شرح التلقينصفحات 138-178

كتاب الجنانز

صفحات 138-178

وإن كان الشراء بجنس الدين، فإن كان الثمن والمثمون متساويين، عددًا وصفة ونوعًا، جاز ذلك قبل الأجل وبعد الأجل، سواء اشتراه الكفيل لنفسه أو للغريم، مثل أن يتكفل بثياب يشتريها بثياب مثلها، نوعًا وعددًا وصفة، فإن ذلك يكون قضاءً للدين لا مبايعة فيه؛ وقضاء الدين على ما هو عليه جائز.
وإن كان ما يشتري به الثياب المسلم فيها أدنى من الثياب التي في ذمة من عليه السلم أو أقل عددًا فإن ذلك لا يجوز إذا لم يحل الأجل لأنه إن اشترى ذلك لنفسه كان كمن أسلم ثوبًا في ثوبين وقد أسلف في زيادة.
وإن اشترى ذلك بثياب أكثر عددًا أو أعلى صفة فإن ذلك لا يجوز كان ذلك داخلًا في أسلوب حط الضمان وأزيدك وأما إذا حل الأجل فإن الشراء لهذه الثياب التي في الذمة بثياب أدنى منها في الصفة أو أقل في العدد أو أجود في الصفة وأكثر في العدد لا يجوز إذا اشترى ذلك لنفسه؛ لأنه شراء ثياب في الذمة، وبيع الثياب بثياب مخالفة لها في الصفة لا يجوز إلا إذا كان لا تأخير فيه.
وقال بعض أشياخنا إن جواز شراء الكفيل هذا لنفسه إذا حل الأجل واشترى بما هو أفضل من الصفة أو أكثر في العدد؛ لأن هذا يكون قضاء من الكفيل لما وجب عليه، وحسن القضاء مأمور به في الشريعة.
وهذا الذي انفرد به ظاهر المذهب خلافه، ولا يسلّم أهل المذهب أن هذا القصدُ به حسنُ القضاء؛ لأنا فرضنا السؤ الذيما قصد به المبايعة والمتاجرة، فخرج بهذا القصد عن حسن القضاء، كما لو اشترى الثياب التي في الذمة بأدنى منها فإنه يسلَّم منعُ ذلك لكون القصد بهذا العقد المبايعة، وصار كسلف يطلب به الزيادة والمنفعة.
لكنه لو جبر الكفيل بعد حلول الأجل على القضاء فقضى ما هو أدنى وقبل منه ذلك من له الدين، فيما عما من الجودة هل أراد بذلك الهبة لمن عليه الدين أو للكفيل فيمضي الأمر فيه على ما قصد إليه من هذا؟ وأما لو صالح الكفيل بعد حلول الأجل على ثياب من أدنى الثياب التي في ذمة الغريم، أو أجود فإن ذلك يجوز إذا صالح بهذا عن الغريم لما كنا قدمنا الإشارة إليه من كون من عليه الدين لا يختار أن يقضي إلا ما هو أخفّ عليه، وأقل في المقدار، فصار الكفيل

المصالح كأنه عاوض عنه، وهو يعلم ما يصير إليه من قبله، وإذا علم ذلك ارتفع الخيار الموجب للخطر على أحد القولين المتقدمين.
هذا حكم العروض المتكفل بها إذا وقع الصلح عنها من الكفيل لنفسه، أو عن الغريم قبل الأجل وبعده.
وأما لو كان المتكفَّل به طعامًا من سلم فإن الصلح قبل الأجل لا يجوز بسمراء عن محمولة، ولا محمولة عن سمراء؛ لأنه إن وقع الصلح عن الغريم تضمن هذا العقد ما قدمناه من الوقوع في: ضع وتعجل، أو حط عنّي الضمان وأزيدك.
وإن صالح لنفسه فذلك أحرى في المنع لأنه عقد بطعام على طعام مؤخر ووقع العقد على بيع الطعام قبل قبضه.
وأما إن حل الأجل فلا يجوز ذلك عن نفسه لما قدمناه، ولا عن الغريم لكون الغريم مخيرًا لما يدفع للكفيل المصالح، وقد يعتقد أن المحمولة أفضل من السمراء، لاختلاف حال منهما، أو اختلاف حال الأغراض عندهما.
وإذا صارا كالجنسين منع من ذلك، بخلاف ما لو دفع الغريم من مال نفسه بعد الأجل محمولة عن سمراء أو سمراء عن محمولة، فإن هذا جائز لأنه كالمبادلة ولا بيع فيه، وإذ كان الدفع من الكفيل على وجه فيه خيار للغريم، ولا يدري الكفيل ما يحصل له هل ما دفع أو ما اشترى؟ صار هذا يتصور حكم المبايعة فيه وثبوت الخيار الذي إنما يتصور غالبًا في البياعات لَلَحِق هذا العقد من الكفيل بالوجه الممنوع لأجل أنه دفع ما فيه خيار لغيره عليه.
ولو كان الدين سمراء فقضى الكفيل الغريمَ أدنى منها -من السمراء- أو كان الدين محمولة فقضى الكفيل عن الغريم محمولة أدنى منها، فإن ابن القاسم منع من ذلك إذا كان الدين من سلَم.
والوجه للمنع ها هنا على مقتضى ما أصلناه لأنه يعلم حين الصلح أن الغريم لا يختار إلا ما هو أرفق به.
ولا يتصور ها هنا أن يعتقد أحد أن السمراء الجيدة تكون أدنى من السمراء الدنيئة.
بخلاف ما قررناه في السمراء إذا أخذ عنها محمولة.
وقد أجاز في كتاب الحمالة

هذا إذا كان الطعام قرضًا، لكون طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، فلم يحتط لبيع الطعام قبل قبضه في طعام القرض كما احتاط في طعام السلم، ولكنه في كتاب الحمالة شرط في القرض أن يكون الأجل قد حل، وهذا إنما شرطه لأنه ذكر في السؤال أنه دفع عن طعام سمراء عن محمولة أو محمولة عن سمراء، ودفع محمولة عن سمراء في طعام القرض المؤجل لا يجوز قبل الأجل؛ لأنه بمعنى: ضع وتعجل.
وإما حطّ عني الضمان وأزيدك، فلا يتصور في القرض لأن من هو عليه له تعجيله بغير اختيار من هو له.
فلما اشتمل السؤال على وجهين يمنع أحدهما قبل الأجل، ويجوز الآخر اشترط حلول الأجل لكون الأجل إذا حل استوى الوجهان في الجواز.
وإذا وضح ما يجوز الصلح عليه وما.
لا يجوز فلنذكر حكم طلب الكفيل براءة ساحته ما يكفل به 1 بأن يقضي المسلم ما يقدر عليه، فاعلم أن الأجل إذا حل كان من حق الغريم الذي عليه الدين أن يطالب من له الدين بقبضه منه ليبرأ من الطلب، وهذا لأنه لا يلزمه أن يبقي ذمته عامرة بعوإنقضاء الأجل الذي تعاقدا عليه.
وأما طلب الكفيل أن يبرأ من كفالته فإنه إذا حل الأجل وكان من له الدين حاضرًا كان من حق الكفيل أن يطلب براءته من الكفاله إما بمخاطبة من عليه الدين أن يقضيه أو بمخاطبة من له الدين أن يقبضه أو يُبرىء الحميلَ إن اختار تأخيره على من هو عليه، لكون الحميل يتضرر ببقاء المطالبة بالحمالة عليه بعد ذهاب المدة التي التزم الحمالة فيها.
وأما إن كان من له الدين غائبًا ومن عليه الدين يُخشى أن يعجز عن قضاء الدين إن تأخر قبضه، أو يَلِدّ عن القضاء، فإن من حق الحميل ها هنا أن يطالب القاضي بإخراج الدين الذي يجب للغائب.
ويوقفه على يد من يأمنه عليه، ليبرأ الحميل من حمالته إذا أخرج الدين من الذمة التي تحمل عليها.
وأما إن

كان الذي عليه الدين ظاهر الملأ لا يخشى منه لَدَدٌ فإن الأظهر من أقوال مشائخنا أن من حق الحميل أن يطلب من القاضي إخراج هذا الدين ليبرأ من الحمالة، لما قدمناه من كونه يتضرر ببقاء الحمالة عليه أَمَدًا آخر زائدًا على الأمد الذي التزم الحمالة له فيه.
ولم يَلتفت ها هنا إلى حق الغائب قد يضيع فتكون مصيبته منه، وقَدَّم مراعاة ضرر الحميل على مراعاة ضرر الغائب لأجل أن المعاقدة إنما كانت على أن الحميل لا مطالبة عليه إلا إلى أجل محدود، وقد سبق حقه في نفي الضرر عنه حق الغائب في اعتبار إخراج دينه من ذمة إلى أمانة، وأصّلنا في الضررين إذا تقابلا أن يعتبر أحدهما فيقدم اعتباره والنظر في إزاحته.
وقد ذكر ابن حبيب في هذا أن من عليه الدين إذا كان مليئًا فإنه لا مقال للحميل؛ وهذا لأنه رأى أن الحميل إنما كان له مدخال 1 في المطالبة بإخراج هذا الدين من ذمة إلى أمانة، لأجل ما يلحقه من الضرر من تخوف عُدْم الغريم، فتتوجه المطالبة عليه.
وإذا كان الغريم لا يُتخوف جانبه في هذا لم يحسن إلحاق الضرر بالغائب بإخراج دينه إلى أمانة مع كون الحميل [لا يظهر وجه تصوره بترك خروج الدين من الذمة، وهذا عندي قد يحسن مع القول: إن الحميل] 2 لا يطالب إلا عند تعذر أخذ الدين من الغزيم.
وإذا كان الغريم مليئًا غير مُلِدٍّ فكان 3 الحميل آمنًا من توجه المطالبة عليه.
وأما إذا قلنا بأحد قولي مالك: إن من له الدين من حقه أن يطالب الحميل مع حضور الغريم وملائه، قد يحسن الطريقة الأخرى وهي تمكينه من طلب براءة ذمته حتى لا يبقى لمن له الدين مطالبة عليه.
وإذا تقرر هذا وعلم حقيقة توجه طلبه بإخراج الدين من ذمة المدين فإنه إن قبضه من الغريم لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن يقبضه برسالة من له الدين ووكالته على ذلك أو برسالة من عليه الدين ووكالته على إيصاله لمستحقه، أو يقبضه على جهة الرسالة ممن له

