شرح التلقينصفحات 133-173

كتاب الحمالة

صفحات 133-173

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: وأما الحمالة فمعناها شغل ذمة أخرى بالحق.
ومعناها ومعنى الكفالة والزعامة والضمان واحد.
ولا تصح إلا بحق يمكن استيفاؤه من الضامن، أو بما يتضمن ذلك كالكفالة بالوجه لمن عليه مال تصح الكفالة بما عليه.
فإن جاء الكفيل به برىء.
وإن لم يأت به لزمه ما عليه، إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط، فلا يلزمه شيء من المال، الآن 1 بموت المتكفل به فلا يلزم الكفيل شيء شرط أو لم يشترط.
وتصح في المعلوم والمجهول وقبل وجوب الحق وبعده، وعن الميت والحي.
وإذا كانت بالمال لم يُبرىءْ الضمينَ إحضارُ الغريم.
وإذا كانت بالوجه برئ بأي الأمرين كان.
وللطالب أخذ الضمين عند تعذر أخذ الحق من الغريم، وفيه مع القدرة على الغريم خلاف.

قال الفقيه الإِمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل عشرون سؤالا، منها أن يقال:

  1. ما حقيقة الحمالة في البغة والشرع؟
  2. وما الدليل على جوازها؟
  3. ومن تَصِحّ الحمالة عنه؟
  4. وما الذي تصح الحمالة به؟
  5. وهل تصح الحمالة بما لا يجب؟
  6. وهل تصح الحمالة على المحجور عليه؟ أو تصح الحمالة منه؟
  7. وما أنواع المتحمل به؟
  8. 1
  9. وهل يصح أن يؤخذ بالحميل حميل؟
  10. وهل تتوجه المطالبة على الحميك مع إمكان أخذ الدين من الغريم؟
  11. وهل يتوجه على الكفيل الطلب بمجرد إقرار المتكفل عنه؟
  12. وهل للكفيل أن يرجع على الكفالة 2؟
  13. وما حكم الكفالة الممتنعة لعدم الإمكان؟
  14. وما حكم الكفالة الممنوعة شرعًا؟
  15. وما الحكم في أحد الحملاء إذا دفع أحدهم الدين بشاهد واحد؟
  16. وما الحكم في تداعي الحميل والمتحمل له؟
  17. وما الحكم في تأخير المتحمل له الغريم أو الحميل؟ 3

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: الحمالة، في اللغة، والكفالة والضمانة والزعامة، كل ذلك بمعنى واحد.
فتقول العرب: هذا كفيل وحميل وضمين وزعيم.
هذه الأسماء هي المشهور استعماله 1 في اللغة.
وتقول أيضًا: قبيل بمعنى ضمين قال تعالى: "أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا" 2: ففيه اختلاف بين المفسرين: فمنهم من ذهب إلى أن المراد بقولهم "قبيلًا" أي: متكفلين.
وقد اختلف في اشتقاق الضمين: فقيل: هو من ضم ذمّة إلى ذمة: وقيل: هو مشتق من التضمين، فإذا قيل فيما يلزم الشيء: هذا يضمن كذا، بمعنى أنه، يلزمه إلزامًا لا ينفك عنة.
وهذا المعنى يقرب من الأول لأن في ذلك أيضًا معنى انضمام الشيء إلى الشيء.
والغرض بها في الشريعة الثقة بالحق كالغرض بالرهان.
وهذا الذي ذكرناه في اشتقاق الضمانة إنما يصح على مذهب فقهاء الأمصار.
وجمهور العلماء الذاهبين إلى أن الضمانة مخالفة للحوالة، وأن الكفالة والضمانة لا يبرأ بها من عليه الدين كما لا يبرأ من عليه الدين بدفع الرهن فيه.
وإنما المراد أن يكون الحق في ذمتين، كما يراد بالرهن في الحقوق كون الحق في ذمة من عليه الدين وفي عين الرهن الذي دُفع فيه فكانت ذمة انضمت إلى ذمة، وكان ذمة تضمنت ذمة.

وذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور وداوود إلى أن الدين يبرأ من هو عليه إذا تكفل به رجل عنه.
ويمكن أن يبهون رأى أن الحق إذا كان واحدًا! فلا يكون الواحد في محلين، كما في الاجتماع: لا يكون جسْم في مكانين.
وهذا لا يصح التشبيه فيه لأنه يعلم ضرورة استحالة كون الجسم في مكانين بخلاف الدين فإنه يصح أن يكون في ذمتين لأنه ليس بذات تفتقر إلى مكان تحل فيه.
وإنما الغرض بالكفالة أن يكون الحق في ذمة، فإن تعذر استيفاؤه منها انتقل إلى ذمة أخرى، ولا يُستنكر انتقال الجسم من مكان إلى مكان.
هذا على أحد القولين في الحميل لا مطابقة 1 عليه مع إمكان أخذ الحق من الغريم.
وإنما تتوجه عليه المطالبة عند تعذر ذلك من الغريم: وعلى القول بتخيير صاحب الدين بين طلب ذمة الحميل فليس في ذلك أيضًا ما يستحيل، فكأنه خُيّر بين محلّين يستوي حقه من أيهما شاء، كما خير الله في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فأي الأمرين اختار المكلف فهو الواجب عليه، فكذلك من له الدين وله كفيل: أي الذمتين اختار طلبها فإن ذلك في حقه كالجالس في مكان يمكنه أن يختار (المنتقل منه إلى جهة اليمين أو من جهة الشمال) 2. والحوالة يُنمي اسمها عن تنقل الحق عن ذمة ومصيره في ذمة أخرى، كما يقال: تحول زيد من هذا المكان إلى هذا المكان.
ومعناه خرج عن المكان الأول فصار في المكان الثاني.
والضمانة بعكس هذا، لأنها تتضمن إضافة ذمة إلى ذمة.
هذا سبب الخلاف من جهة المعنى المستند للعقليات.
وأما سبب الخلاف من جهة الشرعيات فإن ابن أبي ليلى ومن وافقه يرون

أن النبي عليه السلام اجتنب الصلاة على من مات وعليه دين ولا وفاء له، فلو كانت الحمالة لا تفيد براءة المتحمَّل عنه من الدين الذي عليه لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلى على من عليه دين وإن كان قد تحمل به أبو قتادة 1، إذ لا فرق بين أن يكون عليه الدين لغريمه الأول أو لمن صار غريمًا فالمحتمل 2 عنه.
ويجاوبون عن هذا بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمتنع من الصلاة على من عليه دين إذا خلف وفاء.
وإذا تُحمّل عن الميت صارت ذمة الحميل وماله كمال الميت فصار كمن مات وترك وفاء بالدين.
وأما سبب الخلاف من جهة ألفاظ الحديث، فإن ابن أبي ليلى يقول: قد قال لعلي: جزاك الله عن الإِسلام خيرًا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك.
فلولا أن الدين يسقط عن الميت بالحمالة لم يصح التشبيه بأنه افتك الرهن.
ويجابون عن هذا بأن المراد أنه فكه من امتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه التي توجب له الجنة، فصار تحمّله الدين المقتضي صلاة النبي عليه كافتكاكه من هذه العقلة.
وقد قال في الحديث: معلقة بدينه حتى يقضى عليه.
وتعلقوا أيضًا بقوله في بعض طرق حديث أبي قتادة 3 عليك وقد يرى منه.
وهذا يقتضي أنه يبرأ بالحمالة.
ويجاب عن هذا بأن اللفظ ليس بخبر عن حكم الله تعالى، فإن الحمالة تبرىء من الديون وإنما المراد التزامه للدين.
ولهذا أجابه أبو قتادة عن هذا بأن قال: نعم 4 لا يفتقر فيما أخبر به من الأحكام - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يقال: نعم.
ويؤكد

هذا بأن أبا قتادة قضاه بعد يومين أو ثلاثة، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: " الآن بَرَدَ جلده" فلو كان بنفس الحمالة برئ من الدين لكان جلده قد برد من وقت الحمالة ولم يقف ذلك على قضاء الدين عنه.
وهذا واضح.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: أمّا الدليل المعتمد عليه في جواز الحمالة فالكتاب والسنة مع الاتفاق على جوازها على الجملة.
فأمّا الكتاب فقد قال تعالى: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1. والمرادب "زعيم" كفيل كما قدمناه.
فقد أثبت بهذه الآية الزعامة وهي الكفالة.
وهذه كفالة بالمال.
وقال في السورة بعينها: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ الله عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ 2. وهذه حمالة بالوجه، وهو أحد أقسام الحمالة على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله.
وهذا الذي ذكر فيه الموثق والمعاهدة وإن لم يكن تصريحا بلفظ الحمالة ففيه معناها، ولكن هذا شرع من كان قبلنا.
وإنما يكون هذا مما يعتمد عليه على مذهب من قال من الأصوليين: إن شرع من قبلنا نحن مخاطبون به إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه.
ولم يرد في شزعنا ما ينسخ جواز الحمالة بل ورد ما يؤكد جوازها.
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والمنحة مردودة والزعيم غارم 3 وقوله فيما رواه قبيصة "لا تحل الصدقة إلا لثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى

يؤديها 1 فجعله - صلى الله عليه وسلم - من الغارمين الذين تباح لهم الزكاة.
ولولا أن الحمالة لزمته ما كان من الغارمين.
وقد أباح الله تعالى الرهبان في الحقوق، ومعلوم أن ذلك القصد به الاستيثاق بالحق فلهذا جاز، فكذلك الحمالة.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: الكفالة تجوز عن الحي والميت والفقير والغني.
هذا مذهمب الجمهور من فقهاء الأمصار.
ولم يختلف أحد من أهل العلم من جواز الحمالة عن الحي موسرًا كان أو معسرًا، ولا في الحمالة عن الميت إذا مات موسرًا.
وإنما اختلفوا في الحمالة عن الميت إذا مات معسرًا: فالجمهور على جواز الحمالة عنه، كما ذكرنا.
وانفرد أبو حنيفة والثوري فمنعا ذلك.
وصاحبا أبي حنيفة: محمَّد بن الحسن وأبو يوسف ذهبا إلى ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحمالة على من مات معسرًا.
ودليلنا على أبي حنيفة ما خرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: أُتي النبي عليه السلام بجنازة، فقال:.
أعليه دين؟، فقالوا: نعم فقال: هل ترك شيئًا؟ فقالوا: لا، فقال عليه السلام: صلوا على صاحبكم.
فقال أبو قتادة عليّ دينه، يا رسول الله.
فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 2. هذا كالنص في جواز استئناف 3 الحمالة بدين، مات وهو عليه، وهو معسر.

وهم يدافعون هذا بأن هذه ليست بحمالة، وإنما هو كالعِدَة وكالتبرع والتطوع بقضاء حق عن آخر، من غير أن يكون كفيلا به وظاهر سياق الحديث يقتضى خلاف ما تأولوه لأنه - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الصلاة على هذا الميت.
فلما قال أبو قتادة: عليّ دينه صلى عليه.
فلولا أن هذه حمالة لم يصل عليه لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - في أول الإِسلام لا يصلي على من مات وعليه دين، وما ذلك إلا تحضيضا على الوفاء بالديون.
وأيضًا فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت تقتضي الغفران للميت وتحجزه عن النار" (1). وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه" 1 فكأنه إذا كان مرتهنًا بدينه كالمحجوز عن الجنة، فصارت صلاته كالمنافية لما قال.
وقد قال لما صلى على السوداء التي كانت تَقُمّ المسجد: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله نورها بصلاتي عليهم" 2، فلما فتح الله الفتوح قضى الديون عن الغرماء، فقال: من ترك مالًا فلورثته ومن ترك كلًّا فعليّ" 3. وهذا الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع وإن لم يكن نصا في الحمالة فقد روى الحديث، جابر فقال فيه: "مات وعليه ديناران فتحملها أبو قتادة فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي عليك والغريم منها بريء" 4 فهذه الرواية قد صرح فيها بلفظ الحمالة فلا مطمع لهم في تأويلها على غير الحمالة.
وهكذا روي أيضًا "أن رجلًا مات وعليه درهمان فلم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال علي رضي الله عنه: هي عليّ فصلى علمه، وقال له عليه السلام: جزاك (1)

الله عن الإِسلام خيرا وفك رِهانك كما فككت رهان أخيك" 1 الحديث.
وأما سبب الاختلاف في هذه المسألة من جهة الاعتبار فإن أبا حنيفة يرى أن الدين لا بدّ له من محل، ومحله الذمة أو عين مال، وذمة الميت قد هلكت وتلفت بتلف صاحبها، لأن الذمة وصف من أوصاف الإنسان الحي، وإذا ذهبت الحياة ذهبت الذمة، وهو لم يترك عين مالي يقضى منه دينه.
فلما استحال تصور محل الدين في حق الميت المفلس استحال توجه الدين عليه فاقتضى ذلك سقوطه عنه، والساقط لا تصح الحمالة به.
وهذه عمدة القوم.
ونحن نعتمد على أن الإبراء منه يصح، والتبرع بالقضاء يصح أيضًا.
فلولا كون هذا الدين ثابتا لم يصح التبرع بقضائه ولا الإبراء منه.
ونعتمد أيضًا على الاتفاق على أنه لو كانت الحمالة في حال الحياة ثم مات الغريم فقيرًا لم تسقط الحمالة.
فلو كان الأمر كما قال أبو حنيفة إن الموت يسقط الدين إذا لم يترك الميت مالًا، لسقطت الحمالة التي كانت في حياة الميت؛ لأن الحمالة تبع لثبوت الدين وفرع عنه، فإذا سقط الأصل سقطت فروعه وما يتبعه.
ألا ترى أن من تكفل بصداق امرأة فارتدت قبل الدخول سقط صداقها بارتدادها أن الكفالة به ساقطة أيضًا لما سقط الأصل سقط الفرع.
وهم ينفصلون عن الإبراء والتطوع بقضاء الدين أن المراد بذلك سقوط الإثم عنه في الآخرة.
ونحن نقول: بل حصول الإثم يدل على أنه لم يسقط وهم يقولون جوابا عن هذا: الآثام من حقوق الآخرة والديون من حقوق المعاملات في الدنيا، ونحن إنما أسقطنا عنه الدين في الدنيا لأنه ميت، وفي الآخرة يصير حيًّا، والحي تتوجه إليه المطالبة.
والموتة التي بين الحياتين: حياة الدنيا وحياة الآخرة تجري عليه فيها أجكام الآخرة كما تجري عليه أحكام

الاعتقادات الدينية، وقد يجرى على الأجنّة في البطون، قبل أن يخلق فيها الحياة، أحكام الحياة، لأنه سائر إليها، فلهذا أجاز الإبراء والتبرع بالقضاء والمتبرع بالشيء له الرجوع عنه إذا لم يلزمه، والكفالة التزام فافترقت حقيقتها 1. وإنما مطالبة الحميل مع كون الميت مات فقيرًا، وإن الالتزام كان في الحياة، والكفيل في يديه مال يقضى منه الدين، فصار ذلك كمالٍ تركه الميت يقضَى منه الدين بإجماع.
ونحن ننازعهم في كون مال الكفيل كتركة الميت لأن الميت له أن يوصي فيما ترك، ويكفن منه، (ويقبر فيه بالحقوق) 2، وليس له ذلك في مال الكفيل.
وينفصلون أيضًا عن جواز الحمالة بدين على من ثبت إعساره، فإنه يرجى له أن يكتسب مالًا فصار السقوط في حق الحي المؤجل إلى أجل ينتظر، والميت لا ينتظر أن يكتسب مالًا.
ونحن نقول جوابا عن هذا: يصح أيضًا أن يطرأ له مال لم يُعلم الآن، أو تكون له ذخيرة خفيت عنا، كما يمكن أن تكون ذخيرة للحي المعسر أخفاها هنا.
ويقولون هم أيضًا: نحن إنما أسقطنا الدين عمّن هو معسر في علم الله سبحانه، فإذا كان للميت مال خفي عنا، فلم يعسر في الباطن.
وهذا كله معارك من جهة الاعتبار نكتته هل سقط الدين عن الميت بموته مفلسا فيسقط عن الحميل لكون الأصل إذا سقط سقط الفرع، أو يقدروا دينه باقيا فيصح التزامه؟ فإذا أضربنا عن هذا كله، وثبت التعلق بحديث أبي قتادة لا سيما على رواية جابر قدم ذلك على هذه المحاجة، لكوننا نرى أن خبر الواحد الصحيح مقدم على القياس، وفي هذا مقنع.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الحمالة بالمجهول جائزة عندنا وعند، أبي حنيفة.
ومنعها ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري والليث بن سعد وأحمد والشافعي.
وخرج ابن شريح، للشافعي قولًا آخر بجوازها سننبه عليه فيما بعد.
ولقد ذكر في المدونة فيمن ضمن ما قُضِيَ به لزيد على عمرو أن ذلك يلزمه، ولم يشترط علم الضامن بما يُقضَى به.
وذكر في المدونة أيضًا: فالقائل: (6) بايعْ فلان 1 والثمن عليّ.
أن ذلك يلزمه.
(ولم يشترط الضامن ها هنا ثمن اثمانًا للمبايعة) 2. وقد وقع لمالك في الموازية والعتبية في من وصّى لولده أن تقضى ديونه، ولا يعلم مقدار الديون ولا مقدار التركة، أن ذلك جائز.
ولو طرأ غريم لم يعلم به لَلَزِم الولدَ القيامُ له بدينه، لكون أصل الضمان وقع على غير معلوم وهذا منه.
وكذلك أيضًا ذكر فيمن مات وجمليه ديون فقال أحد ورثته لغرمائه: سلموا إليّ تركته، إلى أجل سماه، وأنا أقوم بديونكم، أن ذلك جائز إذا قصد به المعروف، وعلم أنه إذا فضلت فضلة عن الديون كلها يستحقها الميت دخل بقية الورثة فيها فقسموها على الفرائض المشروعة.
وأما لو كان على 3 النقص عليه يقوم به للغرماء، وينفرد بزيادة إن ظهرت، فإن ذلك لا يجوز لأنه يضمن نقصا مجهولا رجاء أن يربح ربحا مجهولًا، وهذا لا يجوز.
ومذهب الشافعي ما ذكرناه عنه من منعه لضمان المجهول، وكأنه أجراه

مجرى المعاوضات التي لا تجوز فيها الجهالات.
ونحن أجريناه مجرى الهبات التي تجوز فيها الجهالات.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى كراهية هذا المجهول، وعلّل ذلك بأنه قد يظهر ما يندم على إخراجه من ملكه وهبته لغيره، فلا يحسن أن يفعل معروفًا يؤديه إلى الندم عليه.
وقد نبهنا عن نكتة سبب الخلاف في هذا: هل تجري الكفالة مجرى عقود المعاوضات فتمنع فيها الجهالات والغرر، أو مجرى عقود الهبات والعتق والوصايا فتجوز فيها الجهالات والغرر وأصحابنا يستدلون على جوازها من الظواهر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ 1 وقوله عليه السلام: "الزعيم غارم" 2 وهذا العموم يقتضي الجواز.
والمخالف يمنع من هذا الاستدلال، ويرى أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ العقود الجائزة.
وفي جواز الكفالة بالمجهول وقع الخلاف.
وكذاك الزعيم غارم.
وفي كون هذا زعيما كفيلًا وقع الخلاف.
ويعتمدون أيضًا على جواز الكفالة بالعهدة في المبيعات.
وتتصور في ذلك الجهالة والغرر لألمه قد يستحق جميع المبيع وقد يستحق يعضه، ولا يدري المضمون له مقدار ما يرجع على الكفيل.
وقد اشتهر في سائر الأمصار والأعصار كَتبة العهدة إلى 3 المبيعات، ولم ينكر ذلك أحد مع ما فيه من الجهالة.
وإن كان قد يحكي أبو العباس بن سُريج قولًا آخر عندهم 4 في جواز الكفالة بعهدة المبيع، ولكن حذاقهم يرون أن مذهبهم جواز ضمان عهدة الدرك في المبيعات.

ويجيب المخالفون عن هذا الاحتجاج أيضًا بأن الحمالة إنما تعتبر حين العقد، والمتكفَّل به ها هنا حين الكفالة معلوم وهو الثمن، فإن الكفيل يجب عليه ردّه إذا وقع الاستحقاق، وإنما تؤثر الجهالة في الكفالة حين عقدها ووقوعها ألا ترى أن من باع عبدًا من أعبد ثلاثة فإن ذلك لا يجوز لكون المبيع مجهولًا حين العقد.
ولو استحق 1 الأعبد الثلاثة، وقد باع جميعهم صفقة واحدة لوجب الرجوع بمقدار ما استحق،.
فكذلك الجهالة بالعهدة لا تؤثر فيها الجهالة بمقدار ما يستحق كما لم يؤثر ذلك في جواز البيع المجتمع على اجتناب الغرر الكثير فيه.
ويحتج أصحاب الشافعي على المنع من الكفالة بالمجهول بأنه يثبت عقد شيء في الذمة لا يُدرى مبلغه، فوجب منعه كالأثمان.
والكفيل إنما يحل محل المشتري الذي تكفل عنه بالثمن فإذا كان المشتري لا يجوز له أن يشتري بثمن مجهول، فكذلك الكفيل لا يضمن أيضًا شيئًا مَجهولًا.
ويناقضهم أصحابنا هذا بأن الذمة قد ثبت فيها حق مجهول عن عقد، كمثل صداق المثل إذا قضي به في النكاح الفاسد، وهو مجهول، وعوض عن عقد، فدل ذلك على أنه لا يستنكر ثبوت حق مجهول في الذمة عن عقد.
ويجيب أيضاَّ أصحاب الشافعي عن هذا يأن التثبيت خلاف الثبوت، لأن المراد بالتثبيت تعاقد المتعاملين على ثمن مجهول تشترى به السلعة.
والمراد بقولنا ثبوت ما يوجبه الشرع في الذمة بغير اختيار المتعاملين، والزوجان إذا تعاملا على صداق فاسد، ووقع الدخول، فالقضاء بصداق المثل الشرع أوجبه، بخلاف ما يقع المتعاملان فيه اختيارا.
واستدل أصحاب الشافعي بأن من تكفل ببعض دين على آخر لا تصح به الكفالة لكون ذلك كفالة بمجهول.

واختلف الجواب عن هذا الاستدلال، فأشار بعضهم إلى أن الكفالة ببعض الدين كفالة بمجهول لا تعلم حقيقته حين الكفالة، ولا يعلم ذلك بعدها في ثاني حال، بخلاف من تكفل بمجهول مثل ما يقضي به القاضي على رجل، أو ما شهدت، به بينة، أو ما يبايع به فلانا، كما مثلنا به الكفالة بالمجهول فيما قدمناه، فإن هذا كله يكشف مقدار ما تكفل به الكفيل إذا قضى القاضي بالدين، أو شهدت به البينة، أو (بيع به المكفول له المكفول عنه) 1. وذكر البعض لا يعلم مقداره حين الكفالة ولا بعدها.
ويدافع أصحاب الشافعي هذه التفرقة بأن العلم بالمجهول بعد انعقاده جهل لا 2 يؤثر، ألا ترى أنه لو باع منه عبدًا غائبًا لم يوصف، ولم تتقدم مشاهدته، لفسد البيع، ولو قدم العبد وأحيط به علمًا بعد ذلك.
وأما ابن القصار، من أصحابنا، فسلك في الجواب طريقة أخرى، فقال: لا تمنع هذه الكفالة، لكن يقال للكفيل: بيّنْ لنا مقدار ما أردت بقولك: أتكفل ببعض الدين.
فيلزمه ما أقرّ به من ذلك.
وهذا أيضًا قد يقولون فيه: إن هذه الكفالة إنما انكشف مقدارها بعد وقوعها فعاد الأمر إلى الجواب الأول.
فإذا صح ذلك فإن رضي المتحمل به والمتحمل له ليس بشرط في صحة الكفالة، بل يجوز أن يقول الرجل: أنا حميل لك بمن يثبت لك عليه دين وينعقد لك عليه، ثم يكون المكفول له بالخيار بين أن يقبل ذلك منه أو لا يقبل.
وكذلك لو لم يرض المتحمل عنه بالحمالة فإن من حق المتحمل له أن يطالب الحميل بما التزم من ذلك، كما لو التزم لرجل أن يقضي له دينا على رجل آخر.
وهكذا الظاهر من مذهبنا أنا لا نشترط في صحة الحمالة معرفة من

يتحمل له: هل سهل في الاقتضاء أوصعب.
والثالث اشتراط المعرفة فيمن يتحمل له لأن المعاملة انحصرت بين الحميل وبينه ولا يشترط معرفة من تحمل عنه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: اعلم أن الحقوق المتحمل بها تتنوع أنواعها: فمنها حمالة بحقوق تتعلق بالأبدان، وهي حقوق الله سبحانه، كالحد في الزني وشرب الخمر والقطع في السرقة، فهذا لا تجوز الحمالة به، إذ لا يجوز أن ينوب فيه أحد عن أحد، فيشرب رجل الخمر ويقوم الآخر بدلا عنه.
وكذلك في حقوق الخلق المعلقة بالأيدان، كرجل قتل رجلًا أو قطع يده عمدًا، فيقول آخر، اقتصوا مني بدلا منه.
ولو كانت الحدود التي هي من حقوق الله سبحانه إنما تثبت بالإقرار لكان التكفل بالطالب للمقر جائزًا على القول عندنا: إن للمقر الرجوع عن اقراره وإن لم يظهر له عذر، وعلى القول بأن هروبه كالرجوع عن الإقرار.
واختلفت الرواية في حديث العامرية: هل كفل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أقرت بالزنى وهي حامل حتى تضع حملها أو لم يكفل؟ وذلك جار على ما نبهنا عليه من هروب المقر ورجوعه عن اعترافه.
وأما الحقوق المالية فإنها أيضًا تنقسم على أقسام: فمنها حق واجب لازم استقر وجوبه ولزومه كأروش الجنايات وقيم المتلفات، وأثمان السلع بعد قبضها، وصداق الزوجة بعد الدخول بها، فلا خفاء بجواز الحمالة بها.
وكذلك لو كانت عقودًا لازمة ولكنها قد يطرأ عليها ما يسقط اللزوم، كصداق الزوجة قبل الدخول بها، فإنها قد ترتدّ فيسقط جفيعه، أو تطلق فيسقط نصفه.
وأثمان الاجارات قبل استيفاء المنافع، فإن الدار المكتراة قد تتهدم فيسقط الكراء والعبد المستأجر قد يموت فتبطل الإجارة، فهذا أيضًا قد تصح الحمالة به.

ومنها ما ليس بعقد لازم كالجعالة على مذهب من رأى أن الجّعل لا يلزم بالعقد كقوله: إن جئتني بعبدي الآبق ذلك عشرة دنانير، فإن هذا تصح الحمالة به أيضًا قبل المجيء بالآبق، فإن جاء به لزم الحميلَ ما تحمل به وإن لم يأت به سقطت الحمالة.
ولأصحاب الشافعي في هذا القسم قولان: أحدهما الجواز لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1، فهذه كفالة بالجعالة.
والقول الآخر أن ذلك لا يجوز، لأن الثمن في الجعالة ليس بدين ثابت لإمكان الرجوع عن العقد على طريقة من ذهب لذلك، وإنما تصح الحمالة بما ثبت من الديون، ألا ترى أن الكتابة لا تصح الحمالة بها لما كانت ليست بدين ثابت على المكاتب، والحميل يحل محل المتحمل عنه، فإذا كان الدين ليس بثابت عدى الأصل فأحرى ألا يكون ثابتا على من هو فرع عنه وتبع له وهو الحميل.
وينفصل هؤلاء عما في هذه الآية -على القول بأنا متعبدون يشرع من كان قبلنا- بأن الحمالة ها هنا ليست مما يراد بها التزام المنادي بهذا الحق نيابة عن الملك، وإنما ورد هذا مورد التأكيد بأن الملك قال هذا الذي نادى به المنادي.
وقد خرج بعض الأشياخ قولًا بجواز الحمالة بالكتابة من قول أشهب فيمن قال لرجل: كاتب عبدك وعليّ مائة دينار.
فإن هذا يجوز.
فيتخرج من هذا جواز الحمالة بالكتابة لأن الحمالة بالكتابة عند من خرج هذا إنما منعت لأن المقصود من الحميل حصول العتق للمكاتب فإذا عجز ولم يحصل له العتق وجب بطلان الحمالة فبطلت من الأول.
وهذا التخريج قد يقال فيه: إن من كاتب عبده على أن أعطاه حميلا بالكتابة، فقد اعطاه حميلًا بدين قد لا يثبت، فلم يصح ذلك لما قدمناه.
وهاهنا في مسألة أشهب إنما دفع إليه مالًا على أن يستأنف الكتابة ويرفع حقه في بيع العبد.

وهذا مما ينظر فيه لإشكاله.
والمعروف من مذهب الشافعي أن الحمالة بما لم يجب ممنوعة.
ومذهب مالك وأبي حنيفة جوازها ولزومها وقد أضاف أبو العباس ابن سُريج إلى الشافعي قولًا آخر بجوازها، من قول الشافعي بنفقة الزوجة مدة مقدرة جائزة.
وأنكر عليه هذا بعض حذاق أصحابه، وقال: قد اختلف قول الشافعي في نفقة الزوجة: هل تجب بالعقد ويستقر وجوبها بمضي الأزمنة أو إنما تجب يومًا فيومًا؟ فقوله: إن الحمالة بنفقة الزوجة مدة معلومة جائزة بناءٌ منه على أن النفقة وجبت بالعقد، لا على القول بأنها لم تجب حين الحمالة وإنما تجب فيما بعد.
وقد كنا قدمنا الكلام على الحمالة بالدرك عند استحقاق المبيعات وذكرنا جوازها عندنا وعند أبي حنيفة وفي المذهب المشهور عند الشافعية، وأن بعض أصحاب الشافعي خرج قولًا آخر: لكونه حمالة بما لم يجب، والحمالة بما لم يجب عندهم ممنوعة.
وأنكر عليه هذا من أصحابنا ابن القصار، وأشار إلى الإجماع على جواز ذلك وأن الناس في سائر الأمصار يكتبون ضمان الدرك في المبيعات ولم ينكر ذلك أحد.
وأشار في الرد عليه هو وأبو حامد إلى أن السلع المبيعة إن لم تستحق فلا ضمان، وإن استحق 1 فقد كشف الغيب باستحقاقها أن العمل (1) لم يضمن (1) وما وجب.
وأما ضمان ذلك الدرك فيما يحدثه المشتري من غرس أو بناء إذا وجب له

الرجوع بذلك عند إلاستحقاق فإنه يجوز عندنا أيضًا وعند أبي حنيفة، لأنا وإياه لا نمنع ضمان المجهول ولا ضمان ما لم يجب.
والشافعي يمنع من ذلك ويرى أن الحمالة ساقطة لكونه في ضمانًا بأمر مجهول، وكونه ضمانا لما لم يجب، وضمان الأعيان لا يصح لأن العين لا تصير بعينها في الذمة.
فلو أعاره ثوبًا لم تصح الحمالة بعينه لكونه إن هلك لم يقدر على رده بعينه.
وأما ضمان قيمثه إن أتلفه المستعير فذلك عند الشافعية على قولين لأنه ضمان ما لم يجب بعد.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: المحجور عليهم على: نوعين: أحدهما محجور عليه لحقّ نفسه، وهو الحر السفيه والثاني لحقّ غيره، وهو المريض والعبد والزوجة والمديان.
فأما المحجور عليه لحق نفسه، وهو الصغير الذي لم يبلغ أو البالغ السفيه، فإنما تصح الحمالة عنهم ويرجع عليهم بما أدّى الحميل إذا كان الدين الذي تحمل به الحميل عنهم مما يلزمهم، كاستدانة استدانها الصغير أو السفيه أنفقها في قوته وحفظ حياته، مما لو لم يفعل ذلك لباع القاضي عليه من ماله مثل الذي استدان، وكذلك ما استدان في إصلاح رباعه مما لو لم يفعل هو ذلك لفعله القاضي، فإن هذا تصح الحمالة به عنه.
وإذا أدى الحميل ما تحمل به قضي بالرجوع على الموتى عليه.
وأما دين لا يلزم المولّى عليه وهو ساقط عنه بحكم الشرع، كمال استدانه لينفقه فيما لا يسوغ الإنفاق به، والحميل إنما تحمل عنه بشرط أن يكون له مرجع على المولّى عليه، فإن هذا الدين ساقط على المولى عليه، وعن الحميل لكون الحميل إنما تحمل بشرط أن يكون له مرجع، فإذا منعه الشرع من المرجع سقطت عنه الحمالة لعدم شرطها.
وإن تحمل بما يعلم سقوطه عن المولى عليه

لزمته الحمالة، وصار كواهب ماله بغير عوض لغير 1 له في ذلك.
وأمّا المحجور عليهم لحق غيرهم، فمن ذلك العبد: فإنه إن لم يكن مأذونا له في التجارة لم تصح منه الحمالة بغير إذن سيده.
في ذلك قولان: منع ذلك ابن القاسم، وأجازه عبد الملك بن الماجشون، حكى ذلك عنه ابن المواز، وحكاه عنه إسماعيل القاضي في المبسوط.
وذكر إسماعيل القاضي تعليله لذلك بأنه مصلحة للعبد واستئلاف لمن يعامله ويتحمل به كما يتحمل هو بغيره.
وإن كان ذلك بإذن السيد صحت الحمالة بغير اختلاف في العبد القن المأذون له في التجارة.
وهل تصح في المكاتب أم لا؟ فيه قولان: أحدهما الجواز، والآخر المنع.
وهما مبنيان على تمكين العبد من فسخ كتابته مع قدرته على أدائها.
فإن قلنا بتمكينه من ذلك صحت الحمالة منه إذا أذن له سيده، وإن قلنا بمنعه من تعجيز نفسه وفسخ كتابته فكانت حمالته قد تؤدي إلى رقه وعجزه لم ينفع في ذلك إذن سيده لأن سيده، وإن أسقط حقه بالإذن، فيبقى حق الله سبحانه في منع العبد من إرقاق نفسه مع قدرته على فكها من الرق.
وأما إكراه سيده له في الحمالة وهو عبد قن لم يكاتبه، فإن ابن القاسم في المدونة منع سيده من اجباره على الحمالة.
فإذا قال له سيده: تحمل لفلان عن فلان.
فقال العبد: لا أفعل.
فأشهد سحده أنه ألزمه هذه الحمالة، فذلك لا يلزمه عند ابن القاسم ويلزمه عند غيره.
وقد أشار ابن القاسم إلى هذا الخلاف في المدونة لأنه لما قال: لا يجبره عقب ذلك بأن قال: وقد قال مالك، فيمن قال لعبده: أنت حرّ وعليك مائة دينار،: إن ذلك يلزم العبد.
فأشار بهذا إلى مقتضى مذهب مالك أن له إجباره على الكفالة، وتعمير ذمته، وإن طلب به بعد عتقه، كما ألزمه تعمير ذمته إذ قال له: أنت حر وعليك مائة دينار.
وأما إجباره لمكاتبه فلمس له ذلك إن كان يقتضي تعجيزه، وليس لسيده المكاتِب أن يعجز

عبده عن إذا 1 نُجُومه، ولا له أن يفسخ كتابته.
ولو تحمل العبد القن عن سيده فإن الغريم له مطالبة السيد بمالَه عليه من الديون، (ويتبع عنده هذا الذي تحمل به في هذا الدين إذا لم يجد السيد بما لم يقضه منه) 2 وله أن يترك مطالبة السيد ويتبع العبد في ذمته عند ابن القاسم، وقال غيره: ليس له ذمة العبد إلا إذا لم يجد السيد ما يقضي منه دينه.
فمن الأشياخ من رأى أن ابن القاسم إنما أجاب بهذا الجواب بناء على أحد قولي مالك في أن للغريم أن يتبع الحميل مع كون المتحمل عنه موسرأ.
وإن كان اختيار 3 من قولي مالك خلاف هذا فكأنه اختلف خياره، كما اختلفت 4 قول مالك.
ومنهم من رأى أنه لم يختلف اختياره كما اختلف قول مالك.
ومنهم من رأى أنه لم يختلف اختياره وكأن هذه المسألة خارجة عما أصل.
وإنما أراد أن السيد فُلسّ فلهذا مكن الغريم من اتباع العبد الحميل.
وأما ذات الزوج فإنها إن تحمّلت بمقدار ثلث مالها فأقلّ لم يكن للزوج منعها من ذلك.
وإن كان بأكثر من ثلث مالها وتحملت بذلك عن رجل معسر فإن للزوج منعها من ذلك.
وإن كانت تحملت بذلك عن رجل موسر ففيه قولان: هل تمكن من ذلك؛ لأنها إنما منعت لحق زوجها من إتلاف ما زاد على الثلث، وهاهنا لم تتلف من مالها شيئًا لكون من تحملت عنه موسرًا حاضر النقد ولا مضرة على الزوج في ذلك.
وإن لم تكن ذات زوج، وهي رشيدة، جازت كفالتها.

وإن كانت ذات زوج وتحملت بزوجها 1 أو تحملت له صح ذلك، لأن المنع من إتلاف ما زاد على الثلث لحق زوجها، فإذا أذن لها في ذلك بأن تحملت له أوتحملت عنه لصحت الحمالة 2. فلو ادعت أنه أكرمها على ذلك، وأجبرها على أن تحملت له أو تحملت عنه، فإنها لا يقبل ذلك منها إلا بإثبات.
وفرق أشهب بين حمالتها به أو حمالتها 3 فقال في حمالتها به مثل ما قال ابن القاسم: إن ذلك لا يقبل منها إلا أن يثبت ذلك ببينة، أو يكون التحمك له عالمًا بأن زوجها أكرهها على أن تتحمل به، فتسقط الحمالة.
وإن انكر المتحمل له أن يكون عالمًا بذلك فإنه يلزمه اليمين إذا كان ممن يظن به العلم بذلك كالجار والقريب في النسب.
وأما إن زعمت أنه أكرهها على أن تتحمل له، فإنه إن عرف بالإساءة إليها وقهرها فالقول قولها، وكأنه رأى أن هذه قرينة حال تشهد بصدقها، فكان القول قولها.
وإن تحملت البكر التي لا يولي 4 عليها باب ولا وصي لجرت حمالتها على القولين في أفعال السفيه الهمل هل تمضى أو ترد؟ على مابسطناه في كتاب الحجر.
ولو بلغت التعنيس، وهي بكر في بيت أبيها، وأونس رشدها، فتكفلت، فاختلف قول مالك في ذلك: فألزمها الكفالة مرة، ومنعها أخرى، ومرة صرف ذلك إلى ما يقوله الأب من إمضاء أو ردّ لكونه أخبرُ بحالها وباطن أمرها.
وأما كفالة المريض فإنها في ثلثه، لأن الكفالة كالهبة لمنافع مال يؤديه عن رجل ثم يرجع عليه بعد حين.

ولو تكفل في مرضه ثم صحّ لزمته الكفالة.
ولو مرض بعد صحته ومات لأخذ من رأس ماله.
فإن قيل هلا سقطت إذا مات بعد صحته لأنها كهبة لم تقبض حتى مات الواهب؟ قيل: في هذا اختلاف في المذهب.
فإن قيل: إن عدم الحوز فيها كعدم الحوز في الهبات.
وقيل 1: هذه بخلاف الهبات، لأن الهبة لم يتعلق بها حق سوى حق الموهوب له، وأما الحمالة فهي هبة لمن عليه الدين بأن يقضى عنه دينه ثم يرجع به عليه إذا أيسر، ولكن تعلق بهذه الهبة حق لغير الموهوب له وهو المتحمل له المستحق للدين، وهو ليس بالموهوب له، فصارت الهبة ها هنا كالمقبوضة لزوال يد الموهوب له عنها وحلول غيره محله، فصار هذا كالحوالة، والحوالة ها هنا كالقبض من الموهوب له، فلهذا أمضاها.
وقد اختلف فيمن وهب سلعة لرجل فلم يقبضها الموهوب له حتى باعها من رجل آخر، ثم مات الواهب وهي في يديه، فقيل ببطلان الهبة لعدم الحوز، وقيل بإمضائها لتعلق حق المشتري بها، والمشتري ليس بموهوب له وإنما يستحقها عن معاوضة، وعقود المعاوضة لا تفتقر إلى حيازة.
على هذا يحيل الأمر في مسألة المدونة 2 في القائل لرجل: ما ناب لك على فلان فأنا حميل به، فمات الحميل قبل أن يقضى بالدين على المتحمل به فإن ذلك يؤخذ من تركته إذا قضي به، على الخلاف الذي ذكرناه ونبهنا عليه، وكأنّ الحميل يحل محل الغريم والدين الذي على الغريم ثابت في ذمته والحميل قد حل محله، فيتوجه ذلك في ذمته.
وأما حمالة من أحاط الدين بماله فالحكم، كما بين، أن لغرمائه أن يردوا

ذلك؛ لأنها هبة لما في يديه، وقد استحقوه عليه، وليس لمن أحاط الدين بماله أن يهب، على ما بيناه في كتاب التفليس، وذكرنا ما قيك فيه من تخريج خلاف.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال: قد ذكرنا في السؤال الذي أمليناه ها هنا، وهو ما تصح الحمالة به، أن الحمالة لا تصح بالحدود التي هي حق لله سبحانه، إذ لا يجوز أن يحد رجل لرجل آخر، ولو أوصى بذلك، وكذلك الحقوق البدنية التي للخلق كالقصاص، فإنه لا يجوز أيضًا التحمل بها على أن يقطع أو يقتل رجل بدل ما يوجَب على آخر بالقصاص في النفس أو قطع اليد.
إلى غير ذلك مما اشتمل عليه ذلك الفعل.
واقتضى الترتيب أن نملي هناك ما نمليه هنا من الكلام في الحمالة بالوجه.
فاعلم أن المحتمل به إما أن يكون ببدن الإنسان المطلوب مال أحال عليه.
فإن كان التحمل ببدن الإنسان ولم يشترط ما عليه من المال، فإن هذه الحمالة اختلف الناس فيها، على ما نقله بعضهم، وذلك أنه لم يختلف عن مالك وأصحابه ولا عن أبي حنيفه وأصحايه، في جواز الحمالة بوجه من عليه دين.
وبذلك قال جمهور العلماء فمنهم شريح والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وغيرهم، حتى أن بعض أصحابنا البغداديين وبعض أصحاب الشافعي يشيرون إلى إجماع السلف على جواز ذلك.
وإنما وقع النزاع، في إثبات الخلاف في هذه المسألة وارتفاع الخلاف فيها، في لفظة وقعت للشافعي فاختلف أصحابه في تأويلها، وذلك أن ابن القصار، من أصحابنا، يقول: إن الشافعي قال بالجواز، وقال بالمنع، وكيار أصحابه ينكرون إضافة المنع إليه، ويرون أنه موافق لمذهب الجماعة، وإلى هذا أشار أبو حامد الاسفرايني، فذكر أن المعروف عنه في كتبه جواز الحمالة بالوجه.
ونقل ذلك عنه من كلامه في الإقرار، والمواهب، وفي اختلاف

العراقيين، وفي الظاهر من قوله اللعان.
ونقل عنه، في كتاب الدعوى والبينات، أنه قال: إذا ادعى رحل على رجل أنه تحمل له ببدن رجل فأنكر المدعى عليه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المدعي قال: الحمالة بالوجه عندي ضعيفة.
فحمل هذه اللفظة المزني وأبو إسحاق من أصحابه على أن مراده المنع بجواز الحمالة بالبدن.
وأنكر ذلك غيرهما من أصحابه، وتأول قوله: إنها ضعيف، من جهة القياس لامن جهة الآثار.
وتأويل هؤلاء عندي محتمل لما قال، بل ربما كان أظهرَ في سياق كلامه.
وبعض أصحابنا الناصرين لما عليه الجمهور يشير إلى أنه إجماع السلف، كما قدمناه وأن الناس في سائر الأعصار يشترطون ذلك، ويكتبون ويشهدون فيه، ولم ينكره أحد من الحكام ولا غيرهم ويؤكدون هذا بما روي أن عبد الله بن عمر طلب علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بمال له عليه فتكفلت به أم كللثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم ينكر ذلك عبد الله بن عمر الطالب وعليّ المطلوب ولا غيرهما.
وبذلك ما روي أن رجلًا من بمسجد عبد الله بن النواحة، فسمعه يقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فإنه سمعه ووقف حتى سمع أصحابه يصرحون بذلك، فأتى ابن مسعود فأخبره بذلك، فاستدعاهم فأقر عبد الله بن النواحة، فقال له ابن مسعود: وأين القرآن الذي كنت تقرؤه؟! كنت 1 أمنع نفسي به منكم فضرب عنقه، واستشار في أصحابه، فأشير عليه بأن يستتابوا، وتكفل به 2 عشائرهم فاستتابهم فتابوا، وكفل به (2) عشائرهم، فقال ذلك إنه مذهب مشهور.
وأجيب عن هذا بأن محل كفالة أم كثلوم بأبيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما كانت بالمال، وهو ظاهر اللفظ لأنه قال: فطلبه بمالي أَنْ كان له

عليه، فتكفلت به أم كلثوم.
فهذا الضمير في قوله به يعود على أقرب المذكورين وهو المال، والكفالة بالمال لا ينكرها أحد.
وأجيب عن حديث ابن مسعود بأن المرتد إذا استتيب لم يلزمه أن يأتي بمن يتكفل به، هذا لا يؤخذ بظاهره باتفاق.
ابن القصار، من أصحابنا إلى أن مدافعة هذا الانفصال بأنهم كانوا متهمين بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الاستتابة فكفل بهم عشائرهم ليرفعوا خبرهم إليه، ويمنعوهم من الرجوع إلى الكفر، فصارت الكفالة ها هنا لها مدخل في الإفادة.
وتعلق من أجاز ذلك بقوله في خبره عن أخذه يوسف ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 1 ويقولون خبرًا عن أبيهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ 2 فهذه كفالة بالوجه.
واجيب عن هذا أيضًا بأن شرع يوسف كان الشرع فيه استرقاق السارق، وبهذا جعل الصواع في رحل أخيه ليستبيح بذلك منعهم منه، وهذا منسوخ في شرعنا، على أن الاسترقاق ليس بكفالة ولا بقول أخوته "خذ أحدنا مكانه" كفالة به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ﴾ 3 ليس بصريح في الجواز للكفالة بالوجه، وإنما هي معاقدة ومعاهدة عاهدهم أبوهم على أن يعيدوا إليه ولده.
هذا، وذلك ليس بكفالة.
واستدلوا أيضًا على جواز الكفالة بالوجه: بأن الكفالة بالمال أجيزت لما فيها من المصلحة والرفق والإحسان إلى المتكفل له بأن يستوثق من حقه بضمان

هذا الكفيل، وإحسان أيضًا بالمتكفل عنه بأنه يطلق سراحه من الاعتقال والتضييق عليه، وهذا المعنى موجود في الكفالة بالوجه، فوجب أن تجوز لأن الغرض بها تحصيل المال الذي على المطلوب.
فصار المقصود بها سببا لجوازها لكون الحمالة لم يختلف في جوازها.
واحتج المانعون لها بأن ضمان الأعيان ودخولها في الذمم لا يصح كما لا يصح السلم في عين مرئيّة تكون في الذمة؛ لأن معنى الذمة ها هنا استحقاق المطالبة مادامت الذمة موجودة، والعين المضمونة إن بقيت فلا فائدة في ضمانها، وإن هلكت فلا يقدر أحد من الخلق على إعادتها بعينها، فصار ضامنها 1 في الذمة في معنى المستحيل.
فكذلك الكفالة ببدن الإنسان لا تصح لكونها عينًا مشاهدة.
ولا يصح دخولها في الذمة، وكل مالًا يصح ضمانه حالي تلفه فإنه لا يصح ضمانه حال بقائه.
أصله الوديعة لأن الإنسان لا يضمن الوديعة التي أودعت عنده إن تلفت ولا يضمنها حالي بقائها.
وعكسه الغصب يضمنه إن تلف وإن كان باقيا في يده.
واجيب عن هذا بأن الوديعة وإن كانت عينا قائمة فإنه مخاطب بردّها إلى صاحبها، ووداها 2 إليه فعل إلزامه 3 إياهْ قبوله للوديعة.
فكذلك لا يمنع أن يتعلق بضمان الوجه حكم وهو إحضار المكفول له يستوي 4 حقه منه.
وقد قيل في هذا أيضًا: لا نسلم أن الرد واجب، إذ لو كان عبدًا فأبق ما لزم المودعَ طلبُه.
ولو كان شيئًا ثقيلًا مالزم المودعَ حملُه إلى ربّه، وإنما يلزمه رفع يده عن الوديعة، وتمكين صاحبها منها، وذلك ليس بفعل يفعله في العين المودعة.

وبالجملة فإن اعتمادهم ينحصر إلى أن الحمالة بالوجه لا فائدة فيها.
وكل ذلك منهم بناء على أصلهم؛ لأن المشهور من مذاهب الشافعية أن المتحمَّل بوجهه إذا مات أو غاب حيث لا يعرف مكانه فإن الحميل بوجهه لا غرامة عليه، ولا يقضى عليه بالحق الذي كان في ذمة المتحمل بوجهه.
وانفرد أبو العباس بن سُريج من أصحاب الشافعي فقال: تلزم حميلَ الوجه غرامةُ المال إذا 1 المتحمل بوجههْ أو مات.
ومذهبنا نحن أنه إذا غاب توجه الطلب على حميل الوجه بالمال، على ما نفصله فيما بعد.
وانفرد أيضًا من أصحابنا محمَّد بن عبد الحكم يرى ما رأته الشافعية من أن الحميل بالوجه لا يُطلب بالمال إذا غاب المتحمَّل بوجهه.
وهذا لأن غيبة المتحمل بوجهه، حيث لا يعرف مكانه، لا يدخل تحت قدرة الحميلَ إحضاره ولا يتمكن هذا منه، والحمالة إنما تكون بما يمكن، والمال ليس هو المتحمَّلَ به ولا دَخَل تحت قوله: أنا حميل بوجهه، لا تصريحا ولا توليجا 2 فلا يلزم الضامنَ خلافُ ما اقتضاه لفظه.
وكأن محمَّد بن عبد الحكم 3 روى ها هنا مع ما رواه ابن الجهم عن مالك كطرفي نقيض، لأن ابن الجهم روى عن مالك أن الحميل بالوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وهو فقير، فإنه لا يبرأ من غرامة المال، وإنما يبرأ بإحضار الغريم، إذا أحضره موسرًا، حتى يمكّن المتحمَّل له من أخذ حقه منه، والفقير لا يتمكن من أخذ الحق منه فإحضاوه فقيرًا كغيبته.
والذي ذكرناه من الاختلاف في صحة الحمالة، ومن إلاختلاف في إغرام الحميل بالوجه المال إذا غاب المتحمَّل بوجهه إنما ذلك إذا اطلق لفظ الحمالة بالوجه ولم يقيد ذلك بما يُبْرِئُه من المال، مثل قوله: أنا حميل بوجه غريمك،

وليس عليَّ مما عليه من المال شيء.
أو يقول: لا أضمن لك شيئًا سوى وجهه.
فإن هذا القول أيضًا يقتضي أنه لا يضمن إلا الوجه الذي استثناه يعد أن زعم نفي الضمان لكل شيء سوى ما استثناه.
ولو وقع اللفظ مطلقا فيه احتمال، مثل أن يقول: أنا حميل لك، وضمين لك بفلان.
فهل يحمل على حمالة الوجه أو على حمالة المال؟ فاختلف المتأخرون في هذا: فذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل على حمالة الوجه لكونها أقل الأمرين وأدنى المتحمَّلين والأصل براءة الذمة، فلا تعمر بأمر محتمل 1 وهو اختيار أشياخي.
وذهب بعض الأشياخ إلى أنه يحمل ذلك على حمالة المال، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "الزعيم غارم" فأطلق الزعامة بمطلق الزعامة، وهي الضمانة، فاقتضى ذلك عنده حمل اللفظ على حمالة المال.
وهذا الاستدلال منه غير واضح، لأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان إطلاق هذه اللفظة التي هي الضمانة على ماذا تُحْمَل.
على أن الغرامة إنما تكون في المال لا في الأبدان، إذ البدن لا يصح أن يُغرَم، فكأنه، قال: والزعيم غارم لما ضمن.
والضمانة التي تتصور فيها الغرامة إنما تكون في المال.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: إذا علمت إن المشهور من المذهب أن الحميل يغرم المال إذا غاب المتحمل به، وأن المشهور عند الشافعي أن لا يغرم مالًا إذا غاب أو مات.
وخالف في هذا رجل واحد عندهم وهو ابن سُريج كما خالف المشهور عندنا في غيبة المتحمل بوجهه ابن عبد الحكم فقال.
لا يطالب الحميل بغرامة مال كما فرضناه.
فإنّ حدثَ الموت بالمتحمل بوجهه لا يخلو إما أن يكون

مات بالبلد، أو مات بعد أن غاب عن البلد.
فإن كان مات وهو بالبلد فالمعروف من المذهب أن الحمالة ساقطة، بخلاف لو تغيب عن البلد، أو تغيب في البلد فإن الغرامة لازمة.
وذلك لأنه مع التغبيب يمكن احضاره، والتغيب مما يكتسب ويكتسب التحفظ منه، فإنما أخذ الحميل بالوجه ليتحفّظ بمن تحفل بوجهه حتى لا يغيب، فإذا غاب توجهت الغرامة، لأنا إنما أجزنا الحمالة لما تؤدي إليه من الغرامة، وأن القصد بها تحصين ما في الذمة من الدين.
والموت لا يمكن اكتسابه ولا التحفظ منه.
فلهذا لم يضمن الحميل لموت المتحمَّل بوجهه لعدم القدرة البشرية على دفع الموت 1 من فرغ عمره.
ولو وقع الموت بعد أن تغيب المتحمل بوجهه فإن المذهب على قولين: أحدهما: هذه الحمالة سقطت بالموت، كما تسقط بالموت لو كان المتحمل به في البلد.
وإليه ذهب أشهب.
والقول الثاني: إن هذا الموت بغير البلد لا يُسقط هذه الكفالة.
وإليه ذهب ابن القاسم.
فكأن من أسقط الحمالة بالموت في الغيبة رأى أن الموت لما وقع قبل مطالبته الحميل 2 تحمل به، صار ذلك كموت المتحمل به بالبلد، لكون الكفيل مغلوبا في الحالين على إحضار من تكفل بوجهه سواء مات بالبلد أو غائبًا عنه.
ومن ذهب إلى المطالبة بهذه الحمالة رأى أن مجرد الغيبة أوجبت غرامة الكفيل، بحصول التعدي بها، لكون الغيبة توجب الغرامة في المشهور عندنا.
فموت الشخص بعد وجوب سبب يوجب الغرامة وهو الغيبة، لا يرفع عنه الحكم.

هذا إذا كان قد غاب المتحمل بوجهه وقد حلّ أجل الدين.
فأمّا إن كان لم يحلّ، فعلى أصل أشهب الذي ذكرناه، تسقط الكفالة.
وأما ابن القاسم فإنه اعتبر موت المتحمل بوجهه: هل وقع في زمن يتّسع أن يمضي الكفيل ليأتي به، فتسقط الكفالة حينئذ، لكون هذا الغائب مات قبل أن تتوجه عليه مطالبة بالدين، وكون الكفيل لم يفرّط ولا تعدى في أمره.
وإن بقي من أجَل الدين مالًا يُحصّل أن يذهب الكفيل إليه، فيأتي به، لزمت الكفيلَ الغرامةُ.
قال ابن القاسم وإن قلت لكم غير هذا فاطرحوه.
وروي عنه أنه قال: إنما تعتبر في هذا مسافة قدوم الغريم بنفسه، من غير أن يضاف إلى هذا مسافة للخروج ليؤتَى به.
وكأنه قرر في اعتباره مسافةَ السير والرجوعَ كون الغريم قاصدًا المنع من الحق حتى يُنفَذَ إليه فيؤتى به لأخذ الحق منه.
واعتبر في القول الآخر أنه يُحمَل على الوفاء، و 1 التنصل من الحق، فأتى بنفسه من غير أن يُستدعَى خَوْفًا ميت إثمه بالمطل.
وإذا تقدم حكم الموت والغيبة، وأن على الكفيل المطالبة لإحضاره: فهل يتُلَوَّم له ليحضره أم لا؟ وقد غاب المتحمل بوجهه.
أما ابن وهب فإنه ذكر أنه يطالب بالغرامة ورأه أن ذلك جارٍ مجرى الحمالة بالمال، فإن الحميل ليس من حقه أن يؤخّر ليحضر الغريم فكذلك الحمالة بالوجه.
وبعض أشياخي يحمل قول ابن وهب، هذا، على أنه خلاف المشهور من المذهب في تمكين الحميل من طلب الغريم الذي تحمل بوجهه والتزم له في ذلك.

وبعضهم يحمله على أن مراده أنه لا يمكن من التلوّم الذي يضرّ.
ورأى أن كلامه محتمل لهذا المعنى.
ويشير إلى ارتفاع الخلاف في التلوم.
وإذا قلنا بالتلوم، وهو المشهور من المذهب، وقد غاب غيبة قريبة، ومقدار التلوم قيل فيه: اليومُ، ونحوه وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة أيام.
واختار بعض الأشياخ: يوم واحد، لأنه مقدار ما يتلوم في الحضور، وذلك ثلاثة أيام لكون الحميل يسافر فيأتي بالغريم مسافة يوم ويتأخر في طلبه يوم، ويأتي به في اليوم الثالث.
وإذا قيل: التلوم يومان اقتضى ذلك تأخيره خمسة أيام.
يومان في السفر إليه ومثلها في القدوم به ويوم في طلبه.
والقول بثلاثة أيام أبعد، لأن ذلك يقتضي سبعة أيام.
والأصح عندي في هذا مراعاة الضرر، فيُنْفَى، عمن له الحقُّ، ضررُ التأخير الذي يضر به، وينفى عن الحميل ضرر الاستعجال الذي يضر به.
فإذا تقرر هذا وأن الحميل بالوجه يبرأ باحضار من تحمل بوجهه، معسرًا أحضره أو موسرًا، في المشهور من المذهب، وإن كان قد روى ابن الجهم عن مالك أنه لا يبرأ إلا باحضاره موسرًا، لأنه إذا أحضره معسرًا لم ينتفع من له الدين بإحضاره، فصار حضوره كتغيبه، فإنه لو غاب وتوجهت الغرامة بغيبته، فأراد الكفيل بوجهه أن يثبت فقره لتسقط الكفالة عنه، لكونه إذا ثبت فقره انكشف من ذلك أن غيبته لم تضر بمن له الدين، لأنه لو احضره ما أفاد حضوره.
فإن هذا: مقتضى المذهب سقوط الكفالة بإثبات فقر المتحمل بوجهه إذا غاب.
لكن إنما يتوجه الحكم بالتقرير مع اليمين بعد إقامة البينة لأنهم 1 لا يعلمون له مالًا.
فإذا كان حاضرا وأثبت فقره وحلف سقطت الكفالة لاستيفاء شرائط الحكم بالفقر.
وإذا أثبت الكفيل فقر الغريم وهو غائب بقي من تمام

الحكم بالفقر يمينُه.
واستحلافه مع غيبته يتعذر.
فهذا قد يجري على قولين عندنا، لكون هذا اليمين يمينَ استظهار، لأجل التهمة بأنه أخفى مالًا، ويمين الاستظهار والتهم ليس من القوة ما للأيمان الواجبة عن الدعاوي المحققة.
واختار بعض أشياخي في هذا الاكتفاءَ بثبوت فقر الغريم في غيبته، وعدمُ استحلافه لا يثبت غرامة على الكفيل لأجل عدم اليمين، لما ذكرناه من كونها يمين استظهار.
وهذا على المشهور.
وأما على رواية ابن الجهم عن مالك: فلا شك في أن هذا الذي ثبّته الكفيل لا يسقط عنده 1 الكفالة، لأن ما رواه ابن الجهم أثبت فيه غرامة الكفيل بالوجه، ولو حضر الغريم وأثبت فقره وحلف على صحة فقره، فكيف بهذا الذي لم يحضر ولم يحلف.
واعلم أن الحمالة بالوجه تقتضي عندنا الزام الكفيل إحضار الغريم الذي تحمل بوجهه لوجاء بنفسه إلى من له الدين فقال له: ها أنا جئتك ومكنتك من نفسي وطلبي فأسقط الكفالة بوجهي عن الذي تكفل ذلك به.
فإن ذلك لا يسقط الكفالة.
هكذا ذكر في المدونة وغيرها.
لكن ابن المواز قال: إلا أن يكون الكفيل بالوجه قال للغريم: اذهب فسلم نفسك إلى من له الدين عليك.
ففعل الغريم، فإن ذلك يسقط الكفالة إذا ثبت ذلك، ويكون حينئذ الغريم كوكيل للكفيل على تسليبم الغريم لمن له الدين.
ونحن لا نشترط أن يُحضر الكفيل الغريمَ بنفسه، بل يجزيه أن يوكل من يحضره لربّ الدين.
ومذهب الشافعية سقوط الكفالة بتمكين الغريم من نفسه صاحبَ الدين لأن القصد بكفالة الوجه: لا يتغيب الغريم عن من له الدين إذا طلبه به.
وهو ها هنا لم يتغيب، وحصل المقصود من الكفالة، فلا يلتفت إذا حضر المقصود، إلى من حصل ذلك به: هل بالكفيل أو بالغريم؟ وإلى هذا ذهب محمَّد بن عبد

الحكم من أصحابنا، واختاره بعض أشياخي وزاد عن هذا أن يمكّن 1 من له الدين من طلب الغريم لكونه حاضرًا بين يديه وهو غير ممتنع عليه، يسقط الكفالة إذا ترك طلبه اختيارًا منه، وجرى ذلك مجرى تمكين الغريم من نفسه أو إتيان الكفيل به.
وهذا الذي قاله مما ينظر فيه، لإمكان أن يكون من له الدين إنما أعرض عن طلبه، ولم يجحف به، ثقة بأن الكفيل بوجهه يصونه عن التعب متى أراد طلبه، أو يمتنع الغريم من التغيب مراعاة لمن تكفل به، لئلا يسأله في الكفالة به فيفعل ذلك محسنا إليه فيسيء هو ويغيب حتى يغرم الكفيل.
لكن لو انضم إلى ذلك قرائن أحوال تَعلم منها ان الطالب أسقط الكفالة عن الكفيل لأجل تمكّنه من الغريم لحسن هذا الذي ذهب إليه.
وإذا تقرر أن تمكّن من له الدين من الغريم لا يسقط الكفالة، فإن الكفيل لو أتى بالغريم الذي تكفل بوجهه، وسلمه إلى من له الدين بموضع لا تأخذه الأحكام فيه، فإن هذا التسليم لا يسقط الكفالة إذا كان الغريم قادرًا على الامتناع ممن له الدين بسلطان أو فتنة أو كونه في مفازة لا يجد من يحكم له عليه، وهذا لأن المقصود من الكفالة بالوجه تحصيل الغريم حتى يؤذن 2 ما في ذمته.
فإذا كان تحصيله في حال يمتنع به من أراد 3 الحق، فالمقصود بالكفالة غير حاصل، فلم تقصد 4 مع عدم المقصود بها.
فلو سلمه بموضع يتمكّن من الطلب ولكن لا تحضر بينة، فإن ابن المواز رأى أن الكفالة تسقط، وإنما يمتنع سقوطها إذا وقع تسليم الغرماء في حال يمتنع الغريم بنفسه من أداء الحق ويمكنه ذلك.
وأما عدم البينة فإنه ليس ذلك منه ولا من سببه، فلهذا لم يتعين وجود البينة مع كون فقدها يمنع من التمكن من الغريم.
وقال محمَّد بن عبد الحكم:

إنما تسقط الكفالة إذا سلمه تسليمًا لا يمكن الامتناع منه كما لا يمكنه الامتناع وقت الحمالة.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا كالاختلاف 1 لما قاله ابيت المواز، وعلى هذا لو سلم الكفيل الغريم وهو محبوس في حبس القاضي، فإن هذا التسليم يسقط الكفالة، لكون المتكفَّل به يتمكن من طلبه وهو في الحبس، ويحاكمه عند القاضي الذي حبسه حتى يمكنه من حقّه، ويقضي بذلك على المحبوس.
وإن وجب حبسه زاد في مقدار أمد الحبس لأجراء هذا الطلب الثاني بحسب ما يقتضيه الاجتهاد.
لكن لو كان الحبس بغير حق ولا سبب فيه للغريم، بل حبسه سلطان تعدّيا عليه، ومُنع منه.
فإن هذا يجري مجرى موته، وموته مسقط للكفالة، فكذلك إذا كان هذا الامتناع ليس من الغريم ولا سبب له فيه.
وقد ينظر إلى هذه الطريقة التي اختارها بعض الأشياخ ما قاله ابن المواز من التسليم بموضع لا بينة فيه على الغريم، فتسقط الكفالة لكون عدم التمكن من أخذ الحق لا سبب فيه للغريم، وإنما يبقى النظر في إشارة محمَّد بن عبد الحكم في الكلام الذي ذكرناه عنه: إنما تسقط الكفالة بتسليم لا يمكنه الامتناع إلا كما يمكنه وقت الحمالة.
فهذا مما ينظر فيه.
وقد يفارق الموت حبسَه تعديا؛ لأن الموت غادٍ ورائح ولا يُرجَى صاحب التمكن من الطلب في المستقبل، ولا هو المقصود بكفالة الوجه، والمحبوس ظلما يمكن تتاول الحق منه والإعذار إليه فيه، والمقصود بحمالة الوجه أن يكون سببا إلى تحصيل ما في الذمة، فهذا مما ينظر فيه.
ولو كانت الكفالة مؤجلة فأتى الكفيل بالغريم قبل الأجل لم تسقط الكفالة عنه، لكون من له الدين لم يستحق الطلب فلا يفيده احضار الغريم، وهو لا يستحق طلبه.

ولو اشترط المتحمل له على حميل الوجه أن يحضر له غريمه يبلد سمّاه فأحضره بغيرها من البلاد مما تأخذ فيه الأحكام لا مضرة تلحق المتحمل له في أخذه هناك، فإن محمَّد بن عبد الحكم ذكر في كتاب.
الكفالة من كتابه أن في المسألة قولين.
وهذا عندي قد يلاحظ مسألة الشروط التي لا تفيد.
وكذلك ذكر محمَّد بن عبد الحكم لو اشترط على الحميل إحضار الغريم ببلد تأخذه فيه الأحكام فخرب ذلك البلد، وصار مما لا تجري فيه الأحكام، فإن إحضار الغريم فيه قولان أيضًا: أحدهما أن (الغريم 1 لا يبرأ) لأنه وفّى بما اشترطه له عليه.
والثاني أنه لا يبرأ، لأن المقصود حين الاشتراط التمكن من أخذ الحق من الغريم.
وإذا صار البلد المشترط لا تجري فيه الأحكام بطل المقصود بالحمالة فلم تسقط.
ولو اشترط الكفيل في الكفالة بالوجه: أنك إن لقيت غريمك سقطت الكفالة عني.
فإن هذا الشرط يعتبر.
فإذا لقيه سقطت الكفالة.
لكن إذا كانت اللقيا بموضع يتمكن منه ومن طلبه.
فأمّا إذا كان بموضع لا يتمكن من طلبه فهذه اللقيا لا تفيد، فأشبه ذلك إحضار الكفيل في موضع لا تأخذه فيه الأحكام كما تقدم بيانه، إذا أطلق الحمالة ولم يقيدها بموضع يحضو فيه الغريم، لكنه يتمكن فيه من الطلب فإنه تسقط الكفالة كما بيناه، ولو عدم البينة فيه كما حكيناه عن ابن المواز وعند أصحاب الشافعي إن الكفالة لا تسقط مع الإطلاق لذكرها 2 إلا بأن يسلمها بالبلد الذي وقعت الحمالة فيه، قياسًا على السلم المطلقال في لا يقيد فيه القبض ببلد، فإن القبض يكون بالبلد الذي وقع فيه العقد.
وهذا القياس لا نسلمه لأن السلع تختلف لاختلاف البلاد في أسعارها

وفيها اغراض للناس، ألا ترى أنه لو باع سلعة بدنانير إلى أجل فحلّ الأجل، والمتعاقدان في بلد آخر، فإنه يقضى بالدنانير لعدم اختلاف الاغراض فيها باختلاف البلاد، بخلاف غيرها 1 فيه اغراض باختلاف البلاد، وتسليم الكفيل بالوجه المكفول بوجهه يحصل الغرض فيه للمكفول له في سائر البلاد، ولا يبقى على "هذا إلاما قاله ابن المواز من سقوط الكفالة بموضع يسلم فيه الكفيل الغريم ولا بينه للطالب.
وقد ذكرنا ما فيه.
ولو اشترط الكفيل ألاّ مطالبة عليه بالمال، وإنما عليه طلب الغريم والبحث عنهُ، فإن له شرطه، ولا يغرم مالا إن غاب الغريم، ويؤمر بطلبه، وإن لم يفعل واتهم فيه حتى يفعل.
وإن طلب فلم يجد فلا غرامة عليه.
ولو كان الغريم قد غاب إلى بلد قريب لكلف الكفيل طلبه فيه حتى يحضره وقد قيل: القريب ما كان على مسافة اليوم واليومين.
وقد قيل: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلَّفه، وما يضعف عنه من السفر فلا يكلفه.
وقيل: لا 2 يكلف السفرَ، وإن كان أيامًا، إلاَّ ما كان بعداً متفاحشًا خارجا عن أسفار الناس المعتادة.
ولو كان الكفيك يطلب عيب 3 الغريم ولقيه فتركه حتى عاد 4 ففرّط فيه، فإنه يغرم المال، وكأنه المقاصد بذلك إتلاف مال غيره بعد أن التزم صيانة 5. ولو زعم الكفيل لما أمر بالخروج في طلب الغريم إنه فعل لصدق في ذلك، إذا كان ذلك بعد مدة يمكن أن يخرج ويرجع.
وبعض أشياخي كان يخرّج هذا على مسألة المدونة في الأجير المستأجَر على تبليغ كتاب إلى بلد آخر، فقال: بلّغت: هل يصدق في ذلك أم لا؟.
في المدونة قولان.
فكذلك تصديق الكفيل ها هنا في قوله: خرجت وعدت، يجري على القولين

وهذا فيه نظر لكونه ها هنا يحاول بمجرد دعواه إثبات دين في ذمة أخرى، والديون لا تثبت في الذمم إلا ببينة، وهاهنا لا تثبت بدعواه دينا على آخر، وإنما يبرىء نفسه مما التزم من الطلب وهو مما لا يمكن فيه إقامة اليينة، فكأن الكفيل والمكفول له دخلا فيه على تصديق الكفيل.
فهذا مما ينظر فيه.
وقد تكلمنا على موت المكفول بوجهه، وبيّنّا أن موته يسقط الكفالة.
فلو كان الموت إنما حدث بكفيل الوجه، فإن المشهور من المذهب أن الحمالة لا تسقط عن حميل الوجه بموته، وكأنه إنما التزم حقا في ذمته، فلا يسقط بالموت.
ورأى عبد الملك بن الماجشون أن موت الكفيل بالوجه يسقط الكفالة عنه، ولا يطالب بها ورثته بعده.
وكأن ما التزم من الكفالة معلق بعينه كما علقت بعين المكفول به.
وإذا قلنا بأن الكفالة لا تسقط طُلِب ورثة الغريم، فإن لم يفعلوا تعلقت الغرامة بتركة الكفيل بالوجه، على حسب ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى في موت الكفيل بالمال.
وإذا تقرر أن موت الغريم يسقط مطالبة من تكفل بوجهه، لكونه مغلوبا على 1 احضاره بأمر لا قدرة له على دفعه عنه، وهو الموت، بخلاف التغيّب الذي يمكنه أن يتحفظ به حتى لا يغيب، فإن موت الكفيل بالوجه فيه قولان: هل تسقط الكفالة بموته فيطالب احضارَ الغريم و 2 ورثتُه، ويؤخذ الدين من تركته، وهو المشهور؟ أو تسقط الكفالة كما حكيناه عن عبد الملك ابن الماجشون.
وأما موت الكفيل بالمال فإن الكفالة لا تسقط عنه بموته من غير خلاف، إذا كانت في أصل العقود.
ولو كانت بعد العقد، فهل تبطل بالموت أو

تجري مجرى الهبات؟ فيه قولان.
وقد تقدم ذكر ذلك.
ولو كان الدين مؤجلًا فمات الحميل بالوجه، وقلنا بالمشهور إن موته لا يسقط الكفالة، فإن ورثته مطالبون بإحضار الغريم، فإن أحضروه سقطت الكفالة، كما لو أحضره الميت الذي تكفل به فمات، ورثوه.
لكن قال ابن المواز: إذا أحضره أحدُ الورثة برئت التركة من المطالبة، ولو كان الدين مؤجلًا.
وعارض هذا بعض الأشياخ المتأخرون، وقالوا: لا يحسن أن تسقط الكفالة المتوجهة في تركة الكفيل بالوجه إذا مات، بإحضار ورثة 1 الغريمَ قيل الأجل، لأن ذلك إحضار لا يفيد من له الدين، إذ لا يقدر على مطالبة الغريم الذي أتي به إليه قبل أن يحل الأجل.
ولعل ابن المواز رأى أن حكم هذه الحمالة المؤجلة حقت بموت الحميل كما يحلّ على الحميل المال الديُن المؤجلُ إذا مات الحميل به، وما ذلك إلا لما يلحق ورثته من الضرر في منعهم قسمة التركة.
وقد يتعلق بهذا حق المتحمّل له لإمكان أن يحل الأجل ويتغيب الغريم، فتتوجه الغرامة على الكفيل بوجهه وقد مات، فيكون الحكم أن يؤخذ من تركته ما ترك عليه من دين استحقه المتحمل له.
ولا تصح قسمة ميراث ميّت قبل أن تقضى ديونه.
وأما الديون المؤجلة فإنها تحل بموت الغريم من غير خلاف.
وهل تحل على الحميل بالمال بموته أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: اختار ابن القاسم أنها تحل كما تحل على الغريم بنفسه إذا مات.
ومذهب عبد الملك أنها توقف حتى يحل الأجل، فإن لم يوجد للغريم مال أخذ ما وُقف من تركة الحميل فدفع لمن له الدين.

ومذهب ابن نافع أن تركة الحميل إذا كانت مأمونة واسعة، فإنها لا يؤخذ الدين منها معجلا ولا موقوفًا حتى يحل الأجل.
وإن كانت غير مأمونة عجل الدين.
فكأن القولَ بني على أحد قولي مالك في أن من له الدين غير إذا حل دينه، بين أن يطلب به الغريم أو الذي تحمل ما عليه.
فيصير على هذا على هذا القول الحميلُ بالمال كالغريم نفسِه، فإذا اتفق على أن الغريم نفسَه إذا مات حل الدين المؤجل الذي عليه فكذلك الحميل، لأنه كغريم آخر.
وعلى القول الثاني لمالك أنه لا يمكن من أخذ الدين من الحميل إلا إذا تعذر أخذه من الغريم (لأجل الدين) 1. ولكن يبقى النظر في وقفه إلى أجل، ومنع الورثة من التصرف في مقداره من التركة لحق من له الدين، إذ إبقاؤه مضرة على الورثة، وعلى من له الدين، لإمكان أن يضيع فيضير 2 ضياعه الورثة ويضر من له الدين.

والجواب عن السؤال التاسع أن يقال: أمّا تكثير الحملاء بالوجه أو بالمال فذلك جائز، لأن الغرض بالحمالة التوثق فأشبهت الرهبان، والبرهان يجوز أخذها وإن كثرت أنواعها.
ولا فرق في هذا بين الحمالة بالمال أو الحمالة بالوجه.
ولو تكفل ثلاثة رجال بوجه رجل لصح ذلك وبرىء من الحمالة من أحضره منهم وحده، ولا يبرأ الحميلان الآخران حتى يحضره كل واحد منهما.
ولو انضاف إلى هذا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة حميل بصاحبه لسقطت الكفالة عنهم أجمعين بإحضار واحد منهم الغريم، لأن كل واحد منهم لما تحمل بصاحبه صار كالوكيل له على احضار الغريم.
وقد قررنا أن موت الغريم لا يسقط الحمالة بالمال ويسقط الحمالة لالوجه، وموت الحميل بالمال لا يسقط

جارٍ التحميل