﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وصلِّ الله على سيدنا محمَّد وسلم كتاب الاستحقاق
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى ورضي عنه، في
فصل تضمن أحكام الاستح قال:
ومن بني أرضا أو غرسها، ثم جاء مستحقها، فلا يخلو الباني أو الغارس
أن يكون غاصبا، أو مبتاعا - من غاصب، أو محيا مواتا.
فأما الغاصب فللمالك أخذه (بقلع أو بغرس) 1 أو دفع قيمته 2 إليه
مقلوعا بعد حط أجرة القلع.
وأما المبتاع من غاصب فلا يخلو أن يكون عالمًا بأن البائع غاصب أو غير
عالم:
فإن كان عالمًا فحكمه حكم الغاصب.
وإن كان غير عالم فالملك لمالكه، ويدفع إلى الباني أو 3 الغارس قيمة العمارة قائمة.
فإن أبي دفع الآخر إليه قحمة أرضه براحًا.
فإن أبى كانا شريكين بقدر قيمة اليراح براحًا وقيمة العمارة قائمة.
وحكم المحيي مثل ذلك.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالا، منها أن يقال:
- ما الدليل على أن مستحق الأرض يستردها ممن هي في يديه؟
- وما الحكم فيه إذا استردها؟ هل تسترد بثمن أم لا؟
- لو وَجد من هي في يديه قد أحدث فيها حدثا، هل يمنعه ذلك من أخذ المستَحَق أم لا؟
- وهل إذا مُكِّن من أخذها يعطي البانيَ والغارسَ قيمة ما بني وغرس، قائما أو منقوضا؟
- وما الحكم في مشتري منافع الأرض دون رقبتها إذا بني أو غرس؟
- وما الحكم في زارع الأرض بوجه شبهة أو تعّديا منه؟
- وما الحكم فيمن بني بناء يُحزم 1 في أرض لا تحزم (1)؟ أو بني ما لا حرمة له في ارض محترمة؟
- وما الحكم فيمن كانت في يده رِباع بوجه شبهة فأكراها، وحابط 2 في كرائها؟
- 3 وما الحكم في المستحِق إذا أجاز الكراء، هل للمكتري في ذلك مقال؟
- وما الحكم في دعوى المشتري ضياع ما استُحِق من يديه؟
- وما الحكم في استحقاق المعاوضة عن الدعاوي؟
- وما الحكم في الاستحقاق إذا وقعت المعاوضة؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
ما 1 الدليل على تمكين المستحق للشيء إذا لم يكن أزال ملكه عنه، بأنه يعلم ذلك من قواعد الشرع ضرورةً، كما يعلم تحريم الزنى ضرورة، من غير حاجة إلى إسناد ذلك إلى حديث يُروى.
ثم لو سلكنا إثبات هذا بالاحاديث لكانت كثيرة، كقوله عليه السلام في خطبة الوداع، "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم" هذا الحديث المشهور، وقد أضيف ذلك إلى النبي عيه السلام، وذكر أنه قاله في مجمع عظيم، وهي الحَجة التي 2 عَقِبها وحج المسلمون فيها، فلو كان الراوي لهذا كاذبا لكذّبه كلّ من حضر.
وكقوله "على اليد أن ترد ما أخذت حتى تؤديه" 3 وكقوله "كل ذي مال أحق بماله" 4 وقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" 5 وكقوله عليه السلام "من أحْيي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" 6.
وخرج أبو داود عن عروة: "أن رجلين اختصما إلى النبي عليه السلام: غرس أحدهما نخلا في أرض آخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر
صاحب النخل أن يخرج نخله" 1
فاقتضى مجموع هذه الأحاديث تمكينَ الإنسان من ماله الذي أُخذ منه بغير حق مع قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 2.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلفت الأحاديث في مستحق ماله الذي لم يسقط ملكه عنه وهو في يد مشتريه هل يأخذه بثمن أو بغير ثمن؟ فخرج النسائي وأبو داود عن سَمُرة بن جُندُب قال عليه السلام "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق ويتبع البائع من باعه " 3. وخرج الترمذي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قضى أنه إذا وجدها في يد رجل
غيرِ متَّهمٍ، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه"، قال الترمذي: وقضى بذلك أبو بكر وعمر 4 وخرج النسائي أيضًا "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متَّهم يخيّر سيدُها: فإن شاء أخذ الذي سرُق منه بثمنه وإن شاء أَتبع سارقه" قال: وقضى بذلك أبو بكر وعمر 5.
فأنت ترى اختلاف ظواهر هذه الأحاديث.
ففي كتاب أبي داود ما ظاهره أن المستحق يأخذها بخير ثمن، وإنما يطلب مشتريَها بثمن الذي دفعه لمن باع منه البائع الذي قبض الثمن منه.
في كتاب الترمذي أن المستحق لا يأخذها إلا بعد أن يدفع الثمن إلى مشتريها، وأَضاف هذا المذهب إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأما النسائي فروى الحديثين أحدهما مثل ما رواه أبو داود.
والثاني مثل ما رواه الترمذي وكأن ما رواه الترمذي وأضافه إلى أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما وجْهُه توخّي العدل بين الرجلين, فقد قال عليه السلام: "كل ذي مال أحق بماله" 1. وهذا يقتضي كون المستحق لا يمنع من أخذ عين ماله، والمشتري له حق أيضًا في الثمن الذي دفع، ولولا دفعه ما صارت السلعة إليه من يد السارق الذي باعها منه، فكأن مستحقها لم يمكْن أخذهُ إلا بعد ما 2 دفعه مشتريها فصار ذلك كمن فَدَى من يد اللصوص شيئًا بمال دفعه إليهم، فإن في أحد القولين، أن صاحبه لا يمكّن من أخذه من يد فَادِيه إلا بوَزْن ما دفع فاديه فيه.
ولم يُذكر هذا تخريجا للخلاف عندنا في هذه المسألة من الخلاف المذكور عندنا فمن 3 فدى من يد اللصوص شيئًا هل يمنع مالكه من أخذه إلا بعد أن يدفع الفداء, لأن الفادىِ من أيدي اللصوص (يدُل فيه مال يدُلّ) 4 لمنفعة غيره على أنه يتملكه، فكأنه جرى مجرى من وإن على المسلم ماله لئلا يتلف عليه، والمشتري من السارقال في يظنه هو المالك 5 ولى يقصد بما دفع من الثمن صيانةً على ربه, لأنه لم يعلم به، وإنما قصد بذلك تملك السلعة التي باعها منه، فصار كمن غلط على مال نفسه، فدفعه لغير مستحقه.
والفادي لم يأخذ مال نفسه، غلطا منه، لتحصيل منفعه نفسه.
وإنما ذكرنا هذا لما بين المسألتين من الملاحظة على الجملة، ألا ترى أن القاضي إذا شهد عنده عدلان بأن رجلًا مات، فباع تركته، ثم أتى حيّا أنه لا يمكن من أخذ السلع، التي اشترى مشتريها، إلا بعد أن يدفع ثمنها لمن بيعت منه, لأن المشترى لهذه السلع إنما يذل فيها الثمن لمنفعه نفسه، وليملكها على التأبيد، لكن ها هنا أيضًا يحكم القاضي بصحة تمليك المشتري لها عوضا مما دفع من الثمن، وهو حكم صحيح في الظاهر، وإن كان باطلا في الباطن.
(والاحكام تؤخذ على الملك عنه إلى المشتري) 1 بخلاف من اشترى من السارق طوعا منه، (وقد يتعامى عن كون.
ما بيع منه مستوفى) 2 ويترك البحث عنه فصار كمشارك للسارق في سرقته.
ألا ترى فيَ الحديث الذي ذكرناه قال: "فوجدها في يد رجل غير متهم" وهذا كالإشارة على ما قلناه.
على أنّا سنتكلم بعد هذا على تفرقته في المدونة بين كون الشهود تعمدوا شهادة الزور بموت هذا الرجلِ، أو شُبِّه عليهم.
وفي كلامنا على ذلك ما يوضح ما ذكرناه ها هنا على الجملة، ان شاء الله تعالى.
وهو الذي ذكرناه دليلًا على صحة ما ذهبنا إليه نحن وغيْرنا من كون المستحق يأخذ سلعته من يد مشتريها بغير ثمن يغرمه له، لقوله عليه السلام "كل ذي مال أحق بعين ماله" ولم يذكر وجوب غرامة عليه، بعمومه 3 يقتضي أنه أحق بعين ماله على كل حال، مع كون غلط المشتري لا يؤاخذ به المالك المستحق, لأن غلطه جناية عن نفسه بأن دفع الثمن لغير مستحقه، فلا يُسقط ذلك حق من استحق العين التي لم تخرج عن ملكه.
وقد ذكرنا ما ذكره أبو داود في (الرجلين اللذين اختصما في نخل غرسها أحدهما في أرض الآخر فأمر عليه السلام بقلع النخل ورد الأرض على صاحبها) 4 ولم يذكر أنه غرسها غصبًا أو بوجه شبهة وشراء.
والجواب عن السؤال الثالث ان يقال: إذا تقرر أن من استحق أرضًا من يد مشتريها من غاصبها وهم 5 لم يعلم بالغصب، أنها ترد على مالكها ولو غرسها من هي في يديه، أو بني فيها وهو
غاصب أو مشتريًا 1.
خلافا لأبي حنيفة لأنه ذهب إلى أن من غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس أن صاحب الأرض 2 لم يمكن منها بل الحبهم عنده أن يعطيه الغاصب الذي بني أو غرس، قيمة أرضه.
إذ قيل ذلك في الغاصب فأحرى أن يقوله فيمن اشترى أرضا فبنى فيها بوجه شبهة، وكأنه قدر الأرض في حكم ما تلف عينه وانعدمت، فعلى متلفها غرامة قيمتها.
ورأى مالك وأصحابه عكس ما رآه أبو حنيفة، وأن صاحب الأرض أوْلى بها، وأن حكم الغرس والبناء في التَّبَع لها، وورآها أبو حنيفة في حكم التبع للغرس والبناء، فلهذا أخرج ملكَه عن صاحبها، وأعطاه قيمتها.
ولنا عليه ما ذكرناه من كتاب أبي داود من كون النبي عليه السلام أمر مَن غرس في أرض غيره بأن يقلع غرسَه، كالنص في الرد عليه.
والحكم تغليب حكم الأرض علق 3 حكم البناء فيها والغرس.
وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، رحمه الله، يبني هذه المسألة على اعتبار تغليب أحد الضررين، ويرى أن مالكا، رضي الله عنه، إنما ذهب إلى تغليب حكم الأرض لكونها أكثر ثمنا مما بُني فيها أو غرس.
وما عظم كان أكثر حرمة مما قلّ ثمنه.
ويشير إلى أن الأمر لو كان بالعكس وكان البناء عظيما، والأرض محتقَرة، لكان البناء هو المغَلَّبَ، ويكون للباني أو الغارس أن يعطي صاحب الأرض قيمتها.
هذا على طرد هذا التعِلل، ولكنه كان يقول: ربما كانت العلة عند مالك
في تغليب حكم الأرض كون مِلكِها سبق ملكَ ما أُحْدِثَ فيها من البناء والغرس، والسبق له تأثير في الترجيح، لا سيما أنه مِلْك صحيح في الظاهر، خلاف ما أُحدث من البناء والغرس، وطرد هذا التعليل يقتضي ألا يفترق الحكم في كون الأرض قليلة الثمن أو كثيرة الثمن.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا غلبنا حكم صاحب الأرض، وأسقطنا حكم الباني والغارس، وأزلنا ملكه عن ذلك، فإنه:
إن كان غاصبا فله نقض م ابن ي أو غرس ممن له منفعة إذا أخذه وأزاله، ولكن لصاحب الأرض المغصوبة أن يعطيه قممة بنائه وغرسه منقوضا بعد أن تُحَطَّ أجرة النقض والقلع، على ما بيناه في كتاب الغصب.
وأما إن كان مشتريا, ولم يعلم بأن من باع منه غاصب، فإن رب الأرض من حقه أن يزيل مِلْك الباني والغارس عن بنائه وغرسه بالقيمة.
وهل يكون التقويم لذلك على أنه منقوض، كما قلناه في الغاصب، أو على أنه قائم؟ المعروف من المذهب: يقوَّم على أنه قائم.. وذكر شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد أنه قيل، فيمن بني بوجه شبهة، أنبما يُعطَى قممة بنائه منقوضا.
وأظنه إنما حكى ذلك عن شيخه أبي القاسم السيوري أنه نقله.
فإن صحّ هذا، فإنه أجراه صاحب هذا المذهب مجرى الغاصب لكون غلطه على أرض غيره لا يوجب بقاء بنائها.
والمعروف من المذهب خلافُ ذلك.
فكأنه لما كان له شبهة فيما أحدث لم يجر مجرى الغاصب، وقد قال عليه السلام "من أحي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" 1 دليل هذا الخطاب أنه إذا لم يكن ظالما فلبنائه حرمة، وحرمته أن يكون قائما.
وهذا يقتضي ما ذهب إليه الجمهور من كونه يُعطَى قيمةَ بنائه قائما.
وقد روي عن مالك أيضًا: يُعطَى ما أنفق.
وهذا ربما
رجع إلى القول بأنه يعطَى قيمة بنائه قائما, لأن التقويم يكون بمقدار النفقة إن لم يعئن المُنفَق.
وذهب ابن سلمة إلى أنه إنما يُعطَى قيمة ما زادت قيمة بنائه وغرسه في قيمة الأرض براحا.
وكأن من ذهب إلى هذا رأى ان صاحب الأرض إذا غُلِّب حكمه فمقتضى هذا لا لعطَى صاحب الأرض إلا مقدارَ ما انتفع به من فعل الباني والغارس.
وأما إذا أعطاه قيمة بنائه، وإن لم يزد البناء في قيمة ارضه فكأنه لم يغلب حكمه على صاحب النساء إذا حكم عليه بخسارة مالًا ينتفع به.
وبعض أشياخي يرى أن الأوْلى القضاء بأقلّ المذهبين، فإن كانت الزيادة في القيمة هي الأقل لم يكلَّف صاحب الأرض خسارةَّ، لما غلبناه من تغليب حكمه.
وإن كان قيمة البناء أقلّ وقد رفع الضرر عن الباني إذا أعْطِيَ قيمة ما بني.
وإذا قلنا: يعطَى قيمةَ ما بني، فهل تُعتبر قيمته يوم بناه، أو يوم المحاكمة؟ في ذلك قولان، وهما مبنيان على ما كررناه مرارًا في كتاب البيوع وغيرها: أن كل أمر مترقب حدوثه ووقوعه، وهو مسند إلى سبب تقدّم إيقاعَ الحكم به، فهل يقدَّر، إذا وقع الحكم به، كأنه لم يَزَل الحكم ثابتا فيه، فيعطَى، على هذا قيمةَ بنائه يومَ بناه، أو يقدر أنه إنما تحّمل الحكم يومَ وقوعه، ولم يُلتفت إلى تقدم السبب الذي أسند الحكم إليه، فيعطَي قيمته بنائه الآن.
وقد مثلنا الفروع التي تجري على هذا الأصل بما يُصحِّحُ ما قلناه.
وإذا تقرر تغليب حكم صاحب الأرض في أن له التملك بأرضه، وطرد الغارس والباني عن غرسه وينائه، لكن يعو أن يعطيه عوضا، على الخلاف في تقدير العوض، كما قدمناه، فإنه إن امتنع من ذلك، فعن مالك روايتان: أحدهما، وهي المشهورة عندنا، أن لصاحب الغرس والبناء أن يطرد المستحق أيضًا عن أرضه، كما يرى المستحقُّ في أن طرد الباني والغارس عن بنائه وغرسه، ولكن يعد أن يعطيه قيمة أرضه، فإن امتنع من ذلك الباني والغارس
أيضًا كانا شريكين: مستحقَّ الأرض يكون له منها ومن غرسها وينائها بمقدار قيمة أرضه بَراحًا، ويكون للباني والغارس من الأرض والبناء والغرس قيمته غرسه أيضًا ما بني أو غرس قائمًا على الخلاف الذي قدمناه.
وروي عن مالك أيضًا نفي الشركة وأنه إذا امتنع مستحق الأرض من دفع قيمة البناء أجبرَ الباني أو الغارس على دفع قيمة الأرض.
وكأن الذاهب إلى هذا رأى أن البناء والغرس فوت في حق الباني والغارس، إذا امتنع مستحق الأرض من أن يعطيه قيمة البناء والغرس، فجَبر الغارسَ والبانيَ على دفعْ قيمة ما أفاته باليناء والغرس.
وكأنه في القول المشهور رأى أن ليس أحدهما أولى بأن يُقدَّر البناء فوتًا في حقه من الآخر.
فإذا لم يترجح أحدهما عن الآخر كانا شريكين، فلا يجبر صاحب الأرض على دفع قيمة الأرض.
ولو كان من اشترى أرضًا فبناها وغرسها، ثم أتى مستحق فلم يستحق جملتها وإنما استحق نصفها، فإن النصف المستحَق يجري فيه وفي حكم بنائه وغرسه ما قدمناه في مستحق جميع الأرض، لا فرق بينهما في هذه الأحكام كلها.
لكن إنما تختص هذه المسألة بالنظر في الشفعة، فإنه إذا استحَق نصف الأرض كانت له الشفعة في النصف الباقي على ملك المشتري، إلا أن يكون المستحِق لا يتمسك بنصف الأرض الذي استحق، ولكن أغرم الباني أو الغارس قيمة ما بني وغرس في النصف الذي استحقه، فإنه لا شفعة له، على أحد القولين فيمن كان له نصيب في دار لأجله وجبت الشفعة فيما بيع منها، فباع النصيب الذي به يستشفع قبل أن يأخذ الشفعة.
ولو أنه أعطى الباني أو الغارس قيمة بنائه وغرسه في جميع الأرض لمالك 1 جميعها النصف بالاستحقاق والنصف بالشفعة.
وإذا لم يعط قيمة البناء، ولا اعطى الباني أو الغارس قيمة الأرض، وكانا شريكين، فالمذهب على قولين في كونه يستحق جميع النصف الذي اشتراه
المشتري، أو يسقط من الشفعة بمقدار ما سقط من ملكه في النصف في المستحَقال في به وجب له الشفعة لأجل الشركة فيه.
وهذا يبسط في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا اكترى رجل دارًا أو أرضا مدة معلومة من مشتري الأرض والدار، فأتى مستحق فاستحق الأرض أو الدار بعد أن مضى بعضُ مدة الكراء، فإن ما مضى من المدة لا سبيل إلى رده وارتجاعه، وكذلك لا سبيل للمستحق في أخذ كرائه, لأن ذلك يقضى به المشتري 1، لآن الاستحقاق من يد المشتري بوجه شبهة لا توجب عليه رد الغلة إلى المستحق، كما سنبينه فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما بقي من المدة فإن للمستِحق أن يجيز عقد مكتريها، وهو مشتري الأرض بالمسقى الذي وقع به العقد، ويصير كمن بيعت سلعة 2 بغير إذنه، فإن له أن يجيز بيعها، ويأخذ الثمن، ولكن بعد أن يعلم مقدار ما ينوب باقي المدة من الإجارة التي عقد بها البيع، لئلا يكون كمبتدى عقد كراء مدةً بثمن مجهول لا يعلم مقداره.
وهذا على أحد القولين في جمع السلعتين، وفيمن اشترى عشرة ثياب فاستُحِق منها ثمانية فأراد أن يتمسك المشتري بالاثنين الباقيين منهما، فإنه يمنع من ذلك في المدونة، وأجيز في كتاب ابن حبيب.
وهذا الخلاف انبنى على من ملك أن يملك هل يعد مالكًا (أو أن يقدر كالمالك) 3 (إلا اختار أحد الوجهين اللذين خير بينهما) 4.
وقد تقدم بسط هذا الاختلاف في كتاب البيوع، وذكر سبب الاختلاف ولو كان هذا المكتري للأرض عشر سنين, مثلًا، يبني ويغرس، ثم أتى مستحِق فاستحق الأرض، فإن ما نص 1 من مدة الكراء مقدارُ كرائه لمكري الأرض الذي اشتراها، وما يُستقَبل من الزمان إلى انقضاء العشر سنين الحكمُ للمستِحق، فَيُخَيَّرُ بين إجازة العقد، وردّه، ويبقى الشجر والبناء بقيمة العشر سنين، فإذا انقضت أُمر الغارس أو الباني بقلع بنائه وغرسه، أو يعطيه قيمتَه منقوضا بعد أن يحطّ من ذلك أجرة النقض.
وهذا لما بيناه في كتاب الغصب.
وأما إذا لم يجز الكراء، واختار فسخ ما بقي من مدة الكراء، فإنه لا يلزمه أن يُبقي الغرس والبناء يقية مدة الكراء لأنه كمن استحق سلعة بيعت بغير إذنه فله فسخ العقد فيها وردها إلى يديه.
