شرح التلقينصفحات 558-597
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب بيع الخيار

صفحات 558-597

كبيع بخيار ضرب فيه أجل بعيد، وقد قدّمنا أنّ ذلك ممنوع، وذكرنا علّة منعه.
فإذا أسند الخيار في هذا إلى ثالث، وكان هذا الإسناد من قِبَل البائع مثل أن يقول: بعتك سلعتي هذه على خيار فلان، أو على رضي فلان.
أو يكون هذا الإسناد من قبل المشتري كقوله: أشتري منك على خيار فلان أو رضي فلان.
فإنّ النّظر في هذا يتعلّق بوجهين: أحدهما: تقدمة إظهار معنى إليه يستند الحكم في هذه المسئلة ويعرف الصّواب منها.
والثّاني: ضبط روايات المذهب في هذا.
فأمّا إظهار المعنى الّذي منه نشأ النّظر في هذه المسئلة، فإنّك ينبغي لك أن تعلم أنّ كلّ واحد من المتعاقدين للبيع إذا اشترط شرطًا يسوغ له اشتراطه، وله فائدة فيه وغرض صحيح، فإنّ من حقّه المطالبة به إذا انفرد بمنفعة هذا الشّرط.
وكذلك إذا شاركه في المنفعة أيضًا من عاقده في هذا البيع.
وأمّا إن اشترط شرطًا ينفرد به ولا حقّ فيه لمن عاقده ولا منفعة، فإنّ هذا من حقّه أن يطالب به إن شاء.
فإذا تمهّدت هذه القاعدة، قلنا بعد هذا: إذا اشترط البائع رضي فلان رجل ثالث، وكان هذا الشرط دائرًا بينه وبين صاحبه قصد باشتراطه تحصيل غرض لمشترطه وللآخر الّذي عاقده البيع، فإنّه يتّضح ها هنا وقف الأمر على رضي هذا الرّجل الثّالث.
فإن أمضى البيع حكم بإمضائه، ولو كره ذلك مشترط هذا الشّرط، أو كره ذلك المعاقد الآخر الّذي لم يشترط.
إلاّ أن يتّفق المتعاقدان على اطّراح ما يقول الثّالث، ويلتزما إمضاء البيع أو ردّه، فإنّه يسقط ها هنا حقّ هذا الثّالث، إلاّ أن يكون هذا أمد 1 مُلَّكَهُ وجعل حقًّا من حقّه، فإنّ له المطالبة بذلك وإن اتّفق المتعاقدان على مخالفة قوله.
وأمّا لو قصدا كونه كالوكيل لهما، سقط اعتبار قوله إذا اتّفقا على عزله قبل أن يمضي البيع أو يردّه، فإنْ إمضاه أو ردّه قبل أن يتّفقا على عزلته، نفذ عليهما من

ذلك ما قضى به وكيلهما.
وإذا كان هذا الإشتراط يختصّ به مشترطه، والقصد به تحصيل غرضه، دون أن يجعل للآخر الّذي عاقده فيه حقًّا، فإنّ هذا يعتبر فيه ما قدّمناه إن كان تمليكًا، فلا بدّ من اعتبار ما عند هذا الّذي ملك هذا الحقّ، ولا يقتصر على اعتبار ما عند الّذي مَلّكه.
وإن كان وكيلًا لمن اشترط هذا، جرى الأمر على ما قدّمناه من إمضاء ما قضى به من سبق بالقضيّة من موكّل أو وكيل.
هذه النّكتة الّتي تعتبر ها هنا وعليها يعتمد الحذّاق.
لكن وقع في الرّوايات ما يصعب معه ضبط المذهب على التّحقيق.
فلهذا أكثر المتأخّرون الكلام في هذا الوجه، واختلفت طرائقهم في تأويل الرّوايات فيه.
لا سيما ما وقع في المدوّنة في هذه من ألفاظ موهمة تكاد أن تشوّش الخاطر.
وذلك أنّه ذكر أنّ المشتري إذا قال: أشتري على إن رَضِيَ فلان.
فإنّ المشتري لا يعتمد على ما يبدو منه من إمضاء البيع أو ردّه، وإنّما يكون الإمضاء والرّدّ الموقوفين على هذا الثّالث الّذي اشترط المشتري رضاه.
وذكر في البائع إذا باع على رضى فلان، فرضي البائع أو رضي فلان، فإنّ البيع نافذ.
فعلق نفوذه برضى البائع المشترط هذا الشّرط إن سبق إلى ذلك، أو برضى الثّالث إن سبق إلى ذلك.
وقد اعتمد جماعة من الأشياخ الحذّاق أنّ هذا منه تفرقة بين حكم البائع في هذا الاشتراط وبين حكم المشتري إذا كان هو المشترط.
وإلى هذا ذهب الشّيخ أبو محمّد ابن أبي زيد ومن بعده من حذّاق المتأخّرين من القرويين وإليه ذهب ابن لبابه.
وذهب غير هؤلاء إلى أنّه لم يقصد في المدوّنة إلى تفرقة بين البائع والمشتري.
واعتذروا عن ظاهر هذه التّفرقة بأنّ المراد ما ذكره في المشتري كونه اشترط هذا الشّرط لكون ذلك حقًّا له في نفسه وحقًّا للبائع.
وقد قدّمنا أنّ هذا

الشّرط إذا قصد به الاشتراط بين المتبايعين، لم يقض على مشترطه بحقّ الآخر فيه.
فقدّر هؤلاء الجواب إنّما اختلف لاختلاف السؤالين.
ومنهم أيضًا من صار في تأويل ما وقع في المدوّنة إلى طريقة أخرى.
فقال: قد وقع في بعض ألفاظها: إن رضي البائع نفذ البيع.
فلم يذكر ها هنا سوى رضي البائع.
ولم يتكلّم على رضي هذا الثّالث إن سبق بالرّضى إلى هذا البيع.
فظاهر هذا وقف الأمر على رضاه خاصّة.
وهكذا يجب أن يوقف أيضًا الأمر على ردّه.
فيقدّر هؤلاء أنّ هذا يشير إلى اعتبار ما يقوله المشترط دون ما يقوله هذا الثّالث.
ويقتضي هذا أن يكون المشتري كذلك.
ويكون هذا مطابقًا لما ذكره ابن حبيب في واضحته (من البائع والمشتري) 1 استويا في قصد هذا الإشتراط على من اشترطه منهما, ولا اعتبار بما يقوله الثّالث المشترط رضاه.
إلى هذا ذهب ابن لبابة.
ومن المتأخّرين من جعل هذا الاشتراط حقًّا مشتركًا بين البائع والمبتاع، وجعل لكلّ واحد من المتبايعين حقًّا في الإمضاء خاصّة مشترك أبي نهما.
فإن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع إمضاء البيع وردّه هذا الثّالث، فإنّ من حقّ البائع الّذي اشترطه أن يمضي هذا البيع على المشتري وإن كرهه، ولا مقال للمشتري لأجل ردّ هذا الرّجل الثّالث له.
وإن رضي الثّالث إمضاء البيع وردّه البائع، فإنّ للمشتري التمسّك بالبيع لأجل إمضاء الثّالث له لمّا تعلّق له به حقّ.
وكذلك إذا اشترط هذا المشتري رضي رجل ثالث، فإنّ هذا الثّالث إن أمضى البيع وردّه المشتري، فإنّ للبائع أن يطالب المشتري بإمضائه، لجرى 2 في المشتري على الأسلوب الّذي قدّمنا في البائع.
ويتعلّق هؤلاء بقوله في المدوّنة: إن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع أو رضي فلان، نفذ البيع.
فقصد اعتبار السبق على الإمضاء لا على الفسخ.

والأظهر من هذه التأويلات أنّه في المدوّنة فرّق بين البائع والمشتري.
وإليه يشير القاضي أبو محمّد عبد الوهاب، وذلك أنّه ذكر أنّ البائع إذا كان هو المشترط رضي هذا الثّالث، فإنّ له مخالفة هذا الثّالث.
وإن كان المشتري هو الّذي اشترط رضي هذا الثّالث، فإنّ ابن القاسم اختلف هل له مخالفة هذا الثّالث أم لا؟ فأشار إلى ارتفاع الخلاف في جنبة البائع وحصوله في جنبة المشتري.
واعتُلّ بالمساواة بينهما، في كون كل واحد منهما له مخالفة هذا الثّالث، بأنّ هذا الثّالث فرع عنهما, ولا يمكن أن يثبت الحقّ للفرع ولا يثبت للأصل.
واعتلّ للتّفرقة بأنّ البائع أقوى سببًا من المشتري لكون الملك ثابتًا له، فلا يكون غيره أكثر تحكّمًا في ملكه الثّابت منه هو في نفسه.
والمشتري لا ملك له على المبيع، وعقده لأجل الخيار محلول، ولا يملك التحكّم في هذا وهو لم يستقرّ ملكه عليه دون من اشترط رضاه.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى فرق آخر، فقال: إنّ المشتري إذا اشترط رضي فلان، فإنّه يمكن أن يكون اشترى له شراء وكالة.
وإذا اشترى له شراء وكالة على أنّ الخيار له، فإنّه لا يختلف في أنّه لا يتحكّم في هذا دون من اشترى له هذه السلعة على الخيار.
وإذا كان فعله محتملًا لوجه يتّضح أنّه لا ينفرد فيه بالخيار، حمل على كونه لا ينفرد بالخيار على الإطلاق.
والبائع لا يتصوّر هذا فيه غالبًا لأنّ السلعة في يديه، واليد دليل الملك، والإنسان إذا باع ملك نفسه، فلا يقال: إنّه باع ذلك لغيره.
فأنت ترى كثرة هذا الإضطراب في ضبط المذهب.
وإنّما ذكرناه حتّى يتحقّق عندك ما قدّمناه من كون المذهب قد يعسر ضبطه في هذه المسئلة على التّحقيق.
ولو لم يجعل للثّالثّ إلاّ المشورة، فإنّ الظّاهر من المذهب أنّ هذا الإشتراط لا يلزم مشترطه لإشعار المشاورة بجواز المخالفة.
بخلاف أن يشترط رضاه أو خياره.

ونقل الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد أنّ ابن مزين حكى عن ابن نافع أنّه يرى لفظ المشورة كلفظ الخيار والرّضا.
وتعقّب عليه هذا النّقل بأنّ الّذي ذكر ابن مزين عن ابن نافع أنّه باع على مشورة فلان، على أنّ فلانا إن أمضى البيع بينهما، وهذا يقتضي وقف البيع على اختيار فلان، بخلاف اشتراط المشورة لفظًا مطلقًا غير مقيّد بما ذكرناه.
وقد قال الشيخ أبو سعيد بن أخي هشام: لو مات الثّالث المشترط له الخيار لا يفسخ البيع، لكونه موقوفًا على رضي رجل يستحيل بعد موته أن يعلم رضاه.
وهذا الّذي قاله إنّما يتخرّج على أحد الطرق الّتي قدّمنا، وهي كون الحكم يقتضي قصد الإمضاء والإجازة على اختيار هذا الثّالث.
وقال بعض الأشياخ: لو وكّل رجل رجلًا على أن يشتري له فاشترى له الوكيل على خيار آخر - لم يجز ذلك لأنّه كوكالة منه، وليس للوكيل أن يوكّل.

والجواب عن السؤال الثّامن أن يقال: إذا أمر رجل رجلًا أن يشتري له سلعة على البتّ فاشتراها، واشترط على بائعها أن يريها لغيره، فضاعت بيد هذا المأمور.
فإنّ مالكا ذكر في الموازيّة أنّ الضّمان من الأمر 1. وقدّر أنّه لو اشتراها على البتّ على حسب ما أمره من وكّله، لكان ضمانها من الآمر.
فإذا اشترط للآمر الخيار فما زاده إلاّ خيرًا.
وذهب ابن الموّاز إلى كون الرّسول متعدّيًا، يكون ضمانها منه لمخالفة أمر الآمر.
إلاّ أن يكون بيّن للبائع أنّ فلانا بعثه ليشتري له ما اشتراه، فإنّه يسقط الضّمان عن هذا الرّسول ويكون ضمانها من بائعها.
وهذا الإختلاف الّذي وقع بين مالك وابن الموّاز قد ينصرف إلى أنّ اشتراط الخيار يفتقر فيه إلى زيادة في الثّمن، فيكون هذا تعدّيًا على الآمر لكونه لو لم يشترط الخيار لاشتراها بأقلّ مِمّا اشتراها به، أو يكون لا زيادة في الثّمن لأجل الخيار، فيكون الحكم ما قاله مالك لا سيما على طريقة من رأى أنّ اشتراط ما لا يفيد لا يقضى به.

