شرح التلقينصفحات 358-397
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 358-397

أن الصلاة في اللغة الدعاء والإقبال على الشيء.
وهي في الشرع هذه الأفعال المعهودة فقيد بذكر الشرع حتى يعلم أن التقسيم لما أفادته التسمية العرفية خاصة، وأنه من جهة الشرع، انقسمت إلى هذه الخمسة أقسام.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إذا 1 خوطب المسلمون بأمر ما، فلا يخلو ذلك الخطاب من قسمين: أحدهما: أن يكون قيام البعض بذلك الأمر يسقط الطلب عن الباقين.
والثاني: أن يكون لا يسقطه.
فإن كان يسقطه فهو المسمى فرض كفاية.
والمعنى في ذلك أن الشرع اكتفى بقيام البعض عن فعل الآخرين.
وأن الفاعلين كفوا التاركين مؤونة الفعل.
وهذا كخطاب المسلمين بالقضاء والفتيا 2 وتغيير المنكرات.
فإن الخطاب متوجه لكل من يصلح له أو يتأتى منه.
فإذا قام 3 لذلك من أزاح العلة فاذهب المنكر وقضى بين الخصوم وأرشد المستفتين، سقط الفرض عن الباقين.
وإن لم يقم بذلك أحد عصى كل من خوطب به وبقي الفرض متوجهًا على الجميع.
لأن فرض الكفاية متوجه على أصله على الأعيان كما بيناه 4. وإنما يسقط عن بعض، قيام بعض، كما بيناه.
وإن كان قيام البعض لا يسقط الخطاب عن الباقين فهو المسمى فرض أعيان.
والمعنى أن الشرع خاطب به كل عين، ولم يجعل فعل بعض يسقط الفعل عن بعض.
وهذا كالصلاة والصوم وشبه ذلك 5.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: السنة ما رسم ليحتذى به.
فالواجب يسمى سنة على هذا.
وهو طريقة من طرق صاحب الشرع.
وأصل

السنة الطريقة.
لكن غلب على السنة الفقهاء إطلاق هذه التسمية على المراسم التي لا يحرم تركها.
والواجب يحرم تركه.
فلا يطلقون عليه هذه التسمية في غالب محاوراتهم.
وقد ذكرنا في كتاب الطهارة من كتابنا هذا تأويل من تأول قول من قال غسل النجاسة سنة على أنه وجب من جهة السنة.
وكأن هذا خارج عما ذكرنا ها هنا من غالب عادتهم.
وإنما نبهناك عليه لتعرف شذوذه عن عادة الإطلاق عندنا.
وقد يعتاد خلاف هذه العادة آخرون.
ولا وجه للمناقشة في العبارة.
وكذلك أيضًا يطلق الفقهاء لفظة الرغائب.
والواجبات مرغب فيها.
فالاشتقاق يقضي بكونها من الرغائب.
لكنهم لا يختلفون في الامتناع من إيقاع هذه التسمية على الواجبات.
وأما النافلة فهي الزيادة وسميت بعض المندوبات نوافل، لكونها زيادة على الفرض.
وأصل الاشتقاق يقتضي إطلاق التسمية على سائر المندوبات لكون جميعها زيادة على الفرض.
لكنهم لم يستعملوها أيضًا في الجميع.
وكذلك قولهم فضيلة إنما يطلقونها على البعض من المندوبات.
وإن كان أخذًا 1 من الفضل 2 فالواجب فيه فضل.
وإن كان آخذًا من الفضلة 3 فالمندوبات كلها كالفضلة مع الواجبات.
هذا اشتقاق هذه التسميات وإجراؤها على حكم الاشتقاق.
ولكنهم اصطلحوا على قصرها على معاني ليتميز كل نوع من صاحبه بمجرد النطق بتسميته.
فسموا كل من علا قدره في الشرع من المندوبات.
وأكد الشرع أمره وحده وقدره، وأشاده وأشهره سنة كالعيدين والاستسقاء.
وسموا ما كان من الطرف الآخر بالعكس من هذا، نافلة.
وسموا ما توسط بين هذين الطرفين فضيلة.
هذا سر القوم في إطلاق هذه التسميات، وهي مما يكثر جريانها على ألسنة أهل الشرع.
وعليها يبنى ما نتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله.
فيجب الوقوف على حقيقتها.

قال القاضي رحمه الله تعالى: فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس التي هي الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، والفجر.
ووجوب الجمعة داخل في وجوب الظهر؛ لأنها بدل منها.
إذ لا يجتمع وجوبهما لأنهما يتعاقبان.
والفرض على الكفاية، الصلاة على الجنازة.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان.
منها أن يقال: 1 - ما معنى قوله في الجمعة أنها بدل من الظهر إذ لا يجتمعان في الوجوب بل يتعاقبان؟.
2 - ولم قال إن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في صلاة الجمعة هل هي صلاة الظهر مقصورة أو صلاة غيرها؟ واختلف الناس أيضًا في زوال الشمس يوم الجمعة هل هو سبب في 1 وجوب الظهر وصلاة الجمعة جميعًا أم هو سبب في وجوب 2 صلاة الجمعة خاصة لمن كان من أهلها؟ ومذهبنا ما أشار إليه القاضي أبو محمَّد من أنهما لا يجتمعان في الوجوب.
والواجب عندنا صلاة الجمعة لا الظهر.
والأولى تأخير الكلام على هذا إلى باب صلاة الجمعة فسنتكلم فيه 3 إن شاء الله على حقيقة هذا الاختلاف وفائدته، ونوضح الحق فيه.
وقد مضى لنا القول في تسمية القاضي أبي محمَّد التيمم بدلًا.
وتعقب من تعقب عليه ذلك بأن البدل ما جاز فعله مع التمكن من المبدل منه.
ولا شك أن المتعقب عليه ذلك، يتعقب عليه تسمية صلاة الجمعة بدلًا عن 4 الظهر.
وقوإنفصلنا هنالك عن هذا التعقب.
وقد أشار القاضي أبو محمَّد ها هنا إلى معنى مراده بالبدلية.
وأنه أراد بها ما حصل بين هاتين الصلاتين من التعاقب.
لأن من خوطب بالجمعة سقط عنه الخطاب بالظهر.
ومن خوطب بالظهر سقط عنه

الخطاب بالجمعة.
فكأن كل واحدة منهما تنوب عن صاحبتها إذا سقطت.
وهذه المعاقبة والتعاقب معنى معقول عند أهل العلوم 1 يستعمله المتكلمون والنحاة وأهل العروض.
ومراد جميعهم به نحو مما قلناه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما قوله إن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فهو أحد القولين عندنا وقدمنا معنى فرض الكفاية.
وفي المذهب قول آخر إنها سنة.
ويحتج من قال بأنها فرض بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الموتى.
وأفعاله على الوجوب عند بعض أهل الأصول.
إلى غير ذلك مما تأَخُّرُ بسطه إلى كتاب الجنائز أولى وأحق.

قال القاضي رحمه الله: والسنة على ضربين: سنة مبتدأة.
إما لأوقات وإما لأسباب تفعل عندها.
وسنة مشترطة 2 في عبادة غيرها.
فالأول هو السنة المفردة 3 وهي خمس: 1 - صلاة الوتر.
2 - وصلاة العيدين.
3 - وصلاة كسوف الشمس 4. 4 - وصلاة الاستسقاء.
5 - واختلف في ركعتي الفجر.
فقيل إنهما 5 سنة.
وقيل من الرغائب.
والثاني 6 ركعتا الطواف.
والركوع عند الإحرام.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما معنى قوله إما لأوقات وإما لأسباب تفعل عندها؟.
2 - ولم قال: إن هذه الخمس سنن؟.

3 - وما معنى الاختلاف في ركعتي الفجر؟ 1.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما السنن المعلقة بأوقات فصلاة العيدين -والوتر - وركعتا الفجر- إن عدتا في السنن.
وأما السنن المعلقة بأسباب فكصلاة الكسوف والاستسقاء 2. وقد فصل القاضي أبو محمَّد القول في هذا بعد ذلك.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الوتر، فالمشهور عندنا أنها سنة.
وقال أبو حنيفة إنها واجبة.
وليست بفرض بناءً على أصله في أن الواجب غير الفرض.
وقال سحنون يجرح تاركها.
وقال اصبغ يؤدب 3. وحمل بعض شيوخنا المذهب على قولين في إيجابها، تعلقًا بهذا الذي حكيناه عن سحنون واصبغ.
واعتذر بعض الأشياخ عما قاله سحنون، بأنه إنما جرحه بترك الوتر لأن تركها عنوان بسوء حاله، وعلامة على استخفافه بأمور الديانة.
ولم يجرحه بأنه ترك واجبًا.
والتجريح يكون بما يسقط من المروءة.
لأن سقوط المروءة يخرم الثقة بالشاهد.
وهذا الاعتذار يمنع أن يكون سحنون يخالف المذهب ويقول بالإيجاب.
ولا أحفقالهذا الشيخ اعتذارًا عن اصبغ.
والتأديب شديد، والعقوبة إنما تكون على ترك الواجبات.
اللهم إلا أن يكون تركه للوتر، وتكرر 4 ذلك منه يؤذن باستخفافه بأمور الديانة.
فيعاقبه على استخفافه.
فعلى هذا لا يكون يضاف إليه أنه رأي أن أصل الوتر واجب.
وقد قال محمَّد بن خويز منداد من استدام ترك السنن فسق.
فإن تركها أهل بلد، فإن امتنعوا حوربوا.
وقال أيضًا من ترك السنن متهاونًا فسق.
فأما أبو حنيفة فقال بالإيجاب لورود خبر الواحد به.
وخبر الواحد يوجب العمل لا العلم.
وما كان هكذا سماه واجبًا.
ولم يسمه فرضًا.
والخبر الوارد

