شرح التلقينصفحات 156-195
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 156-195

التفريق قليلًا.
فأبان بما أورد أن القليل معفو عنه.
وأشار إلى طريقة سلكها أيضًا بعض المتأخرين، وذلك أنهم 1 قالوا إن الذي قصر ماؤه عن إتمام طهارته فإنه إن اعتد 2 منه في أول أمره قدر الكفاية بإهراق بغير تفريط منه فإنه يلحق بحكم الناسي لأنه مغلوب كالناسي.
وإن اعتد من أول أمره 3 دون كفايته من الماء لحق بأحكام المتعمد لتفريطه.
فأشار إلى هذا بقوله أن التفريق يفسده مع التعمد أو التفريط.
فلأجل هذه الفوائد أضرب عن الإجمال وعدل إلى التفصيل.

قال القاضي رحمه الله فأما بيان سننه: فمنها غسل اليد 4 قبل إدخالها في الإناء، وذلك من سنة الوضوء لكل طاهر اليد مريد للوضوء بأي نوع كان انتقاض وضوئه من الأحداث وأسبابها، من بول أو غائط أو ريح، أو نوم من ليل أو نهار، أو لمس، أو مس فرج أو كان مجددًا 5.

قال الإِمام رضي الله عنه يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة منها أن يقال: 1 - لم قيد قوله بأن غسل اليد سنة لكل طاهر اليد؟.
2 - وما وجه تفصيله للأحداث؟ 6 وأسبابها؟ 3 - وما معنى التنبيه على نوم النهار؟.
4 - وما وجه غسل اليد؟.
5 - وكيف صفة غسلها؟.
6 - وكم مقدار عدد غسلها؟.

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إفما قيد بقوله طاهر 7 اليد، لأن

من كان نجس اليد فغسل يديه واجب، إذا كان الماء الذي أعده لوضوئه قليلًا.
هذا على طريقة من قال من أصحابنا أن الماء القليل تنجسه النجاسة القليلة.
ويمنع من الاعتداد بالوضوء به.
فعلى هذه الطريقة يكون غسل اليد واجبًا، لأن بغسل يده يتوصل إلى صحة 1 وضوئه.
فقيد رحمه الله قوله، بذكر طاهر اليد احترازًا من هذا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما ذكر الأحداث وأسبابها؛ لأن من الناس من قصر الحديث على ما ورد عليه.
ورأى أن غسل اليد واجب عند القيام من النوم دون غيره من الأحداث وأسبابها.
فأخبر 2 رحمه الله أن مذهبه المساواة بين الأحداث وأسبابها.
وأن النوم إنما خص بالذكر في الحديث لينبه به على بقية أسباب الحدث، والحدث نفسه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما ذكر نوم النهار لأن من الناس من ذهب إلى أن غسل اليد، إنما يجب من نوم الليل خاصة لقوله عليه السلام: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" 3. والمبيت إنما يكون ليلًا.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما وجه غسل اليد ففيه قولان: أحدهما أن ذلك على وجه النظافة وتحرزًا من نجاسة يمكن أن تكون علقت بها.
ولهذا قال بعض أصحابنا لو انتقض وضؤوه وهو قريب عهد بغسل يده فإنه لا يؤمر بإعادة غسلها إذا تحقق طهارتها لزوال العلة المتعلق بها الحكم.
وقد علل عليه السلام غسلها بما قلناه وذلك أنه قال: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
والثاني أن ذلك على وجه العبادة الغير المعللة.
ولهذا قال بعض أصحابنا عليه أن يعيد غسل يديه في السؤال الذي فرضناه؛ لأن غسلهما تعبد غير متعلق بعلة تزول بزوالها.
لأنه عليه السلام قيد غسلهما بعدد.
وغسل النجاسة غير مقيد 4 بعدد.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما صفة غسلهما فإنه يتخرج على القولين المذكورين 1. وذلك أنا إذا قلنا أن غسلهما على جهة التعبد الغير معلل، فإن صفة غسلهما: أن تغسل كل يد على حيالها 2. لأن صفة التعبد في غسل الأعضاء هكذا.
ألا ترى أنه لا يشرع في غسل عضو حتى يستكمل غسل ما قبله 3. وإلى هذا أشار بعض أصحابنا في صفة غسلهما.
وهو ظاهر حديث ابن زيد ذكر 4 في صفة وضوئه عليه السلام: أنه غسل يديه مرتين مرتين 5. وإفراد كل واحدة بالذكر يدل على إفرادها 6 بالغسل.
وإن قلنا أن غسلهما معلل بما قدمناه حسن أن يغسلا معًا لأنه أبلغ في المراد من تنظيفهما.
هكذا ذكر بعض شيوخنا.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما مقدار عدد غسلهما فقد أشار بعض أصحابنا، إلى غسلهما مرتين أخذًا بحديث زيد المتقدم.
وأما على الحديث الآخر فالمختار ثلاثًا لقوله: "فليغسلهما ثلاثًا" 7 ولأنه القدر الذي تتعلق به الفضيلة في سائر أعضاء الوضوء المغسولة.

قال القاضي رحمه الله: وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة، وهو المضمضة، وصفتها أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه.

وأما تطهير داخل الأنف فإنه سنة.
وصفته: أن يجذب الماء بخياشيمه 1 وهو الاستنشاق.
ويستحب له المبالغة فيه إلا في الصوم.
وأما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن فسنة.
ويستوفي جميعه بالغسل.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما وجه القول بأن المضمضة والاستنشاق سنتان؟.
2 - وما المختار في صفة غسلهما؟.
3 - ولم جعل غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن سنة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
فمن الناس من أوجبهما، لأنه رآهما من الوجه.
وقد أمر الله تعالى بغسل الوجه.
وهما جزءان منه، فوجب أن يغسلا معه.
ومن الناس من لم يوجبهما، لأن المواجهة لا تقع بهما.
وإذ لم تقع بهما لم يكونا من الوجه، وإذا لم يكونا منه لم يجب غسلهما لقوله عليه السلام: "توضأ كما أمرك الله".
وليس هما مذكوران فيما أمر الله به في القرآن.
ومن الناس من أوجب الاستنشاق دون المضمضة لأن باطن الأنف يواجه دائمًا بخلاف باطن الفم.
ومن أسقط وجوبهما وهو مذهب أصحابنا، فإن غسلهما عنده سنة.
وهو المشهور من مذهبنا لأنه عليه السلام واظب على غسلهما ومضى العمل بذلك من المسلمين.
وهذا يدل على تأكدها 2 فألحقا بالسنن.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن غسلهما فضيلة وهذا راجع إلى اختلاف في عبارة.
لأنا قدمنا حقيقة السنة والفضيلة.
وأخبرنا أن اختلاف هاتين التسميتين راجع إلى اختلاف الأجور.
لا سيما والذي ذهب من أصحابنا إلى أن غسلهما فضيلة، أخبر أن السنن عنده، هي التي يمنع تركها من أن يعتد 3

بالعبادة.
فلما كان المضمضة والاستنشاق لا يفسد تركهما العبادة لم يعدا عنده سنة.
ونحن لا نخالفه في أن تركهما لا يفسد العبادة، ولكنا لا نقصر هذه التسمية على ما قصرها عليه.
لأن ذلك مما لم توجبه لغة ولا اصطلاح.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما صفة غسلهما فاختلف الناس فيه.
فمنهم من قال: المختار أن يغسل الفم ثلاثًا بثلاث غرفات 1 ثم من بعده يغسل الأنف كذلك.
لأنهما عضوان متميزان.
فيميز كل واحد منهما بالغسل عن صاحبه.
ويكرر فيه من العدد ما يكرر في كل عضو.
ومن الناس من ذهب إلى أن يغسلا معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة.
لأنهما عنده كعضو واحد فجمعا في الغسل معًا.
واقتصر على غرفة واحدة فيهما، لورود الخبر بها 2. ومن الناس من ذهب إلى أن يجمعا معًا 3 ولكن بثلاث غرفات؛ لأنهما عنده كعضو واحد كما قدمنا.
ولكن من حكم العضو الواحد أن يتكرر فيه أخذ الماء.
ولورود الخبر بأنه تمضمض واستنشق بثلاث غرفات 4.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن 5. فقد قدمنا أن فيه اختلافًا هل هو من الوجه فيجب غسله، أو ليس منه فلا يجب غسله؟ وذكرنا وجه القولين.
وأما إثبات غسله سنة.
فقد تعقبه بعض 6 شيوخنا على القاضي أبي محمَّد.
وأنكروا قوله فيه ها هنا، وقالوا إن كان عنده من الوجه فغسله واجب لا سنة.
وإن كان ليس من الوجه 7 فغسله غير واجب.
ولا معنى لعده سنة كالقفا.
وهذا الذي قالوه صحيح.
وأمثل ما اعتذر به عنه رحمه الله أن يقال: لعله عثر في بعض الأخبار على ما يقتضي

غسله، وثبت عنده أنه ليس من الوجه فحمل ما عثر عليه 1 أنه سنة أو يكون شك في كونه من الوجه فلم يوجب غسله بالشك استصحابًا لبراءة 2 الذمة.
ولكنه لما جاز أن يكون مرادًا بالخطاب وداخلًا 3 في الظاهر أمر بغسله ليخرج من الشك وليسلم من الاختلاف.
وعبر عن ذلك بأنه سنة.
لأن السنة عبارة عنده على 4 ما لا يجب فعله، ولكنه يعظم الأجر فيه، ويشتد التحريض عليه.
وهذا المعنى موجود في غسل البياض فأعار 5 هذه التسمية.

