﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم كتاب الحجر والتفليس
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
المستحق عليهم التحجير 1 ضربان: ضرب يستحق عليهم لحقوقهم، وضرب آخر لحقوق غيرهم.
فالمستحق عليهم لحقوق غيرهم 2 ضربان: صغار وكبار.
فالصغار ذكور وإناث.
وهم نوعان: عقلاء وغير عقلاء.
فمن له أب يحق 3 الحجر عليه لأبيه.
فإن عدم فوصيّه، ثم وصي وصيه.
فإن لم يكن له 4 وصي فالحاكم.
ثم هم نوعان: عقلاء وغير عقلاء.
فغير العقلاء يستدإم عليهم الحجر إلى أن يعقلوا.
والعقلاء ضربان: أصاغر وأكابر.
والأصاغر 1 يستدام عليهم الحجر حتى يبلغوا ويؤنس منهم الرشد، فحينئذ يفكّ عنهم الحجر.
وذلك في الغلام بأن يُعرَف منه إصلاح ماله وحفظه، وتأتّيه لتنميته، والتحرّر من تبذيره وإضاعته، وإنفاقه في وجوهه.
ولا تراعى عدالته في دينه أو فسقه إذا كان مصلحا لماله.
وأمّا في الصغيرة فيُرَاعَى مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج ويدخل بها الزوج.
وحدّ البلوغ في المذكور ثلاث علامات، وفي النساء خمس.
فالثلاثة التي يجتمعون فيها: الاحتلام، والانبات، والانتهاء من السنّ إلى ما يعلم بالعادة بلوغ من انتهى إلى مثله.
وقال أصحابنا: 2 مثل ثماني عشرة سنة وما قاربها.
وما يزيد به الإناث على المذكور شيئان: الحيض والحمل.
وأمّا الأكابر فمن كان منهم مبذرا لماله مضيعا له.
ابتدئ عليه الحجر، كان ذلك لعجز عن اصلاحه أو تعمّد لإضاعته في شهواته.
ولا يحجر عليهم إلا الحاكم، ولا ينفذ حجر إلاّ بحكم.
وأمّا المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة زوجات ومرضى وعبيد ومفلسون.
فأمّا الزوجات، فكل امرأة ذات زوج فليس لها أن تتصرف في مالها، فيما زاد على ثلثها، بهبة أو صدقة أو عتق وكلِّ ماليس بمعاوضة، إلا بإذن زوجها.
[فإن فعلت] الأمر إلى الزوج إن أجازه جاز وإن رده فسخ جميعه.
وقيل:
ما زاد على الثلث.
ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه، ولها ذلك في مال 1 طرأ لها بعد.
ثم ذكر بعد ذلك بقية الأقسام 2.
قال الفقيه الإمام رحمه الله:
"رأينا هنا أن نملي أحكام الحجر وبيان من يحجر عليه، مجموعا مبيّنا جنسه وأنواعه، ونختم أنواعه بنوع الحجر على المفلس، ونتبعه بمسائل المديان والتفليس.
فيتعلق بهذا الفصل الذي أورده القاضي عبد الوهاب خمسة عشر سؤالًا منها أن يقال:
- ما معني الحجر وأنواعه؟
- وما الدليل على وجوب الحجر على السفهاء؟
- وهل يحجر على البالغ العاقل السقيه؟
- وما حقيقه السفه الموجب للحجر؟
- ومتى زمان ابتلاء اليتيم؟
- وصفة ابتلائه؟
- وهل يقف الحجر والاطلاق على الحكم بذلك أو على وجود العلة المانعة الموجبة للحكم؟
- وما المعاني التي يعلم بها الحجر؟
- وهل يثبت البلوغ بعلامة عليه؟
- وهل يكتفي بحصوله؟
- وهل تردّ عقود السكران لكونه لا يدبر المال؟
- وهل يحجر على المغمور؟
- وهل يحجر على المرتدّ؟
- وهل يحجر على الزوجة؟
- وهل يحجر على المفلس؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أمّا الحجر فمعناه في اللغة المنع والحرز، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ 1.
وهو يتنوع، في مقصدنا في هذا الكتاب، إلى المنع من تمكين مالك المال منه، وإلى تمكينه منه ومنع تصرفه فيه.
ويتنوع المحجور عليهم إلى نوعين: أحدهما من يحجر عليه لحق نفسه ونظرًا لهم، وهم ثلاثة:
- من لم يبلغ الحلم، ذكرا كان أو أنثى.
- ومن بلغ مجنونا، ذكرا كان أو أنثى.
- ومن بلغ سفيها، ذكرا كان أو أنثى.
فهؤلاء الثلاثة يمنعون من أموالهم، ويحجر عليهم فيها نوعَا الحجر، وهما: منعهم من أخذ المال، ومنعهم من التصرف فيه، وذلك لحق أنفسهم ونظرًا لهم لا نظرًا لأحد سواهم.
ولما كان من ذكرناه يعدم النظر لنفسه في هذا عدما كليا، كالمجنون أو عدم انتقاصٍ عن الكمال، كالصغير والسفيه، نظر الشرع لهم فأمر الآباء والأوصياء والحاكم بالنظر لهم صيانة لأموالهم التي بصيانتها قوام حياتهم وحفظ عيشهم.
وقد نبه الله سبحانه على هذا التعليل، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا﴾ 1. فنبه على أن بها قوام الحياة، إذ الحياة لاتثبت إلاّ مع الغذاء، والغذاء لا يتوصل إليه إلا بمال، فإضاعة مالهم كإضاعة حياتهم.
والثاني: من يحجر عليه لحق غيره، وهم من يملك رقبة من في يده المال، كالسيد مع عبده، فإن له أن يأخذ ما في يده ويمنعه من التصرف فيه، أو يبقيه في يده ويمنعه من التصرف فيه.
فإن شئت عبرّت عن هذا بأن تقول: من يملك ما في يد من يحاول الحجر عليه، على القول بأن العبد غير مالك.
أو تقول: من يملك ما في يديه إن شاء، أو يرجى له أن يملك عَين ما في يد من يحجر عليه، كالمريض مع ورثته: فإنهم وإن لم يكونوا ملكوا أعيان ما في يديه لمرضه، فإنهم يُرجى لهم ملك عين ما في يديه.
وكذلك أيضًا المرتد مع المسلمين: فإنهم وإن لم يستحقوا إلاَّ 2 أعيان ما في يديه، فإنهم يُرجى لهم ذلك إذا لم يرجع إلى الإِسلام.
وعلى القول الشاذ عندنا أن المرتد إذا عاد إلى الإِسلام لم يرجع إليه ماله، يلحق هذا بمن ملك الآن عين ما في يد المحجور عليه، كما قلناه في العبد، أو من يملك الانتفاع بما في يد من يحجر عليه، كالزوج مع زوجته، أو يملك ذمة من يحجر عليه وهم الغرماء مع من فلسوه.
وهذا أخر التنويع الذي ذكرناه.
فحصل من هذا أن الذين يحجر عليهم لحق غيرهم أربعة:
أحدهم: من يملك عين ما في يد المحجور عليه.
والثاني من يملك الإنتفاع بما في يد المحجور عليه.
والثالث: من يُرجى له أن يملك عين ما في يد المحجور عليه.
والرابع: من يملك ذمة المحجور عليهم.
على الجملة دون التفصيل، فإنهم يختلفون في التفصيل على ما يذكر كل فصل في موضعه إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد قدمنا أن المحجور عليهم لحق أنفسهم ولإصلاح مالهم ثلاثة:
- الصغير 2) والمجنون 3) والبالغ العاقل السفيه.
فأمّا الحجر على من لم يبلغ، الأصلُ فيه قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا.
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 1. فنهى تعالى عن دفع المال إلى من كان صغيرًا، لكنه في إفراط صغره قد عدم النظر لنفسه، ومع مراهقته ناقص النظر لنفسه.
فعلق الدفع ورفع الحجر بشرطين وهما: البلوغ وإيناس الرشد.
وقال تعالى: 2 ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فنبّه على وجوب صيانته عليه حتى ينتقل إلى حالة من يصون ماله بنفسه.
ولا خلاف بين العلماء في ذلك، كما لا خلاف بينهم في كونه إذا بلغ
مجنونا لا يدفع إليه ماله، لمشاركة الصغير في علة المنع من الدفع، بل المجنون أولى بالمنع من الدفع من المراهق، لكونه عَدِمَ العقل بالكلية، ولحق بالبهائم.
وأمّا إن كان بلغ وهو عاقل: فمذهبنا ومذهب الشافعي أنه لا يزول الحجر عليه إلاّ أن يونس منه الرشد ومذهب أبي حنيفة أنه بالبلوغ والعقل يرتفع عنه، ولكن دفع ماله إليه يوافقنا عليه، ويرى أنه ممنوع منه حتى يونس منه الرشد، فإن كان أراد أن الحجر يرتفع عنه بالبلوغ والعقل فيما يتعلق ببدنه ونفسه، فكذلك نقول نحن، إذ لا يتهم عاقل سفيه أن يلقي نفسه بالمعاطب المهلكة له، ويتهَّم في المال أن يتلفه في الشهوات الفاسدة.
وإن أراد به يمنع من القبض دون التصرف بالبيع والشراء بالقيمة، فنحن نخالفه في هذا، ونرى أنه لا تمضي عقوده إلاَّ أن يمضيها عليه وليه.
وهم يقولون إن منعه إذا بلغ عاقلا ولم يونس منه الرشد من قبضه لماله، إنما هو على جهة الاحتياط.
فإن بلغ عاقلا.
وأنس منه الرشد عقيب البلوغ، فلا خلاف بين العلماء في أنه يرتفع عنه الحجر في قبضه لملكه وفي تصرفه فيه.
وإن بلغ عاقلا سفيها وتمادى على سفهه، وله أربع وعشرون في عمره، فإنه لا خلاف أيضًا في أنه لا يدفع إليه ماله.
وإن بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو سفيه، فجمهور العلماء: مالك والشافعي وغيرهما، على أنه لا يدفع إليه ماله.
وانفرد أبو حنيفة فقال: يدفع إليه ماله.
والذي قاله الجمهور سبق إلى النفس (بأَدْنَى وخيالٍ صحته، إذ لا فرق بين سنه أربع وعشرون تمضي من عمره ولا سنة غير ست وعشرون ولا خمس وعشرون التي أخذها) 1 أبو حنيفة وأقامها مقام الرشد، مع العلم بسفهه
وتبذيره الذي هو علة الحجر عليه في سنه أربع وعشرين في عمره عندنا وعنده وعند سائر العلماء.
والتحديد بخمس وعشرين ها هنا كالتحكم من غير معنى، ومناقضة المعنى المخيل، وهو كون السفيه المبذر إذا تلف ماله، فقد عدم ما هو قيام له، كما قال تعالى، والعلة مقطوع بكونها لا يفترق وجودها وحصولها في سنة أربع وعشرين أو خمس وعشرين.
وإذا تحقق ذلك وتيقن، وكان السفه علة في الحجر، فرفع الحكم مع وجود علته كالتناقض.
وهذا واضح، ولا خيال يتحقق في نصرة مذهبه سوى تعلق بظواهر غير مقصود فيها بيان حكم الحجرَ وعلته، كقوّله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فدليل هذا عندهم أنه إذا بلغ أشدّه سلم إليه ماله على أىّ حال كان: سفيها أو رشيدا، لأن ما بعد حرف الغاية الذي هو "حتى" نهاية إلى أن لا يُقرَب ماله.
وما بعد حرف الغاية يخالف ما قبله.
فهذا تعلق ليس بصريح بما يُفعل بمالِه إذا بلغ الأشدّ وكان سفيها، بل يجب أن يرد هذا إلى الإجمال الذي ما بُيّنَ بيانا جليا، من ذكر الشرطين المعلق بهما دفع المال، وهما: بلوغ النكاح، وإيناس الرشد، كما قال تعالى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد ذكره بلوغ النكاح.
فوجب أن يعتبر الشرط الذي هو إيناس الرشد عقيب البلوغ، لكون الفاء للتعقيب في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فدلّ هذا الخطاب على أنه إذا طال الأمد بعد البلوغ لا يعتبر الرشد.
وهذا أيضًا لا يقابل وضوح العلة في منع الدفع لأجل السفه، وإن العلة متساوية في سائر السنين مع أن الفاء ها هنا ليست للتعقيب، بل هي لتعليق جملة بجملة.
وإنما تكون للتعقيب بغير مهلة في العطف على ما بيناه في كتاب الأصول.
وقول أبي حنيفة: إن ابن خمس وعشرين سنة يصلح أن يكون جدًا، لكونه
قد يبلغ الإنسان وهو ابن اثنتي عشر سنة، وتلد زوجته في ستة أشهر.
فيكون هذا الولد يلد أيضًا بعد أن تمضي اثنتا عشرة سنة ونصف.
فيكون الأول جدًا، وأنا أستحي أن أحجر على جد.
وهذا ليس بشيء يعول عليه، وإنما هو إشارة إلى استبعاد كون الإنسان يصير جدًا وهو باق على السفه.
ونحن نسلم له أن هذا نادر في العادة، ولكن مع ندوره إذا تحققنا السفه فلا يبطلون بها العلم المحقق، ووجودها في النادر كما هي في الغالب.
وكذلك، تخيلهم أن سنّ البلوغ ثماني عشرة سنة، وهي حد لوجود العَقل الطبيعي المعتدل.
وأشار الشرع إلى سبع سنين تمضي من العمر لكون ما بعدها مبدأ التفطن لما يستحسن ويستقبح، وينهض مقدار ما في الصّبَى من عقل إلى الشوق إلى تدبير نفسه.
فإذا أضيف هذا الانتباه من العقل والتفطن إلى ثمانية عشر، بلغ العدد خمسًا وعشرين سنة، فلم يحسن منعه من ماله.
وهذا أيضًا خيال بعيد (كتخيل الشرع وضع) 1 ها هنا في غير المقصود الشرعي.
ولاَخَفاء في سقوط مثل هذا.
وكذلك إن تعلق بقوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وقوله "رشدا" نكرة في إثبات والنكرة في الإثبات لا تكون عمومًا على الشمول.
وإنما تكون عمومًا على البدل، كقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 2.
فمقتضى هذا، لو اقتصر عليه، أن الامتثال يحصل بأيّ بقرة شاؤوا.
وبخلاف العموم في تكرار النفي، فإنما يُحمل على الشمول والاستعياب فإذا حصل رشدٌ فا حسن معه دفع المال.
والعقل يسمى رشدا.
ألا ترى إلى (قول قوم لوط) 1 ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
ولم يردها هنا بالرشد صيانة المال، وإنما أراد ها هنا العقل المقبح إلى 2 إتيان الذكران دون ما خلقه البارى تعالى للوطء وكثرة النسل، وأن ترك الإناث اقتصارا على الذكران من الجهل والإسراف كما قال تعالى فيهم "تجهلون".
والجهل ضد العلم، وإن كنا لا نرى العقل يحسن ولا يقبح، وإنما ذلك من جهة الشرع، وأمّا من جهة الطباع والعوائد، فإنه يحسن ويقبح.
قالوا: فإذا حصل رشدٌ ما وهو العقل، وجب رفع الحجر.
وهذا أيضًا غير مسلم، لأن المراد ها هنا بالرشد الذي 3 تبذير المال.
وقد قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء" ثم عقب ذلك بقوله "فإن آنستم منهم رشدا" يريد ما هو ضد السفه ورافع له.
فوجب حمل الكلام عليه مع أنه يقتضي قوله "فإن آنستم منهم رشدا" أنه إذا لم يونس رشدا فلا يدفع إليهم المال.
فيصير دليل الخطاب ها هنا نكرة في النفي، وهي بخلاف كونها في الإثبات على ما عرف في كُتب الأصول.
ثم إنهم إن جعلوا بلوغ خمس وعشرين سنة هي حدّ الدفع للمال، فلماذا أمروا قبلها إذا صح الرشد، وإن كان العلة حصول الرشد في جواز الدفع، فلماذا أباحوا الدفع في الخمس وعشرين سنة مع عدم الرشد ووجود السفه؟
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة في أن السّفه وإن كان علة في الحجر، فإنها علة لا تطرد.
ولأجل هذا قال في السفيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة: إنه يرتفع الحجر عليه، لما قدمناه عنه من التعليل.
والدليل الذي منع هذه العلة من الاطراد ومذهبه الذي يضاف إليه في الأصول، أن العلة الشرعية لا يبطلها تخصيصها، خلافا لحذاق أهل الأصول.
وأما قبل الخمس وعشرين سنة.
فإنه يثبت الحجر على من حجر عليه قبل بلوغه، واستدام السفه والتبذير.. لكن ظاهر مذهبه المنقول عنه في كتاب الخلاف أنه إنما يحجر على من تقاصر عمره عن الخمس وعشرين من السفهاء على أن لا يدفع إليه مال، لأن الحجر نوعان: حجر منع من أخذ المال.
وحجر منع من التصرف فيه.
لأن وجود العقل يثبت استئمان التصرف.
والملك يثبت القبض لما ملك والحوز له.
ويثبت التصرف فيه.
فأمّا أحد نوعي الحجر وهو المنع من أخذ المال، فيوافقنا عليه فيمن تقاصر عمره من السفهاء عن خمس وعشرين سنة.
ويشير إلى أن هذا المنع منع احتياط.
وأمّا التصرف في المال، بالعقود بالبياعات والأشرية والإقرارات، فإن ظاهر ما نقل عنه أنه لا يحجر على السفيه فيه، ويرى أن المنع من أخذ المال قصارى ما فيه إلحاق السفيه بالفقير الذي عدم المال.
وأمّا من منعه من التصرف فيه، فيلحقه بالبهائم التي يستحيل منها التصرف، وهذا مستبعد، ولا يستبعد التشبيه بحال الصغير.
ونوقض في هذا بأن المنع من أخذ المال حسيّ مشاهد.
وأمّا المنع من التصرف فيه فأمر ليس بحسيّ، وإنما هو إخبار عن حكم الشرع أنه أبطل عقوده وبياعاته، مع أن الحجر على السفيه يُقطع على أن ذلك إنما كان نظرا له، لِمَا عَدِم من النظر لنفسه.
ومنْعُه من المال وإطلاقُ تصرفه فيه كالمتناقض، لأنه
بالتصرف فيه يقع في إفساده المال، فلا معنى للتفرقة.
وإذا تقرر هذا وهو تذييل لما قدمناه في المسألة التي قبل هذا: فإن من لم يُطلع على تبذيره إلا بعد بلوغه وعقله، فإنه يرى أيضًا أبو حنيفة أنه لا يبتدأ بالحجر عليه.
وتابعه على هذا من أصحابه زفر وحده.
وأمّا صاحباه المشهوران به: أبو يوسف ومحمد بن الحسن: فإنهما خالفاه في هذا، واتبعا الجماعة: مالكا والشافعي وابن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأهل المدينة وأهل الشام في ذهابهم إلى أنه يبتدأ الحجر على الكبير إذا سفه.
