﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدنا محمَّد وسلم كتاب الرهن 1
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ورضي عنه: معنى الرهن احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، مفردة كانت أو مشاعة.
وهو جائز لكل دين لازم أمكن استيفاؤه من ثمنه، كالدين من قرض أو بيع أو قيمة متلف أو غير ذلك.
ويصح عقده قبل وجوب الحق وبعده ومقارنًا له.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل أحد عشر سؤالًا منهما أن يقال:
1 - ما الدليل على جواز الرهن على الجملة؟
2 - وما الدليل على جوازه في الحضر؟
3 - وهل ينعقد الرهن قبل ثبوت الحق في الذمة؟
4 - وما الذي يصح رهنه من مشاع أو مفرد؟
5 - وهل استدامة القبض في الرهن شرط في صحّتها 1 أم لا؟ 6 - وهل يجوز رهن المجهول؟ 7 - وهل يجوز رهن الغرر؟ 8 - وهل يجوز اشتراط كون المبيع رهنًا؟ 9 - وهل إذا رهن العصيرَ فصار خمرًا ثم تخلل يبقى على حكم كونه رهنًا أم لا؟ 15 - وهل تحل الخمر إذا تخللت؟ 2
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أما جواز الرهن على الجملة فالكتاب والسنّة وإجتماع الأمة،
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 3 فذكر الرهن على معنى الأمر به كما أمر بالشهادة، ووصفه بما تمّمه ويؤكد عقده فقال: "مقبوضة".
وأما السنّة فورد فيها ذلك قولأوفعلًا.
فأما القول فقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يَغْلَق الرهن" 4 وما رواه أيضًا أبو هريرة من قوله - صلى الله عليه وسلم - "الرهن مركوب ومحلوب" 5 و"الرهن من راهنه له ثمنه وعليه غرمه" 6.
وقد روي هذا عن أبي هريرة من طُرق أخرى من لفظ آخر.
وأما رواية ذلك فعلًا فإنه قد روى أيضًا أنه عليه السلام رهن درعه عند يهودي بالمدينة في شعير أخذه لأهله 1. وقالت عائشة رضي الله عنها: "فإنه مات عليه السلام ودرعه مرهونة" 2.
وأجمعت الأمة على جواز الرهن على الجملة.
واختلفت في أحكام بعض تفاصيله، كما نورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما جواز الرهن في السفر فقد نص عليه الكتاب كما ذكرناه.
وأما جوازه في الحضر فجماعة العلماء على إجازته سوى مجاهد وداود، فإنهما منعا الرهن في الحضر تعلقًا منهما بدليل الخطاب من قوله تعالى "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة" (2) فدل هذا التقييد بالسفر على أنه لا يجوز الرهن في الحضر.
والردّ عليهما في هذا الذي تعلقا به أنَّا نلتفت في هذا التعارض الذي ظننّاه إلى أنواع من أصول الفقه، منها القول بدليل الخطاب، فإن حذاق المتكلمين من الأصوليين أنكروه، فعدى مذهب هؤلاء (يبطل هذين الرجلين) 3 بدليل الخطاب الذي ذكرناه في هذه الآية.
وإذا قلنا بدليل الخطاب التفتنا فيه إلى أصل آخر من أصول الفقه، وهو النظر في دليل الخطاب: هل يقدم عليه، إذا وقع في القرآن خبر واحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يكون هو المقدم على خبر الواحد؟
فإن قلنا: إن الخبر مقدّم على دليل الخطاب سقط أيضًا تعلقهما بهذا الدليل، وكونه عليه السلام رهن درعه بالمدينة، والمدينة حاضرة وهي وطنه ووطن أصحابه.
ويلتفت أيضًا إلى فعله عليه السلام هل هو مقصور عليه أو 1 مختصر به حتى يقوم دليل على تعديه إلى أمته، أو يكون حكمًا متعديًا إلى أمته حتى يقوم دليل على اختصاصه به دون أمته؟
فإن قلنا بتعديه أيضًا سقط ما تعلقوا به مع مجموع الأصول التي قدمنا ذكرها.
فهذا وجه العمل فيه من أصول الفقه.
ويلتفت أيضًا إلى أصل آخر وهو التعلق بدليل الخطاب إذا لاح أنه يقصد به اختصاص الحكم بالمذكور.
وإنما خص بالذكر الوصف المذكور لكون العادات مقتضية له.
فإن قلنا: لا يتمسك بمثل دليل الخطاب الذي اقتضى موجب العادة تقييدة بالذكر لم يصح لمجاهد ودواد التعلق بهذه الآية.
إن الله سبحانه لم يذكر السفر ها هنا قصدًا إلى تخصيص الحكم بالمذكور.
لكن مقتضى العادات أن الكتّاب والشهود يوجَدون في الحضر غالبًا، ويتعذرون 2 وجودهم في السفر غالبًا، فكأنه تعالى يقول: اكتبوا وأشْهِدوا إذا تداينتم، وإن تعذر الشهود والكتاب فخذوا الرهن خوفًا من الجحود، أو خوفًا من فوت الحق بالعُدْم والفلس.
ومما يؤكد هذا التأويل أن الرهن على شرطين وهما: عدم الكتاب والسفر.
وقد اتفق على أنهما لو كانا مسافرين ولم يَعْدِما الكتاب لجاز لهما
الرهن.
فدليل الخطاب يقتضي أنه لا يجوز في هذه الجهالة 1 الرهن لعدم أحَدِ الشرطين، فإذا كان لا يُختلف في جواز الرهن في السفر وإن وجد الكاتب دل ذلك على أن هذا الاشتراط غير مقصود به تخصيص الحكم بالمذكور.
وهذا واضح لأنه إذا لم يُعتبر أحد الشرطين فالآخر مثله لا يعتبر أيضًاوهو السفر.
وقد اعتُذِر عما وقد في هذا الحديث من كونه عليه السلام رهن درعه عند يهودي، وعَدَل عن مياسير أصحابه كعبد الرحمان بن عوف وعثمان بن عفان المشهورين بإفراط اليسار، وغيرهما.
وذكرنا في كتابنا المعلم العذر عن ذلك، وأنه عليه السلام يمكن أن يكون قصد بذلك تعليم أمته جواز معاملة أهل الكتاب لئلا يظنوا أنّ كفوهم وعملهم بما لا يحل في شوعنا يمنع معاملتهم.
وهذا جواب صحيح لا قدح فيه.
وقيل: إنه عليه السلام عدل عن ذلك لاعتقاده أن أصحابه لا يأخذون منه الرهن فيما يريد أن يتسلف منهم، ولا يطلبونه بالقضاء لما تسلفه ولو بذل ذلك (عليهم لنقل) 2 عليهم قبول ذلك منه.
فلهذا عدل إلى رجل يهودي ترتفع هذه العلة فيه.
وقد ركّب بعض الناس على هذا العذر فائدة أخرى، وقال: إن هذا يدل على أن مَن له دين فأبرأ مَن هو عليه أنه لا يفتقر في ذلك إلى قبول مَن عليه الدين الذي أسقِط عنه على قول بعض العلماء الذاهبين إلى هذا.
وهذا استنباط فيه إشكال لا ينتهض دليلًا على هذه المسألة, لأنه عليه السلام عدل عن ذلك لِما أشرنا إليه من أنه يعتقد في أصحابه أنهم لا يقضونه 3 فيما أسلفوه له، ولو بذله لهم وقد أسقطوه ولزمهم 4 قبول ذلك لثقل ذلك
عليهم وشق، فآثر عليه السلام رفع هذه المشقة عنهم سواء كان يلزمه قبول إسقاطهم وإبراؤه من دينهم أولًا يلزمه.
وأضاف هؤلاء إلى هذا فائدة ثانية، فقالوا: فيه دليل على أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن، لقول عائشة عليها السلام "مات عليه السلام ودرعه مرهونة "عند يهودي" ولم تقل: انفسخ الرهن بموته.
وهذه أيضًا فائداة قد اتضح حكمها من غير هذا الحديث، مع كون سكوتها عن ذكر الفسخ ليس بصريح في إثبات الفسخ ولا نفيه.
وذكروا أيضًا فائدة ثالثة فقالوا: فيه دلالة على جواز معاملة مَنْ بعضُ مالِه حرام.
لان اليهود يستحلون في المعالات ما يمنعه شرعنا.
ثم 1 هذا قد عاملهم عليه السلام.
وهذا يرجع إلى ما ذكرناه نحن مع العذر عنه عليه السلام وأنه قصد تعليم جواز معاملة أهل الكتاب.
وهذا أيضًا يُلتفت فيه إلى كونهم مخاطبين بفروع شرعنا وهم على كفرهم، فيكون لهذه الفائدة وجه وإن كان قد تقدم فيه إشكال، أو يقال: إنهم غير مخاطبين فلا يثبت التحريم علينا في معاملتهم.
وذكروا أيضًا فائدتين قد ذكرناهما، وهما جواز الرهن على الجملة، وجوازه في الحَضر، ردًا على مجاهد وداود كما بيناه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
للرهن ثلاث حالات:
1 - أحَدُها: أن يؤخذ الرهن بعد ثبوت الحق في الذمة.
2 - والثاني: أن يقارن الرهن انعقاد الحق في الذمة.
3 - والثالث: أن يستحق الرهن 1 انعقاد الحق في الذمة.
فأما أخذ الرهن وقبضه بدين قد تقدم في الذمة فبعد تقرّره تبرَّع من عليه الحق بدفع رهن به، فإن هذا جائز بإجماع.
وكذلك إذا قارن اشتراطُ الرهن انعقادَ الحق، فإنّه أيضًا جائز بغير خلاف.
على أن بعض الناس أشار إلى أن الأصل في الجواز القسمُ الأول، وهو التطوع بالرهن بعد ثبوت الحق في الذمة، مثل أن يقترض رجل من رجل آخر دينارًا من غير أن يشترط دافعُ الدينار أن يأخذ رهنًا، لكن مَن عليه الحق تطوّع بعد قبضه السلفَ بأن دفع به رهنًا، أو يبيعه سلعة بثمن من غير أن يشترط البائع رهنًا، فبعد إنعقاد البيع تطوع المشتري بدفع رهن بالثمن، لكن أجازةَ اشتراطِه في العقد كالرخصة، لأجْل الضرورة الداعية إليه, لأن من باع سلعة ولم يشترط رهنًا، أو أسْلف دنانير ولم يشترط رهنًا، قد يطالب المشتريَ أو الذي تسلف منه بأن يدفع له رهنًا، فلا يساعده، فيكون ذلك داعية لسدّ باب المعاملات، فلأجل هذه الضرورة جاز اشتراط الرهن حين عقد البيع أو القرض، وإن لم يكن ذلك رهنأ بحقٍّ قد استقر.
وهذا الاستعذار لا نحتاج نحن إليه لأجل أنا نجيز تقْدِمة اشتراط الرهن على عقد البيع أو السلف.
والحالة الثانية 2 أن يتقدم ذكرُ الرهن والتزامُه على انعقاد الحق الذي يؤخذ به الرهن.
فهذا مما اختلف الناس فيه ومثاله: أن يقول رجل لرجل: إن بِعتَني ثوبَك هذا غدًا دفعتُ لَك في ثمنه عبْدي هذا رهْنًا، وإن أقرضتَني مالًا غدًا دفعتُ إليك عبدي هذا به رهنًا.
فهذا يجيزه مالك وأبو حنيفة، ويمنعه الشافعي.
وسبب هذا الاختلاف التنازع في ظواهرَ وأقيسةٍ.
فأما الظواهر فإن الشافعي يقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 1 إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وقوله تعالى: "تداينتم" صيغته صيغة الأفعالُ الماضية، لكنه لما دخل عليه حرف الشرط صيّرة للاستقبال.
لكن وإن صيّره ذلك للاستقبال فإن ما عُلِّق به بحرف التعقيب إنما يكون بعد حصول الفعل، وبعقِبِه, فذلك قوله تعالى " إذا تداينتم بدين" يعني في المستقبل يعني " فرهان مقبوضة" هذا الحرف، الذي هو الفاء، يقتضي أن الرهن يكون بعد وقوع المداينة، واقتضى هذا المنعَ من انعقاد الرهن قبل ثبوت الحق في الذمة.
وقابل ذلك أصحابنا بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فعمَّ جميعَ الأحوال، ولم يشترط ها هنا كون هُذا الرهن المقبوض مقارنًا لثبوت الحق أو متقدمًا عليه أو متأخرًا عنه.
والشافعي يرى إن هذا عطف على ما تقدم، والمراد: وإن كنتم على سفر وقد تداينتم فلم تجدوا كاتبًا ولا شاهدًا فرهان مقبوضة.
ويقابل أصحابنا استدلاله هذا بالآية بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 2 لم يشترط فيه كونه سابقًا لثبوت الدين أو متأخرًا عنه أو مقارنًا له، فهو على عمومه.
وكذلك ظاهر لمحوله عليه السلام "المؤمنون عند شروطه" 3 فعم سائر الشروط، منها الرهبان السابقات 4 لعقد الييع واللاحقة له.
لكن الشافعي قد يرجح استدلاله بأن التعلق بظاهر كلامٍ يختص بالمسألة
بعينها، وقد ذكر الرهن والمداينة، أَوْلَى من التعلق بكلام لم تختص به المسألة هذا سبب الاختلاف من جهة الظواهر.
وأما من جهة الاعتبار فإن الشافعي يقول: إنما يتصور في النفس حقيقة الرهن بأن يكون رهنًا بحق استقر في الذمة، وأما رهْن بغير شيء ولا بحق فلا يُقبل، ولا يتصور فيه كونه رهنًا.
وهذا يضطر إلى أنّ الراهن من حقّه أن يكون متأخرًا عن ثبوت الحق، أو مقارنًا له، لأجل الحاجة والضرورة الداعية إلى اشتراط الرهن في العقود كما نبهنا عليه.
وأيضًا فإن الظاهر من القرآن أن الرهن أقيم مقام الشهادة، عند تعذر أخذ الشهادة، ليكون الرهن ثقة بالحق، ومانعًا من فواته والطلب به.
ألا ترى قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 1 والمراد أن الرهن يستوثق به في الحق كما يستوثق بالشهادة.
وقد تقرر أن الشهادة لا تصح إن سبق 2 ثبوت الحق المشهود به، فكذلك الرهن الذي أقامه الله سبحانه مقامها، ألا ترى أن رجلًا لو قال لشاهدين: أَشهِدا عليَّ بأن فلانًا يُقرِضني بالغداة مائة دينار.
فإن هذه الشهادة غير مستقلة ولا يقضي بها على المشهود عليه، (ولا يأمره بها) 3، فصارت ملغاة مُطّرحة، فكذلك الرهن الذي أقيم مقامها إذا تقدم عقدَ السلف أو البيع لم يكن رهنًا، كما لم تكن الشهادة التي ذكرنا شهادة ينتفع بها.
وأصحابنا يجيبون عن ذلك بأن الرهن السابق، الذي ذكرنا مثاله، كأنه انعقد إنعقادًا مرقبًا، فإن صح السلف بالغداة كان ذلك المذكور بالأمس رهنًا، وخيِر القائلُ لذلك على تسليمه لمن أسلفه، ولمن باعه منه.
لكنه لم يستقرّ كونه
رهنًا بمجرد قول أمس، لكن ما فعلاه اليوم من قرضٍ أو بيعٍ والذي فعلاه اليوم أوجَب جبر المشتري أو المقترض على دفع ما جعله بالأمس رهنًا.
وجرى ذلك مجرى الشروط التي يتأخر المشروط عن زمن العقد.
لكن وإن تأخر عن ذمة 1 إذا أتى زمنه تعلق الشرط بالمشروط تعفُق وجوبٍ، كقول القائك: إنْ طلقتَ زوجتَك فعلي مائة دينار، أو اعتقتَ عبدك فعلى مائة دينار.
فإن هذا الشرط إذا تقدم بقي على الترقّب فإنْ وقع الطلاق أو العنق إثر الشرط، وصار مع المشروط كالواقعيْن في زمن واحد، أو يفد 2 أنهما، وإن تزاحما في الزمن، فإن المشروط لم يحصل إلا بعد حصول الشرط، كقوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا تأثير لهذا القول، لكنها لو دخلت وجب الطلاق.
والشافعي يلغي هذا الشرط في الرهن ويوجب القرض والبيع من غير زمن 3، ولو أخذه لم يكن في يديه رهنًا، فهو كالأمَانَة.
وهذا إضرار بالذي يُقرض والذي باع لأنهما إنما التزما إخراج ملكهما بشرط الرهن، وإذا قال: إذا بعتَ مني عبدك غدًا بمائة دينار فعبدي هذا رهن بها.
فأصْبَحا وتبايعا, ولزم البيع عند الشافعي إذا عقداه من غير رهن، فلهذا ألزمَ البائعَ بيعًا التزمه على صفة ما ألزمه إياه مع سقوط الصفة، لا سيما والرهن كأنه جزء من الثمن، ولا يصح أن يُلزمَ من باع سلعة بمائة دينار أَلا يقبِض في ثمنه 4 إلا تسعين دينارًا.
وأما قياسهم على الشهادة، فإن الشهادة ها هنا لا تصح إلا عن أمر معلوم عند الشاهد، ألا ترى قوله تعالى ﴿اوَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ 5. وعلمهما بقول هذا القائل اليوم: إذا بعتني غدًا عبدك بمائة دينار رهنتك عبدي هذا، لا يكون علمًا فيهما بما يفعلانه في الغداة من بيع أو غيره، وإنما يصير الثمن في الذمة
بانعقاد البيع، وهذان الشاهدان لم يعلما به، بخلاف الرهن فإنه لا تعلق له ها هنا، في صحة كونه رهنًا بالعلم، كما تتعلق الشهادة بعلم الشاهدة.
ويتعلق أصحابنا من جهة الاعتبار بأن الرهن إذْن من مالكه في إمساك الرهن وحفظه، والإذْن ها هنا يصح تقدُّمُه، ألا ترى أن القائل لو قال لرجل: أذنت لك أن تقبض بالغداة هذا الثوب وديعةً عندك، فإن هذا يصح.
فإذا قبضه بالغداة صار وديعة بالقول الذي كان بالأمس، ولم يكن متعديًا في قوله: أذنت لك أن تقبض عبدي هذا غدًا على أنه رهن عندك.
ألا ترى أن النبي عليه السلام لما بعث عسكرًا إلى الشام قال: "أميركم فلان، فإن قتل فأميركم فلان، فإن قتل فأميركم فلان 1 فعلق الإذن بشرط، على ما ذكر في الحديث، واحد بعد واحد، ثلاث مرات.
فلا يستنكر في الشرع تعلق الإذن بأمر يكون في المستقبل.
وقد قال أصحاب الشافعي: الرهن لا يتعلق بالصفات ألا ترى أنه لو قال: إذا طلعت الشمس بالغداة فخذ عبدي رهنًا بالحق الذي استقر في ذمتي لك، فكذلك إذا تقدم على عقد البيع صار الرهن علق بصفة.
وقد تردد كلام ابن القصار في هذا فقال: إنما يتعلق الرهن بصفة تُفِيد كقوله: إن صبرت عليَّ، بالدين الذي حل لك عليّ، شهرًا فخذ عبدي رهنًا، فهذا القول ينعقد ويصح.
وأما تعليقه بزمن لا فائدة فيه، للراهن ولا للمرتهن، فإن ذلك لا يصح.
ثم قال: إنه لا يمتنع، على أصولنا، صحة هذا القول، وكون هذا رهنًا إذا طلعت الشمس.
وهذا الذي تردد فيه، ظاهر المذهِب فيه ما قال من كون ذلك يصح, لأن القائل ذلك كالواهب منفعة لمن له الدين وتطوع ببذل ما يستوثق به من حقه ببذله بعد حين من القول.
وهذا لا نكير فيه.
فإن قاسوا الرهن المتقدم على المعاملة فإن ذلك قياس يصح على مذهبهبم دون مذهبنا، فإن رجلًا إذا قال لرجل: دائنْ فلانًا، وعليّ ضمان ما تدايِنُه به، فإن ذلك ضمان لازم عندنا، إذا داينه بعد هذا القول بما يشبه أن يداين به ويثبت ذلك.
وهو يمنعون ذلك، ولا يرون الضمان ينعقد بما يستقبل المعاملة كما قالوا في الرهن.
وكذلك لو قال: ما داينتَ به أحد إلغرماء أو غصب أحد فعلىّ ضمانه.
نختلف نحن فيه معهم.
وقد ذكر ابن القصار أن من قال لرجل: اطرح متاعك في البحر، وعليّ ضمانه، فطرح الرجل متاعه في البحر، أنه لم يختلف في لزوم هذا الضمان، وإن كان ضمانًا تقدم الوجوبَ.
فكذلك الرهن إذا تقديم ثبوتَ الحق.
وهم ينفصلون عن هذا بأن هذا يجري مجرى المعاوضة فكأنه قال له اطرح متاعك، وأنا أعطيك قيمته عوضًا عنه، فلهذا أُلزِم ذلك، لأن حكم المعاوضة خارج عما نحن فيه.
وابن القصار يرى أن هذا من الأسلوب الذي نحن فيه، (لأنه قيمة التزام قيمته) 1 قبل وجوبها ووجود سببها.
وقد تقدم حكم ضمان دين يثبت فيما بعد، في كتاب الحمالة بما يغني عن بسطه ها هنا.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
الرهن يكون أنواعًا، منه ما يجوز ملكه وبيعه، ومنه مالًا يجوز ملكه ولا بيعه، ومنه ما يصح ملكه ولايصح بيعه، ومنه مايصح بيعه.
واختلف في رهنه:
فأما ما يصح بيعه وملكه، فواضح أنه يجوز رهنه، كالعقار والعروض والحيوان، وغير ذلك من ضروب الأموال التي يصح ملكها وبيعها فيجوز رهنها.
وأما ما لا يصح ملكه ولا بيعه، فواضح أيضًا حكمه في كونه لا يصح رهنه، كالخمر والخنزير، وشبه ذلك مما لا يصح ملكه ولابيعه.
وأما ما يصح ملكه ولا يصح بيعه، كأم الولد والمعتق إلى أجل، المدبّر، فإن هذا أيضًا 1 يصح رهنه, لأن فائدة الرهن الاستيثاق من الحق حتى يستوفي الحق من ثمن العين المرهونة.
فإذا كانت العين المرهونة لا يجوز بيعها فلا فائدة في رهنها.
وأما الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، والأجِنّة التي في البطون التي لم توضع، فإنها يجوز رهنها بعد عقد البيع، وفي السلف، مقارنة له أو متأخرةً عنه.
وهل يجوز رهنها في عقد البيع؟
فيه اختلاف في المذهب، لأجل مراعاة المآل، وهو ترقب مصيرها إلى حالةٍ يجوز البيع فيها.
وهذا الترقب.
يُلحقها بعقود الغرر التي لا يجوز عقد المعاوضة عليها في الشرع.
لكن هذا متفق عليه في كون الغرر في نفس الثمن، أو نفس المثمون، وكأن، الرهن خارج عن الثمن والمثمون، عند من أجاز أخذه رهنًا في عقد البيع.
وعلى هذا يجري الأمر في رهن المدبّر، إن مات سيده وعليه دين يَرُدُّ التدبير، أو ارتُهنت خدمتُه أيامَ حياته، ولا يُدرَى مبلغها.
وأما ارتهان الكلاب التي اتخذت للضّرع أو للزرع أو للصيد، فارتهانها مبني على الخلاف في جواز بيعها، فمن أجاز بيعها أجاز رهنها، وميت منع بيعها منع رهنها لعدم الفائدة المقصودة في الرهن، وهو استيفاء الحق من ثمن الرهن.
وأما ما يجوز بيعه واختلفوا في رهنه، فهو رهن المشاع.
فعندنا وعند الشافعي أنه جائز.
ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن المشاع لا ينعقد فيه رهن، مثل
أن يرهن نصف دار أو نصف عبد، فإن الرهن عنده لا يصح إلا أن ترهن الدار كلها أو العبد كله، فيكون هذا الرهن مفردًا محوزًا متميزًا ما رُهن عمّا لم يرهن.
وذكر الشيخ أبو الطيب عبد المنعم، وهو أحد أشياخ شيوخي، تخريجَ مذهب أبي حنيفة من قول من قال من أصحابنا: إن هبة المشاع لا تصح، لكون القبض فيه لا يتأتى، فكذلك يَلزم على هذا.
أن يمنع من رهن المشاع.
وهذا النقل الذي نقله أو التخريج الذي خرجه، لم أسمعه من أحد من أشياخي، وإنما ذكر في بعض ما صنعه.
واستدل أصحابنا على رهن المشاع بقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1 ولم يفرق بين كون الرهن مفردًا متميزًا، ولا بين كونه مشاعًا.
والمعتمد عليه من طريق النظر أن الغرض من الرهن استيفاء الحق من العين المرهونة.
وقد اتفق على جواز بيع المشاع، فيقتضي هذا الاتفاقُ على جواز بيعه أن يُتّفق على جواز رهنه, لأنه لو كان القبض فيه لا يتأتى لوجب أن يكون البيع فيه لا يجوز.
فإذا أشعر الاتفاف على جواز بيعه يكون قبضه ممكنًا، اقتضى ذلك امكانَ القبض في كونه رهنًا.
ولا وجه للمنع منه مع هذا الذي عللنا به الأصل المتفق عليه، وهو جواز البيع فيه.
ويعتمد أبو حنيفة على أن الغرض.
في الرهن ملك اليد لا ملك الرقبة، والعوض في المبيع ملك العين لا ملك اليد.
وإذا كان الأمر هكذا فلا يتأتى ملك اليد في رهن المشاع لأن النصيب الذي لم يُرهن من حق مالكه أن يقول للمرتهن: اقْسِم معي منافع هذه الدار قسمة مهاياة، فتكون في يدك يومًا وفي يدي يومًا، وكذلك العبد يكون في يديك يومًا وفي يدي يومًا.
والحكم عنده الجبر على هذه القسمة، فصار ذلك كالمشترط في عقد الرهن كون هذا النصيب من العبد في يد المرتهن يومًا وفي يد المشتري يومًا.
ولو صرح بهذا الشرط في
أصل العقد الرهن 1، فقال الراهن: رهنتك داري على أن تكون يومًا بيدك رهنًا، ويومًا ترجع إلىّ ولا تكون لك رهنًا.
لم يصحّ، فكذلك رهن المشاع إذا اقتضى الحكم فيه المنع في عقد الرهن.
ويحترز أصحابه في تحديد هذا الاعتبار بقوله: إنّ معْنىً قارن الرهن العقد فأفسده قياسًا على ان من رهن داره على أنها تكون يومًا رهنًا، ويومًا بعده (لم يكن) 2 رهنًا في مسألة ناقضهم بها أصحابنا، وهي من أرهن جميع داره في دنانير، ثم سأل الراهنُ من بيده الرهن أن يمكّنه منَ بيع نصفها لينتفع بثمنه، ويبقى بيده النصف الآخر رهنًا بجميع حقه، فيجوز ذلك، ولا يَمنَع من صحة الرهن، مع كون المشترى لهذا النصف من حقه أن يدعُوَ من بيده النصف الذي هو رهن إلى هذه القسمة، فيقول له: تكون عندك الدار كلها يومًا، وعندي يومًا آخر.
فقد صارت العلة المانعة عنده لرهن المشاع تتصور في هذه المسألة التي ذكرناها، فكأنه نقض العلة وخصصها.
لكنه يقول: فإن هذا أمر طرأ على الرهن بعد انعقاد على الصفة التامة الكاملة، فلهذا لم يفسد هذا الرهن.
وقد تكون حالة الابتداء تقتضي حكمًا بخلاف حالة ما بعدها فلهذا احترز القوم في الاعتبار الذي حَررَّوه بقولهم: معنًى قارن العقد فأفسده، على أن القوم يقولون بتخصيص العلة الشرعية، على ماذكرناه في أصول الفقه.
فإذا قام لهم دليل على الجواز في هذه المسألة مع وجود العلة فيها لم يبطل عندهم أصل القياس.
فإذا كان المقصود من الرهن ملك اليد لا ملك الرقاب، لم تؤثر المشاعة 3 في صحة البيع تكون اليد لا يُبْطِل ارتفاعُها عن الرقاب المملوكة حقيقةَ الملك، فكذلك في هبة المشاع, لأن القصد بها تملّك الرقاب، فلم يبطلها الإشاعة، بخلاف رهن المشاع فإنه المقصود منه قبض الرهن، وكونه في حكم يده، لا ملك الرقبة.
فكل ما أثّر في هذا المقصود وهو رفع اليد مَنَع من صحة الرهن.
وناقضهم أصحابنا أيضًا بمسألة أخرى وهي إذا قال رجل رجلين، أرهنتكما عبدي هذا في مائة دينار.
فإن هذا الرهن يصح عنده وينعقد، وإن كان يتصور (فيه في صورة في) 1 رهن المشاع من كل واحد من المرتهنين لهذا العبد، من حقه أن يقول لشريكه في الرهنيّة: سلّمْ إليّ العبدَ يومًا وأسلمُه لك يومًا.
وهذا أيضًا رفع لحكم اليد بمعنى قارن العقدَ فوجب أن يبطل الرهن.
فأجاب أصحابه عن هذا بأن هذا رهَنَ جميعَ ملكه مفردًا مميزًا فلا يُلتَفَت بعد ذلك إلى ما يكون من حق الرجلين اللذين ارتهناه.
لكن كل واحد منهما يأخذ هذا العبد يومًا نصفه بحق كونه مرتهَنًا عنده، ونصفه الآخر بحوزه نيابة عن صاحبه، على أن يفعل صاحبه غدًا مثل ما فعل هو من الحوز لنفسه، ونيابة عن صاحبه.
والشريك بالملك لا يقال فيه:.
إنه يحوز اليوم بحكم الرهن في النصف، وبحكم الرهن في النصف الآخر نيابة عن صاحبه، بل الشريك في الملك يحوز نصفه الذي يملكه بحق الملك في اليومين جميعًا وقد قلنا إن حق الملك لا يفتقر إلى حوز.
وأصحابنا لا يرون هذا الاعتذار مقنعًا، ولا دافعًا لتصور رفع اليد بمعنًى قارن العقد.
وسنتكلم نحن على صفة الحوز في زهن المشاع إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
جرى الرسم بأن الكلام على هذه المسألة مسوبقًا بالكلام على رهن المشاع بل يشار إلى كونها أصلًا فيها.
فاعلم أن الرهن من شروط كماله وتمامه القبض.
واختلف الناس: هل من شرط هذا العقد أن يكون مستمدًا أو يصحّ انقطاعه ولا يُبطل ذلك عقدَ الرهن؟
فمذهبنا أن الاستدامة شرط في صحته، فمتى رجع إلى يد الراهن، وردّه
إليه المرتهن بأىّ وجه كان، فإن الرهن يبطل.
ووافقنا أبو حنيفة على ذلك، ولكنه استثنى أن يرفه إليه المرتهن وديعةً تكون عنده أو عارية يُعيرها له.
فلم ير إبطال الرهن بذلك.
وأما الشافعي: إنّ رده إلى يد المرتهن لينتفع به الانتفاعَ المعتادَ في مثل ذلك الرهن، ويعيده عند انقطاع المنفعة إلى المرتهن، لا يُبطل الرهنَ.
فإذا رهنه دابّة، وعادت إلى يد الراهن يركبُها نهارًا بالبلد الذي هي به رهْن، ويردّها للمرتهن ليلًا، فإن ذلك لا يُبطل الرهنَ.
وكذلك استخدامه العبدَ على هذا الرسم، ورجوع الرهن إليه لينتفع المنفعةَ المعتادةَ لا يؤثّر ذلك في الرهن، لقوله عليه السلام "الرهن مركوب ومحلوب" 1. ولا يراد بهذا أن المرتهن يركبه ويحلبه، وإذا لم يُرَدْ به هذا انصرف تأويله إلى الراهن يركبه ويحلبه.
وأيضًا فإن حق المرتهن في تلك الرقبة (وذلك لمنفعة) 2 متابعة لها، وحق المرتهن في الاستيفاء وحفظه، إلى غير ذلك.
فلا يُبطل أدنى الحقين آكَدَهما، فيكون حق المرتهن البيع 3 من انتفاع الراهن بملكه على وجه لا يضر المرتهن ولا يفسد رهنه.
والمراد، عندنا، بالحديث أنه مركوب ومحلوب، ولكن لا يتولى ذلك الراهن بل يكون المرتهن يتولى ذلك من غير أن يعيده ليد الراهن.
ويستدل أصحابنا بقوله تعالى فرهان مقبوضة 4 فوصَفها بالقبض، فوجب أن يستدام ذلك أيضًا حتى يُستوفى الحق, لأنه إذا شُرِط القبضُ حين عقد الرهن، والحق لم يحلّ، ولا وجبت المطالبة يه، فأحرى أن يُشترط ذلك عند الحاجة إلى الرهن، وأخذ الحق من ثمنه.
وهذا لا يحصل إلا باستدامة القبض، مع أن قوله تعالى مقبوضة جعله كالصفة للرهن، فيجب أن يكون ذلكَ صفة
لازمة.
وإنما ذكرنا نحن هذه المسألة ها هنا لتعلقها بالمسألة التي قبلها، وبسط القول فيها يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
اختلف الناس في رهن المجهول، وضمان رجل مجهول.
فعند مالك رضي الله عنه، أن من باع سلعة بدنانير معلومة على أن يعطيه المشتري رهنًا بَالثمن أو ضمينًا به، فإن ذلك جائز، (ويقتضي للمشتري) 1 بأن يدفع للبائع رهنا يكون ثقة بحقه يستوفي من ثمنه إذا بيع، الثمنَ المبيع به السلعة، وكذلك يعطيه ضمينًا مليئًا بالحق لا يَعْسُر تَناولُ الحق منه الذي ضمنه إذا توجه عليه.
ومنع الشافعي وأبو حنيفة رهنَ المجهول، ونقل المزني عن الشافعي أنه يرى فسخ البيع المشترط في ثمنه رهن "مجهول" وقال المزني: هذا غلط، وإنما ينفسخ الرهن خاصة، لأجل ما فيه من جهالة، وأما البيع فمعلوم فلا ينفسخ، لكن يكون البائع بالخيار بين أن.
يُمضيَ البيع 2 وبين أن يفسخه لعدم الرهن الذي بطل من ناحية الشرع.
وهكذا الحكم في اشتراط ضمين مجهول، على ما حكيناه عن الشافعي والمزني.
وسبب هذا الاختلاف أنه تقرر أن المبيع من شرطه أن يكون معلومًا، من غير خلاف في ذلك.
واشتراط الشهادة بالثمن لا يلزم فيها التعيين من غير خلاف.
وكأن مالكًا رضي الله عنه قاس اشتراط رهن المجهول على اشتراط الشهود المجهولين، ويوضح قياسه أن الله سبحانه أقام الشهادة على الحق مقام الرهن وجعل الرهن دَنِيًّا عن الشهادة إذا تعذرت الشهادة، فقال تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ثم قال
بعد ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1 فنبّه تعالى على أن الرهن يقوم مقام الشهادة في المقصود منَ الاستيثاق والأمْن ميت الجحود.
فإذا وقع الاتفاق على أنه إذا باع سلعة، واشترط على المشتري أن يُشهِد على نفسه بالثمن، ولم يُسمِّ في اشتراطه الشهودَ، فإن هذا الشرطَ لا يُمنَع منه، ولا يُبطِل البيعَ, لأنا إذا خيّرنا المشترىَ، واشتُرِط عليه الرهن بالثمن أن يأتي برهن يكون فيه وفاء بالحق المرهون به، فإنه قد حصل الغرض المقصود من الاستيثاق، وإن لم يكن قد عُتن جنسُ الرهن في أصل البيع.
كما يجْعل الاستيثاق بشهادة عدلين وإن لم يسمَّيا حين اشترط الشهادة.
فإن قيل: الفوق بينهما أن الشهادة لا غرض في تعيينها، وشهادة عدلين يسقَيان زيدًا وعَفرًا، كشهادة عدلين يسميان بكرًا وخالدًا، بخلاف الرهن فإن الراهن قد يُوثر أن يرهن جنسًا يكون لا يضمنه، أو يؤثر الراهن جنسًا تشق حراسته وحفظه، ويؤثر المرتهن مالًا يشق حراسته وحفظه، كالحلي والثياب.
فإذا تباعدت هذه الأغراض وجب فسادُ الشرط وإبطالُه، بخلاف الشهادة.
وأجاب أصحابنا عن هذا بأن المقصو تحصيل ما يُوَفّى الثمن الذي وقع به الرهن، فإذا لم يسمّيا جنس الرهن ولا عيّناه أشعر بأنه لا غرض لهما, ولا مقصود عندهما سوى اعتبار كون الرهن يوفّى بالدين بِلا حاجة إلى أن يعايَن الرهن في حين الاشتراط، كما قال المخالف.
وأيضًا فإنا لو سلمنا اختلاف الأغراض في ذلك، لكان في حكم التبَع للمقصود الذي ذكرناه، وإنما يراعى في الشرع المتبوع لا التابع.
وبهذا ندافعهم عن قياسهم الرهنَ الذي لم يعيَّن على نفس المبيع الذي لا بد أن يعيَّن, لأن المقصود من المبيع ملك عينٍ على التأبيد يُنتفع بها على الوجه الذي يُنتفع (بها مثالها إذا) 2 كان هذا المقصودَ لم يصح ضبطُه مع عدم التعيين.
ألا ترى
أن نفس المبيع يُعفى عنه 1 عن الجهالة بالاتباع، كما أجاز الشرع بيع الديار من غير كشف على أساسها وباطن سقفها وحيطانها، وما ذاك إلا تكون ذلك في حكم البيع 2، فكذلك يعفى عن الرهن وإن لم يكن معينًا كونه تبعًا للحق الذي وقع به الرهن.
فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تجيزوا بيع سلعة بثمن معلوم على أن المشتري قال: أرتهنُك بثمنها شيئًا، أو أرهنك ما في كَمَا 3 أو ما في صندوقي.
فأما قوله: أرهنك شيئًا، فقد التزم ابن القصار، من أصحابنا، أن ذلك لا يُمنع، ويقضي برهنٍ فيه وفاء.
وهذا الذي قاله التفات منه إلى أنه ليس المقصود بقوله "شيئًا" إحالةً على جهالة، بل المراد به ما يراد بهذا الكلام لو أُطلق ولم يقيّد بقوله: شيئًا.
ومعلوم أن الركن لابدّ أن يكون شيئًا، فلأجل هذا اطَّرح هذه الزيادَة.
وأما قوله: أرهنك ما في كُمّي أو صندوقي، فإنهما أشعرا بذلك أن الرهن يتعين، والقصد منهما اعتبارُ ما يوفّي بالحق، بل أحاله على عينٍ محصورة لا يُدرى جنسها ولا مبلغها، فقد يكون في كمّه ما يعظم ثمنه، أو يكون في كمّه ما لا قيمة له، فيصيران ها هنا قاصدين إلى المخاطرة لمّا حضر الرهن، وأشار إلى عين موجودة لا يُدرَى ما هي، بخلاف إذا قال: أبيعك على أن تعطيني رهنًا، فإن هذا الإطلاق لا يقتضي تعيينًا ولا إشارة إليه، فلهذا كان ممنوعًا، والقُصُود معتبرة في العقود، ألا ترى أنه لو تزوّج امرأةً بعبدٍ، ولم يصفْه بالصفات التي.
تجب في البياعات لصح النكاح وقُضِي فيه بعبد وسطٍ، وما ذاك إلا تكون النكاح مبناه على المسامحة والرغبة في الاتصال، والبياعات مبناها على المشاحّة والحرص على الغبن.
فكذلك اشتراط رهن عينٍ معينٍ.
ولو قال: أنكَحْكِ بعبد
في بيتي، لم يوسف، لم يجز ذلك تكون الأمر ها هنا أشير به إلى معيَّن لا تُعرف صنعته ولا سلامته من العيوب، فدل ذلك على صحة ما قلناه من اعتبار القُصود في العقود.
وإذا وقع اشتراط الرهن أو الضمين معينًا فلا يلزم البائعَ قبولُ غيرِهما، وإن سدّ مسدَّهما, لأنه أشعر بالتسمية والتعيين أن له غرضًا في التعيين، فإذا لم يسمِّ حين الشرط أشعر أن غرضه في أن يعطَى ثقة بحقّه إلى غير ذلك.
لكن لو اشترط شهادة شاهدين سمَّاهما، فأشهد غيرَهما عدالته 1 كعدالتهما فهذا يعتبر فيه هل له غرض في تعيينهما فيوفى له بشرطه، أو يكون لا غرض له فيجوز ذلك على القولين عندنا في اشتراط مالًا يفيد في عقود البيع: هل يوفى به أم لا؟
هذا الحكم عندي في هذه المسألة.
ولأصحاب الشافعي فيها قولان: أحدهما: هذا الشرط مطَّرَح.
والآخر: أنه يلزم الوفاء به.
والأمر فيه ينحصر، عندي، إلى ما أشرنا إليه من رأْيى، وكأن من رأى من أصحاب الشافعي كون هذا الشرط مطّرَحًا تُصُوِّر فيه أنه لا يمكن أن يكون فيه غرض، فهذا طرحه.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
أمّا ما فيه عزر وتردّد بين السلامة والعطب، كالثمرة قبل زُهِوّها، فإن بيعها حينشذ لا يجوز، لأجل ما في ذلك من الغرر، والتردّد بين أن تَسْلَمَ إلى وقت يُومَن عليها أو تَهلَكَ قبل ذلك.
وأما رهنها، فإذا لم يقارِن عقدَ بيعٍ، فإن ذلك جائز، كارتهان هذه الثمرة التي لم تزْه في أصل قَرْض أو بعدَهُ أو بعد إنعقاد بيع لم يُشتَرطْ فيه.
وأمّا إن اشترطت في عقد البيع جائز 2 في ذلك قولين: أحدهما: إن ذلك جائز، بناء على أن الرهن له حصة من الثمن، فيصير كجزء من الثمن فيه غرر وتخاطر.
وإذا قلنا بمنع اشتراطه في أصل عقد البيع فهل يفسُد ذلك البيعُ أم لا؟ فيه قولان جاريان على ما قدمناه في كتاب البيوع في أحكام الشروط الفاسدة المقارنة للبيع، وقد ذكرنا فيهما طريقة أشياخي مبسوطة هناك.
وأما ارتهان الجنين، وإن كان من هذا النوع، لكنه أوْضحُ في الغور, لأن الثمرة موجودة مشاهدةٌ، وما يطرأ عليها من الآفات مترقَّب، والجنين لا يدرَى وجوده حين ارتهانه أوْ لا, ولو علم وجوده لم يُعلم هل يوضَع حيًّا أم ميتًا؟ فكان الغورُ فيه أشدَ من الثمرة.
وقد مَنَع في كتاب الصلح أن يُرْتَهن الجنين.
وأجازه ابن ميسّر وكان الابن 1 الغرر فيه أقل من الجنين وأكثر من الثمرة.
ولو رهنه ثمرة لم تُخلق، (وأحال ما علم هل يخلق في شجرة معلومة) 2 لكان ذلك كرهن الجنين.
ولو رهنه خدمة مُدَبَّرة يجوز عقد الإجارة فيها مدة معلومة لجاز ذلك.
وأما خدمته سائر أيام حياته، فهو على الخلاف في رهن الغرر إذا قارن عقد بيع.
(ولو رهنه رقبة فيها منفعة، فبطل ارتهان الرقبة، فهل يعود الرهن متعلقًا بمننمعة هذا الجنين أم لا؟ فيه قولان) (1). كمن ارتهن دارًا فثبت أنها محبَّسة على من هي رهن في يديه، فهل يعود الرهن إلى منفعة هذا الحبس أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: إنه لا يعود إلى المنفعة.
وإذا بطل الرهن في الرقبة لكونها حُبُسا بطل في منفعتها.
والثاني: إن الرهن يتعلق بمنفعتها 3 وكرائها، وكان ذلك كجزء منها
يجوز بيعه ورهنه فلم يبطل هذا الجزء ببطلان ما أخدمه 1.
وأما ارتهان عبد مرتدّ يجب قتله للردة أو عبد قَتَل عبدًا عمدًا حتى وجب عليه القصاص، فإن ذلك يعتبر فيه جواز بيعه، وإذا أجزنا بيعه أجزْنا رهنَه.
وقد أجاز الشافعي بيعهما ورهنهما كالمريض المدْنف الذي يُخشى عليه الموت.
ولكن إذا لم يعلم المرتهِن بذلك كان ذلك عنده يُرَدْ الرهن به.
وقد تكلمنا نحن على ما يجوز بيعه في كتاب البيوع الفاسدة.
ومما يلحق بهذا رهن جِلْد الميتة إذا دُبِغ: هل يحرم أم لا؟ وذلك مبني على الخلاف عندنا في المذهب في جواز بيعه إذا دُبِغ.
وكذلك جلود السباع إذا ذكِّيتْ يُستباح بالذكاة جلدها، هل يصح بيع الجلد، وتعمَل فيه الذكاة أوْ لا تعملُ فيه التذكية؟ هذا أيضًا فيه اختلاف، وارتهانُه يجوز عند من أجاز بيع هذا الجلد إذا ذكّي، وتذكيته كتذكية الصيد، إذْ لا يمكن ذبحه.
ويُمنع عند من لا يجيز بيعَه.
ومما ينخرط في هذا السلك جواز ارتهان الأمَة، ولها ولد صغير في سن من لا يحل أو 2 يفرق بينه وبينها في البيع، فإن ذلك مما يجوز ويخالف حكم التفرقة بالبيع.
وقد روي عن مالك أنها إذا رُهنت، ووجب بيعها في الذي هي موهونة به، فإنها تباع مع ولدها ويفَضُّ الثمن عليها وعلى ولدها، مما 3 قابل رقبتها أخذه المرتهن، وما قابل الولد تحاصّ فيه سائر الغرماء حتى المرتهن إذا كان بقي من دينه شيء.
وقد ذكر بعض أصحابنا في هذا أن المذهب على قولين تعلّقًا بما في المستخرجة، فقال: اتُّفق على منع التفرقة بالبيع واختُلف في ذلك في الرهن.
ففي المستخرجة عن مالك كراهة ذلك.
قال يحيى بن عمر:
فسألتُه 4 عن ذلك ابن وهب فقال: لا أرى به بأسًا.
وعندي أن هذا الاختلاف، إن ثبت، فإنما يحسن إذا لم يفرَّق بين الولد وبين أمه تفرقَةً يلحقه الضررُ الشديد منها، ويلحقها من تعلق النفس به، إذا حيل بينه وبينها، الضرر أيضًا, لأن العلة في الاتفاق على منع التفرقة في البيع مراعاة الضرر الذي أشرنا إليه.
وقد يكون الرهن مما يجوز بيعه باتفاق، ولكن يعرُض فيه عارض يمنع من رهنه، غيرُ هذه المعاني التىِ تكلمنا.
عليها، مثل رهن الدانير والدراهم والفلوس، فإن ذلك يُمنع منه، إلا أن يُطبع عليها، حتى يحال بين المرتهن وبين التصرف فيها، فتوضع على يديه مطبوعًا عليها، فلا يخفى تصرفه فيها إذا اطُلِع على زوال الطبعْ.
وإذا اطُّلع علي بنائه 1 عُلِم أنه لا 2 يتصرف فيها.
وما ذلك إلا حماية الذريعة أن يكون الراهن والمرتهن قصدا إلى أن يقبض على جهة السلف وسمَّيا ذلك القبض رهنًا، واشتراط السلف في المداينة أو المبايعة يُمنع، والتطوع به كهبة المديان.
وقد سلف القول فيها.
وأما إذا كان الرهن مما يعرف بعينه، فلا يختلف في جواز أخذه رهنًا إذا كان لم يختلف في جواز بيعه.
وإن كان لا يُعرف بعينه، وليس من الاثمان التي هي الدنانير والدراهم والفلوس، كالمكيل والموزون، فإن في ذلك قولين: المشهور منهما إلحاق ذلك بالدنانير والدراهم.
وأجاز ذلك أشهب، وقال: إن التصرف في هذا الجنس لا يخفَي ولعله يشير بهذا التعليل إلى أن التصرف والسلف مما يقع في الدنانير والدراهم من واضع يده عليها.
بغير إذن مالكها، ويبعد في العادة استخفاف مثل ذلك في المكيل والموزون من طعام كالقمح والزيت ومن سلع كالكتان والحرير.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إذا اشترط البائع أن يكون ثمن المبيع مؤجلًا، على أن يبقى المبيع في يده رهنًا، فإن ذلك مما اضطرب فيه المذهب.
ففي الموازية عن مالك: إن ذلك لا يجوز: يفسخ المبيع المُشتَرَط فيه هذا، إذا كان الاشتراط بقاءَ المبيع في يد البائع رهنًا.
وأما إن كان الشرط خروجَه عن يد البائع إلى يد أمين، اتفقا عليه، فإن ذلك جائز.
وقال ابن المواز لا يجب ذلك.
وظاهر ما أشار إليه أنه كَره ذلك.
ولو اشترط وقف الرهن في يد أمين غيرِ البائع جاز ذلك، إذا كان المبيع يؤمن تغيُّره كالعقار، ويمنع إذا كان يسْرع إليه التغيّر، كالحيوان.
وأما اشتراط وضعه على يد أمين، فيجوز ذلك في العقار والحيوان.
ولابن الجلاب منعْ ذلك في الحيوان خاصة، ولم يقيد باشتراط ذلك في يد البائع أو في يد أمين، وابن القصار، منا أصحابنا أجاز ذلك على الإطلاق في جنس البيع وفيمن يوضع على يديه.
لكن ابن القصار ذهب إلى ذلك وهو كالمعتذر عن مخالفة المذهب فيه، فقال: يجوز ذلك عند مالك، ويمنع عنْ أبي حنيفة والشافعي، والظاهر من قول مالك أنه موافق لهما في منع ذلك، ولعل ذلك منه على جهة الكراهة، قال: وأنا أنْصرُ جوازه (وما نزل) 1 عليه أصول المذهب، فقال بعض الأشياخ: اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه.
وذكر أن هذا الخلاف من أصحابنا إذا لم يُشترط في رهن المبيع أجلٌ بعيدٌ، وأما لو اشتُرط فيه أجل بعيد فإنه يمنع قولًا واحدًا.
نقلناه نحن.
وبعض أشياخي أطلق الخلاف من غير تعرض لذكر قرْب أجل الرهن أو بعْده، ونقل ما قلناه من الخلاف.
وتلخص في هذا الذي نقلناه نحن على التفصيل أن اشتراط وضع المبيع
على يد أجنبي غير البائع، جائزٌ عند الأكثر، في المشهور عندنا، إلا ما أشار ابن المواز أنه مكروه، وما تأوّله ابن القصار على صفة ما حكيناه عنه، والمنع من ذلك في الحيوان خاصة على ما نقلناه عن ابن الجلاب.
وأما اشتراط بقائه رهنًا في يد البائع فثلاثة أقوال: مالك منع ذلك على الإطلاق، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعى.
وابن القصار أجاز على الإطلاق، وأصبغ أجاز ذلك في العقار وما يؤمن عليه من التغير، ومنعه في الحيوان.
والمانعون لذلك من أصحاب أبي حنيفة والشافعي يعتلّون للمنع بأن إجازة ذلك.
يُؤدّى إلى التنافر والتناقض في الأحكام، وذلك أن عقد البيع يوجب تسليم المبيع، واشتراطَ ارتهانه يوجب حبس المبيع، والحبس والإطلاق مَعنَيان متضادان، فوجب القول بالمنع.
لكن 1 القول بالجواز يوقع في التضاد، وأيضًا فإن المشتري قد ملك المبيع، وملْكُه على التأبيد لا يخرج من يده إلا باختياره.
وفي اشتراط كونه رهنًا إخراجُه من ملكه بغير اختياره، إذا بيع عليه في الدين، وهذان أيضًا معنيان متنافران.
والقائلون بالجواز يجيبون عن ذلك بأنه لو سلم المبيع ثم أعاده المشتري للبائع رهنًا، فإن ذلك جائز، فيقدر هذا المعنى في اشتراطه كونه رهنًا يبقى في يد البائع في أصل عقد البيع, لأنه إنما رهن ما صح ملكه له، ثم بعد صحة ملكه له عتمد على نفسه فيه رهنًا، فصار ذلك في معنى الرهن بعد القبض.
وهذا يمنعهم من الاعتلال للمنع أيضًا بقولهم: إنه رهنُ مالم يستقر ملكه عليه، فأشبه أن يرهن عبدَ غيره، مع أنّا أيضًا نحن نقدر هذا بعد صحة الملك.
وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب أنّا نجيز أن يتقدم الرهن على عقد البيع، خلافًا للشافعي.
وبالجملة أنه التمت في هذا إلى أنه تحجير على المشتري في المبيع، والتحجير ينافي موجب البيع من إطلاق التصرف.
فإن هذا قد يلتفت إليه من منع هذا الاشتراط، ويدافعه عن ذلك من أجاز هذا الاشتراط بأن هذا التحجير ليس
بضربه لازمة على المشتري لكونه متى أتى بالثمن تسلم المبيع، فصار التحجير كأنه من قِبَله، والتحجير الممنوع أن يكون من قِبَل البائع اشتراطه.
فإن راعينا أنه شراء معين اشتُرط ضمانُ البائع إلى أجل بعيد فإن ذلك يكون وجهًا للمنع.
وقد يجاب عنه أيضًا بأن هذا ليس كاشتراط ضمان العين على بائعه، وأنه هو المقصود في هذا العقد، وإنما هو كاشتراط احتباس السلعة المبيعة بالثمن وشرط احتباس السلعة المبيعة بالثمن جائز، فكذلك هذا.
لكن اشتراط حبس السلعة إنما جاز ذلك في بياعات النقود، وأما إذا كان التأجيل البعيد صار ذلك فيه معنى ما أشرنا إليه من القصد لاشتراط الضمان على البائع، ولهذا قال بعض أشياخي: لا يختلف المذهب في منع هذا الشرط إذا كان الخمن إلى أجل بعيد.
كما حكيناه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
إذا رهن عصير العنب، وهو حلو حلال، فصار خمرًا، ثم تخلل، فإنه يبقى على الملك على ما كان عليه قبل أنْ يصير خمرًا، من غير خلاف.
وهكذا نقلوه 1 على حكم كونه رهنًا عند فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبي حنيفة.
وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لا يعود رهنًا إلا بعقد مستأنف.
وحكاه أيضًا بعض أصحاب الشافعي عن أبي حئيفة.
وأنكر ابن القصار هذه الحكاية على من حكى من أصحابنا، ورأى أن أبا حنيفة مذهبُه كمذهبنا في هذه المسألة.
وكذلك أنكر أبو الحامد الإسفراييني على من حكي ذلك عن أبي حنيفة أيضًا، ورأى أن مذهبه كمذهب الشافعي في ذلك.
وكذلك أشار أبو حامد إلى إنكار من نقك أن هذا أيضًا حُكي عن الشافعي، وأن له قولًا بكونه لا يعود رهنًا.
لكن ينبغي ألا ينكر الخلاف في هذه المسألة، فإن ابن القصار قال في كتابه: وقال قوم: لا يبقى على حكم كونه رهنًا ويفتقر في كونه رهنًا إلى تجديد
عقد مستأنف.
وكأن هؤلاء رأوا أن المِلك أقوى من الرهن، فبقاه على الملك الأول، وكون زوال اليد عند لا يضعفه والرهن أضعف من الملك، وزوال يد الراهن عنه يضعف الرهن على الجملة، وقد أمر الشرع، لما صار هذا العصير خمرًا، بدفع 1 يد المالك عنه ويد المرتهن، فكأن يد المرتهن يقدّر ارتفاعها تقديرًا.
ورأت الجماعة والجمهور أن الرهن يتعلق به حفان: حق الملك وحق الرهن، فإذا اتفق على أن حق الملك في هذه العين يبقى على ما كان عليه، فكذلك حق الرهن, لأنه تابع للملك ومن حقوق الملك.
ولو كان عقد الرهن على الخمر، والراهن والمرتهن مسلمان، لم ينعقد هذا الرهن، تكون الحكم إراقةَ هذا الخمر.
ولو كان الراهن ذميًا والمرتهن مسلمًا، لم ينعقد هذا الرهن في حق المسلم، بل يعاد إلى الذمي مالِكه، ولو بيع هذا الخمر لم يكن المسلم، الذي أخذه رهنًا، أحقّ به من غيره من الغرماء, لأن حيازته إياه كالعدم، فصار كمالِ الغريم 2 لم يحزه أحد من الغرماء.
ولو كان الراهن مسلمًا والمرتهن ذميًا لأريقت على المسلم، وبطل حق الذميّ المرتهن فيها.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
حق هذه المسألة أن تذكر في كتاب الأشربة، ولكن لما جرى الرسم بذكرها في كتاب الرهن، في تصنيف البغداديين من أصحابنا وأصحاب الشافعي، اقتفيتُ أثرَهم في ذلك.
واعلم أن تخليل الخمر لا يخلو من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون تخلّلت من غير صنع المخلوقين في ذلك، لا بإلقاء شيء يخلّلها وينقلها عن كونها خمرًا، ولا ينْقلها من ظل إلى شمسٍ، أو هواء إلى هواء.
أو يكون تخللها بعلاج أُبقيَ فيها وهو على قسمين: أحدهما أن يعالجها بالنقْل وتبديل الأهوية والأمكنة.
والثاني أن يعالجها بشيء يلقيه فيها.
فأما القسم الأول، وهو مصيرها خلًّا من غير علاج من إلقاء، فإنها تطهير ويحل بيعها، والتأدُّم بها، وتكون كسائر الخلول التي (تصير خمرًا) 1. وهذا مما حكى فيه بعض الأئمة إجماع الأمة على ذلك.
لكن بعض أصحاب الشافعي اشترط في إباحتها وطهارتها تكون 2 هذا التخليل في خمرة قُصِد بها في أول عصرها أن تُتَّخذ خلًّا، حتى لا يكون عاصيًا فيما بعدُ (أنها من إمساكها) 3 لتصير خَمْرًا.
وأما إذا تخللت بعلاج أو بالنقل من هواء إلى هواء أو مكان إلى مكان، من غير أن يُلقَى فيها شيء، فإن ابن القصار من أصحابنا، ذكر أنْ لا خلاف في هذه أنها تحل إذا صارت خلًا بهذا النوع من العلاج، وتطهُر.
وذكر ذلك في احتجاجه عن الشافعي، ولعله أراد: لا خلاف بيننا وبينه، وإلا فبعض أصحاب الشافعي أجرى هذا العلاج بها مجرى علاجها بشيء يطرح فيها مما يخفلها في مقتضى العادة كالخل والبوْرق وما أشْبه ذلك، وأن ذلك يجري في بقائها على التحريم مجرى تخللها بشيء يُلقى فيها.
وأما إن كان علاجها بشيء يلقى فيها فتخللت، فهذا مما اختلف الناس فيه، فذهب مالك إلى كونها تطهير بذلك، وتحلّ، وترتفع عنها أحكام الخمرية من حد شاربها وتفسيقه وكرِه أكلَها بعض أصحاب مالك، عبد الملك
وسحنون.
وبمثل ما قال مالك قال أبو حنيفة.
وذهب الشافعي إلى أنها ترتفع عنها أحكام الخمرية عن 1 التفسيق وحدّ شاربها، ونجاسة الخمرية.
لكنها يبقى فيها حكم نجاسة خل تنجس بما ألقي فيه من بول أو غيره.
وهل يسوغ التخليل لها ابتداء أو يحرم؟ حزمه الشافعي وأباحه أبو حنيفة.
وأغْلى بعض أصحابه في ذلك، حتى رآه مشرَّعًا مندوبًا إليه عندهم.
وكره مالك رضي الله عنه.
وكأن هذه المسألة كالأصل فيما ذكرناه من الخلاف في تطهيرها وإباحية أكلها واستعمالها.
ويحتج المبيحون لها بهذا العلاج بقوله تعالى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ 2 فقيل: إنه النحل وأنه رزق حسن.
ويؤكده قوله عليه السلام "نعم الإدام النحل" 3. وهذا الثناء عليه يؤكد كونه رزقًا حسنًا.
وعم عليه السلام أنواع الخلول، ما تخلل منها، بعد أن كان خمرًا، بعلاج أو بغير علاج، أو ما لم يكن قطّ خمرًا.
ويجيب أصحاب الشافعي عن هذا بأن ظاهر الآية التنبيه على ما أنعم به علينا مما يتخذه من نفس ثمرات النخيل والأعناب، لا فيما يكون يتخذ منها بواسطة، وهو التخليل بما يلقى.
ويحتج المجيبون 4 لها أيضًا بما روى أنه عليه السلام (يُحِل الدباغُ الجلدَ كما يحلّ النحل الخمر) فكأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل تحْليل الخمير بالتخليل كالأصل والدباغ في تخليلها 5 الجلد عند من رأى كون الجلد يطهر بالدباغ كالفرع.
واحتجوا بأن لفعل الآدمي تأثيرًا في الاستباحة، ألا ترى أن الشاة إذا ماتت حتف أنفها لم تؤكل، فإذا ذُكِّيت أكلت، فقد صار الموت الذي وقع عن فعل
آدمي يبيع مالم يبعه الموت الذي وقع عن فعل الله سبحانه.
وهذا وإن كان نوعًا من الاستدلال فإنه لا يطّرد في أصول الشرع، ألا ترى أن موت الإنسان من قِبَل الله لا يمنع ولده أن يرثه، ولو قتله ولدُه لم يرثْه، فقد صار ها هنا فعل الله سبحانه يتعلق به من الحكم ما لا يتعلق بفعل الآدمي، فلا يستنكر افتراق فعل الله سبحانه في تحليل الخمر وابن آدم لها، فيكون الحكم في ذلك مختلفًا.
ويحتج أصحاب الشافعي على التحريم بما روي أن أبا طلبة ذكر للنبي عليه السلام أن عنده مال أيتام فاشترى لهم به خمرًا، يريد حين كانت الخمر مباحة، فلما حرمت سأل النبي عليه السلام عن حكمه، فقال له: أرقْها.
فقال: يا رسول الله هَلآ أخلّلها؟ فقال: لا).
فالأمر بالإراقة يقتضي منع التخليل، وقوله عليه السلام، لما سأله عن التخليل، لا، نهي عن تخليلها.
وأيضًا فإن هذا مال أيتام، والشرع مبني على الاحتياط على مال الأيتام، وصونه عن التلف، فلو كان التخليل مباحًا يُصان به مال اليتامى لكون 1 - صلى الله عليه وسلم - يأمره به، ولا ينهاه عنه لما استفتاه في ذلك، ألا ترى أنه أشار بدباغ الجلد في شاة ميمونة لما كان مصلحة وصيانة للجلد.
يقولون: إن الحديث الذي تعلق به المبيحون للتخليل من قوله عليه السلام" يحل الدباغ الجلد كما يحل النحل الخمر، ضعيف لم يثبت.
ويقول أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك المبيحون لذلك إن سؤال أبي طلبة كان حين نزل تحريم الخمر، وهي محبوبة كانت عندهم، فنمع عليه السلام من تخليلها لئلا يكون ذلك داعية إلى إفساد فِطامِهم عن شربها، فلما استقرّ الحكم بالتحريم وألِفُوا اجتنابها زالت هذه العلة.
وهذا تأويل ضعيف, لأن أحكام الشرع وأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونواهيه
منسحبة على عموم الأزمان والأعصار، وتقرير النسخ فيها بالإمكان تطرّقٌ إلى فساد خطاب صاحب الشرع.
ومما يعتمد عليه أصحاب الشافعي أنه متى ألقي في الخمر بورق أو خلّ، أو غير ذلك مما يخللها، تنجس الملقَى فيه ابن جاستها، وصار مائعًا فيها مخالطًا لأجزائها، وقد صارت نجسًا، فلهذا منع من استعمالها وأكلها.
ويقول المبيحون لذلك: لما استحالت الخمر وطهُرت في نقسها زالت نجاسة ما خالطها مما ألقي فيها بزوال نجاسة ما نجّسه كالدن فإنه ينجس لمماسة أجزاء الخمر.
وإذا تخللت الخمر من قبل الله سبحانه وطَهُرت طهُر الدنّ بطهارة ما نجّسه.
ويمنع أصحاب الشافعي هذا القياس على طهارة الدنّ، فإن الدن إذا نجس لمماسة الخمر النِجسة فإذا طهرت فقد استحالت تلك الأجزاء التي ماسته، فيبقى طاهرًا على ما كان عليه قبل أن يماسها، وما يلقى في الخمر مما يخلّلها فقد صار مائعًا فيها وهو نجس, فلا يطهر بطهارة الخمر التي نجسة 1 لأدت أجزاءه لم تنقلب عينها كما انقلبت عين الخمر.
وإذا وضح ما قلناه في هذه المذاهب والأدلة عليها، فقد وقع اضطراب في جواز 2 الخمر هل هو مما يؤثر؟، وكأن اليد عليها مما يرجح أم لا؟ فيه اضطراب، فقال بعض أصحابنا، فيمن غصب خمرًا فتخللت عنده: إنها تبقى للغاصب, لأن يد من غُصِبت منه كلايد، وحوزه كالعدم، فأشبه من خلل خمرًا لا يد لأحد عليها ولا حقّ لأحد فيها.
وإذا قلنا: إن لوضع اليد عليها تأييدًا وترجيحًا رُدَّت إلى المغصوب منه وهذا مما ذكرناه في كتاب البيوع.
والجواب عن السؤال الحادي 1 عشر أن يقال:
الرهن يصح أن يؤخذ عن كل حق، وإن اختلفت أنواع الحقوق الثابتة في الذمم، بأن يكون ثمنَ مبيع بيع النقد 2، أو بيع بثمن إلى أجل، أو ثمنًا لإجارة، أو صداقًا في نكاح، أو عرضًا 3 عن خلع، أو أرشَ جناية إلى غير ذلك من سائر الحقوق الثابتة في الذمم.
وعلى هذا جمهور العلماء.
وحكي عن بعضهم أنه لم يُجز الرهن إلا في السلمَ خاصة، تعلقًا منه بقوله تعالى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 4 إلى قوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (4) فافتتح الآية بذكر الدين المؤجّل وهو السلم، ولو كان المبيع سلعة وثمنها دنانير مؤجلة لحسن دخولها في هذا الظاهر, لأنها مداينة إلى أجل، وإن كان العرف تسمِيَتها بيعة أجل.
وإنما جرى العرف تسميته دفع دنانير في سلعة مؤجلة موصوفة بتسميتها سلمًا، فلأجل هذا قال هؤلاء لا يجوز الرهن إلا في السلم.
وعندي أن القوم قد يتخيلون أن الرهن كالرخصة لأجل الضرورة، والحاجة الداعية إلى أن يرخص فيه، وإنما تدعو الضرورة في غالب الأمر إلى ذلك في السلَم لأن الرهن بدل مال عن مال يكون في الذمة، ويُخشى الفلَس عند مَحِلّ الأجل، فيقبض من المديان سلعة تكون بيده رهنًا، فيمنع الراهن من التصرف فيها ويعطل منفعته بها، ويحجر عليه بيعها والانتفاع بها.
والأصل في الأملاك ألا تُحجَر على مالكها، فقد صار الرهن كالخارج عن الأصول، فلهذا لا يجوز إلا فيما نص الشرع عليه.
ورأى العلماء أن معنى سائر الديون تساوي 1 في المقصود بالرهن، وهو الاستيثاق بالحق المطلوب، وكون دافع الرهن له في ذلك منفعة، فلم يعطل مارهنَه من ماله، أو يحجره على نفسه إلا بعوض وهو 2 أنفع له، ولولاه ما عومل ولا دُويِن.
وهذا المعنى يشترك الحقوق فيه وقد قال تعالى: "وأشهدوا إذا تبايعتم " ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعل الرهبان تقوم مقام الإشهاد عند تعذر الإشهاد، والإشهار 3 يجوز في سائر الديون والحقوق، فكذلك ما جعل ينوب 4 منابه.
وقد منع الشافعي الرهن في كتابة المكاتب لأجل أن الدين غير ثابت، وللمكاتب أن يعجّز نفسه، ويفسخ الكتابة متى شاء، وهذا يمنع من الرهن, لأن الرهن، توثّق بالحق، وما ليس بثابت فلا يتوثق منه.
ونحن نمنع هذا إذا كان الرهن من أجنبي تحمّل بكتابة المكاتب، ودفع رهنًا بما تحمل به, لأنّا لا 5 نجيز الكتابة يحمالة، كما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذلك منع الشافعي من أخذ الرهن بالدرَك في ثمن المبيع, لأنه يرى أن الدرك يحمل على التأبيد، فإذا باع رجل سلعة من رجل بمائة دينار على أن دفع البائع سلعة من عنده رهنًا للمشتري يأخذ ثمنها إن استُحِق المبيع من يده، فإن ذلك يكون مؤقّتًا بوقت معلوم، فيصح دفع الرهن به تطوعًا, وأما في أصل العقد فإن فيه مخاطرة, لأنه لا يدفع على التأبيد، فمتى وقع استحقاقٌ بيع الرهن في الثمن، فكأن الراهن عطّل مِلكًا من أملاكه على التأبيد، وهذا كإضاعة المال.
وهذا التعليل قد يدافع فيه بأن دافع الرهن لو لم يعلم أن منفعته بما اشتراه ترْبي على المضرة بتعطيل منفعته بالرهن لَما فَعَل ذلك، فكأنه كمتلف سلعة ليُحصل بتلفها ما هو أنفع له منها، فهذا مما ينظر فيه.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى؛ ورضي عنه:
ويلزم بمجر [القول] 1 والقبض شرط في صحته واستدامته، وليس بشرط في انعقاده.
وإذا عقداهُ 2 قولًا لزم، وأجبر الراهن على إقباضه للمرتهن.
فإن تراخى المرتهن في المطالبة به أو رضي بتركه في يده بطل.
فإن قبضه ثم رده إلى الراهن بعارية أو وديعة أو استخدام أو ركوب بطل الرهن.
ويجوز أن يَجْعلاه على يد أمين.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة 3 أسئلة منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن الرهن يلزم بالقول؟ 2 - وما الدليل على أن القبض شرط في وجوب تعلق الحق به؟ 3 - وما صفة هذا القبض؟ 4 - وما الحكم في قبض المرتهن جُزْءًا شائعًا؟ 5 - وما الحكم في قبض المرتهن ما في يديه؟ 6 - وهل استدامة القبض شرط في صحته أم لا؟ 7 - وما الحكم فيه إذا رجع إلى يد الراهن بواسطة؟ 8 - وما الحكم فيه إذا استُحق؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اختلف الناس في لزوم الرهن بالقول دون القبض:
فذهب مالك رحمه الله أن الرهن يلزم بالقول ولا يفتقر كونه عقدًا لازمًا إلى القبض.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يلزم بمجرد القول، ولا يجبر الراهن على دفع الرهن إن امتنع من ذلك.
ومذهبنا أنه يجبر على دفع الرهن، لكونه عندنا يلزم بمجرد القول كما يلزم البيع بمجرد القول، ويجبر البائع على دفع ما باع إذا قبض الثمن، وإن لم يقبضه جرى ذلك على تقدم ذكره في كتاب البيوع، لما ذكرنا الحكم فيمن يجبر على الدفع: هل البائع يدفع المبيع ثم يأخذ الثمن أو المشتري يدفع الثمن ثم يأخذ المبيع؟
وهذا الاختلاف مبني على ما اشتهر من الخلاف في الهبة: هل تلزم بمجرد القول، ويجبر الواهب على دفع الهبة أم لا؟
فعند أبي حنيفة والشافعي أن الواهب لا يجبر على دفع ما وهب ولا تلزم الهبة بمجرد القول.
وعندنا أنها تلزم بمجر القول، وكذلك الرهن.
وقد حكى ابن خويز منداد رواية شاذة في كون الهبة لا تلزم بمجرد القول.
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج ذلك من مسألة المدونة فيمن (عار رجل) 1 أرضًا ليبني فيها أو يغرس، ثم أراد أن يُخرجه لما بني وغرس فإنه يمكّن من ذلك إذا أعطاءه ما أنفق، ولم يكن ضربًا أجلًا لهذه العطية.
وبعض أشياخي مَنَعَ هذا التخريج.
وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله
تعالى.
والشافعي، وإن كان يرى أن الرهن لا يلزم بالقول، فإنه إذا اشتُرط في أصل عقد بيع ولم يتطوع المشتري بدفع الرهن، فإن البائع يكون له الخيار بين أن يُمضي البيعَ بلا رهن، أو يفسخ لعدم الشرط وهو الرهن.
وسبب هذا الاختلاف في الرهن هل يلزم بالقول أم لا؟ التنازع في مقتضى قوله تعالى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1 هل المراد بقوله تعالى ﴿مَّقبُوضَةٌ﴾ أي يقبضونها بعد عقد الرهن.، أولًا يكون لها حقيقة الرهن إلا بعد أن تصير مقبوضة؟
فيحملها مالك رضي الله عنه على أن المراد بها: تُقبض بعد عقد الرهن.
ويحملها أبو حنيفة والشافعي على أن المراد به أن الرهن هو المقبوض.
وكل واحد من المذهبين يتخرج بطريقة يسلكها من جهة البيان، ومن جهة الاعتبار.
أما مالك فإنه يرى أنه لما تقدم قولَه تعالى "مَّقبُوضَةٌ" قَوْلُه "فرهان" فأثبت تسمية الرهن قبل ذكر القبض، ثم نعته بالقبض، اقتضى ذلك أن يكون رهْنًا قبل القبض، ولو كان لا يكون الرهن رهنًا حتى يُقبض لاستغنُيَ عن قوله ﴿مَّقبُوضَةٌ﴾.
ويرى المخالف أن قوله تعالى "مقبوضة" وصف لازم كقوله: ساحة واسعة، فإن الاتساع وصف لازم، فوجب بلزومه أن يكون كالشرط فيها.
وهذا يقتضي أن الرهن لا يكون إلا مقبوضًا، ألا ترى أن قوله تعالى في كفارة القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 2 يقتضي أن العتق في هذه الكفارة لا يجزى إلا بشرط الإيمان في الرقبة.
فكذلك لا يصح الرهن ويلزم إلا بأن يصير مقبوضًا.
وكذلك قوله تعالى ﴿وَأَشهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مّنِكُمْ﴾ 3 المراد به من هو عدل
منكم حين الإشهاد، ولم يرد به أن يستشهد من ليس بعدل، ولكنه قد يُعدَّل بعد ذلك.
وأيضًا فإن تخصيص الرهن بالذكر لا يراد به التنبيه ببعض الجنس على بقيته, لأن ما سوى الرهن من العقود أجناس مختلفة، والأولى التنبيه على ما هو أوْلى في الحكم, لأن البيع أقوى من الرهن، لكونه ينقل الملك، والرهن لا ينقله، فلو كان المراد التنبيه لذكر القبض في البيع الذي هو أقوى من الرهن لينبه به على أن ما هو أضعف منه أحق بأن يشترط فيه القبض، فدل ذلك على أن فائدة التخصيص بذكر القبض في الرهن يقتضي اختصاصه بهذا الحكم، وكونَ القبض شرطًا ونحن وإن سلمنا أن الآية محتملة للمذهبين فإنا نقابل ترجيحهم لتأويلهم بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 1 وهذا عقد في الرهن يؤمر بإلغائه 2. وقوله عليه السلام" المؤمنون عند شروطهم" 3.
وأمّا الترجيح من جهة الاعتبار، فيقولون: إنه عقد لا عوض فيه، فأشبه الوصية، فإن للموصي أن يرجع عما وصّى به.
ونحن نقابل هذا بأنه حق تبايع 4 للبائع، والبيع يلزم بالقول عندنا، أو بالقول والافتراق، فيجب أن يجري الرهن الذي هو تابع البيع مجرى متبوعه، فيلزم بالقول، ولا يفتقر إلى القبض كالبيع.
ويقولون: فإنه وثيقة بالحق، والمقصود باشتراطه استيفاء الحق، فإذا سلمتم أنه لا يكون المرتهن أحقَّ به إذ لم يقبضه فلا فائدة فيه، وقد بطل المقصود به.
ونجيبهم عن هذا، بأنه يلزم بالقول، ويجبر الراهن على إقباض الرهن
حتى يكون المرتهن أحق به عند الفلَس، فإن تراخى في قبضه تراخِيًا شعر بإسقاط حقه فيه، صار هو المسقطَ لحقَّه.
وهذا عندنا فائدة قوله تعالى "فرهان مقبوضة" المراد به الثخصيص 1 على الفبادرة بالقبض، ليكون المرتهن أحق في الفلس والموت، بخلاف البيع فإن المشتري أحق بما اشتراه في فلس البائع أو موته.
ونقول نحن فإن العقد إذا كان غير لازم لم يجعله القبض لازمًا، كالقراض فإن رب المال، ولو سلم المال إلى العامل، ثم أراد أن ينتزعه منه في الحال، لكان له ذلك، تكون عقد القراض غير لازم لم يجعله القبض لازمًا.
أصله ما ذكرناه في القراض والجعالة والشركة والمعاملات، عكسه البيع لما أن كان لازمًا بمجرد العقد لم يجعله عدم القبض غير لازم.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد قدمنا التنازع في تأويل قوله تعالى "فرهان مقبوضة" هل المراد به أنها لا تكون رهنًا لازمًا إلا بالقبض، أو تكون رهنًا لازمًا قبل القبض، وإنما القبض شرط في كمال التوثقة بالرهن.
فقد حصل من هذا أن أبا حنيفة والشافعي يريان القبض شرطًا في صحة كونه رهنًا ولزومه، ومالك يراه شرطًا في كون المرتهن القابض له أحق به إذا فلِّس الراهن أو مات، فيباع له الرهن، ولا يحاضه في ذلك غرماء الميت أو المفلّس.
وإذا أمكن المرتهنَ القبضُ ففرّط فيه حتى فلّس الراهن أو مات أسقط حقه في تعلق دينه بثمن الرهن، وهذا 2 يختلف فيه.
وإن وقع موته قبل أن يمضي من الزمن ما يتمكن المرتهن من القبض حتى فلّس الراهن أو مات، ففي ذلك قولان: هل يسقط حق المرتهن وإن لم يفرّط في القبض؟ أولًا يسقط لكونه لم يتراخ في طلب الرهن ولا فرّط في تحصيله