وقد عورض ابن الموّاز في قوله: إنّ الضّمان من البائع، إذا أعلمه المشتري بأنّه وكيل، لأجل أنّ إعلامه بأنّه وكيل لا يسقط تباعة البائع عنه، إلاّ أن يصرّح بأنّه رسول لا تباعة عليه.
فيقول: أرْسَلني فلان إليك لتبيع منه.
وقد جرى بالقيروان قديمًا سؤال يتعلّق بهذا ذكره عمرون في كتابه وغيره.
وهو أنّ السماسرة إذا طاف أحدهم بالسوق وقد أمره رجل بأن يشتري له سلعة، فقال: من عنده كذا؟ سلعةً سمّاها.
فاستدعاه أحد التّجار فأعطاه ما طلب، فضاع في يد السمسار.
فقيل: إنّ ضمانه من الّذي أرسله لأنّه وكيل له وليس بوكيل لدافع السلعة إليه.
والفقه في هذا يتّضح إذا اتّضح من هو وكيل له.
والّذي يتحقّق أنّه وكيل له، يكون الضّياع منه.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: الخيار يقتضي كون من هو له الإجازة أو الرّدّ.
وذلك يكون منه بالنّطق والنّص على أحد الوجهين.
فإن كان منه الأمر كذلك، فلا خفاء بأنّه يقضى بمقتضى ما اختار.
أو يكون ما يدلّ منه على أحد الأمرين، وذلك على وجهين ترك وفعل.
فأمّا التّرك فمثل أن تذهب أيّام الخيار والمدّة الّتي جعلا الخيار إليها، فلا يكون مِمّن له الخيار نطق ولا إحداث فعل، فإنّه قد يستدلّ بتركه على قصده: فإن كان الخيار للبائع والسلعة في يده، كان مضيّ أمد الخيار دليلًا على أنّه اختار الفسخ.
إذ لو اختار الإجازة لاستدعى المشتري لقبضها وصرفها إليه، أو أشهد بالإجازة.
وإن كانت في يد المشتري، كان ترك ارتجاعها واستدعاءِ البائع ردّها دليلًا على أنّه اختار الإجازة للبيع.
وإن كانت السلعة بيد المشتري والخيار له، فإن إبقاءها في يديه دليل على اختياره الإجازة، كما أنّ إبقاءه لها في يد من باعها دليل على أنّه اختار الفسخ وجملة الأمر أنّ السلعة تبقى لمن هي في يديه، على مقتضى ما ذكرناه.
فأمّا إن أحدث المشترط للخيار فعلًا، فالّذي ينبغي أن يَعتمد عليه من أراد معرفة وجوه الرّوايات في هذا، والتّحقيقَ في الفتوى في هذا الّذي يحدث،

أن ينظر إلى الفعل الّذي أحدثه مشترط الخيار.
فإن وجده في العادة لا يقع إلاّ وهو دالّ على الإجازة أجزت.
وإن كان دالاّ على الفسخ فسخت.
وإن أشكل الأمر، لم يسقط حق من له الخيار بالتّجويز والاحتمال، ويبقى على حقّه، وينظر في الإستظهار عليه باليمين، على حسب ما ننبّهك عليه.
وهكذا ينبغي أن يسلك فيما وقع من الاضطراب والاختلاف فيما يدلّ على سقوط القيام بالعيب أو القيام بالشّفعة.
وسننبّه على هذين الفصلين في موضعهما إن شاء الله تعالى.
فمن الأفعال الّتي يحدثها من له الخيار الإعتاق، والكتابة، والاستيلاد على أنّه أمضى الشّراء، ومن البائع، إذا كان الخيار له، على أنّه فسخ العقد.
وإنّما كان الأمر كذلك لما قدّمناه من كون هذه المعاني إنّما يفعلها المالك، فإذا فعلها فيما لم يتقرّر ملكه عليه (تقرّرًا لا خيار فيه) 1، فإنّها تدلّ على رضاه بالملك لما فعل ذلك (منه) (1). ولو كان الخيار للمتبايعين جميعًا، فوقعت هذه الأفعال من أحدهما، لدلّت أيضًا على قصد الفاعل حسب دلالتها على قصده لو انفرد باشتراط الخيار.
لكن مِمّا يشكل إذا عُرض على هذا الأصل لو أنّ رجلًا اشترى أمة بعبد، على أنّ الخيار له، فأعتقهما معًا في لفظ واحد، فإنّ الإشكال قد يعرض ها هنا إذا عرضت هذه المسئلة على الأصل الّذي قدّمناه، من جهة أنّا قلنا: إنّ العتق علم على الرّضى بالتمسّك بإمضاء العقد.
وهذا المشتري له الخيار فيما باعه، وهو العبد، وله الخيار فيما اشتراه، وهي الأمة.
فإذا أعتق عبده قدر ذلك رضىً منه؛ بفسخ البيع فيتمّ عتقه فيه.
وإذا أعتق الأمة الّتي اشتراها قدّر ذلك رضي منه بقبولها وإمضاء الشّراء لها، فيتمّ عتقها.
وتقديرنا أنّه إمضاء الشّراء فيها يتضمّن أنّه سلم الملك في العبد لمن باعه منه، وتسليمه لذلك يمنع من نفوذ عتقه، ونفوذ عتقه يدلّ على فسخه للعقد، وذلك يمنع من نفوذ عتقه في الأمة.
فمن

أجل هذا التّدافع في الدّلالة على القصود 1 إذا عرض على ما قلناه يقع الإشكال.
لكن بعض أشياخي مال إلى إنفاذ عتقه في عبده، لكونه قد علم أنّ أصل الملك له، وهذا الّذي علم من كون الملك له في الأصل يقتضي إنفاذ عتقه، ولا يرد مقتضى هذا الأصل بأمر محتمل ومشكل، ويقدّر أنّه لمّا أعتق الأمة، صار بعتقها ملتزمًا بتسليم ملك عبده لسيّدها، فإذا أعتق العبد، صار كمن أراد أن يملك الأمة بغير عوض، وهذا لا سبيل إليه.
وهذه المسئلة ينظر فيها، ينفذ عتق العبد لأجل هذا الّذي وقع فيه من تدافع الأحكام، فيغلَّب إيقاع العتق لحرمته، على ردّه.
كما قيل فيمن قال: إن بعتك فأنت حرّ: إنّ الأحكام تتدافع أيضًا، ولكن مع تدافعها يغلّب إيقاع العتق إن شاء الله تعالى.
وتعتق الأمة لكون بائعها سلّمها إليه ومكّنه من التصرّف فيها بحكم الخيار.
وهذه مسئلة تعرض أيضًا على أصْلٍ سنبسطه، إن شاء الله تعالى.
وذلك أنّ بيع الخيار مِمّا اختلف النّاس فيه.
وللشّافعي فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنّ الملك ينتقل فيه بنفس العقد.
والثّاني أنّه مترقّب، فإن أُجيز البيع، كشف الغيب أنّ الملك لم يزل 2 من حين العقد، وإن فسخ العقد، كشف الغيب أنّه باق على الملك الأوّل كما كان.
والقول الثّالث أنّه إنّما ينتقل بانقطاع الخيار في عقد متقدّم.
ومذهبنا نحن يتخرّج فيه اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى.
وأبو حنيفة يرى أنّ الملك لا ينتقل إلاّ بانقطاع الخيار، إلاّ أن يكون الخيار للمشتري، فيقدّر المبيع غير مملوك للبائع لكونه قد جعل الخيار فيه لغيره، ولا مملوك للمشتري أيضًا لأنّه لم يختر الإمضاء.
والشّافعيّة تفرّع هذه المسئلة على الثلاثة مذاهب، فتقول: إن قلنا بأحد الأقوال الثّلاثة، فجميعها يقتضي نفوذ عتق البائع إذا كان الخيار له، لكون

الملك لم ينتقل عند من اعتبر في انتقاله انقطاع الخيار، والعتق حصل فيه قبل أن ينقطع، ولا عند من جعله مترقّبًا, لأنّ ما يترقّب من الإمضاء لم يحصل، ولا عند من جعله ينتقل بنفس العقد, لأنّ للبائع الخيار في الفسخ في العقد، وإعتاقه العبد فسخ للعقد.
لكن لو كان الخيار للمشتري خاصّة، لم ينفذ عتق البائع فيه, لأنّ إمضاء عتقه إبطال لحقّ المشتري المتقدّم على العتق، فليس للبائع أن يحدث ما يبطل حقّ المشتري من إجازة الشّراء أو إمضائه 1. لكنّه عندنا إن ردّه المشتري عليه، نفذ عتقه فيه.
وأطلق بعض الشّافعيّة القول إنّ عتق البائع لا ينفذ إذا كان الخيار للمشتري خاصّة.
وإذا كان الخيار للمشتري خاصّة، نفذ عتقه فيه لأنّه استحقّ الإمضاء، والعتق علم عليه، على الأقوال الثّلاثة أيضًا.
ولو كان الخيار للبائع خاصّة فأعتقه المشتري، لكان عتقه لا ينفذ إذا اختار البائع فسخ العقد.
وأمّا إن اختار إمضاء العقد، فإنّه يتخرّج على القولين.
فإذا قلنا: إنّ الملك إنّما ينتقل بانقطاع الخيار، لم يلزم عتق المشتري لكون عتقه لم يصادف الملك.
وإن قلنا: إنّ الملك ينتقل بنفس العقد حتّى يرفعه الفسخ، فإنّه ينفذ عتق المشتري فيه.
وأمّا إن اختار البائع الفسخ، فإنّا إن قلنا: إنّ الملك لا ينتقل إلاّ بانقطاع الخيار، أو قلنا: إنّ الملك مترقّب، فإن أمضى البيع فكأنّه لم يزل ملكًا للمشتري من حين العقد.
وإن فسخ البيع فكأنّ العقد لم يكن.
فإنّه يتّضح على هذا أنّ عتق المشتري غير نافذ.
وإن قلنا أنّه ينتقل بنفس العقد، فها هنا اختلف النّاس في التّخريج على ذلك عند الشّافعية.
فذكر عن الشّافعي أنّ العتق لا ينفذ لكون الملك، وإن انتقل

بالعقد، فإنّه ملك غير تامّ، فإنّه لا يقع فيه العتق.
وحكى ابن شريح، من أصحابه: أنّ العتق ينفذ.
فكأنّ الشّافعي رأى أنّ المشتري ممنوع من التصرّف فيه بالبيع والإجارة، إذا كان الخيار للبائع خاصّة، والمالك لا يمنع من التصرّف، فدلّ أنّ ملكه غير تامّ، فاقتضى هذا ردّ العتق.
ولأنّ العتق لو نفذ لمنع من حقّ تقدّم للبائع، وهو الفسخ.
وليس للمشتري أن يمنعه من حقّ استحقّه البائع بالعقد وانفرد ابن شريح بهذا المذهب دون الشّافعيّة.
لكنّ أبا حامد نصره واختاره، وأشار إلى أنّ المشتري إذا كان له الخيار وللبائع أيضًا، فاختار المشتري الإجازة، فإنّ ذلك لا يمنع من الفسخ الّذي يستحقّه، لكون الخيار له، فكذلك يجب في العتق ألاّ يمنع البائع من حقّه في الفسخ، لكون العتق علمًا على الإجازة.
فإذا كان نفس الإجازة تمنع البائع من الفسخ، فكذلك ما هو يحلّ محلّ الإجازة، مع كون البائع غير ممنوع من حقّه في الفسخ، ولكنّه إذا وقع الفسخ لأجل حقّه فيه، صادف العبد، المفسوخ فيه البيعُ، حرًّا، لا يمكن ردّه.
فيلزمه ردّ قيمته لتعدّيه في إفاتته على مستحقّه.
ونحن قد كنّا قدّمنا الكلام على من اشترى أمة بعبد على أنّ الخيار له فأعتقهما معًا، وترجّحنا 1 في المسئلة، وحاولنا تخريج خلاف فيها، وإلزامَ المشتري عتق العبد والأمة جميعًا، لكون العبد تدافع فيه حكمان ردّه وعتقه، فغلّب العتق، وهذا الّذي حكيناه عن ابن شريح فيه إشارة إلى هذا المذهب من كون بائع العبد له ارتجاعه، ولكنّه لمّا وجده معتقًا، لم يمكّن منه، واستحقّ قيمته.
وأمّا وطء المشتري لها، والخيار له، فإنّه يرتفع الحدّ.
ولو قلنا بأحد الأقوال الثّلاثة من أنّ بيع الخيار لا ينتقل فيه الملك للمشتري إلاّ عند إمضاء البيع؛ لأنّ وطأه وقع بشبهة، والحدود تدرأ بالشّبهات.
وقد ذكر في الموازية فيمن باع أمة واحتبسها بالثّمن، ثمّ وطئها بائعها، أنّ الحدّ يدرأ عنه بالشبهة، لأجل الاختلاف في كون ضمانها منه أو من

المشتري.
ورأى أنّ هذا الإختلاف في الضّمان شبهة، مع كون الملك قد انتقل للمشتري انتقالًا محقّقًا بغير خلاف.
فما اختلف فيه، هل هو باقٍ على ملك البائع أم لا؟ أَحْرَى أن يسقط فيه عن الواطىء لكونه قد ملك 1 من وطئه، على أحد الأقوال.
وهكذا حكى أبو الفرج عن مالك فيمن اشترى أمة بالخيار له، فوطئها البائع، أنّه لا حدّ عليه.
ولو حملت من وطء البائع الّذي وطئها، والخيار للمشتري خاصّة، أو من وطء البائع المحتبس لها بالثّمن، لجرى حكمها حكم الأمة المستحقّة إذا استولدها مشتريها.
وقد أشار أبو حامد الإسفراييني إلى ارتفاع الخلاف في الحدّ، على الأقوال الثّلاثة في الملك في بيع الخيار، وأجرى الخلاف في الولد على حسب مقتضاها، على الطّريقة التي أريناك من تخريج الخلاف في العتق عليها.
وأمّا لو وطئها المشتري والخيار له خاصّة، فإنّه لا خلاف عندنا في أنّ ذلك رضي منه، كما قلناه في إعتاقه لها.
وبين أصحاب الشّافعي اختلاف في كون الوطء الواقع من المشتري رضىً بإجازة البيع أم لا؟ فذهب أبو سعيد منهم إلى أنّه رضىً منه كالعتق.
وذهب أبو إسحاق إلى أنّه ليس برضى بخلاف العتق.
وفرّق بينهما بأنّ الموطوءة يمكن ردّها إلى الملك، والمعتقة لا يمكن ردّها إلى الملك، فلا يعدّ وطء مشتريها بالخيار رضىً بالبيع.
ونحن كنّا قدّمنا أنّ المعتمد على ما تقتضي العوائد كونه علَما على الإجازة أو الفسخ وسَواء في ذلك البائع أو المشتري.
وأصحاب الشّافعي متّفقون على تسليم هذا لنا في جنبة البائع ومختلفون في المشتري.
فمنهم من أجراه مجرى البائع على حسب ما صرنا نحن إليه.
ومنهم من يجريه مجراه إلاّ فيما لا يمكن ردّه إلى الملك كالمعتق.
وإمّا

يمكن 1 ردّه إلى الملك فإنّه لا يكون رضي كالوطء والبيع.
واعلم أنّ المذهب عندنا على قولين في البيع إذا وقع من المشتري بالخيار، هل يعدّ ذلك رضي منه بالإجازة، أو لا يعدّ ذلك منه رضي بالإجازة؟ كما حكاه في المدوّنة عن ابن زياد عن مالك: أنّه لا يبيع حتّى يختار.
فإن باع فإنّ البائع بالخيار في أن يردّ بيعه أو يجيزه ويأخذ الثّمن الّذي باع به المشتري.
وأنكر سحنون تخيير البائع المذكور في هذه الرّواية، وإنّما سلم منها كون الرّبح الّذي يحصل للمشتري يستحقّه البائع.
ولم يسلّم تمكينَه من فسخ البيع إذا أقرّ أنّه باع قبل أن يختار.
وأمّا إن زعم أنّه لم يبع إلاّ بعد أن اختار، فإنّ القول قوله مع يمينه ويكون الرّبح له.
واعتلّ ابن الموّاز في منع المشتري من الرّبح بأنّ تمكين المشتري منه منهيّ عنه للحديث الوارد بالنهي عن ربح ما لم يضمن 2. وقد ذكرنا عن أصحاب الشافعي أنّ عندهم قولين في بيع المشتري بالخيار، هل يكون رضي بالإجازة أم لا؟ كما حكينا الخلاف فيه أيضًا عن مذهبنا؟ وقد يهجس في النفّس أنّ الخلاف إنّما وقع عندنا في البيع، هل يكون رضي أم لا؟ لكون المبيع بالخيار مِمّا يمكن ردّه بعد أن يباع، على حسب ما حكيناه عن بعضهم في تعليله المنع من كون الوطء رضي بخلاف العتق.
وسلوك هذه الطّريقة تقتضي أن يكون عندنا اختلاف أيضًا في وطء المشتري.
لكن العذر عن هذا عندي أنّ وطء المشتري لها يوجب المنع من ردّها على بائعها حتّى يستبرىء.
فقد صار المشتري أحدث ما منع من ردّها، فأشبه ذلك العتق المتّفق على أنّه رضىً لكونه مانعًا من الرّدّ.
وإن كان العتق يمنع من الرّدّ منعًا مؤبّدًا، والوطء يمنع منه منعًا مؤقّتًا، وقد يكون مؤبّدًا إن حملت من الوطء.
وهذا المنع يوجب غرامة ما منع المتعدّي من تمكين مالكه.

كما أنّه أيضًا يقال في الإعتراض على الشّافعيّة: إنّهم يرون أنّ الزّوج إذا طلّق طلقة رجعيّة، فإنّ وطأه لا يكون ارتجاعًا.
وهم مختلفون في وطء المشتري بالخيار، هل يكون رضي أم لا؟ فيعتذرون على أحد القولين، والوطء لا يمكن الإشهاد عليه، والله سبحانه قد أوجب الإشهاد، فاقتضى هذا أنّ ما لا يمكن الإشهاد عليه لا يكون ارتجاعًا.
ووطء المشتري بالخيار لم يرد في الشّرع إباحته، مشترطًا في الإباحة الإشهاد عليه.
فلهذا حسن الخلاف فيه عندهم، ولم يحسن في وطء المطلق.
وممّا أيضًا يقع الاعتراض فيه ها هنا أنّ المشتري إذا اشترى عبدًا بالخيار فأزوجه، فإنّ ابن القاسم جعل هذا رضي بالإجازة للشّراء.
ولم يجعله أشهب علمًا على الإجازة، إذا حلف المشتري أنّه لم يرض بالشّراء.
والفرق بين المسئلتين أيضًا أنّ المشتري للأمة لمّا زوّجها.
كان الحكم إذا فسخ النّكاح منع سيّدها منها حتّى تستبرىء من وطء الزّوج.
والمنع من ردّها يوجب غرامة قيمتها.
بخلاف العبد الّذي يردّ إلى سيّده على الفور.
إلى هذا الفرق أشار أبو القاسم بن الكاتب.
وهو إنّما يتصوّر إذا دخل بها الزّوج.
لكنه قد يقال: وإن لم يدخل بها الزّوج، فإنّ المشتري مكّنه من الدّخول لمّا زوّجه، والتّمكين من الدّخول يتضمّن المنع من ردّها فجرى العقد عليها للنّكاح مجرى الوطء لمّا كان يتضمّن الوطء.
وقد قيل: إنّ الفرق بين العبد والأمة أنّ العبد يحلّ عن نفسه بالطّلاق، والأمة لا قدرة لها على حلّ هذا العقد، فصار مشتريها أحدث مانعًا على التّأبيد.
وقد قيل: إنّ نكاح العبد كاشتراء متعة له، وهذا لا يقدّر رضي بالإجازة.
وإنكاح الأمة بيع لمنافع فرجها، والبيع علم على الرّضى، لا سيما مع كون نكاحها لا ينعقد إلاّ بإذن مالكها، فلمّا زوّجها المشتري.
وفعل فعلًا لا يفعله إلاّ المالك، عدّ ذلك رضي منه.
وعندنا قولان أيضًا في رهن المشتري بالخيار ما اشتراه أو إجارته.
فعدّ

ابن القاسم ذلك رضي بالإجازة.
ولم يجعله أشهب رضي بالإجازة، إذا حلف المشتري أيضًا على أنّه لم يرض.
وكذلك تزويج العبد عند ابن القاسم رضي.
وليس هو رضي عند أشهب بعد أن يحلف أيضًا.
وكذلك اختلف ابن القاسم وأشهب أيضًا في السوم بالعبد وإسلامه للكتاب أو الصناعة.
فقال ابن القاسم إنّ ذلك رضي، وقال أشهب ليس برضى.
وروي عنه أنّه استحلفه على أنّ هذة الأمور الّتي ذكرناها ليست برضى، كما استحلفه فيما قدّمناه من تزويج العبد وإجارته ورهنه.
وفي بعض الرّوايات عنه ما ظاهره أنّه قصر اليمين على تزويج العبد وإجارته ورهنه.
وأمّا الجناية على العبد فإن كانت خطأ.
فليستَ برضى.
وإن كانت محمدًا فجعلها ابن القاسم, أيضًا، علمًا على القصد، يكون من المشتري رضىً بالقبول، ومن البائع رضي بالفسخ.
فأمّا جناية الخطإ فواضح أنّها لا تكون علمًا على القصد, لأنّ وصفها بكونها خطأ ينافى وصفها بالقصد إلى كونها علمًا على سخْط أو رضي.
لكن روي عن ابن القاسم أنّه استحلفه في الخطإ.
وإنّما استظهر عليه باليمين في هذا لإمكان ألاّ يكون.
وأمّا جناية العمد، فإنّ أشهب يقدّر أنّه قد (سقط عليها الغيظ) 1 من غير أن يخطر بالبال إمضاء المبيع أو ردّه.
وقدّر ابن القاسم أنّه حين الجناية، وهو عالم أنّ ذلك لا يفعله إلاّ المالك، كالقصد إلى جعل الجناية علمًا على القصد.
وإذا وقعت من المشتري جناية، أتت على نفس العبد أو عابته عيبًا مفسدًا، فإنّ ابن القاسم قال: إنّه يضمن الثّمن.
وقال سحنون: إنّه يضمن القيمة.

وهذا الخلاف في جناية الخطإ، أو جناية العمد، على الخلاف أنّها ليست بعلم على الرّضى.
أمّا إذا قيل إنّها علم على الرّضى، فإنّ الواجب الثّمن, لأنّ المشتري إذا رضي بالقبول لزمه الثّمن وصار جانيًا على ملكه.
وقد قيل: إنّ مراد ابن القاسم بإلزامه الثّمن، القيمة، كما قال سحنون.
وهذا لا يقتضيه ظاهر قوله، بل اسم القيمة تدلّ على مقدار ما يساوي الشّيء المقوّم.
والثمن يدلّ على ما وقع التّراضي بكونه عوضًا.
وقال بعض المتأوّلين: لعلّه إنّما ألزم الثّمن لمن رضي بالقبول قبل أن يجني.
وهذا تأويل فيه تعسّف.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن استهلك سلعة وقفت على ثمن، هل يضمن الثّمن الّذي وقفت عليه أم لا؟ ولكن بعض أشياخي أنكر تخريج الخلاف في الجناية على ما اشترى بالخيار على الخلاف في مستهلك سلعة وقفت على ثمن.
وأشار إلى أنّ المراد بقوله: وقفت على ثمن، ما تمالأ عليه جماعة من المشترين حتّى صار ذلك كالعاطل 1. وهذا الّذي أشار إليه لا يمنع أيضًا من أن يجري البائع بالخيار على ثمن سمّاه مجرى الممنوع بإتلاف المشتري ما اشتراه منه, لأنّه إذا باع السلعة بالخيار له بثمن التزمه مشتريها منه فأتلفها مشتريها منه، فإنّه قد منع البائع بإتلافه مِمّا كان من حقّ البائع أن يلزمه إيّاه.
ولو كانت الجناية من البائع والخيار له وقبل البائع العبد، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأنّه كان قادرًا على فسخ البيع ومنع المشتري من المبيع.
فإذا كان الخيار للمشتري، والقتل خطأ وقع من البائع، فلا مطالبة للمشتري عليه, لأنّ المشتري لم يتقرّر له الملك فأتلفه عليه البائع فيطالب متلفه بما أتلف.
لكن لو كان قتله البائع له محمدًا وقيمة العبد أكثر من الثّمن، لكان من حقّ المشتري أن يطالبه بزيادة القيمة على الثّمن، لكونه له عليه أن يوفّيه بما باعه منه، ويمكنه من قبضه.
فإذا منعه من التمكّن منه والقبض، صار كالغاصب له.

والغاصب يضمن ما غصب.
وإن كانت الجناية من المشتري، فقد تقدّم الكلام عليها خطؤها وعمدها.
وإن كانت من أجنبيّ أخذ 1 لها أرش، فإنّ المشهور من المذهب أنّ الأرش للبائع لكون الملك لم يتحقّق خروجه من يده، فعِوَض ما تلف منه عائد إليه.
وإذا كان ضمان هذا المبيع منه، كان له نماؤه وعليه نقصانه.
وذهب ابن حبيب إلى أنّ الأرش للمشتري إذا أُمضِي له البيع، بناء على ما قدّمناه من الخلاف في كون بيع الخيار معقودًا حتّى يُحَلّ بالفسخ، أو مترقَّبا، فإذا وقعت الإجازة قُدِّر كأنّ العقد لم يزل مجازًا من وقت التّراضي.
ولكنّ هذا التّخريج يقتضي أنّ العبد إذا مات في أيّام الخيار فأجيز البيع بعد موته فإنّ ضمان العبد من المشتري، لأنّه يقدر أيضًا كأنه مات بعد حصول انعقادِ منبرمٍ.
ولكن هذا لم يذكره ابن حبيب ولا صار إليه، وكأنّه قدّر أنّ هذا الإختلاف في كون بيع الخيار منعقدًا أو غير منعقد أو مترقّبًا إنّما يتصوّر مع بقاء عين المبيع ووجود الغرض فيه، فإذا صار عدَمًا لم يكن هناك شيء يخيّر فيه.
ولعلّ ابن القاسم سلك هذا المعنى في قوله: إنّ أرش الجناية للبائع؛ لأنّها أيضًا ثمن عضو قد عُدِم.
وعلى مقتضى هذا قال الأشياخ: لو كان الخيار للمشتري وجنى جناية خطأً ثمّ قَبِل المشتري، فإن أرش الجناية للبائع، ويكون المشتري كأجنبيّ في هذا، لما قدّمناه من التّعليل.
هكذا نصّ عليه ابن الكاتب وغيره من الأشياخ.
هذا حكم الجناية على العبد في أيّام الخيار.
وأمّا لو كان العبد المبيع بالخيار هو الجاني، فإنّ لسيّده أن يُسلِمه.
فإن أسلمه والخيار له، عدّ ذلك ردًّا للمبيع.
وإن افتداه عاد العبد إلى ما كان عليه من الخيار لبائعه في أن يمضي البيع على المشتري أو يفسخه.
لكنّه إن كانت الجناية عمدًا صار ذلك عيبًا في العبد المبيع، وللمشتري أن يمتنع من القبول لحدوث هذا العيب.

وأمّا إن كان الخيار للمشتري وافتداه سيّده، فإنّ المشتري باقٍ على خياره في أن يقبل العبد أو يردّه، كحكم ما قدّمناه في العيوب الحادثة في أيام الخيار.
وإن أسلمه سيّده، والثّمن أكثر من قيمة الجناية، فإنّ للمشتري أن يدفع الثّمن فيأخذ منه المجنيّ عليه قيمة جنايته، ويكون ما فضل من الثّمن لسيّد العبد.
وليس لسيّد العبد أن يمنع من ذلك لكونه في منعه من ذلك مسقطًا لما ثبت من حقّ المشتري في القبول للمبيع، ومضرًّا بنفسه في إبطال دنانير يأخذها، وهي ما فَضُل عن قيمة الجناية، ولا غرض صحيح في الامتناع من هذه الفضلة من الثّمن.

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال: إذا ولدت الأمة الّتي اشتريت بالخيار، فإن اختير الفسخ، بقي الولد تبعًا في الملك لأمه.
وإن اختير إمضاء العقد، ففي المذهب قولان.
مذهب ابن القاسم أنّ الولد للمشتري الّذي أمضى عليه العقد في الأمّ.
ومذهب أشهب أنّ الولد للبائع.
لكنّه ذكر في المدوّنة أنّ المتعاقدين يؤمران بأن يجمعا بين الأمّ وولدها.
فإن لم يفعلا نقض البيع.
واختلفت إشارة المتأخّرين في تأويل قوله: يجمعان بينهما.
هل المراد جمعهما في ملك أو حوْز؛ وهذا يبيَّن أصلُه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد اختلف أيضًا في فسخ هذا البيع لأجل التّفرقة.
فقيل بفسخه.
وقيل: هذا لا يفسخ, لأنّ أصل البيع كان جائزًا لم يعقد على التّفرقة.
ويقدح في هذا التّعليل بأنّ الحامل إذا كانت على الولادة، والمتعاقدان يعلمان أنّ الولد للبائع، صار كمن عقد على التّفرقة.
وقد عارض ابن أبي زمنين هذه المسئلة بأن قال: الحامل مريضة وبيع المريض لا يجوز عند أصحاب مالك.
وأشار إلى أنّه يمكن أن يكون ما وقع

من هذا الإختلاف، الّذي ذكرناه، محمولًا على أنّ هذه الأمة لم يعلم بحملها حين العقد.
وهذا الّذي اعتذر به فيه بعد، ولا يكاد يخفى حمل امرأة قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة إلاّ في صورة نادرة.
وهذا الّذي ذكره ابن أبي زمنين من كون أصحاب مالك يمنعون من بيع المريضة، والحاملُ مريضة.
وقد ذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن عبد الملك بن الماجشون أنّ الحامل إذا جاوزت ستّة أشهر.
جازت عطيّتها في الثّلث، كالمريضة.
ومنع من بيعها إن كانت أمة كما يمنع من بيع المريض المدنف.
وسنبسط الكلام على حكم الحامل في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا سبب الإختلاف في كون الولد للبائع أو المشتري، فإنّه يلتفت فيه إلى أصلين، أحدهما: هل للحمل حصّة من الثّمن أم لا حصّة له من الثّمن؟ فإن قلنا: إنّ له حصّة من الثّمن، فينبغي ألاّ يختلف في كونه للمشتري.
لأنّه إذا كان له حصّة من الثّمن، صار المشتري كأنّه دفع الثّمن عن سلعتين، وهما الأمّ وجنينها.
ومن اشترى بثمن واحد سلعتين فلا يقال: إنّ إحداهما تبقى للبائع.
واستدلّ من قال: إنّ له حصّة من الثّمن، بأنّ اللّبن المغيَّب في الضّرع له حصّة من الثّمن، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - حكم في المصراة إذا ردّت أن يردّ معها صاعًا من تمر عوض لبنها 1، لكون اللّبن الّذي في الضّرع يجب أن يردّ للبائع إذا ردّت عليه، وما حدث بعد ذلك فهو للمشتري.
فلمّا اختلط ما يجب ردّه وما لا يجب، عوِّض عن الجميع بصاع من تمر.
وإن قلنا: إنّ العمل لا حصّة له من الثّمن، كيَدِها أو رجْلها أو سمنها، فإنّه يجري حكم الولد على ما تقدّم من الاختلاف في بيع الخيار، هل هو محلول حتّى يعقد بالإجازة؟ فيقتضي هذا كون الولد للبائع, لأنّ البيع إنّما انعقد بعوإنفصال الولد عنها، فلم يشتمل العقد عليهما كما لم يشتمل على بيع أمة

أخرى للبائع.
وإن قلنا: إنّه معقود حتّى يحلّ بالفسخ أو إنّه مترقَّب، حسن ها هنا أن يكون للمشتري, لأنّه حدث بعد انعقاد البيع له.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنّ هذه الجارية المبيعة بالخيار لو كانت عَلِيّة، فإنّ للبائع مقالًا في هذا النّماء الحادث في أيّام الخيار، وذلك أنّ حملها عيب، فإذا وضعت زال هذا العيب، وزواله في الخيار كنماء حادث، والنّماء الحادث للبائع، كما أنّ النّقص عليه على ما سننبّه عليه إن شاء الله تعالى.
وقد يقال في 1 أنّ هذا النّماء ليس كالحادث لأنّهما حين العقد يظنّان أنّه يحصل بخلاف نماء حادث لم يخطر ببالهما حين العقد.
وقد ذكرنا فيما قدّمنا المعتمد في اعتبار ما يكون رضي، وبسطنا القول في فروع هذا الباب.
وقد قال سحنون: كلّ ما كان إذا وقع من المشتري كان علمًا على القبول، فهو إذا وقع من البائع، والخيار له، كان علمًا على الرّدّ.
وهذا فيه نظر, لأنّ المشتري إذا اشترى بالخيار فأجّر المبيع، أو رهنه إلى انقضاء مدّة الخيار، فإنّ هذا قد لا يعدّ منه علمًا على القبول.
وقد ذكر سحنون أنّ الغرس والبناء والهدم عَلم أيضًا على المقاصد إذا فَعَل ذلك من له الخيار.
وإن فعله من المتعاقدين من ليس له الخيار، فإنّه إذا انحلّ العقد بالفسخ أعطى قيمة بنائه منقوضًا لتعدّيه في البناء.
ولم يجعل كون العقد والخيار لغيره، ويمكن أيضًا أن يُقْضَى عليه - شبهةً توجب إعطاعَه قيمة البناء قائمًا، لا سيما عند رأي أنّ بيع الخيار معقود حتّى يحلّ بالفسخ.

والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال: إذا اختلف المتبايعان بالخيار فقال أحدهما: تعاقدنا على البتّ، وقال الآخر: بل على أنّ الخيار لي.
فقال ابن القاسم: القول قول مدّعي البتّ.
وقال أشهب: القول قول مدّعى الخيار.
وهذا الإختلاف بين المذهبين راجع إلى أصل معروف اختلف فيه ابن القاسم وأشهب.

وذلك أنّ ابن القاسم يبعض الجُمَل، وإن سيقت في سياق واحد، فيعطي الجملة الأولى حكم نفسها.
وإذا فعل ذلك فقد تصير الثّانية كالرّجوع عمّا تضمّنته الأولى.
فإذا قال: بعتك هذا الثّوب، فإنّ هذه الجملة ظاهرها أنّها تستقلّ في بتات البيع.
فإذا قرن بها جملة ثانية فقال: وشرطي في الخيار، صار ذلك كدعوى رفع بها حكم الأوّل فلا يقبل منه.
وقدّر أشهب أنّ الفائدة والعلم بالمقصد إنّما يحصل بعد استيفاء المتكلّم جميع الجمل.
فإذا فرغ منها حكم عليه بما اقتضاه مجموعها, لأنّه لم يقرّ إلاّ على صفة أو شرط، فلا يؤخذ بأكثر مِمّا أقرّ به.
فإذا قال: بعتك وشرطت الخيار، لم يتضمّن هذا الإقرار أكثر من عقد بخيار.
فلا يقدّر أنّه صار مقرًّا مدّعيًا.
وهذا مثل اختلافهما في قول رجل: أخذت منك هذا المال وديعة؛ وقال الآخر: بل أسلفتك إيّاه.
فإن ابن القاسم يقدّر أنّ إقراره تضمّن تسليم ملك ما أخذ للمقرّ له.
فإذا سلّم ذلك، صار مُدَّعىً عليه أنّه ائتمنه عليه.
فلا يقبل دعواه ما يرفع حكم تسليم الملك للمقرّ له.
وقدّر أشهب أنّه لم يقرّ له بتسليم الملك مطلقًا، بل على صفة، وهو كونه سلم ملكه إليه مؤتمنًا عليه.
ولم ينقل عنهما اختلاف فيمن قال: عندي لك دين وقضيتك إيّاه.
لأنّ هذه الجُمل يترتّب بعضها على بعض في حكم العقل، فيترتّب أيضًا في حكم الشّرع.
وذلك أنّه معلوم أنّ القضاء للدّين لا يكون إلاّ بعد استقراره في ذمّة، وإذا استقرّ في الذّمّة، فحينئذ يمكن قضاؤه.
فيصير 1 المقرّ قد تضمّن إقراره بدين ترتّب في الذّمّة، ثمّ يدّعي أنّه قضاه بعد ذلك فلا يقبل منه، كما لو أقرّ بدين، إقرارًا مطلقًا، ثمّ زعم بعد مدّة أنّه قضاه.
وهذا تبسط فروعه في موضعه إن شاء الله تعالى.

