فجعله مؤذنًا عند الزوال على المنار، فإذا خرج هشام جلس على المنبر وأذن المؤذنون كلهم بين يديه فإذا فرغوا خطب.
قال ابن حبيب والذي مضى من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نبّه بقوله جميعًا لا بين يدي الإِمام على أن المشروع عنده خلاف ما فعله هشام بما حكيناه عنه.
وفي المجموعة قال مالك: وهشام الذي أحدث الأذان بين يديه.
وإنما الأذان على المنار واحداً بعد واحد إذا جلس الإِمام على المنبر.
فإذا فرغوا قام يخطب وهو الذي يحرم به البيع.
ولا أحب أيضًا ما أحدثوا من الأذان على الشرفات حِذاء الإِمام ولا من الإقامة.
كذلك، وليقفوا 1 بالأرض، وبعضهم على المنار 2 لإسماع الناس 3. وقال في مختصر ابن شعبان إذا صلى غير الإِمام الجمعة فلا يؤذنون بين يديه على أن الأذان بين يدي الإِمام ليس من الأمر الأول فلأجل ما ذكرناه ها هنا من قول مالك نبه القاضي أبو محمَّد على ذلك بقوله جميعًا لا بين يدي الإِمام 4.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والخطبة فيها قبل الصلاة يجلس أولها وبعد الفراغ من الأولى.
ويخطب متوكئًا عدى قوس أو عصا.
ولا يسلم.
والأفضل أن يكون متطهراً.
قال الفقيه الأمام رحمه الله: قد تقدم الكلام على ما اشتمل عليه هذا الفصل لما تكلمنا على الجلوس في الخطبة.
وكذلك تكلمنا على كون الإِمام يخطب متوكئًا 5. وقد أعرب ما أورده القاضي ها هنا عن حذقه بالتأليف واطلاعه لأنا كنا قدمنا ما وقع في المذهب من الاختلاف في الاتكاء على القوس، ولما اطلع القاضي أبو محمَّد على ما فيه من الخلاف خصه بالذكر لينبه
على ما قيل فيه، وكذلك تقدم كلامنا على حكم الطهارة في الخطبة وما وقع فيها من الاضطراب لكن اشتمل هذا الفصل على أن الإِمام لا يسقم، وهذا مما لم يتقدم كلامنا عليه.
وقد ثبت أن السلام مشروع.
فالأصل أن الإِمام إذا دخل على قوم سلم عليهم.
وقد اختلف الناس في سلامه إذا صعد المنبر، فنهاه مالك عن السلام إذا صعد المنبر، وأنكر في العتبية سلام الإِمام على الناس إذا رقى المنبر وإذا قام ليخطب.
وهكذا قال أبو حنيفة: أن الإِمام لا يسلم على الناس وقد صعد المنبر.وقال الشافعي: إذا صعد المنبر 1 واستقبل الناس بوجهه سلم عليهم.
وروي ذلك عن ابن الزبير.
وقد قال ابن حبيب: إذا جلس للخطبة فليسلم على الناس وليسمع من يليه ويرد عليه من سمعه.
وهذا إذا كان لما دخل كان ممن يرقى المنبر أو يخطب إلى جانبه.
ولو كان مع الفاس يركع أو لا يركع فلا يسلم إذا جلس للخطبة.
وقد احتج الشافعي 2 على أنه يسلم بما روي من أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عند منبره ثم يصعد.
فإذا استقبل الناس سلم عليهم ثم جلس 3. قالوا: ولأنه 4 استدبر الناس عند طلوعه فأمر بالسلام إذا استقبل الناس.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وينصت له.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة: منها أن يقال:
1 - هل الانصات واجب والإمام يخطب؟.
2 - وهل يجب وإن لغا الإِمام؟.
3 - وهل يمنع الكلام وإن كان بالذكر؟.
4 - ومتى مبدأ الإنصاف ومنتهاه؟.
5 - وهل ينكر على المتكلم والإمام يخطب؟.
6 - وما يحل محل الكلام في المنع؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن بقال: الانصات عندنا للخطبة واجب، والكلام حينئذ محرم.
وبه قال عثمان وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وأبو حنيفة والأوزاعي وابن حنبل، وبه قال الشافعي في القديم.
ورأى الامساك عن الكلام مستحبًا وليس بواجب، وهو قول عروة بن الزبير والنخعي والشعبي والثوري.
فدليلنا في وجوب الإنصاف قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قلت لصاحبك أنصت والأمام يخطب فقد لغوت 1. قيل معناه فعلت اللغو الذي هو الإثم.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ 2. فإذا نهى عن مثل هذا الكلام الذي هو تغيير منكر فنهيه عما سواه من الكلام المباح جنسه أولى.
ولا يصح أن يقال يحتمل أن يكون المراد لغوت إذا أمرت بالإنصات من لايحب عليه لأن الإنصاف مأمور به، ولو كان الكلام مباحًا والتشاغل به عن لايحب عليه لأن الإنصاف مأمور به، ولو كان الكلام مباحًا والتشاغل به عن الإِمام سائغًالأولم يكن للخطبة معنى.
إذ لا فائدة في خطاب من لا يفهم ما يقال له.
وقد استدل من قال: أن الإنصاف مستحب وليس بواجب، بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام فلما كان في الثالثة قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ويحك ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله.
فقال: أنت مع من أحببت.
فلو كان الكلام محرمًا لأنكره النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أيضًا لم ينكر - صلى الله عليه وسلم - على سائله أن يستسقي 3. ولا يُسلم هؤلاء أن معنى لغوت أي أثمت أي
لأنه قد لا يكون اللغو إثمًا.
قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في
أَيْمَانَكُمْ} 1. وقد أشار بعض أصحابنا إلى أنه إنما ترك الإنكار على المستسقى لأنها حالة 2 ضرورة دعته إلى طلب الاستسقاء فعذر في الكلام لأجل الضرورة.
وأما حديث السائل عن الساعة فإن كان في خطبة الجمعة فلهم فيها تعلق وإن كان في غيرها من الخطب التي لم 3 يشرع فيها الإنصاف فلا تعلق به.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف المذهب في الإِمام إذا لغا، فقال مالك في المجموعة إذا شتم الإِمام الناس ولغا، فعلى الناس الإنصاف ولا يتكلمون.
قال أشهب ولا يقطع ذلك خطبته.
وقال ابن حبيب إذا خرج الإِمام من خطبته إلى اللغو وإلى ما لا يعني من لعن أحد فليس على الناس الإنصاف إليه والاقبال عليه.
ولهم التحول عنه والحديث وقد فعله ابن المسيب.
وقال مالك في العتبية في إمام يأخذ في قراءة الكتب: ليس من أمر الجمعة فليس على الناس الإنصاف.
فوجه إباحة الكلام أن الإنصاف إنما شرع لتسمع الخطبة التي إيرادها مشروع، وشرعت لمنفعة الحاضرين.
فإذا خرج منها إلى معنى آخر ليس معناه كمعناها لم يجب الإنصاف.
ووجه النهي عن ذلك حماية الذريعة لئلا يعود إلى الخطبة والمتكلمون لم يقطعوا كلامهم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: مذهب مالك وأبي حنيفة أن العاطس لا يشمّت، والإمام يخطب.
وقال بعض أصحاب الشافعي رد السلام وتشميت العاطس مبنيان على القولين، فإن قلنا إن الكلام محزم لم يجب الرد ولا التشميت.
وإن قلنا ليس بمحرم فيجوز الرد.
قال ابن المسيب وقتادة لا يشمت العاطس.
وحكي عن قتادة أنه قال يرد السلام ويُسمعه.
وقد قدمنا نحن مذهبنا في تحرير الكلام واستدللنا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت 4. فإذا نُهي عن النطق بتغيير المنكر كان النهي عن تشميت العاطس ورد السلام أولى.
قال بعض أصحابنا لأن الاستماع واجب والرد
والتشميت مسنونان، فلا يترك واجب لمسنون.
وقال مالك إن عطس حمد الله في نفسه.
قال ابن حبيب إن عطس فليحمد الله ولا يجهر كثيرًا.
وقال مالك إذا ذكر الإِمام الجنة والنار فليستجيروا وليسالوا في أنفسهم.
وكذلك في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلام عليه.
قال أشهب: والإنصات أحبّ إليّ.
فإن فعلوا فسرًا في أنفسهم.
قال ابن حبيب ولا بأس أن يدعو الإِمام 1 في خطبته المرة بعد المرة، ويؤمن الناس ويجهروا بذلك جهرًا ليس بالعالي ولا يكثروا منه.
وقال مالك إذا مرّ 2 في خطبته بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليفعل ذلك الرجل في نفسه، وكذلك تأمينهم على دعائه.
وقال أيضًا إذا قرأ الإِمام إن الله وملائكته يصلون على النبي، فليصلوا عليه في أنفسهم.
قال بعض المتأخرين ما كان من الكلام ليس بعبادة منع وإن قلّ.
وإن كان فيه عبادة منع كثيره؛ لأنه مشغلة عن الخطبة وهي لا تفوته، 3 وأما يسيره فإن كان يختص بالمتكلم كحمد الله تعالى عند العاطس والتعوذ من النار عند ذكرها فخفيف؛ لأنه لا يشغل عن الإصغاء.
وقال أشهب: الانصات أحب إلينا وإن فعلوا فسرًا، وإن كان لا يختص به مثل التشميت للعاطس فممنوع.
وذكر قول مالك في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في النفس عند قراءة الآية، وقول ابن حبيب في التأمين جهرًا.
وقد قدمناه 4 ثم قال: الإِمام مستودع تأمينهم وهو بالآية مستودع للصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. فهذا الاختلاف في إباحته وإنما الخلاف في صفة النطق به من سر أو جهر.
قال في مختصر ابن شعبان وإذا قرأ الإِمام يوم الجمعة: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ 5. فلا بأس أن يصلي الناس عليه ويؤمنوا ولا يرفعوا بذلك أصواتهم.
وقاله الليث ولم يذكر رفع الصوت.
ويؤمن الناس على دعاء الإِمام يوم الجمعة في أنفسهم.
قال ابن شعبان: وقال أبو حنيفة وأصحابه السكوت أفضل من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا
صلّى الإِمام عليه على المنبر.
وقال ابن الزبير الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ليس من السنّة.
قال ابن شعبان معناه لا يقال مع الإِمام كما يقول على المنبر.
وإذا وضح مذهب الشافعي أن الإِمام إذا قرأ إن الله وملائكته يصلون على النبي الآية جاز لمستمع الخطبة أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرفع بها صوته.
قال بعض أصحابه كما يستحب له أن يسأل الرحمة عند آية الرحمة ويستعيذ من العذاب عند آية العذاب، فينبغي أن تكون الصلاة مثل ذلك في حكم كلام السامعين ونطقهم بما فيه عبادة.
فهل يجوز للإمام أيضًا أن يتكلم بما ليس من الخطبة حينئذ لأنه لا بأس أن يتكلم بما كان من أمر أو نهي ولا بأس أن يجاوبه من كلمه الإِمام؟ قال مالك في العتبية لا بأس أن يأمر في خطبته بالأمر الخفيف أو ينهى عنه.
وقال في مختصر ابن شعبان لا بأس بكلام الإِمام يوم الجمعة على المنبر بغير الخطبة إذا كان كلامًا من الحق يعظ إنسانًا به ويأمر به وينهي عنه ويجهر به ليسمع وينصت له، وبلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تكلم بكلام كثير يوم الجمعة.
قال ابن شعبان وقاله الأوزاعي.
وقد روى عن عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة فرأى ابن مسعود فقال يا ابن مسعود تعال.
ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا في الشمس وهو يخطب فأمره أن يتحول إلى الظل.
وقد أشار ها هنا ابن شعبان إلى استدلال مالك بأنه بلغه أن عمر رضي الله عنه تكلم بكلام كثير على المنبر 1.
والحديث المشهور من قول عمر رضي الله عنه لمن تأخر أيّ ساعة هذه؟ فأجابه ما زدت على أن توضأت يؤكد استدلال مالك بما بلغه عنه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما مبتدأ تحريم الكلام فعندنا وعند الشافعي أنه إذا بدأ في الخطبة.
وقال أبو حنيفة: بل بخروج الإِمام يحرم الكلام.
ولنا ما روي عن ثعلبة بن أبي مالك أنه قال: جلوس الإِمام على المنبر يقطع السجدة يعني التنفل.
وكلامه يقطع الكلام ولقد كان الناس في زمن عمر يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن
المؤذن جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا، فلم يتكلم أحد حتى يفرغ من الخطبتين كلتيهما، ويقيم المؤذن.
ثم يتحدثون.
وأما أبو حنيفة فيحتج بقوله في الحديث من اغتسل يوم الجمعة ثم ذكر الحديث إلى قوله ثم إذا خرج الإِمام أنصت 1 فعلق، الإنصاف بالخروج.
وقد أجيب عن هذا بأن الرواية اختلفت.
ففي بعضها وأنصت إذا خطب فيحمل قوله إذا خرج على أن المراد به خرج وخطب.
وحكى بعض المصنفين عن الشعبي والنخعي ما ظاهره أن الإنصاف إنما يجب إذا قرأ الإِمام القرآن خاصة، وقد كنا نحن نقلنا عنهما استحباب الإنصاف على الجملة فإن كانا لا يحرّمانه إلا عند القراءة كان المبدأ عندهما خلاف ما حكيناه عنهما وعن أبي حنيفة.
وأما منتهاه ففراغ الإِمام من الخطبتين وبه قال الشافعي وكره أبو حنيفة والحكم الكلام بعد الفراغ من الخطبتين 2. وبه قال ابن عباس.
واختلفت الرواية عن ابن عمر.
ودليلنا قول أنس كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة، ينزل من المنبر فيقوم الرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه فيصلي 3. واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن الصلاة لما كرهت حينئذ كره الكلام.
وانفصلا عن ذلك بأن الصلاة إنما نهي عنها حينئذ لكونها مانعة من الاشتغال بالفرض.
والكلام لا يشغل عن الفرض.
ولما كان الكلام والصلاة حال الخطبة يشغلان عنها استويا في النهي.
ولما افترقا في الاشتغال بعد الفرك افترقا في النهي.
وقد قال الحسن البصري لا بأس بالكلام بين الخطبتين.
وإنما لم نعد مذهبه مذهبًا ثالثًا في المنتهى لأن هذه الإباحة لا تدوم.
وكلامنا في منتهى التحريم والانتقال إلى إباحة تدوم ما لم يعرض عارض يمنعها.
والردّ عليه أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين، فلما لم يجز الكلام في الفصل بين الركعتين لم يجز الفصل بين الخطبتين 4. وإذا وضح ما قلناه في تحريم الكلام، مبدئه ومنتهاه فحكم من
لم يسمع الخطبة عندنا كحكم من سمعها فيما قلناه.
وفي الواضحة ونحوه في المختصر يجب على الناس الإنصاف للإمام والتحول إليه إذا أخذ في الخطبة على من سمعه ومن لم يسمعه.
وقال عروة بن الزبير وابن حنبل يجوز الكلام لمن لم يسمع الخطبة.
وهو أحد قولي الشافعي هكذا في كتب بعض أصحابنا عنه.
وفي كتب بعض أصحابه أن الكلام يمنع في حق من سمع ومن لم يسمع إلا من كان بعيدًا، هو بالخيار بين أن يسكت أو يقرأ القرآن، وإن سبّح فلا بأس.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من كان قريبًا يسمع الخطبة وينصت، ومن كان بعيدًا ينصت فإن للمنصت الذي لا يسمع الخطبة مثل الذي يسمع.
وروي عن عثمان رضي الله عنه نحو ذلك.
وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من كون من لا يسمع كمن يسمع.
وأما أصحاب الشافعي فإنهم رأوا أن كونه لا يسمع يبيح التشاغل بالقرآن والذكر لأن القرآن والذكر أولى به من السكوت.
والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: قال في المختصر لا يقول لمن لغا أنصت.
وقال مالك أيضًا في المبسوط إذا تكلم رجلان فلا بأس أن يشير لهما بيده ينهاهما أو يغمزهما أو يسبّح بهمالأولا يرفع صوته بالتسبيح.
وقال أيضًا في الاستغفار والتهليل والاستجارة من النار والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مرّ الإِمام بذكر ذلك لا بأس به ما لم يرفع صوته أو يشتغل بذلك عن الاستماع.
وأما ابن عمر فإنه رأى رجلين يتحدثان والإمام يخطب فحصبهما أن اصمتا.
قال عيسى ابن دينار ليس العمل على التحصيب ولا بأس أن يشير إليه.
قال بعض المتأخرين لعل ابن عمر حصبهما لينظرا إليه فيشير إليهما بالصمت" وأمن أن يؤدي أحداً.
فإن كان ابن دينار خاف الأذى من التحصيب فإنما أنكر إطلاق اللفظ بذلك، وإن كان أنكره لكثرة العمل والاشتغال فهو مخالف للرواية عن ابن عمر.
وبالجملة فمقتضى مذهب مالك: أن لا يشير إليهما.
وهو الصواب.
لأن الإشارة كالنطق - وهذا الذي جعله هذا من مقتضى مذهب مالك: 1. وقد قدمنا عن مالك في المبسوط خلافه.
وفي مختصر ابن شعبان من رأى رجلًا يكلم غيره فلا يحصبه فإذا انقضت الصلاة وعظه.
قال ابن شعبان نهى
النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحذف في المسجد.
وقال بعض أصحاب الشافعي ليس للشافعي نص في الإشارة والذي يجيء على مذهبه أنه لا بأس بذلك ويكره الحصب بالحصباء.
وكان ابن عمر يحصب من يتكلم بالحصاة.
وربما أشار إليه.
وقال طاوس: تكره الإشارة إليه، ودليل جواز الإشارة أن الصحابة أشارت 1 إلى الرجل الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة.
وأما الحصب بالحصباء فإنما يكره 2 لما فيه من الأذى.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: يجوز الاحتباء عندنا والإمام يخطب.
قال ابن حبيب ويلتفت يمينًا وشمالًا.
ويمد رجليه.
وقيد في مختصر ابن شعبان الالتفات فقال: لا بأس بالالتفات اليسير والإمام يخطب.
وكره بعض أصحاب الحديث الاحتباء ورووا فيه حديثًا قد طعن في إسناده.
وأما شرب الماء حينئذ فقال في مختصر ابن شعبان إذا جلس الإِمام على المنبر فلا يشرب ماء وإن لم يكن خطب.
ولا ينبغي لمن فيه أن يفعل.
وكذلك بعد الخطبة لا يشرب ماء.
وقال مالك أيضًا في العتبية لا يشرب الماء والإمام يخطب.
ولا يقوم حينئذ أحد بالماء.
وقال الأوزاعي إن شرب بطلت جمعته وأجازت الشافعية الشرب للعطش والتبرد.
ودليلنا أن ما يشغل عن استماع الخطبة يمنع منع كالكلام.
وأما الأوزعي فإنه أفرط حتى قال بعض الناس فيه: أنه خالف الإجماع.
وأما البيع فإنه يمنع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 3. وإنما تعلق منع البيع بالنداء في حق من كان إذا سعى عند النداء أدرك الخطبة والصلاة.
وأما من كان بعيدًا الدار ممن يعلم أنه إذا أخر السعي إلى النداء فاتته الجمعة فإن السعي يجب عليه قبل ذلك بمقدار ما يعلم أنه لا يفوته ما توجه عليه السعي إليه؛ لأنه إن باع حينئذ شغله البيع عن السعي وإذا اشتغل عن السعي فاتته الجمعة.
وقد كنا أشرنا إلى ميقات الوجوب
في حق بعيد الدار وذكرنا اضطراب أصحابنا في ميقات منع السفر في حق بعيد الدار.
وسنعيد الكلام عليه بعد هذا.
وإذا ثبت أن النداء يمنع البيع على الجملة فهو النداء الثاني الموقع والإمام على المنبر.
قال مالك في العتبية النداء الذي يحرم به التبايع يوم الجمعة النداء والإمام على المنبر.
وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك.
وقد جعل ابن عبد الحكم النداء الثاني واجبًا لما يتعلق به من الأحكام من وجوب السعي ومنع البيع.
وقد ذكرنا أن بعيد الدار قد يحرم عليه البيع قبل هذا النداء.
وقد يصادف النداء الأول وقت تحريم البيع في حق من كان بُعْد داره يوجب عليه السعي وقت الآذان الأول.
وإذا ثبت ما قلناه من تحريم البيع، فالبيع قبل الوقت الذي حددناه سائغ.
قال في مختصر ابن شعبان: ولا بأس بكينونة 1 الرجل في سوقه إلى أذان الجمعة.
قال ابن شعبان يريد كما فعل عثمان رضي الله عنه.
وهو الأمر الذي كان عليه الصدر الأول لا يجتنبون البيع يوم الجمعة بل يستحبون ذلك ويرغبون فيه خلافًا لليهود فيما يصنعون في سبتهم.
وقد أذن الله سبحانه في ذلك إلى النداء لها 2 ثم أذن به بعد الفراغ منها كما قال جل ذكره.
وأما ترك العمل يوم الجمعة فقد كرهه مالك وكان بعض الصحابة يكرهه.
وقال ابن حبيب عن أصبغ من ترك من النساء العمل يوم الجمعة استراحة فلا بأس.
ومن تركه منهن استنانًا فلا خير فيه.
وإذا ثبت منع البيع يوم الجمعة فهل يفسخ إذا وقع أم لا؟ عن مالك في ذلك روايتان: قال في المدونة يفسخ.
وقال في المجموعة البيع ماض وليستغفر الله.
وفي الثمانية عن ابن الماجشون إن كان قوم اعتادوا البيع ذلك الوقت فسخت تلك البياعات كلها 3 وإن لم تكن عادة زجروا عن ذلك ولم يفسخ.
فإن قلنا بأن البيع يفسخ فما حكمه إذا فات بتغير الأسواق وغير ذلك مما يفيت البيع؟ فيه قولان: أحدهما أنه يمضي بالثمن وهو قول المغيرة وسحنون.
قال ابن عبدوس لأن فساده في عقده لا في ثمنه كالنكاح يفسد لعقده.
والقول
الآخر، أنه يكون فيه 1 القيمة.
فإن قلنا بهذا القول فمتى تكون القيمة؟ فيه قولان: أحدهما أنها تكون حين القبض، وهو قول ابن القاسم والثاني أنها تكون بعد الصلاة وحين يحل البيع.
وهو قول أشهب.
وإن قلنا بأن البيع لا يفسخ فهل يستباح الربح أم لا؟ قال مالك أرى الربح على المشتري حرامًا.
قال ابن القاسم فإن باعها المبتاع بربح فلا يأكل الربح وأحبُ إقي أن يتصدق به.
وعمدة من فسخ البيع أنه بيع منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه عند طائفة من أهل الأصول.
وأما من لا يفسخه فقد لا يسلم دلالة النهي على الفساد على الإطلاق.
وقد احتج ابن سحنون لهذا المذهب بأن من فرّط في صلاة الظهر والعصر حتى لم يبق من النهار إلا مقدار خمس ركعات فباع حينئذ فإن بيعه لا يفسخ.
وهذا الذي احتج به ابن سحنون وقدّره متفقًا عليه قد خالف فيه إسماعيل القاضي.
ورأى أن البيع يفسخ كالبيع وقت الجمعة.
وإليه ذهب الشيخ أبو عمران.
كان هذا البيع مما تدعو الضرورة إليه لإقامة الجمعة كمن انتقض وضوؤه وقت الجمعة ولم يجد ماء إلا بالثمن فهل يباح له أن يشتريه لأن البيع حينئذ إنما نهي عنه لكونه فيه شغل عن الصلاة، وهذا البيع بالعكس من ذلك إذ بفعله تحصل الصلاة وبتركه تفوت، أو يمنع من ذلك طردًا لحكم سائر البياعات؟ قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي يجوز شراؤه والبيع لا يفسخ فيه.
وإذا تبين ما قلناه في البياعات فهل يقاس عليها غيرها من العقود أو لا؟ إذا قلنا بطريقة من ذهب إلى الفسخ، اختلف في النكاح.
فقال أصبغ يفسخ.
وقال الأبهري وهو مذهب أبي العباس الطيالسي وعبيد الله ابن المنتاب وهو الصواب.
قال ابن الجلاب يفسخ النكاح والإجارة.
وقال ابن القاسم لا يفسخ النكاح دخل أو لم يدخل، ولا ما عقد من هبة أو صدقة بخلاف البيع.
وخزج القاضي أبو محمَّد فسخ الهبة والصدقة على قول من فسخ النكاح.
وقال محمَّد 2
بن عبد الحكم في الإقالة والشركة والتولية والأخذ بالشفعة يفسخ لأنه بيع.
ومما
يشكل عندي تخريج العتق على ما أشار إليه القاضي أبو محمَّد من الاختلاف في الهبة والصدقة.
فإنه قيل بإمضائهما فلا شك في إمضاء العتق وإن قيل بردهما ففي العتق نظر لأجل ما يتعلق به من الحرية 1. وكأن من يرى أن العلة الاشتغال عن الجمعة يجري كل ما يشغل من ذلك مجرى واحداً كالنكاح والإجارة والهبة والصدقة.
ومن يرى أن البيع يتكرر ويشتد الحرص عليه ففسخه حسم لمادته، والنكاح وما في معناه لا يتكرر فلا يكون في إمضائه إغراء الناس به.
يفرق بين البيع والنكاح 2 وما ذكر معه في الفسخ.
وإلى هذا الفرق 3 أشار ابن بكير.
ومما يحل محل الكلام تحريك ما له صوت كالحصباء والثوب الجديد.
وقد خرّج مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حرك الحصباء فقد لغا 4. ومما يحل محل الكلام 5 في المنع 6 الصلاة حينئذ.
وها نحن نتكلم عليها.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا يركع من دخل والإمام يخطب.
قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان منهما أن يقال:
1 - لِمَ منعت الصلاة والإمام يخطب؟.
2 - وهل يقطع الصلاة من تنفل والإمام يخطب؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الشروع في تحية المسجد فإنه يمنع عندنا إذا خرج الإِمام.
وكذلك يمنع حينئذ الشروع في الصلاة من حضر المسجد.
وبه قال الثوري وأبو حنيفة والليث.
وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق من دخل والإمام يخطب صلى ركعتين.
وقال أبو مخلد 7 فيمن دخل
والامام يخطب إن شاء ركع وإن شاء جلس.
قال الأوزاعي إن كان قد ركع في بيته لم يصل وإن لم يكن صَلَّى في بيته 1 ركع ركعتين.
وقد استدل على الجواز بما خرّج في الصحيحين: أن رجلًا أتى والشعبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس ولم يركع فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما.
ثم قال إذا جاء أحدكم المسجد والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما 2. وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا بأجوبة أحدها أن الرجل كان فقيرًا فأراد أن ينبه بقيامه على حاله ليُتصدق عليه.
أو يحمل على أنه أمره بذلك بعد الفراغ من الخطبة، أو كان ذلك والشعبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبتدىء الخطبة وسكت له حتى ركع.
أو دخل وهو في الخطبة فقطعها حتى ركع، وقد ذكر بعض الناس أنه روي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمسك عن الخطبة.
وهذه الرواية إن ثبتت تعين هذا التأويل دون ما سواه.
وأما الاعتذار بأنه أراد أن ينبّه على حاله ليتصدق عليه فلا يعتمد عليه لأنه قد قال عقيب قوله = قم فاركع ركعتين وتجؤز فيهما = إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب الحديث.
ولا شك في أن هذا اللفظ قد تعدى هذا الرجل وأريد به من سواه.
وهو خطأ ب لجميع الحاضرين على القول بالعموم.
وجميع الحاضرين ليسوا بمساكين تجوز لهم الصدقة.
وقد أدى هذا اللفظ 3 العام ابن القصار إلى أن طلب تأويلًا آخر لهذا العموم فقال يحمل على أنه كان في غير خطبة الجمعة.
وهذا تعسف منه.
وقد ذكر في بعض طرق الحديث جاء سليك الغطفاني في يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما 4. ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ويتجوز فيهما.
وإذا أطلق لفظ الخطبة منسوبًا إلى يوم الجمعة إلى يوم فالسابق إلى فهم كل سامع حمله على الخطبة المعهودة فهيا.
وقد قابل بعض أصحابنا هذا الحديث الذي اعتمد عليه هذا المخالف بما رواه ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا
دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة له ولا كلام حتى يفرغ 1.
وأيضاً فإن رجلًا دخل المسجد والشعبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له: أجلس فقد آنيت وآذيت 2. فأمره بالجلوس فدل على أنه المشروع.
وهاذان الحديثان قوبل بهما حديثا المخالف: وما ذكرناه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب، وحديث *الأمر بتحية المسجد عمومًا.
وعضد أصحابنا ما تعلقوا به 3 بأنه - صلى الله عليه وسلم -: قال إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت.
فإذا كان تغيير المنكر حينئذ ممنوعًا لكونه شاغلًا كانت الصلاة حينئذ أولى لأنها أشد شغلًا.
وقد أشار بعض أصحابنا إلى أنه إنما كان مبدأ منع الصلاة خروج الإِمام ولم يكن ذلك مبدأ منع الكلام.
كما قال أبو حنيفة لأن الصلاة قد لا تنقضي إلا وقد شرع الإِمام في الخطبة فيكون حينئذ منشغلًا بالصلاة عن الخطبة.
واعتضدوا أيضًا بأن الاستماع فرض والتحية نفل، فلا يترك فرض لنفل.
وبهذا ردّوا قول المخالف أن التحية تخصه فقدمت على الاستماع الذي هو له ولغيره لأنه 4 إذا كان الاستماع فرضًا لم يوازن بالنفل مع أنه مخصوص بفرض الاستماع.
وهذا التعليل يقتضي أن من ذكر صلاة الصبح حينئذ فإنه يصليها.
وإلى هذا أشار بعض أصحابنا البغداديين وقال: لأنه 5 يترك أمرًا لما هو أوجب منه وقد ذكرنا أن مذهبنا تعليق منع الصلاة بخروج الإِمام، وذكرنا ما ذكر من الفرق بين ذلك وبين الكلام.
وقد قال مالك في المختصر التنافل يوم الجمعة جائز للناس حتى يجلس الإِمام على المنبر، فإذا جلس فلا صلاة، ولا بأس بالكلام.
فإذا تكلم فلا كلام.
وينبغي أن يستقبل وينحرف إليه وينصت وذلك على من سمعه ومن لم يسمعه.
وكذلك ذكر ابن حبيب وقال: ممن في المسجد أو خارجاً عنه.
قاله مالك ورواه عن عثمان رضي الله عنه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا شرع في النافلة من نهيناه عنها يوم الجمعة فهل يقطع أم لا؟ اختلفت الرواية عن مالك رحمه الله.
فقال في مختصر ابنِ شعبان: من دخل في النافلة بعد جلوس الإِمام قطعها.
وقال سحنون في العتبية من دخل، والإمام جالس، والمؤذنون يؤذنون فأحرم بالصلاة جهلًا أو سهوًا فلم يفرغ حتى قام الإِمام يخطب أنه يمضي في صلاته ولا يقطع.
وإنما يكره ذلك ابتداء.
فإذا فعل ذلك أحد في صلاته مضى ولم يقطع.
قال ورواه ابن وهب عن مالك.
فكأن قائل هذا المذهب راعى الخلاف في أصل المسألة.
ومن أمر بقطع الصلاة لم يرل الخلاف 1 في ذلك.
وهذا الحكم لو ابتدأ النافلة حينئذ، فأما استدامتها حينئذ في حق من افتتحها وقت الجواز فلمالك في العتيبة، إذا خرج الإِمام وقد أحرم رجل بنافلة فليتمها ركعتين ومن لم يحرم حتى جلس الإِمام فلا يحرم.
وإذا وضح أنه لا يقطعها من افتتحها حال الجواز فهل يستوفي أفعالها أم لا؟ اضطرب المذهب في ذلك.
قال مالك في المجموعة إذا دخل الإِمام وقد بقي على رجل آيات في آخر الركعة فواسع أن يتمها ويركع.
وعنه في العتبية، وإن كانت في تشهد النافلة فليسلم ولا يتربص ليدعو لقيام الإِمام.
قال ابن حبيب لا بأس أن يطيل في دعائه ما أحب.
وقال في مختصر ابن شعبان، إذا جلس الإِمام على المنبر بعد أن دخل داخل في النافلة فليتم ركعتين ويقرأ في كل ركعة بأم القرآن وحدها.
ومن خرج عليه الإِمام يوم الجمعة وهو قائم في آخر ركعة من نافلة فواسع أن يتم ذلك أو يركع، فإن كان تشهد فليسلم ولا يمكث حتى يفرغ من دعائه.
فأنت ترى كيف نقل ابن شعبان ما كنا نقلناه من التوسعة في قراءة الآيات والنهي عن إكمال الدعاء والاقتصار على أم القرآن وحدها.
فكان النهي عن قراءة السورة مع أم القرآن ينافي ما ذكره من التوسعة في قراءة 2 الآيات.
ومما ينهى عنه يوم الجمعة 3 التخطي.
وإنما أوردناه في هذا الفصل ولم
نلحقه بما يحل محل الكلام في الفصل الذي قبل هذا، لأجل اختصاص النهي فيه بجلوس الإِمام كالصلاة.
فالتخطي لغير فرجة بين يديه منهي عنه على الإطلاق لما فيه من الأضرار.
وأما التخطي لفرجة فيباح قبل جلوس الإِمام وينهى عنه بعد جلوسه.
قال مالك: إنما ينهى عن ذلك إذا خرج الإِمام وجلس على المنبر، فأما قبل ذلك فلا بأس إذا كان بين يديه فرج.
قال بعض أصحابنا إذا جلس الإِمام فقد أبطل الداخل حقه في التخطي إلى الفرج، لأجل تأخره عن وقت وجوب السعي.
وذكر مالك في موطئه عن أبي هريرة: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإِمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس 1. قال بعضهم معناه أن الماثم عنده في تخطي رقاب الناس أكثر من الماثم في التخلف عن الجمعة.
وقالت الشافعية يكره لمن دخل المسجد وقد ازدحم الناس أن يتخطى رقاب الناس وليصل حيث انتهى به المجلس إلا أن يجد موضعًا يصلي فيه فلا يكره له التخطي.
وكذلك إذا كانت فرجة ولا يحتاج في الوصول إليها إلا أن يتخطى الواحد والاثنين فيجوز ذلك.
فإن كانوا أكثر كره له، وكان قتادة يقول يتخطاهم إلى مجلسه.
والأوزاعي يقول يتخاطاهم إلى السعة.
وقال أبو بصرة يجوز أن يتخطاهم بإذنهم.
وقد قدمنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: إجلس نقد آنيت وآذيت 2. وهذا الحديث قد تضمن الإشارة إلى معنى الأذى بالتخطي ونحن قد منعنا الأذى على الجملة.
وقالت الشافعية لا معنى لتفرقتكم 3 بين خروج الإِمام وقبل خروجه في إباحة التخطي إلى الفُرج 4؛ لأن المنع إذا رجع للأذى لم يعتبر فيه خروج الإِمام.
وقد قدمنا ما أشار إليه من أصحابنا من الانفصال.
فإنه قد أبطل حقه في التخطي لتأخره عن وقت وجوب السعي.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ثم يقام لها عند الفراغ من الخطبة
الثانية وعدد 1 ركعاتها ركعتان يجهر 2 في كلتيهما ويقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالأعلى أو بالمنافقين.
قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منها أن يقال:
1 - لِمَ جهر فيهما بالقراءة؟.
2 - ولمَ استحب أن يقرأ فيهما بما قال؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الأصل في صلاة النهار الإسرار لكن الجمعة، لما كانت صلاة القصد بها المباهاة وإظهار معالم الإِسلام والإشاعة بها، شرع الجهر فيها.
لأن السر أخفى والقصد بها الإشهار.
والإجهار أبلغ في الإشاعة.
فلهذا خالفت الأصل وشرع فيها الخطبة لما في الخطبة من الإشهار أيضًا، وغير ذلك من المعاني التي شرعت الخطبة لأجلها.
وجعلت الخطبة فيها بدل الركعتين.
ولما رأى القاضي أبو محمَّد مخالفة هذه الصلاة لما استقر الأمر عليه في صلوات النهار من العدد والإجهار، نبّه على ذلك بما ذكرناه ها هنا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن بقال: اختلف الناس في المستحب من القراءة في صلاة الجمعة، فعندنا وعند الشافعي أن الركعة الأولى يقرأ فيها بسورة الجمعة.
وقال أبو حنيفة لا تتعين فيها سورة من السور المقروءة مع أم القرآن.
وأما الركعة الثانية فعندنا أنها لا تتعين فيها بسورة بعينها.
وبه قال أبو حنيفة.
ولكن قال مالك في المدونة: أحب إليّ أن يقرأ فيها بسورة الجمعة وهل أتاك حديث الغاشية.
وفي المجموعة قيل لمالك أقراءة سورة الجمعة في صلاة الجمعة سنّة؟ قال: ما أدري ما سنّة! ولكن منْ أدركنا، كان يقرأ بها في الأولى وفي الثانية ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وفي رواية أشهب بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وذلك أحب إلى وهم يقرؤون اليوم بالتي تلي سورة الجمعة.
وفي مختصر ابن شعبان رأيت الأئمة عندنا يقرؤون بسبّح مع سورة الجمعة في
صلاة الجمعة.
وقال أبو مصعب عنه يقرأ بها.
فهذه روايات أشير بها إلى استحباب سورة معينة في الثانية.
والذي حكاه بعض أصحابنا أنها لا تختص بإحدى السورتين المشار إليهما بسبّح وهل أتاك حديث الغاشية.
ولا تختص أيضًا بغيرهما من السور.
وقال الشافعي تختص بسورة المنافقين، وقد اختلفت الآثار في ذلك.
قال ابن حبيب روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيها بالجمعة وهل أتاك حديث الغاشية 1 وروى سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ فيها بسبّح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية 2. واحتجت الشافعية بما روي أن أبا هريرة صلى الجمعة بالمدينة فقرأ بسورة الجمعة والمنافقين.
فقال عبد الله بن أبي رافع لأبي هريرة قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الكوفة فقال أبو هريرة إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بهما.
قالوا ويرجح هذا الخبر بعمل هذين الصحابيين
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وتدرك بقدر ركعة من فعلها أو وقتها.
قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منهما أن يقال:
1 - لم لا تدرك الجمعة إلا بركعة من فعلها؟.
2 - وما حكم من غفل عن بعض أركانها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس بماذا يكون إدراك الجمعة.
فقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: لا تدرك الجمعة إلا بإدراك الخطبتين ومن لم يدركهما لم يدرك الجمعة.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لا يكون مدركًا إلا بإدراك الخطبة.
ومذهبنا أنه يدرك الجمعة بإدراك ركعة وبه قال الزهري 3 والثوري والأزاعي ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروي عن ابن مسعود وبأن عمر وأنس رضي الله عنهم.
وقال النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف إن أدرك التشهد فقد أدركها.
قال أبو حنيفة وكذلك إن
لم يدركه إلا في سجود السهو بعد السلام.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة 1. ومن أدركهم جلوسا صلى ظهرًا أربعًا.
قال بعض أصحابنا والصحابة على القولين الذين ذكرنا عنهما.
ومذهب أبي حنيفة إحداث قول خارج عنهما.
وأيضًا فإنه وافق على أن هروب الناس عن الإِمام قبل عقد ركعة يمنع من انعقاد الجمعة، فكذلك المأموم إذا لم يدرك ركعة.
لأن الجماعة شرط في حق الإِمام والمأموم.
وقد كنا قدمنا ما أشار إليه أصحابه من الفرق بين الإِمام والمأموم في هذا.
ولا تعلق لأبي حنيفة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا 2. لأن من أدرك ما بعد الركوع غير مدرك في الحقيقة؛ لأنه لا يعتد بما أدرك بل يقضيه.
وإذا كان غير مدرك فقد فاتته الجمعة كلها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد كنا قدمنا الكلام في حكم الناعس والمزاحم عن الركوع والسجود وذكرنا ما اتفق عليه من ذلك وما اختلف فيه 3 وذكرنا تفرقة بعض أصحابنا بين المزاحم والناعس وما قيل في الفرق بينهما وقد قيل في الفرق بينهما 4 إنما كان المزاحم لا يتبع بخلاف غيره لأن المزاحم ذاكر فللذكر تأثير في لزوم الفريضة.
ولذلك اتفق أصحابنا على أن المربوط يقضي بخلاف المغمى عليه.
وإذا كان المزاحم في حكم الملزوم بالاتباع لذكره لم يعذر في الترك حتى يمكن من تلافي ما فات 5. وقد كنا قدمنا أيضًا اختلاف المذهب في السلام هل يكون ركنًا مانعًا من تلافي ما فات أم لا؟ فمن أدرك الأولى من الجمعة وزوحم عن سجود الثانية حتى سلم الإِمام، لم يأت بالسجود عن ابن القاسم بعد السلام وأتى به عند أشهب.
لأنه في التشاغل 6 به بعد السلام لا يخالف الإِمام في ركن يجب أن يتبعه فيه بخلاف
الخائف أن يعقد ركعة ثانية عليه.
ولو كان لم يدرك إلا الثانية من الجمعة وزوحم عن سجودها حتى سلم الإِمام، فقال ابن القاسم لا تجزئه الجمعة.
وقال أشهب بل تجزئه ويسجد ثم يقضي الركعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة 1. فإن قلنا لا تجزئه 2. فعند عبد الملك يكمل عليها صلاة الظهر أربع ركعات وعند أصبغ يكملها ركعتين ثم يعيد أربعًا.
وعند ابن المواز يسلم ويستأنف الأربع.
ولو فاتته ركعة فقضاها بعد صلاة ما أدرك ثم شك في سجدة لا يدري من أي ركعة هي؟ فقال ابن القاسم يأتي بسجدة ثم ركعة ويسجد للسهو ثم يعيدها ظهرًا.
وقال عبد الملك يأتي بالسجدة خاصة ويتشهد ثم يسجد بعد السلام ويعيدها ظهرًا.
واعتل محمَّد لهذا بأنه إن كانت السجدة من الأخيرة.
صحت الجمعة ولم يحتج إلى الركعة.
فلهذا لم يؤمر أن يأتي بها.
وأشار بعض أشياخي أنا إذا قلنا إن الركعة التي لا يعتد بها لا تمنع من إصلاح ما قبلها سجد هذا لإصلاح التي صلى مع الإِمام إذا لم يحل بينه وبينها حائل يُعتد به في صلاة الجمعة، ثم يأتي بركعة وتصح جمعته.
وقد علمتَ فيما قدمناه من باب الناعس صفة 3 تلافي ما فات، لكن وقع بين الأشياخ تنازع فيمن نعس عن ركوع الأولى من الجمعة وخاف إن اشتغل بتلافي ما فات أن يعقد عليه الإِمام الثانية.
هل يضرب عن الاشتغال بما فات ويعقد مع الإِمام ما هو فيه كما يفعل في سائر الصلوات أو تختص صلاة الجمعة بأنه لا يعقد مع الإِمام ما هو فيه إلا بعد القطع بسلام؟ فذهب الأبياني إلى أنه يقطع بسلام.
وأنكره غيره من الأشياخ.
وإذا لم يستطع المأمور السجود وزُوحم عليه فاصل مالك أنه يؤخر حتى يمكنه ذلك.
لكنه مع هذا يكون حكمه أن يومئ إذا خشي ذوات الركوع مع الأمام فإنه يومئ ليدرك معه الركوع 4. وأصل أشهب أنه يومئ وليس عليه كثر مما في وسعه.
ورأى أن الإيماء أولى من التأخير.
وعند الشافعية أنه
يسجد على من بين يديه إن أمكنه ذلك فإن لم يمكنه صبر حتى يزول الزحام.
وقال عطاء والزهري بالانتظار حتى يزول الزحام على حسب ما حكيناه عن مالك.
وقال الحسن البصري هو بالخيار إن شاء سجد على ظهر إنسان وإن شاء وقف حتى يزول الزحام.
واحتجت الشافعية بقول عمر رضي الله عنه: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه.
ولكنه أكثر ما فيه أنه يسجد على موضع عال، 1 فهو يشبه من كان في موضع منهبط فسجد على مرتفع.
وأما مالك فإنه يحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ومكن من جبهتك على الأرض 2. وأما الحسن فإنه يحتج بأنه إذا تابع الإِمام أحل بكمال السجود وحصلت له المتابعة.
وإذا آخره أتى بكمال السجود وأخل بالمتابعة.
فلما تردد الأمر بين هذين خير بينهما.
وقد نوقض بالمريض فإنه لا يخير بين الإيماء الآن والتأخير لحال الصحة ليأتي بالكمال.
وللنظر في هذه المناقضة مجال.
وإذا ثبت من أصلنا منع السجود على ظهر آخر فإنه متى منع السجود فسجد على ظهر إنسان أعاد عند مالك، وإن ذهب الوقت.
وعند أشهب إنما يعيد في الوقت.
وعند محمَّد بن عبد الحكم فيمن أدرك الأولى وزوحم عن سجود الثانية فسجد على ظهر أخيه فإنه يعيد السجود وإن سلم الإِمام إذا لم يسلم هو.
وإذا قلنا بطريقة أشهب أن الفرض الإيماء فإن الساجد على الظهر يتنزل على هذه الطريقة منزلة من كان فرضه الإيماء فرفعت له وسادة فسجد عليها.
وقد تقدم الكلام على ذلك.
وقول القاضي أبي محمَّد في هذا الفصل أنه مُدرك للجمعة 3 بإدراك ركعة من وقتها وقد قدمنا الكلام عليه فيما مضى فلا معنى لإعادته.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تفالى: ويكره السفر قبل الزوال من يومها ويحرم بعده.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: لهذا الفصل سؤالان: منهما أن يقال:
أ- لِمَ كره السفر قبل الزوال؟.
2 - ولِمَ حرم بعده؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في السفر يوم الجمعة قبل الزوال، فعندنا فيه قولان: الجواز والكراهة.
وروى ابن وهب عن مالك: أحبّ إلى ألا يسافر حتى يشهد الجمعة فإن لم يفعل فهو في سعة.
وروى عنه ابن زياد: لا بأس بذلك ما لم تزغ الشمس فإذا زاغت فلا يخرج.
وروى عنه ابن القاسم في العتبية: لا يعجبني أن يسافر يوم الجمعة إلا من عُذر.
وقال مالك في المختصر: لا أحب أن يخرج حتى يصليها فأما إن زاغت فواجب أن لا يخرج حتى يصليها 1. وقال في مختصر ابن شعبان: من كان له عذر في السفر يوم الجمعة ضُحى فلا بأس.
والعذر غير شيء واحد.
قال ابن شعبان: وأبصر عمر رضي الله عنه رجلًا عليه أهبة السفر فقال لولا الجمعة لخرجت.
قال عمر رضي الله عنه: إن الجمعة لا تحبس 2 مسافرًا.
وأما الشافعي فاختلف قوله في السفر يوم الجمعة قبل الزوال، فقال في الحديث لا يجوز إذا لم يخف فوات الرفقة، وهو قول ابن عمر وعائشة.
وبه قال ابن حنبل إلا أنه استثنى سفر الجهاد.
وقال الشافعي في القديم بجواز ذلك قبل الزوال على الإطلاق، وهو مذهب عمر والزبير وأبي عبيدة بن الجراح والحسن وابن سيرين وأبي حنيفة.
وقد ذكرنا أنه أحد قولي مالك.
وقد اعتل أصحاب الشافعي للمنع بأنه قد يجب السعي قبل الزوال في حق بعض الناس إذا كان منزله بعيدًا فلم يجز السفر حينئذ، كما لو زالت الشمس.
وقد يتعلق ابن حنبل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث زيد بن حارثة وجعفر ابن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في جيش مؤتة 3 فتخلف عبد الله بن رواحة فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ما خلفك؟ فقال: الجمعة.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لروحة: أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها 4. وقد
أجيب عن هذا بأنه يحتمل أن يكون بعثه قبل يوم الجمعة فتأخر للجمعة.
وقد اضطرب المذهب عندنا فيمن كان بعيد الدار حتى يفتقر إلى أن يسعى 1 قبل الزوال بالساعتين والثلاث.
فلأصحابنا فيه جوابان: أحدهما أن الفرض لا يتعين إلا بالزوال فيجوز لهذا السفر قبل ذلك.
والآخر أن الفرض يتعلق بتقدير الوصول عند الزوال فعلى هذا يمنع هذا من السفر عند وقت تعين السعي.
وقد قدمنا أن أصحاب الشافعي احتجوا في منع السفر على الإطلاق بأنه قد يجب السعي قبل الزو الذي حق بعض الأشخاص وهو البعيد الدار.
وهذا الاضطراب الذي حكيناه عن أصحابنا لا يتصور في إيجاب السعي عليه لأن شروط الجمعة قد كملت فيه.
وإنما تصور عندي فيما صوروه لأجل ما قد يقع فيه من الإشكال.
وذلك أن السفر إنما منع بعد الزوال لأنه وقت وجوب الصلاة في حق كل واحد وإن كان قبل الزوال بالساعتين والثلاث فليس بوقت لوجوب الصلاة في حق آخر.
لكن هذا تعين عليه السعي إلى الصلاة وذلك عبادة ثانية غير الصلاة، فهل يُعلق حكم السفر على حكم ما ينفرد هذا به من الوجوب، أو يعلق بالوجوب العام لسائر الأشخاص؟ والأظهر أن هذه الساعات التي قبل الزوال تكون في حقَ هذا كما بعد الزو الذي حق جميع الناس، لأن أحكام الصلاة يعتبر فيها صفات كل إنسان في نفسه وأحواله المختصة به لا الصفات التي تعم الجميع، إلا فيما ورد الشرع في مراعاة صفة الجميع فيه.
وقد كنا قدمنا الإشارة إلى هذه المسألة فإذا أبحنا السفر قبل الزوال فسافر، فسمع النداء وبينه وبين موضع الجمعة من المسافة ما يلزم السعي منه إلى الجمعة على حسب ما قدمناه في اعتبار الثلاثة الأميال، فالظاهر من المذهب أنه يجب عليه الرجوع لأنه قد نودي للصلاة وهو
من أهل الجمعة وبموضع يلزم منه إتيان الجمعة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما السفر إذا سمع النداء فلا شك في منعه لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 2. وهذا يعين وجوب السعي للذكر لا لغيره.
وأما السفر بعد الزوال قبل
النداء فالمعروف من مذهبنا ما قال القاضي أبو محمَّد أنه محزم.
وقد ذكرنا قول مالك في المختصر إذا زاغت الشمس فواجب ألا يخرج حتى يصليها.
وقال بعض أشياخي اختلف فيه: فقيل بالكراهة وقيل بالمنع.
وأشار بما وقع من الكراهية على الإطلاق كما حكيناه من قوله: أحب إلى أن لا يسافر يوم الجمعة حتى يشهد الجمعة فإن لم يفعل فهو في سعة.
وهذا محمول على أن الشمس لم تزل.
وقد رواه الراوي بذلك عنه مقيدًا بما قبل الزوال.
وقال الشافعي بالمنع إذا لم يخف ذوات الرفقة.
وقال أبو حنيفة بالجواز.
وقال ابن حنبل بجواز سفر الجهاد.
ومال بعض أشياخي إلى نفي الوجوب تعلقًا منه بما حكيناه عنه من التمسك بإطلاق الرواية.
ورأى أنها لم تجب بعد الزوال.
وقد احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بأنها صلاة يجوز السفر بعدها، فجاز قبلها كسائر الصلوات.
وأجيب عنه بأن سائر الصلوات لا يسقطها السفر والجمعة يسقطها السفر.
وقد وجبت بالزوال فلا يجوز التشاغل بما يسقطها.
وقد يقال عندي في هذا الانفصال أن السفر لا يسقطها أصلًا بل يجب عدد أكثر منها.
وإنما ينتقل من فرض إلى فرض كما ينتقل المسافر من فرض إلى فرض فلا ينبغي الاعتماد إلا على النظر في وجوبها بالزوال أم لا؟.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ومن سننها 1 المتأكدة 2 الغسل متصلًا بالرواح.
قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
1 - ما الدليل على أن الغسل سنّة؟.
2 - ومن يخاطب به؟.
3 - ومتى وقته؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في غسل الجمعة.
فالدهماء من العلماء على أنه سنّة وليس بواجب.
وذهب الحسن وداود وأهل الظاهر إلى وجوبه.
وذكر بعض أصحابنا أن أبي بن كعب ذهب إلى نحو هذا المذهب.
وحكى بعضهم 1 عن أبي أنه قال: لو لم أجد يوم الجمعة إلا صاعًا بدينار لاشتريته واغتسلت به.
فإن كان بعض أصحابنا أضاف إليه الوجوب من هذا القول ففيه نظر لأنه قد يقوله إشعارًا بتأكد هذه السنّة.
وأشار بعض أشياخي إلى أن المذهب اختلف في وجوبه لقول أبي جعفر الأبهري اختلف أصحاب مالك فقال بعضهم: هو سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا لعذر.
وقال بعضهم هو مستحب.
فاستدل أصحابنا على نفي الوجوب بقوله عليه الصلاة والسلام: من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت.
ومن اغتسل فالغسل أفضل 2. أخرجه النسائي وأبو داود.
وهذا يشعر بنفي الوجوب لقوله في المقتصر على الوضوء: من توضأ فيها ونعمت.
ولقوله في المغتسل: والغسل أفضل.
فوصف الغسل بأنه أفضل ولم يصفه بالوجوب.
قال ثعلب يقال: إن فعلت كذا فيها ونعمت.
والعامة تقول ونعمه وتقف بالهاء.
وقال بن درَستوَيُه ينبغَي أن يكون ذلك هو الصواب عند ثعلب وأن تكون الهاء خطأ لأن الكوفيين يزعمون أن نِعْم وبئس إسمان.
والأسماء تدخل فيها هذه الهاء بدلاً من تاء التأنيث.
والبصريون يقولون هما فعلان ماضيان 3. والأفعال تليها تاء التأنيث ولا تلحقها الهاء.
قال الأصمعي في التأنيث ها هنا المراد به فبالسنّة أخذوا.
وأراد بقوله ونعمت أي الخلة والفعلة.
ثم حذف اختصارًا.
وقد قيل إن هذه اللفظة يقال فيها ونعمت بكسر العين وإسكان الميم أي نعّمك الله.
واستدل أصحابنا أيضًا بحديث عثمان لما دخل يوم الجمعة وعمر رضي الله عنه يخطب فقال له عمر ما قال.
فقال: ما زدت على أن توضأت.
فلم يأمره بالغسل، ولا أحد من الصحابة أمره بذلك.
ولو كان واجبًا لأمروه به.
فصار هذا كالإجماع.
واستدل أصحابنا أيضًا بما خرج في الصحيح من قوله عليه الصلاة
والسلام: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصباء فقد لغا 1. فمدح ها هنا المقتصر على الوضوء ووعده بما وعده به، فلو كان الغسل واجبًا لما صح هذا الوعد المتضمن للثناء على المقتصر على الوضوء، إذ تارك الواجب لا يثنى عليه.
وقد لاح ما في هذا الحديث: أن الاقتصار في الغفران على هذا المقدار من العدد لأجل ما تقرر في الشريعة أن الحسنة بعشر أمثالها.
فكانت الطاعة يوم الجمعة تضاعف إلى عشر، والجمعة سبعة أيام.
وتبقى من العشر ثلاث فزادها من جمعة أخرى.
واستدل أصحابنا بحديث عائشة المذكور فيه: إن الناس كانوا عمال أنفسهم.
وذكرت فوح الروائح منهم فقال عليه الصلاة والسلام: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا 2. حديثها المشهور في ذلك.
وفي بعض الطرق: ولو اغتسلتم.
وهذا اللفظ لا يستعمل في الوجوب.
وقد قال بعض أشياخي: الغسل لمن له رائحة واجب.
واعتمد على النهي لأكل الثوم عن دخول المسجد.
وحضور الجمعة واجب فيزالة الرائحة واجبة.
واعتذر عن حديث عائشة بأن تلك الروائح ألفوها.
فلهذا لم توجب الغسل، ولم تكن كغيرها من الروائح.
واستدل أيضًا على نفي الوجوب بأن الطهارة إنما تتغلظ بالحدث لا بالصلاة.
ألا ترى أن البول يوجب الطهارة الصغرى والمني والحيض يوجبان الطهارة الكبرى فإنما تغلظت الطهارة واختلفت باختلاف الأحداث ولا مدخل في ذلك للصلوات بدليل أن النفل والفرض مستويان في الطهارة، وأن الصلاة الواحدةِ والصلوات الكثيرة يفعل جميعها بطهارة واحدة.
وإذا كان هذا هكذا فلا معنى لتغليظ الطهارة وإيجابها للصلاة لا لحدث.
لكن الطهارة تستحب فيها تعظيمًا لها.
كما تكون الطهارة عند الإحرام وغير ذلك مما استحبت الشريعة الطهارة فيه.
وأما القائلون بالوجوب فإنهم يستدلون على الوجوب بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم 3. الحديث المشهور.
وبقوله في الصحيح
أيضًا: حق على كل مسلم أن يغسل في كل سبعة أيام رأسه وجسده 1. وهذا نص في الوجوب.
ويؤكد هذا أبا هريرة رضي الله عنه روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى 2 الحديث وقد أجاب أصحابنا وغيرهم عن هذا بأنه محمول على وجوب السنن.
وإشعار بتأكيد التحضيض.
ويحمل حديث أبي هريرة عليه أو على أنه أراد التشبيه بغسل الجنابة في إيعاب الجسد.
وقال بعض المتأخرين يحتمل أن يريد المغتسل للجنابة.
وقد قيل أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: من غسل واغتسل:
أوجب على غير.
الغسل بالجماع واغتسل هو منه.
وقال مالك في هذا ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك.
وهذا الجواب غير كاف.
كما أن جواب أصحابنا غير مقبول إلا بأن تعارض الأحاديث بعضها ببعض فيستعمل فيها البناء والتأويل، ويسلك طرق الترجيح في البناء والتأويل، والسند إلى غير ذلك مما يعرفه أهل الأصول فحينئذ يصفو لهم ما قالوه إن أدى العمل المشار إليه إلى ما قالوه.
وقد يستدل الموجبون أيضًا بأن الصلاة فرضت لها الطهارة فلما كانت الجمعة أقوى 3 في الفرض وآكد من غيرها صح أن تختص بزيادة فرض في الطهارة، وقد قدمنا نحن من جهة الاعتبار ما يقابل اعتبارهم هذا أو يربي عليه.
فإذا وضح ما قلناه في هذا.
فالذي قدمناه عن شيخنا من إشارته إلى أن المذهب على القولين في الوجوب وتعلقه بما حكاه الأبهري، فيه نظر لأنا قدمنا في كتابنا هذا في غير موضع واحد 4 منه الكلام على ترك السنن وتعلق الإثم بتركها والتجريح والتأديب.
وذكرنا ما قاله أهل الأصول في ذلك وما قاله أصحابنا.
واعتذرنا بالروايات المخالفة 5 لأصولهم.
فمن أحب حقيقة القول فليطالعه حيث أثبتناه ويعلم منه أن مثل هذا الذي حكاه الأبهري قد يجري على طريقة
بعض أصحابنا 1 في ترك السنن.
والعبارات في تركها مختلفة وقد قدمنا ما يجمع أسبابها.
وقد قال ابن حبيب الغسل للجمعة ستة مرغب فيها لا يؤثم تاركه.
وهذا الذي قاله هو الأصل المشهور في ترك السنن.
وما سواه طريقة قوم آخرين قد ذكرناها.
وقد وقع في الأحاديث الواردة في الغسل ما يحتاج إلى تفسير.
وهو ما خرّجه النسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من غسّل واغتسل وبكّر وابتكر ودنا من الإِمام ولم يلغ كان له بكل خطوة عملُ سنة صيامها وقيامها 2. فقوله غسّل الأكثرون يحملونه على أنه 3 جامع أهله حتى أوجب عليها الغسل.
فصار بذلك مغسّلًا لها ويكون التحضيض على ذلك ليؤمن عليه أن يرى في طريقه ما يحرّك 4 عليه شهوته.
قال ابن حبيب معنى قوله غسّل أي ألمّ بأهله فألزمها 5 الغسل وهو أفضل، ممن لزمه الغسل للجمعة فقط.
وذهب آخرون إلى أن المراد به الوضوء للصلاة لأنه إذا غسل أعضاء الوضوء فكرّر غسلها ثلاث مرات ثم اغتسل بعد ذلك غسل الجمعة صار هذا التكرار يعبر عنه بهذا الفعل فيقال فيه غسّل.
وأما قوله بكر فقيل المراد به إتيان الصلاة لأول وقتها وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، ومنه الحديث: لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب 6. وأما قوله وابتكر قيل المراد به إدراك الخطبة من أولها يقال ابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفاكهة ويقال ابتكر إذا نكح بكرًا.
ويؤكد هذا التأويل ما عطف عليه من الأفعال المقاربة وقد وقع فيما قدمناه من الأحاديث.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: جمهور العلماء على أن الغسل لا يخاطب به من لا يحضر الجمعة وذهب أبو ثور إلى أنه يخاطب به من لم يحضر ومن حضر لقوله عليه الصلاة والسلام: الغسل يوم الجمعة واجب على كل
محتلم 1. فعمّ من حضر ومن لم يحضر.
ودليل الجماعة ما رواه أصحاب الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل 2.
فعلق الغسل بإتيان الجمعة.
وهذا يخصص حديثهم العام 3 وأيضًا فإنه إذا كان أصل الغسل والسبب في أن يشرع ما ذكرناه من التأذي بالروائح عند الاجتماع، كان من لم يحضر الجمعة خارجًا عن هذا المعنى وسقط عنه الخطاب بالغسل.
وأما من حضر الجمعة وقد خوطب بالحضور خطابًا تعين عليه فلا شك في كونه مأمورًا بالغسل.
وأما إن لم يكن ممن تعين عليه الخطاب فقد قال في المدونة إذًا شهد النساء والصبيان والعبيد فليغتسلوا.
وقال في المسافر إذا شهدها فليصلها ولم يقل فليغتسل.
وقد أدى هذا بعض الناس إلى أن رأى أن المسافر لا يخاطب بالغسل وأنه في ذلك بخلاف المرأة والعبد لأجل أمره في المدونة العبد والمرأة بالغسل وإضرابه عن أمر المسافر بذلك.
ورأى الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن إضرابه عن ذكر الغسل في المسافر لا يشير إلى سقوط الغسل عنه.
وجمعه في مختصره في الأمر بالغسل مع العبد والمرأة.
ولمالك في المختصر أن المسافر إنما يغتسل إذا أتاها للفضل.
فإن شهدها للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه.
وفي الواضحة من شهدها من مسافر أو عبد أو امرأة رغبة فيها فليغتسل.
وإن شهدها المسافر لغير الفضل لكن للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه.
وأما المرأة والعيد فلا يأتونها في الحواضر إلا للفضل.
وذهب ابن حبيب إلى أن المرأة لا تخاطب بالغسل لأنها لا- تخالط الرجال.
والدليل لنا عليه قوله عليه الصلاة والسلام: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل ولم يفرق.
وقد قال بعض المتأخرين قوله في الحديث: الغسل واجب على كل محتلم: يقتضي تعلق هذا الحكم بالاحتلام دون الانبات، وسن الخمس عشرة سنّة.
وفي هذا نظر لأنه إذا بلغ السنن المقطوع بأنه لا يبلغه إلا من
احتلم لزمته التكاليف فلا معنى 1 لقصر الغسل على الاحتلام خاصة إلا أن يكون أراد أن الإنبات وسن الخمس عشرة إنما يفيد ظنًا بالاحتلام، فتعلق عليه حكم دون حكم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل الجمعة فلا يوقع قبل الفجر خلافًا للأوزاعي في قوله إذا أوقعه قبل الفجر وراح عقبه أجزأه.
وهذا غير صحيح لأن الشرع إنما ورد بغسل الجمعة.
وما قبل الفجر ليس من يوم الجمعة فلا يصح إيقاع الغسل فيه كما لا يصح إيقاعه يوم الخميس.
وأما إيقاعه بعد الفجر فاختلف 2 المذهب فيه.
فقال ابن القاسم في كتاب محمَّد: من اغتسل للجمعة في الفجر لم يُجزه.
وقال مالك أيضًا لا يعجبني أن يغتسل للجمعة صلاة الصبح ويقيم بعد صلاة الصبح في المسجد للجمعة، وكره الرواح تلك الساعة.
وقال ابن وهب من اغتسل بعد الفجر للجمعة أجزأه أن يروح بذلك وأفضل له أن يكون غسله واصلًا برواحه.
فأشار ابن وهب ها هنا إلى أنه ليس من شرط الغسل أن يتصل بالرواح خلافًا للمشهور من المذهب، وإن كان ابن وهب قد صرّح بأن الفضل باتصاله بالرواح، وقد استدل عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل 3. فعلّق الغسل بإرادة إتيان الجمعة.
وهذا يمنع من إيقاعه غير متصل بالرواح إليها.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى سبب هذا الاختلاف ورآه مبنيًا على النظر في تعليل غسل الجمعة.
فإن علل بأن القصد به النظافة وتطييب الرائحة لم يشترط اتصاله بالرواح إذا كان معنى النظافة حاصلًا فيه، وإن لم يصله بالرواح.
ويكون ما ذهب إليه ابن وهب والشافعي في ترك اشتراط اتصال الرواح هو المطرد على هذا التعليل، لان قلنا أنه غير معلل كان البخاري على هذا اشتراط اتصاله بالرواح على حسب ما اقتضته ظواهر الأحاديث.
وعلى هذا البناء بني افتقار غسل الجمعة إلى نية، وجوازه بالماء المطيب كماء القرنفل والورد.
وإن عللناه
بالنظافة وتطييب الرائحة أجزناه بالماء المطيب ولم نشترط النية فيه.
وإن قلنا أنه شَرْع غير معلل اشترطنا النية ولم نجزه بالماء المطيب كما لا نجيز الماء المطيب في طهارة الحدث، وكما نشترط النية فيها.
وقد قال بعض المتأخرين من أصحابنا لما لزم تنظيف الجسد الذي أمنت فيه الرائحة صار هذا الحكم تعدى محل موجبه فلحق بالسنن التي يلزم فيها النية.
ولا يمتنع أن يكون الفعل ثبت لمعنى ثم يتجاوز ذلك الموضوع فيجب مع فقده ويلحق بالعبادات والسنن كما قلناه في الرَّمَل، فإنه كان لأظهار الجَلدِ ثم ثبت مع عدم المشركين الذين يظهر عليهم الجَلَد.
وقد تقدم كلامنا في كتاب الطهارة على حكم نيّة الغسل للجمعة وذكرنا ما يتعلق بأحكام النية هناك من اشتراك أو غيره، وقد قال مالك: من اغتسل للعيد ينوي به الجمعة فلا يجزئه.
وإذا قلنا بالمشهور من اشتراط اتصال الغسل بالرواح فإنه إن كان بين الغسل وبين موضع الجمعة مسافة يذهب فيها أثر الغسل ومعناه الذي وُضع له كان عليه إعادة الغسل.
وقد قال مالك فيمن أتى الجمعة من ثمانية أميال رب دابة سريعة السير وأخرى 1 المشي خير من ركوبها.
فيعادة الغسل في مثل هذا أحب إلى وما هو بالبيّن ونرجو فيه سعة (6). وإذا راعينا الاتصال أيضًا فانه إن قطع اتصاله بأن نام أو تغدى أعاده.
وإن انتقضت طهارته توضأ وأجزأه غسله.
قال ابن القاسم يعيد الغسل للنوم من أراد النوم، وأما من يغلب عليه كنوم المحتبي فلا.
وقال مالك أيضًا: إذا اغتسل ثم من بالسوق فاشترى بعض حاجته فلا بأس به إن كان خفيفًا.
ولو نسي الغسل حتى أتى المسجد فقال مالك إن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة فليخرج لذلك، والأصلى ولا شيء عليه.
قال ابن حبيب: ويستحب الطيب والزينة وحسن الهيئة يوم الجمعة.
ويستحب له أن يعد لها ثوبين.
ورُوي ذلك في اللباس والطيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستحب له أن يتفقد فيها قبل رواحه 2 فطرة جسده من قص شاربه وأظفاره ونتف الإبط والسواك وإن احتاج إلى الاستحداد فعل.
وقد قدمنا فيما حكيناه عن مالك في تقدمة الغسل أنه كره الرواح صلاة
الصبح.
وحكى عنه أشهب أنه قال والتهجير للجمعة وليس هو الغدو.
ولكن بقدر 1. ولم تكن الصحابة يغدون هكذا وأكره أن يفعل.
وأخاف على فاعله أن يدخله شيء ويصير يُعرف بذلك ولا بأس أن يروح قبل الزوال ويهجّر بالرواح.
قيل فمن يحب بقلبه 2 أن يرى في طريق المسجد قال هذا مما يقع في النفس ولا يملك.
قال مالك في المختصر والمشي إلى الجمعة أفضل إلا أن يتعبه ذلك من ماء وطين أو بعد مكان.
وقال مالك أيضًا معنى الحديث في الرواح.
من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة ثم ذكر إلى الخامسة فكأنما قرّب بيضة 3.
قال الذي يقع في نفسي إنما أراد ساعة واحدة.
ففيها هذا التقسيم لأنه لم يكن يراح في أول ساعات النهار.
وذهب ابن حبيب إلى اختيار التبكير بالرواح، ورأى الرواح عند صلاة الصبح مختارًا خلاف ما حكيناه من كراهة مالك.
وعنده وعثد الشافعي أن التقسيم المذكور في الحديث تقسيم الساعات المعلومات.
وأفضل الأوقات من ذلك أول ساعات النهار.
وقد استدل لمالك بأن الحديث لم يذكر فيه فضيلة من راح في الساعة السادسة ليست 4 بوقت قعود الإِمام على المنبر، ولا بوقت استماع الذكر منه.
والحديث يقتضي ارتفاع فضيلة الرواح وحضور الملائكة للذكر عند إنقضاء الساعة الخامسة واتصال السادسة لها، وذلك ليس بوقت لحضور الملائكة للذكر.
لكون الساعة السادسة فاصلة بين الخامسة وبين حضور الملائكة للذكر.
وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل الحديث على تجزئة الساعة السادسة 5. والساعة السادسة تصلح أن تجزّأ على خمسة أجزاء أو أقل، أو أكثر.
ويؤكد هذا أنه قال من راح في الساعة الأولى والرواح لا يكون نصف النهار أو ما قرب منه.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولا يُجمع إلا في موضع واحد ولا يصلي الظهر من فاتته في جماعة إلا أن يظهر عذره.
قال الشيخ الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سوى ما قدمناه من الكلام على الجمع في غير موضع واحد ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
1 - لِمَ لم يجمع من فاتته الجمعة؟.
2 - وما المقدار 1 المبيح للتخلف عنها؟.
3 - وما حكم من 2 تخلف عنها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: لا يخلو تاركو الجمعة من أن يكونوا تركوها لعذر أو لغير عذر.
فإن كانوا تخلفوا لعذر كالمرضى والمسجونين والمسافرين جاز لهم أن يجمعوا.
وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز للمرضى والمسجونين الجمع في الجماعة.
والمعروف عنه غير هذا.
وفي الواضحة أن من تخلف لعذر مثل أن يخاف أن تؤخذ عليه البيعة فإنهم يجمعون.
وذكر أن فيه اختلافًا لمنع ابن القاسم الجمع.
وروى ابن وهب وأشهب عن مالك إجازته في 3 المستخرجة.
قال ابن القاسم كنت مع ابن وهب في بيت بالاسكندرية فلم نحضر الجمعة لأمر خفناه، ومعنا قوم.
فقال ابن وهب نجمع وقلت أنا: لا نجمع.
فلح ابن وهب فجمع بالقوم.
وخرجت أنا عنهم فلما قدمنا على مالك سألناه عن ذلك فقال لا تجمعوا.
ولا يجمع الصلاة من فاتته الجمعة 4 إلا المرضى والمسافرون والمسجونون، وأما غيرهم فلا.
وقال ابن القاسم فيمن خلفهم المطر يجمعون الظهر، إن كان أمرًا غالباً يعذرون به كالمرضى.
وإن كان مطرًا ليس بمانع* 5 فجمعوا فليعيدوا.
وعنه في المجموعة لا يعيدون.
قال بعض أصحابنا الخائف يمكنه ألا يدركه ما خاف منه
والمطر الذي لم يمكن السعي معه لو تحمل ضرره لأمكنته صلاة الجمعة فلهذا رأى ابن القاسم أنه لا يجمع فيهما بخلاف من لا تمكنه الجمعة كالمحبوس والمريض والمسافر.
وهذا الذي اعتل به هذا قد يُسلم له لولا إضافته المسافر للمريض والمحبوس.
واستحب الشافعية للمعذورين أن يجمعوا وكرهه أبو حنيفة.
وأما إن كان تخلف المتخلفون عن الجمعة لغير عذر وفاتهم إدراكها مع الإِمام فاختلف المذهب فيه أيضًا 1 فقال مالك في المدونة لا، يجمعوا وليصلوا الظهر أفذاذًا.
وقال أشهب أرى أن يجمعوا لفضل الجماعة على الفذ.
وقال ابن سحنون عن ابن نافع يجمعون إن شاؤوا.
وقال في مختصر ابن شعبان من فاتتهم الجمعة فلا بأس أن يجمعوا ظهرًا في غير المسجد.
قال ابن شعبان وأكثر جواباته المذكورة في مختصر عبد الله، ورواه بشر بن عمر الزهداني 2 عنه.
وكرهه الحسن وأبو قلابة والثوري وأبو حنيفة.
فأما المجيزون للجمع أو المستحبون له على الجملة، فيتعلقون بالأحاديث الواردة في فضل الجماعة.
وأما الناهون عنه على الجملة فيحتجون بأنه لم يخْلُ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المتأخر للعذر.
ولم ينقل أنهم صلوا جماعة.
وهذا قد لا يسلم وجوده.
وقال بعضهم لا نسلم وجود هذا في زمنه عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا يصلون في دورهم لقرب المسجد وحرصهم على صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن فرّق بين المعذور وغير المعذور فإنه يحمي الذريعة بمنع من لا عذر له لئلا يؤدي إباحة ذلك لهم إلى التهاون بحضور الجمعة.
وإذا الأئمة 3 ومن ظهر عذره وأمن ذلك منه.
ولو جمع المتخلفون لغير عذر قال أصبغ أساؤوا ولا يعيدون.
وقال أيضًا في قرية يجمّع أهلها وحولها منازل على الميلين والثلاث أنهم لا يصلون الظهر جماعة إذا فأتت الجمعة فإن فعلوا أساؤوا ولم يعيدوا.
وقيل لسحنون في من فاتتهم الصلاة بعرفة أيصلون جماعة؟ قال 4 ما علمت ولو فعلوا لأجزأهم.
وقال في كتاب
ابنه وكذلك يجمعون بالمزدلفة إذا فاتهم الإِمام.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: العاجز عن حضور الجمعة كالمريض، ومن في معناه كمقعد لا يجد مركوبًا أو أعمى لا يهتدي الطريق ولا يجد قائدًا، لا شك في سقوط الجمعة عنهم.
لأن التكليف إنما يتوجه على القادر وهؤلاء غير قادرين.
قال مالك ليس على المريض والشيخ الفاني جمعة.
قال ابن حبيب ولا على الأعمى إلا أن يكون له قائد.
وقاله مالك في مختصر ابن شعبان في الأعمى إذا لم يكن له قائد.
وأما العذر الذي يمكن معه الحضور ولكن عن مشقة وركوب ضرورة، فهذا مما تكثر فروعه ويتسع تنويعه.
وفي بعض فروعه اضطراب راجع إلى الموازنة بين تأكد وجوب الجمعة وبين مقدار العذر والضرورة.
فمن ذلك الاختلاف في المطر الشديد، هل يكون عذرًا يحيى التأخر عن الجمعة؟ 1 وقد قيل لمالك هل يتخلف عنها في اليوم المطر؟ قال ما سمعت قبل في الحديث إلا صلوا في الرحال.
قال ذلك في السفر.
وأما التخلف في حق العروس فقال لا يتخلف العروس عن الجمعة ولا عن الصلوات الخمس في جماعة.
وفي مختصر ابن شعبان لا يتخلف الداخل على زوجته ليلة الجمعة عن الجمعة ولا عن جميع الصلوات ولم يتخلف عنها محمَّد أمير المؤمنين وقد دخل ليلة الجمعة.
قال ابن شعبان وهو المهدي.
قال سحنون قال بعض الناس لا يخرج عنها.
وذلك حق لها بالسنّة.
قال بعض أشياخي اختلف في تخلف العروس، ولا تصح إباحة التخلف له إلا أن يقال صلاة الجمعة من فروض الكفايات.
واختلف في المجذومين.
فقال ابن حبيب على الجذمى الجمعة، من يمشي منهم.
وليس للسلطان منعهم من دخول المسجد في الجمعة خاصة.
وليس لهم مخالطة الناس فيه في غيرها من الصلوات.
وقاله مطرف.
وفي كتاب ابن سحنون في أهل البلاد ويكونون من العصر على الميل أو أقل أو أكثر، قال لا جمعة عليهم ولا أرى أن يصلوا الجمعة مع الناس في مصرهم ولهم أن يجمعوا ظهرًا، إقامة بغير أذان في موضعهم.
فكان ابن حبيب، لما رأى صلاة الجمعة فرضًا على الأعيان قدم حقهم في هذه الصلاة المتعينة عليهم
على حق الناس في التأذي 1 بهم.
ولما كان غير الجمعة من الصلوات لا يتعين عليهم حضوار المساجد للجماعات قدم حق الناس عليهم، فلم يجعل من حقهم المخالطة في غير الجمعة من الصلوات.
وكأن القول الآخر قدم حق الناس في التأذي بهم 2 على حقهم في صلاة الجمعة.
ورأى أن سقوط الفرض إلى بدل وهو الظهر أولى من حمل الناس على التأذي الذي لا بدل منه.
لا سيما والحقوق إذا اجتمعت قدم أكثر على الأقل، والجمهور على الشذوذ.
وأيضًا فإن حق الخلق مبني على المشاحة وحق الله تعالى مبني على المسامحة.
فهذا القول أولى عندي من هذا الذي ذكرته إلا أن يقال إن المتأذي 3 بهم آحاد لقلتهم 4 فيسقط على ما ذكرناه من الترجيح بالكثرة، ويبقى النظر من الوجوه الأخرى التي أشرنا إليها هذا على أنهم لا يجدون موضعًا يتميزون فيه مما تجزئ فيه صلاة الجمعة.
وأما لو وجدوه لوجبت عليهم الجمعة ومنعت الخلطة لأنا يمكننا حينئذ إقامة الحقين جميعًا.
حق الله تعالى.
وحق الناس.
ولا شك أن الجامع إذا ضاق بأهله وأتوا للصلاة متميزين عن الناس في الأقبية بموضع لا يلحق الناس ضررهم أن الجمعة 5 واجبة عليهم إذا صلوا بمكان لا يلحق ضررهم الناس.
وكان المكان مما تجزي فيه الجمعة.
وفي مختصر ابن شعبان قال مالك من أكل ثومًا لا يدخل المسجد ولا رحابه يشهد فيها الجمعة.
فأنت ترى كيف أشار إلى اجتناب الإضرار 6 بالثاس خاصة أو اجتناب هتك حرمة المسجد بالروائح المنتنة، دون أن يشير لسقوط الجمعة.
وهذا هو المعنى الذي قلناه على أنه إنما يبقى النظر فيما قاله في أكل الثوم إذا مُنع من دخول المسجد ورحابه، هل تكون صلاته بالفناء مع اتساع الجامع لدخوله تجزيه عند من رأى أن الصلاة بالأفنية اختيارًا مع سعة الجامع لا تجزي في الجمعة، لكون
هذا ممنوعًا من الدخول إلى الجامع شرعًا؟ فأشبه من صلّى بالفناء وقد ضاق المسجد عنه.
أو يكون عند هؤلاء في صلاته فساد لسعة الجامع إياه وإن كان قد طرده الشرع عنه.
وهذا مما ينظر فيه.
وأما الخائف من القتل إن حضر الجمعة فإن التأخر مباح له.
وأما الخوف من طلب الغريم بدين فقال مالك لا أحب التخلف عنها لدين عليه يخاف فيه 1 من غريمه.
قال سحنون إذا خاف من غرمائه الحبس فلا عذر له في التخلف، وإن كان عديمًا.
وقد تعقب بعض أشياخي قوله وإن كان عديمًا.
وكأنه رأى أن الملي قادر على التخلص من الحبس بقضاء الدين ولا يدفع بالتخلف ضررًا.
فإذا كان عديمًا فالحبس لا يلزمه.
ولو خاف غرماءه.
فأطلق حال الخوف وحال العُدم.
وقال أيضًا في مختصر ابن شعبان من خاف أن يؤخذ 2 بالبيعة فهو في سعة من التخلف عن الجمعة.
وأما المتخلف لتمريض مريض أو تجهيز ميت.
فأجاز مالك التخلف لجنازة أخ من إخوانه لينظر في أمره.
قال مالك وكذلك إن كان له مريض يخشى عليه الموت.
قال ابن حبيب قال بعض التابعين ولو بلغه وهو في الجامع أن أباه أصابه وجع يخشى عليه الموت منه 3. فله أن يخرج إليه والإمام يخطب.
وقد استصرخ ابن عمر على سعد ابن زيد وقد تأهب للجمعة فتركها وخرج إليه إلى العقيق.
وقال مالك في الرجل يكون مع أخيه فيمرض ويشتد مرضه لا يدع الجمعة إلا أن يكون في الموت.
وروي عنه أيضًا أنه قال في رجل بلغه موت بعض أهله أيخرج لجنازته وهو قريب من المدينة ويدع الجمعة؟ قال لا.
وأرى أن يؤثر الجمعة.
وقال سحنون يحضر الجمعة إذا لم يخف تغير الميت.
وفي مختصر ابن شعبان عن ابن شعبان قال بلغنا أن من مضى من أسلافنا كانوا يرخصون إلى أولياء الميت إذا مات يوم الجمعة في الصيف فاشفقوا من تغيره أن يحضروا 4 ثم يدفنوه وإن تركوا الجمعة.
وعن
عطاء بن أبي رباح ولو بلغه أن أباه مريض والإمام يخطب لرخصت له أن يذهب إليه.
وأجاز السلفَ من أهل المدينة ويحيى بن سعيد والليث التخلف للمريض.
وعن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي من العذر الجنازة تكون بحضرة القوم يتقون عليها إن أخروها أن تتغير.
وقاله الليث.
وقال لا أرى بأسًا أن يقيم 1 حتى يموت ويترك الجمعة.
وعن يحيى بن سعيد حضور الجمعة واجب على كل مسلم إلا أن تكون جنازة لا بد له من حضورها.
وإن تركت ضاعت.
فذلك على أهلها ولا بد له منها.
وقال الشافعي مثله وعن الوليد ابن أبي الوليد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي.
أبلغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات إلا أن يكون مريضًا أو في جهاز ميت طبع الله على قلبه 2. فقال هذا حديث معروف عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الحديث الذي ذكره ابن شعبان قد أشار فيه إلى أن الاشتغال بجهاز الميت عذر في ترك الجمعة.
وجملة الأمر فإن الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة قد تتعلق بالنفس كالخوف من القتل وما في معناه أو بالأهل.
وقد ذكرنا حكم فرضهم والاشتغال بدفنهم.
أو بالدين.
وقد ذكرنا حكم من خاف أن يدعى إلى بيعة لا تجوز، أو بالمال، فلو خاف أن يأخذ السلطان ماله أو يسرق اللص بيته لَعُذِر في التخلف.
ويستعمل في جميع ذلك عند فقد الآثار والظواهر، المُوازنة بين تأكد وجوب الجمعة ومقدار ما ينال من الضرر لحضورها على حسب ما كنا قدمناه.
فمن أحاط بهذا علماً رد إليه أكثر الخلاف في فروع هذا الباب.
ومما ينخرط في هذا السلك كون صلاة العيد عذرًا في التخلف عن الجمعة.
وقد اختلف المذهب فيه على الجملة.
قال ابن حبيب: قد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرْخص في التخلف عن الجمعة لمن شهد صلاة الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة لما في رجوعهم من المشقة على ما بهم من شغل العيد وقد فعله عثمان بإذنه لأهل العوالي ألا
يرجعوا إليها 1. وروى مطرف وابن الماجشون نحوه عن مالك.
وانفرد ابن القاسم بروايته عنه أنه لم يأخذ بإذن عثمان لأهل العوالي.
وهذا الذي حكاه ابن حبيب من الاختلاف إنما هو.
فيمن كان خارجًا عيق المدينة.
ولكن ابن شعبان نقله في مختصره غير مقيد بمكان.
فقال ولا تترك صلاة الجمعة يوم العيد.
وروى ابن الماجشون ومطرف عن عبد الملك أن الجمعة تسقط عنهم.
وروى هذا ابن وهب أيضًا عن مالك.
قال ابن شعبان وفيه حديث مرفوع وقال به جماعة من أهل العلم.
وروي عن عبد الله بن الزبير أنه صلّى العيد يوم الجمعة ثم صلى الجمعة فبلغ ذلك ابن عباس فقال أصاب.
قال أبو حنيفة لا تسقط إحداهما الأخرى: الأولى سنة والثانية فرض.
وحدثني أبو شيبة وذكر السند ثم قال اجتمع عيدان في يوم فصلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم 2 قال: إنكم قد أصبتم- خيرًا وذكرًا وإنا مجمعون.
فمن أراد منكم أن يجمع فليجمع.
ومن أراد أن يجلس فليجلس 3. ومما يلحق بهذا الفصل أن الحاج لا جمعة عليه.
وقد وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة يوم الجمعة فلم يجمّع.
والحاج أيضًا في الغالب مسافر.
ومن كان منويًا أو عرفيًا فلا جمعة عليه ولو لم يكن حاجًا.
لأنه ليس بقرار يجب في مثله الجمعة والأسواق فيها في ليلة الحج خاصة.
وقد اختلف فيمن قدم مكة وأقام بها أربعة أيام قبل يوم التروية ثم حبسه كَرِيُّهُ يوم التروية بمكة.
قال مالك عليه الجمعة؛ لأنه مقيم.
وقال محمَّد بن عبد الحكم إن أدرك الظهر بمنى وإلا صلاها في الطريق.
وذلك أفضل من أن يصلي الجمعة بمكة.
فكأن ابن عبد الحكم رأى أن المشروع يومئذ صلاة الظهر بمنى.
فصار ذلك كالعذر المسقط لفرض الجمعة.
ولأجل عدّ ابن عبد الحكم لهذا عذرًا ألحقناه بهذا الفصل.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما من أبيح له التخلف حتى يعلم
أنه لا يمكنه إقامة الجمعة ففي أي وقت يصلي؟ قال مالك إذا تخلف المريض عن الجمعة فواسع أن يصلي الظهر في وقت الجمعة وأن يؤخر إلى وقت الظهر، وكذلك المرأة.
فإذا صلى المعذور في أول الوقت فقال الشافعي يسقط عنه الفرض فإن سعى إلى الجمعة وصلاها كانت له نافلة.
وقال في القديم يحتسب الله سبحانه له بايتهما شاء.
وقال أبو حنيفة إن سعى إلى الجمعة بطلت صلاته.
وقال صاحباه تبطل بالإحرام بالجمعة.
قال بعض المتأخرين من أصحابنا إن علم المسافر أنه يدرك الجمعة بوطنه، إذا ورد عليه فليؤخر الصلاة حتى يصلي الجمعة.
فإن عجل فصلى الظهر لم تجزه، لأن فرضه الجمعة.
ولمالك رضي الله عنه وابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ في المسافر إذا صلّى الظهر يوم الجمعة ثم دخل وطنه فإنه إن كان مضى إلى الجمعة أدرك ركعة فعليه أن يصليها.
وقال مالك في المريض مثل ذلك.
وقال سحنون إن صلى الظهر على ثلاثة أميال من وطنه فعليه أن يصلي الجمعة مع الناس.
وإن كان على ستة أميال من وطنه فليس عليه ذلك.
فإذا أوجبنا على المسافر الحضور على صفة ما قررناه فحضر وصلى الجمعة فإن صلاته الأولى انتقضت.
فلو انتقضت طهارته في صلاة الجمعة لأعاد الظهر.
ولو أحدث الإِمام فقدمه فصفى بهم أجزأهم.
وقال أشهب إن صلى المسافر الظهر في جماعة فينبغي ألا يأتي الجمعة كما لا ينبغي في غير الجمعة إذا دخل الحضر أن يعيد ما صلى جماعة في جماعة أخرى.
فإن فعل وصلّى الجمعة فالأولى فرضه.
وإن كان إنما صلى فذًا كان له أن يعيدها جمعة أو ظهرًا في جماعة ثم الله تعالى أعلم بصلاته.
وإذا أحرم هذا المسافر بالجمعة بعد رفع الإِمام رأسه من الثانية صلى على إحرامه ركعتين نافلة ولم يُعد.
وهذا الذي حكيناه عن أشهب من أنه إذا صلى ظهرًا فذًا ثم صلى الجمعة فإن الأمر إلى الله سبحانه في صلاتيه هو الذي حكيناه من قول الشافعي في القديم.
فكأن أشهب أجراه مجرى من صلّى إحدى الصلوات الخمس فذًا ثم أعاد في جماعة أخرى فإن الأمر في صلاته إلى الله سبحانه على حب ما كنا قدمنا ذكر المذاهب فيه في موضعه.
فإن كان قد صلى الظهر جماعة كانت الأولى فرضه، إذ لا معنى للإعادة، لأن فضل الجماعة قد حصل في الصلاة