ولكن في مقابلة هذا كون المكتري الذي غرس وبنى بوجه شبهة يلحقه الضرر في إفساد ملكه، وإبطال الانتفاع به بقية المدة التي اكتراهًا، كما يلحق الياني في أرض اشرّاها الضرر في قلع بنائه وغرسه، فلهذا أعطيناه قيمة البناء والغرس قائمًا.
وهكذا قال في المدونة في المكتري إذا فسخ المستِحقُّ للأرض بقية مدة الكراء، فإن يُعِطي المكتري الذي بني أو غرس قيمة بنائه أو غرسه قائمًا، ويرجع المكتري الذي بني وغرس على ما 2 أكرى منه بما ينوب المدة التي فسخ كراءها مستِحق الأرض، كما يرجع من اشترى سلعة فاستِحقتْ من يديه (قيمتها عن) 3 من باعها منه.
وقد أكثر المتأخرون من الاشياخ القدح في هنا الجواب بأن قالوا: أما قوله: إن المكتري إذا فُسِخت عليه بقية كراء المدة، وأعطِي قيمةَ بنائه وغرسه
قائمًا، فكيف يصح رجوعه عن المكري منه بجميع ما قابل من الكراء بقيةَ هذه المدة، وهو قد أخذ بقية قيمة المدة من مستحق الأرض لمّا اعطاه قيمة بنائه وغرسه قائمًا، ومعنى كونه قائمًا أي باقيا في الأرض، فلا يصح أن يرجع بالثمن الذي أعطاه المكري، وبقيمته ذلك على مستحق الأرض، فيكون قد أخذ ثمن ما اكتراه مرتين، وهذا لا يصح.
وكذلك أيضًا عارضوا قوله في المدونة: إن المستِحق يعطي للباني أو الغارس قيمة بنائه قائمًا، فيصير قد قوّم له مالًا يملكه، وهو جزء من الأرض التي بطل عقْد كرائه فيها.
وقد كنا نحن قدمنا ذكر الخلاف في مستحق الأرض من يد مشتريها، وقد بني فيها أو غرس، هل يجب على المستِحق أن يعطي الباني قيمة ما زاد بناؤه وغرسه في الأرض أو لا يعتبر ما زاد، ولعطيه قيمة بنائه وغرسه قائمًا؟
فإن قلنا: إنه إنما يعطى ما زادت قيمة البناء والغرس في قيمة الأرض برأحا، فإنه يقال ها هنا: ما حكم قيمة الأرض براحا؟ فيقال: مائة دينار، ثم يمّال: كم قيمتها بهذا البناء والغرس؟ فيقال: مائة وخمسون دينارا.
فنعلم أن مستحق الأرض إنما انتفع من قِبَلِ الباني أو الغارس بخمسين دينارًا، فيقضى له
بها.
وأما إذا قلنا: مستِحق الأرض يعطي البانَي أو الغارس، وقد اشترى الأرض وغرسها وبنى فيها، قيمة بنائه وغرسه قائما، فإن مَحْمَل قوله في المدونة، في مكترٍ غرس الأرض التي اكتراها وبنى فيها: إنه يقضَى له بقيمة بنائه وغرسه قائمًا.
المراد بهذا الإطلاق: قائما في الأرض إلى انقضاء العشر سنين التي عقد الكراء عليها.
ولم يرِد قائما قياما مؤبّدا, لأن المكتريَ لم يملِك التأبيد في إبقاء الغرس أو البناء على التأبيد، فكيف يقوّم له ما لم يعاوِض عنه ولا إستحقه ولا دخل في ملكه؟
وبعض المتأخرين يشير إلى إبقاء هذا اللفظ الذي في المدونة على
إطلاقه، ولكن بعد إن يصوّر التقويم على صفه (يخلى فيها) 1 من اعترض ما وقع في المدونة بما ذكرناه، فيقول: إنما يصح إطلاق هذا اللفظ على أن تكون صفة التقويم ان يقال: بكم يبقى هذا البناء؟ وما قيمته مبنيا؟ غيرَ ملتفتٍ في ذلك إلى هدمه بعد مدة معلومة، أو إبقائه على التأبيد, لأن من استأجر بناء يبقى له في أرضه، فإنه إنما يقع بينه وبينه المكايسة فيما يأخذ في اليناء خاصة، ولا يلتفت المكري والصانع إلى كون ما يبنى يهدم بعد سنة أو بعد عشر سنين.
فإذا لم تختلف الإجارة في أمد هدمه، لم يحصل في ذلك ما اعترض به من كون الباني قد قوّم له جزء من الأرض لا يملكه.
وعبر بعضهم أيضًا عن هذا المعنى، محاولًا دفع ما ذكرناه من الاعتراض يكون الباني قد قوم له جزء من الأرض، فإن صفة التقويم أن يقال: بكم يُشترى هذا البناء على أن يضعه مشتريه في البقعة التي بني فيها، إذا كان مالكَها وهي براح؟ فإذا فُعِل هذا سقط الاعتراض.
أو يكون الباني أو الغارس قد قِوّم لهما جزء من الأرض.
ولو امتنع المستحق من قيمة البناء والباني امتنع أيضًا من دفع قيمة الأرض كانا شريكين بقيمة البناء قائمأوقيمة الأرض براحا، لضعف الاعتراض لكون الباني والغارس قد قِوّم لهما جزء من الأرض، وهما لا يملكانه, لأنا إذا أدخلنا في التقويم للأرض براحا مغارسَ الشجر وأساسَ البناء، فلم يُظلَم صاحب الأرض.
وكذلك أيضًا إذا قومنا للباني والغارس بناءه قائمًا، فيتساوى، هو ورب الأرض، في تقويم هذا الذي هو مغارس البناء, لأنّا لم نسقط حق صاحب الأرض في تقويمه إذا أراد الشركة بقيمة الأرض.
وقد يقال، عندي، في دفع هذا الاعتراض الذي ذكرناه: إن مستحق الأرض لما كان قادرًا على أن يُلزم البانَي، والغارسَ قيمة الأرض براحا، فعدَل عن ذلك إلى أن يغرم الباني 2 والغارس قيمة بنائه وغرسه الذي فعله بوجه شبهة، وباعتقادٍ انه يملك ذلك على التأبيد، في حق المشتري إذا كان هو
الغارسَ أو في حق المكتري، أي الأجل، صار عدول رب الأرض عن تقويم الغارس والباني قيمة الأرض براحا، كالرضى بإمضاء ما فعل، وتصويب ما اعتقد من أنه يفعل ذلك على جهة الملك المؤبد.
وإذا قررنا الأمر كذلك سقط الاعتراض الذي ذكرناه.
وإذا اكترى الأرض ليزرعها، وقد اكتراها من مشتريها، فأتى من استحقها قبل أن يحرثها مكتريها فواضح حكم ذلك: أن له فسخ العقد، ومنع المتكري منها.
فإن أتى المستحق وقد حرثها المكتري، ولكنه لم يزرعها، فيه قولان:
هل يغرم المستحق قيمة الحرث أو يأخذ الأرض ولا غرامة عليه لذلك؟ وهذا مبني على الاختلاف فيما فعله الغاصب في دار غصبها مما ليس بعين قائمة ولا يتميز كالتزويق، فإن فيه اختلافا، فإذا تسلم الدارَ صاحبُها فقيل: يتسلمها ولا غرامة عليه، وكأنه الأَشهَر في أصل المذهب.
وأما المشتري إذا فعل مثل ذلك، فقيه أيضًا اختلاف، وكأنّ الأشهر في أصل المذهب أنه يلزم المستحق قيمةُ ما عمل.
وقد اشتهر فيمن اشترى قمحا فطحنه، فأتى رجل فاستحق القمح، فوجده مطحونًا، هل يأخذه ولا غرامة عليه في الطحن، أو يغرم قيمة الطحن؟
وإذا قلنا: إنه إذا استحق الأرض فإنه يغرم أجرة الحرث، فإن امتنع غرم له المكتري كراء السنة التي اكتراها أو حرثها زرعا، فإن امتنع المكتري أيضًا من ذلك فقيل: تسلم الأرض.
وعلى الطريقة الأخرى يكون هو ورب الأرض شريكين في حرث هذا العام.
وهذا كالاختلاف في قطع الثوب الذي دفعه القصار إليه غلطا منه عليه، فيقطعه 1 قابضه وخاطه، فإنه اخُتلف فيه إذا امتنع مستحقه من أجرة الخياطة، وامتنع الذي خاطه من دفع قيمة الثوب، هل يسِلّمُ الثوبَ مخيطًا، أو يسلمه ويكون شريكًا بمقدار الخياطة؟
ولو اتى المستحق وقد زرع المكتري الأرض، فإنه ليس له قلع زرعه, لكونه وضعه يوجه شبهة، وليس له أن يتلف مال غيره إذا لم يكن تعدى من استحق الأرض من يديه في الزراعة، ولكن يأخذ المستحق كراء الأرض إن كان استحقها في الإبان, لأن زراعتها قد منع ربها من الانتفاع بها، وكان الأصل أن لمستحقها قلع الزرع، ولكن صيانة الأموال عن التلف اقتضت منعه من ذلك.
ولكن أيضًا لا يلزمه أن يصون مال غيره بإتلاف مال نفسه، فلهذا كان له كراء هذا العام.
ولو أتى بعد انقضاء الإبان (لم يكن للكراء) 1، وكان كراع هذا العام لمشتري الأرض الذي أكراها, لأن الزارع لم يمنعه من الانتفاع بها، إذ لا قدرة لمستحقها عن الانتفاع بها إذا 2 ذهبت أيام الزراعة.
وقد قال ابن الماجستون:
لو استحقها المستحق، وقد مضى بعض أيام الابان، ففضْل ما بين الكراء في أول الإبَّان ويومَ جاء المستحق، يكون لمكري الأرض قدرُ ما مضى من الإبان كفوت جميعه.
ولو خوصِم المستحق في استحقاقه فلم ينقض الخصامُ حتى مضى الإبان، ففيه قولان: هل يكون الكراء للمستحق، أو يكون الكراء لمكري الأرض, وهذا على الخلاف في المُتَرَقّبَات إذا ودعت مسنَدة لأسباب متقدمة، هل يقدر كأن الحكم وقع في تاريخ السبب الذي يستند إليه الحكم، أو أنه وقع يوم الحكم؟
وقد عهلم الخلاف في المدونة فيمن اعتق عبده في سفر، ثم قدم، فأنكر العتق، وقدم من يشهد عليه بعد إنكاره، فحكم بالشهادة، هل يقدّر كان الحكم يوم أعتق في سفره أو الآن وقع؟
وقد يقال ها هنا: إن مدافعة المستحق إن كانت بتأويل ووجهِ شبهة، فإنه
يحسن القضاء بإسقاط حقه في الكراء، وإن كانت المخاصمة له بباطل واضح، فإن الكراء يكون له،
وقد حضرتُ مجلس الشيخ أبي الحسن اللخمي وقد استفتاه القاضي في امرأة دعت زوجها للدخول فأنكر النكاح، فأثبتته عليه، فأفتاه بأنه تعتبر مدافعته لها في النكاح هل كان من الزوج بتأويل وشبهة فلا يطالب بالنفقة أيام الخصام، أو دافعها بباطل واضح فيكون كالغاصب لها حقَّها في النفقة فيقضى لها بذلك؟ وهذا نحو ما أشرنا إليه نحن في هذه المسألة.
ولو كانت الأرض تزرع بطونا لكانت كالسكنى، فما مضى من البطون لمكري الأرض، وما بعد ذلك من يوم الاستحقاق 1 ويكون للمستحق، لكون الأرض التي تزرع بطونا يمكن مستحقَّها أو 2 يزرعها يوم استحقها، فأشبهت السكنى.
وقد كان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يشير إلى التردد في السكنى، لأجل أنه إذا أكرى المشتري الدار وانتقد الكراءَ، وهي مأمونة، صارت بقيةُ السنة كالمقبوض، كما قالوا في أرض النيل إذا رويت: إن المنافع كالمقبوضة.
وإن كانت بقية الستة في الدار المأمونة كالمقبوض منافعها، صار ذلك كما لو أتى المستحق وقد انتقضت 3 جميع السنة.
وهذا الذي تردد فيه بعيدٌ عما يقتضيه جميع روايات المذهب في أحكام الاستحقاق, لأن ذلك إنما يحصور فيه قبض ما لم يوجد في أحكام أُخَر، مثل: لو أكرى داره خمس سنين بخمسين دينارًا فهل يزكي الخمسين كلَّها إذا مَضى حول واحد, لأن بقية الخمس سنين كالمقبوض، ولا خلاف أن السنين كلها لو
انقضت لو جبت زكاة الخمسين دينارًا.. أو يقال: لم تلزمه زكاة الخمسين دينارًا لجواز ان تتهدم الدار فيجب رد بعض ما انتقد من الكراء.
ففي مثل هذا يحسن الخلاف فيما بين المكتري والمكري.
وأما المستحق فلم يختلف فيه أنه من يوم الاستحقاق ملَك المنافعَ التي توجَب فيما بعد، وإذا لم يختلف في ملكه لها لم يُختلف في استحقاقه لما قابلها من الكراء.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
من زرع ارضا في يديه فلا يخلو من قسمين: أَحدهما ان يكون يعتقد ان زرعها له مباح.
أو يعتقد أنه حرام عليه.
فإن اعتقد أن زرعها مباح له، فلا يخلو من قسمين:
أحدهما أن يكون اعتقد الإباحة لكونه بذل فيها عوضا لمن باعها منه، وهو يظن أنه مالكها، أو اعتقد الإباحة، وبم يبذل فيها عوضا, لأنه أحياها وهي أرض ميتة، أو ورثها.
فأما من بذر فيها، وهو يعتقد الإباحة، وقد بذل عوضا أو لم يبذل عوضا، فإنه لا يخلو الذي أتى فاستحقها من أن يكون صادفه ولم يصنع فيها سوى الحرث خاصة، أو صنع فيها الحرث والبذل 1 وقد انقضى الإبان قبل ان يأتي، أو لم ينقض.
فإن لم يفعل فيها مشتريها بعوض، أو محييها، سوى الحرث، فإن مطالبته لمستحقها بقيمة الحرث يجري على القولين فيمن اشترى قمحا فطحنه فحكم لمستحقه بأخذه، فهل يغرم قيمة الطحن؟ فيه قولان.
وقد تقدم ذكر ذلك والإشارة إلى علّته.
وإن كان المستحق لم يأت، وقد انقضى إبان الحرث، فلم يختلف المذهب في أنه ليس له قطع ما زرعه الزارع في هذه الأرض بوجه شبهة، وذلك
لأجل أن الزارع قد خسر مالًا في الحرث والبذر معتقدًا أنه مما يباح له ملكه، فلو مكنا المستحق من قلعه ظلمنا الزارع، وهو لم يقصد الظلم ولا اعتقده، ولو منعنا المستحقَّ أيضًا من أن يقلع هذا الززع، ومنعناه أيضًا من أن يأخذ كراءه لظلمناه وحرمناه الانتفاع بماله، وهو يمكنه إذا قلع زرع الزارع أن يزرع في الأرض لنفسه، فيكون قد أبطلنا ملكه ومنعناه من الانتفاع به، لأجل المخافة أن يتلف مثل ذلك على الزارع، وهو غير مالك، وهذا ظلم للمستحق، فإذا منعناه من قلع الزرع صيانة بمال 1 الزارع، وأعطيناه العوض صيانة لماله أن يحرم منفعته ويمنع من زراعته كُنّا قد عَدَلْنا بينهما.
أما إذا أتى المستحق بعد ذهاب الإبان، فذلك أحرى ألاّ يمكَّن من قلع زرع الزارع، ولكن لا يعطيه عوضا, لأنّا لو قلعنا الزرع لم يُفِدْ ذلك المستحقَّ شيئًا، بل تبقى الأرض عارية من الزراعة لا منفعة له بها، فلا يجب أن يعطيه قيمة منفعة ولم يتمكن من الانتفاع، ولا تُتصور له منفعة.
وإذا حكمنا للمستحق بكراء الأرض إذا أتى إبان الزراعة، فإن له الأكثرَ من المسمَّى إذا كان مشتري الأرض قد أكراها.
أو قيمة كرائها لأنه لا يلزمه أن يُبقيَ الزرع على عوض دون القيمة، والمغبون في القيمة، أو الواهب لبعضها، غيرُ مالكها، فلا يلزم مالكَها ما وهبه من لا يملكها.
وأما إذا كان زارعا متعديا غاصبا للأرض، فإنه إذا أتى مستحقها, ولم يحدث غاصبها حرثا، فواضح تمكين مستحقها منه.
وإن كان غاصب الأرض لم يحدث فيها سوى حرثها، فهل يطلُبُ المستحق لها، إذا أخذها، بقيمة الحرث أم لا؟ على القولين المذكورين في كتاب الغصب فيما أحدثه الحادث من حوادث ليست بعين قائمة ولا تتميز كتزويق الحيطان في الديار.
وأما إن أتى المستحق، وقد حرثها الغاصب، وبذر فيها، فإنه إن كان لو قلع لا منفعة للغاصب فيه، ولا له قيمة من المستحق من أخذ الأرض ما فيها،
إذا لا فائدة للغاصب فيما نقله 1 منها، وابقاؤه في الأرض لمالك الأرض فيه فائدة.
فقدم حقه على حق الزارع.
ولكن مع هذا لَوُ أَشَارَ ربّ الأرض ألاّ يقبل هذه القائدة، ويقول للغاصب.
اقلع هذا الزرع, لأن ملككَ خبيث، حتى أرزع أنا مكانه من مالي.
لكان من حقه.
فلو أراد مستحق الأرض ألاّ يأمره بالقلع ولا يقبل هذا الزرع ليملكه بتفسه، ولكن رضي بأن يبقى الزرع بكراء يأخذه من الغاصب بذلك، فإن في الموازية: المنع من تراضيهما بذلك, لأنه لما قدَر صاحب الأرض أن يبقي الزرع لنفسه بغير عوض ييذله فيه، صار للغاصب على معنى كراء يأخذه منه، فإن ذلك، وإن سمي كراءً، فإنه شراء من الغاصب لهذا الزرع الذي ملكه مستحق الزرع ليبْقيه لنفسمعتى يحصده بغير عوض يبذله له.
وهذا الذي قاله ابن المواز إنما يتضح عندي على إحدى الطريقتين المشهورتين في المذهب: مَن ملك ان يملك هل يعد كالمالك أم لا؟ في ذلك قولان.
وهذا لما خُيِّر بين أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع ليتمكن من زراعة أرضه بمال نفسه، وبين أن يصرف الغاصب عنه ويبقيه لنفسه باطلا، صار كأنه اختار إبقاءه لنفسه، ثم بعد اختياره لذلك باعه من الغاصب الزارع على التبقية أن يحصده الغاصب، ويأخذه، وبيع الزرع قبل بدوّ صلاحه على التيقية لا يُختلف في منعه.
وأما إذا قلنا بأنه لبم يختر ملك هذا الزرع، وإنما اختار قلعه، فصار الغاصب كأنه قلعه، ثم استأنف عقد كراء في زراعة هذه الأرض، فإن ذلك لا يتصور فيه كون الكراء ها هنا كالشراء للزرع.
وأما إن أتى مستحق الأرض وقد صار الزرع إذا قلع انتُفع به، وصار له ثمنٌ ولكن الإبّان لم ينقضِ، فإن له أن يأمر الغاصبَ بقلع الزرع ليزرع الأرض وإن أراد ألاّ يأمر الغاصب بالقلع، ويهعطيه قيمته مقلوعا، ويبقيه لنفسه، ففيه قولان، هل يجوز ذلك، لكون الحكمِ قلعَ الزرع إذا شاء المستحق، فكأنه
اشتراه بعد قلعهِ ببيْعته واعاده إلى أرضه، أو يقال: لما كان من حق الغاصب أن يأخذه ليبيعه، أو لترعاه دوابه، صار ما أخذه فيه من المستحق ليبقى في الأرض كابتداء بيع زرع مَلَكَ أخْذَه قبل أن يبدو صلاحه، وعقد فيه بيعا على أنه يبقى لمشتريه، وهو المستحق إلى أن يبدو صلاحه.
وقد تقدم ما يعرف منه سبب هذا الخلاف لما ذكرنا في الموازية من تصور كون الكراء كالشراء في المسألة التي فرغنا منها الآن.
وأما إن أتى مستحق الأرض بعد ذهاب إبان الزراعة، ففيه روايتان: المشهور منهما أنْ ليس له أن يأمر الغاصب بقلع زرعه لأن في ذلك إبطالا لمال الغاصب، واتلافَه عليه من غير منفعة لمتلفه.
وهو المستحق، إذ لا يمكنه ان يزرع هذه الأرض بعد مضي الإبان، والرواية الأخرى إن لمستحق الأرض أن يأمر الغاصب بقلع هذا الزرع، وإن كان بعد ذهاب الإبان، لقوله عليه السلام "ليس لعرق ظالم حق" 1 وهذا الغاصب ظالم، فلا يجب أن يكون لعرقه حق، والتبقية حق، وقد نفى عليه السلام أن يكون له حق.
وأما إن أتى هذا المستحق وقد حصد الغاصب الزرع وجمعه، فالمعروف من المذهب عند مالك وأصحابه أن الزرع للغاصب، وعليه كراء الأرض، وهو عوض المنافع التي قد أفاتها الغاصب، وصارت معدومة، ومن غصب شيئًا فأتلف عينه فإنما عليه قيمته.
وروى الداودي في كتاب الأموال عن مالك رواية شاذة: إن الزرع لصاحب الأرض، وعليه للغاصب ما أنفق في ذلك.
ومال إلى هذا المذهب، واحتج فمِه بحديث مروي، والحديث الذي احتج به خرّجه الترمذي فقال الترمذي في كتابه: قال النبي عليه السلام "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه ما أنفقه" 2 واححج الداودي لصحة هذه الرواية الشاذة عن مالك بأن من غصب أمة فولدت، فإن ولدها يكون لصاحب
الأم، وقدّر أن النطفة كالبذر، والنماء في بطن الجارية كالنماء في بطن الأرض.
وقد ورد هذا السؤال إلى المهدية، وشيوخ الفتوى فيها متوافرون، فأفتى السُّلَمي، وهو اشهرهم وأفقههم مُنْذُ نحو ستين عاما، بأن الزرع لرب الأرض.
واحتج بما احتج به الداودي، وسطره في جوابه معتمدا عليه، وكأنه نسب هذه الحجة إليه، ووافقتُه أنا في الفتوى حينئذ باختيار هذا القول، وكان معنى الجواب الذي كتب في ذلك: أن الزرع إنما حدث من مجموع أمرين لو انفرد احدهما لم يكن هذا النماء: أحدهما الأرض، فإنها لا تُنبت من غير بذر، والآخرُ البذر، فإنه لا ينبُت في غير أرض، فكان مقتضى هذا الاشتراك أن يكون النماء الحادث مقسوما بينهما, ولكن لا يقفُ على حِدّ ما يكون عن كل واحد منهما من التنمية سوى الله سبحانه الذي خلقهما، وخلق ما يكون عنهما.
فلما لم يعلم ذلك وجب إلحاق النماء بأرجحهما، فالأرض ها هنا مرجحة على البذر، لكونها مما لا يُزال بها ولا يُنتقل، والقمح المبذور في الأرض مما يُزال به ويُنتقل.
وقد منع أبو حنيفة تصور الغصب في العقار لهذه الغلة.
فكان إلحاق النماء بالأرض أولى، مع كون تنميتها للنبت ليس بظلم ولا حرام، وتنمية البذر ظلم وحرام، والحلال أرجح من الحرام.
وقد قيل: إن الأرض قابضة لما فيها، وصاحب البذر لما أودعه الأرضَ زَالَ قبضه عنه، وبقيت الأرض هي القابضة، وقبضها قبض لصاحبها، فكان إضافة هذه التنمية إليها أولى، مع أن سبحانه نبه على علة شرع القصاص مِمّن قتل آخذه 1 ظلما فقال تعالى ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 2 والمراد به ما كانت الجاهلية تعبر عنه بعبارة ظهر فَصَاحةُ القرآن فيها وعلوُّها عنها، وكانت تقول "القتل أنس للقتل" ويعني بذلك أن القاتل إذا لم يُقتل بمن قتله استبيحت الدماء، وتفانى الناس بالقتل, لأن كل من علم أنه لا
يُقتل إذا قتل تكرر منه القتل، وإذا علم أنه يُقتل كفّ عن القتل، فأنزل الله هذا المعنى بلفظ بليغ لا يُلْحَق فقال: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 1 يريد أن القاتل إذا اقتص منه حفظت حياة بني آدم، فكأن القصاص صار لهم حياةً.
ثم فيها تنمية 2 على العدل، وهو قوله "القصاص" والقصاص إشارة إلى العدل، فورد هذا المعنى في القرآن بلفظين وهما القصاص حياة، من غير تكرير، واوردته العرب بثلاثة ألفاظ، وفيها التكرير، وليس فيها إشارة للعدل، وإذا نبه صاحب الشرع على أن القصاص إنما شرعه لصيانة الدماء، فكذلك يجب أن يكون الزرع لصاحب الأرض المغصوبة، صيانة للأموال والأرَضين عن أن تغصب.
وحرمة المال يجب ان تصان كحرمة الدم.
وتعقبت استدلال الداودي بقياس الزرع على حمل الأَمَة, لأنه قد اتفق المذهب على أن من اشترى أرضًا فَزَرَعَهَا، فإن الزرع له.
ولو اشترى أمة فاستولدها، فإن الولد لمستحقها, ولكن لا يسترقّه لحُرمة الحرية فيه، بل يأخذ قيمتَه.
فإذا افترق الحكمان في الأمة والزرع، فيما كان بوجه شبهة، فكذلك يفترقاد فيما كان على وجه الغصب, لأن الولد من جنس أمّه، فهو كعضو منها يردّ معها، وإن كان استولدها بوجه شبهة، بخلاف الزرع الذي هو ليس بجنس الأرض المغصوبة.
هذا معنى الجواب الذي كان فرط منّى حين افتيت به قديما.
فإذا وضع حكم الزراعة مع اعتقاد الإباحة، وثبوت الشبهة، وحكم الزراعة مع اعتقاد التحريم وارتفاع الشبهة، فإنه قد يعرض بين هذين ما يشكل هل هو من هذا الطرف أو من هذا الطرف مثلما في المستخرجة لابن القاسم في ارض ادعاها رجلان كل واحد منهما يدعيها لنفسه، فيأخذ أحدهما فيزرع فيها فُولًا، ثم بعد حين أتى خصمه فزرع فيها قمحا، فأبطل بذلك ما زرعه الأول من القول، فحكم فيها بعد ذلك
للأوّل الذي زرعها فولا، فقال اين القاسم: يبقى القمح المبذور لزراعه، ويؤدي الكراء إذا كان الإبّان لم يذهب، ويغرم لصاحب القول ما اتلفه عليه وأبطله من القول، قيمتَه على الرَّجاء والخوف أن لا يسلم.
ولو توجّه الحكم بهذه الأرض للآخر النبي زرعها قمحا كان عليه قيمة القول على الرَّجاء والخوف ويخفف عنه في التقويم.
ويشير بالتخفيف في التقويم إلى أن صاحب القول 1 ولو مُكِّن من إيقافه 2 فسلم، لوجب عليه الكراء لمن حكم له بها وقد زرع فيها قمحا.
وكان بعض أشياخي رأى أن هذا الذي قاله إنما بناه على أحد القولين في أن الاختلاف ما بين الخصمين بشبهة 3، واحد الخصمين إذا زرع مع اعتقاده أنه ادعى باطلا، وحُكم له بغير حق، فإن هذه شبهة تُلحقه بحكم من اشترى ارضا فزرعها.
وأما على القولين 4 بأن الاختلاف ليس يشيهة، وأنه يجري مجرى الغصب حكمُ من زرع منهما، وقد توجه الحكم لخصمه حكم الغاصب إذا زرع، وقد بينّا حكم الغاصب إذا زرع فأتى مستحقُّ فاستحق الأرض.
وعندي أن هذا الذي وقع لابن القاسم يجري على أمر مختلَف فيه، هو أولى مما قاله شيخنا.
وهو أن المذهب على قولين في المترّقبات وإذا وقعت، هل تعدّ كأنها إنما حصلت 5 اليومَ وقوعها، أو تقدّر أنها لم تزل حاصلةً.
وقد تكرر هذا وبيّناه في كتاب البيوع.
ولو لم يكن منه إلا ما في كتاب العتق من المدونة فيمن اعتق عبده بحضرة شهود، وجحد العتقَ، ثم استعمله.
ذلك تقدم بيانه.
ومما يلحق بهذا ما ذكره عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد في
شريكين، في أرض، وهي مما ينقسم، فبنى فيها بناء، فقال ابن القاسم فإن وقع النصف الذي وقع بالقسمة للباني [بغير البناء] 1 وإن وقع في نصيب شريكه كان له أخذه بالقيمة، على ما تقدم في المشتبري إذ ابن ي أو غرس فاستُحِق ما في يده.
وقد بيّناه.
ولو كانت الأرض مما لا ينقسم ويجب بيعها جملةً، لكان الثمن إذا بيعت به ينظر فيه: ما زاد البناء على قيمته براحا، فيكون الباني كما قيل في مركب بين شريكين أصلحه أحدهما فإنه إذا بيع كان لمن أصلحه ما زاد في ثمن الإصلاح.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
كان الترتيب عندنا يقتضي أن نؤخر الكلام على هذه المسألة إلى كلامنا على من اشترى أمة فاستولدها فصار لها بالالستيلاد حرمة، ولكن قدمنا الكلام على هذه المسألة ها هنا باتصالها بأحكام الأبنية.
واعلم أن من بني داره مسجدًا فأتى من استحق الدار فإنه باستحقاقها لما صار مستحقا لإزالة ما بني فيها، أو يتملكّه إن كان مما يُتملكّ، على ما تقدم تفصيل القول فيه.
فقال ابن القاسم في المدونة، فيمن بني داره مسجدًا، فأتى من استحق الدار: إن المسجد يهدم.
وأطلق القول في ذلك، ولم يفرق فيه بين كون الباني للمسجد بناه وهو غاصب للأرض، أو مشتر لها.
وتأول هذا الإطلاق سحنون على أن محمله على كون الباني غاصبا للأرض.
وأما لو كان بوجه شبهة كالمشتري للأرض بني فيها مسجدًا، فإن الحكم عند سحنون أن يعطي مستحقُّ الأرض بَانِيَ المسجد قيمَة بنائه قائمًا.
فإن أبى أعطاه الباني قيمة الأرض.
فإن أبى كانا شريكين، على حسب ما تقدم بيانه
في حكم من بني بوجه شبهة.
وعارضه ابن عبدوس في هذا الجواب لكونه يقتضي إبطال التحبيس.
فانفصل له عن ذلك بأنه إذا أخذ قيمه البناء صرفه في حبس مثله.
ومذهب بعض أشياخي أن المذهب على قولين في كون البناء للمسجد وقع بوجه شبهة: فسحنون يجري حكم مالًا حرمة له من الأبنية، ويمكنّ 1 المستحق من أن يعطي قيمة البناء قائما.
وظاهر إطلاق قول ابن القاسم أنه يهدم، ولو كان البناء بوجه شبهة، لأنه 2 يفصل في جوابه.
وأيضًا فإن سحنون وافقه على أن الباني لو كان غاصبا للأرض لهُدِم المسجد عليه، والحكم في الغاصب، إذ ابن ي مالًا حرمة له، تمكينُه من تكليف الغاصب قلع بنائه، وإعطائه قيمة النقض بعد أن يحط أجر القلع، كما قدمناه في البناء الذي لا حرمة له.
فإذا وافق سحنون ابنَ القاسم في افتراق الحكم في بناء الغاصب مالًا حرمة له، وماله حرمة فلم يفكهت المستحق من إعطاء قيمة النقض للغاصب، ومكنه من ذلك إذا كان البناء لا حرمة له، فكذلك ينبغي أن يفرِّق الحكم فيمن بني بوجه شبهة بين أن يبني مالًا حرمة له أو يبني ماله حرمة.
واعلم أن مثار الخلاف في هذه المسألة تزاحُمُ حقيْن فيها: أحدهما حق الله سبحانه، وهو المنع من إبطال الاحباس وتملِكُّها، والثاني حق المخلوق، وهو الباني، في أن لا يُبِطل عليه ملكَه، ويُفسِد بناءَه، فتذهب نفقته باطلا، فأي الحقين يقدم؟
قدّم ابن القاسم حق الله سبحانه في أن لا تُغيَّر الاحباس ولا تُتَملك، فأمر بهدْمها, ولم يلتفت إلى ابطال حق الباني في البناء.
وغلب سحنون حق الباني، فلم يتلفْ عليه ما انفق، وجعل له أخْذَ قيمة
بنائه قائمًا.
ولكن هذه العلة قد تُنقَض عليه بموافقة ابن القاسم إذا كان غاصبا للأرض، بأن بناءهَ يُهدم ويُعطى نقضَه يبني به مسجدًا آخرَ.
وفي ذلك أيضًا إبطالٌ لحق المستِحق للأرض, لأنه إذا مُكِّن من اعطائه قيمة النقض، بقي النقض مبنيا له.
(لكن هذا الحق الذي صورناه له ليس له فيه إيطال ما أنفقه، وإنما فيه حِرْمانه أخذَ بنائه، وتلفيق فعله غيره، وشتان بين اتلاف ملك محقق وبين منع إنسان من أن يأخذ ملكا من يد غيره لم يسبق له فيه ملك.
فهذا العذر عنه عندي في تفرقته بين كون البناء الذي يحترم بناؤه بَناهُ غاصب، ولو بناه من له شبهة في البناء.
(وبعض أشياخي يشير إلى هذا الخلاف في بناء يصح الانتفاع به ويبعد وهو على صورته، وأمّا مالًا يحل الانتفاع به وهو على الشكل الذي هو عليه 1).
وإذا قلنا: يهدم هذا المسجد، فإن انقاضه تنقض 2 فيبنى بها مسجد يقرب من المسجد المهدوم.
وإن تعذر بناء المسجد بذلك البلد، فقال بعض الأشياخ ينُقل إلى مكان أخر وتؤدَّى أجْرة نقله منه، ويبنَي هناك بالانقاض مسجدًا.
وهذا مما ينظر فيه لأن المحبِّس قد يكون له عوض 3 في بناء المسجد في بلده، فإذا نُقِل خولف غرضه فيه، فينظر هل تُرَمّ به مساجد في البلد بعينه أم لا فيكون ذلك أقرب إلى قصد المحبس.
وسنتكلم على هذا الأصل في كتاب الحبس، إن شاء الله تعالى، فإن فيه اضطرابا في المذهب.
هذا حكم البناء المحترم في أرض غير محترمة.
وأما حكم البناء الغير المحترم في أرض محترمة، فإن سحنونًا قال، فيمن
بني في أرض ثبت بعد ذلك أنها حبس: إن بناءه يهدم.
قال ابن عبدوس: قلت: كيف يهدم عليه بناؤه، وقد بناه بوجه شبهة؟ قال: من يعطيه قيمته؟.
قال: فقلت له: يكونان شريكين في الأرض والبناء.
فأنكر ذلك.
فقال من حضر: يكون ذلك بيعًا للحبس.
وسحنون يسمع فلم ينكر ذلك.
فقال: فقلت له: يعطَى المحبِّس قيمة البناء.
فلم ير ذلك.
فاعلم أن الأصل الذي نبهنا عليه في تزاحم الحقوق يجري ها هنا، أما الشركة أو إعطاء الباني قيمةَ الأرض المحبسة، فإن ذلك إبطال للحبس، وبيع له، نهى الله سبحانه ألاّ 1 تباع الأحباس.
وأما هدم البناء، ففيه إفساد المال على الباني، وله حق في ألاّ يَفْسُد ماله، كما قدمناه، فيمن بني داره مسجدًا.
لكن هناك مالك الأرض يصحّ أن يمكن من دفع قيمة البناء، وها هنا ليس يوجد مالك الأرض المحبسة فيؤمر بإعطاء قيمة البناء، (فالثمن من اعطاه قيمة البناء وتعذر ذلك) 2، فافترق الجواب في السؤالين عند سحنون.
وأما منع سحنون في هذه المسألة من تمكين المحبِّس من اعطاء قيمة البناء، فإنْ كان مراده أنه يعطي ذلك ليتملك ويبقيه في الأرض المحبسة، فإن ذلك تغير 3 للحبس، وقد يكون الحبس وقع لغرض منفعة يُبطلها البناء في الحبمس، مع كونه إذا أبقاه على ملكه تملَّك بعض أجزاء أرض الحبس، وإن أزاد أن يُلحقه بالحبس اعتبر فيه ما ذكرناه من تغيير المقصود بالحبس والمنفعةِ التي حُبِّس عليها.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
امّا من اغتلّ، وهو مشتر قد دفع ثمنا فيما اشترى، فقد تقدم أن الغلآتِ له إلى يوم الاستحقاق، على ما فصلناه هناك.
وأما من بيده الربّاع، ولكن لم يؤدِّ عنها عوضًا، كوارث ورث أرضًا عن أخيه، فأكراها، فأتى ولد الميت فاستحق
جميعها، 1 وأتى أخ فاستحق مشاركة هذا الأخ في ميراثهما فإن الغلّة تؤخذ جميعُها من يد مكتريها إن أتى مَن يحجُبُه عن الميراث، أو يؤخذ نصيب القادم إليه من الميراث، وهذا إذا أكرى بالقيمة.
وأمّا إن حابي في الكراء فهو واهبٌ لمَا حطَّ من قيمة الكراء، فلا تلزم هذه الهبة القادمَ الذي إستحق جميع هذه الأرض، أو استحق بعضَها، إذ ليس للإنسان ان يَهَب مال غيره، ولكن ينظر فيمن يُرجَع عليه بهذه الهبة، الثي هي المحاباة، هل الوارث الواهب (1) والمكتري المنتفع بالأرض والدار؟
وأما الرجوع على المكتري إذا كان الوارث الذي اكترى منه وحاباه معسرا فلم يختلف القول عندنا أنه يرجع عليه بهذه المحاباة, لأنه قد أنتفع بمال الوارث القادم بغير عوض بَذَلَهُ في مقدار ما حاباه الوارث الذي أكرى منه، ومن انتفع بمال غيره بذِر عوض من غير أن يأْذَن له المالك في الانتفاع به، فإنه يغرم للمالك قيمته ما انتفع به.
وأما إن كان الوارث الذي أكرى هذه الأرض موسرًا ففيه قولان: أحدهما انه يرجِع الوارث القادم على أخيه الذي أكرى نصيبه يغير إذنه.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة وقال غيره: لا يرجع الوارث القادم على الوارث الذي أكرى وإن كان موسرا.
واعلم أن من أتلف مال غيره تعديا وظلمًا، فإنه يطالب به بغير خلاف.
وإن أتلفه خطأ وبوجه شبهة، وهو مأذون له في التصرف إذنا خاصا، فإن فيه قولين: هل يضمنه أم لا؟
إذا كان لم ينتفع بإتلافه فإنه يرجع عليه بعوض ما أتلف.
وتفصيل ذلك أن الغاصب إذا وهب لرجل ما غصبه، والموهوب له غير عالم بالغصب، فانتفع به الموهوب له معتقدًا انه لاعوض عليه فيه، فأتى من
استحق، فإن فيه ثلاثة أقوال:
احدها أن المستحق يبدأ في الغرامة بالموهوب له المنتفعِ بهذا المال، وإن لم يوجد عنده مال رجع على الواهب 1 والقول الثالث ان المستحق بالخيار بين أن يبدأ بغرامة الواهب أو بغرامة المنتفع الموهوب له.
وسبب الاختلاف أن ها هنا إتلافين:
أحدهما: بالتسليط والتمكين في مال الغير، وهكذا فَعَل الغاصب فيما غصبه ثم وهب, لأنه سلّط الموهوبَ له على إتلاف هذا المال ودَفَعه إليه ليُتلفه.
والثاني: أن الموهوب له باشر الإتلاف والمباشرة للاتلاف هي الأصل في غرامة الاعواض
وأما الأسباب المؤدية إلى الإتلاف من غير أن تكون مباشرة للإتلاف، ها هنا يَضطرب العلماء، وينظر المحققون فيما صار كإتلاف من الأسباب فيُلحقونه بحكم الإتلاف، وما بَعُد من ذلك حتى كأنه لم يكن سببًا في الإتلاف لم يُجروا عليه حكم مباشرة الإتلاف.
وهاهنا إتلافان: أحدهما من الغاصب بالتسليط والتمكين، والتسليط سبب يزاحم الإتلافَ مباشرةً.
وإتلاف الموهوب له، وإن كان مباشرة، فإنه مخطى في الإتلاف معتقدًا أنه أتلف مالًا عِوَضَ يلزمهْ فيه، والغاصب سبب الإتلاف، وهو وإن لم يكن باشَرَهُ فإنه يعلم أنه متعدٍّ في ذلك، فاعلٌ مالاَ يحلّ له، وإن لم يكن مباشرًا على مباشرة إتلاف يحلّ، والحرامُ يرجَّح على الحل الذي وجوب الغرامة.
أو ترجح المباشرة للإتلاف، وإن كانت حلالًا في الظاهر، على سبب الإتلاف.
وإن كان حرامًا.
ها هنا وقع الاختلاف في أي الأمرين أرجح؟ فمن حكم ببداية غرامة الغاصب الواهبِ رتجح جانبَه في الغرامة بكونه فَعَل مالًا يحل
له.
ومن رجّح في الغرامة جانب الموهوب له رجحها بالمباشرة، فلهذا حكم ببدايته في الغرامة.
ومَن ساوى بين الترجيحين خيّر صاحبَ المال فيمن يبدأ بغرامته، هل الواهب الغاصب أو الموهوب له؟ هذ حكم هبة الغاصب.
وأما هبة من وهب بوجه شبهة، فالأشهر من المذهب أنه لا غرامة عليه.
وذهب ابن القاسم إلى الحكم بغرامته، كما حكيناه عنه ها هنا في الوارث إذا أكرى محابيا في الكراء.
وهذا أصل مقرّر في المذهب أن.
متلِف الشيء إذا انتفع به غرم عوضَه وإن كان بوجه شبهة في يديه.
وإن لم ينتفع بإتلافه، وقد أتلفه خطأ، ففيه قولان، ألا ترى ان من اشترى طعامًا فأتلفه، ثم أتى مستحقه، فإن مشتريه الذي أكله يغرمه له.
ولو اشترى عبدا فقتله عمدًا، ثم أتى مستحقه، فإنه يغرمه له أيضًا لأن تعمُّدَ القتل لا يحِل، فضمِن وإن لم ينتفعْ، لأجل تعديه وظلمه، فإنْ قتلَه خطأً ففيه قولان: تضمينه، وإن لم ينتفع بذلك، لكون الخطأ والعمد في اموال الناس سواء، أوْ لاَ يضمنه لإذْن الشرع في التصرف له خاصّا.
وهذا التأصيل الذي أصلناه يجب أن يستوي حكم المشتري إذا وهب ما اشتراه فأتلفه الموهوب له، وحكم الوارث إذا وهب ما ورثه, لأن الأصل الذي رددنا هذا الفرع إليه يستوي فيه (من وهب في يديه بوجه شبهة كان الذي في يديه كالمشتري، أو بغير عوض) 1. على أن بعض المتأخرين حاول الفرق بين هبة من كان في يديه الشيء الموهوب بعوض أو بغير عوض، فقال: أما إذا كان في يديه بعوض فيحسن ألا يغرم ما وُهب، وإن كان في يديه بغير عوض فإنه يحْسن أن يغرم, لأن الوارث الذي في يديه المال بغير عوض إذا وهبه لغيره اتُّهِم في أن يكون عَلِم أن يكون شاركَه وارثٌ آخُر، فكتم ذلك وأخفاه، وعقد هذا على الموهوب له بمال غيره، والمشتري يبعد هذه التهمة فيه لأنه أدى ثمن ما وهب، فلا يتهم في أن يتلف مال نفسه بالهبة.
ومن سلك هذه الطريقة تأوّل ما وقع لابن القاسم في المدونة في الوارث إذا أكرى وحابى فقَدِم أخوه، فإنه إنما قال ابن القاسم: يرجع على أخيه بالمحاباة, لأنه لم يُرد فيما وهب عوضا، فتصورت منه، بما ذكرناه، التهمة.
فعلى هذه الطريقة ترتفع في هبة المشتري, ويكون الحكم فيها ألاّ يغرِم المشتري ما وهب.
ومن الأشياخ من حاول أن يرفع الخلاف في المشتري من طريقة اخرى، فيحْمل قوله في المدوتة: إن الأخ القادم يرجع على أخيه بالمحاباة، على أن الأخ الذي اكترى علم أن للميت أخا آخر، وهو إذا كان عالماً صار غاصبا، والغاصب يغرم، وإنما اختلف في البداية 1 أو بالموهوب له، كما قدمناه، ويرى أن قوله في المدونة: يرجع على أخيه بالكراء، علم أو لم يعلم، ثم قال: فإن حايى في الكراء رجع على أخيه.
فإنما هذا الكلام مستأنف معناه إذا كان الأخ عالماً.
وكان شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، رحمه الله يرى أن في هذا الكلام احتمالا، كما أشار إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، ولكن الظاهر عند شيخنا أن هذا الكلام، وهو قوله "وإن حابى" معطوف على ما تقدم.
وقد تقدم قوله:
سواء علم الأخ أو لم يعلم.
ويعتضد من تأول عن ابن القاسم أن مراده بإطلاق القول في الرجوع على أخيه إذا حابى كونُ الأخ عالماً، فإنه قال في المدونة: إذا اشترى دارا فأكراها فهدمها المكتري فترك 2 له مشتريها الذي أكراها قيمة الهدم، فإن مستحقها إذا قدم لا يرجع على الواهب، ويرجع على المكتري بما وهبه من قيمة الهدم.
فأسقط هاهنا الرجوع بالهبة لما كان الواهب وهب بوجه شبهة.
وهذا الاستدلال ممن استدل به غير صحيح, لأن المشتري لم يسلّط
المكتري على هدم الدار، ولا أمره بذلك، ولا أمكنه منه، وإنما وجبت على المكتري الهادم قيمة الهدم في ذمته، فاعتقد المكتري أنه يستحق ذلك في ذمة الهادم بوجه ما يعتمد أنه يملكة، فإذا كشف الغيب أن غيره هو مالكه لم تلزمه غراهة ما وهب، ولا يلزمه طلبه.
بخلاف الأخ إذا أكرى فحابى فإنه سلط المكتري الساكن على إتلاف المنافع، ومكنه منها بغير عوض، فصار كالمسِلّط على الإتلاف، وقد قدمنا أن المسِلّط على الإتلاف كالمباشر له.
واعلم أن المتأخرين كثر اضطرابهم في ضيط المذهب في هذا فمنهم من يرى أن الخلاف إنما يتصور في هية الغاصب لرجل قَبِل الهبة، ولم يعلم أن واهبها غاصب.
فقيل بغراهة الموهوب له الذي انتفع بالهبة، وقيل: بل المستحق السلعة المغصوبة فيمن 1 يبدَّأ بغرامته.
وإن استغرم الموهوب له المنتفع، ففيه اختلاف أيضًا: هل يرجع بما كرم على الواهب بأنه غرّه أم لا؟ وهذا تقدم مبسوطًا.
وأما الواهب إذا وهب ما يعتقد أنه له، فإنه لا يطلب بغرامة، موسرا كان أو معسرا.
وهؤلاء الاشياخ يشيرون إلى ارتفاع الاختلاف في هذا ولا يفرقون بين الواهب مشتريا أو وارثا.
ومنهم من يرى أن المذهب على قولين في الرجوع على الواهب إذا وهب ما يعتقد أنه ملكه، ولا يفرقون بين كون الواهب مشتريا أو وارثا.
وهذه طريقة الحذاق من الأشياخ بناء منهم على ما عُرف من أصول
المذهب أن المنتفع بوجه شبهة يغرم.
وإذا لم ينتفع وإنما سلط غيره على الانتفاع، أو أخطأ فأتلف ما في يديه بغير انتفاع منه، فإن المذهب على قولين، فيمن اشترى عبدا فقتله عمدًا، فإنه يضمنه, لكونه فعل مالًا يحلّ له، وإن قتله
خطأ ففي تضمينه قولان لأنه أتلف على وجهٍ لا منفعة له فيه، وسواء كان المتلِف مشتريا أو وارثا.
ومنهم من يشير إلى طريقة ثالثة، ويرى أن الواهب إذا كان مشتريا فوهب، فإنه لا يضمن، وإن كان وارثا فإنه يضمن.
ويعتلّ هؤلاء بأن الواهب إذا وهب ما ورثه فإنه يُتَّهم أن يكون علم من شاركه في الميراث، فكتم ذلك، وأظهر أنه أتلف ما وهب غلطا منه، والمشتري يَبْعُد تصور هذه التهمة فيه، لكونه بذل ثمنا فيما وهبه، فلا تتطرق إليه هذه التهمة.
وهذه الطريقة بعيدة عن ظاهر الروايات، ألا ترى أن ابن القاسم قال، فيمن اشترى ثوبا فوهبه لمن لبسه حتى أبلاه: إن الواهب لا يضمن.
وقال في المدونة، في كتاب كراء الدور والأرضين, في الوكيلَ إذا وُكِّل على كراء دار فحابى: إنه يضمن.
وهذا مما غرّ أصحابَ هذه الطريقة، ورأوا أن الفرق بين المسألتين كون المجموعة 1 وقعت في مشترٍ بذل عوضا فوهب، ومسألة كراء الدور والأرضين وقعت في وكيل لم يبذل عوضا.
وقد نص ابن القاسم في المدونة، في كتاب القسم، على فساد هذه الطريقة، فقال، فيمن وُصِّيَ له بثلث دار، فأتى فوجدها قد فاتت في يد الورثة بهدم: إنه لا يضمن الورثة قيمة الهدم، قال: ألا ترى أن مالكا قال، فيمن اشترى دارا فهدمها، ثم أتى مستحقها: أنه ليس له تضمين المشتري قيمة الهدم.
فاستشهد بنص مالك في المشتري على من ملك الشيء بغير عوض.
ولو كانا يفترقان عنده، كما أشار إليه بعض الأشياخ، لم يكن لاستدلاله وجه، ولم يساو بين مسألتين مفترقتين، على رأى هؤلاء المتأخرين الذين أشاروا إلى ما ذكرنا.
وإنما التحقيق ما قدمنا مرارًا من أن الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس سواء، إلا أن يكون المتِلف له إذن خاص فيُخْتلفَ فيه.
وقد ذكرنا مثل هذا في مسائل.
ومما يلحق بهذا حكم اغتلال الوارث لما ورثه، فإنه متى طرأ عليه وارث يستحق جميع ما في يديه، ويحجبه عن الميراث، كولد طرأ على الأخ، أو طرأ عليه وارث فشاركه فيما ورث، كأخ طرأ على أخ، فإنه يطلب القادمُ من قَبضَ الميراثَ واغتله بما اغتل، بخلاف المشتري إذا اغتلّ فإنه لا يردّ الغلة لكونه بذل عوضا فيما اغتله، فلا يجتمع عليه حِرمانُ انتفاعه بالعوض الذي بذل، وحرمانُ الاغتلال، وأيضًا فإنه لو هلك ما اشتراه في يديه لم يرجع بالثمن، وكان ضمان الثمن منه.
وقد قال عليه السلام: "الخراج بالضمان" 1 والوارث لم يبذل شيئًا، فيكون ضمانه منه، ولا حَرَمَ التَّجْرَ بثمن يحَسُن أن يرجع بالغلة.
وكذلك الحكم في هذا الوارث لو لم يغتل، ولكنه لو سكن أو زرع، فإن للوارث القادم أن يرجع عليه بقيمة ما انتفع به.
هذا هو الأصل في المذهب، وهو الذي قاله ابن كنانة.
لكن ابن القاسم فرّق بين انتفاعه بنفسه، واغتلاله، فقال: يردّ الغلة، ولا يؤدي كراء ما سكن، إذ قد يكون في نصيبه ما يكفي، عن سكنى نصيب أخيه.
فكأنه لم ينتفع بمال أحد ولا هو غاصب له، فإنه لا يغرم عن منافعه عوضا.
وهذا يقتضي انه لو طرأ وارث حجبه حتى لا يرث شيئًا، فإن للوارث القادم أن يطلبه بقيمة ما انتفع به، لارتفاع العِلَّة التي ذكر ابن القاسم من كون 2 إذا شاركه في الميراث فإنه يمكن أن يكتفي بمقدار نصيبه الذي ورث.
والجواب عن السؤال التاسع 3 أن يقال: إذا اشترى دارا فأكراها فأتى مستحق فاستحقها فله فسخ العقد فيما لم يَفتْ من المدة، وكراؤه لمن اشترى الدار فأكراها، كما تقدبم بيانه، 4 لو كان
الذي اكراها شرط نقد جميع الكراء حين العقد، فلما جاز 1 المستحق ما فعله المكتري من عقد الكراء بالنقد قال المكتري: إنى أتخوف ميت المستحق، أن يَبطُل الكراء بما يطرأ على الدار، ولا نجده 2 عند المستحق مالًا أرجع فيه، فلا أقبل منه إجازته الكراء، فإن في المدونة: لا مقال له إذا كان المستحق مأمونا ولادين عليه، وإن لم يكتب مأمونا أو عليه دين كان من حىّ المكتري أن يسترد النقد، ويقال للمستحق: تجيز العقد على أنَك 3 تنتقد ما انتقده المكري وإنما تأْخُذُ بحساب ما سكن المكتري أوْ تفسخ الكراءَ.
وقد تعقب الأشياخ ها هنا كون المستحق عليه دين, لأنه لو فُلّس، وأحاطت الديون بما في يديه، كان الساكن أحقّ بسكنى الدار من سائر غرماء المستحق فلا يلحق الساكنَ ضرر لكون المستحق مديانا.
وأما التعليل يكون الدار مخوفة فإنه لا يجوز اشتراط النقد في الدار التي يُخاف سقوطها، وبطلان عقد الكراء فيها، كما لا يجوز كراء أرض غير مأمونة ويشتوط النقد فيها، على ما سيرد بيانه في كتاب الدور والأرضين، إن شاء الله.
لكن لو كان النقد تطوَّعا من المكتري، وأراد بهذا التطوع مكارمة الذي أكرى الدار منه، لم يلزمه أن ينقد هذا الكراء للمستِحقّ إذا كان المستحق غيرَ مأمون على صفة ما ذكرنا، كمن وهب هبة أراد بها عين الموهوب له، فلم يقبضها حتى مات، فإنها لا تورث عنه.
ولو أراد هذا المكتري بتطوعه بالنقد، بعد صحة العقد، ابراءَ ذمته من الكراء، (أو لم يؤدّ عين) 4 الذي أكرى له الدار لكان من حق المستحق أخذُ الكراء, لأنه تبرأ ذمته أيضًا بقيض المستحق 5 والكراء، فلم يبطل عليه غرض يكون له سببه 6 مقال.
ولو كانت الدار إذا انهدمت بقي من نقْضها ما يَوفّي بالنقد الذي يأخذه المستحق لارتفعت علّة التخوّف منه، وكان من حقه أن يأخذ النقد.
وإذا تقرر أنه بالخيار بين أن يجيز العقد أو يفسخه، فإنه بأن 1 لا يُمضي العقدَ إلا بعد علمه بمقدار ما ينوب ما مضى من شهور السنهّ التي لا حق له في غلتها وما ينوب المشهور التي تبقى من السنة التي يستحق هو غلّتها, لأنه إذا أجاز ذلك صار 2 ملك الفسخ فاستأنف الإجارة بثمن مجهول.
وهذا الأصل مختلف فيه: يمنعه ابن القاسم، ويجيزه غيره.
وكذلك الخلاف في جمع رجلين سلعتيهما في عقد واحد من غير معرفة كل واحد منهما ما ينوبه من الثمن.
وعلى هذا خرج الاشياخ الاختلاف في هذه المسألة من إلاختلاف في جمع السلعتين.
وكان بعض أشياخي يرى أن هذه المسألة ليست كمسألة جمع السلعتين، لأن هذا إذا أجاز عقدَ المُكري، فكأنه صار وكيلا له، والوكيل له أن يبيع بثمن لا يعرف حدَّه الموكِّل، لا سيما علي القول بأن المترقَّبات إذا وقعت فإنه يُقَدَّرُ وقوعها يوم الأسباب التي انقضت أحكامها، وإن تأخرت الأحكام عنها، وقد قدمنا هذا مرارا.
ومما ينخرط في هذا السلك مكتري دار فاستُحقت منها بيت، أو استُحق منها جزء معلوم، كنصفها أو ثلثها مما يلحق المتكرىَ ضررُ باستحقاقه ومشاركته في السكنى، فإن المكرّي إذا كان له الردّ فلا تنبغيّ له الإجازة إلا بعد أن يَعلم مقدار ما يلزمه فيما يستحقُّ، على أحد القولين اللذين ذكرناهما الآن.
وقد وقع في المدونة في هذا السؤال، لغير ابن القاسم أنه لو استُحق نصف الدار أو ثلثها لم يكن للساكن أن يتمسّك بما بقي لأنه يكون تمسَّكَ بمجهول.
وتأول سحنون أن مراد غير ابن القاسم بما قاله كونُ المشهور تختِلف قيمتُها، فلا يتصوّر ما اعتلّ به الغير، إلا أن تكون المشهور تختلف قيمتها.
وأما إذا تساوت قيمتها فلا شك أن ما استحق معلوم، وما بقي من السَّنَة معلوم, لأن من اكترى دارا بعشرة دنانير فاستحق نصفها فإنه معلوم أن ما سكن، وهو نصف السنة، تنوبُه خمسة دنانير، وكذلك تنوب الخمسةُ الباقية، فما اعتل به غيرُ ابن القاسم من الجهالة لا يتصور ها هنا.
وهذا الاستدراك الذي استدركه سحنون على ما قاله غير ابن القاسم تدارك 1 أيضا الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد على تأويل سحنون على أنه سكن بعض السنة، والشهور تختلف، بهذين 2 الشرطين تتصور الجهالة التي أشار إليها غير ابن القاسم.
وأما إذا لم يسكن، والشهور مختلفة، فإنّ اختلافها لا تتصور معه الجهالة, لأنه يبدأ بالنصف، الذي لم يُستحق من أوَّل السنة، فيسكنه إلى آخرها، فلا تصور ها هنا جهالة.
وممّا يلحق بما نحن فيه أن المستحق إذا أجاز العقد، فهل يحلّ محلّ المكتري 3 الذي تولّى العقد أم لا؟ مثالهُ أن يُكري رجل أرضا بِعبدٍ أخذه من المكتري، فأتى مستحق استحق العبد وأخذه من يد مكْري الأرض، فإن الكراء ينفسخ من مكري الأرض ومكتريها, لكون صاحب الأرض إنما رضي بكرائها بعبد بعينه لغرض له فيه، فإذا استِحُق العبد رجع فيما أعطاه عوضا عن العبد، وهي منافع الأرض التي أكراها.
وهذا إذا لم يكن المكتري أفات الأرض بأن زرعها ولا بأَنْ حرثها، فإنه إن كان المكتري زرعها أو حرثها، فإن ذلك فْوت فيما بين المكري والمكتري.
وإنما لمكتري الأرض أن يرجع بقيمة كراء السَّنَة
التي وقع العقد عليها.
وأما إن أتى من استحق العبدَ فلم يأخذْه، وقال: أنا أجيز العقد، وآخذ عوض العبد، وهي منافع العبد، وأحُلّ في ذلك محك مكتريها إذا ارتجعها.
فأما إن وجد المكتري قد زرعها، فذلك فوت، وليس له ارتجاع الأرض، لما يتضمن ارتجاعها من إفساد زراعة المكترى وأما إن وجدها لم يزرعها المكترى، ولكنه قبلها 1 فإن فيه قولين:
أحدهما: إن ذلك فوت أيضًا في حق المستحق، كما كان فوتا فيما بين المكري والمكتريء والقول الثاني: إن ذلك ليس بفوت، وللمستحق أن يعطي الحارثَ قيمةَ حرثه، ويأخذ الأرض.
فإن أبى أعطاه الحارثُ قيمة كراء السنة.
وهذا لأن المستحق لعين الشيء لم يأذن لمن هو في يديه أن يتصرف فيه، ولا سلّطه، على حرثه والتصرف فيه، ولا أذن له في ذلك، فكان من حقه أن لا يُفيت الأرض بحرث لم يَأْذن فيه، ولم يسلط المكتري عليه، بخلاف الحكم بين المكري والمكتري فإن المكريَ قد سلط المكتري على حراثة الأرض والتصرف فيها، فليس له أن يبطل حكم تصّرفٍ أَذِنَ فيه وسلط المتصرف عليه.
وهكذا لو اشترى رجل عبدا فأعتقه، ثم أتى مستحق عيْن العبد، فإن له أن يبطل عتق المشتري لكونه لم يسلط المشتري على التصرف، فكان له ردّ العتق.
ولو أنه أجاز بيع العبد، وأراد أن يأخذ عوضه، وكان عوضه جاريةً أعتقَها من هي في يديه، فهل له أن يرّد عتقها ام لا؟ هذا على القولين المتقدمين: ففي الموازية: يحل محل من استخق عين الجارية، فيرد عتقها.
ولو استولدها من هي من يديه لأخذَها وقيمةَ ولدها.
وخالفه سحنون ورأى أن من أجاز بيع ما استحقه، واراد أن يأخذ عوضه، فوجده في يد مشتريه قد حال سوقُه، فإنه يُمنَع من أخذه.
كما يكون الحكم بين