أبي محمَّد ها هنا.
وأما ما أشار إليه في صلاة المغرب فلا معتصم لشيخنا هذا فيه.
لأنا لو سلمنا أن طريقة القاضي أبي محمَّد كطريقته، لكان ما أشرنا إليه من الروايات يرد عليه.
فكيف ومن الممكن أن يكون القاضي أبو محمَّد إنما أراد بهذا مناقضة لمن ركب أحد القولين وتصحيحأ للقول بالبناء.
وإن المُدرَك هو أول الصلاة، لا على أن ذلك قولًا قيل في المغرب.
كيف وقد قيل 1 يجهر بالقراءة فيهما مع كونه يجلس بينهما ففرّق بين القراءة والجلوس.
وتأويل مسألة المدونة بأنه فعل ذلك احتياطًا لا معنى له.
لأنه قد يغلب عليه.
فيقال ولعل الذي قاله في القراءة هو الأصل وإنما جلس في أول قضائه احتياطًا.
وبالجملة فلا معني إخراجه الرواية عن ظاهرها بغير دليل يلجئ إلى ذلك وعلي هذا يعتمد فيها.
لأنه قد يصح الاحتياط بزيادة سورة فلا يصح الاحتياط بالجلوس في غير موضعه.
لأن الزيادة في القراءة لا تفسد الصلاة.. والجلوس تعمدًا في غير موضعه قد يفسد الصلاة.
فإن قيل إذا صححتم طريقة من قال إن المذهب لا يختلف في القيام والقعود، فعلى ماذا تحملون الخلاف المنقول عن مالك.
قيل المشهور من مذاهب الأشياخ أنه يحمل على حالين.
فما روي عنه أن المدرك هو أول الصلاة فمحمول على اعتبار القيام والقعود على حكم نفسه.
وأما ما روي عنه أنه آخرها فمحمول على اعتبار القراءة على ما كان الإِمام يقرأ.
وأما مذهب شيخنا الذي قدمناه فإن الاختلاف عنده محمول على ظاهره في القيام والقعود وفي القراءة.
وأظن أن بعض الأشياخ كان يميل إلى حمل الخلاف على القراءة خاصة دون القيام والقعود.
فأما من يقول إن المدرك هو أول الصلاة، فإنه يحتج بقوله عليه السلام: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" 2. والتمام إنما يكون بعد حصول الأول.
وأما من يقول إن المدرك هو آخر الصلاة، فإنه يحتج بقوله: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" 3. وهذا
يقتضي أن المدرك هو آخر الصلاة.
لأنه جعل الفائت يقضى.
والقضاء يحل محل الأداء.
ولو لم يفت وأدى لكان أولًا بإجماع.
فإذا فات وعبر عنه بالقضاء، دل على أنه يفعل على أنه أول.
ويؤكد هذا وصفه بالفوات.
وذلك 1 يشير إلى أن الأول فات، فيؤدى على حسب ما فات.
وقد تأولت كل طائفة خبر الأخرى.
فمن تعلق بقوله: "وما فاتكم فأتموا" يحمل على قوله: "وما فاتكم فاقضوا".
على أن المراد به فأدوا.
وقد يكون القضاء بمعنى الأداء بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ 2. ومعنى القضاء ها هنا الأداء لا خَلفُ ما فات.
ويدفع عن هذا التأويل بأن الظاهر في الخبر أن يحمل القضاء على خلف ما فات.
لأن ذكر الفوات قبل القضاء يشعر أن المراد به ما قلناه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ ليست هناك صلاة فائتة.
فلهذا لم تحمل الآية على خَلَف ما فات.
وأيضًا فإن قوله: "فما أدركتم فاقضوا" أمر بالأداء.
وقد قابله بقوله: "وما فاتكم فاقضوا".
وهذه مقابلة تقتضي أن يكون القضاء ها هنا بخلاف الأداء.
ومن تعلق بقوله: "وما فاتكم فاقضوا" يحمل على قوله: ﴿فَأَتِمُّوا﴾.
على أن المراد به الإكمال 3 الذي هو ضد النقصان.
والإكمال (3) لا يقتضي أولأولا آخرًا.
وقد يبتدأ الشيء من آخره فيكمل بأوله.
ويبتدأ من أوله فيكمل من آخره.
وتنازعت أيضًا الطائفتان طرق الاعتبار، فيحتج من يقول المدرك أول الصلاة، بأن التحريم أول الصلاة فيجب أن يكون الذي يليه أولها أيضًا.
وجتج من يقول إنه آخرها بأن المدرك لو كان أول الصلاة لكانت نية المأموم ونية الإِمام يختلفان.
لاعتقاد الإِمام أن ركعته آخر الصلاة.
واعتقاد المأموم أنها أول الصلاة.
وقد قال عليه السلام: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" 4. = فاقضوا.
قال ابن حجر بعد أن تتبع الروايات والحاصل إن أكثر الروايات ورد بلفظ فاتموا.
وأقلها بلفظ فاقضوا.
فتح الباري ج 2 ص 259. وكذلك الترمذي.
انظر العارضة ج 2 ص 124.
وقال: (فلا تختلفوا عليه).
واختلاف هذين في هذا الاعتقاد ركوب لهذا النهي.
ولأن المدرك لسجدة يسجدها مع الإِمام ولا يعتد بها.
فلو كان بانيًا على حكم تحريم نفسه لما صح أن يسجد ما لا يعتد به.
وإنما سجد ما لا يعتد به لأنه بأن على حكم الإِمام.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الفذ فإذا بطلت إحدى ركعات صلاته، مثل أن يذكر في آخر صلاته أنه نسي سجدة من الأولى.
فإن المذهب على قولين.
هل يكون في الركعة التي يأتي بها عوضًا عما بطل قاضيًا أو بانيًا؟ فقال ابن القاسم وغيره يكون بانيًا بخلاف المأموم.
وقال أشهب وغيره يكون قاضيًا كالمأموم.
فوجه ما ذهب إليه ابن القاسم أن الفذ لو كان قاضيًا فيما بطل حتى يجب أن يقرأ فيما يأتي به عوضًا عن الأولى بأم القرآن وسورة لأذى ذلك إلى عكس الترتيب.
وأن يكون المفعول آخرًا هو المعتقد أولًا.
وأن يكون المقروء في آخر الصلاة أم القرآن وسورة.
وذلك خلاف للترتيب.
وما أدى إلى خلاف الترتيب 1 فمعدول عنه.
وإنما استخف في المأموم مخالفة هذه الرتبة مراعاة لرتبة أشد منها وهي المخالفة على الإِمام.
فلو لم يعتقد فيما أدركه أنه آخر صلاته، والمفعول آخرًا أولهلالخالفت نيته نية الإِمام.
ومخالفة الإِمام قد نهي عنها.
ولما كان الفذ لا يتوقع في مخالفته الرتبة الوقوع في مخالفة في 2 رتبة أشد منها، بقي على الأصل الذي قلناه.
ووجه ما ذهب إليه أشهب أن الفذ لو كان بانيًا لأدّي أيضًا إلى فساد الرتبة من ناحية النية.
بأن 3 تصير الركعة التي فعله ابن ية كونها ثانية أولى، وتصير الثالثة ثانية.
وتبدّل نيات الركعات يؤثر في الاعتداد بها.
ألا ترى قوله في المدونة في ناسي سجود الأولى وسجد للثانية ولم يركع لها إنه لا يجزيه ذلك عن سجود الأولى.
لأنه إنما سجد بنية الثانية.
فرأى أن نية الأركان قض من تبدلها.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا غُلب المأموم عن أن يفعل ركنًا من أركان الصلاة كالركوع والسجود، فهل يفعله بعد فراغ الإِمام منه أم لا؟ لا يخلو هذا الركن من أحد قسمين.
إما أن يكون ركوعًا أو سجودًا.
فإن كان ركوعًا وغلب على فعله قبل أن يشرع الإِمام نيه حتى فرغ منه الإِمام وفعله ورفع رأسه من ركوعه، فعنه في ذلك ثلاث رواييات.
إحداها أنه يقضي ما فاته.
والثانية أنه لا يقضيه ويلغي تلك الركعة.
والثالثة التفرقة بين أن يكون عقد ركعة أو لم يعقدها.
فإن كانت هذه الغلبة في أول ركعة ألغاها.
وإن كانت في ركعة ثانية 1 مما بعدها قضى ما فاته.
فوجه القضاء أنه قد حصل مؤتمًا بالإمام وواجب عليه الاقتداء به.
فإذا منع من الائتمام به، عاد إليه بعد زوال المانع.
ولا يكون هذا ممنوعًا كما يمنع من قضاء ما فاته قبل الدخول حتى يفرغ من الصلاة.
لأن هذا فاته ما لزمه أن يقتدي بإمامه فيه والآخر فاته ما لم يتوجه عليه الاقتداء به فيه.
ووجه نفي القضاء فيه قياسًا على ما فات قبل دخوله في الصلاة.
ووجه التفرقة بين الركعة الأولى وما بعدها أن من عقد ركعة حصل بها مدركًا للصلاة.
ومن أدرك الصلاة قضى ما فاته مع الإِمام وهو في الصلاة.
ومن لم يدرك ركعة فدم يحصل له ما يبيح له القضاء قبل فراغ الإِمام 2. بل صار كمن فاته شيء قبل الدخول في الصلاة.
وإذا وجب القضاء فإنه إنما يجب بشرط أن لا يفوته أن يفعل مع الإِمام ما هو آكد من تشاغله بالقضاء.
واختلف في هذا الذي هو آكد، فقيل هو سجود الركعة التي غلب على ركوعها.
وقيل بل هو عقد الركعة التي تليها.
فوجه القول باعتبار السجود وهو المشهور أن السجود مجمع على كونه فرضًا وهو ركن من أركان الصلاة.
فلا وجه لأن يتشاغل بقضاء ركن فات، حتى يفوته ركن آخر هو حال.
ووجه القول باعتبار عقد الركعة التي تليها أن الركعة وإن كانت مركبة من أجزاء مختلفة، فهي في حكم الشيء الواحد الذي لا يتعدد.
فركوعها وسجودها كالشيء الواحد.
فإذا دخل الفوات في بعضها لم يعتبر ذوات البعض الآخر
ها هنا.
وإذا لم يعتبر فلا ركن بعد ذلك إلا الركعة التي تليها.
والركعة التي تليها تشتمل على قراءة وركوع.
والقراعة لا تجب على المأموم.
فوجب اعتبار عقد الركعة.
فإن قلنا باعتبار السجود، فهل تعتبر السجدتان جميعًا أم الأولى منهما؟ في ذلك قولان.
المشهور منهما اعتبار السجدتين جميعًا لأن بهما تفرغ الركعة.
والثاني اعتبار السجدة الأولى لأنها ركن وفرض مجمع عليه، فوجبت مراعاتها ومحاذرة فواتها.
وهذا القول ذكره ابن أبي زمنين عن بعض أشياخه 1. فقال معنى القول إنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجودها: معناه السجدة الثانية.
وقد سألت عنها أحمد بن عبد الله اللؤلئي ففسره لي كذلك.
وذلك أن بعض أصحابنا خالفني فيها وقال يعني 2 السجدة الأولى.
وإذا قلنا باعتبار الركعة فما عَقْدُها ها هنا؟ المنصوص رفع الرأس منها.
ويتخرج على القول الآخر تمام الانحناء فيها.
ومن شرط إجازة القضاء لمن غلب على الركعة 3 أن يمكنه بعد إحرامه فعلها مع الإِمام.
فأما لو أحرم والإمام راكع فلم يمكنه الركوع حتى رفع الإِمام لأن الزمن الذي بين إحرامه ورفع الإِمام لا يحمل الركوع، فإنه لا يقضي هذا الركوع.
وقد فاتته الركعة من غير خلاف في المذهب.
ومن شرط الركعة الحائلة أيضًا بينه وبين قضاء ما فاته أن يكون فيها متمكنًا من متابعة الإِمام تصح مخاطبته بذلك.
وأما لو نعس عن ركوع الإِمام وتمادى نعاسه إلى أن عقد ركعة أخرى، فإنه لا يمنعه ذلك من إصلاح أول ما نعس فيه من الركعات.
لأنه غير مخاطب حال نعاسه في الركعة الثانية بمتابعة الإِمام فيها.
وإن كان هذا الركن المغلوب عليه سجودًا فإنه يتبع الإِمام ما لم يعقد الركعة التي تليها بأن يرفع رأسه منها.
قاله في المدونة في المزاحم في صلاة الجمعة عن سجود الأولى أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من التي تليها وعلى القول بان عَقْد الركعة تمام الانحناء يتبعه ما لم يتم انحناؤه ويُكمل ركوعه.
ولو اعترته هذه الغلبة وهو في ركوعه لم يرفع رأسه
فإنه يؤخذ حكمه مما قدمناه.
فإن قلنا أن عقد الركعة رفع الرأس منها، صار هذا كالمغلوب قبل أن يركع الإِمام.
وقد تقدم حكمه.
وإن قلنا أن الركعة تنعقد بتمام الانحناء فهو كالمغلوب بعد رفع الإِمام رأسه يتبع الإِمام ما لم يعقد التي تليها.
والغلبة المعتبرة في هذا: النعاس والغفلة.
وأما المزاحمة ففيها قولان.
أحدهما: وهو مذهب ابن القاسم أنها بخلافهما لا يباح معها قضاء ما فات من الركوع.
لأن الزحام فعل آدمي يمكن التحرز منه.
فعد المزاحَم عن الركوع مقصرًا، فيلغي تلك الركعة.
والناعس والغافل مغلوبان بفعل الله تعالى لا صنع للخلق فيه فعذرا.
والثاني وهو مذهب أشهب وابن وهب وعبد الملك أنها مثلهما يباح معها قضاء ما فات.
قال عبد الملك المزاحم أعذر لأنه مغلوب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الراعف إذا رعف بعد أن عقد مع الإِمام ركعة فخرج لغسل الدم ثم رجع فوجد الإِمام قد صلى بعده ركعة، فإنه لا يتشاغل بقضائها.
بل يدخل مع الإِمام بما هو فيه.
فإذا فرغ من صلاة الإِمام قضى ما فاته معه.
وقد يقع في النفس أن منع مالك رحمه الله للراعف أن يقضي ما فاته قبل فراغ صلاة الإِمام يشير إلى خلاف ما كنا قدناه من أن الناعس إذا تمادى نعاسمعتى عقدت عليه ركعة ثانية، فإنها لا تحول بينه وبين إصلاح ما نعس فيه أولًا لما كان غير مخاطب باتباع الإِمام في حال نعاسه.
وهذا الذي قلناه في الناعس مما اختاره بعض أشياخي.
وقد يفرق بين الناعس والراعف، أن الراعف خرج من الصلاة وفارق الإِمام.
وإنما رخص له في العودة إلى الصلاة بعد الخروج منهالأمر سنذكره في موضعه.
فصار ما فعله الإِمام وهو مفارق له خارجًا عن صلاته، كما فعله 1 قبل أن يدخل معه في الصلاة.
فلما كان لا يقضي المسبوق ما فاته قبل دخوله في الصلاة، فكذلك الراعف لا يقضي ما فاته بعد خروجه من الصلاة.
لأن الإِمام فعل ما فعل والمسبوق والراعف خارجان عن صلاته.
والناعس لم يخرج عن صلاته ولا معه ما يمنعه من متابعة الإِمام من ناحية الشرع.
والراعف لو حاول متابعة الإِمام قبل غسل الدم لمنع من
ذلك من ناحية الشرع.
مع أن الراعف، الغالب عليه أن تفوته أركان كثيرة من الصلاة لا يمكن قضاؤها وإدراك الإِمام.
والغالب في الناعس أنه إنما تفوته أركان يسيرة يمكنه فعلها وإدراك الإِمام.
إذ لو نام نومًا طويلًا لانتقضت طهارته.
فهذا أقصى ما يمكن أن يفرق به بين الناعس والراعف فيما قبناه.
وهذا الراعف إذا قضى ما فاته، فإنه 1 يقرأ فيه بما كان الإِمام يقرأ فيه.
وقد يجتمع على الراعف خطاب بقضاء وبناء، بان يفوته شيء قبل الدخول في الصلاة فيوصف فعله فيه بأنه قضاء، وبعد دخوله فيها فيوصف فعله فيها بأنه بناء، فاختلف بأيهما يبدأ: فقيل بالبناء وإليه ذهب ابن القاسم وقيل بالقضاء وإليه ذهب سحنون.
ومئال ذلك أن يصلي الراعف الركعة الثانية لا أكثر، أو الثالثة لا أكثر، أو إياهما جميعًا لا أكثر.
فإن قلنا بتقدمة البناء قرأ في أول ما يأتي به بأم القرآن لا أكثر حتى يفرغ مما عليه من أفعال البناء.
لأنه إنما يتصور البناء ها هنا في الركعتين الأخيرتين من الصلاة أو إحداهما.
وإن قلنا بتقدمة القضاء قرأ على حسب قراءة الإِمام فيما سبقه به ثم يعود بعده إلى البناء.
واختلف القائلون بالبناء إذا فرغ منه وصادف فراغه منه موضع قيام على عدد ركعاته هل يقوم مراعاة لمقتضى صلاته لو انفرد أو يجلس لأن القضاء لا يقام إليه إلا من جلوس؟ فقال ابن حبيب لا يجلس.
وكأنه رأى أنه إنما جلس من عليه قضاء مع الإِمام لئلا يخالفه.
فإذا لم يكن إمام يحاذر مخالفته بني في القيام والقعود على حكم نفسه على ما ذكرنا أنه أصل المذهب.
وقال ابن القاسم بل يجلس وكأنه رأى أنه لما كانت رتبة القضاء ألا يقام إليه إلا من جلوس، أمر هذا بالجلوس، وإن لم يكن في موضعه مراعاة لهذه الرتبة.
وهكذا اختلف المذهب فيمن ليس عليه بناء وقام إلى القضاء وكان قيامه من جلوس لم يقع في موضعه لو كان فذا كمدرك ركعة أو ثلاث.
فالمشهور أنه يقوم بغير تكبير؛ لأن جلوسه مع الإِمام إنما كان محاذرة للمخالفة.
فهو كالعدم فقدرت تكبيرته عند رفع رأسه من السجود كأنها مقارنة لقيامه للقضاء.
وقيل يقوم بتكبير.
وكأن هذا قدر أن
الجلوس فاصل بين تكبيره وقيامه، فلا بد أن يأتي بتكبير لافتتاح القيام.
وقدّر أن التكبير في الوتر من الركعات لرفع الرأس من السجود لا للقيام، وقد فعله.
ولو كان جلوسه في موضع الجلوس لاتفق على أنه يقوم بتكبير.
وما ذكرناه من اختلاف القائلين بالبناء في الجلوس يتصور فيمن أدرك الثانية والثالثة لا أكثر، ثم أتى بعد غسل الدم بالرابعة.
فهي رابعة إمامه فيجلس فيها عند ابن القاسم ليقوم للقضاء من جلوس.
ولا يجلس عند ابن حبيب؛ لأنها ثالثته 1. وكذلك لو أدرك الثانية لا أكثر، كان بانيًا في ركعتين يجلس في الأولى منهما لأنها ثانيته، ويختلف في الثالثة منهما على ما تقدم.
ولو كان مدركًا للثالثة لا أكثر لارتفع الخلاف ها هنا إذا أتى بالرابعة؛ لأنها موضع جلوس لإمامه وله لو انفرد.
فوجه البداية بالبناء أن المسبوق لو لم يرعف لأتى ببقية الصلاة قبل قضاء ما سُبق به.
فإذا رعف في بقية الصلاة بقيت هذه الرتبة في استحقاق النية المتقدمة على ما فات على حاله لا تتغير.
ووجه القول بتقدمة القضاء، أن الأصل تقدمته لأنه أول الصلاة.
وإنما آخره المسبوق إلى الفراغ لئلا يخالف الإِمام ويقع في صلاتين معًا ويكون شغله بقضاء ما سُبق يمنعه من فعل ما لحق.
فإذا زالت هذه العلل عادت الرتبة لأصلها.
وقد أشار 2 إلى هذا سحنون فقال: إنما كان يبني أولًا قبل القضاء اتباعًالإمامه.
وهذا الذي صورناه في اجتماع 3 القضاء والبناء في الراعف يتصور في حاضر أدرك من صلاة مسافر ركعة فإنه ما فاته يعد قضاء وما يكمله من صلاة الحاضرة يعد بناءً.
وقد كنا قدمنا أن في مسائل الراعف ما يشير إلى صحة ما قاله الجمهور من الأشياخ أن القيام والقعود لا يختلف المذهب فيهما.
فمن ذلك قول ابن القاسم فيمن أدرك الثانية من الظهر بسجدتيها ثم رعف فخرج لغسل الدم، فإذا الإِمام قد فرغ، أنه يبني ثم يقضي يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانيته ثم يأتي بأخرى بأم القرآن ويجلس كما كان يفعل إمامه ثم يأتي بركعة القضاء بأم القرآن وسورة.
وهكذا فرع مسائل الراعف من
قدمنا قوله من الأشياخ أن المذهب يختلف في القيام والقعود وجرى في تعريفه على أن القيام والقعود يراعى فيه حكم نفسه غير معرج على إشارة للخلاف فيه.
فهذا الراعف المدرك للثانية من الظهر، جعله يجلس في ثانيتها وإن كان الإِمام لا يجلس في ثانيتها، فلم يعتبر فعل الإِمام.
وقد لا يتضح الفرقان بين نفي اعتباره ها هنا واعتبار فعله مما 1 سواه من ليس براعف.
وقد يتعلق ها هنا بأمر ابن القاسم له 2 بالجلوس في رابعة الإِمام وإن كانت ليست بموضع جلوس.
وقد كنا قدمنا الاعتذار عن هذا.
ووجهنا أمره بالجلوس.
ولما كانت صلاة الظهر يستغرب الجلوس فيها إلا مرتين كثر في الأولى 3 امتحان الخواطر.
فإن قيل كيف يتصور صلاة ظهر يجلس في الأربع ركعات كلها.
ومسألة ابن القاسم هذه فيها 4 يجاوب عن ذلك؛ لأن مدرك الثانية من الظهر جلس فيها متابعة للإمام، فلما عاد بعد غسله الدم وقد فرغ الإِمام من الصلاة جلس في أول ما يقضيه لأنها ثانية، وفي الثاني مما يقضيه لأنها رابعة الإِمام ولا يقوم للقضاء إلا من جلوس.
وجلس في ركعة القضاء لأنها آخر صلاته فقد صارت صلاة الظهر كلها جلوسًا.
والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: المأموم حكمه أن يتابع إمامه ويقتدي به في أفعاله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" 5. والائتمام يقتضي أن تكون أفعال المأموم بعد أفعال الإِمام، إذ السابق له غير مؤتم به.
وقد قال عليه السلام: "أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالقيام ولا بالانصراف" 6. وكذلك فاعل الفعل مع إمامه معًا، لا تحصل له حقيقة الائتمام لأن الفعلين إذا وجدا في زمن واحد فليس أحدهما بأن يقال فيه هو تبع للآخر أولى من الآخر بأن يقال ذلك فيه.
فأما مسابقة الإِمام فلا شك في منعها.
فإن فعل وسبقه بأن يركع ويرفع ساهيًا قبل إمامه فذلك ملغى غير معتد به.
وعليه متابعة الإِمام فيما يفعله بعد ذلك من الركوع، وإن لم يرفع رأسه من ركوعه حتى حصل الإِمام راكعأولكنه رفع قبله فإنه إن كان 1 لم يتابع الإِمام في حال ركوعه بمقدار الفرض من الركوع فحكمه حكم من رفع قبل ركوع إمامه، فإن كان قد تابع الإِمام في حال ركوعه بمقدار الفرض فركوعه معتد به لحصول متابعة الإِمام بمقدار الفرض.
فإذا حصل الركوع معتدًا به وخالف في الرفع قبل إمامه، فإن علم أنه يقدر على أن يعود للركوع ليتابع الإِمام في الرفع فعل ذلك.
لأن المتابعة مأمور بها ولم يفت محلها.
فتركه العود للمتابعة مع القدرة عليها مخالفة على الإِمام.
وإن علم إن عاد لا يدركه راكعأولا يقدر على متابعته في الرفع فهل عليه أن يعود أم لا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يعود وإليه ذهب مالك وأشهب.
والثاني أنه يعود وإليه ذهب سحنون، وأمره إذا عاد أن يبقى بعد الإِمام
بقدر ما انفرد الإِمام به بعده.
فوجه قول مالك إنه قد خالف الإِمام فيما انتقل عنه الإِمام فلا يتلافى هذه المخالفة بمخالفته فيما عليه الإِمام الآن.
فلما كان تلافي المخالفة لا يمكن إلا بمخالفة لم يأمره مالك بذلك.
ووجه قول سحنون أنه يجب أن يعود للمتابعة وإن أدى ذلك إلى مخالفة في الحال كما فعل ذلك من فاته بعض الركعة مع الإِمام فإنه يفعله وإن خالف الإِمام في الحال، لا سيما إن 2 قلنا بأن الرفع من الركوع فرض، ولكن ليس في هذا التوجيه ما يقتضي أمر المأموم بلبث ما انفرد الإِمام دونه.
لأن الغرض تلافي ما خالف فيه الإِمام من المتابعة.
وذلك يحصل بالعودة والرفع بعده من غير مراعاة لبث 3.
ويمكن عندي أن يكون وجه اللبث أن مقدار ما انفرد به الإِمام بلبثه قد كان مما يؤمر المأموم فيه بمتابعة الإِمام.
فالعودة وإن لم تكن لأجله فإنها إذا
وجبت وجب أن تعود المتابعة على حسب ما كانت.
وقد كان مقدار ما انفرد الإِمام به مما تجب المتابعة فيه.
وقد قال مالك فيمن ظن أن الإِمام قد رفع رأسه فرفع هو رأسه فإذا الإِمام لم يرفع، فإنه يرجع فيسجد ثم يرفع برفع الإِمام ولا يتخلف عنه إلا أن يكون لم يتم السجدة فليتمها.
فأمره ها هنا بأن لا يتخلف ولم يعتبر مقدار ما فاته من سجود الإِمام حال تشاغله بالرفع فيامره أن يتخلف بقدره.
ويمكن عندي أن يكون إنما لم يأمره ها هنا بالتخلف لأجل أن في التخلف مخالفة الإِمام في الرفع، والرفع فرض مقصود.
فلا تصح مخالفة الإِمام فيه في الحال لزيادة لبث في هذه السجدة على مقدار الفرض وقد فات.
فهذا حكم الرفع قبل الإِمام.
فأما الخفض قبله لركوع أو سجود فإنه إن قام بعد ركوع الإِمام راكعًا 1 أو بعد سجوده ساجدًا مقدار فرضه صحت صلاته.
وإن كان قد أخطأ في سبقه الإِمام وإن لم يقم بعد ركوع الإِمام وسجوده مقدار فرضه لم يصح ركوعه ولا سجوده، وعليه أن يرجع لاتباع الإِمام بالركوع والسجود على حسب الواجب، وقد تقدم في تفاصيل الكلام بيانه.
وقد روي عن مالك أنه قيل له فيمن سبق الإِمام بالسجود ثم سجد الإِمام وهو ساجد فهل يثبت على سجوده أم يرفع رأسه ثم يسجد؟ فقال يسجد كما هو إذا أدركه الإِمام بسجوده وهو ساجد.
وقد اختلفت إشارات المتأخرين في هذا الأصل فأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في هذا الذي قاله مالك من بقائه ساجدًا ولا يرفع ليسجد بعد الإِمام.
وذكر أنه لم يختلف المذهب في أن الخفض للركوع والسجود مقصود وإنما المقصود الركوع والسجود.
وأشار إلى أن الإتفاق للمذهب على كونه غير مقصود يمنع من إجراء الخلاف في رفعه ليخفض بعد إمامه.
وأشار بعض أشياخي إلى أن إجراء الخلاف فيه مما ذكرناه من الرفع قبل الإِمام؛ لأن الغرض حصول المتابعة في الرفع فكذلك في الخفض.
وقد قال مالك في الأعمى يخالف إمامه في فعله إن كان ركوعه وسجوده قبل الإِمام فليستأنف الصلاة دان كان بعد ركوع الإِمام وسجوده بقليل فلا بأس به.
ومحمل قوله إذا ركع قبل الإِمام أو سجد قبله على أنه فعل الركوع والرفع منه قبل أن يركع الإِمام أو السجود والرفع منه قبل أن يسجد الإِمام.
فأما لو ركع قبله أو سجد قبله وبقي راكعًا أو ساجدًا حتى ركع الإِمام أو سجد لكان حكمه على التفصيل الذي قدمناه فيمن فعل ذلك سهوًا أو غلطًا.
وأما قوله إن فعل ذلك بعد الإِمام بقليل فلا بأس به.
فلا معنى لاشتراطه القرب.
بل حكمه حكم الناعس والغافل يقضي ما فاته به الإِمام إذا ركع الإِمام ورفع قبل أن يركع، أو يسجد ورفع قبل أن يسجد ما لم يمنع من قضاء ما فات من ذلك مانع قد ذكرناه في مسألة الناعس، إلا أن يريد مالك أن الأعمى يمكنه التحرز من مخالفة الإِمام فيصير كتعمد الفوات فإن هذا يمنع من قضاء ما فات إذا بعد.
فهذا صحيح فيما بعد.
ولكنه يلزم عليه منع قضاء ما قرب إذا صار كالمتعمد لأن يفوته الركوع والرفع منه.
وهذا حكم المسابقة في الأفعال.
وأما المسابقة في الأقوال فإن الأقوال على قسمين.: فضائل وفرائض.
فأما الفضائل فإنه ينهى عن تقدم الإِمام فيها فإن تقدمه فيها لم تفسد الصلاة لأن تركها مما لا يفسد الصلاة، ففعلها قبل الإِمام كالترك لها.
وأما الفرائض كالإحرام والسلام فإن تقدم الإِمام في أحدهما عمدًا لم يعتد بصلاته.
وإن تقدمه سهوًا لم يعتد بها في الإحرام؛ لأنه عقد صلاته غير مؤتم.
واعتد بها في السلام، وحمله عنه الإِمام كما يحمل عنه سهو الكلام.
فهذا حكم مسابقة الإِمام في الأفعال والأقوال.
وأما تأخره عنه بأن يدخل في الفعل بعد خروج الإِمام عنه فإن تعمد هذا ممنوع.
وأما فعله مع الإِمام معًا، فلا خلاف في الإحرام والسلام والقيام من اثنتين في أنه لا يفعل ذلك مع الإِمام معًا.
وأما ما سوى ذلك من الركوع والسجود والتكبير ففيه قولان: أحدهما وهو الأظهر أنه لا يفعل ذلك إلا بعده، فلا يركع حتى يراه راكعًا ولا يسجد حتى يراه ساجدًا لقوله عليه السلام: "إذا ركع فاركعوا" 1. والفاء هنا للتعقيب والثاني أن له أن يفعل ذلك معه.
وروي
ذلك عن مالك ولا وجه له فإن تقارن فعل الإِمام والمأموم فأَما الإحرام والسلام ففيهما قولان: أحدهما أنه يعيد الإحرام، فإن لم يفعله أجزأته صلاته والثاني أنه لا يعتد بذلك الإحرام المفعول مع الإِمام ولا تجزيه صلاته ويعيدها أبدًا 1. وقد قدمنا فيما سلف ذكر الخلاف في هذه المسألة.
وقول محمَّد بن عبد الحكم إذا لم يسبق الإِمام بشيء من حروف التكبير لم تُجْز المأموم صلاته.
وأما الركوع والسجود فإن فعل الإِمام منه أكثر من مقدار الفرض صحت صلاة المأموم لأنه قد اتبع الإِمام في مقدار الفرض وفيما يقع عليه اسم ركوع وسجود، وهذا بخلاف تكبيرة الإحرام على القول بمنع الاعتداد بالصلاة.
لأن الركوع والسجود يدوم ويتكرر منه مقدار الفرض، وما يقع عليه اسم ركوع.
وتكبيرة الإحرام لا تكرر فيها وهي فرض واحد لا يتبعض ولا يقع عليه اسم 2 تكبير.
وإن كان الإِمام لم يأت من الركوع إلا بمقدار الفرض فقد أجراه بعض المتأخرين على الاختلاف في تكبيرة الإحرام إذا وقعت مقارنة لإحرام الإِمام لما لم يحصل ها هنا من المأموم متابعة كما لم تحصل في تكبيرة الإحرام.
وقد حصلت المتابعة لامام إذا زاد على مقدار الفرض والاقتداء به فيما يسمى ركوعًا وسجودًا فلهذا لم تجر على تكبيرة الإحرام.
النوافل
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: والنوافل ضربان: منها ما له وقت مرتب وهو ما لا سبب 1 له سوى وقته، ومنها ما يتعلق بسبب فهو تابع له لا يتعلق 2 بالوقت.
ومنها مبتدأ لا سبب له.
فالمتعلق بالأوقات منها صلاة العيدين والوتر وركعتا الفجر.
والمتعلق 3 بسبب: صلاة الكسوف والاستسقاء وسجود القرآن وتحية المسجد، والركوع عند الإحرام وركوع الطواف.
ويلحق بالأول قيام شهر رمضان، وقيام الليل والركوع قبل العصر وبعد المغرب.
فأما صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء فتذكر في مواضعها.
قال الإِمام رضي الله عنه: هذا الفصل نتكلم على ما يتعلق به عند تفصيل القاضي أبي محمَّد الكلام على ما أجمل فيه لكنه قد وقع في كلامه هذا ما يسبق إلى النفس إنكاره.
وذلك أنه حصر التقسيم بعدد جعله كالجنس له، ثم نوعه وفسره بما هو أكثر من ذلك العدد.
فقال: والنوافل ضربان: منها ما له وقت مرتب، ومنها ما يتعلق بسبب، ومنها مبتدأ لا سبب له فأتى بثلاثة بعد أن ذكر أنها اثنان ولعله رحمه الله لما ذكر في تصير المتعلق بالأوقات العيدين والوتر مما قد يظن به أن له سببًا وهي 4 صلاة العشاء أعاد في القسم الثالث ذى ما أشار إليه في الأول بلفظ مقابل للقسم الثاني مقابلة تضادد وعكس حتى ينبه على أن من النوافل ما ابتدىء ابتداء بغير سبب كالعيدين فإنها يعلم أنها شرعت غير
متعلقة بسبب يزول بزواله بخلاف صلاة الكسوف المتعلقة بسبب لا يثبت إلا عنده فكأن حرصه على البيان أوقعه في هذا الذي قد يستدرك عليه في هذا التقسيم.
ولو أورده على غير هذه الرتبة لكان أشبه بعلو منصبه في تحقيق المعاني والبلاغة في إيرادها.
وقد أورد هذا المعنى في أول كتاب الصلاة على غير هذه الرتبة فقال السنة على ضربين: سنة مبتدأة إما لأوقات وإما لأسباب تفعل عندها.
وسنة مشترطة في عبادة غيرها.
وفسر الأول بالوتر والعيدين والكسوف والاستسقاء وفسر الثاني بركوع الإحرام والطواف.
فأنت تراه كيف جمع الوتر مع الكسوف وجمعها مع العيدين اللذين لا إشك الذي أنهما من غير سبب.
وعد ها هنا أيضًا ركوع الطواف فيما هو مشترط في عبادة، وعده في الفصل الذي نتكلم عليه فيما يتعلق بسبب.
والشيء قد يكون له وصفان، فيعد تارة بأحد وصفيه في نوع.
ويعد تارة أخرى بوصفه الآخر في نوع آخر.
ثم قال ها هنا ويلحق بالأول قيام رمضان وقيام الليل والركوع قبل العصر وبعد المغرب.
وكان من حق هذا المستلحق أن يعد غير ملحق لأنه نافلة معلقة بوقت.
ولكنه لما قصر المندوب إليه عن رتبة ما مثل به القسم الأول لأنه لم يقل فيه أحد أنه سنة، جعله ملحقًا ليشعر بذلك انخفاض رتبته في النوافل عن رتبة ما قبله، وأنه غير معدود معها في الرتبة.
وذكر قيام رمضان مع ذكره قيام الليل وإن كان قيام رمضان داخلًا في قيام الليل، والتداخل في التقسيم عيب.
لينبه أيضًا على ارتفاع رتبة قيام ليل رمضان علي ليل ما سواه مما لم يرد الشرع بإلحاقه برمضان.
وذكر الركوع قبل العصر وبعد المغرب ما لتأكدهما عنده علي غيرهما من النوافل.
ولقد عد ابن الجلاب الركوع بعد المغرب من السنن وهذا لتاكده.
وقد كنا أوردنا فيما سلف من الأحاديث ما يقتضي فضيلة الركوع قبل العصر.
وذكر القاضي أبو محمَّد في هذا الفصل ركعتي الفجر.
وقد كنا قدمنا الكلام على الاختلاف فيهما، هل هما من الرغائب كما قال مالك أو من السنن كما قال أشهب؟ قال بعض المتأخرين رأى أشهب أن السنن كل ما قدّر ولم يكن للمكلف الزيادة فيه بحكم التسمية المختصة به.
وركعتا الفجر من ذلك أنها 1 ما فعله عليه السلام
في الجماعات وتكرر.
وركعتا الفجر ليستا من ذلك.
ويستحب مالك الاقتصار فيهما على أم القرآن والإسرار لقول عائشة رضي الله عنهما: إني لأقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ ولو سمعت ما قدرت 1. ولأنها مع صلاة الصبح في صورة الصلاة الرباعية وركعتان من الرباعية تسر قراءتهما ويقتصر فيهما على أم القرآن.
ولمالك في مختصر ابن شعبان يقرأ فيهما بسورتين من قصار المفصل.
وثبت أنه عليه السلام قرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾.
وروي أنه قرأ في الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ 2 الآية.
وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الآية.
ومن أتى المسجد بعد أن ركع الفجر في بيته 3 فاختلف قول مالك هل يركع أم لا؟ فأشار ابن الحرث إلى أنه اختلاف قول في إعادتهما.
وعقب نقله اختلاف قول مالك بقول سحنون ليس عليه أن يعيدهما.
وإلى هذا مال بعض المتأخرين من أهل العصر.
وأنكر ذلك بعض الأشياخ وحمل الاختلاف على الاختلاف في تحية المسجد وإليه ذهب أبو عمران.
واعتل بان مالكًا عورض بقوله عليه السلام: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر 4. فانفصلَ 5 بحديث تحية المسجد.
وهو أثبت مما عورض به.
ولو لم يركع الداخل المسجد للفجر في بيته فقال الشيخ أبو الحسن بن القابسي يركع للتحية ثم يركع للفجر وقال أبو عمران إذا ركعهما للفج رنا با له عن التحية كما تنوب صلاة الفريضة.
وأشار إلى ضعف قول أبي الحسن.
قال بعض أشياخي: أما على قول مالك فيمن ركع للفجر أنه لا يحيي المسجد فإن هذا يقتصر على ركعتي الفجر.
وأما على قوله الآخر فهو بالخيار بالاقتصار على
ركعتي الفجر لكونهما تنوبان عن التحية أو يصلي التحية ثم ركعتي الفجر.
قال وهذا يرجع إلى الخلاف في التنفل بعد الفجر.
فمن أجازه ركع للتحية وتنفل بما أحب.
وقد قال مالك لا بأس أن يصلي بعد الفجر ست ركعات وأجاز صلاة الحزب لمن فاته.
وإنما كرهه ابتداءًا حماية.
فللفذ أن يتنفل بما شاء إذا تأخرت إقامة الصلاة.
ومن أقيمت عليه الصلاة وهو بالمسجد ولم يركع للفجر فليصل مع الإِمام ويترك ركعتي الفجر لقوله عليه السلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة 1. وإنكاره عليه السلام على المصلي 2 عند إقامة الصلاة بقوله: أصلاتان معًا؟ 3 فكان عمر رضي الله عنه يضرب على الصلاة 4 بعد الإقامة.
وخالف ابن مسعود فكان يصليهما والإمام يصلي.
ودخل ابن عمر المسجد والناس في الصلاة فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم خرج... 5 وقال ابن الجلاب يخرج من المسجد ويركعهما إذا كان الوقت واسعًا ولم يعتبر ما في الخروج من أذى الإِمام.
وأما إن كان لم يدخل المسجد فإن قدر على صلاتهما خارجًا منه وإدراك ركعتي الفرض صلاهما.
وإن كان إن تشاغل بهما فاته الركوع مع الإِمام فليتركهما.
وروي عن مالك رواية أخرى أنه يصليهما ما لم يخف ذوات الصلاة.
وبه قال أبو حنيفة.
وراعى الأوزاعي وسعيد ابن عبد العزيز ذوات الركعة الآخرة أيضًا لكنهما قالا إذا لم يخش فواتها 6 وكان في المسجد أنه يركعهما في ناحية من المسجد.
ومن صلى الصبح ولم يركع للفج رنا سيًا فله أن يركعهما بعد طلوع الشمس.
قال الأبهري يكونان تطوعًا لا ركعتي الفجر.
قال بعض المتأخرين إنما صلاهما بعد طلوع الشمس لأنه 7 لم يحل بينه وبين فعلهما صلاة فرض.
قال ومقتضى هذا أنه يصليهما ما لم يصل الظهر.
وقال
الشافعي يمتد وقتهما إلى الزوال.
وحكى بعض أصحابنا عن مالك أنه لا يصليهما بعد الزوال.
وقال بعض أصحاب الشافعي يمتد وقتهما إلى طلوع الشمس.
وقال أبو حنيفة إن أحب قضاهما عند ارتفاع الشمس.
وقد كنا قدمنا في باب الصلاة المنسية حكم صلاتهما لمن نسي الصبح حتى طلعت الشمس وإنما أوردنا الكلام على ركعتي الفجر على خلاف رتبتنا في تعديل المسائل إجمالًا ثم الشروع في الجواب بعد ذكر جميعها لأن القاضي أبا محمَّد لم يقصد الكلام على حكمهما وإنما ذكرهما ها هنا متمثلًا بهما.
فلهذا عدلنا عن الرتبة فيها.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وأما الوتر فسنة بعد العشاء الآخرة وهو ركعة بعد شفع منفصلة عنه.
قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة.
منها أن يقال:
1 - هل الوتر واجب أم لا؟.
2 - وما عدده واحدة، أو ثلاث؟.
3 - وهل من شرطه أن يكون متصلًا بشفع أم لا؟.
4 - وهل يعاد إذا أعيد التنفل أم لا؟.
5 - وهل من شرطه أن ينوي عدده؟.
6 - وما حكم السهو في عدده والشك فيه؟.
7 - وما حكم مدرك ركعة مع الإِمام من الشفع؟
8 - وما وقته؟.
9 - وما قراءته؟.
10 - وما حكم ذكره في الصلاة؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا فيما سلف ذكر الاختلاف في وجوبه وما ذهب إليه أبو حنيفة فيه وقول سحنون يجرح تاركه.
وأصبغ يُؤَدب تاركه.
وما قاله بعض الأشياخ في طريقة هذين وذكرنا الأدلة في ذلك لنا وعلينا فمن أحب مطالعة ذلك فليقف عليه هناك.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في عدد الوتر فقالت الشافعية أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة.
يسلم في 1 كل ركعتين وإن صلاها بتسليمة واحدة جاز.
وقال أبو حنيفة الوتر ثلاث لا يفصل بينهما بالسلام ولا ينقص منها ولا يزاد عليها.
وبه قال علي وعمر وأبي وأنس وابن مسعود وابن عباس وأبو أمامة رضي الله عنهم.
وأما مذهبنا فإنه اختلف القول فيه فقال مرة الوتر واحدة.
وقال في كتاب الصوم يوتر.
بثلاث.
وفي الموازية فيمن ذكر سجدة لا يدري من الشفع أو الوتر أنه 2 يسجد سجدة ثم يعيد الشفع والوتر.
وقد ذهب بعض أشياخي إلى أن هذا يقتضي كون الوتر ثلاثًا وأن الاقتصار على واحدة لا يجزئ لأنه أمر ها هنا بإعادة الشفع ولا معنى لإعادته إلا أن يكون الوتر لا يصح إلا به.
لأنه إذا سجد سجدة الإصلاح تيقن سلامة الوتر لأن السجدة إن كانت من الوتر فقد أصلحه.
وإن كانت من الشفع فقد بطل الشفع وسلم الوتر، فلا معنى لإعادة الشفع إلا أن يكون شرطًا في صحة الوتر.
وهذا عندي تأويل ضعيف.
لأن المذهب لم يختلف عندنا في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الحاضر الذي لا عذر له.
وإنما اختلف المذهب في المسافر ففي المدونة لا يوتر بواحدة.
ولمالك في كتاب ابن سحنون إجازة وتره بواحدة، وأوتر سحنون في مرضه بواحدة ورآه عذرًا كالسفر.
فإذا ثبت أن المذهب لم يختلف في نهي الحاضر عن الوتر بواحدة، صح أن يأمره ابن المواز بإعادة الشفع ليأتي بالوتر على الصفة الكاملة كما تعاد الفرائض في الوقت ليؤتى بها على الصفة الكاملة.
وقد اختلف المذهب في الموتر بواحدة، فقال سحنون إن كان بحضرة ذلك شفعها بركعة ثم أوتر.
وإن تباعد أجزأه، فأمره سحنون بشفع الركعة بالحضرة يطابق قَول ابن المواز.
لأن ابن المواز أمره بالإصلاح بالسجدة، ولا يصح الإصلاح بها إلا في القرب.
لكن أشهب قال فيمن أوتر بواحدة أنه يعيد وتره
بإثر شفع ما لم يصل الصبح.
وهكذا ذكر ابن سحنون أن ابن نافع ذكر في الموتر بواحدة يأتي بركعتين ثم بالوتر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يوتر له ما قد صلى" 1.
وهذا لم يصل شيئًا.
فمقتضى قول أشهب وابن نافع منع الاعتداد بواحدة وأن الوتر ثلاث والتعويل عليهما في هذا المذهب أولى من التعويل على ما ذكره ابن المواز.
وكان أشهب لما رأى الركعة موترة اقتضى ذلك أن يكون قبلها موترًا.
ويجب أن يكون من جنسها.
فإذا وقعت الركعة غير موترة 2 خرجت عن حقيقتها.
وإذا خرجت عن حقيقتها بطلت وإذا بطلت قضيت ما لم يخرج وقتها بصلاة الصبح.
فإذا خرج وقتها لم تقض لأن النوافل لا تقضى بعد أوقاتها.
وكان سحنونًا رأى أن هذه الركعة لما فصلت بالسلام مما قبلها اقتضى ذلك استقلاله ابن فسها.
وأشعر بأن الشفع قبلها من شرط الفضيلة لا من شرط الصحة.
إذ لو كان من نفس الوتر لم يُفصل فيه بسلام.
وأما الشافعية فاحتجت بأنه عليه السلام قال: "إن الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" 3. وبأن ابن عمر قال: الوتر ركعة.
ويقول كان ذلك وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، قالوا وهو مذهب جماعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينكر ذلك منهم أحد 4. وقال أبو أيوب لمن شاء أن يوتر بسبع أو بخمس أو بثلاث أو بركعة.
وقال ابن عباس إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء.
وروي عن سعد ابن أبي وقاص أن ثلاثًا أحب إليه
من واحدة وخمسًا أحب إليه من ثلاث وسبعًا أحب إليه من خمس.
وروي مثله عن أبي موسى الأشعري.
وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم قبل الوتر 1. وبأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة البتيراء 2. وبقول ابن مسعود ما أجزت ركعة قط.
وقياسًا على صلاة المغرب.
وأجيبوا عن هذا بان حديث عائشة رضي الله عنها إن ثبت فمحمول على الجواز والآخر أفضل لأنه أمر به، وهو أثبت منه وأصح.
وأجيبوا عن نهيه عن الصلاة البتيراء.
فإنه إن ثبت، وكان المراد به الوتر كما فسره الراوي، فمحمول على الاقتصار على ركعة لا شفع قبلها، هذا تأويل أصحابنا فيه.
وأما تأويل الشافعية فيه فإن معناه عندهم الركعة الناقصة التي لا يكمل ركوعها ولا سجودها.
وإنما حملوه على هذا لأنهم لا يمكنهم أن يتأولوه كتاويلنا لإجازتهم الاقتصار على ركعة واحدة.
وأما قول ابن مسعود فمحمله على الفرائض لأنه قيل له: صلاة السفر ركعتان وصلاة الخوف ركعة.
فقال ما أجزت ركعة قط.
وأما القياس على المغرب فلا يسلم إلا بعد إبداء جامع بينهما.
ثم الفرق أن المغرب وتر لشفع هو أربع.
والوتر الذي نتكلم عليه إنما هو وتر لنافلة غير محصورة بعدد.
وأما نحن فنحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" 3. فأمر بالوتر بواحدة وذكر تقدم الشفع قبلها، وقال: الوتر ركعة من آخر الليل.
وقال ابن عباس صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ركعتين ثم أوتر فتلك ثلاثة عشرة ركعة.
ولو أوتر بثلاث لكانت خمس عشرة ركعة.
وإن أجابوا عن هذا بما ذكرناه عن عائشة رضي الله عنها بأنه لم يسلم قبل الوتر فقد تقدم جوابه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في الوتر هل من شرطه أن يكون متصلًا بشفعه فروي عن مالك فيمن تنفل بعد العشاء ثم انصرف فلا ينبغي أن يوتر حتى يأتي بشفع.
وروي عنه أيضًا إجازة ذلك.
وبالأول أخذ ابن القاسم فقال فيمن صلى مع الإِمام أشفاعًا ثم انصرف ثم رجع فوجده في الوتر فدخل معه فقال لا يعتد بها، وأحب إليّ أن يشفعها بركعة ثم يوتر.
قيل له فإن فعل قال: إن فعل فالوتر ليس بواحدة وفي رواية أخرى فالوتر ليس بواجب 1. وقد روي عن ابن القاسم فيمن أصبح ولم يوتر أنه إن كان تنفل بعد العتمة فليونر الآن بواحدة.
وهذا لأنه ليس بوقت للنافلة إلا لضرورة، مع تقدم النفل المصحح للوتر على أحد القولين، وإن لم يقارنه.
قال أصبغ فيه: إذا لم يتنفل بعد العتمة فإنه يشفع قبل وتره.
فوجه الأول الاتباع لفعله لفعله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده، وأيضًا فإن الشفع مختص بالوتر، ألا تراه ينسب إليه ويسمى باسمه.
وهذا يقتضي مقارنته له.
ووجه الثاني أنه قد وُجد من النافلة ما يكون هذا وترًا له فوجب 2 صحة الوتر وإن لم يقارن ما كان وترًا له 3. ألا ترى أن المغرب توتر صلاة النهار ووقتها مفارق لوقت صلاة النهار.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: المشهور من المذهب أن من تنفل، بعد وتره فإنه لا يعيد الوتر.
وقال في المبسوط فيمن أوتر ثم ظن أنه لم يصل إلا ركعتين فأوتر بركعة ثم ذكر بعد أن فرغ أنه كان أوتر فإنه يضيف إليها أخرى 4 ثم يستأنف الوتر.
وظاهر هذا أن من شفع بعد وتره يعيد الوتر.
هكذا جعله بعض أشياخي قولًا آخر.
فوجه الأول قوله عليه السلام: لا وتران في ليلة 5. ووجه القول الثاني قوله عليه السلام: "واجعلوا آخر صلاتكم بالليل
وترًا" 1. وقد ذهب بعض الناس إلى أن من كان له تهجد فالأولى أنه لا يوتر مع الإِمام وهذا ليكون وتره آخر تنفله علي مقتضي ظاهر قوله: واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا.
واختار ابن المنذر أن يوتر مع الإِمام، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل إذا قام مع الإِمام حتي ينصرف كتب له بقية ليلته " 2. وقد ذهبت طائفة إلى أن من سلم من وتره ثم رأى أن عليه ليلًا فأراد التنفل أنه يشفع وتره بركعة أخرى.
وروي ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وأنكره جماعة من الصحابة، وأكثر الفقهاء.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وتران في ليلة.
ولأن السلام ينافي استدامة الصلاة ويمنع إضافة ما بعدها إليها 3.
والجواب عن السؤال الخاص: أن يقال: اختلف المذهب فيمن أحرم بشفع ثم أحب أن يجعله وترًا.
أو أحرم بوتر ثم أحب أن يجعله شفعًا فقال مالك في الموازية: ليس له ذلك في الأمرين جميعًا.
وذكر الداودي عن 4 أصحابنا أنه لا يجوز أن يوتر بركعة تفتتح بغير نية الوتر.
واختلف إن أحرم فيهما على شيء ففعل خلافه فقال أصبغ يجزيه.
وقال محمَّد لا يجزيه إذا أحرم بشفع ثم جعله وترًالأولعله يجزيه إذا أحرم بوتر فشفعه.
فوجه الإجزاء فيهما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خشي احدكم الصبح ركعة" 5.وظاهر هذا أنه إذا خشي الصبح وهو في الشفع انصرف من ركعة لأنه لم يفرق بين من خشي الصبح وهو في صلاة أو في غير صلاة.
وإذا ثبت بظاهر هذا الحديث صحة وتر من أحرم على شفع فقس عليه من أحرم على وتر فشفعه.
وأيضًا فإن الوتر والشفع نفلان.
والقصد إلى العدد ليس بشرط في صحة الصلاة.
وهذا قد نوى النفل فلا يينعه الإجزاء مخالفة القصد في العدد.
ووجه تفرقة ابن المواز أن الوتر آكد من الشفع فإذا أحال الأضعف إلى الأقوى لم يجزه.
لأن الأقوى يفتقر إلى زيادة نية لقوته
فلهذا لم يُجز من أحرم بشفع أن يجعله وترًا.
وإذا أحرم 1 وأحال الأقوى إلى الأضعف أجزأه.
فلهذا أجزأ من أحرم بوتر إذا شفعه.
ومما يشهد بصحة هذا أن الفرض يصح أن يحال إلى النفل ولا يصح أن يحال النفل إلى الفرض.
ومما خُرّج على هذا قول مالك فيمن افتتح الصلاة في المسجد فلما صلى منها ركعة أقيمت عليه الصلاة أنه يشفع ركعته.
ولو كان في المغرب لقطع ولم يشفع.
فلما كانت المغرب وترًا لم تحل إلى الشفع بخلاف غيرها من الصلوات التي ليس في إحالتها تحويل الأقوى إلى الأضعف.
وقد كنا تكلمنا على علة التفرقة بين المغرب وغيرها في موضعه وعللناه بعلة أخرى سوى هذه العلة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: من زاد في وتره ركعة ساهيًا فقال مالك يجزيه ويسجد لسهوه، وفي المبسوط يستأنف وتره وهذا مخرج على ما قدمناه من الاختلاف في كثرة السهو.
وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في حد ما يفسد الصلاة منه.
فتُرد هذه المسألة إليه.
وكذلك إذا شك فلم يدر هل جلوسه في الأولى أو في الثانية أو في الوتر فإنه يبني على ما قدمناه من الشك في عدد الركعات.
وأنه مأمور بان يبني على اليقين، واليقين ها هنا ركعة فليأت بأخرى ويسلم.
ويسجد لسهوه ثم يوتر لواحدة.
وهذا جار على ما أصلناه من البناء على اليقين لأنه لم يستيقن الأصلاة الشفع خاصة.
وشك هل أوتر أم لا، فكان عليه أن يوتر كمن شك هل صلى أم لا؟.
فأما أمر ابن القاسم له في المدونة بالسجود فقد خالفه غيره وقال لا سجود عليه.
واختلف المتأخرون في وجه أمر ابن القاسم له بالسجود بعد السلام.
فصار الأبهري وبعض الأشياخ إلى أنه إنما أمره بذلك لجواز أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتي الشفع من غير سلام فيصير قد صلى الشفع ثلاثًا فيسجد بعد السلام لأجل الزيادة.
وأنكر هذا بعض الأشياخ ورأى أن مقتضى هذا التعليل أن يكون السجود قبل السلام لركه السلام من الشفع.
كقول أشهب فيمن لم يسلم من الشفع وصلى الوتر أنه يسجد.
قال ابن المواز يريد قبل السلام.
وذهب بعضهم إلى أن وجه ما قاله ابن القاسم أنه لما شك في الوتر
وكان من حقه أن يأتي به، شفع ما هو فيه بسجدتين لئلا يكون متنفلًا بركعة واحدة.
واقتصر ها هنا على تشفيعها بسجدتين دون أن يشفع بركعة أخرى لئلا يكون لم يوتر فتقع له هذه الركعة مفردة.
ثم بعدها ركعة الوتر.
والإتيان بركعة مفردة ثم أخرى مفردة غير مشروع؛ لأن التنفل لا يكون بواحدة.
وكذلك لو قدرنا أنه أوتر لكان فيه التكرير الممنوع.
فلما كان الشفع بركعة يوقع في مكروه عدل عنه إلى الشفع بسجدتين.
وقد جاء الشرع بكونهما شافعتين لقوله في حديث الشاك وإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين 1.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: من أدرك ركعة من الشفع مع الإِمام فلا يسلم معه وليصل معه الوتر.
فإذا سلم منه سلم معه ثم أوتر، إلا أن يكون الإِمام لا يسلم في شفعه.
ففي سلام هذا مع الإِمام قولان: أحدهما أنه لا يسلم إذا سلم الإِمام من وتره لأنه شفع المأموم وقد كان إمامه لا يسلم من شفعه فيؤمر هذا بان يفعل كفعل إمامه.
وهذا مذهب ابن القاسم.
والثاني أنه يسلم لأن المأموم مأمور عندنا أن يسلم من الشفع.
وإنما أمرنا من دخل مع الإِمام في أول شفعه بان لا يسلم من الشفع إذا كان الإِمام لا يسلم منه لئلا يخالف على الإِمام فيكون الإِمام يفعل فعلأويفعل هو خلافه.
وهاهنا لا مخالفة على الإِمام بل صورة الحال موافقة للإمام في الظاهر.
وإذا لم تكن فيه مخالفة أمران يفعل فيما ينفرد بفعله ما هو البخاري على مذهبه.
وإلى هذا ذهب مطرت وابن الماجشون.
وطريقة الشيخ أبي محمَّد في هذا حمل قولهم يصلي معه الوتر على أن المراد به محاذاة الإِمام في الركوع والسجود لا الائتمام به في ركعة الوتر؛ لأنه لو ائتم به لكان محرمًا قبل إمامه.
وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر في مدرك الركعة الأخيرة من أحد أشفاع رمضان.
فإنه إذا صلاها مع الإِمام لا يسلم بسلامه ولكنه إذا قام الإِمام إلى شفع ثان حاذي هذا في قضاء ركعته فعل
الإِمام فإذا صلى ركعة القضاء جلس فتشهد وسلم، ثم هو بالخيار بين أن يدخل هو في صلاة الإِمام أيضًا أو ينتظره حتى يسلم.
إلى هذا ذهب مالك رحمه الله.
وذهب ابن القاسم إلى أنه يتبع الإِمام في ركعة القضاء.
وكأن هذا يقتضي ألا يحاذيه في ركعة الوتر.
لكن الشيخ أبا محمَّد حمل الأمر في هذه الرواية عن ابن القاسم، على أن ابن حبيب تأول ذلك عليه.
وإنما مراد ابن القاسم أن يصحبه بصلاته إذا قام الإِمام إلى الشفع الآخر من أشفاع رمضان.
وقول مالك ها هنا يوافق تأويل الشيخ أبي محمَّد.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: أما صلاة الوتر فمبدأ وقتها عند الفراغ من صلاة العشاء فإن قدمت على ذلك مع الذكر والعمد لم يعتد بها، وإن قدمت نسيانًا لصلاة العشاء، أو أخرت عنها ولكن بطلت صلاة العشاء لعدم الطهارة وشبهه فإنه لا يعتد بها أيضًا خلافًا لأبي حنيفة والثوري في مصيرهما إلى الاعتداد بها إذا قدمت نسيانًا قياسًا على سقوط الترتيب بين صلاتي فرض مع النسيان.
وهذا لا يسلم له لأن الوتر عندنا غير واجب.
ولأنه يفعل تبعًا لصلاة أخرى والفرضان ليس أحدهما تبعًا للآخر.
فالفرع بخلاف 1 الأصل، مع تسليم الأصل.
وأما آخر وقتها فطلوع الفجر.
واختلف في صلاته بعد الفجر إذا لم يصلّ الصبح فقال مالك: يصلي حينئذٍ.
ووتجهه بعض المتأخرين على أنه وقت ضرورة للوتر.
وبصلاته حينئذٍ قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة، رضي الله عنهم.
وقال ابن مسعود: وقت الوتر ما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح.
وذهب أبو مصعب إلى أنه لا يُقْضى بعد الفجر.
وقال ابن الجهم: إنما قال مالك يُصلى بعد الفجر وإن كان من صلاة الليل للاختلاف في الفجر.
فقد قال قوم هو من الليل وقال قوم من النهار وقال قوم حال بين حالين.
فلتاكده أحب قضاءه في هذا الموضع.
ومذهب الشافعية أن بطلوع الفجر يخرج وقته.
كما قال أبو مصعب لكنهم يقولون بقضائه.
وقال سعيد بن جبير من فاته الوتر يوتر من الليلة القابلة.
وقال طاوس يصلي الوتر وإن صلى
الصبح.
فحجة من جعل آخر وقته طلوع الفجر قوله - صلى الله عليه وسلم - في كتاب مسلم: "بادروا الصبح بالوتر" 1. وقوله: " فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى" 2. وروي أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا طلع الفجر فقد ذهب فعل صلاة الليل والوتر فأوتروا قبل الفجر" 3. وأما إجازة مالك صلاته بعد الفجر إذا لم يصل الصبح، فقد أشار إلى توجيهه ابن الجهم.
وأما من قضاه بعد خروج الوقت فلأنه سلك بالسنن مسلك الفرائض في قضائها بعد الوقت على الجملة.
ولو كان قد ذكر الوتر ولم يصل الصبح في زمن لم يبق بينه وبين طلوع الشمس سوى قدر ركعتين فاختلف في ذلك: فقيل يصلي الصبح وقد فات وقت الوتر.
وقيل لم يفت لأنه إذا صلى الوتر أدرك ركعة من الصبح قاله أصبغ.
وقال في مدرك مقدار أربع ركعات أنه يوتر بثلاث ويصلي الصبح.
وعلى القول الآخر يوتر بواحدة ليحضل جميع الصبح قبل الطلوع.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما القراءة في الشفع فقد اختلفت الرواية فيها عن مالك، فروي عنه في المجموعة أن الناس يلتزمون في الوتر قل هو الله أحد والمعوذتين وما ذلك بلازم وإني لأفعله.
أما الشفع فما عندي فيه شيء يستحب القراءة به دون غيره.
وروى عنه ابن شعبان أنه يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية قال يا أيها الكافرون وإليه ذهب الشافعي إذا اختار المصلي أن يوتر بثلاث لأن مذهبه إباحة الوتر بواحدة كما قدمنا.
وقد كنت في سن الحداثة وعمرني عشرون عامأوقع في نفسي أن القراءة في الشفع لا يستحب تعيينها إذا كانت عقب تهجد بالليل.
وإن الاستحباب إنما يتوجه في حق من اقتصر على شفع الوتر فأمرت من يصلي التراويح في رمضان أن يوتر عقيب
فراغه من عدد الأشفاع ويأتي بجميع مقروآته بالحزب الذي يقوم به فيه ويوتر عقيبه.
فتمالأ المشائخ المفتون حينئذٍ بالبند على إنكار ذلك واجتمعوا بالقاضي وكان ممن يقرأ علي، ويصرف الفتوى فيما يحكم به إلى.
فسألوه أن يمنع من ذلك فأبى عليهم إلا أن يجتمعوا لمناظرتي على المسألة فابوا، فأبى.
واتسع الأمر وصارت المساجد تفعل كما فعلت وخفت اندراس ركعتي الشفع عند العوام إن لم تُخص في رمضان بقراءة.
فرجعت إلى المألوف.
ثم بعد زمن طويل رأيت أبا الوليد الباجي أشار في كتابه إلى الطريقة التي كنت سلكت، فذكر في بعض كتبه قول مالك في الشفع: ما عثدي فيه شيء يستحب القراءة به فيه، فقال هذا يدل على أن الشفع من جنس سائر النوافل.
قال وهذا عندي لمن كان وتره واحدة عقيب صلاته بالليل.
فأما من لم يوتر إلا عقيب الشفع فإنه يستحب له أن يقرأ في الشفع بسبح وقيل يا أيها الكافرون، فأنت ترى أبا الوليد كيف فصل التفصيل الذي كنت اخترته.
وذكر أن الوتر إذا كان عقيب صلاة الليل لم يفتقر في الشفع إلى قراءة معينة، اللهم إلا أن يكون أراد قيام المتهجدين في غير رمضان.
لأن 1 رمضان يجتمع فيه الناس على التنفل ويُتّبع فيه فعل السلف بالاقتصار على عدد معلوم فيكون مخالفًا لما سواه من قيام الليل.
فقد يمكن أن يقصد إلى ذلك.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد 2.
وقالت عائشة رضي الله عنها كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما في الأولى بفاتحة الكتاب وسبح، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وقيل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص وقيل أعوذ برب الفلق، وقيل أعوذ برب الناس.
وظاهر حديث عائشة هذا يرد على ما كنا اخترناه في سن الحداثة، واختاره أبو الوليد الباجي لأن عائشة رضي الله عنها حكت فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. والظاهر أنها حكت وتره عقيب تهجده في السحر - صلى الله عليه وسلم -. لكن مما
يحتج لهذا المذهب الذي كنا اخترناه أن غيرها ممن حكى قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدد ركعاته ووصفها لم يذكر أنه خص الركعتين اللتين يليهما الوتر بقراءة.
وقد قال بعض الأشياخ المختار ما قاله مالك من أن الشفع لا تستحب فيه قراءة معينة لقوله عليه السلام: "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى" 1. وظاهره أن الشفع لا يفتقر أن يخص بنية ولا بقراءة.
وأما القراءة في الوتر فإن المختار عند مالك أن يقرأ بأم القرآن والإخلاص والمعوذتين.
وقال في المجموعة أن الناس يلتزمون في الوتر قراءة قل هو الله أحد والمعوذتين وما ذلك بلازم، وإني لأفعله.
وذهب أبو حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق إلى الاقتصار فيها على فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص.
وحجتهم ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بسبح وقيل يا أيها الكافرون وقيل هو الله أحد ويَقْنُت في الثالثة قبل الركوع 2. ولنا عليهم حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وهو أولى.
ولأن فيه زيادة والزيادة مقبولة من العدل.
ولو قرأ بأم القرآن خاصة في وتره سهوًا فلا سجود عليه، قاله مالك.
ولو نسي أن يقرأ في ركعة وتره، فقد استحب مالك أن يضيف إليها أخرى ويسجد لسهوه ثم يوتر.
وقال بعض المتأخرين 3. والقراءة في ركعة الوتر جهرًا.
وهو بالخيار في شفعها.
إن شاء جهر وإن شاء أسرّ.
فإن أسز في الوت رنا سيًا سجد قبل السلام.
وإن جهل أو تعمد فعليه الإعادة في ليلته، وبلغني ذلك عن يبيح بن عمر.
قال بعض الأشياخ هذا استحسان بعيد.
وقد اختلف فيمن تعمد الإسرار في الفرض هل يعيد فكيف في الوتر؟ وقال بعض الحذاق: المجهور فيه الصبح والجمعة والأوليان من المغرب والعشاء ومن غير الفرائض العيدان والاستسقاء والوتر إذا أمّ فيها بالناس.
فأما الناس في المساجد فإنهم يسرون إذا أوتروا أفذاذًا لئلا يجهر بعضهم على بعض في القراءة.
ويُسرّ في غير الفرائض في ركعتي الفجر وصلاة الكسوف.
وأما النوافل التي لا تتعدد
فهو بالخيار بين الجهر والإسرار.
واستحب ابن حبيب الجهر في نافلة الليل.
وقال الشيخ أبو محمَّد يستحب الأسرار في نافلة النهار.
وهكذا في المبسوط أنه يخافت بالقراءة.
وقال القاضي أبو محمَّد اختلف في الجهر في نافلة النهار فقيل جائز وقيل مكروه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما الوتر إن ذكرها وهو في صلاة الصبح وهو في وقت يمكن إذا قطع وأوتر أن يدرك الصبح قبل طلوع الشمس فإنه لا يخلو من أن يكون فذًا أو إمامًا أو مأمومًا.
فإن كان فذًا فالمشهور أنه يقطع وفي المبسوط لا يقطع.
وإن كان إمامًا، ففي كتاب ابن حبيب أنه يقطع.
ويتخرج على القول الآخر أنه لا يقطع.
وإن كان مأمومًا فقيل: يقطع وقيل لا يقطع، وقيل إن شاء تمادى مع الإِمام فإذا فرغ أوتر وأعاد الصبح.
وهذه الثلاثة أقوال مروية عن مالك.
وحمل بعض أشياخي تماديه إذا اختار ذلك على القول بالتخيير على أنه يتمادى بنية النفل.
وسبب الاختلاف في جميع هذه الأقسام تقابل الأعمال وترجيح بعضها على بعض.
فمن أنكر القطع فلأن الوتر سنة وصلاة الصبح فريضة فلا يقطع الفرض لما هو دونه.
ومن قال بالقطع فلأن الوتر سنة مؤكدة يخشى فواته والصبح إن قطعها لم تفت وعاد إليها.
ومن فرق بين المأموم وغيره فلاجل أن الجماعة مسنونة فاجتمع صلاة الفرض وسنة الجماعة.
فكان آكد.
من الوتر.
فلهذا لم يقطع المأموم.
ولو أن ذاكر الوتر ذكرها وهو بالمسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يخرج لصلاتها لتأكدها ولا يخرج لركعتي الفجر.
وقد أسكتَ عبادةُ المؤذن لأجل الوتر مع ما روي من قوله عليه السلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة 1.
قال بعض حذاق المتأخرين يحتمل أن يعتقد حمل الحديث على المأموم.
وأما الإِمام فله إسكات المؤذن والإتيان بمؤكد النفل.
لأن الصلاة لا تنفذ إقامتها دونه.
وهو بخلاف غيره.
وقد روى ابن القاسم عن مالك إذا أخذ المؤذن في الإقامة للفجر ولم يكن الإِمام ركع ركعتي الفجر فلا يخرج إليه ولا يُسْكته.
وليصل ركعتي الفجر قبل أن يخرج إليه.
قال بعض الأشياخ أسكت عبادة
المؤذن لتأكد أمر الوتر.
ولأنه لو صلى لم يأت به بعد ذلك.
وركعتا الفجر إن شاء صلاهما إذا طلعت الشمس.
وهذه إشارة إلى أنه لا يسكت المؤذن لركعتي الفجر.
وقد قدمنا قول مالك لا يسكته وليصل ركعتي الفجر قبل أن يخرج إليه.
فقد نهى عن إسكاته.
ولكنه ذكر أنه يصليهما قيل الخروج إليه.
ولم يذكر إذا لم يمكنه صلاتهما.
وقد قدمنا إشارة بعض الأشياخ في هذا.
والأسبق إلى النفس من ظاهر هذه الروايات أنه لا يسكته.
وقد ذكرنا تفرقته في الخروج من المسجد إذا أقيمت الصلاة بين صلاة الوتر وركعتي الفجر فأخرجه في الوقر لتأكدها.
ولم يخرجه لركعتي الفجر لانخفاض رتبتهما عن حرمة الإقامة 1.
سجود التلاوة 1
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وأما سجود القرآن فعزائمه 2 إحدى عشرة سجدة.
أولها خاتمة الأعراف 3، وثانيها في الرعد عند قوله وظلالهم بالغدو والآصال 4. وثالثها في النحل عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ 5. ورابعها في بني إسرائيل في قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ 6. وخامسها في مريم عند قوله: ﴿وَبُكِيًّا﴾ 7. وسادسها أولى الحج في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ 8. وسابعها في الفرقان عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ 9. وثامنها في النمل عند قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 10. وتاسعها في آلم تنزيل عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ 11. وعاشرها في "ص" عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ 12 وقيل ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ 13 والحادية عشر في
فصلت عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 1، وقيل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ 2 وليس في المفصل منها شيء.
ويسجدها من قرأها في صلاة فرض أو نفل، واختلف عنه في فعلها في الأوقات المنهي عنها.
قال الإِمام رضي الله تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالًا.
منها أن يقال:
1 - هل سجود التلاوة واجب أو مستحب؟.
2 - وما عددها؟.
3 - وما مواضعها؟.
4 - وما حكم قراءتها في الصلاة؟.
5 - وما حكم من نسي أن يسجدها في الصلاة؟.
6 - وما حكم من أراد أن يسجدها فنسي فركع؟.
7 - وما حكم سامعها؟.
8 - وما حكم تكررها؟.
9 - وهل تفرد بالقراءة؟.
10 - وما حكم السلام فيها والإحرام؟.
11 - وهل من شرطها الطهارة؟.
12 - وما حكم سجودها في الوقت المنهي عنه؟.
13 - وما حكم سجود الشكر؟.
الجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في سجود التلاوة فذكر بعض أصحابنا أنه سنة عند مالك والشافعي، وواجب عند أبي حنيفة.
فأما ما 3 ذكره عن أبي حنيفة والشافعي فصحيح.
وأما ما (3) ذكره عن مالك فإن المتأخرين من أصحابه اضطربوا، فبعضهم أطلق القول بأنها سنة.
والقاضي أبو محمَّد أطلق القول في هذا الكتاب أنها فضيلة.
والذي اشتهر من قول مالك
فيها:- اجتمع 1 الناس- وروي عنه: الأمر المجتمع عليه عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء.
قال بعضهم معنى العزائم: إنها آكد مما سواها.
ومعنى قوله: اجتمع (1) الناس: أنهم أجمعوا على السجود فيها.
ولم يرد أنهم أجمعوا على 2 ألا سجود إلا فيها كما ظن به بعض الناس.
وقد 3 استدل كل واحد من المتأخرين على أن ما ذكره هو مذهب مالك بما وقع في المدونة.
فاستدل من قال: أنها سنة، بقوله يسجدها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، فألحقها بحكم صلاة الجنازة.
ورفعها عن رتبة النوافل.
وهذا يقتضي كونها سنة.
واستدل الشيخ أبو القاسم بن الكاتب على أنها مستحبة بقوله: كان مالك يستحب له إن قرأها في إبان الصلاة ألا يدع سجودها.
وينفصل عن هذا الأولون بأن إطلاق الاستحباب لا ينفي كونها سنة.
وأما أبو حنيفة فيستدل بما ورد في القرآن من الأمر كقوله واسجد واقترب 4. وأجيب عنه بأنه يمكن أن يحمل على سجود الفرض.
وبأنه 5 يقتضي السجود قبل التلاوة.
وهذا لا يجب إلا بالتلاوة.
ويستدل أيضًا بان السجدة جعلت في القرآن علمًا على ترك الاستكبار.
وترك الاستكبار واجب، وعلمًا على ترك السآمة والنفور عن الطاعة وما جعل علمًا على الواجب فهو واجب.
وأجيب عن هذا بأنه لم يرد ما ذكره في سجود التلاوة.
وإنما ورد إنكارًا للتكذيب والعناد.
ودعاءً 6 إلى الطاعة والانقياد.
ويستدل أيضًا بان صيانة الصلاة عن الزيادة فيها لاضافة ما ليس منها إليها واجب.
فلو كانت السجدة نفلًا لما سجدها المصلي.
لأن الصيانة الواجبة أولى من النفل.
فلما
كانت في الصلاة دل سجودها على أنه واجب من وجوب الصيانة.
وأجيب عن هذا بأن المصلي لم يقطع القيام المفروض لأن القيَام المفروض هو ما اشتمل على القراءة الواجبة وما زاد فليس بمفروض: فلا ينكر قطع ما ليس بفرض بما ليس بفرض.
وإن صوروا مصليًا لا يحسن أم القرآن ويحسن آيات فيها سجدة، وأوجبوا عليه الإتيان بتلك الآيات، فقد قال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي لا يبعد المنع ها هنا من سجود التلاوة، وحتى لا ينقطع القيام المفروض.
وأما مالك والشافعي فيستدلان بأن رجلًا قرأ بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يسجد فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كنتَ إمامًا فلو سجدت لسجدتُ معك" 1 ولم ينكر عليه ترك السجود.
وبأن عمر رضي الله عنه قرأ سجدة على المنبر فسجد ثم قرأها في يوم آخر فتهيأ الناس للسجود فلم يسجدها.
وقال إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
ولم ينكر ذلك عليه أحد.
وأجيب عن هذا بأن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود إنما كان في الحال.
قال المخالفون: عندنا السجود على الفور إذا لم يسجد القارئ.
وهذا الذي قالوه خلاف لتعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه لم يعلل بأكثر من تَركه السجود.
ولم يذكر عزمه على السجود على الفور إذا لم يسجد القارئ في المستقبل.
والظاهر أنه لو كان لذكره.
وأجيب عن فعل عمر أن معناه إلا أن نشاء قراءتها ولم يكتب علينا تعجيلها إلا أن نشاء.
وهذا خروج أيضًا عن ظاهر قول عمر.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف المذهب في عدد سجود التلاوة فالمشهور أنه إحدى عشرة سجدة.
وذكر القاضي أبو محمَّد في غير هذا الكتاب عن مالك أنه قال العزائم أربع عشرة سجدة.
وأضاف إِلى الإحدى عشرة ثلاث سجدات من المفصل وجعلها من العزائم.
وقال ابن وهب وابن حبيب هي خمس عشرة سجدة.
وأثبتا ثانية الحج.
وأما الشافعي فإنه اختلف قوله: فقال مرة أربع عشرة سجدة سوى سجدة "ص" فإنها سجدة شكر.
وقال مرة أخرى
إحدى عشرة سجدة فأسقط منها سجدات المفصل وبه قال ابن عباس وابن عمر
وأبي وزيد رضي الله عنهم.
وأما أبو حنيفة فإنه قال بالأربع عشرة إلا أنه أسقط
الثانية من الحج وعد مكانها سجدة "ص".
وقال أبو ثور ثلاث عشرة فأسقط
منها سجدة النجم.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال عشرة وأسقط سجدة "ص".
وقال علي وابن مسعود العزائم أربع: ألم تنزيل وحم تنزيل والنجم.
واقرأ باسم ربك لأنه أمر بالسجود، والبقية وصف.
وهكذا حكى عنهما ابن شعبان.
وحكى عنهما غيره أنهما قالا: أربع سجدات من العزائم، سجدتا الحج، وآخر النجم، وآخر العلق.
فأما نفي السجود من المفصل وهو المشهور عندنا، فلقول زيد بن ثابت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في: "والنجم" 1 ولقول ابن عباس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك السجود في المفصل بعد الهجرة 2. وأما إثباته فإن أبا هريرة رضي الله عنه صلى العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فكيل له ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت فيها خلف أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - ولا أزال أسجدها حتى ألقاه 3. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة سجدة في القرآن ثلاث منها في المفصل 4. ولأن السجود في غير المفصل عند مدح لمن 5 سجد أو ذم لمن (5) ترك.
وكذلك سجود المفصل وسجدة النجم أمر.
وانفصل هؤلاء عن حديث زيد بأنه محمول على أنه كان القارئ فلم يسجد لعذر منعه من السجود، فلهذا لم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -. لأنه قال قرأت على
النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد ولم يقل إني سجدت.
وأما حديث ابن عباس فأجيب عنه بأنه لم يشهد جميع إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وإنما كان قدومه سنة ثَمان بعد الفتح فلا يُرد حديث أبي هريرة مع صحة سنده بمثل هذا.
مع كونه مثبتًا والمُثبِت أولى.
مع جواز أن يحمل على أنه ترك السجود ليشعر بسقوط وجوبه أو يكون تركه لأنه اتفق أن كان عذرٌ منع من السجود.
وأما السجدة الثانية من الحج فقد تعلق من أثبتها بقول عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة 1. وأجيب عنه بأنه لم يقل أنه سجد فيها ولا أمره بالسجود.
ولعله أراد أن يخبر أنه سمع القرآن كله منه أو أكثره.
وتعلقوا بقول عقبة: يا رسول الله في الحج سجدتان قال نعم.
من لم يسجدهما فلا يقرأهما 2 وبأنه مذهب عمر وأبي وعلي وابن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
وقال ابن إسحاق أدركت الناس سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين قالوا والآية وإن ذكر فيها الركوع مع السجود فلا يقتضي ذلك سقوط السجود في التلاوة.
وقياسًا على قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ 3 لأن هذا قياس ترده الآثار التي ذكرناها.
أما قول الشافعي في سجدة "ص" إنها ليست من العزائم لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأها فسجد ثم قرأها في الجمعة الأخرى فلم يسجد حتى تشوف الناس سجودها فنزل وسجد، وقال إنها توبة نبي.
ولكن رأيتكم تشوفتم السجود فسجدت 4. فلا دليل فيه على أنها بخلاف غيرها من العزائم لأن الغرض بالخبر الإشعار بسقوط وجوبها.
وكذلك قوله سجدها داود توبة ونحن نسجدها
شكرًا 1. فلا دليل فيه.
لأن سجود التلاوة يكون لنفي الاستكبار أو الائتمار 2 أو الشكر.
وأما قول ابن عباس ليست من العزائم فمعناه ليس مما ورد بلفظ الأمر بالسجود، أو في مواضع التعظيم والمدح وإنما هي توبة نبي.
على أنه روي عنه أيضًا أنه قال سجدها داود وأمر صاحبكم أن يقتدي به 3 يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي بعض الطرق عنه أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، فقال أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده (3). وقد سجد عثمان في صلاته وسجد الناس معه ولم ينكر عليه أحد.
فلو كانت سجدة شكر كما قاله الشافعي لم يجز إدخالها في الصلاة.
والجواب عن السؤال الشاك: أن يقال: أما مواضع السجود فقد ذكره القاضي أبو محمَّد في كتابه هذا وذكر الاختلاف فيه في موضعين.
فأما سجدة "ص" ففيها قولان.
كما ذكر فاختار ابن حبيب قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ 4.
واختار الشيخ أبو الحسن ابن القابسي ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ 5 وهو الذي ذكره الوقار.
فأما اختيار ﴿حُسْنَ مَآبٍ﴾ فلأنه متصل بذكر السجدة ومتضمن للثناء على فعلها وإشارة للحض عليها، فكان إيقاع السجود عنده أولى.
وأما اختيار قوله وأناب، فلأنه اللفظ المشتمل على ذكر ما فعله من الركوع والإنابة.
فكان حقيقة التشبيه به فيه يقتضي فعله عند ذكر ذلك عنه.
وكذلك الاختلاف في سجدة حم تنزيل فذهب مالك والشافعي إلى أنها عند قوله تعالى: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ 6 وروي عن عمر رضي الله عنه وقال ابن وهب من أصحابنا وأبو حنيفة عند قوله ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ 7 وإليه ذهب ابن عمر رضي الله عنه.
وتوجيه هذا الاختلاف كنحو توجيه ما تقدم في سجدة "ص".
فمن قال: تعبدون فلأنه موضع الأمر فكانت حقيقة الامتثال السجود عند ذكره.
ومن قال لا يسئمون فلانه تمام معاني السجدة فإنها شرعت مرة بالأمر ومرة بذكر استكبار الكفرة.
وذكر خشوع المطيعين.
وفي الآية الأولى أمر وفي الثانية ذكر استكبار الكفرة وخشوع الملائكة فكان إيقاع السجود عند استيفاء المعنيين أولى.
وقد جاءت سجدة الرعد والنحل والحج بمدح من سجد، وسجدة الفرقان وغيرها بذم من عاند.
فامرنا بالتشبه بالممدوحين والمخالفة للمعاندين.
وجاءت سجدة النجم وغيرها بالأمر بالسجود فامتثلناها.
فلما اشتملت سجدة حم على معنيين مما ذكرناه 1، حسن إيقاع السجود عند استيفائهما مع أنه إحوط.
وزيادة هذا المقدار من التلاوة لا يُخرج عن حكم السجود على القول الأول.
وأما مواضع السجود التي لم يذكرها القاضي أبو محمَّد فذكر ابن حبيب أن السجدة الثانية في الحج عند قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 2. وفي النجم آخرها عند قوله: ﴿وَاعْبُدُوا﴾ 3. وكذلك في الانشقاق والعلق.
عند خاتمتهما.
قال القاضي أبو محمَّد السجدة في الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ 4.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما المصلي صلاة الفرض فهل يجوز له أن يقرأ ما فيه سجدة أم لا، فإنه إن كان إمامًا وخاف أن يُخلّط على من خلفه نهي عن ذلك.
وإن أمن التخليط على غيره إذا سجد أو كان فذًا فظاهر المذهب على قولين: فإن كانت الصلاة صلاة سر فإن سجوده يتقى منه أن يخلط عليهم، وإن كانت صلاة جهر والجماعة كثيرة فكذلك أيضًا لأن الجهر وإن كان رافعًا للتخليط فالكثرة توقع فيه.
وإن كانت الجماعة قليلة.
فإنه يؤمن من التخليط.
فأجازه مالك في المجموعة والعتبية.
وكرهه في المدونة للإمام على الإطلاق.
وكذلك أيضًا كره في المدونة للفذ وأجيز ني غيرها.
وأما الشافعي فإنه لا يكره قراءة سجدة في الصلاة.
وأما أبو حنيفة فإنه يكره ذلك في صلاة
السر دون الجهر.
والدليل على الجواز حديث أبي هريرة لما صلى بهم فقرأ بالانشقاق فسجد ثم قال سجدت بها خلف أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - وأيضًا فإنه قد ثبت أنه عليه السلام كان يقرأ في يوم الجمعة في الصبح بـ ﴿الم﴾ "السجدة" وهل أتى على الإنسان 1. وكان عبد العزيز بن مروان وأبو بكر بن حزم يؤمان بهما في الصبح يوم الجمعة وحديث أبي هريرة وما ذكر معه فإنما هو في صلاة الجهر.
فلهذا قصر أبو حنيفة الجواز على صلاة الجهر وحملناها نحن على الأمن من التخليط، فلهذا اشترطناه.
وأما الشافعي فيحتج للجواز، وإن كانت صلاة سرّ، بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - سجد في الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ سورة سجدة 2. وأما اختلاف أصحابنا في الفذ، والإمام الذي يأمن من التخليط فسببه أن من اعتبر في علة الكراهة التخليط أجاز للإمام الذي يأمن من التخليط وللفذ.
ومن اعتبر زيادة في الصلاة على مقاديرها اختيارًا.
وأن ذلك على خلاف المشروع كره للإمام وإن أمن وللفذ.
وإن قرأ الإِمام السجدة في الموضع الذي أجزناه له فلا شك أنه مأمور بسجودها ومن خلفه مأمور باتباعه.
وإن قرأها في الموضع الذي نهيناه عنه سجد بها.
إذ لا يحسن الإخلال بالسجود بعد قراءتها.
واختار بعض أشياخي إذا قرأ سورة السجدة ألا يقرأ موضع السجدة تحرزًا من الكراهة.
فإن قرأها وكانت صلاته سرًا أعلن بقراءة 3 السجدة ليشعر من خلفه أنه لذلك سجد وقد قال أبو هريرة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا الظهر ويسمعنا الآية أحيانًا 4. فإذا أسمعهم الآية لغير سبب 5 مثل ما نحن فيه.
فأحرى فيما يقتضيه سبب.
وهو إزالة التخليط عن المأمومين.