الدين أو ممن عليه الدين، فإنه غير ضامن له إن ضاع في يديه لكونه أمينًا لمن وكله، إما مَن له الدين وإما من هو عليه.
والوكيل لا يضمن لأنه مؤتمن كالمودع.
وأما إن قبضه على جهة الاقتضاء فإنه يضمن، وإن ضاع في يديه من غير تفريط منه.
وبالغ في المدونة في هذا فقال: يضمنه، كان هذا الدين المقبوض مما يغاب عليه أو لا يغاب عليه، ضاع ببينة أو بغير ببينة، قضاه الغريم متبرعًا أو غير متبرع بقضاء من سلطان أو بغير قضاء منه.
وأنكر سحنون هذه اللفظة التي وقعت ها هنا وهي قوله "بقضاء من السلطان" لكون السلطان لا مدخل له ها هنا، ونقلها ابن المواز وزاد في النقل أن السلطان إن قضى بذلك فقد أخطأ.
وأشار فضل بن سلمة إلى طريقة أخرى في الاعتذار عنها، فذكر ما حكيناه عن ابن حبيب أن الحميل إذا طلب براءة من الحمالة، وكان الغريم ممن يتخوف ألا يؤخذ منه الدين، فإن من حق الحميل أن يطالب القاضي بإخراجه من ذمة الغريم ويوقفه على يدَ من يشق به، إما هذا الحميل أو غيره.
وإشارة فضل بن سلمة ها هنا تقتضي ضمان الحميل إياه وإن كان وقفه عنده القاضي لما طلبه بالإبراء من الحمالة، وكأنه قدر أنه إنما قبضه وقبله من القاضي لمنفعة نفسه، وطلبًا لبراءة ساحته وهو السبب في إخراجه من الذمة، فضمنه بوضع يده عليه مع كونه طلب ذلك لمنفعة نفسه.
ولو وقفه القاضي عند غير الحميل، وحكم ببراءة من عليه الدين، لكان ذلك، إن ضاع، في ضمان الغائب.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن الحميل إنما يضمين هذا إذا قبضه على جهة الاقتضاء؛ لأن معنى الاقتضاء أنه طالب الغريم بأن يسلِّم إليه الدين الذي علية ليبرأ منه، ويكون هذا المطالَب به دونه.
وهذا الالتزام ودفع الدين على هذا الشرط يوجب ضمانه على كل حال.
وقوله في المدونة في هذا الجواب "دفعه متبرعًا أو غير متبرع" يعني أنه دفعه بقضية السلطان أو بغير قضية السلطان؛ لأن مطالبة الحميل له به وأخذه منه على جهة الاقتضاء.
ولو تعدى هذا الحميل القابض لهذا الدين على ما قبضه من طعام من سلم تحمل له، فباعه بعد أن أُسلِم إليه تعديًا، فإن المتعدي على سلعة غيره إذا أفاتها

بالبيع، ولم يمكن استرجاعها، فإن صاحبها بالخيار بين مطالبة قيمتها أو مثلها إن كان لها مثل.
فإذا تقرر هذا اعتبرت بعده نكتة أخرى وهي أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز.
وإذا تقررت هذه النكتة اعتبرت بعدها نكتة أخرى أيضًا، وهي أن هذا الطعام إذا قبضه الحميل بوكالة من له الدين، فكأن من له الدين قبضه بيده وبرئت ساحة الغريم، وإذا قبضه برسالة من عليه الدين فإن هذا المقبوض من الطعام تعلق به حقان لمن عليه الدين وهو مرسله لكونه لا يبرأ من طلب منه الدين إلا بوصوله إليه.
وتعلق به أيضًا حق من له الدين لأن باعثه قد ملكه إياه بهذه الرسالة إن شاء ذلك وقبل هذا وصار الرسول كأنه من قبله، ولهذا لم يكن للرسول أن يمنع من له الدين قبضه إذا شاء، ولا أن يبدله عليه.
ولو فلس باعثه لكان المبعوث إليه الذي له الدين أولى به من الغرماء لكونه بعث إليه ليتملكه إذا شاء.
وإذا تقررت هذه النكتة علمت منها أن هذا الحميل إذا باع الطعام لمن يتعلق به مطالبة من الغريم إذا كان إنما قبضه منه بوكالة من له الدين لأنه قد برىء بدفعه لهذا الوكيل، لكن يتوجه إلى الموكل الذي له الدين فيغرم الوكيل بائعُ الطعام تعديًا إن شاء مكيلة الطعام، وإن شاء أجاز بيعه على مقتضى ما قدمنا ذكره في هاته النكتة.
وأما إن قبضه هذا الحميل برسالة ممن هو عليه فإن المطالبة ها هنا تقع بأحد أمرين: إما بمثل الطعام المبيع وإما بثمنه.
فأما المطالبة بمثل الطعام فإن ذلك متوجه لمن له الدين لكونه قد تملك هذا الطعام المبعوث إليه إذا شاء، وهو الآن يقول: قد شئت، ويتوجه أيضًا للذي عليه الدين لكونه مطلوبًا بغرامته، لكون من له الدين قد لا يرضى بطلب رسوله ولا يطلب إلا غريمه.
فلهذا كان طلب هذا البائع المتعدي بمثل الطعام الذي باعه حقًا للرجلين جميعًا من له الدين ومن عليه الدين.
وأما المطالبة بالثمن فإنه يمنع منها من له الدين ويمكن منها من عليه الدين.
أما من له الدين فإنما منعناه من هذا لأنا لو مكناه من أخذ ثمن الطعام بالطعام المبيع تعديًا، وهو لم يضمنه ولا صار إلى يديه، لكنا أبحنا له بيع الطعام قبل قبضه، وأما تمكين مَن

عليه الدين من طلب الثمن فإنا مكنّاه من ذلك لأن الطعام الذي في ذمته لم يبرأ منه، وعليه أداؤه لمن له الدين إذا طلبه منه.
وإذا كان باقيًا على ملكه أو في حكم الباقي على ملكه لم يمنع من قبض ثمن ما بيع عليه من ملكه بغير إذنه.
وأما إن قبضه هذا الحميل على جهة الاقتصار 1 وباعه فإنه لا مطالبة عليه بالثمن، لكونه إنما باع ما صار إلى ملكه، وهو المطلوب به بثمنه لا مقال فيه [لأنه لم يقبضه بوكالته، ولا لمن عليه الدين لأنه سلّمه إليه كقرض يكون له عليه يقضيه عنه لمن له الدين] 2. فإن طلب من له الدين الكفيل بالطعام فأخذه منه، فقد بريء هو والغريم.
وإن طلب الغريم وأخذه منه 3، ورجع الغريم على الحميل المقتضى منه ثمن ما أعطاه.
وأما إن كان الحميل قبض هذا برسالة ممن عليه الدين فإنّا ذكرنا أنه قد تعلق من الرجلين جميعًا من له الدين ومن عليه الدين، فطلب هذا الحميل المتعدي بمثل الطعام الذي باعه تعديًا، فإن اختار من له الدين أن يطالب بالطعام الكفيلَ بحق تعديه لا بحق الكفالة مُكّن من ذلك لما قدمناه من وجه تعلق حقه به.
لكنه في المدونة ذكر أنه لا يمكّن من ذلك إن قبضه الحميل على غير جهة الاقتضاء، ولا ضمان عليه فيه.
وأنكر يحيى بن عمر هذا الاشتراط، ورأى أنه إذا قبضه هذا الحميل على جهة الاقتضاء كان تمكين من له الدين من طلبه بما قبض أوضحَ من تمكينه من طلب به إذا قبضه على جهة الرسالة؛ لأنه إذا قبضه على جهة الاقتضاء فقد أخذه ملتزمًا براءة ذمة الغريم، واستقرار طلب من له الدين على ذمته، فذلك أحرى أن يمكن من له الدين من طلبه به إذا تعدى فباعه، لما صورناه من كون باعث الطعام ملكه لمن له الدين إن شاء، فلذلك أنكر يحيى بن عمر هذا الاشتراط، ورآه مُوَهّنا أن قبضه على جهة الاقتضاء يمنع من تمكين رب الدين من طلبه به، فيكون هذا كعكس الأصول.

واعتذر عن هذا بعض الأشياخ وقال: إنما قصد بهذا التنبيه على موضع الإشكال، وهو قبضه إياه على جهة الرسالة.
وأما قبضه إياه على جهة الاقتضاء فحكم 1 ذلك واضح، فكأنه أراد يمكن من هذا، وإن قبضه على جهة الرسالة، لكون قبضه على جهة الرسالة فيه من الإشكال ما ليس في قبضه على جهة الاقتضاء.
وينبغي أن يعلم ها هنا أن من حق رب الدين أن يطلب الكفيل بحكم التعدي، فإن تمكنه من ذلك مع حضور الغريم وملائه يجري على القولين المشهورين، ويمكن من له الدين من طلب الكفيل مع حضور الغريم وملائه.
وأما إن اختار من له الدين طلب الغريم لا الكفيل فإنه يمكن من ذلك، فإذا دفع إليه الغريم الطعام الذي كان من حقه أن يخير بين إغرام رسوله مثل الطعام الذي تعدى له عليه، أو يجبر تعديه ويغرّمه الثمن لأن طلب مثل الطعام حق لمن له الدين ومن عليه الدين، كما قدمناه.
وأما طلب ثمنه فإنما منع منه من له الدين لئلا يكون بائعًا للطعام قبل قبضه.
ولو اختار من له الدين طلب الكفيل المتعدي على البيع فأغرمه مثل الطعام لكان من حق الغريم باعث الطعام أن يأخذ منه ثمن الطعام الذي بعثه معه ويعطيه مثل الطعام الذي أغرمه من له الدين.
وقد يهجس في النفس أن هذا مناقض لما قدمناه من كون تعدي هذا الرسول يوجب حقًا لمن له الدين ومن عليه الدين.
فإذا اختار من له الدين طلب الكفيل بغرامة مثل ما تعدى فيه صار إنما باع ما هو على ملكه، لكونه أغرم مثله.
لكن بعض حذاق الأشياخ أشار إلى الاعتذار عن هذا بأن باعث الطعام يقول لرسوله: أنت بعت الطعام الذي أنفذتُ معك، وهو في يدك على حكم الوديعة مني لك، فتعلق لي حق عليك في غرامة مثل ما بعثه 2 أو ثمنه، فلا يُسقط حق في ذلك غرامة من له الدين مثل الطعام، وقد تقرر لي حق في إجازة

بيعك، وأخذ ثمن الطعام، ولا سبيل إلى هذا إلا بأن يعطيك مثل الطعام الذي أغرمك من له الدين.
وأما قبضه على جهة الاقتضاء فإنه لا يطالب الحميل بثمن ما باع، لا من جهة من له الدين لأنه وإن مكناه من ذلك كان بيعًا للطعام قبل قبضه؛ ولا من جهة من عليه الدين لأن قبضه منه كقرض أقرضه إياه ليَقضيه عنه، فإذا طلب من له الدين الغريم لم يرجع عليه الغريم إلا بمثل الطعام الذي أخذه منه على جهة الاقتضاء، كما لا يرجع عليه بطعام أقرضه إياه إلا بمثل الطعام لا بثمنه إن باعه.
وإذا تقررت أحكام هذه الفصول الثلاثة وهي قبضه بوكالة أو رسالة أو اقتضاء، فإنه لو اختلف الحميل قابض الطعام والغريم دافعه على أي وجه قبض، فقال من عليه الطعام: على جهة الاقتضاء؛ ليضمن القابض الطعام.
وقال قابضه: على جهة الرسالة، ليسقط الضمان عنه.
فإن هذا يجري على القولين في المسألة المشهورة إذا قال قابض الدنانير: قبضها 1 وديعة وقد ضاعت؛ وقال دافعها: بل دفعتها إليك سلفًا.
فإن الاختلاف في هذا مشهور، فمن ذهب إلى أنه لا يؤخذ المقر بأكثر مما أقرّ به صدّق القابض ها هنا: أي ما قبضته إلا على جهة الأمانة.
ومن ذهب إلى أن القابض مقرّ بالملك للدافع مدع عليه ما سقط 2 الضمان عنه صدق ها هنا الغريم دافع الطعام.
وينبغي أن يعلم أنه متى طلب من له الدين الكفيل بأداء ما تكفل به فغرمه له، فإنه يعتبر في ذلك هل اشتراه بثمن فيرجع به؛ لأنه كالمأذون له في هذا لما تكفل عمن عليه الثمن 3 الدّين، ويقدر كأن من عليه الدين أذن له في أن يسلفه ما يشتري به ما يغرمه عنه.
وإن كان أدى ذلك من ماله من غير شراء فإنه يرجع بمثله على الغريم وإن كان عرضًا؛ لأنه كالقرض هذا للغريم 4، والقرض إنما

يرجع فيه بالمثل ولو كان عرضًا.
ولو أدى عنه طعامًا هو عليه من سلم لجاز للكفيل أن يأخذ منه من الغريم إذا تراضيا بذلك، ولا يتهم في هذا، [لكونه إنما يأخذ ثمن طعام أقرضه الغريمَ، وبيع القرض قبل قبضه جائز.
هذه المعاملة التي تراضيا عليها أمر حادث بعد القرض، فلا يتهمان في هذا] 1 بخلاف اتهامهما في معاملة الكفيل لمن له الدين.
لكنا ذكرنا عن ابن المواز أنه يمنع الكفيل من أن يشتري الثياب التي تكفل بها بدنانير أكثر من رأَس مالها أو بدراهم، وأحلّه في هذا محل الغريم التي هي عليه لما كان يتوجه لمن له الدين طلبُه بهذا الذي اشتراه، فصار كأنه هو الغريم، وقد قدمنا ما قيل في هذا.
وكذلك لو تكفل بثمن طعام عمن اشتراه فأدىَ الثمن عنه، فإنه يجوز له أن يأخذ عن ذلك الطعام ثمنًا، لما كان، قبل هذا، معاملةٌ بينه وبين من يحمل عنه حادثة بعد أن أقرضه الثمن الذي أدى عنه على حسب ما قدمناه.
ولو اشترى الكفيل ألف درهم من رجل تكفل له بها مائة درهم واشترى ذلك لنفسه فإن ذلك لا يحل لكونه بيع دراهم بدراهم متفاضلة نساء.
لكن إذا نقضنا هذه المعاملة بينهما وألفينا الكفيل عليه ديون استدانها بعد الكفاله، فهل يكون من له الدين أحق بما قبض من الكفيل من غير بابه، ويرد ذلك إليهم، ويحاصّهم بما توجه له على الكفيل؟ حاول بعض الأشياخ أن يجري هذا على الخلاف فيمن اشترى سلعة شراءً فاسدًا ونقد ثمنها ففسخ، وطلب الثمن فألفى على قابضه غُرَماء، فإن ابن القاسم لا يراه أحق بالسلعة دونهم، لكون الشرع نقض بيعه، وأمره بإزالة يده عنها، فكأنه لم يَحُزها دونهم.
ورأى عبد الملك ابن الماجشون أنه أحق بالسلعة حتى يقبض ثمنها الذي دفع، لما كانت له شبهة في هذه السلعة المقبوضة، لكونها إن حال سوقها أقرّت في يده، ولكونه ضامنًا لها.

وأشار بعض الحذاق إلى أنه لا خلاف في مسألة الحميل، لكونه دفع دفعًا فاسدًا يجب نقضه عن دين مستقر في الذمة، فكأنهما أمران لا علاقة لأحدهما بالآخر.
ولو تحمل الكفيل لمن أسلم في طعام رأس المال خاصة، لاعتُبر هذا هل أراد به أنه مَن طلبه بالضمان أعطاه رأس المال وانحلّ العقد، أو يعطيه رأس المال يشتري به من الطعام السلم ما بلغ فيه رأس المال.
فإن كان المراد بضمان رأس المال أنه ينتقض السلم إذا طلب الخميل ويعطيه رأس المال، فإن هذا يفسد العقد إذا وقع عليه، لكونه تارة بيعًا إن لم يطلبه بالضمان، وتارة سلفًا إن طلب به.
ولو كان هذا بعد النقد لم ينفسخ العقد وفسخت الحمالة خاصة.
وإذا كان هذا مقارنًا للعقد وأفسد الحمالة، فهل يطالب الحميل أم لا؟ هذا جارٍ على ما يرد بيانه في كتاب الحمالة إن شاء الله من اختلاف ابن القاسم وغيره في الحمالة الفاسدة إذا قارنت العقد هل يطلب الحميل بما ضمن لكون ضمانها هو سببًا لدفع رأس المال أو لا يطلب بذلك؟ فعند ابن القاسم لا يطلب، وعند غيره يطلب بما أتلف، على ما سيرد بسطه في موضعه إن شاء الله.
وأما لو كان المراد يتحمل برأس المال ليشتري به من له الدين من الطعام ما بلغ إليه ما دفعه الحميل ويبقى بقية الطعام في ذمة الغريم، فإن هذا يجوز إذا كان بعد العقد.
وأما إن كان 1 العقد فإنه حاول بعض الأشياخ أخرى 2، ورأى أن الحمالة ها هنا بأمر معلوم لا غرر فيه، وإنما يجهل ما يشتري من الطعام المسلم فيه، فلا وجه لمنع هذه الحمالة، وأجراها على الخلاف، كما لا يمنع أن يرتهن رهنًا بما أسلم فيه وإن كان لا يعلم هل بقي ثمن الرهن إذا بيع المسلم فيه لتغير أسواقه أو لتغير عينه أشد مما يرقب من اختلاف سعر الطعام المضمون ثمنه مقدار رأس المال.

فصل في المعاوضة على تحويل السلم

اعلم أنا كنا قدمنا في كتاب السلم الأول نكتةً معتبرة في المعاوضة عن السلم.
وهذا الفصل ملحق بها ويجري فيه بعض ما قدمناه من تلك النتكة.
فإذا أسلم دنانير في ثوب إلى أجل فعلوم، فلما حل الأجل أراد من له السلم أن يزيد دينارًا لتغير 1 السلم فيأخذ عنه صنفًا آخر عما أسلف فيه، أو الصنف بعينه ولكن صفة مختلفة أو متفقة.
فأما إذا أراد أن يُعَاوِضَ على تبديل الصنف، بأن يعطيه لما حل الأجل عوض الثوب طعامًا أو حيوانًا، فإن ذلك جائز، جريًا على ما أصلناه في كتاب السلم الأول من كون الطعام أو الحيوان يحوز أن تسلم فيه الدنانير التي هي رأس المال، وأن يؤخذ ذلك عوضًا عن الثوب المسلم فيه، على حسب ما قدمناه من اعتبار هذين الوجهين.
ولكن من شرط هذا تعجيل المأخوذ عن السلم، وأن يتناجزا فيه ولا يتأخر قبضه لئلا يكون تأخير قبضه معاقدة على فسخ دين في دين.
ولو أراد أن يأخذ عن السلم ما هو من صنفه وقد حل الأجل لجاز ذلك أيضًا، ويعتبر فيه ما اعتبرناه فيه إذا أخذ فيه من غير صنفه من تعجيل وجواز المعاوضة به عن رأس مال السلم وعن المسلم فيه لكن إن تأخر العوض عن السلم، وهو من غير صنف السلم، كان دينًا بدين، وإن تأخر، وهو من صنفه، لكنه أزيد مقدارًا منه، كمن أسلم في ثوب شطاط عشرين ذراعًا، فإن هذا إن

دخله تأخير كان بيعًا وسلفًا، الزيادة على المقدار الذي عقد عليه السلم بيعُ، وتأخير المقدار المسلم فيه سلفٌ.
هذا إذا تراضيا بتحويل السلم بعد حلول الأجل.
وأما إن تراضيا بذلك قبل حلول الأجل فتعاقدا على أن زاد من له السلم دينارًا على أن يأخذ عوض ما عقد السلم صنفًا غير ما أسلم فيه، فإن ذلك لا يجوز، بغير خلاف؛ لأنه دين بدين، فكأنه أسلم دينارًا في ثوب إلى شهر، فزاده بعد العقد وقبل حلول الأجل دينارًا على أن يأخذ منه إذا حل الأجل طعامًا أو دابة موصوفة، فإن هذا معاوضة عن دين مؤجل وهو الثوب الذي تعاقدا عليه السلمَ أوَّلا بطعام إلى أجل، رهنًا حقيقة الدين بالدين.
وكذلك إذا زاده دينارًا على أن يأخذ عوض الثوب المسلم فيه ثوبًا أرقّ منه 1 وأصفق وأعرض منه، فإن ذلك يمنع، كما يمنع تعاقدهما على أخذ صنف آخر، لما يتصور فيه أيضًا من دين بدين، فيقدر أن المسلم باع ثوبًا خشنًا مؤجلًا ودينارًا معجلًا، بثوب رقيق يأخذه مؤجلًا أيضًا، وهذا دين بدين فوجب أن يمنع.
وأما إن لم يكن اختلاف الثوبين لا من ناحية الطول فزاد من له السلم دينارًا قبل الأجل على أن يأخذ ثوبًا عند الأجل على صفة الثوب الذي تعاقدا عليه، لكن الثوب الذي رجع إليه أطول بذراع، فإن هذا يمنعه سحنون ويراه يتصور فيه الدين بالدين، كما صورناه فيما قبل، وكأنه باع منه ثوبًا مقداره عشرون ذراعًا مؤجلًا ودينار نقدًا بثوب مؤجل مقداره أحد وعشرون ذراعًا، على حسب ما صورناه فيهما إذا اختلفا بالرقة والخشانة، وأجاز في المدونة هذا الوجه خاصة، ورأى أن الثوب الذي تعاقدا عليه إذا لم يتغير شيء من صفاته فإن الأذرع التي تعاقدا عليها السلم حاصلة بعينها في المعاوضة الثانية، وإنما أفادت المعاوضة الثانية عقد صفقة أخرى كأنها لا تعلق لها بالأولى، وكأن هذه الزيادة لا تغيّر حكم المزيد 2 عليه وتُعلْقه 3 بصنف آخر، كما تغيّره صفة الرقة والصفاقة، فلم يكن في الانتقال إلى

هذه المعاوضة الثانية بيع دين بدين.
ولكن يعتبر ابن القاسم في هذا ما يعتبر في أصل السلم من تعجيل رأس المال، ولهذا قال في المدونة: يجوز ذلك لأنهما صنفان.
والمعتبر أيضًا أن تكون المعاوضة الثانية إلى أجل من آجال السلم، فإن كان يبقى من أجَل السلم الأول مثل ما يجوز عقد السلم إليه، جازت هذه المعاوضة الثانية.
ويعتبر أيضًا ألاّ يقدّم المسلم الأول عن أجله ولا يؤخر؛ لأن تقديمه على أجله أو تأخيره عنه يتضمن كون هذه المعاوضة بيعًا وسلفًا لأن الدينار المزيد في رأس المال عوض الذراع المزيد في الثوب إذا تعاقدا فيها على تقديم مثل الأجل أو تأخير صار ما وقع من زيادة تبايعًا قارنه سلف وهو التعجيل أو التأخير.
وقد أشير إلى الانتصار لمذهب سحنون في منع المعاوضة على زيادة في الطول، بأن ابن القاسم منع من ذلك إذا وقعت المعاوضة بعد طول الأجل مع تأخير الثوب المسلم فيه، وقدّر ذلك يكون البائع باع ثوبًا ودرهمًا بثوب أطول منه من غير تناجز.
وهذا يتصور إذا وقعت هذه المعاوضة قبل الأجل.
ويفيد أيضًا أن من له السلم باع ثوبًا مقداره أحد وعشرون بشرط التأخير.
واعتذر عن هذا الذي تناقض به ابن القاسم بأن الأجل إذا حل فقد ملك من له السلم تعجيله، فإذا عاوض معاوضة فيها تأخير تحقق تصور البيع والسلف، لكون ما يقدر سلفًا فقد ملك تعجيله فأخره.
وإذا لم يحل الأجل لم يملك تعجيل السلم فيه، ولا يقدر أنه باعه وهو لا يملك قبضه ولا تعجيله.
لكن إن تحقق أن الزيادة في مقدار الأذرع بغير 1 ثمن الثوب الذي تعاقدا عليه على غير نسبة زيادة الأذرع حسن ما قاله سحنون، وأن يلحق بالدين بالدين.
وإن لم تغير هذه الزيادة ثمن الأذرع الذي تعاقدا عليها أوَّلًا حسن ما قاله ابن القاسم، وكان المعقود عليه أَوَّلًا لم يتحول.
وهكذا يحسّن ابن القاسم مثل هذا في الإجارة، مثل أن يستأجره على

أن ينسج له أذرعًا معلومة، فزاده شيئًا على أن يزيده غزلًا يزيد به أذرعًا؛ لأنهما صفقتان.
وسحنون يوافقه في الإجارة، ويعتل بأنها معاقدة على شيء بعينه، بخلاف السلم المضمون.
وسنتكلم نحن في كتاب الإجارة إن شاء الله تعالى على تحويل الإجارة المضمونة في الذمة من عمل صنف إلى عمل جنس خلافه أنه منع، ولو كان غير مضمون لاختلف فيه اختلافًا نبينه في موضعه إن شاء الله.
هذا حكم تحويل السلم بزيادة في رأس المال.
وأما تحويله بانتقاص في رأس المال على معنى الإقالة مثل أن يسلم إليه في مائة ثوب مائة دينار فيقيله من خمسين ثوبًا على أن يرد له خمسين دينارًا، فإن هذا لا يجوز إذا كان رأس المال مما لا يعرف بعينه، وغاب عليه قابضه لأنه يقدر أن ما ردّ من رأس المال إنما أبطنا قبضه على جهة السلف، وما لم يتقايلا فيه هو الذي أبطنا البيع فيه، فيكونان تعاقدا على بيع وسلف.
وأجاز هذا أبو حنيفة والشافعي، وقدر أن الخمسين دينارًا والمعاقدة وقعت الإقالة عليها وعلى ما كان من المنفعة بها، فلم يمنعا ذلك.
ونحن إذا قدرنا أن هذا كالمشترط في أصل العقد ظهر وجه.
وأما لو كان رأس المال ها هنا مما يعرف بعينه وإن غيب عليه جازت الإقالة التي صورناها على الجملة، لارتفاع ما عللنا به من تقدير البيع والسلف، للعلم بأن رأس المال ثيابًا أو رقيقًا أو حيوانًا أو صوفًا، فأقال من بعضه، فإن ذلك جائز وقال فضل بن سلمة: قوله: "أو صوفًا" 1 هو يشير بهذا إلى أن الصوف لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه فهو كالدنانير.
واعتذر بعض الأشياخ عن هذا بأنه يمكن أنه أراد الصوف المنسوج، والصوف المنسوج يعرف بعينه.
وبالجملة فإن مثل هذا اللفظ يقع كأنه غير مقصود بيان الحكم فيه، وإنما هو كالتمثيل، فإذا وجد له تخريج لم يتعقب.
وأما لو كان تحويل المسلم فيه إنما وقع بزيادة في مقداره مع بقائه على صفاته من غير عوض يؤخذ عن ذلك، فإنه قد ذكر في المدونة جواز ذلك فيمن

أسلم في مائة إِرْدَبٍ قمحًا فلقيه المسلم إليه بعد ذلك فقال له من له السلم: زدني زدني في السلم، فزاده مائة قفيز أدنى يأخذها إذا حل الأجل، أن ذلك جائز.
وذكر سحنون عنه أنه كان 1 يضطرب فيها فيجيزها تارة ويمنعها أخرى.
وقد أكثر الأشياخ الاعتذار عن هذه المسألة، لأجل أنه قد تقرر أن هبة المديان لا تجوز، لكونها قد تضارع ربا الجاهلية في قولهم: تقضي أو تربي.
فإذا وهب من عليه السلم لمن له السلم هبة فقد يظن بهما أنهما تعاملا على ذلك ليؤخر الدين عن أجله، وقصد المديان ما وهب أن يؤخره من له عليه الدين بما له عليه لأجل ما كارمه به من هبة، وتأخير الدين عن عوض لا يجوز، كما قدمناه.
لكن اعتذر بعض الأشياخ عن هذا في هذه المسألة بأن قال: ذكر في المدونة أن السلم عقد على مائة قفيز، ثم زاده مائة أخرى وهذه الزيادة كثيرة تخرج عن حد ما توهب للتأخير، ولا يهب من عليه الدين مثل الدين الذي عليه ليؤخره به.
هذا هو الظاهر في حكم العادة فإذا ظهر من كثرة هذه الهبة ما يدل على أنها لم تجعل عوض التأخير لم يكن للمنع وجه إذا ثبت أنها لم يقصد بها التأخير بالدين.
ومنهم من اعتذر عن هذا بأن من له الدين سأل في الزيادة لأجل أنه اطلع على أنه عين 2 فسمح له المديان بها لأجل سؤاله فيها، وما وقع عن سؤال من الموهوب لم يظن بالواهب أنه إنما وهبه له رجاء التأخير.
وهذا الاعتذار يقتضي جواز هذه الهبة قليلة كانت أو كثيرة.
والاعتذار الأول يقتضي التفرقة بين قليل الهبة وكثيرها.
ومنهم من يشير إلى أن الهبة لما علقت بحلول الأجل لم يمنع، لكون من عليه الدين لم يجب عليه قضاء ما عليه من دين، فلا يفتقر إلى معاوضة على

التأخير لأجل استغنائه عن ذلك يكون من له 1 الدين لم يجب عليه طلب لوقوع هذه المكارمة قبل الأجل معلقًا قبضها بالأجل.
وهذا الاعتذار يقتضي جواز هذه الهبة إذا عجلت قبل الأجل، لكونها وقت تعجيلها لم يجب على دافعها طلب.
وقد ذكر في كتاب ابن المواز اختلافًا فيمن له سلم مائة قفيز محمولة فسأل من عليه أن يحولها سمراء يأخذها عند الأجل.
واعتذر بعضهم عن هذا بأن المكارمة ها هنا إنما وقعت في تحسين صفة ما يقضى، والشعبي عليه السلام قد ندب إلى ذلك وقال: بأن (خياركم أحسن قضاء) 2، والقرض يباح أن يقضى على صفة هي خير مما قبض، ويمنع في المشهور أن يقضى على عدد أكثر مما قبض، لكون الزيادة في الصفة حُسْنَ قضاءٍ، بخلاف زيادة العدد.
ومنهم من يشير إلى ما ذكرناه من كون الهبة معلق قبضها بالأجل قبل استحقاق الطلب فلم يمنع.
ولو وقعت الإقالة على رد رأس المال كله أو ردّ بعضه مع بقاء السلم على حاله إلى أجله، فإن ذلك ممنوع أنه لا يتصور فيه ما قدمناه من أن المردود من رأس السلم إنما قبض على جهة السلف، وتعاقدا على أن عوض المنفعة بالسلف ما أبقياه في الذمة برسم السلم، فيصير ما دفعه على أنه برسم السلم عوض الانتفاع لما رده من جميع رأس المال أو من بعضه.
ورأى عيسى بن دينار أن هذا إنما يمنع فيمن يتهم على القصد إليه، وأما إذا كان المتعاملان من أهل الصحة والبعد من التهمة فإنهما لا يمنعان من هذالأولا يتهمان على إبقاء جميع السلم في الذمة، وجعل ما سمياه رأس مال السلم قصدا به السلف.
وإذا تقرر أن الإقالة من بعض رأس المال، الذي هو دنانير أو دراهم وما في معناهما لا يجوز، لما صورناه من التحيل على البيع والسلف، فإن رأس مال

السلم لما 1 نقد بعضه ولم ينقد بعضه فإن ابن المواز ذكر أن الإقالة تجوز في المنقود كله لا في بعضه ويجوز في كل ما 2 لم ينقد وفي بعضه.
ويجوز فيما نقد وما لم ينقد وقد عارضه الشيخ أبو إسحاق في أحد هذه الأقسام الخمسة بأن قال: إذا أجاز الإقالة من جميع المنقود خاصة فإنه يتصور من التهمة فيها ما يتصور في الإقالة من بعض المنقود وهو قد منع منه، وقدر أن ما ارتجع من المنقود سلفًا 3 وما أمضاه منه بيعًا (3)، فكذلك تصور الإقالة من جميع المنقود؛ لأنه يقدر فيه أن المنقود إذا رد كله بالإقالة فيما قايله كان ما أمضاه من الصفقة مما لم ينقد بيعًا مستقرًا لا يعاد فيه، فبَعُد أنه 4 قارنه السلف، وهو الانتفاع بالمردود الذي نقد.
وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب في القول بحماية الذرائع والتهمة تتصور في رد المنقود كله كما تصورت في بعضه ولا يقدر أن المنقود كأنه عقد منقود 5 لأنا لو قدرنا ذلك لصح ما قاله ابن المواز، لأجل ما قدمناه من أن العقد الواجب إذا وقع المنقود فيه جازت الإقالة من كله لا بعضه، وهذا ها هنا المنقود هو بعض المعقود عليه، يجب أن يمنع الإقالة في المنقود كله لأنه بعض العقد كما منعت الإقالة في بعض المنقود.
ولو اعتذرنا عن هذا بأنه إذا أقال ها هنا من جميع المنقود لمن يمنع لأنه لا يسترجع المنقود بل يقاصّه به فيما لم ينقد، مثل أن يكون أسلم إليه مائة دينار في مائة ثوب فنقد خمسين دينارًا ثم أقال منها، فإنه إن طالب برد الخمسين دينارًا بحكم الإقالة طالبه من عليه السلم بإمساكها في الخمسين الدينار التي بقيت عليه ولم ينقدها، فتصير الإقالة كأنها وقعت فيما لم ينقد، والإقالة فيما لم

ينقد جائزة في كله أو بعضه على ما قدمناه فإن هذا القدر يتصور في الإقالة من بعض المنقود؛ لأنه إذا طالبه بارتجاعه طالبه بأن يقاصه به فيما بقي له عليه ما 1 لم ينقد، فتوجه ما عارض الشيخ أبو إسحاق، ولم يصح العذر عنه بأنه يقدّر المنقود وغير المنقود كالصفقتين، لكون العقد عقدًا واحدًا يشتمل عن الجميع، ولم يصح العذر عنه أيضًا بتقدير المقاصة التي صورناها لكونها تتصور في كل المنقود وفي بعضه تصورًا متساويًا وهذا اضح.
ومن هذا الأسلوب ما ذكر في المدونة في سلم أسلمه رجل 2 إلى رجل فأقال أحد الرجلين المسلم من جميع مالَه عليه فإنه في المدونة أجاز هذا وأجرى عقدهما مجرى عقدين منقودين 3، فيمنع أن يقيل أحدهما من بعض ماله ولا يمنع أن يقيله من كل ماله كما قدمناه في العقد الواحد المنقود (3) به رجل واحد.
وأنكر هذا الجواب سحنون ومنع من هذه الإقالة لما كان الشريك من حقه أن يدخل على شريكه فيما اقتضاه من دين بينهما، وإذا وجب دخوله عليه فيما اقتضاه من دين بينهما لم تجز هذه الإقالة لأجل أنه يكون مقيلًا من بعض ماله لا من كله.
وقد اختلف اعتذار الأشياخ عن هذه المسألة، فمنهم من يشير إلى أن هذا الجواب إنما يصح على ما أشار إليه غير ابن القاسم في المدونة من أن أحد الوليين إذا صالح عن نصيبه في دم عبد بعبد، أن شريكه في طلب هذا الدم لا حل عليه في العبد الذي أخذه.
ويقتضي هذا أن لا يدخل شريك على شريك فيما اقتضاه من سائر الديون من إثبات المشاركة فيما اقتضاه أحد الشريكين [من دين بينه وبين شريكه] 4، وأيضًا فإن الذي ألزم غير ابن القاسم أن يقول به في سائر الديون المشتركة لا يلزمه لأن هذا الدم ليس بمال، وإنما الحكم في قتل العمد القصاص أو ما تراضيا عليه من مال.
فإذا كان المال لا

يثبت في دم العمد إلا بتراضي ولي الدم والقاتل، فقد صار هذا العقد المأخوذ، وليس بمال مشترك بين وليّي الدم، ولا عوضًا عما لم يشترك.
ولو قلنا بمذهب أشهب أن لولي الدم أن يجبر على الدية وله أن يقتل، لكان في هذا أيضًانظر.
ويمكن أن يقال بأنه لا يكون مالًا حتى يختار الطالب بالدية، فكيف جرت الحال فإن الدين المستقر في الذمة عن معاملة رجلين شريكين في المعاملة، بخلاف مال لا يستحقه أحد الشريكين إلا برضاه ورضا القاتل، أو يستحقه ولكن بعد أن يختاره على ما سواه مما خير فيه وهو القصاص.
ولما لم يتضح هذا العذر قال بعض الأشياخ: إنما نفرض المسألة التي وقعت في المدونة على أن هذين الرجلين اللذين لهما السلم تقاسما الدين الذي على المسلم إليه، ورضي كل واحد أن ينفرد بنصيبه.
فإذا تقاسماه وتراضيا على ذلك لم يكن لأحدهما دخول على الآخر فيما اقتضاه، كما ذكر في المدونة أنه إذا اعتذر لشريكه فلم يقبض معه أنه لا يدخل معه فيما اقتضاه.
ورأى بعضهم أن هذا تعسف فعدل عنه، وقدر أن هذه الإقالة والشركة والتولية 1، وما ذلك إلا لكون الإقالة في هذا السلم وطريقها المعروف لم يجر مجرى سائر الديون المشتركة، ولم يدخل الشريك الذي لم يقل على شريكه المقيل.
وذكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن العذر في هذا أن الإقالة ها هنا إذا وجبت المشاركة فيها فسدت، فمنع من المشاركة فيها، فكأنها 2 يشير إلى أنه إذا كان دخول أحد الشريكين على شريكه في هذه الإقالة لأجل فقد ما يدخل عليه لفساد الإقالة وردها (فصار كفرع - يبطلان أصله وإذا كان الفرع يبطلان أصله كان هو الباطل دون أصله) 3، فدخول الشريك على شريكه في هذه الإقالة فرع عن ثبوتها، وإثبات دخوله عليه يمنع من ثبوتها فقد صار الفرع كرّ ببطلان أصله فوجب أن يبطل هذا القدر الذي أشار إليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد.
ولكن لم ينص على وجه الفساد، وقد

نص عليه فضل بن سلمة لما قدمنا الإشارة إليه، وهو أن دخول الشريك الذي لم يقل على المقيل يصيّر المقيل مقيلًا على بعض ما أسلم فيه، وقد قدمنا أن الإقالة إنما تجوز على كل السلم لا على بعضه.
وأشار الشيخ أبو عمران إلى طريق أخرى في فساد الإقالة: إنما تجوز على كل 1 ها هنا يقتضي خيار الشريك الذي لم يقل بين أن يمضي الإقالة أو يشارك فيها، والإقالة على خيار لا تجوز لما تضمنته من التأخير، والتأخير في الإقالة ممنوع، وكلا الوجهين إذا فسدت لهما الإقالة كان عذر فيما قدح به سحنون في جواز الإقالة.
ونحا الشيخ أبو الحسن ابن القابسي إلى ناحية أخرى في الاعتذار، وسلكها بعده الشيخ أبو القاسم بن الكاتب، وهي أن الإقالة ها هنا كأنها سائغة لمن عليه السلم، فيصير من عليه السلم شريكًا لمن كان المقيل شريكه، فحل في ذلك محل بيع أحد الشريكين نصيبه من الدين من أجنبي لم يدخل عليه شريكه، لكون الذمة التي عوملت بالسلم إليها بقيت على حالها، بخلاف الاقتضاء فإن أحد الشريكين إذا اقتضى نصيبه فإنه قد أوهن ذمة الغريم المشتركة بينه وبين شريكه، وأخلاها مما أعطاه، فكان لشريكه في ذلك مقال مع كون الإقالة طريقها المعروف.
ولا ينتقض هذا بصلح أحد الشريكين عن نصيبه من الدين، فإنه ذكر في المدونة أنه إذا صالح على نصيبه من الدين كان لشريكه أن يدخل عليه فيما صالح به لكون الصلح ها هنا يحل محل الاقتضاء، وكان القصد به الاقتضاء لا المبالغة.
وهذه الطريقة قد لا يصح فيها وجه التفرقة بين صلح أحد الشريكين وبين إقالته؛ لأن الصلح يتصور أيضًا كون الشريك كبائع نصيبه من الدين من أجنبي.
(على أن ابن المواز ذهب إلى أن أحد الشريكين إذا باع نصيبه من الدين من أجنبي) 2 فإن لشريكه أن يدخل عليه ويشاركه في الثمن الذي باع به، مع كونه لم يخل ذمة غريمه ولا أوهنها، وإنما باع جزءًا منها ممن يحل محله.
فهذه طرق شتّى في الاعتذار عما وقع في هذا السؤال.

وعندي أنه لو سلك فيه طريقة أخرى لكانت سالمة من القدح، وهو أن يقال: قد علم من المذهب الاختلاف في الإقالة، هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؛ فإن قلنا: إنها حل بيع اتضح ما قاله ابن القاسم؛ لأن الشريك المقيل قد حل ما عقد على نفسه، وكأنه لم يكن شريكًا في هذا الدين قط.
وإذا لم يشارك فيه لم يستحق الآخر الدخول عليه.
وإن قلنا: إن الإقالة ابتداء بيع، اعبترتَ أصلًا آخر وهو إلحاق دخول الشريك على شريكه فيما اقتضاه لكونه أوهن الذمة المشتركة بما أخذ منها، وإذا وجب دخوله عليه صار الشريك المقيل كأنه [قال من بعض نصيبه هي ما وقع عند الإقالة، وعند الإقالة ها هنا إنما وقع على نصيب الشريك كله لا على بعضه.
لكن الأحكام علمته وأوجبت دخول شريكه، وهذا حكم توجه عليه بعوإنعقاد إقالته على وجه صحيح في ظاهره مما يوجبه الأحكام، هل يقدر كأنه كالمشترط في العقد أو لا يقدر أنه كالمشترط؟.
وهذا أصل اضطرب فيه المذهب، ألا ترى أنْ الوليّ الأبْعدَ إذا عقد، فإنه قد قيل: إن العقد يفسد لأجل ما أوجب الشرع من الخيار للولي الأقرب، فكأنه كالخيار المشترط في أصل العقدة وقيل: لا يفسد، إلى غير ذلك من المسائل المبنية على هذا الأصل.
فهذه طريقة إذا سلكت بعد منها القدح.
وقد ذكر في آخر كتاب السلم الثاني مسألة من أسلم في ثوب بذراع رجل بعينه فأجاز ذلك إذا أراه الذراع، ويؤمر أن يأخذ قياسه بعصاة على أنه عدل، أو يأخذه كل واحد منهما عنده.
ولو عقد السلم على ذراع مطلق لكان العقد جائزًا، ويقضى عليهما بالذراع الوسطى.
هكذا ذكر أصبغ عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: هذا استحسان، والقياس الفسخ.
ولو وقع العقد على ويبة وحفنة فإنه في المدونة قال: ذلك جائز إذا أراه الحفنة.
فاشترط ها هنا رؤية الحفنة، ومقتضى ما حكيناه عن ابن القاسم يقضى بحفنة وسطٍ.
وهنا عقد يقدح فيه بأنه اشتمل على مكيل وهو الويبة، وجزاف وهو الحفنة، وفي اشتمال العقد الواحد على مكيل وجزاف خلاف.
لكن هذا الاختلاف في جزاف مرئي وها هنا إنما

استُخِفَّ هذا، وإن كان غير مرئي، لكون المسألة شرط فيها أن العقد وقع على ويبة وحفنة، ولو وقع على ويبات كثيرة وحفنات كثيرة لفسد العقد لكثرة الغرر فيه بكثرة الجزاف الغير مرئي.
وقد رأينا أن نؤخر الكلام على الإقالة من أحد ثوبين أسلما في طعام، والكلام على تلف ثوب قبل قبضه أسلم في طعام، ونشرع في كتاب السلم الثالث، ونبدأ بالكلام على بيع الطعام قبل قبضه، ثم نجمع أحكام الإقالة، ونتكلم فيها على هاتين المسألتين من إقالة وقع فيها تلف الثوب أو إقالة على أحد ثوبين.

كتاب السلم الثالث

فصل

قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله: الأعيان المبيعة ضربان: طعام وغير طعام.
فغير الطعام 1 من سائر المبيعات 2 هي العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحوّل أو لا ينقل ولا يحوَّل، فبيعه جائز قبل قبضه 3، على الجملة، ما لم يعرض فيه ما يمنع منه.
وأما الطعام فلا يجوز فيما 4 يتعلق به حق توفية، من وزن أو قيل أو عدد، أن يباع قبل قبضه أو يعاوض عليه، إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة، كالهبة والصدقة، أو على وجه المعروف، كالقرض والبدل، فيجوز.
ثم لا يجوز لمن صار إليه ذلك أن يعاوض به 5 قبل قبضه.
وتجوز فيه الإقالة والشركة والتولية قبل قبضه.
وما بيع منه جزافًا أو مُصْبَرا فبيعه جائز قبل نقله أو أخذه 6 البائع بينه وبينه.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة فصول: أحدها: القول في بيع الطعام قبل قبضه.
والثاني: القول في صفة الملك للطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه.

والثالث: القول في الشركة والإقالة والتولية فيه.
فأما الفصل الأول فيتعلق به أربعة أسئلة منها أن يقال:

  1. ما الذي يمنع بيعه قبل قبضه؟
  2. وما سبب الاختلاف فيه؟
  3. وإلى أي شيء خص الطعام بالمنع؟
  4. وهل هذا المنع في سائر أنواع الأطعمة أم لا؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الذي يمنع بيعه قبل قبضه فذكر عن عثمان البتّي أنه أجاز بيع كل شيء قبل قبضه.
وذكر أبو الفرج من أصحابنا، يشير إلى التردد في هذا المذهب، فقال: يمنع من بيع الطعام قبل قبضه لأجل العينة، وهكذا كل شيء من السلع إذا قصد بها العينة منعت لها بمنع الطعام.
لكن العينة إن ارتفعت منع الطعام خاصة لأجل الحديث، وجاز ما سواه من السلع.
فجعل الطعام ممنوعًا للمعنى وهو العينة تارة، وتارة أخرى للخبر.
ثم قال: ووجه آخر أن استعمال العينة إنما يكثر في مبايعة الأطعمة.
ويقول، والله أعلم: لو سلم البيع فيه من العينة لجاز إذا بيع بنقد.
وهذا القول منه يشير إلى قريب من قول عثمان البتي.
والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب يعلل بيع الطعام قبل قبضه بالعينة ولم يجعله شرعًا غير معلل.
ومن ذهب من الناس إلى عكس هذا المذهب، فمنع من بيع كل شيء قبل قبضه، طعامًا كان أو غيره، مما ينقل ويحول كالعروض، أو مما لا ينقل كالعقار إلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنه.
وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة.
ومن الناس من قصر المنع على كل مكيل وموزون طعامًا كان أو غيره.
ذهب إلى هذا عثمان بن عفان رضي الله عنه وابن المسيب والحسن البصري وربيعة ويحيى بن سعيد وبه قال ابن حنبل.
وذهب مالك رضي الله عنه إلى قصر المنع على الطعام خاصة دون ما

سواه من سائر الأجناس.
وذهب أبو حنيفة إلى المنع في كل جنس كما قاله الشافعي لكنه انفرد فاستثنى منه ما لا ينقل ولا يحول.
فهذه خمسة مذاهب.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب، فروي في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعامًا (قبل النعمة) 1 حتى يستوفيه" وروى عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن ربح ما لم يضمن" 2 وروي عن حكيم بن حزام أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "بيّن لي ما يحل ويحرم" فقال: "إذا ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تستوفيه" 3 وذكر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "ابتعت زيتًا فلقيني رجل بالسوق فأعطاني فيه ربحًا حسنًا فمشيت وأنا آخذ بيده فإذا رجل أخذ بذراعي من وراء فالتفت فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه قال لي: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلع، حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" 4. فأما عثمان البتي فإنه يترك النظر في هذا، ويتعلق بقوله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ 5. وبقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 6 فعم كل بيع، وكذلك عمّ كل تجارة عن تراض.
وأما من سواه، فإن مالكًا رضي الله عنه يتعلق بقوله: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" دليل الخطاب أن ما عدا الطعام يباع قبل أن يقبض.
وأما ابن حنبل ومن ذكرنا معه فإنه يقيس على الطعام كل مكيل أو موزون لمشاركته الطعام في الكيل أو الوزن، ويرى أن تخصيص الطعام هنا بالذكر تنبيه

على كل مكيل وموزون، ولم يرد به قصر الحكم على الطعام خاصة، ونفيه عما سواه، كما لم يرد بذكر الربا في البر والشعير وما ذكر معهما قصر الربا على ما سمي من هذه الأصناف، بل ذكرها لينبه على ما شاركها في علة الربا.
وكذلك ها هنا إنما ذكر الطعام لينبه به على ما شاركه في قيل أو وزن، وقد وقع في بعض طرق الحديث "من ابتاع طعامًا مكيلًا" فتقييده بالكيل تنبيه على أنه عليه الحكم.
وأما الشافعي ومن تعلق معه فإنه يتعلق بعموم نهيه عليه السلام عن ربح ما لم يضمن بعد 1 سائر أجناس المبيعات.
وكذلك يتعلق أبو حنيفة بعموم هذا الحديث، ولكنه خص العقار وما لا ينقل بوجه من النظر سنذكره إذا خضنا في طريق النظر إن شاء الله تعالى.
وأما اختلاف هذه الظواهر فإن مالكًا رضي الله عنه يتأول النهي عن ربح ما لم يضمن على أن المراد به بيع ما ليس عندك فيجعل هذا الحديث مطابقًا للآخر.
وكذلك ذكر ابن المواز.
ومن ساوم إنسانًا في سلعة وذهب بها فباعها بأكثر مما ساومه أن ذلك لا يجوز إذا لم يعلم صاحبها بذلك وهو من ربح ما لم يضمن.
وكذلك لو اشترى سلعة بالخيار فباعها بربح قبل أن يختار، فإن الربح لربها لأنه يتحرك في سلك ما لم يضمن.
هذا اعتذار أهل المذهب عما تعلق به الشافعي.
وأما اعتذار أصحاب الشافعي عما تعلق به أهل المذهب من النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، فإنهم لا يسلم أكثرهم (دون هذا الخطاب دليل) 2 لكونه إنما علق الحكم فيه باسم، ودليل الخطاب، عند تبنيه، إنما يتضح في

تعليقه بالأوصاف والشروط والعدد، وأما تعليقه بالاسم فإن أكثر مثبتيه ينكرونه، لكن الدقّاق من أصحاب الشافعي قال به.
وأضيف أيضًا هذا المذهب إلى مالك رضي الله عنه.
فإن قلنا بإنكاره إذا علّق بالأسماء لم يكن اعتذار عنه، وإن الأسماء إذا علقت بها الأحكام كان ما عدا الأسماء بخلافها ها هنا 1 ويصل الخطاب مع عموم قول الراوي "نهى عن ربح ما لم يضمن" فينظر في الذي تقدم منهما.
هذا إن سلم أن القصد به ها هنا نفي الحكم عما عداه.
وإن لم يسلم ذلك، وقيل: إن الدليل إنما يستعمل إذا لم يكن الخطاب خرج مخرج التنبيه قدم تنبيه الخطاب ومفهومه على دليله، ألا ترى قوله سبحانه ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ 2 دليل هذا الخطاب يقتضي أن يقال لهما ما فيه سبّ لهما أولى وأحرى.
وموضع التنبيه في هذا الخطاب أن الطعام تمس الحاجة إليه، وإلى المبادرة لنفعه، وابتياعه للقوت به، وحفظ الحياة بأكله، ما لم تمس الحاجة إلى المبادرة إلى شرائه منه وبيعه له، كان نهيه عن بيع ما سواه من السلع قبل أن يقبضها أولى وأحق.
هذا طريق الكلام على اختلاف ظواهر هذه الأحاديث.
وأما الكلام عليها من جهة الاعتبار فإن أصحابنا يقولون: لما جاز التصرف في الأثمان قبل قبضها جاز ذلك في المثمونات.
وإذا جاز بيع ما لم يقبض مما وهب أو تصدق به أو ورث فكذلك يجوز بيع ما اشتُري قبل أن يقبض، (فكذلك يجوز التصرف فيه بالبيع) 3. وأما أصحاب الشافعي فإنهم يجيبون عن هذا بأن المذهب عندهم على قولين في بيع ما في الذمة من ثمن سلعة باعوها.
فإن قيل بالمنع فلا تعلق به، وإن قيل بالجواز فالفرق أن الأثمان في الذمم ملكها قد استقر ولا يحسن بطلان الملك، فلهذا جاز البيع قبل القبض.
وأيضًا فإن المالكية تمنع بيع الطعام قبل قبضه (إذا كان دنانير أو دراهم أو ما يجوز بيعه قبل قبضه.
وأما العين فإن منهم

منع منه قبل القبض.
والمشهور عندهم جوازه لكون العين له حرمة) 1 ألا ترى أن الشريك يقوّم عليه بنصيب 2 شريكه إذا أعتقه، ولا يقوم عليه نصيبه إذا لم يعتق بل باعه.
وأيضًا فإن بإعتاق العبد سقط الملك عنه وسقط الضمان فلم يكن للمنع وجه.
وأما الهبة والصدقة والميراث فإنما جاز البيع في ذلك قبل القبض لأن ذلك في ضمان الوارث بنفس الوراثة، وكذلك في ضمان الموهوب له بنفس الهبة.
ويتعلقون من جهة الاعتبار في صحة ما 3 لأنه إذا باع ما لم يقبضه فقد باع ما لا يقدر على تسليمه حين العقد.
وأيضًا فإن الملك في المشتري الذي لم يقبض منك ناقص لكونه معرضًا للبطلان فهو غرر، والغرر في عقود البياعات نهى الشرع عنه؛ ولأنه 4. هذا بالاستحسان فإنه يجوز، وإذا وقع الاستحقاق بطل البيع وسقط الملك، ثم مع هذا لا يمنع تجويز الاستحقاق من صحة البيع بإجماع؛ لأن هذا وإن كان فيه غرر فهو غرر لا قدرة على دفعه على حال إلا بمنع البيع أصلًا، وهذا فيه ضرر بالناس فعفي عنه.
وأما 5 الصالح السلع قبل قبضها فإنه غرر ويقدر على رفعه بأن ينهى المشتري عن البيع حتى يقبض السلعة؛ ولا يكون في عقده تعرض للبطلان على حال.
وهذا الذي قالوه إنمانظر الجواب عندي بأن يقال: اختلف المذهب هل ينتقل الضمان إلى المشتري في غير ما فيه حق توفية بنفس العقد أَوْ لا ينتقل حتى يذهب زمان يمكن فيه التسليم؛ فإن قلنا: إن الضمان ينتقل للمشتري من نفس العقد لم يصح لهم ما تعلقوا به من كون البائع غرضه البطلان بجواز هذه السلعة المبيعة.
وإن قلنا: إنه لا يضمنه المشتري إلا بالقبض أو التمكين، وأن طرُوَّ الهلاك في ضياع السلع

نادر، والنوادر لا يلتفت إليهالأولا يكون تجويزها من العذر المانع لعقد البيع.
وهذه النكتة التي أشرنا إليها توضّح ذلك.
وجه تفرقة ابن حنبل وغيره بين المكيلات والموزونات وبين غيرها من المكيلات والموزونات قد اتفق أن ضمانها لم ينتقل للمشتري قبل الكيل والوزن فحسن دخولها في النهي عن ربح ما لم يضمن ولا يحسن دخول ما سواها من المبيعات لكونها يضمنها المشتري بالعقد على أحد القولين عندنا.
ولأجل هذه النكتة التي نبهنا عليها ذهب أبو حنيفة إلى 1 ما لا ينقل ولا يحول كالعقار يجوز بيعه قبل قبضه، بخلاف غيره من السلع؛ لأن العقار لا يمكن ضياعه وعدم عينه، فيبطل العقد بعدم العين، وإنما يجوز عيبه، والعيب لا يبطل الملك ولا يلحق العين بالعلم.
فأنت ترى أبا حنيفة إنما فرق أيضًا بين العقار وغيره اعتبارًا بهذه النكتة التي نبهنا عليها، وجعل ابن حنبل ومن ذكرنا معه إنما فرقوا بين المكيل والموزون لأجلها.
ولكن هذه النكتة عليها يدور أكثر الخلاف.
قال بعض أصحاب الشافعي: القبض على ثلاثة أنواع: قبض ينقل الملك وذلك في الهبات.
وقبض يصحح العقد وذلك في الرهبان.
وقبض يصحح الملك ويحققه وذلك في المبيعات.
والقبض يتنوع بتنوع المبيعات بحسب مقتضى العادات فيها، فالمكيل والموزون يعتبر فيه الكيل والوزن، واعتبار قدر المناولة في انتقال الضمان كالمكيال للزيت إذا انصرف عند 2 أحدهما قبل إمكان مناولته وتفريغه، فإن فيه في المذهب اختلافًا عندنا: هل ضمانه من البائع أو من المشتري؟ فلو تصور عقد البيع في هذه النكتة، التي اختلف فيها في الضمان، يجري جواز البيع على القولين في جواز بيع الطعام الجزاف قبل أن ينتقل إلى ضمان المشتري، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما سوى الطعام فإنه يجوز بيعه قبل قبضه فلا فائدة في تنوع القبض

عندنا.
وأصحاب الشافعي ينوعونه فيرون أن الحيوان الناطق إذا بيع فقبضه أن يستدعَى فينتقل من مكانه إلى المشتري الذي استدعاه.
والحيوان البهيم أن يقاد من مكانه، إلى غير ذلك مما تعتبر فيه العادة في قبضه.
وأبو حنيفة يرى أن التخلية والتمكين من المبيع قبض.
ويحتج أصحاب الشافعي بالحديث الذي قدمناه، وهو قوله "نهى عن بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" ويقول ابن عمر: كانوا يضربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوا الطعام الذي اشتروه جزافًا قبل أن ينقلوه 1. وهذا الظاهر يمنع من الاقتصار في القبض على التخلية والتمكين، وإن كان ظاهر الحديث يقتضي أن لا يكتفي بتحويل المبيع عن مكانه حتى يصل إلى منزل المشتري، فإن اعتبار وصوله إلى منزله وما قبله من النقل عن المكان خاصة يُمنع لظاهر الحديث.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اختلف أهل المذهب في منع بيع الطعام قبل قبضه: هل الحديث الوارد في ذلك شرع غير معلل أو معلل يكون العِينة يستعمل فيه؟.
ومذهب القاضي أبي الفرج والقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب أنه معلل بالعِينة.
وقد ذكرنا كلام أبي الفرج وتردده في ذلك، وإشارته إلى أنه يحرم تارة لأجل العينة وتارة للخبر، ثم مال إلى اعتبار العينة وتعليل الحديث بها، ورأى أنها إذا ارتفعت ارتفع حكمهالأولكنه شرط في هذا أن يكون البيع بالنقد.
وقد أشار ابن مزين إلى اعتبار النقد أيضًا في هذا.
وكنا قدمنا نحن عن بعض أصحاب الشافعي أنه أشار إلى أنه إنما أشار بالذكر لكونه تمس الحاجة إليه لحفظ الحياة بأكله، فإذا منع بيعه قبل قبضه مع هذه الحاجة إليه فأحرى أن يمنع ما سواه.
ويمكن عندي على أصلنا إنما خص بالذكر لشرفه كما يخص بتحريم الربا على رواية ابن وهب؛ لأنه لا يمنع بيع ما لا ربا فيه من الطعام قبل قبضه.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ما يمنع التفاضل فيه من الأطعمة

المبيعة على قيل أو وزن أو عدد فلا خلاف عندنا، وعند فقهاء الأمصار، في المنع منه على ما مضى بيانه.
وأمّا ما لا ربا فيه من الأطعمة فالمشهور عندنا من المذهب المنع من بيعه قبل قبضه أيضًا.
وروى ابن وهب عن مالك جواز بيعه قبل قبضه.
فأما المذهب المشهور فحجته قوله عليه السلام "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" 1 تعم سائر الأطعمة.
وأما رواية ابن وهب فقد أشرنا إلى وجهها، وكأنه رأى الطعام لما خصّ بالعبات 2 منه ويدخر فتحريم الربا فيه لشرفه وكونه حافظًا للحياة، وكذلك يخص بالمنع من بيعه قبل قبضه.
وهذا المسلك بعيد، على مقتضى حقائق الأصول؛ لأنه يختص 3 للعموم بهذا الضرب من الاستدلال المأخوذ منه، فكأنه تعليل للخبر (لما يقتضي عمومَه) 4 فصار كالفرع إذا عاد ببطلان أصله.
فإذا قلنا بالمذهب المشهور من تعميم المنع من 5 سائر الأطعمة فإن الزرارع منها ما لا يجري مجرى ما ينبت منها، إذا لم تكن مأكولة في نفسها في غالب الأمر، فلهذا أبحنا زريعة الفجل الأبيض وزريعة الكراث والقثاء والبطيخ وشبه ذلك.
فهو، وإن كان ينبت منه الطعام المأكول، فليس هو الآن بالطعام الذي اعتيد أكله، لكن لو كان زريعة الفجل الأحمر لمنع من بيعها قبل قبضها لكونها يعتصر منها الزيت، ولهذا تُراد، وأعطيت حكم الزيت لما كانت لا تراد إلا له.
وكذلك قيل في حب العصفر أنه يمنع قبل قبضه لأجل أنه إنما يراد منه الزيت الذي يعصر منه.
والخردل أُلْحق بالطعام لأنه يؤكل في نفسه فلحق بالأطعمة.
بخلاف

زريعة الحرْف وهي زريعة الرشاد لكونه لا يؤكل في نفسه ولا يراد للزيت.
وقال ابن سحنون: اتفق العلماء على أن الزعفران ليس بطعام وأنه يباع قبل قبضه.
وأما الماء فخرج فيه بعض أصحابنا اختلافًا في بيعه قبل قبضه سنبينه في كلامنا على الربا فيه وفي غيره إن شاء الله.
وأما الأبزارُ المطيبة للأطعمة كالفلفل والكروي وشبه ذلك فإن المشهور من المذهب المنع من بيعها قبل قبضها.
وذكر ابن شعبان في مختصره جواز بيعها قبل قبضها.
والكمون الأسود وهو الشونيز، المشهور عندنا أنه يمنع من بيعه قبل قبضه.
وقيل إن الكمونين جميعًا، الأبيض والأسود، لا يمنع من بيعهما قبل قبضهما.
وأما الشَّمَار، وهو زريعة البسباس، والأنيسون وهي الحبة الحلو 1 فإن في بيعهما قبل قبضهما اختلافًا أيضًا في كونهما وكون الكمونين أصنافًا شتّى أو صنفًا واحدًا اختلافًا أيضًا نبينه في أحكام الربا إن شاء الله.
واختلف في الحلبة فقيل: إنها طعام، وقيل: ليست بطعام؛ وقيل: اليابس منها ليس بطعام.
هذا دليل جنس الطعام الذي يمنع بيعه قبل قبضه.
وأما بيان الصفة التي يباع عليها، فإنا قدمنا أنه إذا بيع على الكيل أو الوزن أو العدد فإنه لا يختلف في المنع من بيعه قبل قبضه.
وأما إذا بيع جزافُ الأولكن الضمان لم ينتقل إلى المشتري فإن المذهب في بيعه قبل قبضه على قولين: الجواز والمنع، كمشتري لبن غنم بعينها شهرًا، فإنه اختلف فيها ابن القاسم وأشهب في جواز بيعه لهذا اللبن قبل قبضه.
وكذلك يختلف في هذا في بيع صبرة للطعام قبل أن تقبض، إذا كانت محبوسة بالثمن، على أحد القولين في

كون المحبوس بالثمن ضمانه من بائعه لا من مشتريه.
وأما إذا قيل: إن ضمان المحبوس بالثمن من مشتريه، فإن هذا لا يختلف فيه بناء على هذا الأصل.
وكذلك اختلف فيمن اشترى جزءًا من ثمرة فأراد أن يبيع ذلك الجزء قبل قبضه، وكذلك اختلف فيمن باع ثمر نخلة أو صبرة طعام واستثنى منها ما يجوز له استثناؤه من المكيلة، وهو الثلث فأقل منه، وأراد أن يبيع هذا المكيل الذي استثناه قبل قبضه فإن فيه روايتين: الجواز والمنع؛ ولكن هذا مبني على أصل آخر وهو الخلاف في المستثنى هل هو مبقى على الملك فيجوز لمستثنيه أن يبيعه قبل قبضه كسائر ما يريد أن يبيعه من أملاكه، أو يقدِّر أن المستثنى مشترى فيكون البائع لما استثنى هذه المكيلة فكأنه باع الصبرة بدنانير وهذه المكيلة التي استثناها، فيكون مشتريًا لها، ومن اشترى طعامًا على الكيل منع من بيعه قبل قبضه.
وأما لو مكن بائع الصبرة مشتريها منها ولم يحلها بالثمن فإن مالكًا أجاز شراءها قبل أن تنقل.
وروي عنه أنه استحب ألا تباع حتى تُنقل.
وبالمنع من بيعها قبل قبضها قال أبو حنيفة والشافعي لما روي عن ابن عمر في الصحيح أنه قال: كانوا يُضْربون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطعام إذا اشتروه جزافًا، لا يبيعونه حتى ينقلوه إلى رحالهم 1. وروى مالك في الموطأ هذا الحديث ولم يقل فيه: "جزافًا" بل أورده مطلقًا 2.

وأما الفصل الثاني فهو الكلام في الإقالة على الطعام والشركة والتولية وبأن الترتيب ينبغي أن يتكلم على الفصل الثاني وهو صفة الملك للطعام الممنوع من بيعه قبل قبضه، اتباعًا لرتبة الكتاب الذي شرحناه، وأيضًا فإن الكلام في صفة الملك قبل الكلام فيما استثنى من الممنوع فيه، ولأنا قدمنا في كتاب السلم الأول العذر في ذلك، وهو أن الأصحاب رغبوا في توخي ترتيب المدونة في كتاب السلم، فجرينا على ذلك فيها، ولكن دعت الضرورة إلى أن تقدم الكلام على منع بيع الطعام قبل قبضه، ثم نعطف عليه الكلام في الرخصة

فيه كفرع منه.
واعلم أنه يتعلق بهذا الفصل أحد عشر سؤالًا، منها أن يقال: 1 - ما الإقالة؟.
2 - وهل يسوغ تبديل لفظها؟.
3 - وما حكم تأخير الحكم فيها؟ 4 - وهل تقدير التأخير فيها يغير حكم الضمان فيها؟ 5 - وما حكم تغير رأس المال فيها حِسًّا؟ 6 - وما حكم تغيره تقديرًا؟ 7 - وهل يمنع استغلال رأس المال من الإقالة أم لا؟ 8 - وهل يغيَّر حكم الإقالة إذا صار المقال فيه لجماعة بعد أن كان لواحد؟ 9 - وما حكم إقالة واحد من جماعة يحمل بعضهم عن بعض؟ 10 - وما حكم الإقالة في العروض على أمثالها؟ 11 - وما حكم التأخير الاختياري في الإقالة؟

والجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما الإقالة فإنه اختلف في اشتقاقها.
فقيل: إنها مأخوذة من الشبه.
ومنه قولهم: فلان يقيل مسجد أبيه، بمعنى أشبهه في المجد، ومنه القَيْل في حِمْيَر وهو شبه المَلِكِ فيهم.
ومبدأ الإقالة في البيع لأنها معاقدة ثانية في البيع لشبه المعاقدة الأولى، أو حل بيع وحله يشبه عقدَه لكون الثمن والمثمون في الإقالة (وقد يبدل فيما يبدل في المبيع) 1. ورأيت في بعض شروحات أبي الفتح بن جني أنه حكى أن من الناس من ذهب إلى أنها مشتقة من القول؛ وكأن القول الأول الذي وقع فيه التبايع أعيد مرة أخرى، فعله بانعقاده على صفة أخرى.
وذكر أن شيخنا أبا علي الفارسي أنكر هذا الاشتقاق الثاني، وقال بأن أبا زيد حكى أنه يقال: قلت الرجل، وأقلته، وأنا أقيله فيهما، ولو كانت الإقالة في البيع مشتقة من إعادة القول لكان المستقبل منه: أقوله.
ثم أخذ ابن جني يعتذر عن هذا بما يتعلق من أحكام التصريف بما ليس هذا موضعه.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: ذكر في المدونة فيمن قال: ولّني الطعام الذي لك عليّ: ذلك جائز.
وليس بتولية، وإنما هو إقالة، وإنما جاز تبديلها ها هنا بلفظ التولية لكون التولية رخصة معها، ومنعها بلفظ البيع لكون الحديث ورد بالمنع من بيع الطعام قبل قبضه، مع أن موضوع البيع المكايسة، والإقالة موضوعها المعروف.
ولا ينتقض هذا بقوله في الكتاب: إذا قال له: خذ مثل رأس المال من الدنانير فاشتر به طعامًا.
أن ذلك جائز لأنهما لو شاءا التقايل 1. لأنه لم يرد بهذا بيان العبارة الجائزة عنها وإنما أراد 2 الفعل لا تهمة فيه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: أما الإقالة فإنها إذا وقع تأخير التقابض فيها بشرطٍ فإنها باطلة.
ومن حكمها التناجز، لأن الشرع ورد بمنع فسخ الدين في الدين، وهي إذا وقع تأخير التقابض فيها خرجت إلى معنى الدين بالدين، والشرع استثناها في الطعام رخصة، لما كان طريقها الإحسان والمعروف.
فإذا دخلها التأخير انصرفت الأغراض إلى المكايسة والمناجزة في التأخير، فمنعت.
لكن لو وقع التأخير حكمًا مغلوبيْن عليه، فإنه قد ذكر في المدونة، في إقالة المريض: إذا أقال المريض من طعام أسلم فيه مائة درهم، وهو يساوي مائتين، ولا مال له غيره، فإن ورثته إن أجازوا إقالته مضت، وإن ردوها قطعوا للمسلم إليه بثلث ما عليه من الطعام، وأخذوا ثلثيه؛ وإن حمل الثلث جميع الطعام تمت وصيته.
ولو كانت الإقالة لا محاباة فيها لمضت على الورثة.
فاعلم أن المريض غير ممنوع من البيع والشراء بالقيمة، لأن الورثة إنما يملكون الحجر عليه في مقدار ما في يديه سوى الثلث الذي جعل له صرفه

عنهم، (كانت مناجزة، وطلب له الذي يرجو أن يفيق من مرضه فيتوفر لورثته) 1. فإذا حابى في معاملته فقد صار ما جاء 2 به كهبة لمن عامله، وهبته مقصورة على ثلث ماله وصى بها أن تنفذ بعد موته، أو مثلها 3 في مرضه.
وإنما بيعه بالقيمة، فإن بتّله في مرضه نفِّذ لأجل ما قلناه، ولكونه طالبًا نماء ماله لنفسه أو لورثته.
وإن وصى به أن يفعل بعد موته، فإن قال: بيعوا داري من فلان، فإن جميعها يجعل في الثلث، لأنه إذا مات ملك الورثة عين ماله، فليس له أن يلزمهم بيع عين ما ملكوه بغير اختيارهم.
لكن إذا حمل جميعَه الثلثُ مضى ذلك عليهم، لكونهم لا حقّ لهم في ثلث ماله.
وإذا تعذر هذا فإن الأشياخ اختلفوا في هذه المسألة المذكورة.
في المدونة، هل ذلك من الميت على معنى الوصية، أو على معنى التبتيل للإقالة في المرض؟ وقد أخبرناك بحكم الوجهين.
وأما الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله، فإنه تأول مسألة الكتاب على أنها وصية من الميت، ويتعلق بقوله في الكتاب: إذا حمل جميعَه الثلث جاز ذلك وتمت وصيته.
فسماها وصية واعتبر كون الثلث يحمل جميعها، وهذا إنما يعتبر في الوصايا في المرض لا في التبتيل فيه، كما قدمناه.
وقال غيره من المتأخرين: بل المسألة محمولة على أنها إقالة بتّلها في مرضه.
وتعلق بقوله في الكتاب: ولو كانت الإقالة لا محاباة فيها لنفذت.
وقد قدمنا أن الوصية لا بد أن يعتبر كونها يحملها الثلث، كانت لا محاباة فيها أو فيها محاباة.
وإنما لا يعتبر الثلث فيما لا محاباة فيه إذا قوّل 4 في المرض هذه المعاملة.
وينفصل صاحب هذا المذهب عما يتعلق به للتأويل الأول أن تسميته إياه وصية تجوّز في العبارة، لأنها موقوفة على الاعتبار بعد موت الميت فاستحقت لأجل هذا تسميتها وصية.
وهذا اعتبار سهل المرام، ولكن الوجه الآخر وهو اعتبار

كون جميعها يحمله الثلث وهو صعب المرام، فافتقر فيه إلى عذر من طريقة أخرى.
وذلك أنه تقرر فيما تقدم أن الإقالة على بعض رأس المال لا تجوز للتهمة على بيع وسلف.
وأن الإقالة على رد رأس المال كله ودفع بعض السلم، وكله لا يجوز لكونه سلفًا جر منفعة.
وكذلك (سنبين أن لغير رأس المال يمنع من الإقالة في الطعام على الجملة.
قالوا: فلو اعتبرها هنا في هذه الإقالة المسألة في المرض القيمة من غير محاباة فأنفدت الإقالة فيه) 1، وأعطى ما يستحقه من رأس المال من ما يحمله من الثلث، لكان قد رجع إليه رأس ماله، وأعطى زيادة عليه ما حمل الثلث من المحاباة التي حابى المريض بها؛ وهذا سلف جر نفعًا، مع كونه قد تغير رأس المال، فوجب المنع لكونه بيعا للطعام قبل قبضه.
(فلا حمل أن أمضى هذه الإقالة على الأصل الذي قدمناه يؤدي إلى فسادها ونقضها، والمريض قصد إمضائها ونفوذها وجب أن بعدت عن الأصل إلى ما يجوز) 2. هذا اختلاف الأشياخ في مسألة الكتاب والمراد بها.
وأما اختلافهم في الاعتذار عما وقع بها من إجازة الإقالة فإن الشيخ أبا بكر بن اللباد قال: إن المسألة إنما تصح على أن المريض مات بفور الإقالة فصار التأخير ضرورة.
وقال أحمد بن نصر: إن قبض رأس المال بفور الإقالة صح ما قال ابن القاسم، وإن تأخر قبضه لرأس المال إلى أن مات صح ما قاله سحنون من فور 3 هذه الإقالة التي ذكرها في الكتاب فاسدة لما وقع فيها من تأخير.
وطعن الشيخ أبو القاسم ابن الكاتب في هذه الطريقة من الاعتذار، بأن سحنونًا يرى فساد هذه الإقالة، سواء قبض رأس المال أو لم يقبض، وبأن ظاهر المدونة ابن القاسم أجازها وإن لم يقبض رأس المال، لقوله في الكتاب: إن شاء الورثة أجازوا الإقالة وأخذوا رأس المال.
فدل هذا القول على أن المريض لم يكن أخذه.
واعتذر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد بأن هذا التأخير لم يُقصد، وإنما

أوجبته الأحكام، لا يتهمان على القصد إليه.
وهذا النوع من الاعتذار كنا سلكناه نحن في المسألة المتقدمة، وهي إقالة أحد الشريكين في سلَم من جميع نصيبه، وذكرنا تعقب سحنون أيضًا لهذا، لأجل أن الحكم يقتضي مشاركة شريكه فيما قبض من الإقالة، وأشرنا هناك إلى أن ما توجبه الأحكام اضطرب المذهب فيه: هل هو كالمشترط لأنهما لما عملا ما توجبه الأحكام فكأنهما عليه دخلا، وما دخلا عليه كأنّهما اشترطاه؟ أو لا يقدر الحكم ها هنا كالشرط لكونهما مغلوبين عليه كما قيل في الإقالة إذا هرب أحدهما أنها لا تفسد لكون الآخر مغلوبًا على التأخير؟ ولهذا بسط هذا الوجه بعض أشياخي فقال: إن كانا جاهلين بالحكم معتقدين أن التأخير يصح والفعل 1 للورثة فيه، فإن الإقالة ماضية لأنهما عقداها على وجه جائز، ثم غلبا على التأخير.
وكذلك لو كانا عالمين بالحكم، ولكنهما قصدا الافتيات على الورثة وغَلَبَتَهم على حقهم في ذلك، فإن الإقالة تمضي أحوالهما 2 لم يتعاقدا على تأخير.
ولو كانت الوصية لورثته لأن يقبلوه بعد موته، لصحت.
ولو وقعت منه إيجابًا على نفسه في المرض لا رجوع له عنه وهو يعلم أنها تؤخر فإنها تفسد.
ولو كان وقع ذلك منه في المرض على أنه بالخيار ما بينه وبين الموت لكان ذلك جاريًا على القولين في عقد النكاح على خيار أحدهما أو عقد الصرف على خيار أيضًا، لكن لم يختلف في إمضاء بيع المريض وإن كان بمحاباة، مع كون المحاباة إنما تعتبر في ثلثه بعد موته ولا يدري متى يموت، ولا ما يحصل من المحاباة، فصار الثمن مجهولًا لأجَلِه ومقداره.
ولكنهم لم يختلفوا في هذه المسألة لكون هذه جهالة أوجبت الأخذ.
وهذا يؤكد صحة العذر الذي أشرنا إليه في مسألة الكتاب.

جارٍ التحميل