ولو كان اختلافهما بأن ادّعى كلّ واحد منهما الخيار لنفسه دون صاحبه، فإنّه اختلف في ذلك أيضًا.
فقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد إمضاء البيع دون من أراد ردّه.
وقيل: يتحالفان، ويحكم لمن أراد ردّه دون من أراد إمضاءه.
وقال ابن الموّاز: القول قول من أراد إمضاء البيع.
وهذا الإختلاف راجع إلى ما قدّمناه، هل يقبل قول من ادّعى البتّ؟ فيقضى ها هنا لمن أراد الإمضاء على طريقة ابن القاسم.
وإليها أشار ابن الموّاز, لأن من أراد الإمضاء، صار كمدّعي البتّ.
لكن ابن الموّاز لمّا رأى أنّ أحد المتبايعين إذا ادّعى الخيار، وادّعى الآخر البت، فإنّ مدّعي البت يصدق مع يمينه عند ابن القاسم، ولا يستحلف مدّعي الخيار إذ لا فائدة في يمينه، إذا حلف مدّعي البتّ، أجاب ها هنا بأنّ الإقتصار على تحليف مدّعى الإمضاء خاصّة.
وقد أشار بعض حذّاق الأشياخ إلى أنّه لا وجه لما وقع ها هنا من أنّهما يتحالفان.
وعلى طريقة أشهب يكون القول قول من أراد الرّدّ, لأنّه إذا اختار الرّدّ، صار حين اختياره كمدّعي انعقاد البيع على خيار، ومن ادّعى انعقاد البيع على خيار لم يؤخذ عنده بأكثر مِمّا أقرّ به، لأجل ما قدّمناه، لا سيما إذا قلنا: إنّ بيع الخيار محلول حتّى يعقد بالإمضاء، فإنّ هذا يقتضي أنّ مدّعي الخيار ما أقرّ ببيع، ولا عقد قطُّ، فلا تقبل دعوى أخري عليه في ذلك.
والّذي أشار إليه بعض الأشياخ من كون استحلافهما جميعًا لا وجه له.
وأشار إلى أنّه يمكن أن يراد بالقول: يتحالفان، أنّ أحدهما يحلف، ولكن لمّا كانت يمينه باستدعاء صاحبه، وباختلاف وقع بينهما فيما اتّفقا على ثبوته واختلفا في محمله وهو الخيار، صارت يمين أحدهما يحسن العبارة عنها بالتّحالف.

وهذا تأويل فيه تعسّف.
فإن كان ما قيل من أنّهما يتحالفان أريد به أنّ تحالفهما يقع بعد سماع قول أحدهما: ردَدْتُ؛ وقول الآخر: أمضيت، فإنّه لا وجه له.
وأمّا إن لم يقل واحد منهما ما عنده من ردّ أو إمضاء وقال: لا أبوح بما عندي إلاّ بعد أن أعرف هل القول قولي، فأحلف عليه أو أردّ اليمين فيه.
أو القول قول صاحبي، وإنّما أحلف إذا نكل؟ فهذا يمكن أن يتصوّر فيه غرض يقتضي تحالفهما.
هذا قصارى ما يمكن عندي أن تصرف إليه الرّوايات.

والجواب عن السؤال الثّاني عشر أن يقال: الأصل الّذي يعتبر فيه حكم ما يضمن وما لا يضمن ممّا اختلف النّاس في ضمانه من هذه المعاني، كالرّهان والعواري وما يصنعه الصّنّاع، إلى غير ذلك ممّا في معناه، سنبيّنه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولكن نشير ها هنا إليه.
فاعلم: أنّ الوديعة متّفق على أنّه لا يضمنها من هي في يديه، لكون الملك لم ينتقل فيها إلى من هي في يديه، ولا قبضها من هي في يديه لمنفعة نفسه، بل لمنفعة ربها.
والمبيع بالخيار يعرض على هذا الأصل.
وقد ذكرنا ما وقع من الإضطراب في بيع الخيار، هل هو محلول حتّى يعقد؟ أو معقود حتّى يحلّ؟ وكيف جرت الحال فإنّ الملك لم ينتقل فيه انتقالاً تامّاً، ولكن يجب أن ينظر فيه من ناحية المنفعة فيه لمن تحصل.
فإذا تقرّر هذا الأصل فاعلم: أنّ المذهب أنّ السلعة المبيعة بالخيار إذا كانت في يد البائع فإنّ ضمانها منه، سواء كان الخيار له أو للمشتري أو لهما جميعاً.
لأنّها إذا كانت في يديه وقلنا: إنّ عقد الخيار لا يقدّر عقداً إلاّ حين إمضائه، ولا ينقل ملكاً، فإنّه يتّضح كون الضّمان منه لتلف ملكه في يديه.
وكذلك إن قلنا: إنّه منعقد حتّى يفسخ، فإنّه أيضاً لا يقتضي هذا الملكَ التّامّ للمشتري، وإذا لم يكن الملك تامّاً، بقي

الملك على ما كان عليه، فيكون ضمانه من صاحبه.
وأمّا إن كان المبيع بالخيار في يد المشتري والخيار له، فإنّ المذهب أنّ ما يغاب عليه يكون ضامنًا له.
ولا يصدق في ضياعه إذا لم تقم له بيّنة على ذلك.
فإن قامت له بيّنة بضياعه فذلك على قولين، فعلى أصل ابن القاسم يسقط الضّمان إذا قامت البيّنة، لكون الأصل سقوط الضّمان عن المشتري لأجل ما قدّمناه.
وإنّما ضمن ها هنا للتّهمة أنّه أخفى المبيع وادّعى ضياعه مع كون هذا المبيع في يديه لمنفعة نفسه، وكون البيع فيه منعقدًا حتّى يفسخ على أحد الطّرق.
وأمّا إن كانت السلعة في يد المشتري، والخيار للبائع خاصّة، فالمشهور من المذهب أيضًا أنّ المشتري ضامن لما يغاب عليه، لكون ذلك في يديه على جهة البتات، والعقد اللاّزم له الّذي لا قدرة له على حلّه.
وذهب ابن كنانة إلى أنّ الضّمان ها هنا من البائع.
وكأنّه قدّر أنّ المنفعة في إيقاف هذا المبيع للبائع خاصّة دون المشتري, لأنّ المشتري قد قبض السلعة على أنّ ثمنها لازم له لا إنفكاك له منه إذا شاء البائع، فوقفه البائع عن التّصرّف فيها كما يتصرّف المالك، والانتفاع بها لمنفعة نفسه في تدبير رأيه في إمضاء البيع أو ردّه، وقد قدّمنا أنّ الضّمان تعتبر فيه المنفعة لمن هي، فيكون الضّمان منه، على حسب ما تقدّمت الإشارة إليه.
فهذا سبب الخلاف الّذي وقع في المذهب في هذا الوجه الّذي عقد فيه الخيار للبائع خاصّة، وقد قبض المشتري السلعة.
وإذا علمت حكم ضمان الرقبة المبيعة كلّها، فإنّك تعلم من ذلك ضمان أجزائها.
فإذا باع أمة على أنّ الخيار للمشتري أو للبائع أو لهما جميعًا، وكان ضمانها من المشتري إذا قبضها على حسب ما قدّمناه، اقتضى هذا أنّه إن حدث بها عيب في أيّام الخيار فإنّ مصيبة هذا العيب من البائع، كما لو ماتت الأمة.

كانت مصيبتها منه.
لكن يكون للمشتري الخيار في ردّها بهذا العيب، لكونه في ضمان البائع كما بيّناه.
فصار كعيب بالجارية سبق العقدَ فإنّ له الرّدّ به.
فإن رضي به المشتري ثمّ اطّلع على عيب قديم بعد إمضاء البيع، فإنّ له الرّدّ به، لكونه وقع العقد على أنّ المبيع سالم منه، وليس له أخذ قيمته كما سنبيّن في كتاب الرّدّ بالعيب هذا، إن شاء الله تعالى.
ولو حدث عنده عيب مفسد واطّلع على هذا العيب القديم، لجرى الأمر فيه على ما سنبيّنه من كونه بالخيار بين أن يأخذ قيمة العيب، أو يردّ الأمة ويردّ ما نقَصَ من ثمنها هذا العيب الحادث عنده.
فإن اختار أخذ قيمة العيب قوّمت على أنّها بعيب الخيار، لكون العقد إنّما أمضي بعد الإطّلاع عليه والرضا به، فصار كمن اشتراها سليمة، فيقال: ما قيمتها بالعيب الحادث في أيّام الخيار؟ فإن قيل: مائة، قيل: ما قيمتها بالعيب القديم؛ فإن قيل: ثمانون؛ فقد تبيّن أنّ البائع أمسك مقدار خمسها, لكون العشرين من المائة خمسًا.
فينظر إلى الثّمن الّذي عقد به، فإن وجدناه مثلًا خمسين دينارًا، حطّ عنه من الخمسين دينارًا خمسها, لأنّ البائع إنّما أمسك له ما هو عوض عن خمس الثّمن الّذي وقع العقد به.
وإنّما رجعنا إلى القيمة حين العقد 1 البيع بذهاب أيّام الخيار، وبخروجها عن المواضعة إن كانت عليه، ليستدلّ بذلك على خمس الثّمن الّذي تراضيا به، لكونه قد يكون فيه غبن علي البائع أو المشتري.
وإن أراد أن يردّ ويردّ ما نقص.
زدنا قيمة ثالثه، فقلنا: وكم تساوي إذا أضفنا إلى ما تقدّم هذا العيبَ الحادثَ عند المشتري؟ فإن قيل: ستّون دينارًا، فقد علمنا أنّه قد نقصها العيبُ الحادث عنده ربعَ ما حصل في يديه منها، ما يقابل الثّمانين دينارًا، والعشرون منها ربعها.
وهي أيضًا خمس آخر من المائة، الّتي هي مبدأ التّقويم.
فيكلّف المشتري أن يردّ معها مقدار خمس الثّمن كلّه أو مقدار ربع ما حصل عليه من الأمة، وذلك عشرة دنانير.
فإذا اختار أخذ القيمة

عوضَ العيب القديم كان عوضُ هذا العيب عشرة دنانير من الخمسين دينارًا.
وإن اختار أن يردّ ويردّ ما نقص عنده العيب الحادث، ردّ أيضًا عشرة دنانير وهي ربع الأربعين دينارًا الّتي كانت تستقرّ عليه إذا رجع بقيمة العيب.
وهي أيضًا خمس الثّمن المتّفق عليه عند العقد.
ولو عقد بيع هذه الأمة المبيعة بالخيار عقدًا فاسدًا، لأجل اشتراط النّقد، أو لغير ذلك مِمّا في معناه، فإنّ الثّمن المتّفق عليه ساقط، ويجري الأمر فيها مجرى البيوع الفاسدة.
فيفسخ البيع إن كانت قائمة، لم يحُلْ سوقها, ولا حدث عند المشتري عيب.
فإن حال سوقها كان المشتري بالخيار بين أن يرضى بالعيب القديم الّذي اطّلع عليه، فتلزمه قيمتها يوم مصير مصيرها في ضمانه وقبضه لها.
فيقال: ما قيمتها بالعيب الحادث في أيّام الخيار؟ وبالعيب القديم الّذي اطّلع عليه المشتري بعد إمضاء الشّراء؟ فما قيل: إنّه قيمتها, لم يكن على المشتري أكثر منه، فإن شاء أن يردّها بالعيب القديم، كان له ذلك, لأنّ الرّدّ بالعيب لا يفتيه حوَالة الأسواق.
هذا مذهب سحنون.
وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنّه إذا أسقط حقّه في القيام بهذا العيب القديم، وقام بحكم البيع الفاسد، فإنّه يلزمه قيمتها بعيب الخيار خاصّة، لكونه لما قدر على الرّدّ بالعيب القديم فعدل عن ذلك إلى إسقاط حقّه فيه، صار كالرّضا به، وكأن العقد وقع على الرّضا به، فتلزمه قيمة الأمة سالمة منه لكونه كالرّاضي به.
وإذا قرّرناه كالرّاضي به، صار كعيب حدث، فإذا ألزمناه القيمة، فإنّما تقوم سالمة من العيب الذي حدث عنده.
ولو أسقطنا عنه في التّقويم هذا العيب الّذي حدث عنده، لكنّا كمن قضى بأخذ قيمة العيب الّذي يطّلع عليه المشتري في البيع الصحيح ولم يحدث عنده عيب, لأنّ حطيطة مقداره من القيمة كحطيطة مقداره من الثّمن الّذي عقد به البيع الصحيح.
فإذا تقرّر حكم الضّمان في البيع الصحيح وحكم العيوب الحادثة في أيّام الخيار في البيع الصحيح أيضًا، وحكم ما حدث من العيب في البيع بالخيار إذا