عنده بذلك قوله: (من لم يوتر فليس منا) 1. وقوله: (إن الله زادكم صلاة وهي الوتر) 2. والزيادة إنما تكون من جنس المزيد عليه.
والمزيد عليه الصلوات الخمس.
وإنما يكون الوتر من جنسها إذا كانت واجبة.
وأما مالك فاستدل على نفي الوجوب بما استدل به عبادة بن الصامت رضي الله هـ تعالى عنه على إنكار قول من قال بالوجوب بقوله عليه الصلاة والسلام: "خمس صلوات كتبهم الله في اليوم والليلة.
فمن وفي بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة" 3 الحديث.
فحصر فرض الصلوات في خمس.
وجعل ثمرة الوفاء بهن دخول الجنة.
ولو كانت صلاة سادسة واجبة لن يصح هذا الحصر.
وقد قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله عن الصلاة فقال: "خمس صلوات.
فقال: هل علي غيرهن؟ فقال: لا.. إلا إن تطوع" 4. وهذا نص في أن لا يجب عليه غيرهن.
وأن ما زاد عليهن تطوع.
وقد قال الأعرابي: لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "أفلح إن صدق".
فوصفه بالفلاح مع إخباره 5 أنه لا يزيد عليهن.
فلو كانت الزيادة واجبة لما وصفه بالفلاح.
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أوتر على الراحلة 6. والفروض لا تجوز على الرواحل.
وهذه أدلة واضحة اقتضت تأويل قوله: من لم يوتر فليس منا.
على أن المراد به المبالغة في تأكد الوتر.
وأنه ليس منا بمعنى أنه غير

جار على طريقتنا في إقامة السنن.
وأما وصفه الوتر بأنه زيادة فلا يقتضي وجوبها.
وإنما سميت النافلة نافلة لأنها زيادة.
ولم يقض هذا الاشتقاق وجوب النوافل.
والكلام على ما سوى الوتر أخرناه لأبوابه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد تقدم البيان على معنى السنة والفضيلة.
وأن قصد الفقهاء باختلاف هذه العبارات اختلاف المراتب في الأجور والتحضيض.
فإذا تقرر هذا فمن عبر عن ركعتي الفجر بأنهما سنة، رأى أنهما بلغا من مراتب الأجور والتحضيض ما يقتضي أن سميا بهذه التسمية.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لهما أحب إلى من الدنيا وما فيها" 1. وهذه مبالغة في تفضيلهما.
ومن لم يصفهما بأنهما سنة أعتقد أنهما ناقصين في التحضيض والمبالغة في التأكيد من بلوغ المرتبة التي تقتضي الوصف بالسنة، وفي هذا كفاية 2. وينبغي أن يتأمل تحرير القاضي أبي محمَّد في عبارته لما ذكر ركوع الحج فقال: ركعتا الطواف والركوع عند الإحرام.
وهذه إشارة منه إلى أنه لم يشتهر في أصل الشرع الاقتصار على ركعتين عند الإحرام كما اشتهر الاقتصار عليهما عقيب الطواف.
فلهذا لم يقل ركعتا 3 الإحرام كما قال ركعتا الطواف.

قال القاضي رحمه الله: والفضيلة.
1 - تحية المسجد.
2 - وصلاة خسوف القمر.
3 - وقيام شهر رمضان.
4 - وقيام الليل.
5 - وسجود القرآن.

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال: 1 - لم قال إن تحية المسجد فضيلة؟.
2 - ولم قال إن صلاة الخسوف فضيلة كذلك؟.
3 - ولم أفرد قيام رمضان عن قيام الليل؟.
4 - ولم قال إن سجود القرآن فضيلة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في تحية المسجد فقال داود بوجوبها.
وقال جمهور الفقهاء بنفي الوجوب.
فتعلق داود في إثبات الوجوب بالحديث الوارد بالأمر بتحية المسجد.
ونفى جمهور العلماء الوجوب بحديث الأعرابي السائل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الصلوات فقال - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات في اليوم والليلة.
قال هل علي غيرهن؟ قال: لا.
إلا إن تطوع" 1. فنفى وجوب ما زاد على الخمس.
وأثبته تطوعًا.
وتحية المسجد زائدة على الخمس.
فوجب أن تكون تطوعًا.
ونحمل الحديث الذي تعلق به داود على الندب لأجل هذا الحديث الذي ذكرناه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما عد صلاة خسوف القمر في الفضائل لقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر خسوف القمر والشمس: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" 2. فأمر بالصلاة عند ذلك.
وذلك يقتضي كونها طاعة فيها فضل.
وتقاصرت عن صلاة كسوف الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالناس في صلاة كسوف الشمس وأظهر الصلاة وأشهرها 3. وذلك يؤذن بعلو مرتبتها في الندب 4. فوصفت بأنها سنة.
ولم يفعل ذلك في صلاة خسوف القمر فلم توصف بأنها سنة على ما أصلناه في حقيقة السنن والفضائل.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد ورد في الشرع التحضيض على قيام الليل.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ 1 قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (1). وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ 2. وقد اشتهر في الشرع فضيلة قيام الليل.
لكن الفصيلة تتفاضل.
فجاء في قيام ليل رمضان ما يدل على علو مرتبته على غيره من الليالي.
فقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" 3. فوعد بغفران الذنوب السالفة بقيام رمضان.
ولم يعد بذلك في غيره من الليالي.
فدل على تأكيد فضله.
وقد جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة 4 على قارئ يصلي بهم التراويح في رمضان.
ولم يجمع الناس في غيره من الليالي.
فدل ذلك على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت ترى لقيام ليالي رمضان مزية على غيرها من الليالي.
فلما علم القاضي أبو محمَّد هذا الذي أشرنا إليه خص قيام رمضان بالذكر فقال: وقيام رمضان.
وقيام الليل ليشعر باختلاف مرتبتهما في الفضل.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في سجود التلاوة.
فذهب أبو حنيفة إلى وجوبه لما ورد في القرآن من الأمر بالسجود فقال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ 5. وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 6. ومدح آخرين فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 7. وفي الحديث الصحيح: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويلتي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
وأمرت بالسجود فأبيت فلي

النار 1. ودليلنا على نفي الوجوب ما روي: أن قارئًا قرأ بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يسجد ولم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - 2 وقال: كنت إمامًا فلو سجدت لسجدت معك.
فلو كان واجبًا لما أقره - صلى الله عليه وسلم - على ترك السجود ولا سوغه ترك ما يأثم بتركه.
وقد قال عمر بن الخطاب على المنبر بحضرة الصحابة: إن الله سبحانه لم يكتبها علينا إلا أن نشاء 3. فصرح بإسقاط الوجوب ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة الحاضرين.
فدل ذلك على أن الوجوب ساقط عندهم.
على طريقة من قال من أهل الأصول: إن القول المنتشر في الصحابة في مسألة من مسائل الاجتهاد، إذا 4 لم يظهر نكيره فإنه يكون كالمذهب ""المجمع عليه.
وما وقع في القرآن محمول على الندب بدليل ما قلناه.
وما وقع فيه من الذم فمحمول على من ترك السجود كفرًا واستكبارًا.
ألا تراه يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ 5. وأما الحديث الذي ذكرناه فإنه أثبت السجدة مأمورًا بها على ما حكاه من قول إبليس.
والمأمور به يكون واجبًا، ويكون ندبًا على مذهب المحققين من أهل الأصول.
وقد عد القاضي أبو محمَّد سجود القرآن في الفضائل.
وحمل بعض الأشياخ على المذهب أنه سنة لإشارة 6 بعض روايات المذهب إلى أنه يسجد بعد صلاة العصر كما يصلي على الجنازة حينئد.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والنافلة ركعتان بعد الظهر وبعد المغرب 7 وقبل العصر ووقت الضحى.
وسائر ما يتنفل به ابتداء غير متعلق بسبب يقتضيه ولا وقت بعينه.

قال الشيخ رضي الله عنه: قد حصرنا القول في حقيقة السنة والنفل والفضل والنافلة.
وحققنا الفرق بين معاني هذه التسميات.
فإذا أحطت علمًا بما قلناه هنالك فلا شك أن كل ما يتطوع به الإنسان من سائر الصلوات الغير مؤقتة، كالوتر وركعتي الفجر والعيدين، ولا متعلقة بسبب كالكسوف، ولا حض الشرع عليها تحضيضه على السنن والفضائل فإنها نافلة.
وإنما خصص القاضي أبو محمَّد ما ذكر من النوافل لاستمرار عمل الناس بها.
ولما وقع في بعض الأحاديث من الترغيب فيها.
فقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من ثابر على اثنتي عشرة ركعة أربع قبل الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.
بني الله له بيتًا في الجنة 1. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة بتفضيل ما سماه من فضل الصلوات النوافل.
وقد أكد بعض أصحابنا أمر الركعتين بعد المغرب حتى جعلهما قريبًا 2 من ركعتي الفجر.

قال القاضي رحمه الله: فإذا ثبت هذا فالصلوات الخمس التي هي فرض على الأعيان.
من جحد وجوبها فهو كافر، ومن تركها أو واحدة منها معترفًا بوجوبها غير جاحد لها، فليس بكافر، ويؤخذ بفعلها ولا يرخص له في تأخيرها عن وقتها.
فإن أتى بها 3 وإلا قتل.
ولها أوقات مختلفة الأحكام منها أوقات لا يجوز تقديمها عليها ولا تأخيرها عنها.
وتنقسم إلى أوقات توسعة وتضييق 4 ومنها ما يتعلق به الفوات ومنها ما لا يتعلق به.
ونحن نبين ذلك إن شاء الله.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما فائدة تقييده بقوله التي هي فرض على الأعيان؟ 2 - وما الدليل على أن من جحد وجوبها كافر؟ 3 - وما الدليل على أن من تركها غير جاحد لها فليس بكافر؟ 4 - وما الدليل على أنه إن لم يفعلها قتل؟ 5 - وما الوقت الذي يقتل إذا أخرها عنه؟