وما قدمناه في صدر المسألة من كون أبي حنيفة يجوز تخصيص العلة الشرعية، حملت على هذا المذهب، فأباح ترك السفيه البالغ الذي لم يتقدم عليه الحجر على الإطلاق، ومكنه من تصرفه في ماله، ومنع أن يؤخذ من يديه.
(والجماعة إذا منع منهم تخصيص العلة كان ذلك كافيا عنده في الردّ على أبي حنيفة) 1 ولكن تعلقوا بان طائفة من الصحابة، رضي الله عنهم، ذهبوا إلى الحجر علئ الكبير السفيه.
وذكروا قصة عثمان وعلي، رضي الله عنهما، لما اشترى عبد الله بن جعفر أرضًا سبخة بستين ألف درهم، فرفع ذلك علي رضي الله عنه
إلى عثمان بن عفان، وقال له: احجر على عبد الله بن جعفر لأنه اشترى أرضا سبخة بستين ألفا.
وقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب شارك فيها الزبير فصارت بينهما نصفين.
فقال عثمان لعلي رضي الله عنهما: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟
فلولا أن عليا وعثمان يذهبان إلى الحجر كما طلب علي من عثمان ما خالف الشرع، ولَمَا كان جواب عثمان له أن يقول: شريكه الزبير.
إشارة إلى أن
ذلك يدل على ارتفاع الغبن، ولكان جوابه أن يقول له: لا يصح الحجر على الكبير وقد عكسواهم هذا فقالوا: آخر الخبر يقتضي ما قلناه لأن عثمان امتنع من الحجر، ولو كان ذلك جائزًا له واجبا عليه لما تركه.
وهذا يجابون عنه بأن عثمان يمكن أن يكون لما رأى الغبن لما صار بين اثنين قلّ مقداره عن المقدار الذي يرد من التغابن، أو يكون احتقر الغبن، وقد قيل عنه: مرّ بها فقال: هذه الأرض ما أشتريه ابن علين.
ولعل الزبير وعبد الله بن جعفر يعتقدانِ غلط عثمان في التقويم لها.
وقد ذكر أيضًا أن عبد الله بن الزبير لما اتصل به إكثار عائشة رضي الله عنها من العطايا والصِّلات فقال: لتنتهينّ أو لأحجرن عليها.
فاتصل بها، فأقسمت ألاّ تكلمه، فأتى إليها معتذرا فقبلت عذره، فأشار أصحابنا إلى أن هذا كالإجماع الذي لا ينبغي أن يخالف، لا سيّما على طريقة من ذهب من الأصوليين إلى أن الصحابي إذا قال قولا وانتشر في الصحابة فلم ينكره أحد منهم، فإن ذلك حجة لا يسوغ خلافها.
واحتج أصحابنا أيضًا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفُ اأَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ 1
فجعل تعالى للسفيه وليًّا يملل عنه، ومعناه يقرّ عنه بما باع عليه أو اشترى، بمنزلة المكاتبة المذكورة في أول الآية فدل ذلك على أن السفيه لا تمضي أفعاله ولا معاملاته، وإنما يمضي عليه من ذلك ما فعله وليه.
وقد قالوا ها هنا: إن السفيه هو المجنون.
فقيل لهم: بل السفيه هو المبذر، والضعيف هو الصغير، والذي لا يستطيع أن يملّ هو المجنون.
فهذه الثلاثة ألفاظ حَمْلُ كل واحد منها على فائدة أَوْلى من حملها على فائدتين، وهما: الصغير والمجنون.
وكذلك إن قالوا: إن أول الآية يدل على ما قلناه لأنه تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 1 يخاطب سائر المؤمنين، والسفيه من المؤمنين.
فأسند تعالى المداينة إليه، فدل على جواز القضاء بها عليه.
وهذا يجاوبون عنه بأن ما ذكره في آخر الآية من استثناء هؤلاء الثلاثة أخرجهم عن عموم الخطاب الأول.
والعموم إذا تعقّبه تخصيص أو استثناء وجب المصير إليه.
فإن قالوا: إن السفيه قد اتفقنا على أن إقراره على نفسه بما يوجب الحدّ أو العقوبة يؤخذ به، فليكن المال كذلك.
قيل لهم: العاقل لا يتهم في أن يقر بباطل يؤدي إلى قتله، ويتهم في أن يقرّ بما يؤدي إلى إتلاف ماله لغرض له في ذلك لا يقع في مثله العقلاء الرشداء.
وكذلك إن قالوا: فإنه لو صرح بأن ما يعقده في المستقبل مفسوخا 2، وكان رُشيّد، لم يؤخذ بهذا القول.
فتصرف الإنسان في ماله أبسط من تصرف غيره.
وكذلك لا يؤثر قول الحاكم: أبطلت عقوده من المستقبل وكيف يحل ما لم يعقد ويبطل ما لم يوجد؟
فيقال لهم: إنما يتسلط الحكم على أن عقوده لا تلزمه.
وهذا معنى يتصور قبل العقد، كما يتصور بعد العقد فسخ العقد لكونه غير لازم.
فإذا تقرر أن السفيه الكبير يستأنف الحجر عليه، فإن المذهب على قولين
في صفة السفه الذي يوجب الحجر عليه:
فمذهب ابن القاسم أن السفه الذي يمنع السفيه أن يُعطى ماله إذا بلغ يوجب أيضًا استئناف الحجر عليه إن كان كبيرًا مهملا.
ومذهب أشهب أن استئناف الحجر لا يسوغ إلا بثبوت سفه ظاهر بيّن.
وكأن ابن القاسم رأى أن السفه في الصورتين جميعًا، الموجب لتمادي الحجر والموجب لاستئنافه، لا يفترقان لكون الحكم متساويا والعلة واحدة.
وكأن أشهب رأى أن الحجر إذا لم يتقدم استئنافه بالانتقال من انسحاب الحال لا يثبت إلاَّ بأمر بين، لا سيّما مع مراعاة الخلاف لمذهب أبي حنيفة في قوله: لا يستأنف الحجر على الكبير.
والجواب عن السؤال الرابع
أن يقال:
إذا انكشف للمتأمل وجه المصلحة في الحجر على السفيه، انكشف له حقيقة السفه.
وذلك أنا قدمنا أن المال به حفظ الحياة وقوامهما.
كما نبه الله سبحانه في كتابه بقوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَامًا﴾ 1. ومن لا يحسن إمساكه وتدبيره، ويبيعه من غير عوض صحيح حتى يعود محتاجا إلى ما يحفظ الحياة به، ولا يجده، ولا ينظر لنفسه، نظر الشرع له بإقامة من ينظر له.
فحقيقة السفه على هذا: تبذير المال وإتلافه.
وقد جعل الله سبحانه للإنسان دارين:
دارًا عاجلة وهي الدنيا، يحتاج إلى تدبيرها وإصلاحها، ودار الآخرة التي
يحتاج أيضًا إلى زاد يستعده لها وهو صلاح دينه.
فأمّا صلاح الدنيا وتدبيرها، فلا خلاف أنه معتبر في حقيقة السفه والرشد.
واختلفت عبارات أهل المذهب عنه:
فقيل: هو إحراز المال وصيانته عن التلف والتبذير.
وقيل: يضاف إلى هذا كون المالك له يحسن تثميره وتنميته.
وينظر فيهما: فإذا اجتمع في تدبير دنياه كونه محتاطا على المال صائنا له عن التلف والتبذير، وكونه منميا له ومثمرا له، لكونه يحسن التجر به ويتحرز في المعاملات من الغبن المتلف له، فإن هذا هو حقيقة الرشد من تدبير الدنيا بلا خلاف.
فإن انحلّ أحد الوصفين، فإن كان الانحل الذي جهة إمساكه وصيانته وحفظه، حتى يعتقد فيه أنه إذا سلم إليه أضاعه وأتلفه، فإنه لا يسلم إليه بلا خلاف على الجملة عندنا وعند الشافعي، على حسب ما قدمنا ذكره فيما سلف.
وإن كان انحلاله من ناحية كونه لا يحسن التجر به، فهذا الذي اختلفت فيه اشارات المذهب: فكأن من اعتبر هذا الوصف.
اعتقد أن المال إذا أمسكه للإنفاق خاصة من غير أن ينظر في تنميته، ويعرض عنها مع تأتّيها وإمكانها لِهَوان المال عليه، فإن ذلك يُفني المال ويلحقه بمن لا يحسن صيانة المال وحفظه.
وكأن من ذهب إلى كون هذا الوصف لا يشترط يقول: إنا إذا منعناه من المال، وأقمنا له قابضا له، فإنه لا يلزم القابض للمال، من أب أو وصي أو مُقام، أن يتجر له به، وإنما تلزمه صيانته عليه وحفظه من التلف.
فإذا استوى الحال بينه وبين من يكلف حفظ هذا المال، كان إبقاؤه في يد مالكه أولى.
وهذا ينبغي عندي أن يلتفت فيه إلى اختلاف حال كثرة المال وقلته، وتحقق الفائدة فيه، وقوة الظن بحصولها وضعفه.
فإذا كان المال قليلًا يفنيه الإنفاق عن قرب، ووجد من ينميه حتى يربح ما يحفظ رأس المال، ويكون المُقام يحسن التجارة فيأباه، فإنه لا يسلم إليه لأن هذا عنوان فساد تدبيره.
وكذلك إن كان جاهلا بتنميته، فإن مشاحته في عدم التنمية من غير إظهار غرض صحيح عنوان سوء التدبير.
وأما الوصف الآخر وهو حسن تدبير الدين وما يعود بصلاح الآخرة، فإن المذهب عندنا على قولين:
أحدهما أن ذلك ليس بشرط في حصول الرشد، بل يكتفى بإصلاح الدنيا، وإن أفسد أموره في الآخرة.
وقد قال ابن المواز في الرشد: هو أن يحرز المال وينميه ويكون صالحا في دينه، ولا ينفقه في المعاصي، وهكذا نص عليه الشافعي أنه يعتبر كونه صالحا في دينه كما قال بعض أصحابنا.
لكنه غلا في ذلك حتى شرط في صلاح الدين أن يكون عدلا مقبول الشهادة، وهذا فيه تضييق شديد ولا يكاد معه أن يخرج من الحجر إلا آحاد.
وأكثر سكان الأمصار في هذا الزمان لا تقبل منهم إلا شهادة آحاد وهو على غاية من حسن تدبير دنياه، لا سيما إن كانت المعاصي التي تخرجه عن العدالة وقبول الشهادة لا تعلق بينها وبين المال، ولا تأثير لها فيه، كالإكثار من الكذب، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس فإن هذه الكبائر لا تأثير لها في صيانة المال ولا تنميته، ووجودها لا يناقض علة الحجر على اليتيم كما قدمناه.
لكن إن كانت معاصي تؤثر في المال، كإنفاقه في شرب الخمر والزنا وما في معنى ذلك من الشهوات المحرمات، فإن هذا يحسن الالتفات إليه.
وقد قال في المدونة في الذين يحجر عليهم: "هم الذين ينفقون أموالهم في الفسق والشرب".
وهذا إذا كان الإنفاق فيه يأتي على المال ويفنيه، ولا يتحرى صاحبه فيه تجارة يخلف بها ما أنفق، فإنه يتضح ها هنا إلحاقه بالسفهاء.
كيف؟ وقد قلنا: إن التبذير في غير الفسوق يوجب التحجير؟ فكيف بالتبذير في الفسوق وركوب الكبائر؟
لكن لو كان هذا يتجر بما في يده تجارة تُصيّر إنفاقه هذا من الآرباح، وباقي المال محفوظ، فإن فيه إشكالًا.
وقد يلحق بمن قلنا: إنه لا يحسن الإمساك ولا يحسن التجر.
لكن إن كان هذا لا يمكن منعه من هذه المعاصي بعقوبة من ضرب أو حبس وإقامة حدود، ولا يكفّه عن ذلك إلا نزع المال من يده بعد المبالغة في التجر 1 له وبه وفي العقوبة له.
فإن هذا يكون منعه من المال ليس من ناحية السفه، ولكن من ناحية تغيير المنكر، والمنكر يجب أن يغير بأي طريق أمكن حتى إذا لم يمكن إلا طريقة واحدة تعينت على الجملة.
واعتمد أصحابنا البغداديون في الردّ على من ذهب إلى اشتراط صلاح الدين بأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أقام الحدود ثم لم يحجر على من أقامها في ماله.
وكذلك أقامها أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، ولم ينقل أنهم حجروا على من أقاموا ذلك عليه.
وهذه العمدة التي اعتمد عليها ابن القصار وغيره في الردّ على الشافعي فيما ذهب إليه.
وإنما يتوجه على من قال من أصحاب الشافعي: إن طريان الفسق على من يسلّم إليه ماله، ودفع التحجير عنه يوجب استئناف الحجر عليه كما يوجبه طرو التبذير، وإن كان قد سلم قبل ذلك إليه لما رشد.
وأمّا مَن قال منهم بأن طريان الفسق في الدين لا يوجب استئناف الحجر بخلاف طريان
التبذير، وفرّق بينهما بأن الصغير المحجور عليه إذا بلغ وحاله في الدين غير مرضية، فإنه يحجر عليه وإن كان حسن النظر في دنياه، لأنه لا يؤتمن على مال غيره لفساد دينه فكذلك لا يؤتمن على مال نفسه.
فأمّا إذا اؤتمن على ماله وسلّم إليه، فإن طريان فساد الدين عليه بعد ذلك لا يوجب رفع ما ثبت عندنا من أمانته على ماله، حتى نشاهد تبذيره له فيُنتقل إلى الحكم الآخر.
وأشار ابن الحارث من أصحابنا إلى اتفاق أهل مذهبنا على أن طريان الفسق على الرشد لا يوجب أستئناف الحجر عليه.
وقد احتج المعتبرون لصلاح الدين بما ذكر عن ابن عباس في وصفه الرشد، فقال في أوصافه: "ومن له حلم ووقار".
وذِكْرُه الوقار إشارة إلى صلاح الدين.
هذا حقيقة القول في إنفاقه في المجنون والمعاصي.
وأمّا إنفاقه في الملاذّ والشهوات المباحات، وجمع الجماعة تأكل الكثير منه من الطيبات في المبيتات والمؤانسات، فإن هذا مما فيه إشكال أيضًا.
وأشار بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يوجب الحجر.
وأمّا ابن القصار، من أصحابنا، فذكر ذلك ولكنه شرطه بشرط، فأوجب الحجر على من أنفق في الملاذّ والشهوات وأكثر من ذلك.
ولكنه قال: "إذا كان ما فضل عنده من ذلك لا يتصدق به ولا يطعمه."
وقوله "ولا يطعمه" بعد ذكر الصدقة، الظاهر أنه أراد به إطعامه لإخوانه، وهذا قد يشير إلى أنه لا يرى ما ذكرناه عن بعض أصحاب الشافعي يوجب 1 الحجر.
والتحقيق عندي فيه الالتفات إلى ما كنا أشرنا إليه في اعتبار حال قلة المال وكثرته، وحال التَّجْرِ بِهِ وتنميته، وقرائن الأحول التي تكون عنوانا وعلما
على هَوَان المال عليه وكونه خارجا في تدبيره عن طريقة ذوي السداد، أو تدل على خلاف ذلك.
فكل 1 واقعة من هذا حكمها.
الجواب عن السؤال الخاص
أن يقال:
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 2.
وقد قدمنا أن الصغير الذي لم يبلغ لا يدفع إليه ماله بالإنفاق لتحقق معنى السفه فيه، وهو قصوره عن العقل التامّ الكامل الذي به يقع تدبير الدنيا والدين.
ولهذا جعله سبحانه في هذه الآية علة توجب الحجر.
فقد ذكرنا أيضًا السفه علة في الحجر، والرشد علة في الإطلاق.
فلا يعلم أحد الوصفين 3 الكشف عن حال اليتيم واختباره، وهو معنى قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ واختبروهم حتى إذا بلغوا النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ معناه علمتم رشدهم.
وهذا العلم ليس بعلم ضروري يخلق في النفس ابتداء، لكنه ربما وقع عن طرق ربما تودي إليه، وهي مشاهدة قرائن أحوال، ربما (وقع العلم بطرق) 4.
فقد صار هذا العلم لا يتوصل إليه إلا بطرق وهذه الطرق هي المحال عليها في القرآن في قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
فاختلف العلماء في زمن هذا الإختبار لأحوال اليتيم في تصرفاته في المال، وما يتعلق به من معاوضات وصيانات له على قولين:
هل يكون هذا الاختبار بعد البلوغ أو يكون قبله؟
فالأشهر من مذهبنا أنما هذا الاختبار إنما يكون بعد بلوغ اليتيم الحُلُم.
وذهب أبو جعفر الأبهرى من أصحابنا إلى أنه يكون قبل البلوغ.
وكذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا على قولين:
وهل يكون الاختبار قبل البلوغ أو بعده؟
فكأن من ذهب إلى الاختبار قبل البلوغ تعلق بظاهر قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاح﴾ فجعل الاختبار قبل بلوغ النكاح وهو الاحتلام.
وجعل قبله "حتى" كالغاية لهذا الاختبار.
فإن أثر هذا إلاختبار قبل البلوغ بوقوع عام في النفس برشد اليتيم دفع إليه ماله عقيب البلوغ على الفور، ويكون قوله تعالى ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ إن الفاء فيه للتعقيب والمراد فإن علمتم منهم بذلك الاختبار المتقدم، رشدا فادفعوا إليهم أموالهم على البدار والفور.
وقوله ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
الفاء ها هنا للتعقيب، على طريقة هؤلاء وطريقة من ذهب إلى إفادتها للتعقيب في مثل هذا، على ما كنا بسطنا القول فيه فيما سلف، وفيما أمليناه في الأصول.
وبقول هؤلاء إن اليتيم إذا بلغ، يمكن أن يكون في معلوم الله سبحانه قد بلغ رشيدا، والرشيد لا يحل إمساك ماله عنه.
فإذا كان الاختبار بعد البلوغ خفنا أن نقع في محرّم، فكان الاحتياط الهروب عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالاختبار قبل البلوغ.
وأمّا أصحاب المذهب الثاني فإنهم يقولون: قد تضمنت الآية المنع من أن يدفع للصغير شيء من ماله.
والاختبار الذي يثمر العلم بالرشد بما يكون بالتصرف في المال.
فإذا منع الشرع من دفعه إليه انحسم طريق العلم المؤدي إلى العلم بالرشد، فوجب من أجل هذا أن يكون الاختبار بعد البلوغ.
وأيضًا فإن قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، ومعناه علمتم، وإن كان فعلا ماضيا فهو إذا وضع بعد حرف الشرط كان للاستقبال، فاقتضى هذا كون دفع المال
بعمل يحصل في الاستقبال، والعلم لا يحصل إلا باختبارٍ فاقتضى هذا أن الاختبار إنما يكون بعد البلوغ.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد تكلمنا على زمن الاختبار لليتيم.
وأمّا صفته، فالنكتة المعوّل عليها، على الجملة، التأمل والاجتهاد في طريق يطلع بها الوصي على اليتيم على باطن أمره ومنتهى ميزه في إمساك المال وضبطه، والمعرفة بتنميته، على حسب ما قدمناه في الاختلاف في حقيقة الرشد.
والمعتمد في ذلك قرائن الأحوال، وربما اتفق منها ما لا يضبط بلفظ أو كتابة، لكن يعلمها على التفصيل أن يكون اليتيم إذا نهض على السنن الذي يحتاج فيه إلى من يغذيه ويحفظ عليه طعامه، وصار مستقلًا بنفسه في تغذيته وتدبير طعامه ومنامه، فإنه يدفع إليه دنانير أو دراهم بمقدار ما يشتري به غدَاءه أو عشاءه.
ويكون ذلك عليه حتى يعرف منه أنه سلك في ذلك مسلك العقلاء الرشداء.
فإذا ثبت هذا الوصف له نقل عنه شيئًا فشيئًا، فيدفع إليه من ماله شيئًا يسيرًا فوق مقدار ما ينفقه في قوته، ويكلف البيع والشراء في أمور لا يستغنى عنها.
فإذا استقر في النفس أيضًا في حاله أنه سلك مسلك الرشد، نقل إلى أن 1 شيئًا يسيرًا يتجر به، فإن صانه وأنْماه زاده الوصي مالًا آخر حتى يتحقق أنه إن أخذ ماله كله صانه وأنماه، فيدفعه إليه.
وقال الشافعي: لو كان من أبناء الوزر الذين لا يليق بهم التجر في الأسواق لاختبر بما يدفع إليه من الانفاق على الأهل، وما في معنى ذلك.
ولو كانت امرأة لاختبرت بما تتصرف فيه من أمور الغزل والاستئجار عليه.
وهذا المعنى الذي أشار إليه الشافعي يتضمن قولنا: الغرض حصول علم يستفاد من قرائن الأحوال، ولا يضبط جميعها بلفظ ولا خَطّ.
وقد وقع في إشارات الأشياخ اضطراب في اختبار اليتيم بشيء من ماله: هل ذلك سائغ للوصي مباح له أن يفعله إذا أدّاه اجتهاده وإن لم يحكم بذلك حاكم، أم لا؟ فأشار بعضهم إلى إجراء ذلك على الخلاف الذي وقع في المدونة في اليتيم إذا دفع إليه وصيه شيئًا من ماله يختبره به فاستدان دينًا: هل تتعلق المداينة بما في يديه، ويقضى بدفعه لغرمائة أو لا يقضى لهم بذلك؟ فيستلوح من مذهب القائل بالمداينة لا تتعلق بما في يديه كون الدفع إليه تعدّيًا وسوء نظر.
والوصي لا يلزم اليتيمَ فعلُه إذا أساء النظر له ديه.
ويستلوح من طريقة من مذهبه إلى أنه يقضى غرماؤه ديونهم من المال الذي في يديه أن ذلك سائغ للوصي.
وهذا التخريج ربما كان ليس بالإلزام على مقتضى هذين المذهبين.
وقد يكون الدفع مباحًا ولكن الغرماء لم يعاملوا على ما في يديه، فلهذا لم يقض لهم به.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
اضطرب المذهب في السفيه المهمَل، كصغير مات أبوه ولم يوص به أحدًا، ولا اطلع عليه القاضي حتى يحجر عليه، وتمادى على الاستقلال بنفسه في التصرف في ماله إلى أن كبر، ولكنه على حالة السفهاء من يوم موت أبيه إلى أن رجع أمره إلى القاضي.
وأمّا الصغير الذي لم يبلغ والمجنون، فإن تصرفهما وعقودهما لا تلزمهما ما دام الصغير لم يبلغ، وما دام المجنون لم يعقل.
وأمّا تصرف السفيه الكبير بعد بلوغه ولم يتقدم عليه حجر، كما قلناه، فمذهب اين القاسم أن أفعاله لا تلزمه، وبه قال أبو يوسف، وهي مردودة، فلا يمضي بيعه ولا شراؤه.
ومذهب غيره من أصحاب مالك -وهم الأكثر- أن أفعاله في المعاوضة تلزمه، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن.
وقد روى زياد بن شبطون القرطبي عن مالك أنه سأله عن سفيه عندهم (......) 1 البان على ناصية فرسه ويشتري الكلب والبازي بالضيعة الخطيرة؟
فقال: تمضى أفعاله.
ثم سألته بعد زمان فقال: تمضي أفعاله ولو كان مثل سفيهكم.
ومنهم من فرّق بين كونه بلغ سفيهًا وتمادى على ذلك: فقال بما قال ابن القاسم: من رد أفعاله.
وبين أن يكون خرج من السفه بعد بلوغه ورشد ثم أحدث سفهًا بعد ذلك، فإنه تمضى أفعاله في المعاوضات، وتردّ في الهبات الظاهرة والمغابنة الفاحشة.
ومنهم من رأى أن السفه الظاهر البيّن يوجب ردّ أفعاله بخلاف السفه الخفي.
وأشياخي المحققون يختارون الردّ لأفعاله، ويرون أن السفه علة في الردّ، وليس الحكم بالحجر علة الردّ، لكون الحجر تنْحيَةً عن السفه، والسفه أشده وأوجبه وليس الحكم بالحجر هو الذي أثبت الحجر وأوجبه، بل السفه علة، والحكم كالمعلول فلا ينقلب الأمر، فيصير المعلول علة والعلة معلولًا.
وكأن من ذهب إلى خلاف هذا رأى أن ثبوت السفه يحتاج إلى اجتهاد وكشف وبحث، وهو أيضًا مِمّا اختلف المذهب في حقيقته على حسب ما قدمناه فيما سلف.
وما كان مختلفًا فيه ويفتقر ثبوته إلى اجتهاد لم يقض به.
ويثبتْ حصوله إلا بحكم حاكم، لا سيما أن في رد أفعاله إضرارًا بمعامليه، لأنهم يرون رجلًا يتصرف في ماله ولا ينكر ذلك عليه أحد، فيعاملونه.
فلو رددنا أفعاله أضررنا بمعامليه وهم لم يقصروا في الاجتهاد ولم يفرطوا.
بخلاف معاملتهم لصغير لم يبلغ أو مجنون، فإن معاملتهم له ترد لكونهم هم المتلفين لمالهم والمفرطين في معاملته، من 2 السبب الموجب لرد أفعاله ظاهر بيّن، لا يحتاج
إلى أجتهاد ولا حكومة حاكم للصغير (2) والمجنون 1 أمران مشاهدان بخلاف السفه.
وكأن من ذهب إلى القول الثالث رأى أن السفه كان بيّنًا، فالمعاملون له فرّطوا فلم تَلزمه معاملتهم، وصار السفه البَيّنُ مستغنيًا عن الاجتهاد غير مفتقر إلى حكم حاكم كالصغير والمجنون.
وإذا كان السفه خفيًّا فارق الصغر والجنون وافتقر إلى حكم حاكم.
وكأن من فرق بين السفه المستصحب من قبل البلوغ، وبين السفه الطارئ بعد البلوغ يرى أن الطارى بعد البلوغ قد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب الحجر على السفيه بخلاف الحجر على سفيه مستصحب للسّفَه، لا سيما أنه إذا رشد بعد البلوغ عند من عامله لاستصحاب ما عرف له من الرشاد.
هذا في عقود المعاوضات، وأما الهبات فهي نوع من الإتلاف، فاشبهت السفه البيّن كما حكيناه عن المذهب الثالث.
هذا ضبط المذهب فيما يوجب الحجر وردّ الأفعال، هل هو موقوف على مجرد العلة أو على الحكم به في السفيه المهمَل؟
وأما إذا كان السفه الموجب للحجر مما يشاهد ولا يفتقر إلى تأمل واجتهاد كابن سبع سنين عقد على نفسه معاملة، أو مجنون عقد على نفسه معاملة، فإن هذا لا يختلف فيه في كون أفعاله على الردّ، لأن الذين عاملوه يعلمون بالمشاهدة من حاله معنى يمنع الشرعُ من إلزامه أقواله وأفعاله، ورفع التكليف عنه في العبادات فكيف في المعاملات.
وهذا بخلاف السبب الموجب للحجر إذا كان مما يفتفر ثبوته والعلم بحصوله إلى تأمل وتكرير اختبار واطلاع على قرائن أحوال، فهذا الذي يحسن فيه الخلاف.
وأما إذا وجد معنى يقتضي رفع الحجر بنفس عدم الموجب له وهو السفه
وما في معناه، أو يقف ذلك على حكم الحاكم بذلك: فأمّا البغداديون من أصحابنا، فإنهم يرون أن ذلك موقوف على حكم الحاكم.
وأضاف ابن القصار هذا المذهب إلى مالك رضي الله عنه، فقال: إن السفيه البالغ الذي يجب الحجر عليه لا يخرج من الحجر إلا بحكم حاكم، سواء كان محجورًا عليه بحكم أو بغيره.
قال: واختلف قول سحنون في الصبي إذا بلغ ورشد هل تجوز أفعاله بمجرد رشاده أو تبقى على حكم الحاكم بذلك؟ فقال مرة: تجوز أفعاله بمجرد رشاده.
وقال مرة أخرى مثل قولنا: إن إطلاق التصرف له في المال يقف على حكم الحاكم.
قال: وكذلك اختلف قوله في المفلس إذا حجر عليه: هل يفتقر التحجير إلى حكم الحاكم برفعه أم لا؟ ووافقَنا على أن المجنون إذا عقل يرتفع الحجر عنه ولا يفتقر إلى حكم حاكم.
والسفيه البالغ أفعاله على الإمضاء حتى يحكم الحاكم بإطلاق الحجر عنه.
ففصل الجواب في هذه الأربعة أقسام، فرأى أن الحجر الذي أوجبه الجنون يرتفع حكمه بذهاب الجنون.
والسفه الموجب للحجر في حق البالغ العاقل لا يرفع حكم السفه بمجرد الرشد حتى يحكم به.
قال ابن القصار: والباب عندنا في هذا كله واحد.
وهكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أن الحجر لا يرتفع إلا بحكم حاكم في الصغير وفي السفيه والمجنون والمفلس.
وأنكر أشياخي الحذاق هذه الطريقة.
وأشار بعضهم إلى أنه لا يحسن خلافٌ في المجنون إذا بلغ رشيدًا جائز الأفعال ثم جنّ، فإن ارتفاع الجنون عنه يرفع الحجر الذي أوجبه الجنون بخلاف أن يبلغ مجنونًا فانه إذا عقل فلا بد من اختبار حاله فيحسن حينئذٍ القول بأنه يفتقر رفع الحجر عنه إلى حكم حاكم.
وهذا الذي أشار إليه بعض أشياخي.
ثم صرح ابن القصار فيه بخلاف ما ظن، فقال في كتابه في الردّ على الشافعي في قوله الذي حكيناه عنه: إن ارتفاع
الجنون يوجب رفع الحجر من غير افتقار إلى حكمٍ: إن هذا المجنون إذا بلغ مجنونًا فإنه يجب اختبار حاله بعد ارتفاع الجنون ليعلم هل هو رشيد أم لا؟.
قال: وإن بلغ رشيدًا ثم جنّ ثم عقل فإنه وإن ارتفع الجنون عنه -وقد كان قبله رشيدًا- لم نأمن أن يكون الجنون غَيَّرَ مَيْزَه وسَدَاد رأيه في تصرفه فيفتقر فيه أيضًا إلى اختبار زوال العقل: هل زال على صورة عاد معها العقل إلى الحال الأول، أو زال على صورة نقص العقل فيها عمّا كان عليه قبلَ ذلك؟.
وهكذا رد عليه في المجلس بأن أشار أيضًا إلى هذا المعنى بأن التفليس والتحجير على الإنسان في ماله، ومنعه مما اعتاد فيه يوجب تغيير مزاجه وميزه، وقد يأسف على أن يكون لم يتلف ماله في اللذّات حتى لا يحال بينه وبينه.
فيجب أن يفتقر فيه إذا ارتفع الحجر عنه هل يتغير ذلك الذي عرف عنه قبل الحجر أم لا؟ وذكرنا عنه أن السفيه البالغ لا يخرج عن ذلك إذا رشد إلا بحكم.
وكنا حكينا عنه أن السفيه المهمل تمضي أفعاله، كما حكاه ابن القصار هناك وهاهنا عنه.
فلعلّ هذا الذي قاله في سفيه بالغ حجر عليه بحكم، وبعض أشياخي المحققين يرون أن الصواب اتباع العلة؛ فإذا رشد من حجر عليه بحكم جازت أفعاله وإن لم يحكم بارتفاع الحكم الأول لوجودِ العِلة التي توجب الحكم الثاني، وكذلك يرى أن السفيه المهمل، الصواب فيه 1 قال ابن القاسم: من رد أفعاله لأن الحكم بالإطلاق إنما هو ثمرة الرشد ومعلوله، وكذلك التحجير شدة السفه ومعلوله، فلا معنى لاطّراح العلل والالتفات إلى المعلول دونها.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: أمّا ما يتعلق ببدن السفيه البالغ ولا علاقة بينه وبين ماله، فإن إقراره به لازم له كما يلزم العاقل الرشيد، مثل أن يقرّ بقتل رجل محمدًا، فيجب عليه القصاص، وقطع 2 عضو منه، أو جرح محمدًا، فإن القصاص واجب عليه كما
يجب على البالغ العاقل الرشيد.
بخلاف إقراره بما يُلزم غرامة في ماله.
والعلة في ذلك أنه لا يتهم مع وجود العقل عاقل -سفيهًا كان أو رشيدًا- أن يقرّ بما يؤدي إلى قتله أو قطع يده، وهو يقول في ذلك الكذبَ ويتعمده.
وأمّا المال فيتهم في ذلك السفيه أن يعطيه إنسانٌ دينًا يستعجل إنفاقه ليتلف ما 1 في يد وصيه لهوانها عنده لكونه ممنوعًا منها، وحاله في ذلك كحال العبد.
أو أقرّ بمال ما لزمه ذلك إذا كان محجورًا عليه، ولو أقر بما يوجب قتله قصاصًا منه لأخذ بذلك ولم يتهم فيه.
وأما عفْوهُ عن غيره فيما وجب له من هذه المعاني: كرجل قذفه فوجب أن يحدّ، أو جرحه محمدًا فوجب أن يقتص منه، فإن المذهب على قولين: أجاز ابن القاسم عفوه عنه لمّا كان ذلك ليس بمال وإنما يصدق 2 عليه الشرع المال بجهله بمقداره والحاجة إليه.
وأما عرضه فلا يلزم أباه أو وصيه أن يرد عفوه عنه إذ ليس بمال فيتلفه.
وقال مطرف وابن الماجشون: لأبيه أو وصيّهِ ألاّ يجيز عفوَه، ويطلب حقه في عِرضه وفي القصاص الذي يجب، ولو كانت التي جُرحها خطأً، فاجاز عفوه عن ذلك؛ لأنه إنما يجب له فيها مال، وليس له أن يتلف ماله ويهبه، ولو كان الجرح جرحًا أدّى إلى موته فعفا عنه عند احْتضاره عن قتل جارحه، وكان اللازم لقاتله الدية، فإن ذلك يكون في ثلثه، كما تنفذ وصايا الصبي في ثلثه، لأن بالموت استغنى مالك المال عن صيانته عليه، بخلاف عفوه عن مال يحتاج إليه إذا بقي حيًا.
ولو كان الذي أدّى إلى قتله إنما يوجب القصاص لجاز عفوه فيه، لا سيما على مذهب ابن القاسم الذي أظنه يرى أن الدية في قتل العمد 3 إلا برضا القاتل ورضا ولي المقتول.
وأمّا على طريقة أشهب الذي يرى أن لولي
المقتول أن يجبر القاتل على الدية.
وقد قال مالك: إن لولي القتيل أن يأخذ مالًا من القاتل بغير اختياره ويعفو عنه.
(وعن مالك أن يملك عد مالكا 1) على إحدى الطريقتين.
وقد بسطنا هذا المعنى في كتاب الرجوع عن الشهادات، وذكرنا ما قيل فيه من الروايات.
وأمّا ما ليس بمال ولا هو مما يتملك وتجوز المعاوضة عليه، كطلاق السفيه وخلعه، فإن فقهاء الأمصار على إلزامه الطلاق.
وخالف في ذلك ابن أبي ليلى وأبو يوسف ذهابًا منهم إلى أن البضع قد ملك الانتفاع به وإن لم يكن ذلك من الحقوق والمالية المحضة، ففيه علاقة من المال لأن السفيه إذا طلق قد يحتاج في ثاني حال إلى أن يتزوج لئلا يقع في الزنا، فيكون لوليه تزويجه فيغرم عنه صداقًا آخر، وهذا يتكرر منه إذا طلق الثانية والثالثة، وهذا يعود إلى إفساد ماله، فوجب ردّ طلاقه.
وقد ردّ ابن القصار عليهما بأن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، ولو طلق لزمه الطلاق، فوجب أن يكون السفيه كذلك.
وهذا الذي ردّ عليهما به غير لازم لهما لأن العبد إذا طلق واحتاج إلى التزويج لم يلزم سيده أن يزوجه.
والسفيه قد يلزم وصيَّه أن يزوجه إذا دعت ضرورة إلى ذلك، فارتفعت في العبد العلة التي وجدت في السفيه.
وقد وقع في المذهب عندنا قولان في إعتاقه أمٌ ولده: هل يرد عتقه فيها أم لا؟
وأشار المغيرة إلى تعليل ردّ عتقه بأن ذلك يعود بضرر في ماله لكونه يحتاج إلى تزويج أو سُرّية، فلو كانت أم الولد لكانت تكفيه وتغنيه عن ذلك، وتعفَفه عن الزنا.
وهذه الإشارة إلى هذا التعليل قاد بعض الأشياخ المحققين إلى الميل إلى
التوقف، والتردد في إلزام السفيه طلاقه لأجل ما يلحقه من الضرر في المال، كما أشار إليه المغيرة وأن يقول بما قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف مِن ردّ طلاق السفيه؛ لأن أم الولد إذا قتلت أو جرحت أخذ السيد قيمتها أو قيمة جرحها، فقد صارت مما يترقب فيها أن تعود مالًا محضًا، وزوجة السفيه لا تعود مالًا أبدًا.
وقد تكلمنا في الرجوع عن الشهادة على شهود شهدوا بعتق أم ولد ثم رجعوا عن الشهادة، كما تكلمنا على اختلاف الناس في غرامة شهيدين شهدا بالطلاق على رجل أنه طلق زوجته وقد دخل بها، ثم رجعا عن الشهادة.
وأمّا عتق السفيه لأمة 1 التي ليس فيها عقد حرية فإن ذلك لا يمضي لكونه أتلف مالًا محققًا.
وأمّا عتقه لأم ولده، فالأشهر أنه يمضي لكونه ما أتلف إلاَّ استمتاعًا.
وقيل: يرد لكونه قد يحتاج إلى غرامة مال آخر فيما يستعفف به.
وعلى القول بأن عتقه فيها ماض: هل يتبعها مالها إذا كان كثيرًا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يتبعها لكونه أتلف مالًا محضًا.
والثاني أنه يتبعها لورود الشرع بأن المعتَق يتبعه ماله فإن قلنا: إن العبد لا يملِك اتضح كالإتلاف، (وكأنه مالًا موضوعًا في جزائه) 2 وإن قلنا: العبد يملك بعد ملك سيده أن ينتزع ماله وهي: من ملك أن يملك كالمالك على إحدى الطريقتين التي تقدمت.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
قد علق الله سبحانه أحكام التكليف بالبلوغ، كالمشعر بكمال العقل الطبيعي.
وإنما يتطلب بعده عقل يكتسب من التجارب.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 3.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث.. " 1 فذكر الصبي حتى يحتلم.
وإنزال الماء الدافق هو الاحتلام، ولكنه في بعض الأشخاص قد يعدم وقد يتأخر، فيفتقر حينئذٍ إلى تطلب علامات تدل إليه، وهي إنبات الشعر في العانة، وبلوغ سنين لا يبلغها [إلا]، من احتلم.
وهاتان العلامتان يستوي فيهما الذكر والأنثى.
وعلامتان أخريان يختصّ بهما النسوان.
فأمّا الإنبات: فكونه علمًا على البلوغ (وتكليف الثبوت) 2 وتوجه خطاب الشرع، فإنه مما اختلف العلماء فيه: فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون علمًا أصلًا.
والمشهور من مذهبنا كونه علمًا على الجملة.
ولم يختلف الشافعي في كونه علمًا في أولاد المشركين.
واختلف قوله في كونه علمًا على البلوغ في أولاد المسلمين، وكأنه رأى على قوله بالتفرقة بين أولاد المسلمين وأولاد المشركين، أن أولاد المشركين لا طريق لنا إلى العلم بما ذهب من أعمارهم، فاضطررنا إلى اتخاذ الإنبات فيهم علمًا وأولاد المسلمين بين أظهرنالأولا تخفى أنسابهم بالبحث والاختبار، فعدل عن ذلك إلى ما يمكن مما هو الدلالة والعلامة أقوى.
وأيضًا فإن أولاد المسلمين 3 يتهمون في كتمان البلوغ لئلا تجري عليهم أحكام الكبار من الكفار من قتل وضرب الجزية عليهم، إذ من لم يبلغ من الكفار لا نقتله ولا تلزمه الجزية، وهذه التهمة مرتفعة عن أبناء المسلمين إذ لا يباح دمهم، كبارًا كانوا أو صغارًا، إلا بجناية توجب ذلك، مما لا يسلم له،
لأن التهمة في كتمان البلوغ قد تتطرق أيضًا في أبناء المسلمين مخافة من إقامة الحدود إليهم 1 وإلحاق العقوبات بهم.
وأمّا الخلاف المطلق في كونه علمًا في أبناء المسلمين وأبناء المشركين، أو كونه ليس بعلم فيهم، فإن من يراه علمًا يعتمد على ما ورد في الخبر من كونه - صلى الله عليه وسلم - لما حكّم سعدًا في بني قريظة فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم بأن يقتل منهم من أثبت فصؤبه - صلى الله عليه وسلم -، وأخبر أنه حكم فيهم بحكم الله سبحانه وجعل جريان الموسى علمًا على البلوغ 2.
ومن لم ير ذلك علمًا فإنه يستند أيضًا إلى ظواهر الشرع من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ 3. وقوله عليه السلام: "رفع عن أمتي ثلاث" 4 فذكر الصبي حتى يحتلم.
فإثبات ما سوى ذلك علمًا يفتقر إلى دليل لا إشك الذيه.
والإنبات لا يكون علمًا في العادات لِأنّا نراه يختلف في بني آدم، فمنهم من يتأخر نبات شعره، ومنهم من يعجل ذلك عليهم.
فلو جعل نبات الشعر دليلًا كان نبات اللحية أولى، ونباتها يختلف في الناس.
وأيضًا فإن ذلك يختلف باختلاف الأمزجة، فينبت الشعر مسرعًا في مزاج ويتأخر في مزاج آخر كما يختلف بالغلظ والرقة واللون بحسب الأمزجة أيضًا.
وأمّا كون السنّ علمًا على البلوغ، فإنه يكون دليلًا على الجملة باتفاق، ولكن تقديره كثر الخلاف فيه.
ألا ترى أن من ذهب من عمره الثلاثون سنة أو أكثر منها لا يشك عاقل في بلوغه المبلغ الذي يتعلق به التكليف؟ كما أن من لم يذهب من عمره إلا السبع سنين أو العشرة لا يشك عاقل في كونه لم يبلغ مبلغ التكليف، ويبقى بين هذين الطرفين وسائط يقع فيها
التشكك والإشكال، مثل خمس عشرة سنة، ففيه اختلاف الناس: فالمشهور عندنا ثماني عشرة سنة.
والشافعي يقدر ذلك بخمس عشرة سنة.
وأبو حنيفة يفرق بين الذكور والإناث فيقول: في الذكر سبع عشرة سنة.
والإناث تسع عشرة سنة.
والتحاكم في هذا الاختلاف يرجع فيه إلى العادات فقد تختلف أهوية الأقطار والجهات، وأمزجة سكانها في هذا التقدير.
لكن الشافعي يستند إلى قول ابن عمر: "عُرِضت على النبي عليه السلام عام أُحد وأنا ابن أربع عشر فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" 1.
وقد تقرر في علم الأصول أن الراوي إذا نقل حكماً وذكر سببه، فإن ذلك السبب يكون علة الحكم على الجملة كما روي أنه سها فسجد، فجعل السهو علة في السجود، وكما روي أن ماعزًا زنا فرجم، فجعل الزنا علة في الرجم.
فكذلك قول ابن عمر: "عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت" (1). فإن هذا يشير إلى أن عدم البلوغ علة حكم الرد، ووجود البلوغ علة الإجازة.
وأصحابنا يتأولون قوله: "ولم يرني بلغت" في الحين لطاقة القتال، ويؤكدون ذلك بقول سمرة بن جندب: "عرضت على النبي عليه السلام وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني (وعرضت عليه متأخر ما جازه) 2، فقلت: يا رسول الله، أجزت هذا ورددتني ولو صارعني لصرعته، فأذن عليه السلام في صراعنا فصر عنه، فأجازني" 3.
وهذا يقتضي إنما اعتبر في هذا إطاقة القتال، ويجعل قول ابن عمر "ولم
يرني بلغت" على أنه أراد: بلغت إطاقة القتال.
وأصحاب الشافعي يقولون: إذا أطلق ذكر البلوغ فما يحمل إلا على بلوغ الحلم، وأما بلوغ ما سوى ذلك فلا يذكر إلا مقيدًا بأن يقال: بلغت كذا وبلغت كذا.
وأما كون الحيض في النسوان علمًا على البلوغ فإن ذلك لا يختلف فيه.
وقد جعله الله سبحانه دلالة على براءة الرحم من العمل في العِدد والاستبراء.
وكذلك لا يكون الحمل إلا بعد البلوغ.
وقد أخبر عليه السلام بعلة كون المولود ذكرًا أو أنثى، فقال "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثى بإذن الله" 1.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
أمّا مجرد البلوغ فلا يكون علمًا على حصول الرشد دون اختبار اليتيم حتى يعلم رشده، كما قدّمناه في مقتضى قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
فإن معناه: فاختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن علمتم منهم رشدًا.
وذكرنا الخلاف في هذا الاختبار: هل يقع قبل البلوغ أو بعده؟ وكان بعض أشياخي يحمل على المذهب أن فيه اختلافًا في هذا، وأن أحد القولين كون البلوغ بمجرده دليلًا على الرشد لكون الغالب من بني آدم الحرص على جمع المال وصيانته وتنميته، وإنما يوجد فيهم من هو بخلاف ذلك نادرًا، والأحكام تتعلق بالغالب.
وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض أشياخه أنه يسير إلى إنكار هذا التخريج، ويقول: إنما قال في المدونة إذا احتلم الغلام فليذهب حيث شاء، وأزال ولاية أبيه عنه بالاحتلام من تدبير نفسه وصيانة مهجته إذ الولد إذا بلغ عاقلًا أَمِن عليه أبوه أن يلقي نفسه في مهواة أو
يقع فيما يؤدي إلى قتله وعطبه قصدًا إلى ذلك.
فالتهمة مرتفعة عن كل واحد في نفسه إذا كان عاقلًا، ولا ترتفع عن كل عاقل في إتلاف المال لكون الشهوات تغلب على عقول كثير من الأحداث فيهون عليه إتلاف المال في تحصيلها.
فجعل الباري سبحانه صيانة أموالهم إلى آبائهم، وصيانة أنفسهم قبل بلوغهم.
فإذا بلغوا ارتفعت ولاية الأب عن ما لا يتهم فيه الولد وهو صيانة جسمه ونفسه، ولا ترتفع ولايته عن صيانة مال ولده لما قدمناه، فمن حاول أن يخرج قولًا في المال: إن اليتيم يدفع إليه ماله بمجرد البلوغ، كما ذكرنا عن بعض أشياخنا، فإن ذلك تخريج غير صحيح.
لكن من أشار إلى الخلاف في هذا من أشياخي كان يعول على ما ذكرنا في المدونة ويعول على ما في كتاب ابن حبيب، في سفيه وجبت له الشفعة بعد رشده أن السنة تحسب عليه من بلوغه.
فلو لم يكن بمجرد البلوغ رشيدًا لما حسبت عليه من السنة المشهور التي كان فيها سفيهًا، وأسقطت شفعته بمضي سنة كان في شهور منها سفيهًا.
وهذا التخريج أشد إشكالًا.
لكونه قد قيل في المذهب: إن الشفعة تجب على الفور، فإن تأخر الشفيع عن الأخذ بالشفعة وقد علم به سقط حقه فيها، كمن اشترى سلعة فاطلع على عيب بها، فإنه إنما يقوم بالردّ بالعيب بفور علمه به.
وأمّا إن طال سقط حقه بالقيام به إذا تصرف به في المبيع من غير عُذر.
وأما مجرد البلوغ مع حصول الرشد، فإنه يوجب تسليم المال من غير خلاف في الذكران.
وأمّا في النسوان فالمشهور في المذهب عندنا افتقارهن إلى شرط ثالث وهو دخول زوجها بمن بلغت عاقلة رشيدة، ولم تبلغ سن التعنيس، وتزوجت، ولكن لم يدخل بها زوجها، فإنها عندنا لا يدفع إليها مالها بخلاف الذكران.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المرأة البكر إذا بلغت اختبر حالها في مالها: فإن لم تكن فيه سفيهة، فإنه يدفع إليها مالها وإن لم تتزوج.
وحاول بعض أشياخي أن يجعل أيضاً في المذهب قولًا آخر موافقًا لما قال أبو حنيفة والشافعي مع 1 كون النسوان كالذكران في دفع مالهن إليهن وإن لم يتزوجن.
فقال في كتاب الحبس والصدقة من المدونة: إنه قيل له: ما معنى قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال: بلوغ النكاح الاحتلام في الذكران والحيض في النسوان.
ولم يشترط الدخول ولا حمل قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ على أنهم نكحوا بل حمله على أن المراد به بلغوا سن النكاح والاحتلام، كما قال أبو حنيفة والشافعي.
والبغداديون من أصحابنا لمَّا ردوا على أبي حنيفة والشافعي قالوا: قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ هو المراد به نكحوا ولم يود به بلغوا سن النكاح.
ولو كان المراد به غير هذا لقال: حتى إذا نكحوا.
ويدل على هذا أن الإجماع على أن الصبي إذا بلغ رشدهُ دفع إليه ماله وإن لم يتزوج.
فالله تعالى لم يفرق بين الذكر والأنثى، فقال: حَسِيبًا.
فلما أجمع على أن الذكر إذا بلغ رشدًا دفع إليه ماله، فكذلك الأنثى وإن لم تتزوج.
وقال أصحابنا: قد قال تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
والذكر إذا بلغ يصح بأن يختبر بأن يعطى من ماله شيئًا يختبر به: فإن أنماه زاد وصيه من ماله شيئًا.
فإذا نماه وتكرر ذلك منه حتى عرف أنه رشيد دفع إليه المال.
والصبية البالغ البكر محجوبة لا يراها الرجال ولا كثير من النساء، فيستحيل أن يعرف رشدها وهي محجوبة عن الرجال وعن النسوان لا عن أهلها.
والذكر يتصرف بين الناس بعد بلوغه، فيختبر حاله: هل هو رشيد أو سفيه؟ فافترق الحال.
وعندي أن هذا الخلاف إنما يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة: هل يصح الاطلاع على رشد البكر وهي من وراء حجاب، كما يصح الاطلاع على رشد الصبي البالغ؟ أو لا يصح ذلك؟ فهذا سبب الخلاف.
والمشهور من المذهب أن الشيب من النسوان البالغ، تحمل على الرشد.
واختلفت إشارات المذهب عن بعض أشياخي في مجرد الدخول: هل يقتصر عليه أو لا بد من اختبار حالها بعد الدخول؟
كما اختلف العلماء في مقدار السنين التي تحمل فيها على الرشد إذا أقامتها مع الزوج.
وهذا كله يرجع عندي إلى اختلاف في شهادة بعادة وكان بعض أشياخي يرى أن النساء البدويات لا يوسع في حال الرشد بعد الدخول مثل ما يوسع في ذلك في بنات كبار التجار في الحواضر، لأجل أن بنات "الكبرى 1 من) التجار في الحواضر لا يُمكن من التصرف والتبدل (1) إلا بعد سنين تقيمها مع الزوج.
وهذا يشير إلى ما ذكرناه من التعويل علي الشهادة في العادات، وهذا هو التحقيق.
وقد وقع في المدونة اختلاف في البكر اليتيمة إذا تزوجت بدون صداق مثلها: يمضي ذلك عليها أو لا يجوز حطيطتها من صداقها؛ وهذا يمكن أن يجري على الخلاف في فعل السفيه المهمل: هل يمضي أو يحجر القاضي أو يرد أو يحمل على أنه لا يعتبر الدخول في الرشد كما قدمنا عن تخريج بعض شيوخنا في المذهب؟
وإذا تقرر حكم السفيه ووقع بيعه أو شراؤه في حال يجب ألاَّ تمضي أفعاله فيها، فإن عقوده على الوقف، فما كان إمضاؤه من حسن النظر له أمضي عليه.
وما كان إمضاؤه سوء نظر له رد عقده فيه.
فإذا ردّ عقده فيما باعه وقد قبض ثمنه أخذه البائع منه، إن وجده بعينه.
وإن وجده أتلفه في ما لا بد له منه مما وقى به ماله، فإنه يؤخذ ذلك من ماله.
وإن أتلفه فيما لا حاجة له به لم يرجع به عليه، وكأن البائع هو أتلف ماله لَمَّا دفعه لمن نهى الله سبحانه عن أن يؤتى المال.
وإن كان اشترى سلعة وجب فسخ بيعه.
وإن تلفت في يديه بغير سببه لم يضمنها.
وإن أتلفها فيما وَقَى ماله رجع عليه بالأقل من ثمنها الذي اشتراها به أو قيمتها.
ويجري هذا كله على أحكام استحقاق السلع من يد مشتريها.
وهو يبسط في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
قد قررنا أن الله سبحانه نهى أن نُؤتي السفهاء أموالنا، ومعلوم قطعًا أن العلة في ذلك كونهم لا يعرفون وجه المصلحة فيها، ومقدار الحاجة إليها، فلا يحسنون حفظها ولا تنميتها.
وإذا كانت العلة ذلك، فمعلوم أن السكر يغير العقل والتمييز وأقل مراتبه أن يغطي العقل والتمييز عن درجة الكمال التي تحصل للبالغ العاقل الرشيد، فيجب أن تلحق عقوده بعقود السفهاء الذين لا يلزمهم عقودهم.
وقد نبه الله سبحانه على فساد عقله بالسكر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ في الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ 1.
فنبّه الله سبحانه على أن الخمر يغير العقل حتى يستحسن السكران ما كان يستقبحه قبل أن يشرب الخمر، ويستخف من المتقدم على المحرمات ما لم يكن يسْتخفّه قبل شربه لها.
ومعلوم أن ذلك بما حدث في عقله وميزه من فقد أو انتقاص.
لكن هذا الحدث هو اكتسب السبب فيه بعد أن نهاه الله عن هذا الاكتساب وحرمه عليه، وهو متعد في شربه الخمر.
وهذه الأحكام ثلاثة أنواع: حدود، وعقود معاوضات، وعقود غير معاوضات.
وهي على قسمين: منها ما لا يحتاج إلى قبول ومنها ما يحتاج إلى قبول: فإن الحدود تلزمه وتقام عليه بما جناه في حال سكره حتى كأنه جناها وهو غير سكران في صحوه.
وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أنه لو قتل لقتل وجرى حكمه في القتل مجرى حكم القاتل الصاحي، وإن كان مجنونًا جنونًا لا اكتساب له فيه لم يقتل إن قتل ولم تقم عليه الحدود وما ذاك إلاّ لما أشرنا إليه من كونه هو السبب في نقص عقله وتمييزه لأنه لو لم يشرب الخمر باختياره لم يفسد عقله إلا لسبب يطرأ عليه.
فصار حكم عقله الناقص كحكم العقل التام؛ لأن هذا النقص هو جناه على نفسه، فصار حكمه كحكم العدم.
وقد نبّه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هذه العلة لما اجتمعت الصحابة في الاجتهاد في مقدار الحد الذي يقام على شارب الخمر.
فقال لهم علي: "أرى أن يحدّ حد القاذف: ثمانين؛ لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى؛ فيقام عليه حدّ القاذف الصاحي" إشارة منه إلى ما ذكرناه.
ولم ينكر عليه من اجتمع من الصحابة الاجتهاد في هذا الحكم بهذا التعليل، وهو المعنى الذي أشرنا إليه.
ولهذا أقيمت الحدود عليه.
وأما عقود المعاوضة التي تحتاج إلى قبول، كبيعه وشرائه، فإن أكثر أهل المذهب على أنها لا تلزمه، ومنهم من ألزمه إياها:
فالذين يلزمونها له أجروه مجرى السفيه العاقل، ورأوا أن أقل مراتبه أن يكون كالسفيه العاقل الذي جهله تدبير المال اقتضى ألاّ تلزم عقوده في البيع والشراء، فكذلك السكران، لكونه فقد الميز بالعقل (فقد لا ينتهي إليه السفيه العاقل) 1 تقام عليه الحدود ولا تلزمه عقوده، فكذلك السكران تقام عليه