قال القاضي رحمه الله: وأما الأذنان فيستحب استيفاؤهما بالمسح، ظاهرهما وباطنهما.
وإدخال الأصابع 6 إلى الصماخين.
وقد بينا القول في الرجلين.
وأما بيان الترتيب المسنون فهو أن يبدأ بعد النية فيسمي 7 ويغسل يديه قبل إدخالهما الإناء.
ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم ليستنثر 8، ثم يغسل وجهه.
يبدأ من أعلاه، ثم يمنى يديه، ثم يسراهما من أطراف الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح بالرأس على الصفة المتقدمة 9، ثم الأذنين 10 ثم يغسل 11 يمنى رجليه ثم يسراهما.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - هل يستأنف الماء في مسح أذنيه أم لا؟.

2 - وهل الترتيب واجب أم لا؟.
3 - وما الحكم فيه إن تركه؟.
4 - وهل حكم غسل الأعضاء معًا بمنزلة عدم الترتيب؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف أصحابنا في ذلك، فالجمهور على أن 1 استئناف الماء لمسح الأذنين مشروع.
وقال ابن مسلمة: إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله 2. فأما القول باستئناف الماء فمبني على أن مسحهما سنة.
وإنهما عضوان منفردان عن الرأس شرع مسحهما، فوجب أن يختصا بماء يؤخذ لهما قياسًا على سائر الأعضاء.
وأما القول بإسقاط ذلك فمبني على أنهما جزء من الرأس فلا يشرع تخصيصهما بماء قياسًا على سائر أجزاء الرأس.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الترتيب في الوضوء فاختلف فيه: فقيل واجب، وقيل سنة، وقيل مستحب، فوجه القول بوجوبه أن الله سبحانه أمر بغسل أعضاء مخصوصة عطف بعضها على بعض بالواو.
والواو توجب الترتيب على ما ذكره الفراء وغيره من أهل اللغة.
فوجب الترتيب لذلك.
وأيضًا فإن من شأن العرب إذا ذكرت جملًا متجانسة فإنها لا تفرق بينها لمخالف لها إلا لغرض 3. ولهذا لا يقولون ضربت زيدًا وأكرمت عمروًا وضربت بكرًا وإنما يقولون ضربت زيدًا وبكرًا وأكرمت عمروًا.
فلما ذكر الباري سبحانه غسل اليدين والرجلين وفرق بينهما بمسح الرأس وهو مخالف لهما، دل على أنه لم يفرق بينهما بمسح الرأس إلا لأن ذلك موضعه الذي لا يجزئ فعله إلا فيه.
وأيضًا فإن عادة العرب إذا ذكرت الشيء إنما تعطف عليه الأقرب 4 إليه.
ومعلوم أن الرأس أقرب إلى الوجه من اليدين إليه.
فلما ذكر الله سبحانه اليدين بعد

الوجه مع بعدهما منه، دل ذلك على أن ذلك موضعهما الذي لا يجزئ إيقاع الفعل إلا عليه.
وأيضًا فإنه عليه السلام توضأ ورتب على حسب ما ورد به القرآن، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" 1. وهذه إشارة إلى الفعل وترتيبه 2. فاقتضى ذلك وجوب الترتيب.
وأيضًا فإنها عبادة يبطلها الحدث، فوجب أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
ووجه القول بأنه سنة.
أن الواو لا توجب الترتيب.
وإنما أصل موضوعها الجمع والاشتراك.
وهذا هو 3 المشهور والمنصوص في كتب النحاة.
وإذا لم تقتض الترتيب، لم يكن في الآية دليل على الوجوب.
وأما تفرقته سبحانه بين المغسولين بذكر الممسوح فإنما ذلك لأن المسح في معنى الغسل وكالمجانس له.
وقد قدمنا أن بعض أهل اللغة سمى 4 الغسل مسحًا.
وذكرنا عن بعضهم أن المسح خفيف الغسل.
وهذا يحسن معه الفصل بين المغسولين بذكر الممسوح.
وأما ذكره الرأس بعد اليدين وهو أقرب إلى الوجه، فإنما ذلك لمجانسة حكم الوجه واليدين في أنهما مغسولان.
ولأن الرأس يشارك الرجلين في بعض الأحكام وهو سقوطه مع الرجلين في التيمم، فحسن تأخير ذكره لذلك.
وأما قوله عليه السلام: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
فإن ذلك إشارة إلى الفعل لا إلى ترتيبه 5، ومن زعم أنه إشارة إليهما فعليه الدليل.
وأما قياس الوضوء على الصلاة فإنه غير مسلم لأن الوضوء وإن شارك الصلاة في أنهما يبطلان بالحدث، فقد فارق الصلاة في أحكام كثيرة.
فليس

لأحد أن يجعل الوضوء كالصلاة لاجتماعهما في حكم، إلا وللآخر أن يجعله بخلافها لافتراقهما في أحكام.
وأيضًا فإن رد الطهارة إلى طهارة أولى من رد طهارة إلى صلاة 1. فلو ابتدأ المغتسل من الجنابة بأسفل بدنه على خلاف ما ورد به الخبر في صفة الغسل لأجزأه.
وإن كان بعض أصحابنا حكى في ذلك اختلافًا.
لكن الجمهور من الموجبين للترتيب في الوضوء على سقوط الترتيب في الغسل.
وقد قال ابن الجهم من أصحابنا قد أجمع على أنه لو بدأ في غسل ذراعيه بالمرافق لأجزأه، وإن كان قد خالف ظاهر القرآن، لأن الله سبحانه جعلهما نهاية، وهذا جعلهما بداية.
فإذا أجزأه ذلك مع مخالفته الظاهر أجزأه مخالفة الترتيب أيضًا.
وإذا ثبت سقوط الوجوب بهذا الذي ذكرناه، وكان المنقول عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه توضأ على حسب ما ورد به القرآن.
وتكرر فعل ذلك منه اقتضى ذلك أنه سنة.
ووجه القول بأنه مستحب ما كنا أشرنا إليه.
وذلك 2 أن ابن خويز منداد قال: كل ما لا تفسد الطهارة بتركه فليس سنة، وإنما هو مستحب.
والترتيب عنده لا تفسد الطهارة بتركه، فكان مستحبًا.
وقد قدمنا الكلام على هذه الطريقة.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إن ترك الترتيب وصلى بوضوء غير مرتب فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة إلا أن يتعمد ترك الترتيب، فيختلف في ذلك على الاختلاف 3 في ترك السنن تعمدًا.
والإعادة وإن كانت غير واجبة فإنا نأمره بها على وجه 4 الندب كما نأمره بذلك في ترك السنن.
وأما على القول بأنه مستحب فإنا لا نأمره بإعادة الصلاة، ولكنا نستحب له إعادة الوضوء مرتبًا 5، ونأمره به ويكون الأمر به، أخفض من الأمر في الرتبة إذا قلنا أنه سنة.
وإذا

أوجبنا إعادة الوضوء مرتبًا فكيف وجه ترتيبه؟ لا يخلو ذلك من قسمين أحدهما أن يذكر ذلك بالقرب والثاني أن يذكره بالبعد.
فإن ذكره بالقرب بني على الوضوء الذي يحصل 1 الترتيب دون إعادته.
مثل أن يبدأ بغسل رجليه ويختم بغسل وجهه، فإنه لا يعيد غسل وجهه بل يبني عليه ويعيد ما سواه مرتبًا.
لأنه متى فعل ذلك بالقرب حصل الوضوء متواليًا مرتبًا فلم يبق عليه أمر يتطلبه.
فإن ذكره بالبعد وقد تعمد ترك الترتيب ابتدأ الوضوء من أوله.
لأنه إن بني على العضو الذي يصح الترتيب دونه أحل بالموالاة بين ذلك العضو وما بعده، وقد كان أصل إخلاله بذلك تعمدًا.
والإخلال بالموالاة على جهة العمد يمنع من صحة الوضوء على الطريقة المشهورة عند الجمهور من أصحابنا.
وإن لم يتعمد ترك الترتيب ولكنه أحل بالترتيب ناسيًا فليس عليه إعادة 2 الوضوء بل يبني على العضو الذي يصح الترتيب دونه.
فإن أفسد الترتيب بتقدمة الذراعين على الوجه خاصة، فهل يؤخر ما قدم خاصة؟ أو يؤخر ما قدم ويعيد ما يليه؟ اختلف في ذلك.
فقال ابن القاسم: يؤخر ما قدم خاصة إذا ذكر بالبعد لأن منه دخل الخلل فإذا أصلحه زال الخلل وصح الترتيب.
وقال ابن حبيب بل يؤخر ما قدم ويعيد ما يليه لأنه إذا أخر ما قدم صار ما يليه مغسولًا قبل هذا الإصلاح.
فلم يصح الترتيب إلا مع إعادة ما يليه.
وقد اعترض أبو إسحاق مذهب ابن القاسم بما وجهنا به مذهب ابن حبيب، من أنه إذا غسل ذراعيه آخرًا، واقتصر على ذلك صارت طهارة الذراعين والرجلين المتقدمة سابقة لغسل الذراعين المعاد 3، فإن أعاد غسل الذراعين بالترتيب بينهما وبين الوجه أفسد ذلك الترتيب بينهما وبين الرأس وما بعده.
فلا وجه للاقتصار على فعل ما يصلح من جهة ويفسد من أخرى.
وانفصل عن هذا الاعتراض بعض حذاق الأندلسيين بأن طهارة الرأس والرجلين قد حصل لهما

الإجزاء والكمال لأنهما لم يطهرا إلا بعد الوجه والذراعين، فلا معنى لإعادتهما، وإنما يعاد غسل الذراعين خاصة ليحصل بإعادته وترتيبه بعد الوجه رتبة الكمال وقد حصل بغسل الذراعين مرتين 1 رتبة الإجزاء والكم الذي جميع الطهارة.
فلا معنى لأمر المكلف بزيادة على ذلك.
وهذا الذي انفصل به، مما يروق.
ولكنه يعترض عليه عندي.
لأن ابن القاسم وافق مذهب ابن حبيب في تأخير ما قدم وإعادة ما يليه إذا ذكر ذلك بالقرب.
ورتبة الكمال والإجزاء التي أشار إليها هذا الرجل لا يختلف فيها الحال في القرب والبعد.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما إذا أمر المتوضئ أربعة رجال: طهروا أعضاءه الأربعة معًا.
فقد قال بعض من أوجب الترتيب أن ذلك بمنزلة عدم الترتيب لأن كل عضو لما طهر مع العضو الذي من حقه أن يتقدمه فقد أسقط الترتيب فيه فوجب أن يلحق بحكم من لم يرتب.

قال القاضي رحمه الله: وأما 2 فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب إلا أن يكون صائمًا فيكره له الأخضر خيفة أن يصل طعمه إلى الحلق فيفطره.
فإن لم يجد شيئًا فإن إصبعه يجزئه.
وأما التكرار ففضيلة في المغسول دون الممسوح.
فيكرره مرتين أو ثلاثًا.
والثلاث أفضل من الإثنين.
وما زاد على الثلاث سرف ممنوع منه.
والمرة هي الفرض.
ولا فضيلة في تكرار مسح الرأس ولا الأذنين.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لم استحب السواك؟.
2 - وما وجه نفي الفضيلة في تكرار الممسوح؟.
3 - وما معنى المسحة الثانية في الرأس إذا كان لا فضيلة في التكرار؟.
4 - ولم قيل: أن الواجب غسل العضو مرة؟.

5 - ولم قيل أن الزائد على الثلاث ممنوع؟.
6 - وهل ينوي فيما زاد على الوجوب مجرد الفضيلة أم لا؟.
7 - وإن 1 نوى مجرد الفضيلة وكان أحل في الأولى ببعض العضو هل تجزئه الفضيلة عنه أم لا؟.
8 - وهل ينهى من 2 شك في إيقاع الثالثة عن إيقاعها مخافة أن تكون رابعة أم لا؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقلل: إنما استحب السواك على الجملة لأنه - صلى الله عليه وسلم - فعله وأمر به.
واستحب فعله في الطهارة لما كان أصل وضعها للتنظيف وأريد إكمال التنظيف بفعل السواك فيها.
واستحب عند الصلاة 3 إذا بعد ما بين الوضوء والصلاة.
لأن الإنسان يناجي ربه فاستحب أن يناجيه طيب الفم.
وقد روي: صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك 4.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما لم يكن في تكرار الممسوح فضيلة؛ لأن أصل المسح التخفيف.
والتكرير تثقيل.
فلما 5 تنافى موضوعهما تنافيا.
على أن أكثر الأحاديث المنقول فيها صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل فيها التكرار 6 إلا في المغسول فوجب قصر الفضيلة عليه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما المسحة الثانية فأنها وإن كانت ثانية في ظاهر المشاهدة، فإنها ليست كذلك على رأي بعض أصحابنا.
وذلك أن المختار عندهم في صفة مسح الرأس أن يمضي بأصابع يديه على وسط رأسه ويرفع كفيه عن جانبي رأسه فإذا بلغ إلى مؤخره أعاد كفيه على

جانبي رأسه رافعًا أصابعه عن وسط رأسه.
وهذا لا يحصل معه المسح إلا مرة واحدة.
ومن أصحابنا من اعتذر عن المرة الثانية بأنها لما لم 1 يستأنف لها أخذ ماء كانت مع الأولى في حكم المرة الواحدة.
ولهذا جعلها من ذهب إلى إثبات الفضيلة في تكرار الممسوح مرة واحدة، واستحب أن يأتي بعدها باثنتين على صفتها.
ومن الناس من اعتذر عن ذلك بأن المسحة الأولى يمر بيديه على باطن شعر مقدم رأسه وظاهر مؤخره.
فإذا ردهما رجع بالعكس من ذلك، فإنه 2 أتى بالثانية ليستوعب مسح ظاهر الشعر وباطنه.
وإن عورض هؤلاء بمن لا شعر على رأسه، قالوا: نلحقه بمن على رأسه الشعر ليستوي حكم الناس في صفة الطهارة.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما اقتصر في الوجوب على مرة واحدة لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 3. فأمر بالغسل مطلقًا غير مقرون بعدد.
والأمر المطلق يحمل على مرة واحدة إذا تجرد من القرائن عند جماعة من أهل الأصول.
وقد أضاف هذه المقالة في هذا الأصل بعض أصحابنا لمالك رضي الله عنه 4 لما احتج في الاقتصار على مرة واحدة بهذه الآية.
وأيضًا فأنه عليه السلام توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" 5. وقد كره مالك 6 مع هذا، الاقتصار على مرة 7 واحدة.
وذلك لأنه قال الوضوء مرتان مرتان.
قيل له فواحدة واحدة! قال لا.
وهذا وإن كان ظاهره إيجاب المرتين، فإن محمله 8 على المبالغة منه في التشديد في أن لا يقتصر على الواجب، والتحضيض على 9 أن يؤتى بالفضيلة.
ولأن العامة لا

تكاد تستوعب العضو في مرة واحدة.
وقد صرح بهذا المعنى في رواية أخرى فقال: لا أحب الواحدة إلا من عالم وهذا تنبيه منه 1 على أن العامة لا تكاد تستوعب بمرة واحدة فاحتاط لهم بأن أمرهم بالزيادة عليها.
وأخرج العالم من ذلك، لمعرفته بما يأتي ويذر من ذلك.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما منع الزيادة على الثلاث فلقوله عليه السلام: فمن زاد عليها فقد تعدى وأساء وظلم 2. ولأنه عليه السلام توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به 3. وتوضأ مرتين مرتين وقال من توضأ مرتين مرتين أتاه الله أجره مرتين وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي وضوء إبراهيم عليه السلام 4 وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - تنبيه على نهاية الفضيلة في هذا.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الظاهر من مذهب الجمهور أنه ينوي مجرد الفضيلة فيما زاد على قدر الوجوب وهذا هو الأصل.
لأنا إذا كنا أخبرنا بأن 5 الواجب قد امتثل، وأتي به.
لم يبق إلا أن تكون الزيادة عليه فضيلة.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: ينبغي أن لا ينوي به مجرد الفضيلة، لكن ينوي 6 أنه إن كان أخل من الأولى بشيء كان غسله في المرة الثانية هو الواجب عليه.
وإن لم يكن أخل كانت فضيلة مجردة.
وهذا 7 على وجه الاستظهار والاحتياط.

والتحقيق ما ذكرناه أولًا.
وذلك إنا إنما نثبت 1 الفضيلة بعد تيقن حصول الواجب والعلم بأنه قد 2 أتى به.
وإذا كان متيقنًا بحصول الواجب وعالمًا بأنه قد أتى به فيستحيل أن يتشكك في ذلك في حال علمه به 3 لأن الشك والعلم ضدان لا يجتمعان باتفاق العقلاء.
وإن كان لم يتيقن أنه أتى بالواجب فإنه مطلوب به ولا يمكن أن نأمره 4 بفعل الفضيلة والواجب باق عليه.
وهذا واضح على أنه لو صحت هذه الطريقة وأتى بالثانية على وجه التشكك الذي ذكروه فإنه إن تيقن بعد ذلك أنه أبقى في الأولى شيئًا فإن في اعتداده في ذلك بهذه الغسلة التي أوقعها على هذه الصفة اختلافًا في المذهب متى أوقعها، ولم يخلص فيها نية الوجوب، ويجردها من نية الاستظهار.
وقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا أيضًا إلى أنه يوقع الثانية بنية إكمال الفرض لا بنية الفضل المجرد.
وشبّه ذلك بما قاله من تقدم من أئمتنا فيمن صلى وحده فإنه إذا أعاد في الجماعة، فإنه لا يعيد بنية الفضل 5 المجرد.
وهذا التشبيه عندي غير صحيح.
لأن الله سبحانه فرض الصلاة على المكلف.
وخيره بين أن يوقعها وحده وبين أن يوقعها في جماعة.
وأخبر مع هذا التخيير أن إيقاعها في جماعة أفضل عنده وأقرب إليه.
فإذا أوقعها المكلف وحده وأعادها في الجماعة، صح أن يقصد إلى تحصيل صفة، إيقاع الفرض عليها أكمل وأفضل، وهي الجماعة.
ولكن هذه الصفة لا يمكنه تجديدها وإيقاعها متميزة عن نفس الصلاة، فأعاد نفس الصلاة لتحصيل هذه الفضيلة التي لا تتميز من الصلاة.
ولو أوقع الصلاة في أول مرة على هذه الصفة لم يبق له فضل يطلبه ويقصد إليه.
والمرة الأولى مستقلة بنفسها، ومتجردة عن الثانية، والفرض قد كمل بإيقاعها.
وليست المرة الثانية بصفة لها غير متميزة عنها ومتجردة منها، فيقال أن القصد بالثانية

إعادة الأولى، فيحصل لها صفة لم تكن قبل.
بل الأولى 1 على حال واحدة لا يختلف وضعها أوقع بعدها غسلة أخرى أم لا؟ كما يختلف وصف الصلاة بأن يوقعها في جماعة فتكون أكمل منها إذا أوقعها وحده وهذا واضح.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إن نوى بالثانية مجرد الفضيلة ثم تبين له أنه أحل من الأولى ببعض الوضوء، فإن إجزاء هذه الفضيلة عنه على قولين: أحدهما أنه يجزيه 2 لأن نية الفضل يقدر أنها انطوت على نية الفرض واشتملت عليها لما كان لم يمكن أن يقصد 3 أحد إلى تحصيل الفضل، إلا وعنده أن الفرض حصل له.
والثاني: أن ذلك لا يجزئه لأن الطهارة تفتقر إلى نية تقتضي رفع الحدث والقصد إلى إيقاع الواجب خلاف القصد إلى إيقاع الندب فلم يجب أن يسد أحدهما مسد الآخر 4 ولا يجزئ عنه.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: تنازع الأشياخ فيمن شك في إيقاع الثالثة هل يكره له إيقاعها مخافة أن تكون رابعة.
فيقع في المحظور، أو لا يكره له ذلك لأن الأصل في الطهارة والصلاة أن يبني على اليقين إذا شك في العدد.
كمن شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا 5؛ فإنه يبني على اليقين ويأتي بركعة، وإن جاز أن تكون خامسة، مع كون الخامسة محظورة.
وقد كتب إلى بعض أهل العلم يسأل عن صوم يوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، إذا شك أن يكون يوم النحر، هل يكره مخافة أن يقع 6 في صوم يوم النحر وهو محظور.
فيكون طلب فضلًا بأن رعى حول محرم؟ فأجبته بأنها مثل هذه المسألة التي تنازع الشيوخ فيها.
وطريق الكلام عليهما 7 واحد.
وبسطت له في الجواب بما أن لو ذكرناه ها هنا خرجنا به عن غرضنا.

باب ما يوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته

قال القاضي أبو محمد الله: يوجب الوضوء شيئان: أحداث وأسباب للأحداث.
والأحداث 1 الموجبة للوضوء هي ما خرج من 2 السبيلين من المعتاد دون النادر الخارج على وجه المرض والسلس، من غائط وريح وبول ومذي وودي 3 إذا كان ذلك على غير السلس والاستنكاح.
وإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب.
وكذلك ما خرج من السبيلين من غير المعتاد كالحصى والدم والدود فلا وضوء فيه 4. ويفسد الوضوء الردة.
ولا يوجب الوضوء ما خرج من البدن من غير 5 السبيلين من قيء ولا قلس ولا بلغم ولا رعاف ولا حجامة ولا فصادة ولا غير ذلك.

قال الإِمام رضي الله عنه يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - ما الدليل على صحة هذه القسمة؟.
2 - وما الفرق بين الحدث وسبب الحدث؟.
3 - ولم سقط حكم الحدث إذا تكرر؟.

4 - وما فائدة تقييده بقوله: فلا وضوء فيه واجب؟.
5 - ولم أسقط الوضوء من غير المعتاد؟.
6 - ولم تعرض لذكر ما خرج من غير السبيلين؟.
7 - ولم نقضت الردة الوضوء؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما حصره نواقض الوضوء في الحدث وسببه، فالدليل على صحته أن الحدث تسمية تطلق 1 في اصطلاح أهل الشرع على كل ما ينقض الطهارة بنفسه كالبول والغائط وشبههما.
وما أدى إلى ذلك فهو سبب الحدث 2 فيوجب أن يكون ما عدا ذلك لا مدخل له ها هنا لأنه إن كان مما ينقض الوضوء فهو حدث أو ما هو طريق لذلك فهو سبب الحدث 3 وأما تفصيله لذلك بذكر الغائط والريح والبول، وما ذكر معها، فإنما ذكر 4 ذلك لورود الخبر به في الكتاب والسنة.
وقد ذكر سبحانه فيما يوجب الطهارة والغائط، وهو اسم للمكان المنخفض من الأرض.
وكانت العرب تأتيه لتستتر فيه إذا أرادت الحاجة.
فسمت الخارج منها باسم مكانه، تنزيهًا لأسماعها عما تنزه عنه أبصارها.
واختلف أصحاب مالك رضي الله عنه في دخول البول في هذه الكناية.
فذهب بعضهم إلى دخوله في ذلك.
لأن العرب كانت تأتي هذا الموضع للبول.
كما كانت تأتيه للحاجة الأخرى.
وذهب بعضهم إلى منع دخوله في ذلك؛ لأن العرب لم تكن تستتر من البول كما كانت تستتر 5 في الحاجة الأخرى.
ولا تكني عنه كما تكني عن غيره، فلم تنطلق التسمية عليه.
ولأنه قال عليه السلام في بعض الأحاديث: "إلا من غائط وبول ونوم" 6 ففصل بين الغائط والبول، فدل على اختصاص كل واحد منهما باسمه.

وهذا الاختلاف سهل المدرك لأن الاتفاق قد حصل على أن البول ينقض الوضوء.
وإنما حقق أصحابنا هذا الموضع لأنه ربما طلبوا 1 بالدليل على كون البول ناقضًا للوضوء فيستدلون بهذا الظاهر.
وربما استدلوا به أيضًا في بعض فروع هذا الباب.
فاحتيج إلى تحقيق القول فيه.
وقد ورد الخبر بوجوب الوضوء من المذي وغير ذلك مما يغني الاتفاق عن إيراده.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الفرق بين الحدث وسببه فإن الحدث ينقض الوضوء بنفسه، لا لمعنى آخر يؤدي إليه، كالبول والغائط وشبههما.
وأما سبب الحدث فلا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إليه.
ألا ترى أن النوم إنما ينقض الوضوء لأن الغالب منه خروج الحدث.
ولهذا لم ينقض الوضوء قليله.
لأن الغالب منه عدم خروج الحدث.
وقد نبّه النبي عليه السلام على ذلك بقوله: "العينان وكاء السه 2. فإذا نامت العينان انطلق الوكاء".
وكذلك لمس النساء ومس الذكر، إنما نقضا الوضوء لكونهما مثيرين للذة الجالبة المذي.
ولهذا روعي فيهما أن يقعا على صفات ما.
على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما سقط حكم الحدث إذا تكرر، الخروج 3 والمشقة اللاحقة فيه متى أوجبنا الوضوء لكل صلاة.
والحرج مرفوع لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 4 ولأن الوضوء إنما يتعلق بما خرج من السبيلين على جهة العادة.
والمتكرر من البول والمذي خارج = الاستدلال بالحديث الذي أخرجه أصحاب الصحيح واللفظ للبخاري لا تستقبل القبلة بغائط وبول.

عن العادة فألحق بما لا وضوء فيه كالحصى وغيره.
ومتى كان هذا التكرر 1 لسبب يقدر على رفعه فإنه لا يعذر فيه بالتكرر.
كمن كثر مذيه، وتكرر لطول عزبته، ولكنه يقدر على رفع عزبته بالتزويج 2 أو التسري أو صوم لا يشق عليه فعله.
فإن هذا لا يعذر بتكرر المذي لقدرته على زوال سببه.
وقد روي عن مالك رضي الله عنه ما ظاهره ترك العذر بالتكرر، وأجرى ما تكرر من ذلك على الأصل، ولم يعذر فيه بالحرج والمشقة.
ويؤكد هذه الرواية ما صححه الترمذي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة 3. فلم ير - صلى الله عليه وسلم - تكرر الوضوء في حق المستحاضة من المشقة والحرج الذي يوجب إسقاط ذلك عنها.
فكذلك 4 من سلس بوله ومذيه لا يكون تكرر الوضوء في حقه مشقة تسقط ذلك عنه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما تقييده بقوله: فلا وضوء فيه واجب.
فإنما قيد بالوجوب لأنا وإن أسقطنا عمن 5 سلس بوله ومذيه الوضوء لمشقة ذلك، فإنا نستحب له أن يأخذ لنفسه بالأفضل ويؤدي الصلاة على وجه متفق عليه.
فالاستحباب 6 ثابت، والوجوب ساقط.
فلو قال: فلا وضوء فيه لبقي 7 الوجوب والاستحباب، عند من أخذ اللفظ على عمومه.
فقيد بذكر الوجوب ليشير إلى الاستحباب.
وقد قال بعض أصحابنا: إنما يتصور الاستحباب إذا كان للبول والمذي فترات ينقطع عندها 8. فيؤمر بالوضوء حينئذ والصلاة ليأتي بالعبادة في وقت السلامة من الحدث.
وأما إن كان

البول قاطرًا لا يفتر فلا فائدة في استحباب الوضوء.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما خروج ما لم يعتد خروجه، كالحصى من الذكر، والدود من الدبر، ففي نقضه للوضوء اختلاف.
فالجمهور على أنه لا ينقض الوضوء 1. لأن الأصل براءة الذمة من العبادة ولا تجب إلا بشرع.
ولم يرد شرع بإثبات الوضوء من الحصى، وشبهه.
فلم يثبته 2 في نواقض الوضوء التي ورد الشرع بها كما لم يثبت 3 ما خرج من فضلات البدن من سائر نوافذه، مثل الدمع والبصاق، حديثًا ناقضًا الوضوء.
وقيل ينتفض به الوضوء لأنه خرج من السبيلين اللذين ينقض الوضوء ما خرج منهما مثل البول والغائط.
فألحق هذا النوع بذلك.
وأيضًا فإنه عليه السلام أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة مع قوله أن ذلك عرق وليس بالحيضة 4 ودم العرق ليس من المعتاد.
وقد أمر بالوضوء منه لما خرج من السبيل المعتاد خروج ما ينقض الوضوء منه.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما تعرض لذكر القيء والرعاف والحجامة والفصاد، لأن من الناس من ذهب إلى نقض الوضوء 5 بذلك على الجملة فنبه على مخالفتهم في ذلك.
والدليل على فساد ما ذهبوا إليه: ما روي 6 أن رجلًا صلى وجرحه يسيل فلم ينكر عليه - صلى الله عليه وسلم - وقياسًا على الدمع والبصاق.
وقد اتفقنا على أنه لا تأثير له.
فإن قالوا بأن العلة في تأثير البول والغائط في نقض الوضوء، كونهما نجسين

فيجب أن تكون كل نجاسة ظهرت من الجسد تنقض الوضوء قياسًا على البول والغائط.
قيل ليس العلة في البول والغائط ما قلتموه.
ولكن العلة كونهما خارجين من مخرج مخصوص، على رأي من قال من أصحابنا: أن كل خارج من الذكر ينقض الوضوء، أو كونهما خارجين مخصوصين من مخرج مخصوص على رأي من قال من أصحابنا: أن الحصى لا ينقض الوضوء.
وإذا أمكن أن يكون الحكم متعلقًا بإحدى هاتين العلتين فلا وجه لاقتصارهم على العلة التي ذكروها بمجرد الدعوى.
على أن إثبات هذه العلة وتحقيق القول فيما ذكرناه من العلل يفتقر 1 إلى ما يتعلق ذكره بأصول الفقه.
وإنما ذكرنا ما ذكرناه على جهة المقابلة لهم.
على أنهم يشترطون في النجاسات التي أثبتوها ناقضة للوضوء شرطًا لا يثبتونه في البول والغائط.
ويشترطون 2 في القيء أن يكون ملء الفم على ما ذكره بعضهم.
وهذا يضعف 3 قياسهم.
وإن قالوا فإنه عليه السلام أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة 4 مع إخباره بأن ذلك دم عرق.
فقال إنما ذلك عرق وليس بالحيضة.
وهذا تعليل منه عليه السلام لإيجاب الطهارة بخروج النجاسة التي هي دم العرق.
قيل لم يجعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - علة لإيجاب الوضوء.
وإنما جعله علة لسقوط الغسل.
لأن الدم الخارج من الرحم على جهة العادة يوجب الغسل.
فأخبر عليه السلام أن هذا وإن كان دمًا خارجًا من مخرج الدم الآخر، فليس حكمه كحكمه.
ألا ترى إلى قوله وليس 5 الحيضة.
وهذا تنبيه على أنه إنما أراد إثبات المخالفة بينهما.
على أن هذا الحديث وقع فيه من الاضطراب بين الرواة ما لا يكاد يحصى.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى إثبات الغسل عليها لكل صلاة.
وتعلقوا ببعض طرق هذا الخبر.
وذهب بعضهم إلى إثبات ثلاث غسلات إحداها تجمع 6 به بين الظهر والعصر لاشتراك وقتهما.
والغسلة

الثانية 1 يجمع بها بين المغرب والعشاء لاشتراك وقتهما.
والغسلة الأخرى أيضًا يصلي بها 2 الصبح وحدها لانفرادها بوقتها.
وذهب آخرون إلى أنها تغتسل لصلاة الظهر كل يوم وتتوضأ لكل صلاة فيما بين ذلك.
وذهب آخرون إلى إثبات الوضوء عليها لكل صلاة خاصة.
وروي عن مالك إسقاط الوضوء عنها.
وروي عنه إثباته عليها.
وهذا الاضطراب الذي وقع بين الفقهاء يشير إلى ما قلناه من اضطراب الرواة 3. على أن أمره بالوضوء لها يمكن أن يحمل على الندب.
وقد قيل إذا جمعت بوضوء صلاتين تشتركان في الوقت لم تعد.
وقيل تعيد الأخيرة منهما في الوقت.
وهذا يشير إلى أن أمرها بالوضوء لكل صلاة محمول على الندب على هذا.
وإذا كان في الحديث من الاحتمال ما ذكرناه لم يكن لهم فيه حجة.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما الردة فقد اختلف المذهب في نقضها الوضوء 4. والاختلاف في ذلك مبني على الخلاف في الردة.
هل يحبط العمل بمجردها أو يشترط الموافاة عليها؟ فقيل يحبط العمل بمجردها 5 لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ 6 وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 7. فأخبر بأن الشرك يحبط العمل ولم يشترط الموافاة عليه.
وقيل لا يحبط العمل إلا بشرط الموافاة عليه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ 8. فقيد تعالى إحباط العمل بالردة بشرط الموت عليها.
فدليل الخطاب يقتضي أن من لم يمت عليها فليس بحابط عمله.

وإذا كانت إحدى الآيتين مقيدة والأخرى مطلقة وهما واردتان في معنى واحد رد المطلق منهما إلى المقيد.
وهذا لا اختلاف 1 فيه بين أهل الأصول لا سيما إن قيل: إن الخطاب ها هنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله: لئن أشركت - مراد به أمته 2. فإن قلنا نمنع الإحباط إذا لم يواف عليها 3 لم تنقض الردة الطهارة ولم 4 يلزمه إعادتها إذا عاد إلى الإِسلام.
وإن قلنا بالإحباط بمجرد الردة انتقض الوضوء بالردة، ولزمته إعادته إذا عاد للإسلام.
لأن الردة إذا أبطلت الوضوء، وأسقطت حكمه لم تصح الصلاة بوضوء قد بطل.
وإن قيل 5: إنما معنى الإحباط ذهاب الأجر في الآخرة.
وهذا لا يتعلق بالتكاليف المطالب بها العبد في الدنيا.
قيل الحبوط السقوط.
وإذا حبط الوضوء فقد سقط وبطل، حتى لحق بما لم يكن.
وصار بمنزلة من لم يتوضأ.
ومن لم يتوضأ لم يصل.
ولا سيما مع تأكيده سبحانه بهذا المعنى بقوله فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة.
وإذا سقط الشيء في الدنيا والآخرة لم يبق معنى يطلب 6 فيه.
وقد قال بعض أصحابنا فيمن رفض الوضوء بعد كماله أنه لا يصلى به.
لأن معنى رفضه اعتقاد سقوط الأجر فيه، وبطلان أحكامه.
وهذا يمنع الاعتداد به.
وقد قال بعضهم لا يبطل الوضوء بالرفض ولا يحبط الأجر باعتقاد ذلك فيه.
لأن اعتقاد المكلف لذلك فيه خطأ منه، واعتقاد لغير ما ورد الشرع به.
وما ورد الشرع به أولى من اعتقاده 7 الباطل.
ومن حكم في الشيء بغير حكم الله فحكم الله أولى من حكمه.
ويفارق هذا إحباط الردة 8؛ لأن من يرجى منه الثواب على العمل أخبر أنه لا يثيب عليه إذا وقعت الردة بعده، ولم يخبر بذلك في الرفض.

وقد روي عن مالك فيمن تناوم فلم ينم، أنه يعيد الوضوء بناء على الطريقة الأولى في الرفض.
لأن هذا لما تناوم مع علمه أن النوم ينقض الوضوء صار كالرافض لوضوئه.
وهذا بعيد لأن النوم الذي يعتقد أنه يبطل وضوءه لم يحصل.
ويلزم عليه 1 أن من قصد الجماع ثم لم يفعل أن يعيد غسله وهذا كالمستنكر عند أهل الشرع.

قال القاضي رحمه الله: وأما أسباب الأحداث فهي ما أن إلى خروج الأحداث غالبًا وذلك نوعان: 2 زوال العقل بالنوم والسكر والجنون والإغماء.
فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع، أو سجود، أو جلوس، أو غير ذلك.
وما دون الاستثقال، يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود ولا يجب في الجلوس.
وأما السكر والجنون والإغماء فيجب الوضوء بقليله وكثيره.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال: 1 - هل النوم حدث ينقض الوضوء على الإطلاق؟.
أو هو سبب حدث 3 لا ينقضه حتى يكون على صفة؟ 2 - وما هذه الصفة؟.
3 - ولِمَ لم تراع هذه الصفة في الإغماء كما روعيت في النوم؟.
4 - ولِمَ فرّق بين نوم الجالس والساجد؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في النوم فذهبت طائفة إلى أنه لا ينقض الوضوء أصلًا إلا أن يتيقن خروج الحدث، فيكون التأثير للحدث لا للنوم.
ذهب إلى ذلك أبو موسى رضي الله عنه وغيره.
وذهبت طائفة إلى أنه حدث ينقض الوضوء على الإطلاق.
وذكر ذلك عن ابن القاسم.
وذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم إلى أنه ليس بحدث.
ولكنه سبب الحدث

ينقض الوضوء إذا وقع على صفة الغالب منها خروج الحدث دون علمه.
وسبب اختلاف هذه المذاهب اختلاف الآثار" الواردة في هذا.
فخرج مسلم عن أنس أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون 1. وقد نقل بعضهم هذا الحديث وزاد فيه فيضعون جنوبهم.
ونقله بعضهم وزاد فيه تخفق رؤوسهم (1). وهذا يدل على جلوسهم.
وروى أنس حديثًا قريبًا من هذا.
وفي حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم: أخر العشاء حتى نام القوم واستيقظوا 2. قال أحد رواته ولم يذكر أنهم توضؤوا.
وقد روي عنه عليه السلام: أنه نام حتى غط ولم يتوضأ 3 فأخذ نفاة الوضوء من النوم 4 بظواهر هذه الأحاديث، وأخذ من ذهب إلى أنه حدث ينقض الوضوء قليله وكثيره بظواهر أُخر تخالفها.
فمنها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ 5. وهذه الآية نزلت 6 عند قيامهم من النوم فصار القيام من النوم سببًا لنزولها.
واللفظ العام إذا خرج على سبب خاص فلا خلاف في تناوله للسبب.
وإنما اختلف أهل الأصول في تناوله ما عدا السبب.
وإذا تناولت الآية النوم مطلقًا اقتضت ايجاب الوضوء بقليله وكثيره.
ومنها قوله في حديث صفوان 7 لكن من غائط وبول ونوم 8. فعم كل نوم.
وقد قال بعض أهل الحديث أن هذا الحديث متصل،

مشهور راويه بالصدق والعدل.
ولما رأى مالك رضي الله عنه والجمهور من العلماء اختلاف هذه الظواهر، صاروا إلى تأويلها.
ورد بعضها إلى بعض لئلا تتناقض أدلة الشرع.
فنوعوا النوم نوعين: أحدهما خفيف لا يغمر العقل ويذهب بإحساس أدنى حركة.
وهذا لا ينقض الوضوء وعليه تحمل الظواهر الأول.
والآخر ثقيل يغمر العقل ولا يحس معه الأصوات الشديدة المريعة.
وعلى هذا تحمل الظواهر الأخرى.
وقد أشار سبحانه إلى هذا التقسيم بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ 1. وقد قال بعض أهل المعاني السنة: النعاس.
والنعاس ما لم يغمر العقل، والنوم ما غمره قال الشاعر: 2 وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقال المفصل: السنة في الرأس، والنوم في القلب.
يشير بهذا إلى أن أوائل النوم التي هي النعاس إنما تغمر الحس الذي بالرأس.
فإذا ثقل النوم غمر الحس الذي بالقلب الذي هو أصل هذه 3 الإحساس عند بعضهم.
وقد أشار عليه السلام إلى هذه الجملة بقوله: إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي 4. فأشار إلى اختلاف محل النوم في حال خفته من حال ثقله.
وأكدوا هذه الطريقة بأحاديث أُخر أيضًا.
منها قوله عليه السلام: العينان وكاء السه 5. فشبه عليه السلام العينين حال اليقظة في حفظهما للإنسان من خروج ما يستره، بالرباط الذي يحفظ الوعاء عن خروج ما استتر فيه.
ونبه بهذا التشبيه على أن النوم إنما ينقض الطهارة إذا حصل على صفة تمنع النائم من 6 علم ما خرج منه.
ومنها تعليله عليه السلام لوضوء من نام مضطجعًا، بأنه إذا اضطجع استرخت مفاصله.
وهذا تنبيه على الهيئة التي يسهل معها خروج الحدث.
وهذا دلالة على أن

المعتبر خروج الحدث لا مجرد النوم.
وإذا صحت هذه الطريقة التي صار إليها الجمهور، وجب أن يعتبر في كون النوم ناقضًا للوضوء وقوعه على صفةٍ، الغالب منها خروج الحدث.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الصفة فإن أبا حنيفة صار إلى أنها الاضطجاع خاصة دون سائر الهيئات.
واحتج بالخبر الوارد في نوم المضطجع 1. وأما مالك فلم يخص 2 هذه الصفة، بل أحال 3 على اجتهاد النائم لأن معرفته بنفسه أبلغ من معرفة غيره به.
وقرب له هذا الاجتهاد بأن النوم إذا كان طويلًا مستثقلًا 4 كان الغالب منه 5 خروج الحدث دون علم النائم.
فوجب أن ينقض الوضوء.
وقال بعض شيوخنا لو وقع النوم على حالة يشك فيه.
هل هو بهذه المنزلة التي الغالب منها خروج الحدث، أو خلافها؟ ويجري على القولين فيمن تيقن بالوضوء 6 وشك في الحدث.
وقد اختلف قول 7 أصحاب مالك في نوم القائم والراكع.
فقال بعضهم لا مدخل له في نقضه الوضوء.
وهذا لأحد أمرين: أما أن يكونوا ألحقوه بالقسم الأول الذي هو النوم الخفيف.
أو ألحقوه بهذا القسم الأخير المشكوك فيه.
فلم يوجبوا الطهارة بالشك بناء على أحد القولين في هذا الأصل.
وقال بعضهم ينقض الوضوء.
وسلكوا في ذلك خلاف المسلكين الأولين.
"إما أن يكونوا ألحقوه بالنوم الثقيل، أو بالمشكوك فيه وأوجبوا 8 فيه الوضوء بناء على أحد

القولين في إيجاب الطهارة بالشك في الحدث.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الإغماء أو الجنون فقد ذهب بعض شيوخنا إلى 1 أنه يعتبر فيهما أن يقعا على صفة الغالب منها خروج الحدث كما اعتبر 2 ذلك في النوم.
فإن 3 كان الإغماء خفيفًا أو بحضرة أحد لا يخفى عنه ما خرج من المغمى عليه، فإن ذلك لا ينقض الوضوء.
والجمهور على أن الإغماء بمجرده ينقض الوضوء.
وأنه لا يتنوع كما يتنوع النوم.
إذ لا يكون أبدًا إلا ثقيلًا.
ألا ترى أن النائم إذا نبه انتبه والمغمى عليه لا يمكن أن يقدر على إزالة إغمائه بالتحريك أو غيره دون إزالة السبب الذي كان عنه الإغماء.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما فرق بين الجالس والساجد 4 لأن الجالس على هيئة، يبعد معها خروج الحدث، ولا يكون النوم معها ثقيلًا.
والساجد بخلاف هذا.
وقد روي أنه عليه السلام قال: من نام جالسًا فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء 5. وهذا لما قدمناه من اعتبار الخفة والثقل.
فما كان الجالس هيئته 6 يبعد معها خروج الحدث لانضمام المخرج، ويمنع النوم أن يثقل، أسقط عليه السلام الوضوء فيها.
وقد قال بعض أصحابنا هذا إنما يكون في جالس غير مستند.
فأما المستند 7 فإنه يمكن أن يثقل نومه لاستناده.

قال القاضي رحمه الله: والنوع الآخر.
اللمس 8 وهو ضربان: لمس

النساء ومس الذكر.
فأما لمس النساء فيجب الوضوء منه إذا كان 1 للذة قليلًا كان أو كثيرًا، مباشرًا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة.
وإن كان صفيقًا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة.
ولا فرق بين اللمس باليد، أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجدت اللذة 2. ولا بين لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة، ولا بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة: منها أن يقال: 1 - لم وجب الوضوء من اللمس على الجملة؟.
2 - وما دليل وجوبه؟.
3 - ولم اعتبرت فيه اللذة؟.
4 - ولم أكد بقوله قليلًا كان أو كثيرًا؟.
5 - ولم خص اليد والفم بالذكر دون سائر الأعضاء؟.
6 - ولم خص الشعر بالذكر مع 3 سائر الأعضاء؟.
7 - ولم ذكر الزوجة وذات المحرم؟.
8 - وهل يؤثر اللمس مع القصد للذة دون وجود اللذة؟.
9 - وهل وجود اللذة دون اللمس كوجود اللذة مع اللمس؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا أن ما كان سببًا للحديث فإنه كالحدث في إيجاب الوضوء.
ولما كان اللمس سببًا للذة، واللذة سبب لخروج المذي، والمذي حدث ينقض الوضوء، وجب أن يكون اللمس للذة ينقض الوضوء أيضًا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الدليل على أن اللمس ينقض الوضوء فقدله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 4. فإن قيل قد ذهبت جماعة من

الناس إلى أن اللمس المذكور ها هنا المراد به الجماع، وأن اللمس باليد لا يوجب الوضوء.
قيل: أما اللمس فيطلق على الجماع كما قلتموه.
وقد ذكر أن 1 اللمس يراد به الجماع في مواضع من القرآن.
منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ 2. وقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ 3. وقال ابن عباس: المباشرة واللمس والرفث والإفضاء والتغشي في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ، هو الجماع.
ولكن الله يكني.
ويطلق على اللمس باليد.
قال الله سبحانه: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ 4. ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ 5. وإذا انطلق على الأمرين حملناه عليهما إن كان حقيقة فيهما على القول بالعموم.
وإن منع من حمله عليهما مانع، أما لانكار العموم، أو لغير ذلك وجب طلب الترجيح.
فأما من حمله على الجماع فرجح ذلك بأن الله سبحانه ذكر في صدر 6 الآية طهارة الماء التي تجب عن الحدث الأصغر وعن الحدث أكبر، وهو الجنابة.
ثم لما ذكر الواجب عند عدم الماء، وهو التيمم، ذكر الحدث الأصغر وهو المجيء من الغائط، وذكر اللمس، فيجب أن يحمل على الجماع لينتظم ذكر المحدثين آخر الآية، كما انتظمه صدرها.
وأما من حمله على مس اليد فإنه رجح بأنه عطف على المجيء من الغائط.
وهو مما يختص بالطهارة الصغرى.
فوجب أن يحمل اللمس على ما يختص بالطهارة الصغرى ليكون حكم 7 العطف والمعطوف عليه واحد 8. وإذا تقابل هذان الترجيحان عضدنا ترجيحنا بقياس.
فقلنا لما كان النوم سببًا للحديث الحق به.
وكذلك مس الذكر لما كان سببًا للحديث ألحق به.
فيجب أن يكون اللمس كذلك.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما اللمس بمجرده فلا ينقض الوضوء عندنا، وأما الشافعي فإنه ينقضه عنده مجرد اللمس دون حائل وإن لم يلتذ، تمسكًا منه بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 1. ولم يشترط اللذة.
وأما نحن فإنا 2 اعتبرنا اللذة لقول عائشة رضي الله عنها: افتقدت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه فلما فرغ من صلاته قال: أتاك شيطانك 3. ولم تذكر أن صلاته انتقضت بمجرد لمسها.
فوجب تخصيص الآية بذلك وحملها على اللمس للذة.
فإن قيل: فإن الشافعي ذهب في أحد 4 قوليه إلى أن الملموس لا تنتقض طهارته وإنما تنتقض طهارة اللامس، خاصة.
والشعبي - صلى الله عليه وسلم - ها هنا ملموس فلا حجة به عليه.
قيل قد روت أيضًا: أنها كانت تنام بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو يصلي.
فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي 5. ولم يذكر أن صلاته انتقضت وهو عليه السلام ها هنا لامس.
فإن قيل هذا مخصوص للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنكم قلتم أن اللمس إنما ينقض الوضوء على الجملة لكونه سببًا في اللذة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أملك لإربه منا.
كما قيل في قُبلته 6 وهو صائم 7. قيل ظاهر أفعاله التعدي عند جمهور أهل الأصول.
فمن قصرها فعليه

الدليل.
فإن قيل لعله غمزها من فوق الثوب الكثيف.
وهذا لا ينقض الوضوء 1 عندكم.
قيل الظاهر خلاف هذا، لأنه لو كان لذكرته.
ولو سلمنا احتمال هذا القصد 2 لعضدنا ما قلناه بالقياس.
فقلنا قد قدمنا أن اللمس إنما ينقض الوضوء لكونه سببًا للحديث الذي هو المذي.
ومعلوم أنه لا يكون سببًا لذلك إلا إذا حصل مع اللذة.
فإذا حصل دونها لم يكن سببًا في ذلك، فوجب أن يتنوع نوعين كما تنوع النوم نوعين.
فكان الثقيل منه ينقض الوضوء لكونه سببًا في الحدث، بخلاف الخفيف كما قدمنا.
وإذا ثبت أن اللمس لا ينقض الوضوء 3 بمجرده دون اعتبار صفة.
فما هذه الصفة؟ أما مالك فإنه ذهب إلى أنها اللذة.
وأما أبو حنيفة فإنه ذهب إلى أنها الانتشار.
ومذهبنا أصح لأنه إنما حرم بذكر الانتشار للذة فكان التصريح باعتبارها أولى 4.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما أكد في ذكر اللمس بقوله قليلًا كان أو كثيرًا، لأنه ذكره متصلًا بذكر النوم.
وقد اشتركا جميعًا في أنهما سببان للحديث، وليسا يحدث.
والنوم يفترق قليله من كثيره فنبه على أن هذا المشارك له بخلافه.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما خص اليد بالذكر لأنها هي التي يلمس بها عادة.
ولهذا خصها المتكلمون عند ذكرهم حاسة اللمس.
وبعض الفلاسفة يرى أيضًا أنها أحس من غيرها.
وأما تخصيصه الفم بالذكر فلأن بعض أصحابنا رأى أن القبلة على الفم بخلافها على الخد.
وأن القبلة على الفم يجب بها الوضوء على الإطلاق من غير اعتبار لذة.
وليس هذا بهدم لما بنيناه من اعتبار اللذة، لأنهم اعتلوا بأن القبلة على الفم لا تكاد تخلو من اللذة وإن خفيت أحيانًا.
فلهذا الاختلاف في هذا العضو خصه بالذكر.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما خص الشعر بالذكر 1 لأن الذاهبين إلى اعتبار اللذة اختلفوا فيه.
فقال بعضهم لا مدخل للمسه في نقض الوضوء.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما ذكر الزوجة؛ لأن عطاء ذهب إلى أن اللمس إنما ينقض الوضوء إذا كان محرمًا كلمس الأجنبية.
فإن كان محللًا لم ينقضه.
كمس الزوجة.
فنص على ذكر الزوجة تنبيهًا على هذا الخلاف.
وإنما خص ذات المحرم بالذكر أيضًا، لأن أصحاب الشافعي مختلفون في نقض الوضوء بمس ذوات المحارم.
مع أنهم لا يعتبرون اللذة.
فقال بعضهم ينقض الوضوء، لأن قصارى ما فيه عدم اللذة، ونحن لا نعتبرها.
وقال بعضهم لا ينقض الوضوء لأن ذات المحرم ليست بمحل للشهوة على حال.
فأشبه لمس الرجل الرجل، والمرأة المرأة.
ومن هذا الأسلوب أيضًا تنازعهم في مس الصغيرة التي لا تشتهى، والعجوز الهرمة.
هل ينقض الوضوء لعموم الآية أو لا ينقضه، لأنهما ليستا 2 بمحل الشهوة على حال.
فنبه القاضي أبو محمَّد على ذات المحرم لآجل هذا الاختلاف.

والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما من قصد اللذة بلمسه فلم يجدها، ففي انتقاض طهارته قولان.
وهما مبنيان على رفض الوضوء.
وقد قدمنا فيه، ما فيه كفاية فلا وجه لإعادته ها هنا 3. والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما من نظر فالتذ بقلبه دون لمس، فالجمهور من أصحابنا على أن وضوءه لا ينتقض.
لأن إثبات الأحداث طريقه 4 الشرع.
وقصارى ما ورد في الشرع في هذا، ذكر اللمس.
وقد قدمنا أن جماعة من العلماء حملوا على الجماع، وأنكروا أن يكون اللمس مع اللذة

ينقض الوضوء.
ونحن حملناه على اللمس مع اللذة ترجيحًا لمذهبنا بما قدمناه.
فأما مجرد اللذة دون لمس فلا يوجد ظاهر لا في الكتاب ولا في السنة يتمسك به فيه فلا 1 يصح إثباته بالدعوى.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك ينقض الوضوء، لأن اللمس ليس بحدث وإنما نقض الوضوء لكونه سببًا في المذي.
والسبب في المذي على الحقيقة هو اللذة لا مجرد اللمس.
فوجب اعتبارها في نقض الوضوء وإن لم يصحبها لمس.

قال القاضي رحمه الله: وأما مس الذكر فالمراعاة 2 فيه اللذة عند بعض 3 أصحابنا البغداديين، كلمس النساء، وعند المغاربة وبعض البغداديين بطن 4 الكف والأصابع فقط.
ومس المرأة فرجها مختلف فيه.

قال الإِمام رضي في الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة: منها أن يقال: 1 - لم وجب الوضوء من مس الذكر؟.
2 - وما دليل وجوبه؟.
3 - وهل باطن الأصابع كباطن الكف؟.
4 - وهل مسه من فوق حائل يؤثر أم لا؟.
5 - وهل مسه على جهة النسيان يؤثر أم لا؟.
6 - وهل مس ذكر غيره كمس ذكره؟.
7 - وهل مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل؟.
8 - وهل مس الخنثى ذكره كمس من ليس بخثنى؟.
9 - وما وجه الاختلاف في مس المرأة فرجها؟.
10 - وما حكم من صلى وقد مس ذكره؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما من راعى من أصحابنا اللذة في مس الذكر، فإنه إنما نقض الوضوء لمس الذكر، لكون مسه للذة سببًا في خروج

المذي.
والمذي حدث، فوجب أن يكون ما هو سبب للحديث كالحدث.
كما قدمناه في لمس النساء.
وأما من لم يراع اللذة من أصحابنا، ورأى أن مجرد لمسه بباطن الكف سهوًا أو محمدًا ينقض الوضوء، فإنه يرى أن نقض الوضوء بمسه حكم غير معلل.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الأحاديث في مس الذكر.
فورد منها، ما ظاهره أنه لا يؤثر في نقض الوضوء.
وبه قال مالك في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة وداود.
وورد منها ما ظاهره انتقاض الوضوء بمسه.
وبه قال مالك 1 في إحدى الروايتين عنه والشافعي.
فمما ورد دالًا على نفي الوضوء منه قوله في حديث طلق لما سئل عن مسه؟ هل هو إلا بضعة منك؟ 2 وظاهر هذا نفي الوضوء منه 3 لأن كل بضعة سواه لا يلزم الوضوء بمسها.
فحقيقة التشبيه توجب نفي الوضوء.
ومِمَّا وَرَدَ دالًّا على إثبات الوضوء منه حديث بسرة: " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" 4. وحديث أبي هريرة: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة 5 ". ولما اختلفت هذه الأحاديث صار

الجمهور من أصحابنا إلى بنائها ورد بعضها إلى بعض، لئلا تتناقض أدلة الشرع.
فقال البغداديون من أصحابنا: أحاديث الإثبات محمولة على مسه للذة.
وحديث النفي محمول على مسه لغير لذة.
وجعلوا اعتبار اللذة مذهبًا لهم.
وعضدوا هذا التأويل بالقياس على لمس النساء.
وقد اعتبر مالك وأصحابه اللذة فيه.
وقال المغاربة حديث الإثبات محمول على مسه بباطن الكف أو الأصابع.
وحديث النفي محمول على مسه بغير ذلك.
وعضدوا هذا التأويل بقوله إذا أفضى أحدكم.
والإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف.
وقد سلك العراقيون هؤلاء 1 طريقة البناء أيضًا 2 فيما روي عن مالك من إثبات الوضوء ومن نفيه، وقوله الوضوء منه حسن وليس بسنة على أنه إنما نفاه مع عدم اللذة وأثبته مع وجودها.
ورأى سحنون أن ذلك اختلاف قول منه.
وأما من لم يسلك طريقة البناء فلا بد له (2) من طلب الترجيح ليستعمل أحد الحديثين ويترك الثاني.
وأما الآخذون بحديث النفي، فرجحوا بأن مس الذكر مما تعم البلوى به، ويكثر نزوله، فلا يقبل فيه خبر الواحد.
وأجيبوا 3 على هذا بأنه قد 4 رواه أربعة عشر من الصحابة بين رجل وامرأة.
وهذا يوجب انتشاره.
ورجحوا أيضًا بأن الأخبار الواردة معلولة وقد اجتمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فتذاكرا الوضوء من مس الذكر، وتكلما في الأخبار الواردة 5، واتفقا على إسقاط الحجاج بالخبرين معًا.
خبر بسرة وخبر طلق.
ثم صارا إلى الآثار 6 المروية عن الصحابة.
فاحتج أحمد في إثبات الوضوء بما روي عن ابن = وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ.
رواه ابن ماجة والشافعي والطحاوي والبيهقي.
الهداية ج 1 ص 367.

عمر فلم يمكن يحيى دفعه.
وأما الآخذون بإثبات الوضوء فرجحوا بأن أخبار الإثبات أكثر رواة، وأصح سندًا.
وبأن رواية النفي متقدمة ورواية أبي هريرة بالإثبات متأخرة يجب أن تنسخ ما قبلها *فإن قيل أحاديث الإثبات وردت بصيغة أمر مجرد فمحملها 1 * على الاستحباب.
وقد قال مالك الوضوء منه حسن وليس سنة.
قيل جمهور الفقهاء على أن الأمر على الوجوب.
وهذا يقتضي حمل الأمر ها هنا على الوجوب حتى يقوم دليل على حمله على الندب، ولم يقم ها هنا دليل.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف 2 في باطن الأصابع هل هو كباطن الكف أم لا؟ فالمشهور أنها كذلك.
وهو الأولى على مذهب المغاربة لأنهم إنما تعلقوا بقوله إذا أفضى أحدكم بيده، والإفضاء يكون بباطن اليد، أصابعها وكلها 3.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما مسه من فوق حائل ففيه روايتان.
روى عنه ابن القاسم أنه إذا مسه من فوق الثوب فعليه الوضوء مطلقًا.
وقيد ابن زياد عنه هذه الرواية بأن يكون الثوب خفيفًا.
وروى عنه ابن وهب نفي الوضوء ولو كان خفيفًا.
فوجه الأول قوله إذا مس أحدكم ذكره.
ولم يفرق بين وجود الحائل وعدمه.
ووجه النفي قوله أيضًا 4: إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، لي بينهما شيء فقيد بعدم الحائل.
والحديث المطلق يجب أن يرد إلى المقيد.

والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال 5: اختلف في مسه على جهة النسيان.
فقيل لا وضوء فيه لقوله: رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها 6. وقيل بل ينقض الوضوء لقوله: إذا مس أحدكم ذكره.
ولم يفرق بين العمد والنسيان.

والقول الأول يستمر على قول من اعتبر اللذة من البغداديين.
والقول الثاني يستمر على قول من اعتبر مجرد اللمس 1 بباطن الكف من المغاربة.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أما جمهور من أثبت الوضوء بمس 2 ذكر نفسه فإنه يثبته بمس ذكر غيره إلا داود، فلم يوجب 3 الوضوء من مس ذكر غيره تعلقًا منه بقوله إذا مس أحدكم ذكره.
وإذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره.
وهذا يدل على أن ذكر غيره بخلاف ذكره.
وقد قابل بعض أصحابنا هذا بقوله من مس الذكر الوضوء 4. فعم.
وعندي أنه يجب أن يؤثر في نقض الوضوء إذا لمسه للذة على مذهب البغداديين من أصحابنا.
ويكون حكمه حكم 5 ملامسة النساء للذة.
إن أمكن أن توجد اللذة بمس 6 ذكر غيره غالبًا 7. وأما على مذهب المغاربة فالأحاديث الصحيحة إنما وردت بمس ذكر نفسه.
ولو ثبت قوله من مس الذكر الوضوء لأمكن أن يخص هذا العموم بالعادات على رأي بعض أهل 8 الأصول.
لأن العادة لم تجر إلا بمس الإنسان ذكر نفسه لا ذكر غيره.
وقد اختلف العلماء في مسه ذلك من بهيمة.
والقول فيه عندي كالقول في مسه ذكر إنسان غيره.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: تنازع العلماء في مس الذكر المقطوع.
هل هو كمس الذكر المتصل؟ وتحقيق القول فيه كالقول في مس ذكر غيره على ما فصلته من مذهب البغداديين والمغاربة.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما الخنثى الذي له فرجان فإنه

يعتبر فيهما مخرج البول.
فمن حيث خرج 1 تعلقت به الأحكام.
إن خرج من الذكر انتقض وضؤوه بمسه ولم ينتقض بمسه 2 فرجه الآخر.
وإن خرج من فرجه انتقض بمسه 3 على القول بنقض وضوء المرأة من مس 4 فرجها ولم ينتقض من مس ذكره.
وإن تساوى خروجه منهما فتنازع العلماء في نقضه الوضوء من مسه لفرجه.
وعندي أنه يتخرج على القولين: فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث.
هل ينتقض وضوؤه احتياطًا للعبادة حتى لا يبرأ من الصلاة إلا بيقين، أو لا ينتقض وضوؤه استصحابًا لبراءة الذمة.
وقد قدمنا مثل هذا في النوم المشكوك فيه أنه يتخرج على القولين وهذا على مذهب المغاربة.
وأما على مذهب البغداديين فلا يحتاج إلى هذا التفصيل لأنهم يعتبرون اللذة.
ففي أي الفرجين اعتاد وجودها تعلق الحكم به.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما مس المرأة فرجها فمن أصحابنا من حمل الاختلاف فيه على حالين.
فإثبات الوضوء منه محمول على أنها إن 5 مست باطنه أو قبضت عليه.
ونفيه على أنها إن (5) مست على خلاف ذلك.
وهذا يستمر على طريقة أصحابنا البغداديين الذين يعتبرون اللذة في 6 مس الذكر.
فإذا مسته على الصفة التي ذكرنا 7 بأنها توجب الوضوء فالغالب أنها تجد اللذة فلهذا يجب الوضوء.
وإذا مسته على خلاف ذلك لم تجد لذة.
فلهذا لم يجب الوضوء.
ومن أصحابنا من صار في هذا الاختلاف إلى ظاهره.
ورأى أن إثبات الوضوء من مسه على الإطلاق هو مقتضى عموم قوله من مس الفرج الوضوء 8. وقد قال بعض أصحابنا يتخرج على هذه الرواية إثبات الوضوء

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل