شرح التلقينصفحات 878-884
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوكالات

صفحات 878-884

البائع أنه هو الأول.
وسنتكلم على هذا من تصديق مالك السلعة أو الزوجة في كتاب النكاح إن شاء الله.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: إذا وكل رجل رجلًا على أن يرهن له سلعة دفعها إليه، واختلف الموكل ومن هي في يديه رهنًا في مقدار ما رهنت فيه.
فإن ذلك يجري على أحكام الرهبان في تصديق من هي في يديه في مقدار قيمتها، ولا يمكن مالكها من أخذها إلا بعد دفع قيمتها على ما سنبين في كتاب الرهن، إن شاء الله تعالى.
ثم لا يخلو الوكيل الواسطة بينهما من.
أن يكون صدّق من وكله، أو صدق من ارتهنه، أو خالفهما.
فإن كانت قيمة السلعة عشرة، وزعم من هي في يديه أن الرسول ارتهنه إياها في عشرة، وقال الموكل: لم آمر ال رسول الله بخمسة.
فإن المرتهن إذا حلف أنها رهن في عشرة لم يمكن الموكِّل منها إلا بأن يدفع عشرة.
وكذلك لو كانت قيمتها أكثر من عشرة ولم يدع من هي في يديه إلا أنها رهن في عشرة فليس على الموكل إلا عشرة التي ادعاها المرتهن.
وإن كانت قيمتها أقل من عشرة وهي الخمسة التي ادعاها الموكل صدِّق الموكل في ذلك ودفع خمسة وأخذ الرهن.
فإذا عُلم الحكم بين مالك السلعة وبين من هي في يديه رهن عُدْنا إلى الواسطة.
فإن صدق المرتهن في أنها رهن في عشرة وكانت قيمتها كذلك، ودفع الموكل عشرة فإنه يستحلف الرسول على أنه أوصل إليه العشرة لتوجه غرامة خمسة عليه زائدة عما أقر به، وهو منكر أن يكون الرسول أوصل إليه أكثر من الخمسة التي أقر بها.
لكن لما لم يمكِّنْ من أخذ السلعة إلا بزيادة على ما أقر به توجهت اليمين على الرسول لكونه يزعم أنه أغرمه ما لم يأمره به.
وكون الرسول يدعي أنه أوصل، جميع العشرة إليه وهو ينكر وصول جميعها إليه، والمرتهن يقول: إني دفعت جميع هذه العشرة إلى الرسول.
فتأكد بهذا

استحلاف الرسول.
وكان الرسول مصدَّقًا في ذلك مع يمينه، لكون الموكل ائتمنه على ذلك.
ولكنه يحلف لإنكار المؤتمن له أنه وفي أمانته.
وكذلك لو صدق الرسول الموكل في أنه لم يأمره إلا بخمسة، وزعم أنه لم يرهنها إلا في خمسة، فإن ذلك لا يوجب أخذها من يد من هي في يديه بأقل من قيمتها، كما لا يصدق مالكها إذا تولى رهنه ابن فسه في أنها رهن في دون قيمتها.
وحكم يمين الواسطة على ما ذكرناه.
وتصديق من هي في يديه، وهي في مقدار قيمتها، إنما ذلك مع يمينه؛ لأن قيمتها كشاهد بصدقه، ومن أقام شاهدأواحدًا فلا بد من يمينه.
فإن نكل من هي في يديه عن اليمين حلف الموكل وأخذها، إذا دفع الخمسة التي أقر بها.
ثم ينظر في الرسول فإن صدق من هي في يديه أنها في عشرة فإنه يختلف في القضاء عليه للمرتهن بالخمسة التي اعترف أنه قبضها منه وجحده الموكل أن يكون أوصلها إليه، وحلف أنه لم يأمره إلا بخمسة ولم يوصّل إليه إلا الخمسة.
كما اختلف فيمن أتى إلى من عنده وديعة لرجل، فزعم أنه أنفذه ليقبضها له فصدقه المودع ودفعها إليه، ثم أتى المودع لها فأنكر أن يكون بعث لقبضها أحدًا، فغرمها المودع، ثم أراد أن يطلب بها من قبضها منه، فقد قيل: لا مطالبة له عليه لكونه قد صدقه في كونه رسولًا لمالكها ولولا ذلك لم يدفعها إليه.
وقيل: بل يطالبه بما قبضه منه وكان سببًا في غرامته، لأنه يعتذر بأنه إنما صدقه في ظاهر الأمر لا في باطنه.
وإنما صدقه بشرط أن يصدقه مالك الوديعة.
فكذلك ها هنا إذا كان المرتهن قد قبل قول الرسول: أن الموكل أمره أن يرهنها في عشرة، وقيمتها خمسة، فحلف للموكل ودفع خمسة وأخذها.
فإن الرسول مقر أنه قبض ممن هي في يديه عشرة وأنه أوصلها إلى الموكل.
فالخمسة الزائدة على ما أقر به الموكل إنما قبضها الوكيل ممن الرهن في يديه ليوصّلها إلى الموكل.
وكأن من بيده الرهن مصدق له أيضًا في أنه لم يكذب على من أنفده فيجري فيه الخلاف المذكور.

وإن كان الرسول إنما صدق الموكل في أن الرهن في خمسة، فإنه لا يمين لمن في يده الرهن على هذا الرسول، لكون الرسول له أن يرد اليمين الواجبة علمِه لمن في يده الرهن.
والذي في يده الرهن قد نكل عنه للموكل، فيكون ذلك نكولًا أيضًا في حق الوكيل.
ولو اختلف الثلاثة، فقال من هي في يديه: هي رهن في عشرين.
وقال الرسول بل في خمسة عشر.
وقال المالك: بل في خمسة.
وقيمة السلعة عشرة.
فإن مَن هي في يديه يحلف أنها في عشرين، ثم لا يصدق إلاّ في عشرة التي هي قيمة الرهن.
وإنما يحلف على العشرين إذا شاء مخافة نكول يوجب تصديقه مع يمحِنه في العشرين.
ثم لا يمكّن الموكل من أخذها إلا بدفع قيمتها التي هي عشرة، ثم يغرم الوكيل خمسة لاعترافه لمن في يديه الرهن أنه قبضها منه، والموكل يزعم أنه لم يوصلها إليه.
هذا هو المنصوص في هذه المسألة.
ويتخرج في غرامته لهذه الخمسة من الخلاف ما أشرنا إليه.
وإذا كانت قيمة الرهن عشرة، وقال الموكل: هو في خمسة وصدقه الوكيل، ولم يمكن الموكل من أخذها إلا بعد أن يدفع العشرة التي هي قيمتها، فإنه لا مطالبة له على الوكيل، لكونه فرط إذ لم يشهد حتى أوجب على عليه غرامة الخمسة الزائدة على ما يطابق عليه الوكيل والموكل.
بخلاف ما تقدم في هذا الكتاب من أن الوكيل إذا أُمِر بأن يبيع سلعة فباعها ودفعها للمشتري فجحد المشتري، إنه ضامن، لكون الوكيل فرط في الدفع بغير إشهاد، لكون هذا، ها هنا، ينسب التفريط فيه أيضًا للموكل، إذ تسلف خمسة وأرهنه فيها ما قيمته عشرة، وهو يعلم أنه شاهد عليه، فصار هو الممكنَ من تصديق من في يديه الرهن وجحوده، فأشبه الوكيل إذا فرط بحضرة الموكل، فإنه لا مطالبة عليه، لكون الموكل لما حضر كالراضي بتفريطه، مع كون ما أسلم إليه من الرهن ليدفعه لغيره قد أقر له من أمر الوكيل أن يدفعه إليه.
هذا حكم الاختلاف في الرهن إذا دفعه الواسطة رهنًا على الموكل.
وأما لو كان مالكٌ أعارها لرجل ليس في سلف يتسلفه لنفسه، فإن القول

قول المعير في مقدار ما أذن المستعيرَ أن ير هنا 1 فيه لأن المستعير كموهوب له والمعير كواهب.
والقول قول الإنسان فيما وهب من ماله.
ولو كانت قيمة الرهن ها هنا عشرة، والمعير يقول: ما أعرتها إلا على أن يرهنها في خمسة.
فحلف المعير وأخذها إذا قبض من هي في يديه خمسة، ثم لا يكون قيمتها حجة على المستعير في أنها رهن في عشرة التي هي قيمتها، لكون المعير لما حلف استحق ارتجاعها فخرجت بذلك عن أن تكون رهنًا.
فصار القول قول المستعير في مقدار ما تسلف عليها لكون المسلف له لا رهن بيده يحتج به، والرهن إنما يكون شاهدًا على نفسه على ما سنذكره في كتاب الرهن ونذكر الخلاف فيه، إن شاء الله تعالى.
ومما يلحق باختلاف الوكيل والموكل قول الوكيل: أمرتني أن أبيع لك هذه السلعة.
وقال ربها: بل بعتها منك.
وقد باع هذه السلعة من زعم أنه وكيل على بيعها، فإن ربها يحلف على أني ما وكّلتك على بيعها، ويحلف من زعم الوكيل على أنه لم يشترها، ويرتجعها ربها إن كانت قائمة، وإن فاتت فقيمتها بدل عينها تؤخذ من مُفِيتها، إلا أن تزيد القيمة على ما يدعيه ربها من الثمن فلا يزاد، لاعترافه أنه لا يستحق أكثر من الثمن الذي يزعم أنه باعها به ممن زعم أنه وكله على بيعها.
وقد عورض هذا بأن هذا الاختلاف تضمن الاتفاق منهما على أن مشتريها من هذا الذي يزعم أنه وكيل على بيعها، وقد عقد منه شراءها بوجه لازم.
فإن كان ربها صدق في أنه باعها، فهذا الذي باعها من هذا المشتري التي تؤخذ من يديه، باع منه ما ملك، وما يلزم فيه بيعه على مقتضى دعوى رب السلعة.
وإن كان الذي زعم أنه باعها 2 بيع وكالة فلا يسوغ لربها أن ينتزعها من يد من اشتراها من يد وكيله.
لكن إنما كان المذهب في هذا ما قدمناه من تمكين ربها من أخذها إذا حلف على صحة دعواه لكونه لم يقر بصحة بيع (هذا الذي زعم أنه

وكيل، إلا على أنّ في ذمته ويبيعها على ملكه ويكون للمشتري منه العهدة عليه) 1. فإذا لم يحصل هذا لرب السلعقا، بجحود من زعم أنه اشتراها منه عادت إلى ملكه، كمن ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة فأنكر وحلف، فإن السلعة تعود إلى ربها، ثم ينظر في استباحة ربها التصرف فيها أو بيعها في الثمن الذي جحده من اشتراها منه، على ما تقدم ذكره وبيانه، وقد ذكر في المدونة سؤالًا ليس هو من اختلاف الموكل والوكيل، فرأينا أن نذكره ها هنا أيضًا.
وقد قدمنا الأصول التي يؤخذ منها حكمه في كتاب السلم.
وذلك أنه قال في مشتر اشترى من رجل طعامًا فوجد به عيبًا فأتى ليرده على بائعه؛ فزعم البائع أنه أمسك من الطعام الذي باعه نصفَه.
فقال في الكتاب: القول قول المشتري إذا قال: ما اشتريت إلا نصف حمل، وقال البائع: بعتك حملًا كاملًا.
كما لو باع منه سلعة فوجد بها عيبًا، فلما ردها يالعيب، قال البائع: قد بعتك معها سلعة أخرى، فلا تستحق قبلي جميع الثمن لأجل ما أمسكت من الصفقة.
فصُدق المشتري، ها هنا، لما وجب انتقاض العقد لوجود العيب.
وانتقاضه يوجب رد ما قبضه البائع على أنه ثمن المبيع، فيقتضي هذا تصديق المشتري، ويصير البائع مدعيًا على المشتري أنه يستحق عليه مما قبضه منه من الثمن ما قابل المقدار الذي أمسكه المشتري وجحده.
وقد كنا قدمنا في كتاب الرد بالعيب أن مذهب أشهب وهو اختيار ابن المواز ما يشير إلى عكس هذا التعليل، وينقلب الأمر فيه حتى يصير المشتري هو المدعي.
وذلك أنه قال فيمن باع من رجل ثوبين وفات أحدهما ووجد بالآخر عيبًا، فأتى ليرده ويسترد ما قابله من الثمن، وزعم أنه في القيمة ثلثا الصفقة، وقال البائع: بل هو ثلثها.
فصدق أشهب البائع فيما زعم، لكون المشتري مقرًا بأن ذمته قد استقر فيها جملة الثمن استحقها البائع عليه، ويزعم أنه أسقط عنه بعضها، فلا يصدق فيما يدعي سقوطه عنه.
كما لا يصدق من أقر بدين وادعى سقوطه بالقضاء.

وفرق ابن القاسم في المدونة بين أن يكون البائع قد انتقد الثمن فيصير المشتري مدعيًا عليه رد بعض ما انتقد، فلا يؤخذ البائع بأكثر مما أقر به، ولا يلزم أن يرد إلاّ ما اعترف بوجوب رده.
وإن كان البائع لم ينتقد صدق المشتري لكون البائع يحاول تعمير ذمته بما لم يقر به، والأصل براءة ذمته.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أنه يلزمه أن يقول في مسألة العمل ونصف حمل مثل ما حكيناه عنه ها هنا في تفرقته إذا اختلفا في الفائت بين أن يكون البائع قد انتقد وبين ألا يكون قد انتقد.
وقد كنا نحن ذكرنا في كتاب الرد بالعيب من تعليل الاختلاف ما يعلم منه وجه الحكم في مسألة كتاب الوكالات.
وذكر في المدونة في كتاب الوكالات أن المشتري لو ادعى ما لا يشبه فإن البائع يصدق في أنه لم يبع منه إلا حملًا كاملًا.
لكنه وإن كان الأصل عنده تصديق المشتري لأجل ما اعتللنا به فإنه تصير دعواهُ ما لا يشبه كقيام شاهد بكذبه، فيصير القول قول البائع ها هنا كمدع قام له شاهد.
ولكن طرد هذا: أن يمنعه البائع من رد نصف العمل إذا حلف أنه ما باعه إلا حملًا كاملًا، لأن استحقاق نصف الطعام يوجب لمن استحق من يديه رد ما لم يستحق.
وكذلك البائع ها هنا من حقه أن يُمنع من رد نصف ما باع مع استمساك المشتري بالنصف الآخر.
لكنه في المدونة استحلف المشتري على صحة ما يقول ليمكن من الرد الذي زعم أنه ما اشترى سواه.
فجُعل هذا كحكم بين حُكْمين.
لأن تصديق البائع يقتضي أن يمنع من رد نصف العمل إليه، بل يلزم المشتري إذا رد بالعيب أن يرد نصف العمل الذي جحده.
وتصديق المشتري في أنه ما اشترى إلا نصف حمل يوجب أن يرتجع جميع الثمن، لكنه صدق البائع في مقدار ما يرد من الثمن خاصة دون منع المشتري من رد النصف حمل، وإسقاط النصف حمل الآخر.
وصُدق المشتري في إسقاط النصف حمل عنه وتمكينه من رد ما زعم أنه جميع صفقته فاستُصحِب حال كون البائع مستحقًا لجملة الثمن، فلا يُرَد منه إلا ما أقر بوجوب رده، واستُصحب براءة ذمة المشتري من غرامة طعام لم يقر أنه

صار إليه من البائع، لكون دعوى ما لا يشبه ها هنا لم يتضمن أكثر من كون الثمن لا يشبه أن يكون ثمنًا لنصف حمل، ولكن ما ينضاف إلى هذا النصف حتى تكون جملة الثمن الذي اتفقا عليه بعضه ثمن له لا يدري ما هو نصف حمل آخر أو سلعة أخرى.
وهذا كما قيل في كتاب الأكرية من المدونة: إذا اختلف رب الدابة ومكريها في المسافة، وادعى ربها ما لا يشبه أن يكون ما اتفقا عليه من الثمن المسافةَ التي أقر بأن العقد وقع عليها، فإن المكتري إنما يصدق في مقدار ما ينوب ما اعترف اليائع به من المسافة من جملة الثمن، لا في إلزام رب الدابة إيصاله إلى المسافة التي يدعيها، لكون ما ينضاف إلى المسافة التي يقر بها البائع يمكن أن يكون ما قاله المكتري ويمكن أن تكون سلعة أخرى، ولا يؤخذ رب الدابة بأكثر مما أقر به في ملكه، ولا يصدق المكتري في سقوط ثمن أقر بحصوله عليه وقد ادعى ما لا يشبه فيه.
وقد ألزم من أسلم إليه في طعام واختلف هو ومن أسلم إليه في مقدار الطعام، وادعى المسلم إليه ما يشبه، أن يغرم ما ادعى المسلم إليه، فأخْذه بدعوى من له السلم، وإن كان من عليه السلم يقر أنه باع المقدار الذي ادعاه من له السلم.
وهذا كالمناقض لما قلناه ها هنا في مسألة الحمل ونصف حملٍ في مسألة الأكرية.
لكن اعتذر عن هذا بما بسطناه وأشرنا إليه في كتاب السلم.

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل