بسم الله الرّحمان الرّحيم صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم كتاب الوديعة
قال القاضي أبو محمّد رحمه الله:
الوديعة أمانة محضة، لا تضمن إلاّ بالتعدي.
والقول قول المودعَ في تلفها على الإطلاق مع يمينه، وفي ردها.
إلاّ أن يكون قبضها ببيّنة، فلا يقبل منه إلاّ ببيّنة.
وليس له أن يودعها غيره إلاّ من ضرورة، ويضمَن أن أودعها 1.
وليس له أن يسافر بها على كلّ وجه.
إلاَّ أن تكون في السفر، فعرضت له إقامة، فله أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه.
وإذا أنفقها أو بعضها ردّ قدر ما أنفق وسقط عنه الضّمان.
إلاَّ أن يكون المردود قيمة فقيل: الضّمان باق.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أسئلة.
منها أن يقال:
1 - هل يباح الإيداع أم لا؟
2 - وما الدّليل على سقوط الضّمان في الوديعة؟
3 - وهل يشترط في رفع الضّمان استدامة الحقّ للمودع؟
4 - وما الحكم في تلف الوديعة؟
5 - وما حكم تسليم الوديعة لغيره؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: استدل العلماء على جواز الإيدل بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 1 وبقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 2. وهذا الاستدلال لا يستقل بمجرّده.
لأنّ قصارى ما فيه الأمر بردّ الوديعة.
وردها غير قبولها.
ويصح أن يؤمر بردّ ما قبوله حرام.
لكن ترك التعرض لذكر أصل الإيداع يقتضي كونه غير محرم.
إذ لو كان حرامًا، لنبه عليه.
وكذلك قوله تعالى في الأوصياء ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 3 ومال اليتيم في يد من يليه على جهة الأمانة والإيدل وفيه أيضًا ما ذكرناه من كونه أمَر بردّ الوديعة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ 4. ففيه إثبات الوكالة.
والم الذي يد الوكيل على جهة الإيداع.
لكن قصارى ما في هذا أنّ أصحاب الكهف الظّاهر من حالهم أنّهم ما فعلوا ذلك إلاّ وهو مباح في شرعهم.
وفي الاستدلال بشرع من كان قبلنا خلاف بين الأصوليين.
ولمّا ذكرنا إباحة الإيداع من حيث الجملة، فمن شرط الإباحة أن يكون قابض المال على جهة الإيداع مأمونًا عليه.
وأمّا إن كان الغالب منه أنّه لا يوفي بأمانته ولا يرده إلى صاحبه، إمّا بجحوده إيّاه وإمّا بدعوى ضياعه، فإن هذا لا تصحّ فيه الإباحة، إمّا لكون اليمين تلزمه فيحلف كاذبًا فيكون دافع الوديعة سببًا في حمل هذا على ما لا يحلّ من اقتطاع حقّ مال مسلم بيمينه.
على أن هذا التّعليل قد يعترض لكون البياعات تصحّ بغير شهادة عمومًا في سائر النّاس.
وإن كان الإشهاد يستحبّ، وتركه مكروه ولكنّ الكراهة تتقاصر عن التّحريم.
وأيضًا فإنّ البياعات تدعو إليها الضّرورات في المعاملات.
وقد لا يربح البائع إلاّ في معاملة غير ثقة بخلاف الإيداع.
وقد عُلّل هذا الاشتراط بأن في إيدل مَن الغالب أنّه لا يردّ الوديعة إضاعة المال.
وقد نصّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في البخاري ومسلم عن
النهي عن إضاعة المال 1. وهذا أيضًا قد يقال فيه: إن له أن يهب ماله لغير ثقة، ولمن يتلفه في اللّذّات المباحة.
فإذا كان هذا لا يَحْرُم الإيداع لغير ثقة.
لكن الواهب قصد الملك للموهوب له المالُ.
ومن ملَّك المالَ مالكُه يفعل فيه ما يشاء من الأمور الباحة.
وهذا المودع لماله لم يقصد تمليك ماله المودع، وإنما قصد صيانته، وصيانته في هذا الوجه سبب إضاعته.
فنهى عن ذلك لأجل القضيّة الّتي ذكرناها.
وقد منع أصبغ من أتى بلطْخ في جارية، أن يضع قيمتها ويسافر بها ليثبت ملكه لها، ورأى أن ذلك معونة على ما لا يجوز من وطئها.
وإن كان في المدوّنة تمكينه من ذلك على الجملة للضّرورة والحاجة إلى صيانة الأموال على أربابها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد تقرر الاتّفاق على أنّ من أسلف رجلًا مالًا فضاع الم الذي يد المستسلف فإنّه ضامن.
كما حصل الاتّفاق على أنّ الوديعة غير مضمونة وتستنبط من ذلك علّة الضمان والتّبرية.
فوجدنا الوديعة ملك صاحبها، فكان ضمانها منه.
لكون هذه العلّة مركبة عند العلماء من هذا الوصف ومن وصف آخر وهو حصول المنفعة، فإنّ المنتفع بالمال ينبغي أيضًا أن يضمنه، والوديعة لا.
منفعة فيها على قابضها على حال.
فاجتمع فيها وصفان يحسنان في نفي الضمان: وهو كون المال غير مملوك للموح ولا منفعة له فيه.
كما حصل في القرض وصفان لا يحصل معهما نفي التّضمين، وهو انتقال الملك لِلْمستسلف وانفراده بالمنفعة في السلف.
والمنفعة بالسلف 2 تقرّر الأصلين لأحد الرّجلين بالكلّية لا يشاركه الآخر فيها.
وقد نبّه القاضي إسماعيل على هذا التّعليل فذكر أنّ الوديعة لا منفعة فيها لمن هي في يديه على حال، فلهذا لم يضمن.
قال: وكذلك القراض لأنّ جلّ المنفعة فيه لربّ المال.
وكذلك الشّيء المستأجر لا يضمن لأنّ عُظْم منفعته لمن أجره.
فكأنّه تحقّق ما أشار إليه تعلّق
الضمان بالمنفعة، وقد عدمت بالكليّة في حقّ من المال في يديه وديعة.
وأمّا القراض فمنفعة العامل به غير متيقّنة لأنه قد لا يربح.
فأُجْريَ الشّكّ في المنفعة وحصولها مجرى اليقين لعدمها.
فقاس ذلك على الوديعة.
وأمّا الشّيء المستأجر ففيه منفعة محققة لدافعه ولآخذه.
ولكنه رأى أنّ جلّها لدافعه، فأجرى الجلّ مجرى الكلّ.
فردّها إلى الوديعة، وهذا بناه على القول المشهور عندنا في الشّيء المستأجر أنّه غير مضمون.
وأمّا الرّهن والعارية والصناع:
فإنّ المنفعة مشتركة في الرّهن عندنا بين دافعه وقابضه.
ولكن جلّها لقابضه يضمنه إذا كان يغاب عليه.
ورأى الشافعي أنّ جلّها لدافعها، فلم يضمنه لقابضه، مع كون الوصف الآخر الذي هو عدم انتقال الملك حاصل كحصول ذلك في الوديعة.
وقد تكلّمنا على سبب الخلاف في ضمان الرّهان بيننا وبينه.
وأشبعنا القول في كتاب الرّهن.
وكذلك العارية وأحكام الصّناع يبسط القول في ذلك في موضعه إن شاء الله عَزَّ وَجَلَّ.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد تقرّر أنّ الضّمان إنّما ارتفع في الوديعة عن حائزها لكون حوزه لها لا لمنفعة نفسه على حال.
ولو تسلّف رجل الوديعة التي عنده وهي مِمّا لا يراد بعينه كالدّنانير والدّراهم يتسلّفها ثمّ يردّها، وأخرجها من ذمّته إلى أمانته على حسب ما كانت عليه قبل أن يتسلّفها، فهل يسقط عنه الضمان إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته وانتفاء الضمان حتّى تصل إلى ربّها؟ فهذا مِمّا اختلف فيه قول مالك رضي الله عنه واختلف أصحابه.
فالمشهور عنه وعليه أكثر أصحابه أنّ الضمان يسقط عنه لإخراجها من ذمته وردّها إلى أمانته.
وهكذا روى المصريّون عنه.
وهو اختيار ابن القاسم وأشهب.
ورواه ابن عبد الحكم وأصبغ.
وروى عنه المدنيّون أن
الضّمان لا يسقط إذا ضاعت بعد أن ردها إلى أمانته.
واختاروا من قوله ما رووه عنه.
وإلى هذا ذهب الشّافعي وأبو حنيفة.
وسبب الاختلاف الالتفات في هذه المسألة إلى تسلّف الوديعة، هل يَجُوز أو يمنع؟ والحكم فيه يتفصّل.
فإنّ من بيده الوديعة 1 لا يقدر على ردّها لصاحبها عند مطالبته له بها، فإنه لا يختلف في تسلّفها -وهو على هذه الحالة- أنّه يمنع.
فإنّ هذا كأكل مال إنسان بغير اختياره وبغير عوض، ولا خفاء في تحريم ذلك.
وأمّا إن كان الحائز للوديعة موسرًا، فإنّ المذهب فيه اختلاف في إباحة السلف من غير إذن لعذر المودع له في ذلك.
فابن القصّار من أصحابنا يشير إلى أنّ الإباحة متفق عليها.
ولكنّه أشار بذلك إلى الصدر الأول.
فقال إنّ ابن عمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها تسلفا من أموال أيتام في ولايتهما, ولم ينكر ذلك عليهما أحد، وصار ذلك كالإجماع.
وهذا الّذي قاله قد علم اختلاف الأصوليين فيه 2 مذهب في مسائل الفروع لبعض الصّحابة.
وسكت الباقون عن إنكاره يكون سكوتهم كالموافقة لأصحاب المذهب أو لا يكون سكوتهم موافقة، على ما بيّناه فيما أمليناه في أصول الفقه.
والنّكتة النّظرتة الّتي يدور عليها هذا الخلاف أن تعلم أنّ المودع إن صرّح بالإذن لحائز الوديعة في أن يتسلفها، فإنّ ذلك لا يختلف فيه في كون السلف لها مباحًا، لحصول الإذن فيه قطعًا.
وإن نهاه عن تسلفها، فلا يختلف فيه أيضًا في أن التسلّف ممنوع مع كون المنع مشترطًا في أصل الإيداع.
وهذا هو مقتضى الأصول.
لكن قد اختلف المذهب عندنا في اشتراط ما لا يفيد، هل يقضى به على من اشترط عليه أم لا؟ وقد نبّهنا على ذلك في كتاب 3. ولكن قد يتصوّر
ها هنا غرض وفائدة في المنع من تسلّف الوديعة.
واشترط ذلك على المودع إمّا لكون صاحبه يتيقّن بطيب أصل كسبه، أو لأنّه إذا صار من عنده الوديعة مطلوبًا به كما يطالب بالديون، وقد تحيط به الدّيون فيرجع المودع إلى المحاصة.
أو يحوِجه إلى الطّلب فيثقل على المتسلف الأداء فيما طلبه، بخلاف أن يطلبه في الوديعة وهي حاضرة بعينها فإن ردها بعينها.
مِمّا لا يثقل ولا يشق.
وإن أطلق الأمر في أصل الإيداع ولم يصرّح بالإذن فيه، فها هنا يقع الخلاف لأجل الإشكال الذي ذكرناه من كون الموح له غرض في عين ماله.
فلا يخالف غرضه إلاّ بتصريحه بإذنه في المخالفة.
أو يقال: إنّما المعلوم من غرض المودع صِيَانَةُ ماله وحفظه عليه، وإذا صار في ذمّة المودع بتسلّفه له، كان ذلك أبلغ في صيانته على ربّه، لكونه إذا بقي على حكم الأمانة فضاع، كان مصيبة ذلك من ربّه، وإذا صار ذلك في الذمة فلا يخشى ربه من ضياعه.
فيكون تسلفه أبلغ في مقصوده من صيانته.
فهذا سبب الاختلاف في جواز تسلف الوديعة.
وقد قيل فيمن غصب دينارًا فأراد أن يردّ مثله ومنع صاحبَه من أخذ عينه، أنّ له ذلك.
وهذا يشير إلى ما نبّهنا عليه من أن الدّراهم كالدراهم والدينار كالدّينار.
ولا يتصور غرض يفرّق بينهما.
فإذا بنينا على القول إنّ تسلف الوديعة منهيّ عنه، وإن كان المتسلّف موسرًا، فإنّه يكون بتسلفها متعدّيًا.
فإن تسلفها ثم ردها، فهل يبرأ بردها أم لا؟ قد قدّمنا ذكر اختلاف قول مالك فيه.
فيكون القول بأنّه لا يبرأ بردها إذا ضاعت أوضاع بعضها ويصير كغاصب غصب مالًا ثمّ أخرجه من ذمته وأوقفه، فإنّه لا يبرأ إلاَّ برده إلى صاحبه.
(وإن كان هذا يتقاصر عن غصب مال ثمّ أخرجه إلى أمانته، يكون مناول ذلك المال أجراها عليه باتّفاق وتسلّف الوديعة في جواز الخلاف الّذي ذكرناه) 1.
وإن قلنا: إنّ تسلّف الوديعة مباح، فها هنا قد يعرض إشكال لأن الإباحة بالشرع لا بإذن المالك.
فيكون ردها في الذمّة إلى الأمانة.
[هذا ما وجد من كتاب الوديعة].
شرح التلقين
للإمَام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري 453 - 536 1061 - 1141
الجزء الثالث المجلد الأول
تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السلامي
دار الغرب الإِسلامي تونس
دار الغرب الإِسلامي جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى- 2008 م دار الغرب الإِسلامي
العنوان: ص. ب.: 200 تونس 1015
جميع الحقوق محفوظة.
لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة للعلومات أو نقله بأى شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثالث المجَلد الأول
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
كتاب الحوالة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدناْ محمَّد وسلم
كتاب الحوالة
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: معنى الحوالة تحويل الحق من ذمة إلى ذمة تبرأ بها 1 الأولى، ما لم يكن غرورًا 2 من عيب 3 للثانية وتشتغل الثانية، ويعتبر فيها رضي المحيل والمحال دون المحال عليه، ولا رجوع فيها وإن تلف الحق إلا بالغرور.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما الدليل على جواز الحوالة؟ 2 - وهل يعتبر فيها رضا المحال أو المحال عليه؟ 3 - وما شروط جوازها؟
4 - وما يحلها بعد إنعقادها من حدوث فلَسٍ؟ 5 - أو ما يحلها من حدوث مجرد؟ 6 - وما يحلها من حدوث ما يبطل الدين المحال عليه؟ 7 - وهل تصح الحوالة على غير دين؟ 8 - وما حكمها إذا كانت على دين قد يستقر؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اعلم أن الحوالة مأخوذة من التحول، والحوالة بالدين قد حصل فيها هذا المعنى، وهو التحول من ذمة إلى ذمة، كما قدمناه في كتاب الضمان، أنه مشتق من انضمام ذمة إلى ذمة.
فالدين متعلق بذمتين ضم بعضهما إلى بعض.
والحوالة متعلقة بذمة واحدة، ثم يتحول عنها إلى ذمة أخرى.
والحوالة تفتقر إلى ثلاثة أركان، محيل ومحال ومحال عليه.
والأصل في جوازها السنة وإجماع الأمة.
أمّا السنة فما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا اتْبع أحدكم على مليء فليتبع" 1 ورواه أيضًا سفيان الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" 2.
ولا خلاف بين العلماء في جوازها.
وهي مستثناة من الأصول؛ لأنه قد تقرر من أصول الشريعة نَهْيُ النبي - صلى الله عليه وسلم -
عن الديْن بالديْن، والحوالة بيع دين بدين؛ لأن من له الدين قد باع الدين الذي يستحقه في ذمة غريمه بدين آخر يستحقه غريمه في ذمة رجل آخر، لكن لما دعت الضرورة إلى ذلك وتضمن معروفُ اورفقًا سامح الشرع به، كما فعل في العرية، أرخص فيها وإن كانت تضمنت وجوهًا محرمة ذكرناها في كتاب العرية: بيع الرطب بالتمر، والجزاف بالمكيل من الطعام، والطعام بالطعام إلى أجل، لكن أبيحت لما فيها من المعروف والرفق والحاجة إليها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أمّا المحيل فلا يلزمه أن يحيل، ولا يجبر على الحوالة، ولا خلاف في ذلك لأن الحقوق متعلقة بذمته فلا يجبر على أن يقبضها من ذمة أخرى، كما لو باع سلعة معينة فإنه لا يجبر على أن يُعطيَ غيرها، وإن كان مثلها أو أدنى منها.
وكما لو أحضر مالأوضعه بين يديه، فأراد أن يقضي منه ما عليه فقال له الطالب للدين: أنا آخذ منك من الدنانير التي ليست هي حاضرة بين يديك.
وأما اعتبار رضا المحتال الطالب للدين، فإنه أيضًا يعتبر رضاه، ولا يجبر أن يتحول عن الذمة التي استحق الدين فيها إلى ذمة.
كما لو اشترى سلعة بعينها فإنه لا يجبر على أن يدفع إليه مثلها أو أفضل منها.
ولا فرق بين استحقاق أعيان معينة، واستحقاق ديون في ذمة معينة.
وكذلك لا يجبرهم مستحق الدين على أن يأخذه 1 عوضًا عنه جنسًا آخر، مع أنه لو رضي بذلك لاستوفى حقّه.
فأحرى أن لا يلزمه التحول إلى ذمة أخرى لا يكون مجرد التحويل إليها استيفاء لحقه.
وذهب داود إلى أنه يجبر على التحول، وليس له أن يمتنع منه، تعلقًا بما ذكرناه في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" فأمَره بالاتّباع، ومجرد الأوامر على الوجوب عند أكثر الفقهاء.