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما قيد بقوله التي هي فرض على الأعيان لأنه ذكر أن الفروض خمس، والسنن خمس.
فلو قال من جحد الصلوات الخمس كان كافرًا.
وقد قدم ذكر خمس صلوات فرائض، وخمس صلوات سنن" لكان الكلام غير محرر.
لأنه قد يظن ظان أنه أراد الخمس السنن.
وأراد كل واحدة من الخمس المذكورة.
فحرر كلامه بأن قال: الخمس التي هي فرض على الأعيان.
فخرجت الخمس صلوات السنن بهذا التقييد عن أن تدخل فيما أخذ في 1 الكلام عليه.
وهذا من حذقه في التأليف.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قد تقرر الإجماع على أن من كذب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أتى به عن الله سبحانه فإنه كافر.
وقد علم ضرورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء عن الله سبحانه بفرض الصلوات الخمس وأنه أوجبها على المسلمين.
فمن قال: إنها ليست بواجبة، فقد كذبه.
ومن كذبه كان كافرًا.
فإن قيل فقد جيء بإيجاب أشياء اختلف فيها الفقهاء ولم يكفر بعضهم بعضًا.
ألا ترى أن أبا حنيفة يقول إنه جاء بإيجاب صلاة الوتر وهو لا يكفر مالكًا والشافعي في إنكار إيجابها.
ويقول مالك أنه جاء بإيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة وهو لا يكفر أبا حنيفة في إنكار وجوبها إلى غير ذلك من المسائل التي يطول تعدادها.
قيل إيجاب هذه الأمور المختلف فيها إنما وجب عند من قال به بأخبار آحاد وردت بذلك.
وأخبار الآحاد لا يعلم صحتهالأولا يقطع على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ما نقل عنه فيها.
فإذا أنكر منكر الوجوب فيمكن أن يكون إنكاره لأنه لم

يسمع الخبر أو سمعه ولم يثبت عنده ثقة ناقله.
أو ثبت 1 عنده ثقته، ولكنه قد روي له ما يخالفه أو ظهر له قياس أبطله عنده، أو تأول لفظة على معنى غير ما تأوله عليه من أوجب.
فإذا أمكن صرف إنكار الوجوب إلى أحد هذه المعاذير، لم يصح القطع على أن المنكر إنما أنكر الوجوب تكذيبًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
كيف وكل واحد من الفقهاء إذا أنكر وجوب شيء مما قلناه صرح مخبرًا عن نفسه أنه إنما أنكر ما أنكره 2 لبعض الوجوه التي ذكرناها.
والصلوات الخمس قد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجبها علمًا ضروريًا، فلا ينصرف القول بأنها غير واجبة إلا إلى تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلهذا كفر من أنكر وجوبها ولم يكفر الفقهاء بعضهم بعضًا فيما اختلفوا في وجوبه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في تكفير من ترك الصلاة مع الاعتراف بوجوبها.
فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه ليس بكافر.
وذهب أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث إلى أنه كافر تعلقًا بالحديث الوارد فيه أن بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة 3. ودليل الجماعة أن الدليل قد قام على أن الإيمان هو العلم بالله وملائكته ورسله والتصديق بذلك.
وهذا من أفعال القلوب، والصلاة من أفعال الجوارح.
فلا يضاد ترك أفعال الجوارح هذه الأفعال التي في القلب.
فإذا لم يكن بينهما تضاد وصح وجود الإيمان في القلب مع ترك الصلاة ولم يقم دليل قاطع على أن ترك الصلاة عَلَمٌ على الانسلاخ من الإيمان" فيثبت الكفر من هذه الجهة.
وهذا دليل واضح في إبطال 4 التكفير بذلك.
وفي الحديث الثابت أن من لم يوف

بالصلاة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة 1. ولو كان كافرًا لما أدخل 2 الجنة للإجماع على أنه لا يدخلها كافر.
ويتأول الحديث الذي تعلق به أحمد على أن القصد به المبالغة.. وأن التهاون بها واستخفاف تركها يقرب من الانسلاخ من الإيمان.
أو يحمله على أن المراد به إن دمه يستباح بترك الصلاة كما يستباح بالكفر.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس فيمن اعترف بوجوب الصلاة ثم تركها هل يقتل أم لا؟ فذهب أبو حنيفة والماتريدي إلى أنه لا يقتل بل يحبس.
وذهب مالك والجمهور من أصحابه 3 إلى قتله إذا امتنع من الصلاة حتى مضى وقتها.
وقال ابن حبيب إنما يقتل إذا امتنع، وقال لا أصلي.
وأما إن قال أصلي ولم يفعل لم يقتل.
والدليل لمالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ 4. فشرط في تخلية السبيل من القتل إقامة الصلاة، فاقتضى ذلك أنه إذا لم يقمها لم يخل سبيله من القتل.
وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم" 5. الحديث.
وهذا مطابق لما تأولناه من القرآن.
لأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه مأمور بالقتال وجعل غاية ارتفاع القتال إقامة الصلاة وما ذكر معها.
وذلك يقتضي أنه لا يعصم دم من لم يقم الصلاة.
وقد تقرر في الشرع أن في 6 ركوب بعض فروع الدين الوارد النهي عن

ارتكابها ما يوجب إراقة الدم كالزنى مع الإحصان.
فوجب أن يكون في تركه ما أمر به من فروع الدين إراقة الدم.
وليس إلا الصلاة.
وقد قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة وقاسها على الصلاة.
ولم يكن جميعهم جاحدًا للوجوب.
ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة لما أظهر وجه الحجة فيه.
وأما أبو حنيفة فإنه تعلق 1 بقوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث 2 ولم يذكر فيها ترك الصلاة.
والجواب عن هذا أنا نثبت زيادة استحلال الدم بخصلة تزيد على الثلاث إذا دل الدليل عليها.
وقد دل الدليل الذي ذكرناه على إراقة دم من لم يصل فوجب الرجوع إليه لأنه اقتضى زيادة على الحديث الذي تعلقوا به.
وما قدمناه من الأدلة يدل على إبطال ما قاله ابن حبيب؛ لأنه لا فرق بين من 3 يقول أصلي ويمتنع من الصلاة، أو يقول لا أصلي ويمتنع.
لأن الترك حاصل في الحالين.
ولا فائدة في قول لم 4 يوف به.
فأما أن يقال إن مجرد الترك كفر يمنع من الموارثة كما قال أحمد بن حنبل.
أو ليس بكفر ولكن يبيح الدم حدًا لا كفرًا 5. كما قال مالك.
أو يقال ليس بكفر ولا يبيح الدم كما قال أبو حنيفة.
فهذه الثلاثة مذاهب قد تقدم توجيهها.
وأما التفرقة بين أن يقول أفعل أو لا أفعل، وهو غير فاعل في الوجهين، فلا معنى لها.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: المعروف من المذهب عندنا أنه لا يقتل حتى يبقى بينه وبين آخر الوقت الضروري مقدار ركعة، فحينئذ إن لم يصل قتل على اختلاف بين أصحابنا.
هل يراعى مقدار ركعة بسجدتيها؟ أو مقدار الركوع من غير سجود؟ فالمشهور مراعاة الركعة بسجدتيها.
ومذهب أشهب أنه يكون مدركًا للصلاة بإدراك مقدار الركوع دون السجود فلا يقتل عنده هذا حتى يبقى مقدار الركوع خاصة.
ولا يعتبر قدر قراءة أم القرآن لأنه قد قيل

عندنا أنها ليست بفرض في كل ركعة.
وقد يعتذر أنه سيقرأها فيما بعد الركعة الأولى فلا يكون تاركًا لها في كل الصلاة.
وعلى هذا لا تراعى الطمأنينة لأنها مختلف في وجوبها عندنا.
وذكر ابن خويز منداد أن المعتبر مقدار أربع ركعات للعصر قبل الغروب مع القول باعتبار الوقت الضروري.
وكان شيخنا أبو محمَّد عبد الحميد رحمه الله يقول: إذا راعينا الخلاف لم يقتل حتى يبقى من آخر الوقت مقدار تكبيرة لقول جماعة من أهل العلم أنه يكون مدركًا لوقت الصلاة بمقدار التكبيرة.
وهذا التحفظ على صيانة الدم، طرف نقيض ما ذكره ابن خويز منداد من أنه إنما يؤخر إلى آخر الوقت الاختياري.
فإن لم يصل قتل.
وهذا القول ليس بشيء إلا أن يركب قائله أن ما بعد الوقت الاختياري ليس بوقت للأداء.
وإنما هو وقت للقضاء.
وأن المؤخر إليه يأثم.
فحينئذ يصح ما قال.
وأما إن سلم أن التأخير عن وقت الاختيار لا إثم فيه، وأنه وقت للأداء، فيكون ما ذكره خطأ صراحًا.
ويلزم عليه أن يقتله إن امتنع من صلاة الظهر بعد الزمن القريب من الزوال.
وهذا لم يقله أحد.
وكيف يصح أن يقال به.
والله سبحانه أجاز له التأخير عن الزوال، حتى قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يتحقق وجوب الصلاة إلا عند آخر وقت الصلاة.
ولا يتحقق الوجوب بأول الوقت.
وهذا واضح لا يفتقر إلى إطناب.
وأما ما ذكره ابن خويز منداد أيضًا من مراعاة أربع ركعات قبل الغروب فقد يتجه إذا أثمنا من أوقع بعض العصر متعمدًا بعد الغروب.
وسنتكلم على تأثيمه في موضعه.
وقد رأيت أصحابنا اختلفوا فيمن عليه قضاء صلوات فوائت فامتنع من قضائها هل يقتل أم لا؟ فقال بعضهم يقتل وكأنه رأى أن الحديث قد اقتضى كون الوقت الذي ذكر فيه الصلاة المنسية كالوقت الأصلي المتعين للأداء.
فإذا دل الدليل على وجوب القتل إذا أخر عن الوقت الأصلي لتعينه للأداء، وجب القتل إذا أخر عن الوقت الذي تعين للقضاء.
وقال بعضهم لا يقتل واعتل بأن قضاء الفوائت مختلف فيه، وإقامة الصلاة التي لم يفت وقتها واجب بإجماع.
فخالف حكمها حكم الفوائت.
وعندي أنه قد يعتل لهذا القول أيضًا بأن قضاء الفوائت لا تجب المبادرة فيه ولا يلزم الفور كما يلزم من ضاق عليه آخر وقت الصلاة.
وقد أجاز مالك رضي الله عنه لمن عليه

فوائت كثيرة أن يقضي منها ما تيسر، ثم ينصرف في أشغاله قبل استكمال قضاء ما عليه.
فأنت تراه كيف سامح في التأخير.
ولا يقال ها هنا إنما سمح به للعذر بالشغل؛ لأن من ضاق وقت الصلاة عليه لا يسامح بالتأخير ولو عنّ له من الشغل ما عنّ.
ولو كان مالك إنما سامح بالتأخير للعجز عن الإتيان بجملة الصلوات الفوائت لأمكن أن ينصب هذا فرقًا بين الحاضرة والفوائت 1. وأما المسامحة في الفوائت لأجل الشغل فلا وجه له إلا ما أشرنا إليه من أن التعجيل لا يجب وجوبه في الصلاة التي لم يذهب وقتها.
ويؤكد هذا الاعتلال أيضًا قولهم فيمن امتنع عن الحج أنه لا يقتل.
وما ذاك إلا لأن له التراخي فيه عند بعض العلماء.
فلما لم يتأكد الفور لم يجب القتل.
وهذا يوضح صحة اعتلالنا لهذا المذهب.

فصل قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: الأوقات وقتان: وقت أداء ووقت قضاء.
فأما القضاء فيذكر فيما بعد.
وأما وقت الإداء فعلى خمسة أضرب: وقت اختيار وفضيلة.
ووقت إباحة وتوسعة.
ووقت عذر ورخصة.
ووقت سنة يأخذ شبهًا من وقت الفضيلة والعذر.
ووقت تضييق عن 2 ضرورة.
وفائدة الفرق بين وقت الاختيار والفضيلة وبين وقت الإباحة والتوسعة، أن وقت الاختيار والفضيلة يتعلق به من الثواب والفضل أكثر مما يتعلق بوقت التوسعة 3 من غير مأثم يلحق بتأخيز العبادة إلى وقت التوسعة.
وذلك كفضيلة أول الوقت على وسطه، وفضيلة وسطه على آخره.
وفائدة الفرق بين وقت العذر والرخصة، وبين وقت الإباحة والتوسعة، أن له تأخير الصلاة عن وقت

الفضيلة إلى وقت الإباحة والتوسعة ابتداء من غير عذر.
لولاه لم يكن له تأخيرها 1، إما حظرًا وإما ندبًا كتأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
وليس كذلك في العذر والرخصة.
لأنه إنما أبيح لوجود العذر أو لتوقعه على طريق الرفق مع صحة أدائه في الوقت المختار وإمكانه كترخيصنا للمسافر إذا أراد الرحيل وخاف أن يجد به السير أن يجمع بين الظهر والعصر عقيب الزوال.
وإذا كان راكبًا أن يؤخر المغرب الميل ونحوه.
وكرخصة الجمع بين الصلاتين في المطر.
وأما الوقت الآخر شبهًا من وقت الفضيلة والعذر فهو وقت سنة وفضيلة يؤتى بها 2 في وقت العذر والرخصة.
وذلك كالجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة لأن هذا في صورة وقت العذر والتوسعة 3. وهو مع ذلك فضيلة وسنة.
وأما وقت التضييق والضرورة فهو تقديم العبادة على الوقت المتعلق بالفضيلة التي لا تجوز قبله لولا الضرورة لم تقدم عليه.
أو تأخيره 4 إلى الوقت الذي يتعقبه الفوات.
ولولا 5 الضرورة لم تؤخر إليه.
وهذا الوقت لخمسة للحائض تطهير.
والمغلوب يفيق.
والكافر يسلم.
والصبي يبلغ.
والمسافر يقدم.
والحاضر يسافر وقد 6 نسي صلاة.
وكل قسم من هذه الأقسام يرد بيانه في موضعه إن شاء الله إلا أن البداية ها هنا بأوقات الوجوب التي يتعلق الأجزاء بها وفي امتدادها وضيقها 7. ثم نعقب ذلك بفروض الصلاة وسننها ثم ما يقتضيه الحال من ترتيب الأبواب 8.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الوقت؟

2 - وما الفرق بين الأداء والقضاء؟ 3 - ولماذا يتعلق الوجوب من آخر الوقت؟ 4 - ولم فضل أوله على وسطه ووسطه على آخره؟ 5 - وما معنى قوله إما حظرًا وإما ندبًا؟ 6 - وما معنى قوله لوجود العذر أو لتوقعه مع صحة أدائه في الوقت المختار وإمكانه؟ 7 - ولم ذكر الفرق في جواز التأخير ومثل في المسافر بالتعجيل؟ وبقية ما يتعلق بالباب من المسائل أخرناه لموضعه لأنه قد قال: إن كل قسم من هذه الأقسام سيرد بيانه في موضعه.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الوقت فإنه يعبر به في عرف التخاطب غالبًا عن حركات الفلك المتضمنة لليل والنهار.
فإذا ظهرت الشمس علينا سمي نهارًا.
وإذا غربت سمي ليلًا.
ولكن الأصل مع هذا أن الوقت لا يتخصص لموجود بعينه، وإنما الأصل في ذلك أن يعرض شيئين 1. أحدهما معلوم ومقرر.
والآخر في حكم المستبهم المستور.
فإذا كان المعلوم منهما متجددًا وقارن تجدده وجود القسم الآخر المستبهم، كان المتجدد المعلوم وقتًا للآخر يذكر ليشعر بمقارنته 2 للمستبهم حالة تجدده.
وبيان ذلك بالمثال: إنك تقول جاء فلان قبل طلوع الشمس.
فلما كان طلوع الشمس أمدًا متجددًا معلومًا وزمن مجيء فلان مجهول، قرن مجيئه بطلوع الشمس لترتفع الجهالة والاستبهام.
وكذلك لو فرضنا أن طلوع الشمس خفي على رجل لقلنا له طلعت الشمس وقت دخول زيد عليك، فيكون وقت 3 دخول زيد وقتًا لطلوع الشمس.
لأن دخوله أمر متجدد معلوم عند هذا، وطلوع الشمس أمر خفي عنه فقرن له بما علم لترتفع الجهالة.
وقد تكون هذه المقارنة في معدوم فتقول:

جئتك عند زوال المطر، ووجدت الحركة عند عدم السكون.
وهذه حقيقة الوقت أصليًا وعرفيًا.
وعلى هذا جرى الأمر في قولنا: وقت صلاة الظهر الزوال.
والصبح طلوع الفجر.
لأن الزوال متجدد معلوم وفعل الصلاة مفتقر إلى زمن، ولكن الزمن في حكم المستبهم، فأزيل الاستبهام بمقارنة الوجوب للزوال.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الأداء فعبارة عن وقوع الفعل مطابقًا للأمر ممتثلًا فيه أمر الآمر.
فوقت الأداء هو الذي يكون الفعل فيه امتثالًا للآمر.
والقضاء عبارة عن إيقاع الفعل بعد تصرم الوقت الذي يكون بالفعل فيه ممتثلًا، كمصلي الصبح ما بين الفجر وطلوع الشمس.
فلما كان الأمر ورد بصلاتها حينئذ كان فعلها إذ ذاك امتثالًا.
وكان فعلها بعد طلوع الشمس قضاء.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في العبادة المؤقتة بوقت يمكن إيقاعها في بعضه، بماذا يتعلق الوجوب من الوقت؟ فمذهب الشافعية بأوله.
ومذهب الحنفية بآخره.
وقال الكرخي بفعل الصلاة، أو بآخره.
وعند جمهور المالكية بجميعه.
وقيل بل يتعلق بزمن واحد يسع فعل العبادة، ولكنه غير معين.
وإنما يتعين إذا أوقع الملكف العبادة فيه.
وقد قال أبو الوليد الباجي إن هذا المذهب هو البخاري على أصول المالكية؛ لأنهم يقولون إن الأمر إذا ورد بالتخيير بين أشياء فالواجب منها واحد غير معين وإنما يذهب إلى وجوب جميعها من أصحابنا ابن خويز منداد.
هذه جملة المذاهب في ذلك.
فإذا قيل بماذا يتعلق الوجوب في وقت صلاة الصبح مثلًا أجريناه على هذه المذاهب، فيكون الوجوب تعلق عند الشافعية بطلوع الفجر.
وعند الحنفية بمقدار ما يسع الصلاة قبل طلوع الشمس وعند المالكية بما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وعلى ما خرجه أبو الوليد بقدر ما يسع الصلاة مما بين هذين الوقتين، ولكنه غير معين.
فأما الشافعية فالرد عليهم يهون وذلك إنا نقول من أخر الصلاة عن طلوع الفجر قليلأهل يكون آثمًا؟ فلا بد من القول إنه لا إثم عليه.
فإذا صح أنه لا إثم

عليه، قيل لهم هل هو ممتثل مؤد للعبادة على حسب ما اقتضاه الأمر أم لا؟ فلا بد من القول إنه ممتثل مؤد للعبادة على حسب الأمر.
فإذا كان مطيعًا لا آثمًا ومؤديًا لا قاضيًا وممتثلًا لا مخالفُ ا. فما معنى إنكار الوجوب في هذه الحال؟ وأي فرق بين هذا الوقت المفروض وبين أول الوقت وكلاهما ممتثل مؤد؟ وإثبات فضيلة لأول الوقت على وسطه لا توجب مخالفة بين أول الوقت ووسطه في الوجوب لما بيناه من اجتماعهما في الامتثال ومطابقة الأمر.
وأما الحنفيون فالرد عليهم لا يهون وذلك أنهم يقولون: حقيقة الواجب ما لا يجوز تركه أو يقولون حقيقة الواجب ما يتعين فعله فإذا كان هذا هكذا وأجمع على أنه يجوز ترك الصلاة لآخر الوقت.
وأن فعلها لا يتعين في أوله ولا في وسطه انحصر الوجوب في آخره.
لأن التأخير عن آخره لا يجوز.
وفعلها حينئذ يتعين.
فإذا كانت حقيقة الوجوب إنما ثبتت في آخر الوقت خاصة اختص بالوجوب وانتفى عن أوله كما قالت الشافعية وعن جميعه كما قالت المالكية، واعلم أن هذا الذي قالوه صعب موقعه.
ولما رأى القاضيان أبو بكر ابن الطيب وأبو محمَّد عبد الوهاب توجه هذا الذي قالوه لم يجدا عنه مخلصًا مع علو قدرهما في هذا العلم إلا بأن أثبتا العزم بدلًا عن تقدمة الصلاة.
ورأيا أن إباحة الترك في أول الوقت لم تكن مطلقًا وإنما كان إلى بدل وهو العزم على أدائها قبل تقضي الوقت.
وجواز ترك الواجب إلى بدل لا يخرج الفعل عن كونه واجبًا.
كما أن ترك المكفر بالإطعام لا يخرج العتق عن كونه واجبًا.
وممن أثبت العزم وتابع القاضيين على إثباته، من 1 أنكر تسميته بدلًا، لكون الإنسان مأمورًا بالعزم على الصلاة إذا خطرت بباله ولم يدخل وقتها.
والصلاة إذا لم يدخل وقتها لم تجب، وإذا لم تجب لم يكن العزم بدلًا عما لا يجب.
وقد اشتد نكير أبي المعالي لإثبات العزم ورأى أنه لم يقم على إثباته دليل وادعى أنه ليس في الأمة من يؤثم من أضرب عن إخطار العزم بباله.
وإن الصلاة قد علم من الشرع تعين وجوبها.
وإثبات العزم مخيرًا بينه وبين الصلاة يخرج الصلاة عن تعين الوجوب.
وأشار إلى أنه إن قيل بتأثيم من مات في وسط الوقت ولم يصل

على ما ذهب إليه بعضهم فإن ذلك يحقق كون الصلاة واجبة وإن لم يثبت العزم بدلا.
لأن حصول التأثيم يثبت للشيء حقيقة الواجب.
ولا استنكار في إثبات واجب مفسح في وقته، ويحصل الإثم بتركه إلى الموت.
فإن لم نقل بالتأثيم فلا وجه لإنكار ما قاله الحنفيون من تعلق الوجوب بآخر الوقت.
هذه طريقة أبي المعالي في هذه المسألة.
واعلم أنه كما أنكر على القاضي أبي بكر إثبات العزم واستبعد أن يكون في العلماء من يؤثم من ترك العزم، فكذلك يجب عليه أن يستبعد ما حكاه عن بعض أصحابه من تأثيم من مات في وسط الوقت ولم يصل.
فإنه لا يظن بأحد من العلماء أيضًا ممن سلف أنه يؤثم من مات بعد الزوال بقليل أو بعد الفجر بقليل لتأخيره الصلاة عن الزوال والفجر.
ولعلنا أن نبسط ما عندنا في ذلك فيما نمليه من أصول الفقه إن شاء الله.
وأمَّا ما قاله أبو الوليد الباجي من أن البخاري على أصول أصحابنا أن الواجب من الوقت ما توقع فيه الصلاة.
وإنما يتعين بفعل المكلف قياسًا على قول أصحابنا في الكفارة عن اليمين بالله سبحانه، فإنه عندي غير مسلم له.
ويجب أن تقدم على التعقب عليه، إن أهل الأصول جعلوا هذه المسألة مسألة اختلاف.
فحكوا عن المعتزلة أنها ترى أن وجوب الخلال الثلاث التي خير بها 1 الحانث وهو مذهب ابن خويز منداد.
وأن الأشعرية وجمهور الفقهاء يرون أن الواجب منها واحد لا بعينه.
ولا يتصور عندي بين القوم اختلاف يرجع إلى معنى.
وإنما تناقش القوم في عبارة فأطلق بعضهم الوجوب على جميعها لما كان كل واحد منها يحل محل الآخر في إبراء الذمة وحصول الامتثال وتعلق الأمر بها 2 تعلقًا متساويًا.
ورأى الآخرون أن الذمة تبرأ بفعل أحدها (2) ولا يأثم بترك ما سواه إجماعًا.
وما لا إثم فيه لا يوسف بالوجوب، فلهذا أنكر هؤلاء إطلاق القول إن جميعها واجب.
فإذا وضح أن القوم مختلفون في عبارة، عدنا إلى ما قاله أبو الوليد، فقلنا لو ترك ما ذكر من الخلاف على ظاهره لم يجب أن تكون مسألة

الوقت مثله 1 لأن الأوقات يعبر بها عن حركات الفلك غالبًا.
وذلك لا يدخل تحت التكليف ولا يوسف بوجوب ولا ندب.
وإنما يوسف بأنه محل للأفعال ومتعلق للأحكام.
والإطعام والإعتاق يدخلان تحت التكليف وهما نفس ما خوطب به المكلف.
فإن كان ترك أحدهما لا يأثم فيه إجماعًا فلا يوصفان جميعًا بالوجوب.
وأمّا الزمن فإن معنى قول أصحابنا إن جميعه متعلق به الوجوب أي محل للفعل المخاطب به.
فأي وقت صلى فيه المكلف فإنه محل الوجوب ومتعلق الخطاب ولا تسقط عنه هذه التسمية بإيقاع الصلاة في غيره 2 لأنها وإن وقعت في غيره فإنه محل لها.
ألا ترى أنهم يقولون الجوهر محل للحركة وإن كان في حين قولهم ساكنًا.
فإن أنكر أبو الوليد تسمية ما لم تفعل فيه الصلاة محلا، قيل له هذه مناقشة في عبارة.
ومراد القوم ما قلنا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اعلم أنا وإن قلنا بأن جميع أجزاء الوقت محل للوجوب ومتساوية في تعلق الخطاب بالإيجاب، فإنا 3 لا ننكر دخول الندب في الواجبات.
لأن الندب، وإن كان مناقضًا للواجب، فإنه إنما يتعلق بصفة أو حال يقع عليها الواجب، وذلك غير مناقض لأصل الوجوب.
ألا ترى أن صلاة الظهر واجبة.
ولما كان فعلها في الجماعة 4 حالًا للصلاة أو صفة لها تعلق الندب بذلك.
وكذلك جميع أجزاء الوقت محل الوجوب 5. ولكن يتعلق الندب ببعضها بمعنى أن الأجر في هذا الواجب إذا فعل في أول الوقت أكثر من الأجر إذا فعل في آخره.
فإذا وضح معنى الفضل ها هنا قلنا: الدليل على ما قاله القاضي أبو محمَّد من تفضيل أول الوقت على وسطه وتفضيل وسطه على آخره.
قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 6. والمراد فعل ما

يوجب المغفرة، والصلاة من أعظم ما يوجبها.
فاقتضى عموم الآية أن المسارعة والمبادرة بها 1 مأمور بها.
وقد قال عمرو: "أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها" 2. وقد ذكرنا عن أبي المعالي أنه حكى عن بعض أصحابه أنه يؤثم من مات في وسط الوقت ولم يصل.
وهذا المذهب لو صح لكان تقدمة أول الوقت معقولٌ معناه لأن المؤخر على غرر وركوب خطر في لحوق التأثيم به.
ومع هذا فإن هذا يفتقر إلى تفصيل فإن الصلوات قد تختلف في ذلك.
ويختلف حال الفذ وحال الجماعة.
ورأينا تأخير الكلام على تفصيل ذلك إلى الفصل الذي يلي هذا.
فإن القاضي أبا محمَّد تعرض فيه بشيء من تفصيل ذلك.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما تشككه في ذلك فإنه إنما أشار به إلى ما سنتكلم عليه إن شاء الله من تأخير الصلاة عن وقت الاختيار.
هل يلحق به الإثم أم لا؟ كمن أخر العصر إلى الاصفرار والمغرب إلى أن غاب الشفق.
فالمسافر إذا أخر الصلاة عن الوقت المختار لأجل العذر بالسفر فإنه لو أخرها إلى ذلك الوقت مختارًا من غير عذر لكان منهيًا عن ذلك.
والنظر في هذا النهي هل هو على الحظر أو الكراهية؟ يرد بيانه فيما بعد إن شاء الله.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: أَمَّا مراده بقوله لوجود العذر في السفر؛ لأن السفر الذي هو عذر أباح التأخير في المغرب على ما قال موجود حين تأخير الصلاة.
وأما قوله لتوقعه، فكجمع المسافر في المنهل لتوقعه أن يجد به السير على ما قال.
والمريض أيضًا يباح له الجمع لتوقعه أن يغلب على عقله.
وأما قوله مع صحة أدائه في الوقت المختار وإمكانه، فإن مراده به أن المسافر وإن أبيح له التأخير لعذر فإنه لو تجشم المشقة وأوقع كل صلاة في

وقتها المختار لكان ذلك سائغًا.
بخلاف وقت 1 السنة فإن الحاج إذا أفاض من عرفة أمر بتأخير المغرب.
ولو أوقعها في الوقت المختار لنهي عن ذلك.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما غرضه بيان كون العذر هو المبيح للخروج عن الوقت المختار إما بالتقديم، أو بالتأخير.
وأنه بذلك فارق 2 حكم الاختيار.
وقد ذكر التأخير بعد ذكره التعجيل فاستوفى النوعين جميعًا.
على أنه قد ذكر في وقت الضرورة تقديم العبادة على الوقت المتعلق بالفضيلة.
وهذا مما يعد عليه تناقض القول فيه.
لأنه عد تعجيل العصر في قسم العذر والرخصة، ثم بعد ذلك في قسم الضرورة، ومزجه بين القسمين في آخر الفصل لما صلح 3 فيه المعنيان.
لأن التعجيل رخصة، سببها 4 ضرورة السفر.
فمزج العبارتين في موضع وأفردهما في القسمين.
وحقيقة المذهب عده في قسم العذر والرخصة.
وأما قسم الضرورة فإنما هو مختص في ضيق الوقت وخوف فواته عندنا.

فصل

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: أما وقت الظهر الذي لا تجب قبله ولا يجوز تقديمها عليه فهو زوال الشمس ومعرفة ذلك في غالب الأحوال هو بأن تقيم عودًا مستويًا فترى ظله 5 أول النهار طويلًا ممتدًا ثم لا يز الذي نقصان مع ارتفاع النهار كلما قرب من الزوال إلى أن ينتهي إلى حد يقف عنده، ثم يعود في الطول فذلك هو الزوال.
قال الإِمام رضي الله هـ تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال:

1 - لم بدأ بالكلام على وقت الظهر؟ 2 - ولم تحرز بقوله ولا يجوز تقديمها؟ 3 - وما الطريق لإثبات الأوقات؟ 4 - وما طريق معرفة الإظلال؟

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما بدأ بالكلام على الظهر دون ما سواها من الصلوات 1 اتباعًا في تعليم الناس تعليم جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإنه لما نزل عليه وصلى به يعلمه الأوقات، بدأ بصلاة الظهر 2. ولهذا سميت الأولى لأنها أول ما بين جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وسميت الظهر مأخوذًا من الظهيرة وهي شدة الحر.
فلما كانت تفعل في شدة حر النهار سميت بهذا الاسم.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما تحرز بقوله لا يجوز تقديمها عليه؛ لأن من العبادات ما يجب عند وقت، ويجزئ تقدمته 3 عليه كتقدمة الزكاة قبل الحول، فإنها تجزئ إذا كان زمن 4 التقدمة يسيرًا عندنا.
وتجزئ وإن كان كثيرًا عند المخالف.
فبين القاضي أبو محمَّد أن الصلاة بخلاف ذلك لا يجوز تقديمها على وقتها.
وأيضًا فقد ذكر في تقدمتها على الزوال عن ابن عباس شيء في ذلك.
فلعله تحرز منه لأنه ذكر وإن لم يثبت.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما الأوقات فقد ورد فيها بيانان.
أحدهما في القرآن والآخر في السنة.
والذي في السنة أوضح وأوعب.
فأما الذي في القرآن فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ 5. فاختلف الناس في المراد بقوله دلوك الشمس.
فذهب بعضهم إلى أن المراد به غروب الشمس.
ومذهبنا أن المراد به زوال الشمس.
ودلوك الشمس ميلها.
فعندنا أنه ميلها عن وسط السماء مغربة.
وعند المخالف أنه

ميلها عن الأفق غاربة.
وقد اختلف المذهب في مقتضى هذه الآية.
فقيل المراد بدلوك الشمس صلاة الظهر.
والمراد بغسق الليل صلاة العتمة التي تفعل في ظلمة الليل، وغسقه.
والمراد بقرآن الفجر صلاة الصبح.
وقيل المراد بدلوك الشمس صلاة الظهر والعصر.
وبغسق الليل المغرب والعشاء.
وبقرآن الفجر صلاة الصبح.
فتضمنت على المذهب الأول ثلاث صلوات، وعلى المذهب الثاني الخمس صلوات 1. وسبب هذا الاختلاف أن تعجيل العصر وتقريبها من الزوال ليس بوقت مختار ولكنه وقت لها عند بعض الأسباب والأعذار.
فهل تحمل الآية على الوقت المختار 2 فلا يشار بالدلوك إلى العصر ولا بالغسق إلى المغرب لأن تأخير المغرب أيضًا إلى الغسق لا يختار.
أو يحمل الدلوك على الظهر والعصر لأنهما يفعلان عند الزوال لأسباب وأعذار، ويحمل الغسق على صلاة المغرب والعشاء لأن المغرب تؤخر إلى الغسق لأسباب وأعذار 3. وعندي أن هذا الاختلاف ربما انبنى على اختلاف أهل الأصول في الأمر هل يتناول المكروه أم لا؟ فمن أهل الأصول من قال لا يصح تناوله المكروه.
ومنهم من قال يصح ذلك.
وبيان تخريج مسألتنا على هذا أن تقريب العصر من الزوال أو تأخير المغرب إلى الغسق مكروه على ما سنذكره.
وقد أمر الله سبحانه بإقامة الصلاة في هذه الأوقات.
فمن جوز تناول الأمر للمكروه ادخل في الدلوك العصر وإن كان فعلها حينئذ مكروهًا.
ومن لم يرد ذلك لم يدخل في الدلوك العصر.
لأن فعلها حينئذ مكروه.
وكذلك القول في المغرب.
وذكر الطبري أن غسق الليل صلاة المغرب 4. فكأنه أمر بإقامة الظهر والعصر إلى المغرب.
وحكى عن بعض الناس أن غسق الليل صلاة العصر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفُ امِنَ اللَّيْلِ﴾ 5. فاختلف

المذهب في مقتضى هذه الآية فقيل مقتضاها ثلاث صلوات.
فطرفا النهار الصبح والمغرب، وإن كانت المغرب تفعل بعد تقضي طرف النهار، فقد سميت ها هنا 1 طرفًا لاتصال فعلها بذهاب الطرف.
وزلفُ امن الليل المراد به صلاة العتمة لأن زلف الليل ساعاته.
وقيل المراد بها أربع صلوات.
فأحد الطرفين الصبح والطرف الآخر الظهر والعصر وزلفُ امن الليل صلاة العتمة.
وقيل المراد بها الخمس صلوات.
وأدخل هؤلاء في قوله زلفا من الليل صلاة المغرب.
والكلام على هذه الآية يضاهي الكلام على الآية الماضية.
لأن تأخير الظهر إلى قرب الغروب مكروه، وتأخير المغرب مكروه فهل يتناول الأمر المكروه أم لا؟ فيه الخلاف المتقدم.
وإنما يبقى النظر بين إثبات العصر طرفًا لأنها تفعل قبل تقضي طرف النهار.
فهي أحق بالطرف.
لكن فعلها حينئذ مكروه.
وإثبات المغرب طرفًا، وإن كانت تفعل بعد تقضي طرف النهار، فهي أحق بالطرف.
لكن فعلها حينئذ مختارًا 2 غير مكروه.
فمن حملها على المغرب رأى أن التجوز أولى من حمل الأمر على المكروه.
ومن حملها على العصر رأى أن تناول الأمر للمكروه أولى من حمله على المجاز.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ 3. فاختلف في هذه الآية أيضًا هل تحمل على الخمس صلوات أو تخرج صلاة العتمة منها فتحمل على أربع صلوات؟ فقوله وحين تظهرون يفيد صلاة الظهر.
وقوله وعشيًا يفيد صلاة العصر.
وقوله وحين تصبحون يفيد صلاة الصبح.
وقوله حين تمسون يفيد صلاة المغرب المفعولة عنوإلامساء.
واختلف هل يتضمن ذلك صلاة العتمة؟ والاختلاف في ذلك جار على ما قدمناه وذلك أن تقريب العشاء من الغروب مكروه وتناول الأمر للمكروه فيه الخلاف الذي قدمناه 4. وأما السنة فحديث ابن عباس في إمامة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت.

قال - صلى الله عليه وسلم -: فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك والعصر حين صار ظل كل شيء مثله، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء حين كتاب الشفق والفجر حين حرم الطعام على الصائم.
فلما كان الغد صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، والعصر حين صار ظل كل شيء مثليه، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء ثلث الليل، والفجر فأسفر 1. وحديث عبد الله بن عمر وابن العاصي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق.
ووقت العشاء الأخيرة ما لم يذهب نصف الليل، ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس.
وقد خرج مسلم هذا الحديث في صحيحه 2 وخرج أيضًا عن أبي موسى الأشعري: قال أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائل فسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا قال فأقام الفجر حين الشفق، والظهر حين زالت الشمس، والعصر والشمس مرتفعة.
والمغرب حين وقعت الشمس.
والعشاء حين غاب الشفق.
ثم أخر الفجر من الغد وانصرف وقائل يقول طلعت الشمس أو كادت.
وأقام الظهر قريبًا من وقت العصر بالأمس.
والعصر انصرف منها والقائل يقول احمرت الشمس، وأخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ثم العشاء حين كان ثلث الليل.
ثم أصبح فدعا السائل فقال الوقت ما بين هذين 3. وخرج مسلم أيضًا عن بريدة مثل هذا 4. فهذا بيان الأوقات في القرآن مجملًا وفي السنة مفصلًا.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: مواقيت هذه الصلوات مختلفة فمنها: ما وكل إلى المشاهدة الذي يستوي في دركها أهل الإبصار، كغروب الشمس وغروب الشفق وطلوع الفجر وطلوع الشمس.
فهذه مواقيت لا تخفى

فيطلب عليها دليل.
ومنها زوال الشمس ومبدؤه لا يدرك بالبصر فجعل عليه دليلًا 1. وكذلك آخر وقت الظهر وآخر وقت العصر إذا حددنا آخر العصر بالقامتين فنصب الفقهاء لمعرفة ما يخفى من ذلك دليلًا وهو اعتبار أخذ الظل في الزيادة بعد تناهي نقصانه على حسب ما فسره القاضي أبو محمَّد.
وبعضهم ينكر ما ذكره ويأمر بأن تدار دوائر، مركز جميعها موضع القائم، حتى يتحصل تناقص الظل وتزايده بتنقله في الدوائر.
ومن الطرائق 2 إلى معرفة هذا الاسطرلاب.
فإن غاية 3 ارتفاع الشمس في كل زمن يعرفه من رصده.
وهو مسطور في كتب أهل الرصد فيرفع الاسطرلاب إلى الشمس.
فإذا خرج شعاع الشمس من أحد ثقبي عضادة الاسطرلاب إلى الثقب الآخر.
نظر إلى ما حاذاه 4 رأس العضادة هل بلغ إلى الدرج الذي تزول الشمس عليه 5 في ذلك الزمن أم لا؛ ثم يعلمون الساعات ومقادير ما مضى من النهار بعمل آخر يعرفه من كشف عنه في أقرب وقت.
ومنهم من يصنع خطوطًا في رخامة ويقسمها أقسامًا ويقيم فيها قائمًا.
فإذا انتهى ظل القائم إلى أحد الأقسام عرف مقدار ما مضى من النهار ومنهم من يعول على حركة الماء فيضع ماء في إناء ويضع أشكالًا تتحرك عند انتهاء الماء إلى حركة مخصوصة فيستدل بحركة ما حركه الماء على مقدار ما مضى من النهار.
وهذه الطرائق كلها مذكررة في كتب المتقدمين.
وذكروا هذه الطريقة الأخيرة لكونها دليلًا عندهم على الوقت في الصحو والغيم.
والطرق المتقدمة إنما تفيد إذا كان نور الشمس ظاهرًا يستدل به على حسب ما ذكرناه.
لكن الفقهاء كلهم إنما يسلكون المسلك الذي ذكره القاضي أبو محمَّد، فهو المتعارف عند أهل الشرع وما سواه أضربوا عنه.
لأن علم الاسطرلاب يدق.
وقد يؤدي النظر فيه إلى النظر في علم التنجيم الذي يكرهه المتشرعون.
وما سواه مما ذكرناه عن المتقدمين عسير مطلبه، صعب

مرامه.
والتعليم الحسن ما اشترك في إدراكه والإحاطة به البليد والفطن.
وإذا امتنع الاستدلال بتزايد الظل لكون الشمس محجوبة بالغيم رجع في ذلك إلى أهل الصناعات فإنهم يعلمون قدر ما مضى لهم من أعمالهم من أول نهارهم إلى زوال الشمس في يوم الصحو فيقيسون يومهم بأمسهم فيعرفون بذلك الوقت.

قال القاضي رحمه الله تعالى: ويستحب تأخيرها في مساجد الجماعات إلى أن يكون الفيء ذراعًا، والإبراد بها في الحر أفضل 1. ثم لا يزال وقتها ممتدًا إلى أن يصير زيادة الظل مثله ويعتبر ذلك من وقت تناهي نقصانه وأخذه في الزيادة لا من أصله.
فإذا بلغ مثله فهو آخر وقت الظهر وهو بعينه أول وقت العصر، يكون 2 وقتًا لهما ممتزجًا بينهما.
فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر واختص الوقت بالعصر، فلا يزال ممتدًا إلى أن يصير الظل 3 مثليه فذلك 4 آخر وقت العصر.
ويستحب في العصر تأخيرها قليلًا في مساجد المجماعات كنحو ما يستحب في الظهر لا زيادة على ذلك.
بل تعجيلها بعد هذا التأخير أفضل، وتأخيرها زيادة على ذلك مكروه.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لم استحب تأخير الظهر في مساجد الجماعات.
2 - وهل الفذ في ذلك كالجماعة؟ 3 - وما معنى تحديده بالذراع؟ 4 - وما منتهى الإبراد؟ 5 - وما الدليل على أن آخر وقتها زيادة الظل 5 مثله؟ 6 - وهل معنى ذلك أن تنقضي الصلاة عند المثل أو تبتدئ عنده؟ 7 - وما الدليل على أن آخر وقت العصر أن يصير الظل مثليه؟

8 - ولم استحب في العصر للجماعة التأخير القليل؟ 9 - وما معنى قوله 1 تأخيره عن ذلك مكروه؟

والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أصل مذهب مالك أن أول الوقت أفضل، وإنما يستحب التأخير لمعنى يقتضيه.
فاختلف الناس في الأفضل من وقت صلاة الظهر.
فعند الشافعي أول الوقت على الإطلاق.
وعند أبي حنيفة آخره.
وعندنا إذا فاء الفيء ذراعًا.
واعلم أنا قد قدمنا ما يدل على فضيلة أول الوقت، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها 2. ولما رأى الشافعي ذلك استحب تعجيل الصلاة أول الوقت على الإطلاق لا سيما وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر عند الزوال 3. ولما رأى مالك رضي الله عنه ما جاء في الشرع من التحضيض على صلاة الجماعة.
وكان أول وقت صلاة الظهر يمر على الناس وهم غير متهيئين للصلاة، أو قائلين إن كان الزمن صيفُ ا، استحسن التأخير عن أوله، ليحصل اجتماع الناس للصلاة.
واعتمد أيضًا على قول عمر رضي الله عنه: صلوا الظهر والفيء ذراع 4. ولما رأى ابن حبيب هذا التعليل قصر استحباب التأخير إلى الذراع على زمن الصيف لانقطاع الناس عن الاجتماع أول الوقت لكونهم قائلين.
واستحسن في الشتاء أول الوقت لعدم العذر القاطع عن الاجتماع.
وخصص قول عمر رضي الله عنه بزمن الصيف خلاف ما صنع مالك من حمله على التعميم في الشتاء والصيف.
وتأول بعض أصحابنا ما في الصحيحين من صلاته صلى الله عليه وسلم الظهر عند الزوال على أن الناس اتفق اجتماعهم 5 في تلك الصلاة التي صلاها بهم عند الزوال.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف أصحابنا في الفذ فذهب بعضهم إلى أن المستحب له التعجيل أول الوقت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها" 1. ولم يعرض في الفذ عارض ينقله إلى استحباب التأخير كما عرض في الجماعة.
وذهب بعضهم إلى أن المستحب له التأخير إلى الذراع لعموم قول عمر رضي الله عنه: صلوا الظهر والفيء ذراع.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما تحديده بالذراع فإنما ذلك لكون الذراع ربع القامة.
وقامة الإنسان مقدار ما بين يديه إذا بسطهما حتى يحاذيا منكبيه.
فلما كان الإنسان قد يعدم شيئًا يقيس به الظل ولا يعدم نفسه فيقيس بها الظل، مثل به.
وإلا فكل شيء أقيم لاعتبار الظل.
فإن الظل إذا زاد قدر ربع طول القائم كان ذلك هو المختار في صلاة الظهر على حسب ما بيناه.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أمّا الإبراد بالظهر فمأمور به لقوله عليه السلام: أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم 2. وأيضًا فإن شدة الحر تقطع عن استيفاء حق الصلاة وتقتضي استعجال المصلي إلى طلب السكون والراحة.
فاستحب ترك إيقاع الصلاة فيه.
ألا ترى أن الشرع جاء بنهي الحاقن عن الصلاة لما كانت الحقنة تمنعه من استيفاء الصلاة.
وهذا التعليل يوجب أن يستوي الفذ والجماعة في الأمر بالإبراد لأن كون الحر قاطعًا عن استيفاء ما يجب للصلاة يستوي فيه الفذ والجماعة 3 فإذا ثبت أن الإبراد مأمور به.
قال ابن حبيب: منتهاه إلى وسط الوقت وبعده بقليل.
وقال بعض الأشياخ يؤخر إلى الذراع لأجل الجماعة وإلى نحو الذراعين لأجل الإبراد.
وقال محمَّد بن عبد الحكم يؤمر بالتأخير 4. ولكن لا يخرج عن الوقت.
فأشار إلى أن الإبراد ينتهي لآخر الوقت.
والأصح عندي مراعاة حال يومه.
فإذا فتر

الحر القاطع عن استيفاء الصلاة، أمر بإيقاع الصلاة حينئذ إذا حان الوقت المختار.
فإن لم يفتر حتى خيف ذوات الوقت لم تؤخر عن الوقت.
فإذا ثبت تعلق الاختيار بزمن ما وكان التأخير عنه للعذر، فمتى ارتفع العذر تمسكنا بالاختيار.
وارتفاع الحر يختلف باختلاف البلاد واختلاف الرياح.
ولكن رأى أصحابنا تحديده بما ذكرناه عنهم ليكون الحكم عامًا وترجع إليه العامة التي لا تضبط تفاصيل الاجتهاد، فذلك طريق في النظر.

والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: اختلف الناس في آخر وقت صلاة الظهر.
فذهب مالك إلى أنه انتهاء الظل إلى زيادة مثل القائم.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه انتهاء الظل 1 مثلي القائم.
فالحجة لمالك صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد صلى به 2 الظهر في اليوم الثاني عندما صار الظل زائدًا مثل القائم.
وحديث عبد الله بن عمرو.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل 3 كطوله ما لم تحضر العصر.
وهذا بيان من جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته أن آخر وقت الظهر زيادة الظل مثله.
وأما أبو حنيفة فإنه تعلق بحديث، القصد منه ضرب مثل وهو حديث تمثيل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل أمته بالإضافة إلى من قبلهم من الأمم بأُجَرَاء عملوا إلى الظهر وآخرون إلى العصر وآخرون من العصر إلى الغروب.
والعاملون من العصر إلى الغروب مثلوا بالمسلمين وهم أقل عملًا وأكثر أجرًا 4 فقال أصحاب أبي حنيفة إنما يصح هذا التمثيل على أن آخر الظهر القامتان وهو أول وقت العصر، وبذلك يصح كون العاملين من العصر إلى الغروب أقل عملًا.
وهذا الذي قالوه لا يخفى عن حاذق ضعف التعلق به.
وكيف يقابل حديث فيه نزول جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بين له الأوقات ويصلي به ليعلمه ذلك.
وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأمته

في حديث إنما سيق ليعلم الأوقات وبيانها بحديث القصد منه ضرب المثل، ولم يقصد منه بيان الأوقات ولا تعرض فيه لشيء من أمور الصلوات.
مع جواز أيضًا أن يكون المراد بأن الآخرين عملوا من آخر وقت العصر.
فالحديث لم يذكر إلا أن قومًا عملوا من العصر إلى الغروب ولم يذكر أول وقت العصر ولا آخره فكيف تترك النصوص لمثل مضروب، فيه من الاحتمال ما ذكرنا.

والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف أصحابنا في معنى القول أن آخر وقت الظهر زيادة الظل مثله.
فذهب بعضهم إلى أن المراد به أن تنقضي صلاة الظهر عند زيادة الظل مثله وبه قال الشافعي 1 وقال آخرون أن المراد به أن يفتتح صلاة الظهر عند زيادة الظل مثله.
وسبب هذا الاختلاف: ما وقع في حديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني عند زيادة الظل مثله.
وفي بعض طرقه إنما صلاها به لوقت العصر بالأمس 2. فحمله أهل المذهب الأول على أن المراد به أنه فرغ من صلاة الظهر حينئذ.
وحمله أهل المذهب الثاني على أن المراد به أنه ابتدأ الصلاة حينئذ.
ويرجح الأولون تأويلهم بأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يفيد فعل الصلاة والفراغ منها، بأن الفاعل من حصل منه الفعل".
ويرجح الآخرون تأويلهم بأنه قد قال وصلى بهم العصر عند زيادة الظل مثله.
ومعنى ذلك أنه ابتدأ الصلاة، فكذلك يكون محمل قوله صلى به الظهر حينئذ أي ابتدأها.
وأيضًا فقد قال في حديث عبد الله بن عمر وقت الظهر إذا زالت الشمس.
وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر.
فاقتضى ذلك أن حضور وقت العصر يقطع وقت الظهر.
ولا يكون قاطعًا لوقتها إلا بأن تنقضي الصلاة قبل حضور العصر.

والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما صلاة العصر فقد علم أول

وقتها.
والدليل عليه مما قدمنا ذكره.
وقررنا أن أول وقتها ابتداء القامة الثانية عندنا.
وآخر القامتين عند أبي حنيفة، فأغنى ذلك عن إعادته وقد قاله ابن عبد الحكم وابن حبيب في المذهب 1. وأما آخر وقتها فعندنا فيه قولان: أحدهما أن آخر وقتها القامتان لما وقع في حديث جبريل من التحديد بذلك.
والثاني أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس لقوله في حديث عبد الله بن عمرو وقت العصر ما لم تصفر الشمس 2. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما استحب تأخير صلاة العصر في مساجد الجماعات قليلًا رفقًا بالناس.
وقد قال أشهب يستحب تأخيرها إلى الذراع من القامة الثانية، لا سيما في الحر.
وجمهور أصحابنا على استحباب تعجيلها أول وقتها شتاء كان أو صيفًا.
واستحب ابن حبيب أن يخص يوم الجمعة بتعجيل، ليقرب انصراف المتطهرين لها ممن صلى الجمعة.
وقال بعض أشياخي الاستحباب يتنوع.
فالمستحب في المغرب والصبح التعجيل.
وفي العشاء التأخير.
واختلف في الظهر والعصر.
فقيل التعجيل أفضل.
وقيل أول وقتها وآخره سواء.
فعلى هذا القول لا يكون في التعجيل فضيلة.
ومذهب أبي حنيفة استحباب التأخير ما لم تصفر الشمس.
وقال بعض أصحابه إنما ذلك ليوسع زمن التنفل للناس لأن العصر إذا صليت يمنع 3 التنفل.
ولأن القصد افتتاح الصحيفة بعمل خير واختتامها بمثله.
فإذا صليت العصر آخر الوقت كانت صحيفة النهار في حكم ما ختم بخير.

والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما قول القاضي أبي محمَّد إن تأخير العصر عما يقرب من أول وقتها مكروه على حسب ما فسره.
فإنه لفظ مشكل وكالهادم لم ابن اه.
وذلك أنه أخذ يبين أوقات الاختيار فجعل الوقت

المختار للعصر جميع القامة الثانية.
وكذلك جعله جميع علمائنا من تقدم منهم ومن تأخر.
والاختيار يشعر بانتفاء إطلاق الكراهة.
وقد أطلق القاضي أبو محمَّد ها هنا على تأخير العصر أنه مكروه، وإن كان وقت الاختيار لم يذهب.
وغيره من العلماء وإن ذهب إلى فضيلة التعجيل.
فما أرى هؤلاء يطلقون الكراهة كما أطلقها إلا بتقييد وبيان على أن المراد بها أنه قد فات المؤخر حظ من الأجر، وفضل التعجيل.
فيكون معنى الكراهة أنه مندوب إلى تحصيل الأفضل فيكره له ترك ما ندب إليه.
والفقهاء إذا وصفوا الشيء بأنه مكروه وأطلقوا ذلك عليه لا يقصدون 1 هذا القصد.
ألا تراهم لا يقولون فيمن أخر صلاة الفجر أنه فعل مكروهًا.
ولا يقال الصلاة حينئذٍ مكروهة وإن كان التعجيل عندهم أفضل.
وكذلك مؤخر الظهر عن الذراع لا يقولون إن صلاته مكروهة.
فيجب على قارئ هذا اللفظ أن يتأمل معناه ويعتبر بما قلناه.

قال القاضي رحمه الله: ووقت المغرب الذي لا تحل قبله، غروب الشمس.
وهو واحد 2 مضيق غير ممتد مقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف.
ويرخص للمسافر أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي.
وذلك داخل في باب الأعذار والرخص وهو خارج عن هذا الباب.
ووقت العشاء الآخرة مغيب الشفق وهو العمرة لا البياض وآخر وقتها ثلث الليل الأول.
ويستحب في مساجد الجماعات تأخيرها قليلًا قدرًا لا يضر بالناس.
ثم لا يزال وقتها ممتدًا إلى أن ينقضي ثلث الليل 3 الأول.

قال الشيخ رضي الله هـ تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن المغرب وقت واحد؟.
2 - وما معنى اختصاص وقتها بوصفه بأنه واحد دون غيره من الأوقات؟.
3 - ولم رخص للمسافر أن يمد الميل؟.

4 - وما الدليل على أن الشفق هو العمرة؟.
5 - ولم استحب تأخيرها في مساجد الجماعات قليلًا؟.
6 - وما الدليل على أن آخر وقتها ثلث الليل؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف المذهب في المغرب.
فذهب مالك في الموطإ أن لها وقتين.
وفي المدونة إشارة إلى ذلك.
وحكى البغداديون عن مالك أن لها وقتًا واحدًا.
واختلف قول الشافعي في ذلك كما اختلف قول مالك.
ومذهب أبي حنيفة أن لها وقتين.
وسبب الاختلاف في ذلك اختلاف ما قدمناه من الأحاديث.
ففي حديث جبريل أنه صلاها به في اليومين عند الغروب بخلاف ما فعل في سائر الصلوات.
وهذا يوجب أن لها وقتًا واحدًا.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: ووقت المغرب ما لم يسقط الشفق.
وهذا فيه إثبات وقتين لها.
وقد رجح الآخرون بأن لها وقتًا واحدًا، مذهبهم باستمرار عمل 1 المسلمين في سائر الأمصار على صلاتها عند الغروب.
فلولا أنهم عقلوا عن الشرع أن وقتها واحد لما اتفقت خواطرهم ودواعيهم على إقامتها حينئذٍ كما لم تتفق دواعيهم على إقامة الظهر في وقت واحد، لما عقلوا عن الشرع أن لها وقتين.
وينفصل الآخرون عن هذا بأنهم وإن قالوا إن لها وقتين فإنهم يسلمون أن المستحسن والأفضل صلاتها عند الغروب.
وأهل السنة مجمعون على ذلك لأنها صلاة تمر بالناس وهم متأهبون لها.
فاستحب تعجيلها كصلاة الجمعة.
وقد قال ابن مسلمة من أصحابنا أن الغروب وإن كان موسعًا فيها إلى الشفق، فالأحسن تعجيل فعلهالأول وقتها.
ويرجح هؤلاء الحديث الدال على أن لها وقتين بأنه متأخر عن حديث جبريل فوجب الرجوع إليه مع كونه عندهم أصح سندًا.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما وصفت صلاة المغرب بأن وقتها واحد لأن غيرها من الصلوات وقتها ممتد وجميعه وقت مختار، ولأوله على آخره فضل أو لآخره على أوله، فصارت الصلوات لأجل اختلاف حال الأول والآخر هكذا موصوفة بأن لها وقتين لما صار في وقتها هذا النوع من

التعدد.
والمغرب لما لم يكن وقتها ممتدًا حتى يكون لأوله على آخره فضيلة وصفت بأن لها وقتًا واحدًا، وهذا أولى من أن يجعل معنى ذلك أن زمنها المختار لا يسع أكثر من إقامتها.
لأن صلاة الظهر يسع وقتها المختار من إقامتها صلوات كثيرة فيجب أن تكون الظهر موصوفة بأن لها أوقاتًا.
ولا معنى حينئذٍ، والمراد بهذا 1، أن يقال لها وقتان إلا أن يتسع في العبارة ويجعل ما بعد قدر إقامتها من مبدأ وجوبها إلى آخر الوقت كوقت واحد يكون ثانيًا لمبدأ الوجوب.
فيصح المعنى حينئذٍ على أن المغرب يختلف حال الناس في إقامتها بعد الغروب.
فمن مبادر ومن متوان قليلأوقد خرج بتوانيه عن مقدار إقامتها بعد الغروب.
وجميعهم موقع لها في الوقت.
ولكن إن كان الأمر على ما قلناه من أن المراد بأن لها وقتًا واحدًا منع 2 اختلاف حكم أول الوقت مع آخره.
فما يصنع من قال إن جميع وقت الظهر متساوٍ في الفضيلة؟ هذا يتطلب معنى آخر غير هذا.
وإنما أشرف لتحقيق هذا القول لما رأيت فيه من هذا الإشكال ولم أر أحدًا تعرض لتحقيقه كما يجب ويشفي الغليل فيه.
ولعلهم اضربوا عنه لما كان إنما يرجع الأمر فيه إلى مناقشة في عبارة المفهوم منها قد تعارفوه بينهم.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما جاز أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي المغرب لما في أصل وقتها من الاختلاف وإن مالكًا قد قال في أحد قوليه إن وقتها ممتد إلى الشفق فلم يخرج بهذا التأخير عن الوقت المختار في أحد القولين.
مع أنه في القول الآخر في حكم التأخير اليسير الذي لا يكاد يخرج عن الوقت.
مع أن عذر السفر يبيح التأخير فيها والجمع بينهما وبين العشاء الآخرة فقد صار للسفر تأثير في جواز التأخير، فلهذا ألحقه القاضي أبو محمَّد بباب الأعذار والرخص.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس بعد اتفاقهم على أن أول وقت 3 صلاة العشاء مغيب الشفق، في الشفق ما هو؟ فقال مالك إنه

العمرة الباقية من نور الشمس بعد غروبها.
وقال أبو حنيفة هو البياض الباقي بعد العمرة، ووافق الشافعي مالكًا.
لكن المزني من أصحابه وافق أبا حنيفة كما وافق أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة مالكًا.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أن مالكًا وافق أبا حنيفة أيضًا وتعلق بقول ابن شعبان، إن أكثر قوله إن الشفق العمرة.
وهذا يشير إلى أن ابن شعبان يرى أن له قولًا آخر أنه البياض.
ويمكن عندي أن يكون ابن شعبان إنما أشار بهذا، لما وقع في سماع ابن القاسم عن مالك أنه قال: أرجو أن تكون العمرة، والبياض أبين.
وهذا من 1 مالك إشارة إلى تردده في مذهبه.
فلما رأى ابن شعبان هذا التردد، ورأى ما سواه من القول المطلق أنه العمرة، أشار إلى أن أكثر أقواله الإطلاق بالحمرة دون تردد.
هذا مما يمكن عندي أن يحمل كلام ابن شعبان عليه، فلا يقطع بصحة ما فهم شيخنا منه، واعلم أن البياض والحمرة يسمى كل واحد منهما شفقًا.
ويشير في أنه العمرة قول الشاعر: وقد تغطت بكمها خجلا... كالشمس غابت في حمرة الشفق فإذا ثبت أن النوعين جميعًا يسميان شفقًا 2. قال أصحابنا نحمله على أولهما أخذًا بأوائل الأسماء وقضاء بالأسبق.
وقال أصحاب أبي حنيفة أصل الشفق الرقة، ومنه قولهم الشفقة الرقة، أي رقة المحبة والحنان فيه.
فإذا كان هذا أصل هذه التسمية فلا شك أن البياض أرق من العمرة.
فإذا كان أحق بمعنى الاشتقاق 3 كان أحق بالتسمية ووجب حمل ما ورد من الإطلاق عليه.
وقد تنازع الفريقان آية وخبرًا.
فأما الآية فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ 4 فإن كان الدلوك غروب الشمس على ما كنا حكيناه.
وغسق الليل ظلمته.
والظلمة إنما تتحقق وتكمل بعد مغيب نور الشمس وجميع

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل