاء الله.
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه جوازه.
وعن عبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم (يكون الأكثر في النقد إضافتهم هذا الآن ابن عباس مع أصحابه للرجوع عن هذا المذهب إليه 1 فقال بعضهم رأيت ابن عباس يبيح ربا الفضل: الدينار بالدينارين فلما مضيت إلى العراق افتيت به الناس فأتاني من ذكر لي أن ابن عباس رجع عن هذا المذهب، فعدت إليه وسألته فقال: أبو سعيد الخدري يخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنع منه.
وذكر أبو سعيد الخدري قال له: هذا رأي رأيته أو سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له: إنما حدثني به أسامة أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال.
"إنما الربا في النسيئة" وأبيح 2. وإن ثبت أن هذا مما اختلف فيه الصحابة وثبت أن مَن بعدهم أجمعوا على تحريم الربا في النسيئة المذكررة في الحديث، فارتفع حكم الخلاف المتقدم بإجماع من تأخر على مذاهب الأصوليين، ولم يرتفع حكم الخلاف في قول بعضهم على ما ذكرناه في كتابنا الذي أمليناه في أصول الفقه.
فأخبر ابن عباس بالوجه الذي أداه إلى مخالفة مذهب الجمهور، وهو حديث أسامة.
وحديث أسامة هذا ورد بألفاظ مختلفة منها "الربا في النسيئة" 3 وهذا ليس بنص في نفي الربا في النقد، لكن من ناحية دليل الخطاب على أن هذه اللفظة التي تشعر بالحصر وهي قوله "إنما" من آكد دليل الخطاب.
لكن روي بلفظ آخر أنه عليه السلام قال "لا ربا فيمن كان يدًا بيد" 4 وهو نص عمومه في نفي الربا في النقد، لكنه مقابل بما ورد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة من قوله عليه السلام "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا ولا يزد بعضه على بعض" وفي آخر: "ولا تبيعوا غائبًا منها بناجز" وفي بعض الطرق أنه قال "الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواء بسواء

غير 1 يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم" 2 الحديث كما وقع هذا وغيره مما يكثر تعداده فنهي فيه عن التفاضل بين هذه المذكورات، مع اشتراطه كونها يدًا بيد وعينًا بعين.
وقوله "لا تبيعوا غائبًا منها بناجز" 3 وفي بعض الطرق "ومن زاد أو استزاد فقد أربى" (3) وقد تكلمنا على هذه الأحاديث في كتابنا المترجم بالمعلم (3). وقد ذكر الشافعي رحمه الله في تأويلها وبناء بعضها على بعض وجواز أحدهما أنه قال: يمكن أن يكون سائلًا 4 سأل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن التفاضل فيما بين جنسين من هذه فقال له "إنّما الربا في النسيئة" يعني أمر هذه الأجناس أنها إذا اختلفت فالفاضل بينهما حل الذي النقد وحرام في النساء إذا اجتمعا في علة واحدة كما قدمنا بيانه، فيكون الألف والسلام ها هنا ليست للجنس ولكنما المراد بها الذي وقع السؤال عنه وهو نوع من أنواع الربا.
والوجه الثاني أن قوله: "لا ربا فيما كان يدًا بيد" وقوله: "إنما الربا في النسيئة" عموم في سائر هذه البياعات تجانست أو اختلفت.
ولكن هذا العموم يخَص بقوله: "من الذهب بالذهب مثلًا بمثل يدًا بيد" إلى غير ذلك من الألفاظ التي ذكرناها 5 الأحاديث فيحتمل 6 قوله "إنما الربا في النسيئة" على ما اختلفت أجناسه من هذه الأنواع المذكورة بدليل منعه لربا الفضل فيما تجانس وكان يدًا بيد.
وقد تأول في هذا أن قوله "إنما الربا في النسيئة" يريد العروض التي لا ربا في نقدها إذا تماثلت لكي يكون الربا فيها إذا تماثلت ووقع البيع نساء، البيع ثوب بثوبين مثله نقدًا، فإنا نجيزه، ونمنع منه إذا كان ذلك نساء لما تقدم بيانه وذكر المذاهب فيه في كتاب السلم الأول.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد قدمنا أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نص على تحريم الربا في ستة أنواع، وهي: الذهب والورق والبر والشعير والتمر والملح.
فأمّا داود وغيره من أهل الظاهر فإنهم قصروا التحريم على هذه الستة المذكورة في الحديث، وأباحوا النقد فيما سواها من سائر الأنواع، بناء منهم على مذهبهم في نفي القياس، بأنه ليس بدليل في أحكام الشرع، وإنما أحكام الشرع مقصورة على ظواهر الكتاب والسنة.
وهؤلاء إن نشأ رددنا عليهم بالطريق التي سلموا بكونها دليلًا وهو لفظ الشارع فيما رواه عمران أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" 1 فقوله "الطعام بالطعام" (1) يشتمل على البرّ والشعير والتمر والملح، والمنصوص على عينها في الحديث، وعلى ما سواها من سائر الأطعمة.
وإن شئنا رددنا عليهم بإثبات القياس في كونه دليلًا في الشرع يجب الرجوع إليه.
وأما من سواهم مِمّن يقول بالقياس، وهم أئمة الأعصار وفقهاء الأمصار فإنهم لا يقصرون تحريم الربا على هذه الستة المنصوص عليها في الحديث، بل يستنبطون من هذه الستة علة، ويقيسون عليها ما سوى الستة مما يشاركها في هذه العلة المستنبطة.
واختلفوا في هذه العلة المستنبطة، فنقل بعض النقلة عن ابن الماجشون أنه يقول: العلة: المالية.
وأنكر بعضهم هذا النقل والتعليل يكون الشيء مالًا، وأضاف الغلط والوهم لناقله، وأشار إلى الاتفاق.
وعلل ابن حبيب ذلك بتفاوت المنفعة.
وعلل ابن سيرين بالتجانس.

وعلل ربيعة بوجوب الزكاة.
وعلل أبو حنيفة الذهب والفضة بالوزن، والبرّ والشعير والتمر والملح بالكيل.
واتفق مالك والشافعي رحمهما الله على تعليل الذهب والفضة بالثمنية، واختلفا في تعليل المطعومات الأربعة، فقال الشافعي في القديم: العلة كونها جنسٌ مأكولُهُ مكيلةٌ، وقال في الجديد، وهو المذهب الذي عليه أصحابه: العلة كونها مطعومة.
وأما نحن فأكثر عندنا اختلاف العبارات عن هذه العلة في هذه المطعومات.
فقال مالك رضي الله عنه في الموازية: كل ما كان من الطعام والشراب كالحبوب والأوْدُك والأدم والفواكه، رطبها ويابسها مما يدخر، وهو جنس واحد، فإن الربا فيه حرام بشرط الجنسية والادخار.
وذِكْر أنواعها فيه أشارة لما يقتات ويؤتدم به وما يتفكه، واقتضى هذا أن العلة كون الشيء، قوتا أو إداما أو تفكها، مدخرًا.
وأما اشتراط الجنسية فلا يفيد ذكره لأنه مشترط عند مالك والشافعي وأبي حنيفة فلا خلاف عندهم لقوله عليه السلام: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" 1 وقال بعض أصحابنا كل واحد من هذه الأربعة لعلة: فالبرّيقتات حال السعة والاختيار، والشعير حال الفاقة والاضطرار، والتمر يتفكه به، والملح يصلح الأقوات، وهو أيضًا كاللحم فيها لأن الخبز واللحم إذا لم يكن فيهما ملح نافرتهما الطباع.
فصارت علة القوت الاختياري أو التفكه أو المصلح للقوت.
وذكر أبو بكر الأبهري من أصحابنا من علل هذه بثلاثة أوصاف فالملح والشعير العلة فيهما القوتية، والعلة في التمر التفكه، وفيه معنى القوت، والعلة في الملح كونه مصلحًا في القوت.
قال: ومنهم من علل ذلك بالقوتية.
وذكر ابن القصار والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في غير كتابه هذا أن العلة الادخار للعيش غالبًا.
وأنكر بعض أشياخنا هذا، وقال: إنما يحسن هذا التعليل لوجوب

الزكاة، فإن الزكاة متعلقة بما هو في أصل العيش غالبًا، ولهذا لم يوجبها في الجوز واللوز، وإن كنا نحرم فيهما الربا لأنهما، وإن ادّخرا، فلا يدخران لأنهما أصل في العيش غالبًا.
وأنكر أيضًا تعليل التمر لكونه متفكهًا به، لأجل أنه 1 أن كان قوتًا في زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. فأما هذه العبارات التي أوردناها عن أهل المذهب فإنها تتضمن الاتفاق على تحريم الربا في أنواع لم ينص عليها كالذرة والدخن والأرز والسلت وما أشبه ذلك لكون ذلك قوتًا مدخرًا اختيارًا واضطرارًا.
ويتضمن الاتفاق على نفي الربا عن أنواع فيما لم ينص عليها، كالبقول مثل الخضر والهندبا والقطن وما أشبه ذلك.
ويقع الإشك الذي أنواع أخر نفرضها 2 على هذه الحدود كالرمان فإن فيه قولين: هل يحرم فيه التفاضل أم لا؟ لأجل أنه لا يدخر للعيش غالبًا، وأنه أيضًا ليس بقوت ولكنه يدخر تفكها.
وكذلك الخوخ وغيره مما سنذكر الخلاف فيه، إنما تصور الخلاف فيه لفرضه (2) على هذه العبارات، واختلاف الفقهاء فيه، في حكم العوائد فيه، فربما كان الشيء قوتا أو تفكها عند قوم، وكان بخلاف ذلك عند آخرين، على ما سنقف على تفصيله إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: أمّا ما ذهب إليه ابن 3 واعتبار تقارب المنفعة، وما ذهب إليه ابن سيرين من اعتبار المجانسة، وما ذهب إليه ربيعة من اعتبار تعلق الزكاة فإنه يرد على هؤلاء بأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "اشترى عبدا بعبدين" 4 وبأنه "أمر عبد الله بن عمر بأن يأخذ القلوص بالقلوصين إلى إبل الصدقة" 5. ومعلوم أن القلوص بالقلوصين تتقارب منفعتهما 6 ويتجانسان أيضًا، وكلك العبد بالعبدين، والإبل فيها

الزكاة، وقد أباح منها القلوص بالقلوصين.
فهذا ينتظر 1 الرد على هذه الثلاث مذاهب المذكورة.
وأما اختلاف فقهاء الأمصار فرأى 2 التعليل.
فإنا نتكلم ها هنا على اختلافهم في تعليل الأربع المطعومات وهي البرّ والشعير والتمر والملح، ويؤخر الكلام على اختلافهم في تعليل الذهب والفضة إلى كتاب الصرف.
فأما أبو حنيفة والشافعي فإنهما قد يتعلقان بظاهرٍ حسن يغنيهما عن التعليل والقياس أو يجعلانه ترجيحًا لتعلقها وقياسها.
فالشافعي منهما يقول: روى معمر بن عبد الله عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" 3 وهذا يقتضي تحريم الربا في سائر المطعومات على حسب مقتضى تعليل الشافعي رحمه الله بالطعم.
وأبو حنيفة رحمه الله يقول بأنه لما أنكر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على عامل خيبر بيع الصالح بالصاعين، ذكر في آخر الحديث أنه قال في الميزان مثل ذلك 4. وهذا معلوم أنه لم يرد نفس الميزان، وإنما عبّر عن الموزون بالميزان، وعموم القول أن الموزون فيه الربا يقتضي استيعاب كل ما يوزن، وإذا ثبت تعلق الربا بكل ما يوزن ثبت تعلقه بكل مكيل؛ لأن ذكر الموزون تنبيه على المكيل ها هنا.
(والآخر أيضًا تعلق الربا بكل موزون عمومًا بل تعلقه ببعض المكيلات خصوصًا) 5. وأما نحن فلا ظاهر عندنا من الكتاب والسنة نتعلق به في تصحيح التعليل بالقوت.
لكنا إن سلمنا للشافعي هذا الحديث تأولناه على أن المراد به الأطعمة المقتاتة.

وقيل: خصوصيته 1 - صلى الله عليه وسلم - البر والشعير والتمر والملح بالذكر فلو كان سرعة 2 تحريم الربا في كل مطعوم لم يحسن الاقتصار على أربع منها على أكثر المطعومات.
ولا يمكن أن يقال في هذا: إن الطعام في العرف عندهم لم يكن في عرف التخاطب في سائر أنواع الأطعمة بل كان على صنف أو أصناف مخصوصة، فيحمل الحديث عليها.
وأمّا ما تعلق به أبو حنيفة فإنا لا نسلم له هذه الزيادة، ولا كونها من لفظ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، بل يجوز أن يكون من كلام الراوي وتأويله.
فإن قال الشافعي: إن لم يمكن من التعلق بعموم قوله "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" فإنه يجب أن يمكن من كونه منبّها على صحة العلة التي أخرجت، لأنّ الحكم إذا علق باسم مشتق قإن معنى ذلك الاشتقاق علة الحكم.
وحكم الربا ها هنا معلق بلفظ الطعام والطعام مشتق من الطعم، فيجب أن يكون الطعم علة فيه.
ألا ترى قوله سبحانه ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 3 ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 4 لما علق حكم الضرب والقطع على لفظ الزاني والسارق، وكان ذلك مشتقًا من الزنا والسرقة، كان الزنا والسرقة علّة في الحكم.
وهذا لا نسلمه أيضًا لأن الأسماء إنما وضعت للدلالة على الذات وليتعارف بها الذوات المرادة بالنطق في نفي أو إثبات.
ولكنها إذا حملنا الزنا والسرقة على الضرب والقطع ليس من ناحية مجرد الاشتقاق، ويكون مناسبتهما في الفعل بهذا الحكم على مقتضى أصول الشرع وتأثيرهما فيه، وللتأثير الدال على صحة التعليل هو أن تكون العلة تحمل مناسبة لما ربط بها من الحكم إذا

عرضت على أصول غير معهودة في الشرع قوّت الظن بصحتها.
ومعلوم أن الزنا والسرقة جنايتان عظيمتان على الأموال والإنساب، وأن الجاني إن لم يزجر عن جنايته، ويعاقب عليها.
لم يكفّ عنها، فكان الزنا موجبًا الحد، لكونه جناية عظيمة (يخرج للركب) 1 هذا الجاني عنها بعقوبته.
وكذلك السرقة إذا أخذت من غير حرز لم يجب القطع، لأن من لم يصن ماله فهو الذي أضاعه، ولا يحتاج إلى صيانة الشرع فيه، فإذا تحرز وأغلق على ماله ثم احتيل عليه وسرق له احتيج إلى إسناد الشرع في حصانة ماله بقطع اليد الجانية المتناولة ثم الرِّجْل الساعية إليه.
وهذه معان مناسبة للحكم فلهذا سلمنا كونها عللا، ولم نسلم ذلك بمجرد الاشتقاق.
وهاهنا أيضًا ظواهر أخر منع فيها الشارع، فتجاذبها المختلفون، وهي قوله عليه السلام: "لا تبعيوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل" الأحاديث الواردة في هذا على اختلاف ألفاظها.
وقد افتتحها بالنهي عن بيع البر بالبر عمرمًا، ثم استثنى من هذا النهي ما تساوى فيه الكيل.
فيقول المخالف لأبي حنيفة: قد عمّ قوله "لا تبيعوا البر بالبر" بأقل من البر أو أكثر، وما لا يمكن كيله لقلّته، وما أمكن كيله لكثرته، وأنه حكم ما جرى التفاضل فيما قل من الطعام، فلم يمكن كيله لقلته، وعموم الحديث يقتضي المنع منه، وتعليل الحديث بما ينافي عمومه لا يقبل، كتفريع على أصل يعود التفريع بإبطال الأصل.
ويجيب أبو حنيفة عن هذا بأن المراد بقوله "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل" ما كان من البر يصح كيله لأن قوله "كيلًا بكيل" بيان لما تقدم، وإشارة إلى أن المراد به ما يصح كيله، والاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى فقدله "إلا كيلًا بكيل" استثناء مما يصح كيله، هذا حقيقة الاستثناء.
وإذا دل الاستثناء على أنه مجانس لما استثنى منه تضمن ذلك كون المستثنى فيه 2 مما

تصح فيه المساواة في الكيل والمفاضلة.
ويرى أصحاب أبي حنيفة أن هذا المراد 1 بهذا الحديث ويقولون: قد روي الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل وفي رواية "مثل بمثل" فمن نصب "مثلًا" أضمر فعل أمر فكان التقدير بيعوا الحنطة مثلًا بمثل.
ومن رفع أضمر مصدرًا فكان التقدير: مثل بمثل.
فيكون هذا بمعنى المبتدأ والخبر.
فلم يأت في هذه الرواية لفظ آخر يعم ما يمكن كيله مما لا يمكن.
قيل لهم: ورد فيها إيجاب المساواة بين البرين إذا بيع أحدهما بالآخر، فيحمل ما سواه من الألفاظ الواردة في الطرق الأخرى على هذا، ويكون القصد بالأحاديث إيجاب التسوية.
قالوا: وإذا كان المراد إيجاب التسوية فالتسوية تكون من ناحية الذوات، ومن ناحية المقدار، فإيجاب التسوية من ناحية الذوات هو اشتراط الجنس، وهو أحد وصفي العلة، واشتراط إيجاب المساواة أيضًا يقتضي المساواة في المقدار، ولا تكون المساواة وتتحقق وتعرف إلا من ناحية الكيل، فقد تضمن هذا كون الجنس والكيل عُلقة بتحريم الربا بواسطة إيجاب التسوية، ولا معنى لمناقضتها في قولنا: إن الكيل علة، فإنه يكون علمًا على التحليل إذا تساوى وعلمًا على التحريم إذا تفاضل.
ولا يكون الوصف الواحد علة التحليل والتحريم لأنا قد بيّنا أن المطلوب إيجاب التسوية لا أكثر، وإنما يتوصل إلى التسوية بالكيل، والتساوي.. بسب الخلاص من التحريم.
وهو المطلوب في الشرع، وليس هو علة في التحريم والتحليل، وإنما هو علم على المساواة التي أوجبها الشرع.
ولا يناقض أيضًا بجواز صاع برّجيّد بصاع بر ردىء، لأن الشرع إنما طلب المساواة من جهة التشابه كيلًا ومقدارًا، لا مساواة تعم سائر الأوصاف لأنه لو شرع هذا كان من الحرجِ العظيم، وانقطعت المعاوضات ها هنا، مع كون هذا الوصف غير منفرد عن الذات، ولا متميز، والاختلاف في المقدار متميز

محسوس بحس قدر أحدهما بالآخر.
فإن المقابلة تشاهد، فإن (طالت أحدى) 1 على الأخرى في المقدار صارت تلك الزيادة لا مقابل لها، وإذا كانت المقابلة لم تتأتّ فيها حقيقة المساواة مع هذه الزيادة المحسوسة، ومعلوم أن البر إذا بيع بالبر هما متساويان قطعًا، فإذا بيع صاع بصاع 2 صار الصالح الثاني لا مقابل له، وإذا لم يكن له مقابل استح الذيه حقيقة المعاوضة، لأن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، والمقابلة في المعاوضة إنما تصح مع المساواة في التقابل، فإذا لم يكن التقابل نافر ذلك حقيقة (ذلك فاسد) 3، وهذا الصالح الزائد لا مقابل له فعروّه عن مقابلته بشيء يسلبه حقيقة البيع وقضيته وما أستُلِب منه حقيقة البيع وقضيته فسد.
فلهذا المعنى حرم الربا فيما تجانس، وصار المقابل له خرج من الملك بغير معاوضة، فلحق بأكل المال بالباطل.
والمقابلة مع الاختلاف في الجودة والدناءة يتصور، ولا يتبين عدم المقابلة فيها كما تتبين في زيادة المقدار، كما قدمنا.
وأجيب عن هذا بأن المقابلة في المعاوضة إنما تحمل 4 بقصد المتبايعين، وهما إذا جعلا قصد الصالح عوض (الصاعين) قد قابلا أحد العوضين لقصدهما إلى مقابلة هذا بهذا في التعاوض، ألا ترى أن العدديات من المطعومات لا ربا فيها عند أبي حنيفة، وإن لم يتقابل، كبيع بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين، وما ذلك إلا لقصد المتعاوضين جعل الواحد ها هنا عوض الاثنين، ولو لم يعتبر القصد لوجب المنع، لكون البيضة الثانية والجوزة الثانية لا مقابل لها، فخرجت عن حقيقة البيع.
وأجيب عن هذا بأن هذه العدديات وما اختلفت أجناسه إنما يكون التقابل فيهما بالقيمة، ولهذا كان على متلفها القيمة في المثل، كما يكون عليه إذا أتلف

مكيلة من البر مكيلة من البرّ وإذا كانت المقابلة إنما تعتبر بالقيمة، والشرع لم يطالب بالتقويم والمقابلة، لأنه أمر خارج عن الذاتين بالتعاوض 1 بهما، فلهذا صح العقد مع المفاضلة والزيادة في العددية، وفي الجنسين المختلفين.
وهاهنا أيضًا طريق في الاعتبار يتجاذبها المختلفون في هذا التعليل، وهي أن الشافعية تقول: الإنسان شريف في نفسه، له في الوجود مزية على غيره، فما حفظه وقامت حياته به وجب أن يكون شريفًا وله مزية على غيره فالمطعومات بها قوامه فيجب أن لا يمتهن ويبتذل بلا بيعٍ ولا إباحةٍ له على الإطلاق، كما يكون الأمر في غيرها من الأموال التي لا شرف لها.
ولا يحسن أيضًا أن يحظر بيعها، فيكون في ذلك حرج وإضرار بالناس، فخصت باعتبار شروط لم تعتبر في غيرها حتى تكون لها مزية على غيرها في تضييق العقد عليها، فمنع فيها المفاضلة والنساء، كما اشترط في النكاح الصداق والولي لشرفه على غيره من المتملكات، لأجل ما فيه من تحصين الإنساب.
وهذا للمالكية أن يقول أيضًا فيه.
حفظ حياة الإنسان بالأقوات لا يساوي المطعومات، فيجب أن يختص هذا الشرف وهذه المزية بالأقوات خاصة دون غيرها من الأطعمة.
وأصحاب الشافعي لا يمكنهم مدافعتهم عن هذا بالمناكرة لكنهم يدفعونهم عن هذا بنصه عليه السلام على الملح، والملح ليس بقوت ولكنه مطعوم، فلهذا لم يخص الشرف على المطعومات التي هي أقوات، بل يخص به سائر المطعومات عمومًا، لأجل التنبيه بذكر الملح على الطعام على القوت.
والمالكية تجيب عن هذا بأن الملح وإن لم يكن قوتًا فإنه يصلح القوت، فلا يستطاب اللحم والخبر.
وغيرهما من الأقوات إلا إذا أصلح به، فكأنه مقوّم للقوت، والمقوم للشيء يعدّ من جملته.
وأصحاب أبي حنيفة يدافعون هذه الطريقة بأن الحاجة إلى القوت تقتضي

السعة من الإباحة والإطلاق، لأن أصل البياعات إنما شرعت لأجل الحاجة إليها، فكلما كانت الحاجة إليها أمسّ كان أحق بإطلاق الإباحة واجتناب التقييد، وبيع الشيء بجنسه يشعر أن ذلك الجنس يحتاج إليه المتعاوضان، ولهذا لم يعدل أحد ما عن جنس ما في يديه، بخلاف المعاوضة بجنسين مختلفين، فإن ذلك يشعر باستغناء كل واحد منهما عن الجنس الذي باعه.
وإذا وضح مسيس الحاجة إلى الجنس الواحد وجب أن توسع الإباحة فيه، خلاف ما أشار إليه أصحاب الشافعي من كونه يجب أن يختص لأجل شرفه بنصين 1 في الإباحة.
ويجاب عن هذا بأن مسيس الحاجة إليه تقتضي المنع من بذله وامتهانه بمعاوضة وجنسه 2 على صاحبه لأجل حاجته إليه، فضيق عليه طرق الإباحة في العقود ليحفظ عليه، ويصان له.
وإذا كان نظر التعليل اعتبار الشرف، على حسب ما بيناه، كان الطعم والقوت مجرد علة، ويكون اشتراط الجنس، الذي اتفق الجميع من فقهاء الأمصار، شرطًا أو محلًا، لأجل أنه لا يظهر في اشتراطه معنى مؤثر على حسب ما أظهرناه في اعتبار الطعم والقوت.
وقد ذكرنا عن أصحابنا المالكية عبارات مختلفة في التعليل، فمن لم يقتصر منهم على ذكر القوت خاصة قال: إن القوت يفتقر إلى متهمم وهو الأدُم والدهون وهو 3 الملح، وإن كمل 4 الشيء المتمم له والمقوم له والمصلح يكون كبعض أجزائه، فلهذا عددوًا مع القوت ما ذكرنا من تلك العبارات.
ويرون أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر البرّ لأنه يقتات في حال الاختيار والسعة.
فقد نظّر الشارع القوت الاختياري فذكر الشعير لأنه قوت في حال الاضطرار، ثم ذكر التمر لأنه وإن كان مما يتفكه به ففيه معنى القوت، ثم ذكر الملح لأنه مصلح

للقوت، فالأربع المذكورة تشترك في كونها مأكولة ومكيلة ومدخرة ومقتاتة فكونها مكيلة لا يصلح أن يكون علة، للكيل 1 فيها واقع على وجه واحد لا يختلف، فلم يكن للتعديد والاقتصار على أربع فائدة، مع أن الكيل والوزن فإن 2 أريد به ما يصلح أن يكال ويوزن ويمكن ذلك فيه، فقد يمكن الوزن فيما لا ربا فيه كالثياب، وإن أريد به ما جرى فيه الكيل والوزن في معيار الشرع، فقد توجد مكيلات وموزونات لم يكن لها وجود في عصر الصحابة، فإن أريد المعيار المتعارف فأهل البلاد يختلفون في الاصطلاح على معيار، فقدم يكتالون الشيء وقوم يزنونه وقوم يعدّونه وقوم يجازفون فيه.
وهذا يؤدي إلى اختلاف الربا باختلاف أهل البلاد.
فلا ينتقض هذا بأن القول يختلف أيضًا باختلاف أهل البلاد، لأن ما يحفظ حياة الناس يحفظها في كل مكان، لكنه في بعض الأمكنة ربما عزّ وجوده فلم يجدوه قوتا، ولكنه في نفسه مهيأ لكونه قوتا، فإذا بطل التعليل بالكيل، والتعليل بالطعم، لأن المقصود منه على الأكثر كونه حافظًا للحياة أو متممًا لما يحفظها أو هو مالكها 3، وبطل التعليل بمجرد الادخار، لأن الادخار إنما الغرض منه في أكثر القوت، وقد رفق الله سبحانه بعباده فجعل أقواتهم مما يبقى حتى يدخروها لوقت الحاجة إليها، فصار الحاصل من نقد هذه الأوصاف اعتبار القوت والغرض المقصود في أكثر في الأطعمة المخلوقة للإنسان وقد سلك بعض أصحاب الشافعي قريبًا من هذا المسلك، فقال (قدحا من الأربعة يمنع الدين) (3) فيما تجانس وإباحته فيما اختلف، وما ذلك إلا لكون المتجانس الغرض فيه واحد، وإذا كان مطلوب الشرع إيجاد الغرض، طلبنا نحن الكشف عن الغرض ما هو؟ فوجدناه للطعم لأن المطعومات ما خلقت لتكال أو توزن، لكن لتؤكل، فنقول نحن: بل لتكون قوتا حافظًا لحياة، على حسبما بسطناه.

واعلم أن أصحاب أبي حنيفة إن عورضوا في التعليل للذهب (والوزن) 1 بالوزن، وكون المصوغات من الذهب والفضة فيها الربا وإن لم توزن، اعتذروا عن هذا بأنه عليه السلام قال "الذهب بالذهب مثلًا بمثل" فاحتمل عمومه على ما يوزن وما لا يوزن، فمنع ما لا يوزن منه بحق العموم لا بحق التعليل، وكذلك إذا عورضوا بأن أحد الوصفين يستقلّ علة في الربا، ربا بالنساء، وقد تقرّر ومنع بيع الذهب بالفضة لاشتراكهما في أحد وصفي العلة وهي الوزن، وجاز بيع الزعفران بالدنانير نساء، وإن اشتركا في أحد وصفي العلة وهو الوزن، اعتذروا بأن هذا الاشتراط إنما يؤثر إذا كانا جميعًا ثمنين أو مثمونين، فإذا كان أحدهما ثمنا والآخر مثمونا كالدنانير بالزعفران جاز ذلك إجماعًا وصار هذا الإجماع مخصصًا لهذا التعليل، أو يعتذر عنه بأن الوزن في الأثمان كالكيل في غيرها من المثمونات، فلم يشتركا في علة واحدة لكون الوزن في الدناير التي هي أثمان كالكيل في المثمونات، والوزن في الزعفران على حقيقته لا ينقل عنه إلى التشبيه بغيره.
ولعلنا أن نبسط ما تعلق بهذا الاعتراض من أصول الفقه في كتاب الصرف إن شاء الله، ونتكلم على التخصيص وقصرها.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: اختلف المذهب في ثبوت الربا في بعض الثمار، كالرمان، فقال مالك رحمه الله: لا ربا فيه (عند مالك) 2 ولا في التفاح.
وقال ابن نافع بإثبات الربا أيضًا في التفاح (والعين) 3 والإجاص والموز.
وذكر أن ذلك مما ييبس ويدخر.
وحكى ابن المواز أنه لا ربا فيه، وذكر أيضًا مما يشير إلى كراهية التفاضل فيه، فقال: وقد قال: لا يعجبني، وغير 4 منه قال ابن المواز: يريد

الرطب منه بالنضيج.
فأما سبب الاختلاف في ثبوت الربا في الرمان، ففرضه، على ما تقدم من عبارات أصحابنا عن علة الربا في المطعومات الأربع المذكورة في الحديث.
فمن علّل بالادخار للعيش غالبًا لم ير في الرمان ربا، لأنه لا يدخر للعيمثل غالبًا.
ومن أثبت فيه الربا رآه مما يدخر للتفكّه ويكون أُدما، وقد قدمنا أن الأدم للقوت فحكمه حكمه.
وكذلك يرى الخلاف في الخوخ وغيره مما ذكرنا الخلاف فيه، فإنه إذا عرض على ما قدمناه من التعليل ظهر فيه وجه الصواب.
وربما كان سبب الخلاف منازعة في المختلف فيه هل هو ما يدخر أو لا يدخر؟ ولماذا يدخر، هل للدواء وما في معناه، أو للأكل، أو للعيش، والائتدام؟ فمن اعتقد فيه أحد الأمرين أعطاه حكم مقتضى ما اعتقد فيه.
وأما اللوز فقد ذكرنا عن ابن المواز حكايته الخلاف فيه وتأويله لكراهة للتفاضل فيه، على أن المراد رطبه بيابسه.
وهذا منه إشارة إلى أنه ليس من جنس ما يدخر للعيش والائتدام وتكون الكراهية محمولة على وجه آخر وهو بيع الرطب باليابس، وبيع الرطب باليابس إذا كانا هما للربا فلا يختلف عندنا في المنع من ذلك، كبيع الرطب بالتمر متماثلًا.
وإن كانا مما لا ربا فيهما ففيه اختلاف في المذهب إذا لم يتبين فضل أحدهما على الآخر، هل يمنع لأجل ما يتصور فيه من المزابنة أو لا يمنع؟ فإذا كان الموز مما لا يدخر من المقتات، ولا هو من مصلحات الأقوات، على حسب ما قدمناه لم يكن فيه مطلب ابن المواز، لأجل أن هذا وجه آخر للكراهة فأخرجها عن هذا الباب إلى باب النهي عن المزابنة.
هذه طريقة بعض الأشياخ، ومنهم من رأى أن الكراهية إنما وقعت لأجل أنه لا ينقطع شتاء ولا صيفًا فصار اتصال وجوده ودوامه على جهةٍ ما، ذَهَبَ كالادخار.
وهذا النهي الذي أشار إليه ليس هو حقيقة الادخار إنما هو الادخار في الذات الواحدة المعتبر حصول وصف الربا (بية لا فيها) 1 على جهة التعاقد

وخلف ذات أخرى.
ولأجل ما في هذه الطريقة من التعقب الذي ذكرناه عن 1 ابن المواز إلى طريقة أخرى وهي إلحاق ذلك بحكم المزابنة.
وقد أشار مالك رحمه الله إلى هذه الطريقة فقال: إن في البصل والثوم الربا لأنهما مما يدخران.
واختلف المذهب عندنا على قولين في التأويل 2 كالفلفل والكمُّون والكَرَوْيا هل هذه الأصناف مما يدخر في الربويات أم لا؟ على ما كنا قدمنا ذكره في بيع الطعام قبل أن يستوفى، فالاختلاف في هذا ينصرف أيضًا إلى ما قدمناه وهو النظر في هذه التأويل (2) هل هي مصلحة للقوت كالملح المنصوص عليه، ولهذا يراد في الاستعمال، أو إنما يستعمل في الغالب دواء.
وأما الزفيزف 3 فلا ربا فيه، لأنه وإن جفف رطبه وادخر فلا يدخر غالبًا للإدام أو التفكه، وإنما يدخر للتداوي.
وكذلك الفريك (3) وما في هذا المعنى مما يجفف ويطول بقاؤه فلا يفسد، مما لا يقصد بادخاره إلا التداوي به، وكذلك الحلبة، واختلف هل هي طعام؟ فقيل: هي طعام، وقيل: ليست بطعام، وقيل: أما الخضراء أو المبلولة فهي طعام.
وهذا أيضًا يعرض على ما قدمناه على القصد بها التداوي والعلاج، أو أكل.
ومن شرط في كونها طعامًا أن تكون خضراء فلأجل أن اليابسة لا تؤكل، ولا تدخر لتيبس 4، بخلاف الترمس الذي يدخر لييبس (4). واختلف أيضًا في البيض فالمشهور أن فيه الربا لأنه مما يؤكل ويحفظ الحياة ويكون بمعنى القوت، ويدخر أيضًا مدة طويلة.
وإنما يفسد إذا مرّ عليها الصيف لأجل حرارة الصيف.
وذكر ابن شعبان قولًا آخر بإجازة التفاضل فيه.
وذكر حماد أنه سمع أن محمَّد بن عبد الحكم يذكر أنه لا ربا فيه كالفاكهة.

فقلت: أرأيت لو رطبه 1 محرم أليس عليه الجزاء والفاكهة لا جزاء فيها؟ قال: فسكت.
وذكر ابن حارث عقيب هذا الذي نقل عن حماد أن ما ناقضه به لا يلزم؛ لأن الحيوان في الجزاء إذا قتله المحرم وإن كان مما لا ربا فيه.
وأما الزفيزف فإنه لا ربا فيه.
واعتل ابن المواز لهذا بأنه إن كان جفف ويبس فإنه لا يُفعل ذلك للعيش والأكل لكن للعلاج.
وهذا تنبيه على صحة ما قدمناه من ذكر الثلاثة التي يدور عليها فرض هذا الباب، وهي اعتبار الغرض في مقتضى العادة في الطعام هل يدخر ذلك وارى 2 العلاج أو الاقتيات والأدم وإصلاح القوت على حسب ما تقدم بسط القول فيه.
والعين الذي هو الإجاص اختار بعض أشياخي كونه مما لا ربا فيه، لأنه إنما يجفف ويدخر للعلاج والتداوي لا اقتياتًا ولا تفكها.
وأما الألبان واللحوم فإنها يمنع الربا فيها، وإن كانت للغالب أنها لا تدخر لأجل أنها إنما تقتات غالبًا حال رطوبتها، وهو الغرض المقصود منها.
وكذلك اللُّحمان، وإن كان الغالب أنها لا تدخر، فالغرض المقصود منها هو المستعمل في الاقتيات.
وقد نبهنا على الاقتيات، وهو المعتمد عليه في التعليل على أنه قد تجفف اللحمان فتدخر.
وكذلك الألبان يصنع منها غالبًا ما يدخر كالجبن والأقِط والسمن، فأعطيت حال رطوبتها حكم ما نص عليه بالصنعة من الادخار والاقتيات.
لكن المخيض بالجبن وقع فيه قولان: هل يجوز ذلك لكون المخيض لا يكون منه جبن فلا يدخل في نوع بيع الرطب باليابس المنهي عنه، كما تقدم.
أو يمكن أن يعمل من المخيض أقِطًا فيكره بيع المخيض بالجبن، لأجل أنه يتكون منه بالصنعة الأقط، والأقط والجبن مُنع فيهما الربا.
وقد قال في المدونة: لا بأس ببيع المضروب بالسمن.
وقال بعض الأشياخ: هذا يشير إلى أنه لا يحرم في المخيض والمضروب التفاضل، إذا بيع بمثله، لكون

المضروب لا يدخر ولا يصنع منه ما يدخر، بخلاف الحليب الذي يصنع منه ما يدخر كالجبن والسمن والأقط، وأجرى في جواز التفاضل في المخيض والمضروب اختلافًا في إثبات الربا، لكونهما نوعًا من جنسٍ الغالبُ ادخاره، أو يجوز فيهما الربا لكونهما في أنفسهما لا يدخران، فكذلك يكون حكم المخيض.
وقد ذكر القاضي أبو محمَّد رحمه الله في الكتاب الذي هذا شرحه وهو التلقين، اختلافًا في التين.
وذكر ذلك مطلقًا من غير تقييد شتوي ولا صيفي، ويبعد نفي الربا عن التين المدخر لكونه مما يقتات كالزبيب.
وإذا اتفق المذهب على منع الربا من الزبيب لكونه مقيسًا على الثمن 1 المنصوص عليه في الحديث.
فالتين كالزبيب في هذا المعنى.
وأما الزيوت فإنها مما منع فيها الربا، لكونها تدخر ويؤتدم بها.
لكنها تتنوع أنواعًا، فما تحقق فيها ادخاره للائتدام ويكمّل القوت، فإنه يتضح على أصلنا إثبات الربا فيه، وعلى أصل الشافعي الذي يراعي الطعْم، وعلى أصل أبي حنيفة.
لكن بعض أصحاب الشافعي قسمه على أربعة أنواع: أحدها: ما يدخر للائتدام كزيت الزيتون، وزيت الفجل وما أشبههما.
والثاني: ما يدخر للتداوي كدهن الخروع، والخوخ، فإنه يثبت فيه الربا عندهم لكونه مطعومًا، والمطعومات خلقت لحفظ الحياة، على ما تقدم، فما كان منها مطعومًا لكنه لا يستعمل إلا تداويًا، فإنه يثبت فيه الربا، لأن الدواء والصحة على البدن السقيم، كما أن الغذاء والقوت يحفظ الصحة على البدن الصحيح، فقد استويا في كونهما قوتين لكن أحدهما اختياري، والآخر ضروري.
وهكذا الهليلج 2 والبليلج يثبت فيهما الربا لكونهما من جملة الطعام ويَرُدّان الصحة على البدن السقيم، فكانا كما يحفظهما على البدن الصحيح.

ومن الادهان قسم ثالث، وهو ما يستعمل طيبًا كدهن الورد والبنفسج والزنبق فإن فيها لكونها تؤكل، وليس إمساكها لما هو أعلى، وهو التطيُّب، بالذي يخرجها عن كونها مطعومة.
ومنها قسم رابع وهو مما لا يؤتدم به، ولا يتداوى، ولا يكون طيبًا، كزيت البذر فإنه لا ربا فيه.
وهكذا اتفقوا الربا في الطين الأرميني لكونه مطعومًا يتداوي به.
ونَفَوْه عن الطين الخراساني وشبهه لكونه لا يتداوى به، وإنما يكون لشهوة فاسدة كما يؤكل سفها وعيبًا، وقد قال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: "لا تأكلي الطين فإنه يصفر اللون" 1. وعندنا نحن اختلاف في جواز أكل الطَّفل سنذكره في موضعه إن شاء الله.
وأما الماء، فإنه لا ربا فيه عندنا، هذا المعروف من مذهبنا.
وذكر القاضي أبو محمَّد أن 2 ابن نافع في الماء بالطعام إلى أجل لا يجوز، ليخرّج منها إثبات الربا فيه.
وفي هذا التخريج نظر لأن من المطعومات ما يحرم بيعه بالطعام إلى أجل، ويمنع بيعه قبل قبضه، كالفاكهة التي لا تقتات ولا تدخر، ومع هذا المنع يجوز الربا فيها إلا على رواية ابن وهب التي قدمنا ذكرها، من اعتبار منع بيع الطعام قبل أن يسْتوفى، أن يكون الطعام مما يمنع فيه الربا.
وأما أصحاب الشافعي فإنهم ذكروا أن من مذهبهم قولين في إثبات الربا في الماء، نفاه بعض أصحاب الشافعي وأثبته غيره من أصحاب الشافعي وهو الصحيح عند أبي حامد الإسفراييني، لكن أبا حامد خرّج من هذا الاختلاف اختلافًا في مسألة أخرى، وهو بيع دار بدار فيها بئران، وقلنا: إن الماء لا يملك، وإنما يمنع صاحبه منه لحيازته إياه، وكونه مستحقًّا للمنع من التطرق في داره، فإن بيع دار بدار جائز، لكون الماءين اللذين بهما غير مملوكين، فلم يقع عقد عليهما.

قال: وإن قلنا: إن الماء مملوك، وقلنا: إن الماء يثبت فيه الربا، منع من بيع دار بدار فيها بئران، لأجل اجتناب 1 هذا العقد على التعاوض بأمرين فيهما الربا وبأمرين لا ربا فيهما، وهذه أحجار الدار قبض هذا، كمن باع ثيابًا ودنانير بثياب ودنانير وهو الذي خرجه في بيع دار بدار فيهما ذهبنا نحن إلى الصحيح، فخرج القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب إخراج الربا فيه من الرواية التي ذكرناها عنه، وقلنا: الانتفاع مقصوده في العقود وجب منع بيع - دار بدار فيهما بئران حلوان، أو عينان كما قال أبو حامد.
وإن قلنا: إن الأتباع لا حصة لها من الثمن، وغير مقصودة في العقود جاز البيع، وإن كان الماء فيه الربا، لكن الماءين تَبع في الدارين.
وسنتكلم على هذا في بيع السيف المحلَّى بذهب يسير، أو بيع الشجر المثمر بشجر مثمر مثله.
وقد تقدمت إشارتنا إلى هذا في بيع الشجر المثمر بطعام إلى أجل، وذكرنا ما في ذلك من الخلاف.
فوجه قول من نفى الربا في الماء كونه خلق للامتهان والبذلة حتى ورد في الشرع النهي عنه عند بعض العلماء، وما ذلك إلا تنبيهًا على المسامحة به وبذله.
وقد قدمنا أن علة الربا مبنية على اكتساب الأقوات حرمة وشرفًا يجب أن يصان عن الامتهان إلا على خفة.
فلو قلنا: إن الماء فيه الربا لكان هذا.
مخالفًا لموضوع الأصل الذي قررناه وعللنا به الربا، ووجه القول بإثبات الربا فيه بأنه طعام قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ 2 فسماه طعامًا، وإذا كان طعامًا فهو أيضًا مما يحفظ الحياة، والصبر عنه أقل من الصبر عن القوت، وفيه تكملة وتتميم القوت، فوجب أن يثبت فيه الربا.

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: فكل مسمى مما يحرم التفاضل فيه فإنه صنف مفرد بنفسه لا يضم إليه

سوى أنواعه، إلا الحنطة والشعير والسلت فإنها كصنف واحد، واختلف قوله في القطنية.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة، منها أن يقال:

  1. ما الدليل على كون القمح والشعير نوعًا واحدًا؟ 1
  2. وهل القمح والشعير جنسان؟ 2
  3. وهل يضاف إلى القمح والشعير والسلت غيرها أم لا؟
  4. وما حكم ما مسته النار مما تفرع من هذه الحبوب؟
  5. وما حكم ما يستخرج مما فيه الربا؟
  6. وما حكم ثمر النخيل؟
  7. وما حكم اللحوم؟
  8. وما حكم ما صُنع منها؟
  9. وما حكم ثمنَ 3 صنع منها؟
  10. وما حكم ما تولد عنها؟ 4 وما حكم المراتبة؟ 5 والله المستعان.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في القمح والشعير هل هما جنس واحد أو جنسان؟ فذهب مالك إلى أنهما جنس واحد.

ورُوي أن معمر بن عبد الله بعث غلامًا له بصاع قمح، وأمره أن يبيعه ويشتري به شعيرًا، فأتاه بصاع ونصف، فقال له: ردّه، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" وطعامنا يومئذ الشعير 1. فهذا صاحب روى الحديث، وحمله على كونه يقتضي منع التفاضل بين القمح والشعير.
وأجاب المخالف عن هذا بأن لفظ الحديث لا يقتضيه؛ لأنه إن أراد بقوله "الطعام بالطعام" أي الشعير بالشعير لكونه طعامهم حينئذ، كما قال الراوي، فلا يختلف في تحريم التفاضل بين الشعير والشعير، وإن أراد الطعام بالطعام عمومًا، جنسًا كان أو جنسين، فإن هذا متفق على منع الذهاب إليه لكون التفاضل بين الجنسين جائزًا باتفاق إذا بيعا يدًا بيد.
وإذا كان هذا متفقًا عليه في الجنس الواحد أنه ممنوع التفاضل، افتقر إلى نظر آخر، هل القمح والشعير جنس واحد أو جنسان؟ على أنه قد روي في هذا الحديث أنه قيل لمعمر: إنه ليس مثله قال: أخاف أن يضارع 2. وهذه إشارة إلى توفي التفاضل استحبابًا لا إيجابًا.
وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهى عن التفاضل بين القمح والشعير، يمكن أن يكون ذلك استحبابًا لا إيجابًا.
وسعد بن أبي وقاص أنه ذهب إلى المنع من ذلك أيضًا فإن مذهبه وحده لا يكون كالإجماع، ويستدل مالك أيضًا على منع التفاضل بين القمح والشعير بأن ما تجانس من هذه الأطعمة منع التفاضل فيه وما اختلف جنسه جاز التفاضل فيه.
والمعتبر في الجنسية ها هنا تجانس المنفعة وتقاربها لأنه المطلوب من هذه الذوات ومراد الخلق بها والمقصود بملكها؛ وأما نفس الذات فمالكها على الحقيقة الله سبحانه وحده القادر على إيجادها وإعدامها، وإنما يملك الخلق على الحقيقة الانتفاع

بها فاقتضى هذا اعتبار تساوي المنفعة وتقاربها لا اختلاف الصور والأشكال.
والقمح والشعير قوتان متقاربان في القوتية، فوجب أن يكونا جنسًا واحدًا.
وأجيب عن هذا بأنهما غير متقاربين في القوتية لأنهما لا يقتاتان في بلد واحد على حد سواء، وإنما يقتاتان على جهات مختلفة، إما لعزة القمح وعدمه، فيرجع إلى الشعير، أو لاعتياد التقوت بأحدهما.
وقد أكد الشافعي هذا بأن قال: التمر والزبيب جنسان مع كونهما قوتين حلوين يخرصان، فكذلك القمح والشعير.
ومما يعتمد عليه من قال: هما جنسان، قوله عليه السلام "البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر" الحديث المذكور فيه "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" 1 فأفرد كل واحد من هذه بتسمية، وإفراده بها يدل على أنه جنس خارج عما سمى قبله وبعده من الأجناس، وأيضًا ففي بعض طرق الحديث "وبيعوا البر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدًا بيد" 2 الحديث كما وقع.
ولا يعترض بأن القمح الجيد بينه وبين القمح الرديئ من التفاوت مثل ما بين دنيئ القمح وجيد الشعير، ثم مع هذا لا يحل التفاضل بين جيد القمح ودنيئه.
ولا يتأول تسمية البر والشعير لأجل ما ذكرناه من دلالة هذا الحديث من كون اختلاف اسمائهما يشعر باختلاف أجناسهما.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلف الناس في بيع ما فيه الربا من الحبوب بدقيقه، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى منع بيع البر بدقيقه.
واختلف الرواة عن مالك، فذكر ابن القصار أنه روي عنه المنع إذا بيع أحدهما بالآخر كيلًا.
ورواية الجواز على أنه إذا بيع أحدهما بالآخر وزنًا.
ومن أصحابنا من ذهب إلى حمل رواية الجواز على

مكيال الدقيق وزنًا، ولا يكون ربا.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الروايتين معمولتان على إطلاقهما.
وفي كتاب ابن حبيب أن الجواز فيما يكلفنا 1 بفعله الجيران على جهة المعروف، وأما ما كثر فلا يجوز، وقد قال رجل من أصحاب الشافعي: إن أبا عبد الله روي عنه أيضًا الجواز، فقال رجل من أصحابه: إنما أراد هذا الناقل بأن أبا عبد الله الشافعي فيكون على هذا أيضًا اختلاف قولٍ للشافعي.
وأنكر أصحاب الشافعي هذا التأويل، وقالوا: إنما أراد هذا الناقل أبا عبد الله مالكا أو أبا عبد الله أحمد بن حنبل.
وقد نقل عن ابن حنبل أنه يشترط في إجازة ذلك أن يكون التبايع وزنًا.
وذهب عبد العزيز بن أبي سلمة إلى أنهما جنسان يحل التفاضل بينهما.
فمن ذهب إلى أنهما جنسان يستدل بخلاف التسمية والصورة، كما تقدم الاستدلال بهذا على كون القمح والشعير جنسين مع اختلاف الغرض أيضًا في ادخار القمح والدقيق.
ومن ذهب إلى المنع يرى أن التفاضل بينهما ممنوع لكونهما نوعًا واحدًا.
لكن أحدهما تفرقت أجزاؤه وهو الدقيق، والآخر بقي على صورته وليس بين جوهريهما اختلاف، ولا في المراد منهما، وبيعهما من غير تفاضل يمنع لأن كل ما أريد 2 بصنعة آدمي عن أصله في صفة الادخار والغرض فإنه لا يجوز بيعه بأصله إذا كان مما فيه الربا، كبيع التمر بالنخل، والحيوان باللحم، كما قدمناه في هذا.
وأما من يشترط في إجازته المماثلة من جهة الوزن، كما حكيناه عن ابن حبيب، وذكرنا أن ابن القصار تأوله على ذلك في رواية الجواز على الإطلاق، فإنه يقتضي تقدير أصل يستند هذا إليه، وهو أن ما حرم فيه الربا وطلبت فيه المماثلة، ويوجب 3 فيها اعتبارها بالمعيار المعتاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحمل

خطاب أهل زمانه في أمرهم بالمساواة على ما كانوا يعرفون المساواة من وزن أو قيل، فذكر بعض الناس أن ما كان أصله حينئذ الوزن فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا باتفاق، لأن الوزن أخص من الكيل، فإذا عدل عما هو أضبط للمساواة إلى ما هو دونه في ضبطها منع من ذلك.
وأما بيع ما كان أصله حينئذ الكيل وزنًا فإن بعض الناس ذهب إلى جوازه اعتلالًا منه بأن غرض الشرع المساواة بين الطعامين المبيعين فبأي الأمرين اتفقت المساواة من قيل أو وزن فيما كان أصله حينئذ الكيل فإنه جائز.
وأجيب هؤلاء عن هذا بأن مطلوب الشرع حينئذ المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ، ألا تراه قال في الحديث "كيلا بكيل" فإذا كان مطلوب الشرع المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ وجب الاقتصار عليه وأن لا يعدل عنه إلى ما سواه، لأنهما لما عدل عنه أمكن أن يقعا في التفاضل والربا (لو تغير الطعامين بالمعيار المعتاد فيهما) 1. ومال ابن القصار إلى جواز بيع ما اعتبر فيه الكيل حينئذ بالوزن، لحصول المساواة به وكونه أضبط للمماثلة والمساواة من المكيال، وذكر أن القمح بالقمح لا يمنع من بيعه وزنًا بوزن، وإن كان مذكورًا في الحديث الكيل لأن مقصود صاحب الشرع المساواة.
وأنكر هذا بعض الأشياخ، وقال: المعروف من المذهب خلاف هذا، وأنه لا يجوز بيع القمح بالقمح وزنًا، لأنهما وإن تساويا في الوزن فقد يختلفان في المساواة إذا كِيلا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة" 2 ولم يرد بهذا أنه ليس في العالم سوى ميزان أهل مكة ومكيال أهل المدينة، وإنما أراد الرجوع إلى مكيال أهل المدينة وميزان أهل مكة.
وهذا يشير إلى منع تبديل ما كانوا عليه.
وأما ما لا أصل له في المجاز 3 فإن من الناس من ذهب إلى أنه يعتبر فيه عادة المتبايعين به في بلادهم.
فهذا فيه

مأخذ الخلاف في بيع القمح بالدقيق هل هما جنسان يحل التفاضل بينهما، أو جنس واحد يمكن المساواة أو لا يمكن.
وقد اعتل من ذهب إلى إمكانها ويطول 1 المساواة أن الدقيق فقد عين القمح، لكون أجزائه تفرقت وأجزاء القمح لم تتفرق، والتفرق والانضمام لا يخالف بين الشيئين.
وأجيب عن هذا بأن هذا التفرق في الأجزاء يوقع في التفاضل لكون الأجزاء التي هي ملء صاع أكثر من الأجزاء التي في الدقيقال في هو ملء صاع، فإذا تفاضلت الأجزاء وشوهد التماثل في المعيار عيانًا، فإن ذلك يمنع منه لتحقق الربا، كما منع التمر بالرطب، وإن تساويًا في المكيال، لما يحدث من تفاضل الأجزاء إذا جف الرطب، على ما سيرد بيانه بعد هذا، وذكر ما قيل فيه.
وقد أجرى بعض أشياخي هذا الاختلاف من بيع الدقيق بالقمح في بيع السميد بالدقيق لأن السميد إذا طحن زاد على مقدار الدقيق، فيختلف مذهبنا فيه على حسب ما اختلف المذهب في بيع القمح بالدقيق.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: لم يختلف أهل المذهب في كون القمح والشعير والسلت صنفًا واحدًا لا يحل التفاضل بين أحدهما وبين الآخر.
وقد قدمنا مخالفة أبي حنيفة والشافعي في هذا.
وأما العكس ففيه اختلاف في المذهب هل هو مما يضاف إلى القمح والشعير والسلت أيضًا، أو هو جنس خارج عنهما.
كما أن المعروف من المذهب كون الأرز والذرة والدُّخن لا يضاف أحد الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت.
لكن ابن وهب من أصحاب مالك نقل عنه إضافة هذه الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت.
وهو مذهب الليث بن سعد.
وإذا تقرر أن المذهب المشهور عندنا.
أن الأرز والذرة والدخن لا يضاف واحد منها إلى القمح والشعير والسلت، فإن المشهور أن كل واحد منهما أيضًا

صنف على حياله، لا يضاف أحدهما إلى الآخر.
وعلى ما ذكر عن ابن وهب والليث يجب إضافة هذه الثلاثة بعضها إلى بعض.
وأما القطنية كالفول والعدس والحمّص وما في معنى ذلك، فإن الخلاف في إضافة بعضها إلى بعض مشهور في المذهب.
ففي ذلك روايتان في إضافة بعضها إلى بعض على الجملة.
وقيل: إن الحمص واللوبيا يضاف أحدهما إلى الآخر.
وأما الجلبان والسلت فيضاف أحدهما إلى الآخر أيضًا.
وما سوى هذين لا يضاف فيه أحدهما إلى الآخر من بقية القطنية.
واعلم أن منشأ الخلاف في هذا كله على أصل المذهب حسب الغرض والمنفعة بالشيئين فما تباينت فيه الأغراض وتباعدت فيه المنافع عدَّا جنسين وما تشابهت فيه الأغراض وتقاربت فيه المنافع عد جنسًا واحدًا.
فاتضح عند أهل المذهب تقارب الأغراض والمنافع في القمح والشعير والسلت فعدوا ذلك جنسًا واحدًا.
واختلفت آراؤهم فيما ذكرنا عنهم الاختلاف فيه، فمن اعتقد في الشيئين أنهما تتباعد الأغراض فيهما وتختلف المنافع فيهما لم يضف أحدهما إلى الآخر.
ومن اعتقد تشابه الأغراض والمنافع عد الشيئين جنسًا واحدًا.
وقد يستدل على صحة الاعتقاد في هذا تساوي الشيئين في المنبت 1 وكونهما يقتاتان في البلد الواحد عمومًا، كما اتفق ذلك في القمح والشعير عند أهل المذهب...

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد تقرر أن مما يغير صورة من جهة الصنعة طحنه.
وقد تكلمنا على بيع الدقيق بالقمح.
ومما يغير الدقيق أيضًا عجنه.
وليس العجين صنعة تخرج العجين عن أصله.
كما أن الطحن ليس بصنعة تخرج الدقيق عن أصله، كما تقدم.
فلا يجوز التفاضل بين دقيق وقمح، ولا بين دقيق وعجين، ولا بين عجين 2. ومن شرط جواز بيع أحدهما بمثله أو بأصله المماثلة في المقدار.

ولكن المماثلة في المقدار لا يمكن فيما بين عجينين ودقيق وعجين.
لكن يختلف المذهب في جواز بيع أحدهما بالآخر تحريًا.
فيتحرى في العجينين أصل كل واحد منهما من دقيق، وما بين العجين والدقيق أصل العجين من دقيق.
فمن رأى التحري لا يوثق به، وأن كثيرًا ما يقع الغلط فيه منع من ذلك لأن الشك في الوقوع في الربا بمعنى تحقق الوقوع فيه.
ومن رأى أن التحري ها هنا يوثق به، والغلط فيه مما يندر، والضرورة تدعو إلى الرجوع إليه، أجاز التحري ها هنا.
وأمّا إذا كان المصنوع مسّته النار، فإن ذلك يكون بقلي القمح.
فبيع القمح النبي بالمقلو رأى مالك أن فيه معمرًا 1 حتى يطحن وأجازه ابن القاسم.
وأما إن طحن المقلو حتى صار سويقًا فإن السويق يجوز التفاضل بينه وبين أصله وبينه وبين دقيق أصله.
فسويق القمح يجوز التفاضل فيما بينه وبين القمح النبي وما بين دقيق القمح، لأن المنفعة فيه والغرض مخالف للقمح والدقيق والمنفعة مختلفة فوجب أيضًا أن يكونا جنسين بناء على ما تقدم تأصيله من اعتبار تشابه المنفعة والغرض أو اختلافهما.
والشافعي يمنع بيع السويق، ويرى أن ما صنع مما أصله الربا لا يجوز بيعه بأصله، ولا بيع المصنوعات منه بعضها ببعض، لاختلاف أجزاء الأصل فيها.
وكذلك يمنع بيع الدقيق.
وأجازه أبو حنيفة في الخشونة والنعومة.
والحديدة بالسويق صنف واحد لتقارب المنفعة والغرض وقال الأبهري: حليل السويق.
وأشار بعض أشياخي إلى إجراء هذا على ما كنا قدمناه من تخريج الخلاف في بيع السميد بالدقيق لكون السميد إذا طحن زاد مقداره إذا قيل على مقدار ما ساواه في الكيل من الدقيق، فكذلك الحديدة إذا طحنت زاد مقدارها على مقدار السويقال في كان مساويًا له في المقدار.
وسويق كل حب

لا يجوز التفاضل بين حب هذا وحب هذا.
لكن سويق القطنية لم يختلف المذهب في أن سويقها جنس واحد، لا يحل التفاضل ما بين سويق أحدها وسويق الآخر، لاعتقاد أهل المذهب أن المنفعة بسويق جميعها يتشابه والغرض فيها يتقارب.
وأما الخبز فإنه جنس مخالف للحب الذي صنع منه، والدقيق الذي عجن منه، لأن المنفعة والغرض قد اختلفا، بينه وبين أصله، فوجب أن يكون جنسًا مخالفًا لأصله أيضًا، متماثل 1 للخبز الذي صنع من أصله، فلا يحل التعامل 2 فيهما.
وإن اختلفت التسميات، مع تساوي المنفعة والغرض، لم ير ذلك، كالكعك والخبر فإنه لا يحل التفاضل بينهما إلا أن يكون في الكعك أَبزار أخرجته عن الغرض المطلوب من الخبز، والمنفعة المقصودة منه، فيجوز حينئذ التفاضل كما يجوز بين الخبز والأسفنجة لكون الغرض والمنفعة بينها وبين الخبز مختلفًا.
واختلف المذهب في خبز القطنية مع القول، فإن حبها أجناس مختلفة، هل يكون خبزها أيضًا أجناسًا تابعًا إلى حبها، أو يكون جنسًا واحدًا بخلاف أصوله، لكون الغرض والمنفعة متساوية، فأشبهت السويق الذي اتفق المذهب على أنه جنس واحد إذا صنع من القطنية على اختلاف أنواعها، وإن كان في أنواع حبها من الخلاف ما قدمنا.
فذهب أشهب إلى كون خبزها صنفًا واحدًا كالسويق.
وابن القاسم يذهب إلى إلحاق أخبازها بحبوبهما، وإذا وجب التماثل بين الخبزين إذا بيع أحدهما بالآخر فإنه يعتبر في ذلك كون النار أخذت منها أخذًا واحدًا لتحصل الثقة، إذا بيعا جميعًا وزنًا بوزن، أنهما متماثلان في المقدار.
وإذا كان أحد الخبزين رطبًا والآخر يابسًا لم يحصل التماثل، وإن

تماثلا في الوزن، لكون الرطب إذا جف نقص عن مقدار وزن اليابس، والتفاضل في المآل يعتبر كبيع الرطب.
والتحري ها هنا يجري فيه من الخلاف ما قدمناه وما سنذكره بعدها.
وقد حمل بعض الأشياخ على المذهب على أن المماثلة ما بين الخبزين في المقدار يعتبر فيها الأصل الذي خُبِزا منه، فإن كان الأصلان مما لا يحل التفاضل بينهما، كخبز شعير وخبز قمح، فإنه يتحرى ها هنا الدقيق الذي عجن منه، ولا يعتبر الاتفاق في وزن الخبز، لأنهما قد يتفقان في ذلك، ويختلفان في أصل حبهما، أو دقيقهما.
كان 1 ما عجنا منه يجوز التفاضل فيه اعتبر تساويهما في الوزن.
وقد ذهب اْشهب إلى أن خبز الأرز والذرة 2 لا يحل التفاضل فيه بخلاف جمعه.
وقال أصحابنا: الخبز تابع للأصل، فإذا كانت الأصول أجناسًا كانت الأخباز أجناسًا.
ومقتضى قول ابن القاسم عند بعض الأشياخ كون خبز هذه الثلاثة مختلفًا كاختلاف أصولها.
فعلى رأي بعض الأشياخ يجري اعتبار المماثلة في هذه الأخباز وزنًا وتحريًا، على ما قدمنا ذكره من الخلاف في أصولها.
وقال بعض الأشياخ: إن اعتبار الوزن من غير التفات لحكم أصل الخبز لكون الخبز قد حكم بأنه جنس مخالف لأصله، فلا معنى بعد هذا للالتفات لتحري أصله.
وأما السلق للحب فإن بعض الأشياخ رأى أن القول إذا سلق صار بالسلق جنسًا آخر مخالفًا للنيء منه، فيجوز التفاضل بينهما.
ورأى بعض أشياخي أنهما صنف واحد، ولكنه لا يتضح هذا عنده اتضاح كون الترمس المسلوق جنسًا آخر مخالفًا لما لم يسلق، فيحل التفاضل بينهما لأجل السلق، لكون الترمس يطول

أمره إذا سلق، وتقصر المدة في سلق القول.
وأمّا السلق للحب من غير أن تمسه النار فلا يكون بذلك جنسًا مخالفًا للنيء، ولا يباع بالنيء، وإن تساويا في الكيل، لأنه ينقص الرطب إذا جف، ولا يباع مبلول بمبلول لاختلاف البلل، والشرع جاء بطلب المساواة في الحال، واعتبرها أيضًا في المآل، على ما سيرد بسط القول فيه في بيع الرطب بالتمر إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ، لا رب غيره ولا خير إلا من لدُنه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: أما الأدهان المستخرجة من أنواع فيها الربا، فإن منها ما يختص باسم الزيت، ومنها ما يختص باسم النبيذ.
ومنها ما يختص باسم النحل.
فأما الزيوت فأنواع كثيرة كزيت الزيتون أو حبّ الفجل أو حبّ القُرطم أو الجلجلان أو الخس، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده.
فما خرج منها من أصل واحد لم يحل فيه التفاضل كما لا يحل في أصله، كزيت الزيتون على اختلاف أنواعه وألوانه كما لا يحل التفاضل بين الزيتون بعضه ببعض، وإن اختلفت أنواعه.
واختلف قول الشافعي فروي عنه أن زيت الزيتون وزيت الفجل أصناف، كما قلناه؛ وروى عنه أنه صنف واحد.
وقد قدمنا أن ما يُصلح القوت أو يكون إداما للقوت فحكمه حكم القوت في تحريم الربا.
وأكثر هذه الزيوت يؤتدم بها لكن زيت زريعة الكتان ذكر ابن القاسم أنه لا ربا فيه لأنه لا يؤكل.
وذكر أشهب أنه لا يباع قبل أن يُستوفى؛ وهذا يقتضي عنده أنه مما يؤكل لأنه ما ليس بطعام لا يمنع من بيعه قبل قبضه في مذهبنا.
وأشار بعض المصنفين في نقله لهذه الرواية عن أشهب إلى أن مقتضى مذهبه إثبات الربا فيه مما يشير إلى سياق نقله للروايات، وقول أشهب: لا يباع قبل أن يستوفى، لا يتضمن كونه مما يمنع فيه الربا، إلا على رواية ابن وهب التي قدمناها، من أنه لا يمنع من بيع الطعام قبل استيفائه إلا أن يكون مما فيه الربا.

وبعض أشياخي مال إلى أن دهن اللوز لا يثبت فيه الربا لكونه عندنا لا يستعمل غالبًا إلا تداويًا.
وهذا بعيد عندي على أصل المذهب لأنه ربما كان الشيء قوتًا وإداما، ويترك في بعض البلاد الاقتيات به أو الائتدام لغلائه وعزّه، وإن كان مما يصلح عندهم قوتًا وإداما لو وجدوه، بل يؤثرونه على غيره.
وأما ما يختص باسم الدهن، في المعروف عندنا، كدهن الورد والبنفسج والياسمين، فإنها عندنا لا تتخذ للإدام بل للتداوي والعلاج، فتخرج بهذا عن حكم الأطعمة، عند بعض أشياخي، فيحل فيها التفاضل والنساء.
وللشافعية قولان: أحدهما: نفي الربا، والثاني: ثبوته، لأنه زيت 1 الجلجلان ولا تَعْلُق به سوى رائحة الورد أو البنفسج أو الياسمين، فلا يحل إلا مثلًا بمثل [على أن منهم من قال: لا تحل زيت الجلجلان مثلًا بمثل] 2 لأنه يستخرج بالملح فصار كجنسين مختلفين من طعام بيعا بمثلهما.
وأنكر أبو حامد الإسفراييني وقال: أن الملح يَبقى في الشرج.
وأما الدهن الذي ويتَدَاوى به ولا يكون طيبًا فمذهبهم أن الربا فيه لأجل رده الأجسام إلى الصحة من 3 الأقوات، كما تقدم في ذكر مذهبهم، كدهن الخروج ودهن اللوز المر.
وصنف واحد من الأدهان لا ربا فيه، لكونه ليس إداما ولا داوء، ولا طيبا، كدهن السمك.
هذا حكم الزيوت.
وأمّا حكم الأنبذة، كنبيذ التمر أو العنب، فإنه لا يحل التفاضل بين نبيذين أصلهما واحد، كنبيذي تمر أو نبيذي عنب.
وأمّا ما أصله مختلف، كنبيذ تمر ونبيذ عنب، ففيه عندنا قولان: المشهور أن ذلك صنف واحد.
وقال أبو الفرج: بل هما صنفان.

وأما الخلول فإنها صنف واحد عندنا، وأن اختلفت أصولها، كخل العنب أو التمر أو الزبيب، فلا يحل التفاضل إذا بيع بعضها ببعض، ويجوز بيعها مثلًا بمئل.
ووافقت الشافعية على جواز بيع خل الكُشْنَة 1 بمثله كيلًا بكيل مثله.
ومنعت من ذلك في خل التمر بالتمر 2 لكون خل التمر يصنع بالماء، فيختلف أحد التمر 3 باختلاف قلة الماء وكثرته.
والتفاضل في التمر حرام وكذلك التفاضل في الماء، على أحد القولين عندهم في إثبات الربا في الماء، وأما خل التمر بخل العنب فإنهما عندهم صنفان، كما أن أصوله صنفان.
وأما خل العنب بخل الغريث 4 فلا يباع أحدهما بالآخر: لكونهما تفرعا من أصل واحد، وكل ما فيه الربا فلا يجوز عندهم ما صنع بأصله، ولا المصنوعات بعضها ببعض، لاختلاف أجزاء الأصل.
وقد قال ابن القاسم في العتبية: إن النحل بالنبيذ صنف واحد لتقارب أمرهما؛ وأجرى النبيذ مع النحل مجرى الخلول، هذا مع أن النحل يطول أمره، ولهذا كان المشهور من المذهب جواز بيعه بالأصل الذي عمل منه، فيباع خل التمر بالتمر، ويباع خل العنب بالعنب، ولا يباع نبيذ العنب بالعنب ولا نبيذ التمر بالتمر.
وقد قال بعض الأشياخ منتصرًا لما حكيناه عن أبي الفرج في كون الأنبذة أصنافًا بخلاف الخلول، وعنده إذا كان النبي لا يجوز بيعه بأصله لقرب عهده، فكان حكمه حكم أصله، فكما لا 5 يجوز التفاضل بين العنب والتمر فيجوز التفاضل بين نبيذيهما.
وقد ذكر في ثمانية أبي زيد: لا يجوز بيع خل التمر بالتمر، ولا خل العنب بالعنب.
وأجرى ذلك مجرى نبيذ التمر، ولم يجعل الطول في الأزمنة يخرج النحل عن حكم أصله في منع بيعه به، بل يمنع

ذلك للمزابنة.
وهكذا ذكره في المدونة أن النبيذ والخل ليسا كزيت الزيتون وزيت الفجل، لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى.
وقال بعض الأشياخ يحتمل أن يريد هذا كون النبيذ والخل صنفًا واحدًا، كما قدمناه عن ابن القاسم.
ويمكن أن يريد أن الأنبذة وإن اختلفت أصولها صنف واحد، وكذلك الخلول، وإن اختلفت أصولها فإنها صنف واحد، ولم يرد أن النبيذ والخل صنف واحد.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: لثمرة النخيل حالات: يكون طلعًا، وبلحًا صغيرًا، وبلحًا كبيرًا، أو زهوًّا، أو بُسْرا، أو رطبًا، أو تمرًا.
فأمّا الطلع فإن الشيخ أبا إسحاق التونسي ذكر أن في المدونة ما يفهم منه أن الطلع ليس بطعام.
وفي هذا [ما] 1 يفهم منه أنه طعام يمنع الربا فيه.
وأما البلح الصغير فإنه ليس بطعام، بل هو صنف لا ربا فيه.
ولا يستبعد كون الطلع طعامًا، ثم ينتقل إلى كونه بلحًا صغيرًا فلا يكون طعامًا لاختلاف ما يركب الباري سبحانه من طعم ومنفعة.
وأما البلح الكبير فالمعروف من المذهب أن فيه الربا.
ووقع في مختصر ابن شعبان في بيع البلح الكبير بالبسر أو الرطب: تركُه أحبُّ إلى 2 أن يجوز.
ومال بعض أشياخي إلى هذا، لكونه لا يدّخر، فخرج بكونه غير مدخر عما فيه الربا.
وخرج الخلاف فيه من الاختلاف في إثبات الربا في العنب الشتوي، والبر 3 الشتوي، فمن نفى الربا فيهما فلكونهما لا يدخران، ومن أثبت الربا فيهما ألحقهما بالغالب من جنسهما وهو.
ما جد في الصيف فإنه يدخر وهو الغالب في هذه الثمرة.
وقد اختلف أيضًا في بيع الزيتون الذي لا يخرج منه الزيت بزيت الزيتون،

فالمشهور المنع، وأجازه ابن نافع.
وهذا أيضًا بناء على ما قدمناه من 1 لغالبه، وغالب الزيتون كون الزيت يخرج منه، ولا يجوز بيع الزيت بأصله الذي استخرج منه لما قدمناه.
وكذا يجري الأمر في بيع التين الشتوي بالصيفي، هل يراعى حكم نفسه، لكونه غير مدخر، أو يجري عليه حكم غالبه فيمنع التفاضل بسببه؟ ومن الغالب منه.
وأما الزيتون الذي لا زيت له فإنه يمنع فيه التفاضلَ كونُه مدخرًا، بخلاف التين الشتوي الذي لا يدخر.
وأما الرطب والبسر والتمر فإن التفاضل ممنوع في بيع شيء منها بنوعه.
فيمنع بيع البسر بالبسر متفاضلًا.
وكذلك الرطب بالرطب، والتمر بالتمر، وأما بيع الرطب بالتمر فقد اختلف الناس فيه.
مذهب مالك والشافعي المنع منه وإنما 2 تماثلا في الكيل.
ومذهب أبي حنيفة جواز البيع إذا تماثلا في الكيل.
وسبب هذا الاختلاف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم.
قال: "فلا، إذن" 3 فنبّه - صلى الله عليه وسلم - على أنه قدم إليهم منع الربا في التمر في الحال، فكذلك ينبغي أن يعتبر في المآل.
وقد علموا أن الرطب بالتمر، إذا بيع أحدهما بالآخر مثلًا بمثل، فإن الرطب إذا جفّ نقص عن مقدار التمر في الكيل، ونقصه في المكيل الحادث بعد النقد كأنه نقص موجود في حال العقد.
والمخالف يقول: قد قال عليه السلام: التمر بالتمر كيلًا بكيل.
وثمرة النخل تسمى تمرًا في اختلاف أحوالها، وإن خصت بعض الحالات باسم رطب أو بسر، كما أن الصبى والشاب والكهل والشيخ إنسانٌ، وإن اختص بعض شيء من عمره باسم شاب وكهل.
ويبين هذا أن الرطب بالتمر بينهما تفاضل في جنس العقد لا يجوز باتفاق إذا تحقق الفضل في

الحال.
والمآل أن الرطب يسمى تمرًا لما منع التفاضل بينه وبين التمر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أجناسًا فيها البر والشعير والتمر، وقال في آخر الحديث المتقدم ذكره فلولا أن الرطب تمر لم يمنع التفاضل بينه وبين التمر، كما لا يمنع التفاضل بين التمر والبر، لكونه عليه السلام خص كل واحد منهما باسمه.
ويدفعون عن التعلق بحديث "أينقص الرطب إذا يبس"؟ بأن يقولوا: الحديث الصادر بإباحة بيع التمر بالتمر كيلًا بكيل معلوم صحته لكثرة رواته، لأن الأمة تلقته بالقبول، وعملت بموجبه لأجله، والحديثُ المذكور فيه نقص الرطب إذا جفّ، خبرُ واحدٍ يظن صحته ظنًا، فلا يوازن بصحة الحديث المقطوع بصحته.
وأيضًا فإنه زيادةٌ على قوله "التمر بالتمر كيلًا بكيل"، والزيادة على النص نسخ، ولا ينسخ مقطوع به بمظنون.
وندافعهم نحن عن هذا بأن هذا ليس بنسخ، إذ لا منافاة بينه وبين قوله في التمر بالتمر كيلًا بكيل، بل هو بيان حكم واحد، وهو اعتبار المساواة التي علق الإباحة بها في المآل، كما يعتبر في الحال، لا سيما إذا قلنا بالطريقة التي قدمناها في كلامنا على علة الربا، أن قوله: "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل" الحديثَ إنه نَهْيٌ عامّ على سائر أحوال بيع البر بالبر، إلا ما ثبت فيه المساواة التي جعلها سببًا للتخلص مما حرم، فيكون الأصلُ المنعَ إلا ما استثناه دليل، ولم يستثن الدليل إلا ما تساوى في الحال والمآل، على ما أفاده تنبيهه عليه السلام "أينقص الرطب إذا جفّ" وقد علمنا على هذا أن التحليل عند المساواة هنا رخصة؛ لأن العلة الطعم أو القوت، وهما موجودان حال المساواة، فصارت الإباحة المعلقة كالرخصة، لأجل الحاجة إليها، والحاجة إنما تعلق عند الجفاف وإمكان الإدخار وتكامل الصنعة، فوجب تعليق المساواة بحالة الكمال التي تكمل بها المنافع، وتتحقق الحاجة حينئذ إلى الرخصة.
وهم يقابلون هذا بأن يقولوا: علّق التحليل بالمساواة، وإنما تمكن

الإنسان 1 المساواة ها هنا حال العقد، وبحال العقد تتعلق الأحكام ويتوجه الخطاب.
وأما اعتبار المساواة بين الرطب والتمر إذا جف الرطب فلا يتصور لأنه إذا جف صار تمرأولم يكن رطبًا، وإذا لم يكن رطبًا استحالت المساواة حينئذ بين التمر والرطب.
ولا يُنقَضُ هذا بمعنى بيع القمح بالدقيق كيلًا، لأنا لم نمنع ذلك اعتبارًا بما يحدث في المآل من زيادة في الكيل، لكن لكون الإنسان مخاطبًا في بيع الحنطة بالحنطة بالمساواة قبل أن يطحن، فإذا طحن فقد منع نفسه من إمكان المساواة، فصار هو الذي جنى على نفسه في منع قدرته على المساواة، فلم يرخص له في هذا.
والرطب بالتمر لا اكتساب له في نقص أو زيادة ولا جناية وقعت منه، فحسن الترخيص له، مع أنا قدمنا أن الرطب يُسمّى تمرًا، فدخل في عموم قوله عليه السلام في البرّ "كيلًا بكيل" والدقيق لا يسمّى برًا، فلم يدخل في عموم قوله "البر بالبر كيلًا بكيل" مع كون الدقيق هو أجزاء الحنطة التي تعلق بها الربا، ولكنها مفترقة، وأجزاء البر الذي لم يطحن مجتمعة، قبل حكم الربا فيهما على ما كانا عليه قبل الطحن.
وأما بيع الرطب بالرطب فإن المشهور عندنا جوازه.
ومنع منه عبد الملك بن الماجشون والشافعي، ذهابًا إلى أن الرطب إذا بيع برطب اختلف بعضها عند الجفاف، وقد ورد الشرع باعتبار المماثلة.
وكذلك المذهب عندنا على قولين في بيع جديد التمر بقديمه.
ومال بعض أشياخي إلى المنع من بيع الرطب بالرطب لاختلاف نقصه في المال، إذا كان جُني من صنفين من أنواع التمر.
وأما إن كان جني من صنف واحد فإن النقص فيه يتماثل.
وهذا المعنى الذي أشار إليه صحيح إن سلم له أن مَا جني من صنف واحد تساوَى نقصه، ولا يختلف لاختلاف ما باشرفه الشمس وكادت أن تنضجه، وما لم تباشره فتبقى رطوبته على الكمال.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى أن الرطب فيه أجزاء تمرية مازجها أجزاء من الرطوبة الحلوة، فصار هذا

تعاوضًا بجنسين عن جنس قبلها، لكون هذه الأجزاء التي انضافت إلى الأجزاء التمرية لما كانت هي المرادة والمقصودة في حال رطوبة هذه التمرة، وجب أن يكون للرطب حكم الجنس.
وكذلك يمنع عندنا بيع قصب السكر بعسله أو برُبّه الذي لم يدخله ابزار.
ويمنع من بيع عسله بربه لأجل المزابنة التي قدّرناها في بيع الرطب باليابس.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: اللحم فيه الربا، لأنه مما يقتات ويحفظ الحياة ويؤتدم به، ومما يمكن ادخاره بالتجفيف.
لكن المقصود في عادة الاستعمال أكله طريًا، اقتياتًا وائتدامًا، إيثارًا لما هو أشهى وأعذب في الطباع، مع كونه في نفسه صالحًا للإدخار.
وما تساوى جنسه حَرم فيه التفاضل.
فاللحوم عندنا ثلاثة أصناف، فتعلق به 1 الربا.
وقد قدمنا أن ما اختلفت أجناسه من الربويات حل فيه التفاضل.
فذوات الأربع صنف واحد، وحشيّها وإنسيّها، صغيرها وكبيرها، لا يجوز فيها التفاضل، فيمنع بيع شيء من لحمها بلحم الإبل أو الغنم أو الظباء أو الأرانب، متفاضلًا، ولا يجوز إلا مثلًا بمثل.
والصنف الثاني: ذوات الريش، وهي صنف واحد، داجنها وشاردها، صغيرها وكبيرها.
فيمنع من بيع شيء من لحم الدجاج بأكثر منه من لحم الحمام أو العصافير أو الإوز أو غير ذلك من سائر أنواع الطير.
والصنف الثالث: داوب الماء فيمنع بيع شيء من أصناف الحوت بأكثر منه من صنف آخر، تساويا في الجرْم أو الطعم، أو اختلفا، فيمنع بيع المتن أو القلقط، بالصند أو اللجمي 2، متفاضلًا.

وأما الجراد فإنه صنف رابع والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلًا جائز، وهكذا ذكر ابن المواز عن أشهب، وذكر ابن حارث عن سحنون أنه يمنع بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وإلى هذا مال بعض أشياخي، ورأى أنه مما يدخر.
واختلف قول الشافعي فذهب إلى أن جميع اللحوم على اختلاف أنواعها صنف واحد، وذهب أيضًا إلى أنها أصناف شتى، فلحم الإبل صنف، ولحم البقر صنف، ولحم الضأن صنف، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومنع ابن حنبل من بيع اللحم الطبري بمثله، واشترط في جواز البيع أن يكونا جميعًا جافين، فيجوز البيع حينئذٍ، مثلًا بمثل لا تفاضل بينهما.
وكأنه رأى اللحم إن كان طريًّا كالرطب.
وقد نبهنا نحن فيما مضى على أن المقصود في اللحم طراءته، والمقصود منه (إذا بيع التمر أو بيع بمثله على القول بالمنع من بيع رطب برطب بمثله) 1. واعلم أنا قدمنا أن المعتبر في الجنسية تقارب المنفعة والأغراض.
ومن اعتقد خلاف ذلك في لحم البقر مع لحم الضأن أو البقر 2 عدهما جنسًا، كأحد قولي الشافعي، ومن رأى تقاربهما في المنفعة والغرض عدهما جنسًا واحدًا، كما ذهب إليه مالك.
وأما أحد قولي الشافعي فإن اللحوم كلها صنف واحد 3 في الاختلاف، فإنه اعتبر اشتراكها في تسمية لحم اسم خاص بجميعها يتناول جميع أنواعهما.
بخلاف تسمية أجزاء الثمر ثمرًا لأن لكل ثمر اسمًا يخصها كعنب وتسعين ورمان وتفاح، وليس لكل نوع من اللُّحمان اسم يخصه، وإنما يميَّز بإضافته هذه التسمية إلى تسمية أخرى، فيقال: لحم بقر أو لحم إبل.
وأما الجراد فإن فيه اختلافًا في الموازية أن التفاضل في بيع بعضه ببعض

جارٍ التحميل