ولا شك أن أكثر من
قال بأنه لا يجبر على قبول الحوالة وأن يبع 1 غير ذمته يقول: إن مجرد الأمر يقتضي الوجوب فيلزمهم أن يتأولوا الحديث الذي تعلق به داود وهم يقولون: إنه محمول على الاستحباب، وإنه يستحب لمن أحيل على مليء أن يقبل الحوالة.
ولهم في ذلك مسلكان:
أحدهما: صرف قوله "فليتبع" على 2 الوجوب إلى الندب، لما قدمناه من الأقيسة.
وهذا إنما يحسن سلوكه إذا قيل: إن حيل 3 الأمر على الوجوب لا يجري مجرى النصوص بل مجرى الظواهر المحتملة، فيحتمل مجرد الأمر الوجوبَ ويحتمل الندبَ.
لكنه في الوجوب أظهر فيحسن صرفه على 4 الوجوب إلى الندب بالأقيسة.
وأمّا المسلك الآخر: فالتمسك بصدر الحديث وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - افتضح 5 ذلك بأن قال: "مطل الغني ظلم" وفي تأخير قضاء الدين إلى أن يتحول إلى ذمة أخرى يقتضيها نوع من المطل، وقد وصف النبي عليه السلام المطل بأنه ظلم لا سيما مقتضى قوله: "وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" يقتضي أن المحتال، إذا أحاله من أحيل عليه على رجل آخر، يلزمه قبول الحوالة، وكذلك إذا أحاله الثاني على الثالث، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى حتى يخرجنا عن المطل إلى إبطال الحقوق.
وأشار ابن القصار إلى طريق من الاستدلال: وهو أن الحوالة أجيزت
للضرورة والرفق، وبالصحابة رضي الله عنهم حاجة إلى بيان حكمها، وكون القبول واجبًا عليهم، فلو بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لاستفاض فيهم واشتهر، فلما لم يذكر عنهم الذهاب إلى ذلك اقتضى أنه أمر لا يُلزِم، وإنما هو مستحب، والمندوبات لا تشتهر اشتهار الواجبات.
وقد نَبَّهناك على ما تقتضيه أصول الفقه في هذه المسألة.
وأما اعتبار رضي المحال عليه فإنه غير معتبر عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، بل يجبر على دفع الدين الذي عليه لمن أحيل به عليه.
لكن مالكًا رضي الله عنه اشترط في ذلك ألاّ يكون المحال عدوّا للمحال عليه.
ولم يذكر عن الشافعي وأبي حنيفة اشتراط ذلك.
وذهب الاصطخري إلى أنه يعتبر رضاه بقبول الحوالة عليه كما يعتبر رضا المحيل، ولم يفرق بين محيل ومحال عليه.
ويعتموإلاصطخري على أن من حق المحال عليه ألا يدفع إلا لمن يستحق الدين عليه في أصل المعاملة؛ لأنه يعتل بأن له منفعة في الامتناع من الدفع إلى المحال عليه لكون مستحق الدين أوّلًا سَمْحًا في اقتضائه متجاوزًا في استيفائه، فليس له أن يقطع هذه المنفعة عمّن عليه الدين بأن يسلِّط على الاقتضاء منه من هو عليه غليظ في الاقتضاء.
والمعتمد في الردّ عليه الاتفاق على أن من له دين على رجل له أن يوكل عليه ولا يمنع من الوكالة.
ولا يعتبر في هذا المعنى الذي اعتبره الاصطخري.
وأيضًا فإنه إنما حقُّ من عليه دين البراءة منه لا أكثر من ذلك، فإذا وكل عليه فقبضه الوكيل فقد برئ الغريم.
وكذلك إذا أحيل عليه به فدفعه للمحال عليه.
ولكن اشترط مالك ألا يكون المحال عدوًّا لمن أحيل عليه لكون العداوة إذا ثبتت علم أنه قصد الإضرار والتشفّي من العدو وإيصال الأذى إليه بكل ما يقدر عليه، ولهذا رُدِّت شهادة العدوّ على عدوّه لحصول التهمة في قصد الأذى بالشهادة.
وإنما يعرض في هذا إشكال؛ لو استدان رجل من رجل دينًا، ثم حدث بينهما عداوة بعوإلاستدانة، فهل يمنع من له الدين من اقتضاءِ دينه لنفسه لئلا
يبالغ في الاجتهاد في اقتضاءٍ يؤدي عدوَّه به أم لا؟ هذا مما أشار ابن القصار إلى تردد فيه: هل يمنع من الاقتضاء بنفسه، لوجود العلة التي قدمنا في منع حوالة العدو على عدوه، ويؤمر بأن يوكل غيره، أو يمكَن من الاقتضاء بنفسه لأنها ضرورة سبقت العداوة؟ وقد وقعت المعاملة على أن من له حق فإن له أن يقبضه بنفسه، ولا يلزمه أن يوكل عليه ويخرجه من ذمة إلى أمانة يؤتمن الوكيل عليها.
وكأن إشارته تقتضي ميله إلى أن لا يمكَّن من الاقتضاء بنفسه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
قد بيّنا أن الحوالة رخصة مستثناة من نبيه 1 - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الدين بالدين،
وعلة الرخصة الحضّ على المعروف والرفق، كالعرايا على حسب ما تقدم بيانه.
وهذا يقتضي أنها إذا خرجت عما قصد بها من الرفق والمعروف مُنِعَتْ.
وهي تخرج عن ذلك باختلاف أجناس البيوع، وباختلاف أنواعها بالجودة والدناءة، واختلاف آجالها.
فأمّا إذا كان لرجل على رجل دين، عين أو طعام أو عروض، فلما حل الأجل وطلب الطالب دينه، قال من عليه الدين: لي على فلان دين هو خلاف جنس مَالَكَ عليَّ، فتحولْ إلى ذمته، وخُذْ مَا لِي عنده من عرض عوضًا عنْ مَا لَكَ عندي من طعام أو من عين.
فإن هذا، الظاهر منه أنها مبايعة، والمقصود المعاوضة وطلبُ المكايسة والمغابنة لاختلاف المنافع والأغراض في هذه الأعْراض.
فمَن تحوّل عن عَرْض يستحقه إلى طعام يأخذه فما ذلك إِلاّ لكوْن الطعام عنده أشدَّ نفعًا وأوفرَ ربحًا.
فلمّا خرج ذلك عن طريقة المعروف والرفق مُنِع لارتفاع علة الجواز.
وكذلك إذا اختلفت الأنواع بالجودة والدناءة، وكأن من يستحق الدين
تحوّل إلى ذمة أخرى، فيها نوع أفضل من 1 المقدار أو في الجودة، من الدين الذي كان له فتحول عنه، مثل أن يكون لرجل قفيز قمح دنيء في ذمة رجل، فلما طلبه به قال له: لي على فلان قفيز قمح طيّب، فخذه منه عوض دينك، أو خذ منه قفيزين مثلَ دَيْنك في الجودة.
فإن هذا لم يرض أن يتحوّل عن الدين الذي يستحقه إلاّ بما يربح في الدين الذي تحول إليه من زيادة قيل أو زيادة، جودة.
ولو كان الأمر بالعكس: تحول عن طعام له إلى ما هو أدْنى في الجودة، أو أقل في المقدار لجاز ذلك لأنه أكّد دلالة قصده المعروف والرفق، بالتحول، وبكونه يأخذ أدنى مِمَّا لَه.
وكذلك إذا كان دين الطالب لم يحلَّ فأحاله من عليه الدين على مثل دينه، وقد حل أو لم يحل، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه يمكن أن يكون إنما رضي بالتحول عن دين لم يستحقّ قبضَه إلى ذمة أخرى تخوّفُ امن ذمة الذي عليه دينه أن يفلس أو يغيبَ فوجب المنع.
فلو كان الأمر بالعكس بأن يتحول عن حامل 2 من دين له على دين، حل أو لم يحل، فإن ذلك جائز لظهور المعروف والرفق منه، أو تأكّده إذا انْحالَ بما حلّ على ما لم يحلّ، وترك دينًا يأخذه معجَّلًا بدين يأخذه مؤجلًا.
وكذلك إذا كان الدينان لم يحلّ أجلهما، الدين الذي له والدين الذي يريد أن يتحول إليه، فإن ذلك يمنع؛ لأنه يمكن أن يكون إنما هرب عن ذمة غريمه إلى ذمة أخرى، تخوّفُ امن فلس غريمه عند الأجل أو تغيّبه.
وكذلك لو كان الدينان مؤجلين، ولكنّ دينه يسبق حلولُه حلولَ الدين الذي أراد أن يتحوّل إليه، فإن هذا، وإن ظهر فيه "الإحسان والرفق من جانب، وهو أن يترك أخذ دين إلى شهر لدين يأخذه بعد شهرين وظاهرُ هذا المعروفُ، فإنه يعارضه أنه يمكن أن يكون إنما رضي بذلك لكون الذمة التي تحوّل إليها
فيأخذَ الحق منها بعد شهرين أسهلَ تناولًا وأبعدَ من الفلس والفقر من ذمة غريمه التي تحول عنها.
وقد قدمنا أن الأصل في جواز الحمالة 1 قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم "وهذه إشارة إلى أن الدين [الذي] يتحول عنه لا يكون إلا حالًّا الآن، ما لم يحل لم يستحق قبضه ولا الطلب بهِ، فلا يكون من هو عليه ماطِلًا به.
فإذا اقتضى الحديث: الشرط كون الدين الَمتحول عنه قد حل مُنِع التحولُ عمّا لم يحِلّ، لأجل ما بيناه من التعليل في تجاوز حد المعروف والرفقال في هو علة جواز الحوالة.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
إذا تقدمت الحوالة بدين في ذمة فأحيل به على ذمة أخرى على وجه جائز، كما تقدم بيانه، ما يجوز من الحوالة وما يمنع، ثم فلس المحال عليه، فهل للمحال أن يرجع على من أحاله أم لا؟ اختلف الناس في ذلك على خمسة مذاهب:
فذهب الشافعي إلى منع رجوع المحال على المحيل على الإطلاق.
ولو كان المحيل قد علم فقر المحال عليه فكتم ذلك، وغرّه ودلس عليه حتى قبل الحوالة.
وذهب مالك إلى مثل ما ذهب إليه الشافعي، لكنه استثنى وجهًا واحدًا، وهو أن يكون المحيل قد علم فقر المحال عليه وأحاله على فقير لم يعلم المحلل 2 بفقره.
وذهب أبو حنيفة إلى استثناء وجهين:
أحدهما: أن يموت المحال عليه وهو مفلس لم يترك شيئًا.
والثاني: أن يجحد الدين ويحلف عليه.
ففي هذين الوجهين يرجع المحال على المحيل، وفيما سواهما لا يرجع، على اختلاف عن أصحاب أبي حنيفة في الرواية في جحود المحال عليه الدينَ هل هو وجه يوجب الرجوع على المحيل أم لا؟
وذهب محمَّد بن الحسن وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة إلى استثناء ثلاثة أوجه، اثنان منها ما ذكرناه عن شيخهما أبي حنيفة، وهو أن يموت المحال عليه مفلسًا أو يجحد الدين، أو يفلس وهو حى فيُحجَر عليه.
ونحن قد قدمنا مذهب مالك في أنه لا يرى الرجوع لأجل فليس 1 المحال عليه، حيًا كان أو ميتًا، إلا أن يكون المحيل قدْ غَرَّ المحالَ، وعلِم بفقرِه، وكتمه عن المحال.
وأما الجحود فاختار بعض أشياخنا أنه لا يوجب الرجوع عن 2 المحيل؛ لأن المحال فرّط إذا لم يشهد عن (2) المحال عليه، فكأنه لما قَبِل الحوالة بَرِئَتْ ذمة المحيل، وفرَّط في الإشهاد، فصار كالمتْلِف لماله بعد القبض، فمصيبة الجحود منه.
أمّا مالك فلا أعرف له نصًا في هذا، لكن ما تشير 3 إليه، فيما بعد، في أن الحوالة كالقبض يصح أن الجحود لا يوجب الرجوع على المحيل.
لكن بعض الأشياخ أشار إلى أنه لو كان المحال عليه غائبًا فلما حضر جحد الدين، فإن للمحال الرجوعَ على المحيل؛ لأنه لا يمكنه الإشهاد بالحوالة فيكونَ مفرطًا فيه، وأيضًا فإنه قد يعتذر: إنما قبل الحوالة بشرط تصديق المحال عليه بأن عليه الدين للمحيل.
فإذا تقررت هذه المذاهب، فنذكر سبب الخلاف فيها.
وذلك وجهان:
تعلق بأثر، والثاني تعلق بأثر 1.
فأمّا الأثر فقد قدمنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" 2 فيقول مالك والشافعي: قوله: "يتبع" عمومه يقتضي أنه يتبع المحال عليه، فُلِّس أو لم يفلس.
وهذا يوجب ألاّ يرجع على المحيل.
ويقول أبو حنيفة وأصحابه: قد شرط في أول الحديث كون المحال عليه مليئًا، فقال: "وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع" إنما يجب الاتباع مع الملاء، فإذا وقع الفلس سقط الاتباع، وإذا سقط الإتباع وجب الرجوع على المحيل.
وقد انفصل الشافعي عن تأويلهم هذا بأن الفلس لو كان يُسقط الاتباع، ويوجب الرجوع على المحيل، لم يكنْ للتقييد بالملاء فائدة، إذا كان الفقر والفلس يوجب الرجوع على المحيل، ولكان القول: إذا أَتبع على إنسان فليتبعْ؛ لأنه إن كان يجد ما يأخذ منه حصل على حقه، وإن لم يجد رجع على المحيل، وإنما فائدة التقييد بالملاء أن يستظهر المحال لنفسه، ويحتاط لدْينه، حتى يقبل 3 الحوالة إلا على مليء تثق نفسه به، فإن حدث فلس لم يرجع على المحيل فإذا علم أنه لا يرجع على المحيل احتياطًا 4 لنفسه بالكشف عن حال المحال عليه.
وأجاب أصحاب أبي حنيفة عن هذا الذي قال الشافعي بأنه إذا ظهر فلسٌ تأخر أخذُ الحق، فإنما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا التقييد بالملاء أن يحتاط لنفسمعتى لا يتأخر حقه إذا فلس المحال عليه، ووجب الحصاص والخصام فيما عليه، فإنما فائدة التقييد بالإشارة إلى التحرز من لحوق الضرر إما بتأخير الطلب والاستيناء، كما يقول أبو حنيفة، وإما بإسقاط الطلب عن المحيل إسقاطًا
مؤبدًا.
والنظر في إسقاط الطلب عنه، مؤبدًا أو مؤجلًا، فيه احتمال أن يكون هو المرادَ.
وأما التعلق بما يروَى في ذلك عن الصحابة، رضي الله عنهم، فإن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، رُفِع 1 أمر حوالة أو كفالةٍ، فُلِّس المجهول 2 عليه، فقال: يرجع صاحبها لا تَوَى على أمن 3 مسلم.
يعني لا هلاك على ماله.
وقد قال الشافعي لمحمد بن الحسنِ: لِمَ جعلتَ فَلَس المحال عليه يوجب رجوع المحال على المحيل؟ فذكر له حديث عثمان، فقلت له: من رواه؟ فقال: مجهول غير 4 معروف وهو مقطوع.
يعني أن الراوي عن عثمان هذا الحديث لم يلق عثمان، فهو مرسل من جهته، وأن الراوي رجل معروف وهو الراوي الذي أرسل الخبر، رواه عنه رجل مجهول.
وقد سمّى هذا المجهولَ، وهذا المعروفَ، ابنُ المنذر في كتابه 5. فالتعلق بهذا ضعيف لأن العمل بالمراسيل فيه اختلاف، ورواية المجهول لا يعوّل عليها.
وقد شك الراوي فيما رُفع إلى عثمان رضي الله عنه: هل رفع إليه أن ذلك كان حوالة أو حمالة؟ ولا شك أن الحمالة لا تسقط الدين عن المضمون المتحمَّل به.
ويتعلق أصحابنا، وأصحاب الشافعي، بأن جد سعيد بن المسيب كان له على عليّ رضي الله عنه دين، فسأله أن يحيله به على رجل آخر، ففلس المحال عليه، فأتى جد سعيد إلى عليّ رضي الله عنه شاكيًا ذلك إليه، فقال له: اخترتَ علينا، أبعدك الله.
ولم ينكر ذلك عليه أحد، فدل ذلك على أن فلس المحال عليه لا يوجب رجوع المحال على المحيل.
هذا سبب التنازع من أجل تأويل الحديث واختلاف الآثار.
وأمّا من جهة الاعتبار، فالنكتة فيه النظرُ في الحوالة هل هي كقبض الحق فيبْرَأُ المحيلُ براءة مطلقة، أو كالمعاوضة فلا يبرأ إلا بعد استيفاء العرض 1؟
فعندنا وعند الشافعي أنها كالمقبوضة، فما حدث بعد (الدين فيه) 2 من تلف فمن قابضه، فكذلك إذا فلس المحال عليه، فكأنه إنما يقدم الاستيفاء للمحال بعد أن قبض دينه من المحيل، فمصيبة ذلك عليه، كما لو قبض منه دينه ثم تلف في يديه.
ويؤكد أصحابنا هذه الطريقة: أن الحوالة كالقبض، بدليل أن الحوالة إذا كانت بدنانير في ذمةٍ، فأحيل بها على دنانير في ذمة أخرى، فإن ذلك لو لم يكن قبضًا ما جاز إلا بعد التقابض وقبل الافتراق، كما لا يجوز في الصرف الافتراق قبل القبض.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فيرونها كالبيع، فيجب الرجوع عند الفلس، كما لو باع عبدًا بثوب فاستُحِق العبد، أو وجد به عيب، فإنه يوجب الرجوع في العوض الذي دُفِع فيه، فكذلك الحوالة إذا ظهر الفلس وجب الرجوع في عوض الدين الذي تعذّر استيفاؤه.
فإذا علم أن الحوالة تتعلق تارة بالعين وتارة بالذمة، فوجود العيب في الأعيان يوجب الرجوع في أعواضها، فكذلك وجود العيب في الذمم يوجب الرجوع في أعواضها، وهي ذمة المحيل التي أَخَذَ عنها، بدلًا منها وعوضًا عنها، ذمةَ المحال عليه.
ونحن إذا أثبتنا أن الحوالة كالقبض، والفلسُ كحدوث عيب بعد القبض، بطل قيامُهم، وهم بنوا على أن ذلك ليس كالقبض فخرجوا عليه قياسَهم.
ثم أيضًا نقول نحن بأنه لو أبرأ من له الدين من عليه الدين من
دينه ليبرأ 1 منه براءة مؤبدة.
وإذا كانت الحوالة مشتقة من التحويل صارت بمنزلة إذا تحول رجل من مكان إلى مكان فقد فرع الأولَ وشَغَل المكانَ الثانيَ، فلا يقتضي هذا التفريغ الرجوع إلى المكان الذي زال عنه، فكذلك الحوالة قد أخلى ذمةَ مَن عليه دينُه، ونقل ذلك إلى ذمةٍ أخرى، فلا يعود الدين بعوإنتقاله إلا بدليل، وهم يقولون، أيضًا: إنما حولت من مكان إلى مكان بشرط السلامة، وحصول الاستيفاء، فإذا لم يحصل له الاستيفاء رجع إلى أصل حقه ورد الحق إلى محله.
ونقول نحن، أيضًا: إن بأن 2 الحوالة، وإن كانت فيها مشابهة بحقيقة البيع، فإن المقصود منها ما قدمناه من قصد المعروف بدليل أنه لو التفت إلى حقيقة البيع لجازت الحوالة بجنس من الدين على جنس آخر؛ لأن البياعات لا يشترط فيها التجانس بل يجوز بيع عبد.
بعبد، وبيع ثوب 3 ولا يجوز في الحوالة حوالة ثوب على عبد.
فدل ذلك على أنها كالمسلوب منها حقيقة البيع، فلا تقاس على بيع عين بعين، كما قدمناه من قياسهم.
وإذا سلبنا منها حقيقة البيع، وكان القصد إبراءَ محلّ وشَغْل آخرَ، لم يجب الرجوع عند الفلس.
وأيضًا فإن الأعيان إذا وقع فيها البيع، ثم اطُلع فيها على عيب، صار ذلك كنقض في أجزاء الجميع؛ لأن من باع عبدًا فوجده المشتري مقطوع اليد، فكأنه اشترى عشرة أجزاء مثلًا، فأصاب تسعة أجزاء، والفلس عيب في الذمة، (ونفس الذمة ليست كالعيب في نفس ما حل فيها) 4.
والشافعي إنما لم يراع تغرير المحيل بالمحال لأنه يرى أن المحال أمكنه البحث عن حال المحال عليه حتى يعلم غناه من فقره في ذلك، فصار كالراضي بالعيب الداخل عليه.
وكأن مالكًا رضي الله عنه رأى أن هذا كالعيوب الباطنة؛ لأن القطع على
الفقر في الباطن لا سبيل إليه، فإذا لم يغير 1 المحيل المحال، فكأنه عيب لا يعلم به، فأشبه العيب بباطن الخشب، وما في معناه، مما لا يجب ردّه بعيب ظهر فيه بعد إفساده، أما إذا علم بالعيب ودلس به فقد غرّ بمن عامله، فوجب أن يرجع عليه بحكم هذا العيب.
ومذهب مالك أيضًا أنه لا يلزم المحالَ الكشفُ عن ذمة المحال عليه قبل أن يقبض الحوالة، بل يجوز له قبول الحوالة، وإن كان شاكًا في حال المحال عليه: هل هو غني أو فقير.
بخلاف شراء ديْن قد استقرّ في الذمة، فإنه لا يجوز لأحد أن يشتريه بعوض يجوز شراؤه به إلا بعد أن يكون من عليه الدين حاضرًا مقرًا، يُعرف غناه من عُدمه؛ لأن ذمته هي المشتراة، ويختلف مقدار عوضها باختلاف حال الذمة من فقر أو غنى، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولًا، فإذا اششرى دينًا لا يُعلم حالُ من هو عليه، هل هو فقير أو غني، فقد صار اشترى أمرًا مجهولًا (من صحة البيعِ، والبيع) 2 ليست ببيع على إحدى الطريقتين عندنا بل طريقها المعروف، فيُعْفَى فيها عن مثل هذا الغرر، لكون الغرر يعتبر كونه مقصودًا كما تقدم بيانه في كتاب البيوع.
لكن مذهبنا أنه إذا كان المحال عليه ظاهرَ اليسار، والمحيل يعلَم من باطن أمره أنه فقير لا مال له، فإن ذلك عيب في الحوالة يوجب للمحال أن يرجع عن قبولها، ويطالِبَ المحيل.
هذا على أنه لو باع سلعة من رجل يظنّه مليئًا فإذا به فقير مفلس، فإن البائع ليس له فسخ البيع ولا يكون هذا كعيب في الذمة يوجب فسخ البيع، وما ذلك إلا لأن البياعات تتكرر تكررًا كثيرًا لشدة الحاجة إليها وعدم الغنى عنها في جل الناس، والكشف عن ذمة من يطلب شراء سلعة مما يشق، فلو لم يجز البيع للبائع إلا بعد الكشف عن ذمة المشتري
والبحث عنها, لوقفت أكثر البياعات (ولم يمكن انتها وفرضها) 1. وأيضًا فإن البائع يدفع للمشتري سلعة تقارب الثمن الذي يحل له في ذمته، فاستغنى بذلك عن الكشف هل عند المشتري زيادة أم لا.
وأما بيع الديون التي في الذمم مما لا يقع إلا نادرًالأولا يتكرر، فتكليف البحث عن ذمة من عليه الدين المبيع لا يوقف البياعات المكررة، ولا يشقّ، مع كون المشتري للدين لا يدفع لمن عليه الدين.
لكن لو فرضنا أن المحال قَبِل الحوالة على رجل يشكّ في ملائه أو فقره، والمحيل عالم بباطن أمره، وأنه فقبر، فهل يكون علم المحيل بفقره، وكتمانُ ذلك عن المحال، تدليسًا يوجب له الرجوع، أو يقال: إن المحال لمّا قَبِل الحوالة على من يشك في حاله، وليس ظاهر أمره عنده الغنى، فإنه يصير بذلك كما لو قبل الحوالة على فقير يعلَم من فقره ما علمه المحيل.
بخلاف أن يقبل الحوالة على من ظاهره الغنى، وقد علم المحيل أن الباطن بخلافه.
والأظهر عندي أن يكون له مقال، على أصل المذهب؛ لأنه لو علم بأن المحيل حقق هذا الأمر الذي المحال يشك فيه، لم يقبل الحوالة، فصار قبوله لها كالمشروط بأنه استوى واعتقادَ المحيل في حال المحال عليه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد قدمنا أن ظاهر مذهب الشافعي أن الحوالة إذا قبلت لا يبطلها جحود المحال عليه الذي أحيل به عليه.
وذكر عن أبي حنيفة أن ذلك يبطلها.
وعن صاحبيه: محمَّد بن الحسن وأبي يوسف، وذكرنا اختلاف الرواية عندهم في الجحود.
وبعض الأشياخ المحققين من أهل المذهب يختار أنها إذا وقعت الحوالة على حاضر مقر بالدين، ويعتلّ لذلك بأن المحال، لما قبل الحوالة، وهو يجوز أن يجحده المحال عليه، وقد أمكنه الإشهاد عليه بأنه يستحق قِبَله ما كان
للمحيل عليه، فصار إعراضه عن الإشهاد كالتفريط منه، كمتلفٍ مالًا بتفريطه.
قال: ولو كان المحال عليه غائبًا، فلما قدم جحد الدين، لكان للمحال أن يرجع على الحميل 1 ها هنا؛ لأنه لم يمكنه الإشهاد على من عليه الدين لغيبته، فيعَدّ كأنه أتلف حقّه بتفريطه في الإشهاد.
وعندي أن النظر يقتضي فيما قاله هذا الشيخ تفصيلًا.
فإن كان الغالب في الديون الإشهاد عليها، فإنما يترك ذلك نادرًا، وقال المحال لما جحد المحالُ عليه وقد كان حاضرًا مقرًا حين الحوالة: إنما لم أشهد عليه لثقتي بأن المحيل قد كان أشهد عليه على ما تقتضيه العادة، فلما كتمني أنه لم يشهد عليه، صار ذلك كالتغرير منه والتدليس عليَّ، فوجب في الرجوع عليه، كما وجب لي إذا علم فقر المحال عليه وكتمه عني، كما قدمناه.
وأما إطلاقه القول بأن الحوالة إذا كانت على غائب فقد يجحد الدين كان للمحال أن يرجع على المحيل، فإن ذلك صحيح بشرط أن يكون المحال لم يصدّق المحيل في كونه يستحق دينًا على الغائب المحال عليه.
وأما لو صدقه في ذلك وقبل الحوالة وهو يعلم أَلاّ بيّنة على الغائب، فإنه ينظر في هذا هل يكون أبرأه المحيل 2 وعلمُه، بأن المحيل يستحق الدين الذي أحاله عليه، يمنعه الرجوع ويصير الجحود كجائحة طرأت عليه لا رجوع له بها على المحيل.
وقد اختلف المذهب الاختلاف المشهور في رجل أتى لمن عنده وديعة لإنسان فقال له:
أرْسَلَني مَن أودعك إيّاها لأقبضك منها 3، فصدّقه فيما ذكر، ودفع ذلك إليه، فلما قدم صاحب الوديعة أنكر أن يكون أرسل أحدًا ليقبضها، وحكم على دافعها بغرامتها، فهل له أن يستردّها ممن قبضها منه، ويكون إنما صدقه بشرط أن يأتي صاحب الوديعة فيصدق الرسول فيسترد منه ما أعطاه، أو يكون تصديقه
له يمنعه من الرجوع على الرسول لاعتقاده أن صاحب الوديعة ظلمه في أن طلبه بالغرامة وأخذها منه، فذلك جائحة عليه لا رجوع له بها على من قبضها منه.
وهذا يلاحظ ما نحن فيه من اعتبار كون المحال إنما صدق المحيل بشرط أن يأتي الغائب فيقر بالدين أو يصدقه على الإطلاق واعتقد أنه لم يكذب، فيكون ذلك جائحة على المحال.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا باع رجل من رجل سلعة بمائة دينار، ثم أحال البائع رجلًا، له عليه مائة دينار، على مشتري السلعة منه بالمائة دينار، فاستُحقت السلعة من يد المشتري، أو ردّها بعيب حتى انفسخ البيع فيها، فبطل الثمن وسقط عن المشتري، فهل يسقط عن المشتري حق المحال عليه حتى لا يطلبه بشيء، أو يبقى حق المحال ثابتًا على المشتري، في طلبه بوزن الثمن الذي سقط عنه، ويرجع المشتري بما دفع للمحال على البائع الذي هو المحيل عليه؟ في المذهب في هذا عندنا قولان مشهوران:
ذهب ابن القاسم إلى أن الحوالة ثابتة، ولا يسقط حقُّ المحال وطلبُه عن المشتري، وإن كان لم يقبض منه ثمن السلعة التي 1 أحيل به عليه.
وذهب أشهب إلى أن الحوالة قد بطلت ببطلان البيع، ولو كان المحال قد قبض الثمن من المشتري لكان من حق المشتري أن يُرجعه منه، ويَرجع بهذا الذي استرجع منه على البائع الذي كان دينه عليه.
ومذهب أشهب هو اختيار ابن المواز وغيره من الأشياخ المحققين، واعتضدوا في ذلك بأن أصحاب مالك اتفقدا على أن المفلس إذا بيع ربعه وعروضه في دين وجب عليه، وأخذ ثمن ذلك غرماؤه، ثم استُحِق المبيع حتى كان من حق من اشترى مال المفلس أن يطلب ما دفع من الأثمان، أن المشتري
يستردّ الأثمان من يد الغرماء الذين قبضوها.
وفي هذا التشبيه عندي نظر؛ لأن الغرماء كأنهم هم الذين باعوا بأنفسهم، وقبضوا مما باعوه، فعليهم أن يردوه إذا استحق ما اشتراه المشتري منهم.
ومسألة الحوالة قد وقع فيها إدخال يد ثالثة، وهي يد المحال، فصار ذلك كالفَوْت للأثمان، كما ننبّه عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فإذا تقرر أن في مسألة الحوالة، إذا رفع 1 الاستحقاق، عندنا قولان، فإن الشافعية لم تختلف، فيما علمت، في أن المحال إذا قبض الثمن فإنه لا يُستَرَد منه، وأما إن لم يقبضه حتى وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب، فإن المزني في جامعه الكبير: أن الحوالة ثابتة.
وذكر في مختصره أن الحوالة باطلة.
وكان أصحاب الشافعي يشيرون إلى أنهم ليس عندهم، إذا لم يقبض الحوالة، اختلاف في المذهب، وإنما المذهب عندهم على قول واحد.
ولكن اختلفوا: هل الصحيح منه ما قاله المزني في جامعه الذي ألّفه قبل مختصره: إن الحوالة ثابتة، أو الصحيح ما نقله في مختصره بعد ذلك أن الحوالة باطلة؟ فمنهم من رأى أن القول الذي تقدم له غلط، ومنهم من رأى أن القول الثاني هو الغلط، ومنهم من تأوّل قوله فقال: معنى القول بثبوتها، أي إذا قبضت، ومعنى القول بسقوطها أي أنها لم تقبض.
هذه حكايته المذهب وأما سبب الاختلاف ففيه اضطراب:
فأما أصحاب الشافعي فإنه نص القولَ.
بثبوت الحوالة بأن الشافعي قال: الحوالة كالقبض.
يريد بها أن الحوالة إذا قبضت لم تُستَرَد من يد قابضها، بلا خلاف عندهم.
وإذا كانت نفس الحوالة كالقبض لم تبطل وإن بطل البيع.
ودفع بعضهم هذا الاحتجاج بأن قال: لم يرد الشافعي بأنها كالقبض في حق المحيل حتى يكون في مسألتنا كقابض الحوالة، وإنما أراد أنها كالقبض في
حق المحيل، بمعنى أنه لا يرجع عليه، وكونه قد أحال غريمه لكونه قد دفع إليه حقه وقبضه منه.
وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا الاختلاف مبني على كون الحوالة بيعًا أو ليست ببيع وإنما طريقها المعروف فإن قلنا: إنها بيع لم تُنقض الحوالة بانتقاض البيع الذي أحيل بثمنه، كما قال ابن القاسم، وهي كبيع وقع بعد بيع، ألا ترى أن من باع عبدًا بمائة دينار، ثم أخذ بالمائة دينار من المشتري سلعة، ثم استحق العبد، فإن البيع في الثوب لا يبطل وإن بطل ما يبنى عليه وهو بيع العبد.
وكذلك الحوالة إذا قدرناها بيعًا لم تبطل ببطلان البيع الأول الذي بنيت الحوالة عليه.
وأنكر بعضهم هذا التشبيه بأخذ الثوب من ثمن العبد فقال: إنما مشتري العَبد إذا استحق من يديه أن يرجع بثمن العبد، وليس الثوبُ هو ثمنَ العبد فيرجع فيه، ولا الذمة هي نفس الثمن، وإنما هي محل الثمن، وثمن الثوب دنانير كانت في الذمة، فإذا بطل البيع في الذمة 1 العبد، وبطل الثمن، صار كمن اشترى ثوبًا بدنانير فاستحقت الدنانير من يده فإنه لا يبطل البيع باستحقاقها.
لكن إنما يتبين صحة البناء الذي ذكرناه بأن العبد لو باع 2 بدنانير ثم اشترى رجل تلك الدنانير من بائع العبد الذي استحقها في ذمة مشتري العبد بما يجوز له أن يشتري هذا الدين، ثم استُحق العبد فإن الثمن لا يبطل بل يلزم مشتري العبد أن يدفعه لمشتريه من البائع، ويرجع هو بذلك على بائع العبد منه.
وهذا لم يختلف فيه ابن القاسم وأشهب، وهو يؤكد هذا البناء الذي بنيناه من أن الحوالة إذا قدِّرت كالبيع فإن الصواب ما قال ابن القاسم في أن الحوالة لا تبطل باستحقاق العبد الذي وقعت الحوالة على ثمنه.
وإن قلنا: ليست ببيع وطريقها
المعروف بطلت الحوالة كما قال أشهب.
ويؤكد ذلك أن هذا الثمن لو تصدق به البائع على رجل، أو وهبه له، فاستحق العبد، أن الهبة والصدقة بطلت لما كانت الهبة والصدقة لم تقبض، فأما إن قبضت وأَفَاتها المتصدق عليه، فإنه لا يُرجع عليه؛ لأنه سلطه المالك لها عليها بالصدقة فأكلها على أنه لا غرامة عليه، فلا يلزمه بعد ذلك أن يغرمها، ويَرجع دافعُها إليه على بائع العبد بما أمره أن يخرجه من ذمته بالصدقة.
وأما إن كانت قائمة بيد المتصدق عليه: فهل لدافعها إليه، وهو مشتري العبد، أن يستردها منه لكونه دفع ما لم يُستَحق عليه في الباطن غلطًا منه، والذي دفعه قائم بعينه فرجع 1 فيه، أو يمنع من ارتجاع ذلك من القابض وإنما يرجع على بائع العبد منه، كما لو قبض البائع ثمن عبده وتصدق به فإنه يرجع عليه بما تصدق به؟
اختلف قول ابن القاسم في ذلك، وهذا ومسألة النكاح إذا تصدقت المرأة بصداقها على رجل فلم يقبض الصدقةَ المتصدَّقُ عليه حتى طلقها الزوج قبل الدخول، وهو موسر، فإن الزوج يدفع الصداق إلى المُتَصدَّق عليه، ويرجع هو بنصفه على الزوجة التي أمرته أن يدفعه إلى قابضه منه، وصار ذلك بالصدقة كالفوْت للصداق المتصدَّق به، وسقوطه بالطلاق بعد الهبة كسقوط الثمن في مسألة الحوالة بالاستحقاق، وما وقع من الاختلاف في مسألة الصدقة بالصداق، و 2 يذكر وجهه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
وقد أشار بعض الأشياخ إلى بناء مسألة الحوالة على طريقة ثالثة، وهي تقدير الحوالهّ كالفوت لِمَا وقعت الحوالة به، فيكون الأمر كما قال ابن القاسم، و 3 ليس ذلك كالفوت؟ فيكون الأمر كما قال أشهب.
ولما كان معتمَد بعض الأشياخ في إجراء الخلاف على كون الحوالة بيعًا
أوليست ببيع، كما تقدم بيانه، نذكر الآن الخلاف في ذلك وسببه.
وظاهر المذهب عندنا على قولين: هل الحوالة كالبيع أو ليست كالبيع وإنما طريقها المعروف والإرفاق؟
وكذلك نظر أصحاب الشافعي على أن عندهم في ذلك قولين.
واعتل من قال: إنها ليست كالبيع بثلاثة أوجه:
أحدها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل" 1 وهذا أمر أقل مراتبه أن يحمل على الندب والاستحباب ولم يَرِد الشرع بإيجاب البيع ولا بالندب إليه على الإطلاق، وإنما ورد الشرع بالندب إلى فعل المعروف والإرفاق.
الوجه الثاني أن البيع يجوز مع اختلاف الأجناس، ومع الزيادة والنقصان، ولا يجوز ذلك في الحوالة كما تقدم في صدر الكتاب.
الوجه الثالث: أن الحوالة تجوز بدنانير على دنانير ويجوز الافتراق قبل التقابض.
فلو كان ذلك بيعًا لكان ذلك كالصرف الذي لا يجوز فيه الافتراق قبل التقابض.
وأما من لم ينكر كونها بيعًا فإنه يقبل 2 بأن حقيقة البيع في اللغة نقل الملك بعوض، وهو ها هنا قد انتقل الملك بعوض فثبت له حقيقة البيع،
واشتراط الشرع في جواز هذا البيع شروطًا لا تخرجه عن كونه بيعًا، وكذلك اختصاص الحوالة بتسمية الحوالة، ألا ترى أن بيع الدنانير بالدراهم واختصاصه بحكم، وهو منع الافتراق قبل التقابض، واختصاصه بتسمية وهو الصرف، لا يمنع ذلك من كون حقيقة البيع قد حصلت فيه.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
قد قدمنا أن حقيقة الحوالة أن تكون على دين، وأن اشتقاقها يوجب ذلك؛ لأنها مشتقة من التحوّل، والتحول لا يكون إلا متضمنًا لمكانين أحدهما هو الذي يزول عنه اللّيث 1 فيه.
والآخر هو الذي ينتقل إليه.
وكذلك الحوالة في الديون تقتضي أن يكون لِإنسان دين في ذمة رجل فيطلب به، فيقول له: تحولْ عن ذمتي إلى أن يصير لك في ذمة رجل أخرى 2 عليه دين مثل دينك.
وهكذا أصْل المذهب، وعليه بنيت فروع هذا الباب، ألا ترى أن المذهب في رجل تحول بدين على ذمة رجل آخر فلما مات المحال عليه، قال المحال: أحلتني على غير أصل ديْن، فلي الرجوع عليك.
وقال المحيل: أحلتك على دين لي عليه.
فإن القول قول المحيل.
وهذا الذي قاله أصحابنا مبني على ما قدمناه من أن الحوالة حقيقتها أن تكون تحوّلًا عن دين في ذمة إلى ذمة أخرى فصار مدّعيًا أن الحوالة كانت على غير دين بعد اعترافه أنهاكانت حوالة، يدعي إبطال ما أقر به وإبطال حقيقة اللفظ الذي اعترف به.
ومن هذا أيضًا ما أشار إليه ابن الماجشون في المبسوط، فيمن تحول بدين له على رجل على رجل آخر فقال المحيل: ادفَعْه إليّ لأنّي إنما وكلتك على قبضه وسلمْه إليّ.
وقال المحال: بل كنتُ استحقه عليك دينًا من قبل الحوالة: إن المدعي لكونه حوالةً إذا ادعى من ذلك ما يشبه صدقا 3، وإلا كان القول قولَ المحيل: إنك وكيل لي على القبض.
فأنت تراه كيف أشار إلى أن القول قول من ادعى ما يقتضيه اللفظُ وحقيقةُ هذه التسمية وكونُها دالةً على أن الحوالة على دين.
ألا ترى أن قرائن الأحوال على أنه ليس بمحال بل هو وكيل، فيكون
القول قول من ادعى ما دلت عليه قرينة الحال.
وإن كان قد وقع لابن القاسم في العتبية، فيمن أحال رجلًا بدين له عليه على رجل آخر، فقال المحيل: إنما أحلتك على دين لي يكون ذلك سلفًا عندك ترده إليّ.
وقال القابض: ما أخذته إلا عوضًا عن دين كان لي عليك: إن القول قول المحيل.
مع كون المحيل ادعى أن هذه الحوالة كانت على غير دين يستحقه المحال.
وأشار بعض أشياخي إلى أن هذا كالمخالف لما أصلناه، ولما حكيناه عن عبد الملك، مع كون هذه المسألة آكد في تصديق القابض الذي يقول: ما قبضت دينك إلا من دين كان لي عليك.
وهذا اتفاق منهما على أن المقبوض قبض على أنه ملك للقابض.
وهذا الذي أشار إليه شيخنا من التخريج للخلاف فيه 1، وذلك أن قول المحيل: إنما قبضته ليكون لي سلفًا عليك، يشبه الحوالة على الديون لأنه لما التزم له أن يسلفه مائة دينار صار ذلك كدين عليه لمن سأله في السلف.
وإذا صار كدين له عليه صارت الحوالة ها هنا على دين باتفاقهما جميعًا.
وإنما تنتقل المسألة إلى أصل آخر، وهو من قال: قبضت من زيد مائة دينار كانت لي عليه، وقال زيد: إنما دفعتها إليك ليكون سلفًا لي عليك، فإن في المسألة قولين: هل يصدق القابض؛ لأنه ما أقر بعمارة ذمته، ولا أقر إلا بقبضٍ شرَط فيه أنه يستحق، فلا يؤخذ بأكثر مما أقرّ به.
والقول الآخر: إن القول قول الدافع في أنه إنما دفع ذلك سلفًا؛ لأن القابض لو أتاه قبل أن يقبض منه شيئًا، فقال له: لي عليك دين، فأنكره المدعَى عليه، فإن الإجماع على أن القول قول المدعى عليه، فكذلك أن يجب أن يكون القول قوله.
في صفة ما دفع، وأنه دفعه سلفًا لا قضاءَ عن دين؛ لأن الأصل أن القول قوله في إنكاره دعوى المدعِي عليه الدينَ.
والأصل أيضًا أنهما اتفقا على أن هذا المقبوض الذي حازه قابضه أصلُ الملك فيه لدافعه، وإذا وقع اختلاف التداعي قدمنا الأرجح، والرجحان ها هنا في جنبة
من اعتُرِف له بأصل الملك، وادعى عليه أن ملكه سقط، واحتج المدعي بالحيازة، فإن ذلك لا يقبل منه؛ لأن الحيازة، وإن كانت ترجيحًا لدعوى الحائز، فاعتراف الحائز لغيره بأصل الملك أقوى من دلالة الحيازة، ألا ترى أن رجلًا عليه ثوب، فقال له رجل: أعرتك إياه.
وقال اللابس الحائز: وهبتَه لي.
إن القول قول المقَرّ له بأصل الملك، وأن ثوبه إنما خرج من يده على جهة العارية لا على جهة الهبة، والتمليكِ المؤبد.
وهذا الذي ذكرتُه عن بعض أشياخي في أنه جعل المذهب على قولين مما قدمناه في المسألتين: مسألة ابن القاسم في العتبية، ومسألة ابن الماجشون في المبسوط، هكذا الأمر عند الشافعية في مسألة المبسوط إن المذهب عندهم فيه على قولين:
أحدهما: أن القول قول المحيل، لما قدمناه من أنه اعترف له من ينازعه أن أصل الملك له.
وهو مذهب شيوخهم، وبعض الأئمة من حذاقهم المتأخرين.
وهذا التفات إلى المعاني والأصول المفردة في الشرع، واطّراح دلالة اللفظ الذي هو اسم الحوالة، فإن ذلك إنما يكون ترجيحًا في الدعوى ما لم يصادمه ترجيحٌ آخر هو أقوى منه من الاتفاق على أصل الملك، وكون المدعى عليه بدين القولُ قولُه باتفاق.
ومنهم من ذهب إلى أن القول قول القابض: إني إنما قبضت ما أستحقه عوضًا عن دين لي عليك، ولم أقبض على أني وكيل لك، تمسكًا من هؤلاء بدلالة هذا اللفظ واشتقاقها على حسب ما قدمناه.
وقد بيّنا ضعف اعتلال أصحاب هذا المذهب.
وإذا تقرر هذا فإن قضاء القاضي بأن القول قول المحال: إني قبضت ما أستحقه فلا تفريع على هذا المذهب.
وإنْ حُكِم بأن القول قول المحيل، ترجيحا له بما قدمناه، فهل للمحال أن يرجع على المحيل؟ هذا مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال: إذا رفع أمره
إلى القاضي لم يحكم له على المحيل بشيء؛ لأنه قد اعترف المحيل ببراءة ذمته بالحوالة، وألاّ مطالبة له عليه، وأن الذي يستحقه إنما هو في ذمة المحال عليه، فليس له أن يطالب ذمةً بدين، هو معترف ببراءة هذه الذمة من دينه، كما لو اعترف بأنه قبض دينه فإنه لا مطالبة له به، ولا يصح للقاضي أن يحكم له بما يعترف أن الحكم به باطل.
ومن الناس من ذهب إلى أنه يحكم له القاضي؛ لأن الذي نفذ له حكم القاضي، من تصديق المحيل في أنه إنما وكل وكالة على القبض، لا يقتضي سقوط دعوى المحال.
وهذا القول إنما يتصور عندي لو كان المحيل معترفُ ابدين المحال، ولكن المنازعة إنما وقعت في المقبوض هل قبض على أنه دين المحال، كما زعم قابضه، أو على أنه قبض وكالة 1 المحيل، فيصير المحيل كالمعترف بدين المحال، (يقول له: لا أستحقه قِبَلك، بل بَرِئت منه بالحوالة.
فإن من أقر بحق لرجل، وقال المقَرّ له: لا أقبضه، إني لا أستحقه إلا بحكم القاضي على المقر له، ويجبر المقَرّ له على قبضه.
فكذلك ها هنا) 2.
لكن عندي أن وجه القول الثاني، الذي أنكره بعض الأئمة الحذاق في مسألة الحوالة هل هي حوالة أو وكالة يلتفت فيها إلى النظر فيمن كان له حق على رجل فجحده إياه، ثم عثر المجحود له الحقُّ على مال الجاحد، وصار في يديه، هل له أن يأخذه قضاء عن حقه المجحود أم لا؟ في المسألة خلاف على الجملة قدمناه في كتاب البيوع.
وهذا المحال يقول: إني، ولو اعترفت ببراءة ذمة المحيل من ذمتي، فقد ظلمني في أخذ الدين الذي أبرأته من سببه، فإذا أقر لي بشيء أخذته عوضًا عَمَّا ظلمني فيه، وإن كنت أقول إني لا أستحق عينه ولكني أستحقه عوضًا عن ما غصبني إياه وجحدني فيه، فهذا مما ينظر فيه.
ومما يلحق بما قلناه، في دلالة الحوالة على أنها على دين، ما وقع لابن القاسم فيمن قال لرجل: خذ الدينَ الذي لك على من الدين الذي لي على فلان، ففُلِّس فلان، فإن المحال يرجع على المحيل، ويقول له: إنما طلبته نيابة عنك لا على أنها حوالة أبرأتك بها من ديني؛ لأن قوله: خذ، أمر يحتمل أن يراد به الوكالة فلا يقع الإبراء بلفظ محتمل.
فلو قال له: أحلتك بدينك على ديني على فلان، لوقع الإبراء، لدلالة هذه اللفظة عليه.
ومثل هذا ما وقع في المدونة في كتاب المكاتَب، في مكاتَب بين شريكين حل عليه نجْم فقال أحد الشريكين لشريكه بَدِّئْني بهذا النجم وخذ أنت النجم الآخر.
فإن ذلك كسلف من المتطوع بتبْدِئَة شريكه لا يبرأ منه إذا تعذر أخذ ذلك من المكاتب في النجم الثاني.
وما ذلك، عند بعض أشياخي، إلا لأجل أن قوله "بدّئني" ليس فيه لفظ الحوالة التي تبرأ الذمة بها.
ولو كان هذا وقع من أحد الشريكين بلفظ الحوالة لبرئ المحيل.
وهذا، أيضًا، عندي مما ينظر فيه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت مستقر، ألا ترى أنه إذا عجز عنه رجع رقيقًا، فكان الحوالة ليست على أصل الدين.
وهذا أيضًا مما ينظر فيه.
فإذا تقرر حقيقة الحوالة وأن مقتضاها أن تكون حوالة بدين على دين، فإن لم تكن كذلك، وإنما وقعت حوالة بدين على غير دين، مثل أن يقول رجل لرجل له على آخر دين: تحول 1 عليه به، وإنما أقوم بِهِ لك.
واتفق من عليه الدين ومن له الدين والمحال عليه على هذا، فإن هذا جائز لا وجه يمنعه.
وشذّ بعض أصحاب الشافعي فقال ببطلان ذلك، وأن الحوالة على غير دين لا تصح، تمسكًا منه بحقيقة هذه اللفظة في اللغة، وأنها إذا وُضعت غيرَ موضعها، وعَبَّر عنها 2 عن معنى آخر لا تقتضيه التسمية في اللغة، لم يصح ذلك، لكون
الحوالة كأنها بيع دين بدين، كما قدمناه، والمراد بها أن يقال من 1 له الدين: ملّكْني ملك 2 مِن دييب على رجل معين بالدين الذي لي عليك.
فالمعاوضة تقتضي نقل ملك بملك، فإذا كانت على غير دين اتضح 3 المعاوضة، وإذا لم تصح بطلت.
وهذا إفراط في اتباع التسميات.
ولو أسقط رجل دينًا له على رجل هبة منه له من غير عوض يأخذه من أخذ 4، لصح ذلك وجاز، إذا قبل ذلك من عليه الدين، فكذلك إذا أسقط حقه عليه بأن يقوم له به رجل آخر على جهة الهبة، وكان المتلزم القيامَ بهذا الحق هو الواهبَ لمن عليه الدين، فصار ذلك كهبة من له الدين، ولا يمتنع في الشرع أن يبذل إنسان مالًا على أن يُسقط رجل حقه من رجل آخر، ألا ترى أن رجلًا لو قال لرجل: اعتقْ عبدَك، وعليّ مائة دينار، لجاز ذلك، وإن كان باذلُ المائة دينار لم يرجع إلى يديه عنها عوض.
وكذلك إذا قال له: طلق زوجتك، وعلى مائة دينار.
فإن هذا أيضًا لا يُمنَع منه.
فإذا تقرر أن الحوالة على غير دين تصح فلا يخلو أن يكون المحال قد علم أنه أحيل على غير دين فرضي بذلك، أو اعتقد أنه أحيل على دين، ثم ظهر أنه إنما أحيل على غير دين.
وإن كان عالمًا بأنه أحيل على غير دين، ورضي بذلك، فلا مقال له عند جمهور العلماء، كما قدمناه.
وإن كان لم يعلم بذلك، فله مقال في فسخ هذه الحوالة، لأجل اختلاف الناس في سقوط حق المحال على المحال عليه إذا فلس 5 عليه أو مات، كما سنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فأمّا إذا كانا عالمين، حين قبول الحوالة، بهذا العيب، ودخل عليه، فإنه يلزمه ما رضي به من ذلك.
وهاهنا وقع الاضطراب في الروايات إذا وقع الفلس والموت من المحال عليه هل للمحال رجوع على المحيل الذي كان أصل دينه عليه أم لا؟
فأطلق ابن القاسم القول بأن لا رجوع له عليه.
وروى ابن وهب عن مالك في رجل قال لرجل: حرّقْ صحيفتك المكتوبةَ على فلان بالدين الذي لك عليه، واتْبَعْنِي.
فإنه إذا وقع الفلس أو الموت من القائل ذلك، فإن المحال رجع 1 على غريمه؛ لأنه إنما وَعَدَ أن يسلف الغريمَ سلفًا، فلم يصح السلف، فإذا لم يصحّ رجوع 2 على غريمه الذي أحاله.
ووقع لأشهب أنه إذا وقع الفلس رجع على المحيل، قولًا مطلقًا.
وروى مطرف عن مالك فيمن قال: تحملْ لي بمالي على فلان، وأنا لاتبعه 3 لسوء معامتله أوْ لِامتناعه بالسَّلْطَنَةِ.
فرضي بذلك، فإنه يتبع هذا الملتزمَ للحق، على كل حال، إلا أن يشاء أن يرجع على غريمه فله ذلك.
وقال ابن الماجشون: هذا الشرط باطل، والحكم فيه كالحكم في الحمالة المطلقة، وله أن يطلب غريمه إلا أن يقول له: أتحوَّل بحقي عليك.
فإذا قال له هذا اللفظَ لم يكن له رجوع على غريمه.
فأجرى الحوالة على مقتضاها، واتّبع في اشتقاق التسمية دون ما يراد بها بين هذين اللذين اصطلحا بها على معنى آخر.
وقد وقع في المدونة لفظان في الحوالة على غير دين، هل يكون 4،