عقد على فساد، فإنّ إشارة الأشياخ اختلفت في ضبط المذهب في ضمان الأمة المبيعة على خيار بشرط النّقد.
فأشار بعضهم إلى أنّها إذا هلكت السلعة المبيعة بشرط النّقد في بيع الخيار، ولم تذهب أيّام الخيار، فإنّ المذهب لم يختلف في كون ضمانها من البائع, لأنّه إذا كان ضمانها من البائع في بيع الخيار المعقود على الصحّة، فأحرى أن يكون ضمانها من البائع في البيع الفاسد، لكون العقود الصحيحة توجب ضمان المشتري ما لا توجب العقود الفاسدة، كما تقدّم بيانه في موضعه.
وإنّما اختلف المذهب فيمن اشترى سلعة بالخيار، وضرب للخيار مدّة يجوز أن تضرب في عقد الخيار، فإنّ هذا قيل فيه: إنّ الضّمان من البائع، لما قدّمناه من التّعليل، وقيل: بل الضّمان فيه للمشتري.
وأشار ابن سحنون إلى التّفرقة بينه وبين فساد بيع الخيار لأجل ما قارنه من شرط النّقد، لم 1 يفسد من قبل ذاته، ولكن من قبل امرئ 2 آخر ضامّه، فلا يسري فساد ما ضامّه إليه، ويبقى على أحكام الخيار الصّحيح في كون الضّمان من البائع.
وأمّا ما اشترط فيه من الخيار أمد بعيد، فإنّ الخيار فسد من ذاته ليس من جهة معنى آخر سار إليه الفسادُ منه.
فإن فسد من ذاته، صار لا حكم له، وإذا لم يكن له حكم، صار المبيع بِيعَ بيعًا فاسدًا من غير خيار، فيضمن بالقبض على حسب ما توجبه أحكام البياعات الفاسدة.
وهذا الّذي بسطناه نحن مِمّا أشار إليه ابن سحنون يظهر وجهه على طريقة من يقول: إنّ من اشترط النّقد في بيع الخيار إذا أسقط مشترط النقد شرطه، صحّ العقد، كما يصحّ إذا أسقط مشترط السلف شرطه في البيع الّذي عقد على

سلف، لكون الفساد لم ينصرف إلى الثّمن ولا المثمون والعقد، بل لمعنى آخر.
فكذلك يكون حكم هذا الفساد باشتراط النّقد في الخيار.
واعلم أنّه لو تنازع المتبايعان في الأمد الّذي هلك فيه المبيع في أيّام الخيار، فيقول البائع: هلكت السلعة بعد إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ.
ويقول المشتري: بل هلكت قبل إمضاء العقد، فلا ضمان عليّ.
فإنّ القول قول البائع لكون المشتري يدّعي حلّ العقد الّذي كان بينهما.
وتأوّل هذا ابن أبي زيد على أنّ أيّام الخيار انقضت، واختلفا بعد انقضائها.
وأمّا إن لم يتّفقا على انقضائها، فإنّ القول قول المشتري لكون البيع لم ينعقد.
وسنبسط الكلام على هذا في كلامنا على اختلاف المتبايعين في موت العبد في أيّام العهدة.
وإذا ادّعى المشتري ذهاب العبد بالإباق، أو غير ذلك من الحيوان الّذي لا يغاب عليه، فإنّه يصدق في ذلك إذا لم يتبيّن كذبه.
بخلاف الموت إذا ادّعاه وهو بموضع لا يكاد يخفى، فإنّه لا يقبل قوله إلاّ أن يصدقه من حضر من العدول.
واستظهر ابن حبيب عليه باليمين أنّ العبد ما أبق إلاّ قبل أن يختار إمضاء العقد.
فإذا حكمنا بتصديق المشتري في دعواه الإباق، إذا لم يتبيّن كذبه، فإنّه أيضًا يستظهر عليه باليمين على صحّة ما قال.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنّه يستحلف في هذا المتّهم وغير المتّهم.
وكذلك في دعوى ذهاب ما يستعار مِمّا لا يغاب عليه، أو يستأجر، فإنّه يستحلف المتّهم وغير المتّهم، لكون هؤلاء إنّما قبضوا ما قبضوه لمنفعة أنفسهم، وقد تعرّضوا للضّمان.
بخلاف ما قيل في الوديعة من التّفرقة بين المتّهم وغير المتّهم، في كون من لا يتّهم لا يستحلف على الضّياع، لكونه أؤتمن على ما قبضه قبضًا لا منفعة له فيه مع كونه بعيدًا من الخيانة، فلهذا أسقط عنه اليمين.
وسنبسط نحن هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
كما أنّا نذكر

ها هنا سؤالًا ذكره في المدوّنة في كتاب بيع الخيار.
ونبسط ما تعلّق به في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذلك أنّه ذكر في المدوّنة فيمن باع رقيقًا أو غنمًا على أنّه بالخيار إلى أن ينظر إليها فيرضاها أو يردّها.
فذكر أنّه إذانظر إلى بعضها وسكت، ثمّ استوفى النّظر إلى جميعها.
وقال: لا أرضى، فإنّ البيع لا يلزمه.
وذكر في الطّعام إذا نظر إلى بعضه فرضيه، ثمّ نظر إلى بقيّته فقال: لا أرضى، فإنّه تلزمه البقيّة إذا كانت على صفة ما رءاه فرضيه.
لأنّ قوله لمّا رأى البعض: رضيتُه، وقد عقد على الكلّ، فإنّ قوله هذا كالنّطق بأنّه رضي بالكلّ.
ويعدّ قوله بعد هذا ندمًا منه.
وأشار بعض الأشياخ إلى أنّه لو قال في العبيد والسلع، وقد رأى بعضها: رضيتُه؛ فإنّه يلزمه البقيّة إذا كانت مثل ما رضي.
ولا يقبل قوله، لمّا رأى البقيّة، إنّي لا أرضى.
ولا عذر له بأن يقول: ظننت أنّ الّذي بقي خير مِمّا رأيت.
ولو قبل هذا منه لكان الطّعام والسلع فيه سيّان في قبول هذا العذر منه.
وإنّما افترق الجواب لافتراق السؤالين.
وذلك أنّه ذكر في الطّعام أنّه رضي ببعضه، ولم يذكر رضاه بالبعض في السلع.
فلو أسقط في آخر السؤالين، ما أسقطه في الآخر من الرّضا، أو أثبت في أحد السؤالين من الرّضا ما أثبته في الآخر، لاستوى الجواب فيهما.
وقد يقال ها هنا إنّ الطّعام مِمّا لا تختلف الأغراض فيه اختلافًا بيّنًا، فالرّضا ببعضه رضا ببقيّته إذا كانت على صفته.
والعبيد والسلع تختلف الأغراض فيهما اختلافًا بيّنًا، وقد يظنّ قوم أنّ هذا العبد مثل هذا، ويختلف شأنهما عند آخرين اختلافًا بيّنًا.
ولو أراد البائع أن يُلزم المشتري مقدار ما رضي به من الطّعام، وأسقط عنه المطالبة بما بقي مِمّا قال: لا أرضاه، فإنّ هذا يجري مجرى من اشترى طعامًا فاستُحِقَ من يديه بعضه، فإنّ المستحقّ إن كان كثيرًا، وهو مقدار الثّلث

ونحوه عند ابن القاسم، فإنّه لا تلزمه البقيّة.
وإن كان يسيرًا، كالخمس ونحوه، لزمته البقيّة.
وما عدا الطّعام، من مكيل أو موزون أو عروض، فإنّ النِّصْف عنده في حكم اليسير، فلا يكون للمشتري مقال في ردّ ما لم يستحقّ.
ولو كان المشتري ها هنا أراد التمسّك بما رضيه من الطّعام وامتنع البائع، فإنّه لا يفرّق ها هنا بين القليل من الكثير من الطّعام، ولا في غيره من مكيل أو موزون، لكون البائع يعتلّ بأنّ المكيل والموزون، طعامًا كان أو غيره، إذا أفرد المعيب منه بالبيع دون السالم، لم يرغب فيه.
وإذا أُضيف المعيب إلى السالم رغب فيه لتشابه أجزائه.
بخلاف السلع.
فإنّه يراعى في المعيب منها أكثر الصفقة أو أقلّها كما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثّالث عشر أن يقال: إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا بالخيار، ثمّ اشترى من رجل ثوبًا آخر بالخيار فاختلطا عليه، فإنّه اختلف في هذا.
فذكر مالك أنّه يضمن بالغلط ها هنا.
وذكر ابن كنانة، في كتب المدنييّن، أنّه لا يضمن.
فإذا قلنا بالضّمان.
فإنّ مالكًا قال: يضمن الثّمن إذا تقارّا على الأثمان، وادّعى كلّ واحد من المتبايعين الثّوب الأرفع، ولم يعلم المشتري الصادقَ منهما, لأنّه لو علم بذلك لكان القول قوله في تعيين مالك لّ واحد منهما؛ كما قدّمناه قبل هذا، في كون المشتري مصدقًا في عين ما اشتراه بالخيار إذا ردّه على بائعه.
وأمّا ابن كنانة فأسقط الضّمان عن المشتري، وقضى عليه بردّ الأرفع الّذي تنازع فيه البائعان، فيتحالفان ويتقاسمانه، كالحكم في مال يدّعيه رجلان، ويبقى الثّوب الّذي (.....) 1 البائعان على أنّه ليس ثوبهما موقوفًا حتّى ينظر فيمن يدّعيه.
وسبب هذا الإختلاف الإلتفات إلى حكم ما أتلف غلطًا، فإنّه إن وقع

وقوع الغلط والخطأ فيما أذن الشّرع في التصرّف فيه كالعمد في تلف الأموال، كمن تصرف في الطّرقات الّتي أباح الشّرع له التصرّف فيها ولغيره من النّاس.
فمن عثر على مال فأتلفه فإنّه يضمنه، لمّا دعت الضّرورة إلى صيانة الأموال عمّا لا قدرة عليه لمالكها في صيانتها.
فإذا كان الخطأ على إذن خاصّ وقع في هذا الإختلاف.
كما اختلف المذهب عندنا فيمن أذن لرجل في دخول بيته فمرّ على مال فأتلفه غلطًا منه.
وحسّن الخلاف في هذا لكون المالك قادرًا على أن يصون ماله عن هذا الّذي زعم أنّه أتلفه غلطًا بأن لا يأذن له في دخول بيته.
وكذلك ما نحن فيه قد سلّم كلّ واحد من المتبايعين ثوبه للمشتري بالخيار مع تجويزه أن يشتري ثوبًا غيره، فيختلط عليه الثّوبان.
فصار كالدّافع عنه بإذنه عهدة النّسيان والغلط.
أو يقال: إتلاف المال غلطًا كإتلافه عمدًا، والبائع لم يأذن له فيما يؤدّي إلى تلف ماله، فاستوى العمد فيه والخطأ، كما قلناه في الإذن العام.
وإذا قلنا بأنّه يضمن الثّمنين، فإنّ له أن يدفع الثّوب الأرفع، الّذي تداعى فيه البائعان لأحدهما، ويغرم للآخر ثمن الثّوب، لأجل أنّه لو أراد التمسك بكلّ واحد من الثّوبين ودفع ثمنه لبائعه، لم يكن لبائعه أن يمنعه من ذلك.
فإذا أسلم لكلّ واحد الثّمن، الّذي اشترى به ثوبه منه، لم يكن للبائع مقال.
وكذلك إذا أسلم أحدَهما ثمن الثّوب صار كراضٍ باشترائه.
وإذا ردّ على أحدهما الثوب الجيّد صار كمن فسخ البيع فيما اشتراه بالخيار.
ولو اختلف ثمن الثّوبين، لكان أيضًا الحكم كذلك في تخييره بين أن يغرم لكلّ واحد الثّمن الّذي عقده به، أو يضمن لأحدهما الثّوب ويعطي للآخر هذا الثّوب الأرفع الّذي تنازعا فيه، لأجل ما ذكرناه من التّعليل في كونه محكَّما في إمضاء الشّراء أو ردّه.
وقد ذكر ابن كنانة أنّ المشتري لو قطّع أحد الثّوبين، وأتى بالآخر ليردّه،

فأنكره البائعان، وادّعى كلّ واحد منهما أنّ الثّوب المقطوع هو ثوبه، أنّ المشتري يضمن الثّمنين.
وهذا قد يُحَسُّ في النّفس أنّه كالنّقض لما أصَّل من كون الغلط لا يضمن به المشتري.
لكن العذر عن هذا عندي أنّ المشتري إذا قطع الثّوب، لم يكن له ردّه، لكونه فعل فيه ما هو رضي بالشّراء والتزامًا 1 له، أو فعل ما أتلف الثّوب به، فلا يكون له ردّه.
وإذا منع الرّدّ لأجل هذا، واستقرّ عليه ثمن الثّوب المقطوع، وكلّ واحد يطالبه بثمن ما باعه منه، وهو لا يدري عين من يستحقّ عليه ثمن هذا المقطوع من هذين البائعين، وجب عليه أن يغرم له هذا الثّمن لكونه شاكًا في وجوب ذلك عليه لهذا البائع.
كما نقول فيمن ادّعى على رجل بمال، والمدّعى عليه يشكّ في صدق المدّعي، فإنّ المدّعي يأخذ ما ادّعاه، لكونه موقنًا باستحقاق هذا المال على هذا المدّعى عليه، وكون المدّعى عليه شاكًّا، فينظر في يمين المدّعي الموقن.
فإذا لم يُحدث في واحد من الثّوبين حادثًا يكون به مختارًا للشّراء أو متلفًا، فإنه لا سبب حدث منه يوجب تضمينه، فلا يناقض ابن كنانة بهذا.
وقد تأوّل بعض أشياخي عليه أنّه أراد أنّ هذا المقطوع جهله البائعان أيضًا لمّا تغيّر بالقطع ك ماجهله قاطعه.
فلمّا تساووا في الجهالة بذلك، تعلّق به الضّمان.
بخلاف إذا ادّعى كلّ واحد منهما أنّه يتحقّق أنّ المقطوع له، فإنّ قوله: إنّ المقطوع لم 2 يتضمّن إبراءَ المشتري، كما قال ابن كنانة في هذين الثّوبين إذا كانا قائمين فادّعى كلّ واحد من البائعين الأرفع من الثّوبين، فإنّ دعواه قد تضمّنت إبراء المشتري من كونه قد أمسك ثوبه، أو تعدّى فيه لكونه عنده لا يضمن بالنّسيان.

وهذا الّذي أشار إليه بعض أشياخي من تأويل ابن كنانة قد تغني عنه الطّريقة الّتي أريناك نحن في الإعتذار منه.
وقد ذكر ابن حبيب عن مالك في هذا أنّه يغرم ثمن الثّوب المقطوع، ويغرم قيمته، ويَقسم هذه القيمة، وهذا الثّمن، المتبايعان جميعًا.
كأنّه قدّر أنّ البائع إنّما التزم بالقطع ثمن الثّوب لكونه التزم الشّراء لما قطع الثّوب، فلا يلزمه إلاّ ثمن واحد.
ولكنّه لمّا أتلف على الآخر أخْذَ عين الثّوب الّذي باع منه، ولم يرض بالشّراء منه، وجبت عليه القيمة، فوجب من هذا وجوب مطالبة المشتري بثمن وبقيمة، وقد جهل من يستحقّ منهما الثّمن، ومن يستحقّ القيمة، فوجب أن يُقسم جميع ذلك بينهما.
وإذا قلنا بالتّضمين، فإنّه لا بدّ أن يحلف البائعان، فإن نكلا عن اليمين، سلّم المشتري إليهما الأرفع، وبقي الثّوب الأدنى موقوفًا حتّى يفعل فيه الواجب.

والجواب عن السؤال الرّابع عشر أن يقال: أمّا العقد على ثوب من أحد ثوبين، فإنّه إن كان الثّوبان متماثلين، والثّمن شيء واحد، فإنّ ذلك جائز إذا صرف الخيار في ذلك إلى المشتري، لكون التّماثل في المثمون وفي الثّمن يرفع الغرر.
وأمّا إن اختلف المثمون مثل أن يعقد على ثوب أو دابّة يختار المشتري أيّهما شاء، فيلزم البائعَ العقدُ فيه، فإنّ ذلك لا يجوز لما يحصل فيه من الغرر والمخاطرة من جانب البائع، لكونه لا يدري ما الّذي باعه بدينار هل هو ثوب أو حمار؛ وهذا فيه خِطار.
لكن لو كان المشتري إذا اختار الثّوب أو الحمار، عاد الخيار أيضًا للبائع، في إمضاء العقد أو ردّه، لجاز ذلك لارتفاع الغرر لعدم إلزام البيع للبائع.
وكذلك إن اختلف جنس الثّمن وتماثل المثمون، فإنّ حصول الغرَر وارتفاعه جار على ما فصّلناه.

وأمّا إن تماثل المثمون، وتماثل جنس الثّمن ولكن اختلف في المقدار خاصّة، مثل أن يبيع منه ثوبًا من أحد ثوبين على أنّه جعل ثمن أحدهما، وأشار إليه، خمسة دنانير، وثمن الآخر سبعة دنانير، فإنّ هذا ممنوع عندنا أيضًا لحصول الغرر باختلاف مقدار الثّمن.
وأجازه عبد العزيز ابن أبي سلمة، وهو اختيار ابن حبيب من أصحابنا.
وكأن عبد العزيز ابن أبي سلمة قدّر أنّ المشتري اختار أخذ الثّوب الّذي بسبعة، ثمّ ردّه وهضم عن نفسه دينارين من السبعة، وأخذ الثّوب الّذي بخمسة بدينارين التّي 1 هضم وبالثّوب الآخر، فلا يكون في هذا ربا ولا تخاطر.
لكنّه يمنع هذا إذا كانت الدّنانير مختلفة الوزن، ولو تساوى العدد، لكونه يقدّر فيه أنّه باع دنانير ناقصة بوازنة، فيقع بذلك في الرّبا.
هذا حكم جواز هذا العقد.
وأمّا حكم الضّمان، فإنّه لا يخلو هذا العقد من أن يقع على ثلاثة أنحاء.
إمّا أن يقع العقد على أنّه إن شاء ردّهما جميعًا وإن شاء أخذهما.
فيكون المشتري ها هنا مخيّرًا في العقد وفي التّعيين.
أو يقع على أنّه قد لزمه أحدهما والآخر مردود، ولكنّه مخيّر في تعيين ما لزم العقد فيه دون التّخيير في العقد، فأحَد الثّوبين في هذين القسمين مردود بلا بدّ، والآخر لازم بلا بدّ، ومخيّر في قبوله أو ردّه.
والقسم الثّالث: وقوع العقد على أنّ أحدهما لازم بلا بدّ، والآخر مخيّر في قبوله أو ردّه يكون التّخيير في أحدهما في العقد وفي التّعيين، وفي الآخر في التّعيين خاصّة دون العقد.
فإن وقع العقد على الوجه الأوّل من هذه الوجوه الثّلاثة وهو كون المشتري له ردّ أحدهما، ويخيّر في الآخر بين أن يقبله أو يردّه، والتّعيين في ذلك إليه، فإنّهما إن ضاعا جميعًا، فإنّ ابن القاسم لا يضمنه إلاّ أحدهما،

وأشهب يضمنه الثّوبين جميعًا.
وذكر في الموّازيّة عن ابن القاسم قولًا ثالثًا في هذا، فقال، فيمن اشترى ثوبًا من أربعة ثياب فقبض الأربعة، فضاعت في يديه، إنّ البائع إن كان هو المتطوّع بدفع الجميع ابتداءً منه، فإنّ المشتري لا يضمن إلاّ واحدًا منها.
وإن كان المشتري هو السائل في تسليم الأربعة إليه ليختار ثوبًا منها، فإنّه يضمن جميعها.
وأشار ابن الموّاز إلى أنّه لا فرق بين أن يقبضها المشتري عن سؤال منه للبائع أو عن تطوّع البائع بذلك من غير سؤال، لكونه إنّما دفع جميعها حرصًا على البيع.
وسبب هذا الإختلاف أنّه قد علم أنّ أحد الثّوبين مردود للبائع بلا بدّ، والآخر يخيّر فيه المشتري، والمردود بلا بدّ حكمه حكم الأمانة لمّا كان لم يقبضه المشتري على بتات البيع فيه ولا على خيار، والثّوب الآخر قبضه على خيار فيه، وقد علم أنّ ما قبض على جهة الأمانة لا يضمن، وما قبض على جهة الخيار يضمن.
وهذان الثّوبان لم يتميّز منهما ما هو أمانة مِمّا هو مقبوض على خيار، فوجب أن يضمن أحدهما، لكونه قد علم على الجملة أنّ أحدهما مقبوض على خيار.
فكأن صاحب هذا المذهب اعتبر مآلَ هذا العقد، وهو كون أحد الثّوبين مردودًا بلا بدّ، فتحقّقت فيه الأمانة لأجل هذا.
وأمّا من ضمَّن المشتري الثّوبين جميعًا، فإنّه اعتبر الحال ولم يعتبر المآل.
وقد وقع العقد على أنّ له التنقّلَ من أحدهما إلى الآخر مقتضى الخيار، والمبيع بالخيار مضمون، فكأن كلّ واحد من الثّوبين عقد عليه بانفراده على الخيار.
وأمّا ما وقع من التّفرقة في الموّازيّة، فكأنّه قدّر أنّ البائع إذا كان هو المتطوّع بدفع الثّياب، فإنّ ذلك لم يقع منه إلاّ لمنفعة نفسه، وليتمّ له البيع، فغلب في الثّلاثة الأثواب حكم الأمانة.
وأمّا إذا كان المشتري هو السائل في قبض الجميع، فإنّ البائع لا منفعة له في تسليم الجميع بل لمنفعة المشتري

السائل في هذا، فغلب حكم الخيار في كلّ ثوب.
فانحصر الخلاف في هذا إلى تغليب حكم الأمانة في أحد الثّوبين اعتبارًا بالمآل، أو تغليب حكم الخيار اعتبارًا بالحال، واستدلالًا على حصول المنفعة بما ذكرنا من التّفصيل.
وقد قدّمنا أنّ الضّمان في هذا وفي غيره مِمّا ذكرناه يعتبر فيه المنفعة للقابض أو للدّافع.
فإذا قلنا بالضّمان فيما يضمن هل بالقيمة أو بالثمن، فإنّ هذا ينبغي أن يعلم أنّ الثّوب الواحد إذا اشتري بالخيار، فإنّ ابن القاسم يرى أنّ المشتري يضمنه إذا قبضه بالثّمن، سواء كان الخيار له أو للبائع؛ لأنّه قادر لمّا كان الخيار له أن يقبل البيع ويدفع الثمن، ولا يقدر البائع أن يمنعه من ذلك، فله أن يقول: أنا أقبله، فلا يلتفت إلى ضياعه، سواء كانت قيمته أكثر من الثّمن أو أقلّ.
وكذلك إن كان الخيار للبائع، فإنّ المشتري يضمنه بالثّمن، لكون البائع سلّمه إليه على أنّ عوضه الثّمن الّذي اتّفقا عليه، وكان للبائع أن يلزمه إيّاه، فلا يلزم المشتري أكثر من ذلك، ولو كانت القيمة أكثر من الثّمن، لكنّه يحلف المشتري ها هنا على الضّياع لئلاّ يكون لمّا فسخ البائع العقد طلب ارتجاع الثّوب فحبسه عنه تعدّيًا، فيلزمه قيمته، فيستظهر عليه باليمين أنّه ضاع لتسقط المطالبة عنه بما زادت القيمة على الثّمن.
وأمّا أشهب فإنّه يرى أنّ الخيار إذا كان للمشتري، فإنّه يضمنه بالأقلّ من القيمة أو الثّمن.
فإن كان الثّمن أقلّ من القيمة، قال: أجزت له إمضاء البيع بالتزام الثّمن.
وإن كانت القيمة أقلّ من الثّمن، لم يطلب بأكثر منها, لأنّ له أن يقول: لا أمضي الشّراء بل أردّ الثّوب، فيجده قد ضاع فيغرم قيمته.
لكنّه يحلف ها هنا على الضّياع لإمكان أن يكون قد حبسه عن نفسه بأنّه لا يختار إمضاء الشّراء، فتجب عليه قيمته لأجل منع البائع منه، فيحلف ليسقط عنه ما زاد من القيمة على الثّمن لأجل إمساكه الثّوب على البائع.

وإن كان الخيار للبائع، فإنّ المشتري يغرم الأكثر من الثّمن أو القيمة.
فإن كان الثّمن أكثر، قال البائع: أنا أختار إمضاء البيع، فيلزمك الثّمن.
وإن كانت القيمة أكثر، قال البائع: أنا أختار فسخ البيع، فلا يلزمني أخذ الثمن، بل الطالب 1 بالقيمة الّتي وجبت عليك.
فإذا علمت الحكم فيما يضمن به الثّوب الواحد المشتريَ بالخيار، فإنّ هذين الثّوبين المشترى أحدهما بالخيار مذهب ابن القاسم أنّ أحدهما هو المضمون.
فإذا ضمن، فإنّما يضمن بالثّمن كمَا قدّمناه.
ومذهب أشهب أنّ أحدهما مضمون بالقيمة، والآخر بالأقلّ من الثّمن أو القيمة.
فأمّا كون أحدهما مضمونًا بالقيمة، فلأجل أنّه لا بدّ من ردّه فيضمّن بقيمته.
وأمّا الآخر، فالمشتري قادر على أن يلتزمه بالثّمن فكان له ألاّ يغرم إلاّ الثّمن، وقادر أيضًا على أن لا يلتزم الشّراء ويضمنه بالقيمة، على حسب ما قدّمناه قبل هذا.
وذهب 2 إلى طريقة أشهب في كون المشتري ضامنًا للثّوبين جميعًا، وذكره عن أصحاب مالك، وقال: إنّه ليس بمؤتمن في واحد منهما لما أخذهما على أن يختار هذا أو هذا.
لكنّه إنّما يضمنه إيّاهما بالثّمن.
وكأنّه قدّر أنّه إذا كان الضمان إنّما ثبت فيهما لكون كلّ واحد منهما إنّما عقد على انفراده على الخيار، والثّوب المنفرد إذا عقد على الخيار ضمن بالثّمن، كما قدّمناه عن ابن القاسم، فكذلك هذا يضمن كلّ واحد منهما بالثّمن.
وقد ذكرنا عنه أنّه يجيز كون ثمن الثّوبين مختلفًا في المقدار، على حسب ما قدّمناه عن عبد العزيز ابن أبي سلمة.
وعنه هذا الحكم فيهما إذا ضاعا جميعًا.
وأمّا إن ضاع أحدهما، فإنّه إنّما يضمن عند ابن القاسم نصف ثمن الّذي ضاع، لكون الضّائع متردّدًا بين أن يكون هو الّذي اشتراه بالخيار، أو هو الّذي

بحكم الأمانة، فلمّا تساوى فيه الأمْرَان قسم الضياع فيه، على أصله في كونه لا يَضْمن، إذا ضاعا جميعًا، إلاّ ثوبًا واحدًا، فكذلك إذا ضاع أحدهما لا يضمن إلاّ نصف ثوب.
وأمّا أشهب، فإنّه يضمَّنه الضّائعَ كلَّه، لكونه يضمنها جميعًا إذا ضاعا.
فإن قلنا أنّه لا يضمن إلاّ نصف ثوب، كان له ردّ الثّوب الآخر بحكم مقتضى الخيار الّذي عقد عليه من كونه لا يلزمه واحد منهما إذا شاء.
وإن أراد الإستمساك بحكم مقتضى الخيار في كونه له أن يمسك أحد الثّوبين، فإنّ ابن القاسم مكّنه من ذلك وفي الموّازيّة أنّه لا يمكن منه, لأنّه إذا مكّناه من ذلك، صار اشتراؤه ثوبًا واحدًا، فأخذ ثوبًا ونصف الثّوبَ الباقيَ بحكم اختياره الآن، ونصفَ الثّوب الّذي وَزَنَ نصفَ ثمنه يتّهم على أنّه حبسه، فصار اشترى ثوبًا واحدًا من ثوبين فأخذ ثوبًا ونصفًا.
فكأن من ذهب إلى هذا حمل عليه أنّه لم يضع له الثوّب ولكنّه حبسه، فصار بحبسه وغرامة نصف ثمنه كمن اشترى ثوبًا وأخذ ثوبًا ونصف ثوب.
وكأن ابن القاسم قدّر أنّه لمّا حلف على الضّياع، صدق في ذلك.
وإنّما غرم نصف الثّمن بحكم الضّمان لا بحكم الشّراء.
فلا يقدّر أنّه اشترى هذا الثّوب لمّا غرم ثمنه بحكم التّضمين، فيقضى له بإمساك جميع الثّوب إذا شاء كما يقضى له بردّ جميعه.
ولم يظنّ به أنّه حبس نصف الثّوب، فصار مشتريًا لنصف ثوب، وإنّما بيع منه ثوب كامل إذا شاء.
ولأجل هذا قلنا، فيمن اشترى ثوبين على أنّه بالخيار في قبولهما أو ردّهما فضاع أحدهما: إنّ له ردّ الثّوب الباقي.
ولو ظنّ أنّه حبس الّذي ادّعى ضياعه، لم يكن له ردّ الثّوب الباقي، كما ليس له ردّ أحد الثّوبين وإمساك الآخر.
وقال بعض الأشياخ: لو ضاع أحد هذين الثّوبين اللّذين اشتراهما بالخيار بين قبولهما أو ردّهما، فإنّه إنّما يمكن من ردّ الباقي إذا لم يكن الّذي زعم أنّه ضاع وجهَ الصفقة وجلَّها.
لأنّه إذا كان الّذي زعم أنّه ضاع وجه الصفقة وردّ الثّوب الباقي وهو أقلّها في القيمة، صار مضرًّا بالبائع في ردّه عليه أقلّ الصفقة،

فلا يمكن من هذا، كما لا يمكن البائع لثياب كثيرة استحق جلّها أن يُلزم المشتري ما لم يستحقّ منها إذا كان هو الأقلّ.
هذا حكم أحد الأقسام الّتي قدّمنا.
وأمّا إن عقد البيع على أنّ أحد الثّوبين لازم للمشتري ولكنّه بالخيار في تعيينه دون عقده، فإنّ الإختلاف في هذا جار على ما قدّمناه.
فإنّ ابن القاسم لا يضمنه إذا ضاعا إلاّ أحدهما.
وأشهب يضمنه الثّوبين جميعًا.
والتّعليل للمذهبين هو ما قدّمناه.
ولو قامت بيّنة على ضياعهما، فإنّ ضمان أحدهما يسقط عند ابن القاسم، كما يسقط لو اشتراه منفردًا على الخيار وقامت البيّنة بضياعه.
وأشهب يضمنه كما يضمن العواري والرّهان، وإن قامت البيّنة على الضيّاع.
وقد يتخرّج فيها قول ثالث، أنّه لا يضمن، إذا قامت البيّنة، ولا واحدًا منها.
وقد قيل فيمن اشترى أحد عبدين على الالتزام، لكنّه بالخيار في التّعيين، إنّ أحدهما إن هلك فإنّه لا يضمنه ولو ردّ الباقي.
وهذ ابن اء على أنّه لم ينعقد البيع فيما التزم انعقاده للبيع فيه إلاّ بعد أن يختار، فإذا هلك أحد العبدين قبل أن يختار، لم يلزم اختيار الباقيَ والتزامَه, لأنّه لم يلتزم عقد الاختيار فيه، وإنّما التزم عقدًا تخيّر فيه بين إثنين، وإذا لم يبق إلاّ واحد، استحال هذا التّخيير فيه.
وقد قال سحنون، في أحد قولين، فيمن أعتق أحد عبديه، فمات أحدهما قبل أن يختار؛ إنّ الثّاني يبقى رقيقًا, لأنّه إنّما التزم عتقًا فيه الخيار بين اثنين، وهذا الخيار يستحيل إذا بقي عبد واحد.
وقال في قوله الآخر: بل يعتق العبد الباقي.
وقدّر أنّ عتق أحدهما قد لزم السيّد لزومًا لا انفكاك منه.
واستحالة التّخيير في واحد لا يرفع هذا الّذي التزم من العتق.
وتكون مصيبة الامتناع من التّخيير ها هنا جائحة عليه.

وقد ذكر ابن الموّاز أنّه يلزمه العقد في العبد الباقي إذا اشتراه على الإلتزام بشرط التّخيير بينه وبين آخر.
وهذا جار على هذا المسلك الّذي ذكرناه في أحد قولي سحنون رحمه الله.
والمشهور من المذهب أنّ الضائع من أحد الثوبين اللّذين التزم شراء أحدهما يكون من المتبايعين، والباقي بينهما على حسب مقتضى حكم الشركة في عبد بين رجلين.
وهكذا ذكر ابن الموّاز وذكر ابن سحنون (أنّ الضّائع منهما لو ردّ الباقي من الثّوبين) 1. وكأنّه قدّر أنّ مقتضى الشركة إن اشتركا في الثوب الباقي، لكن الشركة فيه عيب، فلا يلزم المشتري شراء معيب، وقد عقد البيع فيه على السلامة من العيب، فلا يقدّر أنّه إذا كان مقتضى الالتزام ضمانَ أحدهما بلا بدّ، وجهلنا الثّوب الملتزم منهما، صار المتعاقدان كشريكين في الثّوبين، فما طرأ فيهما من ضياع وعيب، فذلك عليهما.
وقد ذكر ابن حبيب أنّ هذا التّخيير لو كان في ثياب كثيرة فضاع أحدهما، فإنّه يضمنه.
وضمانه إياه لا يسقط ما اقتضاه الحكم الّذي قدّمناه، فله أن يختار ثوبًا من الثّياب الباقية، أو يردّه وسائر الثّياب.
ولو عقد على واحد منها على التزامه، فإنّه يضمن الواحد الضّائع، ويلزمه اختيار ثوب من الثّياب الباقية.
ورأى أنّ التضمين للثّوب الضّائع لا يدفع الحكم الّذي قدّمناه في الثّوبين إذا ضاع أحدهما.
وقد احتجّ في المدوّنة ابن القاسم، على ما قدّمناه عنه من مصيره إلى أنّه إنّما يضمن أحدهما ولا يضمن الآخر لكونه فيه مؤتمنًا، بأنّ مالكًا ذكر فيمن طلب رجلًا بدينار له عليه فدفع إليه ثلاثة ليختار واحدًا منها ويردّ عليه الدّينارين، فضاع من الثّلاثة ديناران قبْل أن يختار، أنّ الدّينارين الضّائعين 2 يكون على حكم الشّركة بين الدّافع والقابض.
لأنّ القابض إنّما استحقّ مِمّا

قبضه ثلثه، وثلثاه عنده بحكم الأمانة.
وغلّط ابنُ حبيب ابنَ القاسم في هذا الإستدلال بالدّينارين على الثّياب.
وأشار إلى أنّ الدّينارين يتّضح كونهما قبضا على الأمانة، بخلاف الثّوبين المخيّر فيهما.
وأنكر بعض الأشياخ هذه التفرقة عليه لمّا كان الدّينار مخيّرًا فيه كما كان الثّوب مخيّرًا فيه.
فإذا كان التّخيير يوجب ضمان الجميع، فلا فرق في هذا بين ثياب أو دنانير.
واستعظم إطلاقه الغلط على ابن القاسم.
وذكر ابن حبيب أنّ الّذي ذكره مالك، من كون الدّنانير فيها مضمون، ومؤتمن عليه، إنّما يتّضح إذا كانت من الكثرة بحيث يعلم أنّ فيها وازنًا يأخذه قابضها قضاء عن دينه.
فإذا لم يكن كذلك، فإنّه يحلف أنّه ما علم فيها وازنا ولا يضمن منها شيئًا.
وذكر أنّ هكذا قال له من كاشفه من أصحاب مالك.
وقد ذكر في الموّازيّة عن ابن القاسم، فيمن طلب رجلًا بعشرة دنانير دينًا له عليه، فأعطاه دنانير ليزنها ويستوفي حقّه منها ويردّ ما زاد على حقّه، وإن نقصت عن حقّه، عاد إليه ليوفّيه، أنّها مضمونة، لكونها لا تنفكّ أن تكون قضاء أو كالرّهن بحقّه.
وأشار أصبغ إلى حملها على كونها قضاء لمّا كانت لا ترجع إلى يد صاحبها.
وذكر أنّه سأل ابن القاسم عن الحالف لرجل ليقضينّه حقّه إلى أجل سماه، فدفع إليه عند حلول الأجل دنانير على مثل الصفة، أنّه يحنث إن لم يدفعها إليه على وجه القضاء.
فإذا تقرّر هذا، فإنّ من في يده الثّوبان، اللّذان زعم أن أحدهما ضاع، إذا ادّعى أنّه ما ضاع إلاّ بعد أن اختار الباقي، فإنّه اختلف في هذا، هل يصدق فيه ويكون لا ضمان عليه فيما ضاع لكونه بقي في يديه على حكم الأمانة لمّا أسقط خياره فيه؟ أو لا يصدق في هذا، ويتّهم أنّهْ إنّما ادّعى ذلك ليسقط الضّمان عن نفسه؟

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز*
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل