شرح التلقينصفحات 98-137

كتاب الجنانز

صفحات 98-137

فبعضهم مثل بالمكاتب لما كان ليس لسيده الحجر عليه، وبعضهم مثل بما يعطيه لقُوته لما كان ليس له أن يحجر عليه أيضًا فيه.
وصار بعضهم إلى اعتذار آخر سلك فيه طريقة أخرى، فقال: المراد بما وقع في الكتاب من هذا أن السيد لا يجب عليه أن يمنعه من هذا لكونه في حكمه.
وقد حاول فعلًا حرامًا، لأجل أن السيد لما رضي له بالمقام على دينه صار كالراضي له بالجري على أحكامه.
فأشار بهذا إلى نفي وجوب تغيير هذا المنكر على السيد، كما يجب ذلك عليه لو حاوله عبد له مسلم.
وهذا تأويل وإن لم يبعد في معناه فقد بعد عن مقتضى لفظ الكتاب؛ لأنه قال: ولا ينبغي للمسلم أن يمنع عبده النصراني من شرب الخمر وبيعها وشرائها.
وقوله: "لا ينبغي" كالنهي له عن أن يفعل.
وهؤلاء حملوا ذلك على أن المراد به: لا يجب عليه أن يفعل، وإن كان مباحًا له أن يفعل.
وهذا يبعد حمل هذا اللفظ عليه.
وقد اختلف القول عندنا في منع الزوج المسلم زوجته النصرانية من شرب الخمر، وأكل الخنزير، والخروج إلى الكنيسة.
فقيل: ليس له منعها من أحكام دينها وما هو من شرائعها؛ لأنه إنما نكحها على ذلك، وعلى ذلك تزوجته.
وقيل: له منعها من ذلك، ومن إتيان الكنيسة إلا في الفرض والأمر النادر.
وقد أجاز في الكتاب وكالة العبد.
ولكن لو وُكِّل عبد أجنبي والعبد الوكيل محجور عليه، لكان لسيده طلب إجارته فيما تولى من سعي في العقد، لكون سعيه ومنافعه يملكها عليه، فليس لغيره أن يتملكها ولا ينتفع بها دون إذن سيده، ولو كان العبد مأذونًا له في التجارة والسعي في مثل هذا، والنيابة فيه من مصالح تجارته ومن جملة ما تضمنه إذن السيد له فيه، فإنه لا أجرة على من وكله.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: إنه قد تقرر أنه ليس لأحد أن

يتصرف في مال أحد إلا على حسب ما أذن له فيه الشرع، وإن أذن له فيه المالك.
وهذا يقتضي نص الوكيل على مقدار ما أذن له فيه.
فإذا وكِّل على أن يُسْلِم في طعام، فأسلم إلى نفسه، أو من في معنى نفسه، فإن هذا مما يتعقب عليه، لتطرق التهمة إليه.
فأمّا إسلامه إلى نفسه، فالمعروف من المذهب عندنا منعه من ذلك، لاتضاح التهمة فيه، وكون الموكل يستشعر منه أنه إنما وكله على إسلام ماله لمن يَستقْصِي في الاجتهاد في مماكسته، واستصلاح ما يعقد منه، ولا يمكن في العادة أن يؤثر أحد على 1 أحد على نفسه.
وقد اتفق على أن رب المال لو صرح حين الوكالة بأني إنما أوكلك على أن تُسْلم إلى من سواك، فإنه ممنوع أن يسلم إلى نفسه، ومتعدٍّ في ذلك إن فعله.
ولو صرَّح له، بأني وكلتك أن تسلم إلى من شئتَ حتى نفسك؛ لكان له أن يسلم إلى نفسه، ويكون الموكّل كالواهب له بعض ماله، إن نَقَصَ في الاجتهاد وحابى نفسه.
وإن لم يصرح بهذا ولا هذا وأطلق القول فَعلى ماذا يحمل؟ ها هنا يحسن الخلاف، فالمعروف من المذهب المنع كما قدمناه.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب في الوكيل إذا باع واشترى بأثمان لا محاباة فيها فإن ذلك جائز.
فلعلّه قدر أن إتيانه بثمن يُستدل به على أنه لو لم يبالغ في الاجتهاد لم يأت إلا بأقل منه يرفع عنه التهمة، وتطيب نفس الموكل عليه.
فلهذا أمضاه.
وقد وقع في المذهب ما يدل على اضطراب في هذا الأصل إذا فعل ذلك الموكل، هل هو يجري على أحكام الغاصب في فعله، أو على أحكام من فعل شيئًا بوجه شبهة؟ وضبط المذهب في هذا أنه إذا لم تفت السلعة التي باعها من نفسه، ولا تغيرت في ذاتهالأولا في سوقها، فإنه من حق الموكل أن يستردها، ويفسخ عقده فيها، إلا ما ذكرناه عن القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب من إمضاء ذلك، على التفصيل الذي حكيناه عنه.
وإن لم يشعر بذلك الموكّل حتى فاتت

السلعة وعُدِمت عينها فإنه يكون لربها الأكثرُ من الثمن الذي أتى به، أو قيمتُها.
وإن فاتت بتغير سوقها، أو ذاتها، ففي المذهب قولان: هل لصاحبها استرجاعها، وفسخ البيع فيها، كما له أن يسترجع سلعته من يد غاصب لها، وأن تغيرت ذاتها وأسواقها.
أو يمضي ذلك ولا يكون له أخذ عينها بل له الأكثر من الثمن أو القيمة؛ لأنه ليس كالغاصب.
والمتعدي فيما فعل من البيع من نفسه، لأجل ما في ذلك من الشبهة والتأويل.
وقد ذكر في كتاب القراض من المدونة، فيمن اشترى سلعة بدنانير، ثم بعد شرائها ذهب لرجل أخذ منه مالًا قراضًا، وأراد أن ينقده في تلك السلعة التي اشتراها: إنه يُنهى عن ذلك؛ لأنه يُخاف أن يكون استقلالها 1 بعد اشترائها، فأراد أن يصرف ما وقع من غبن فيها إلى مال القراض.
وهذا إشارة منه إلى أنه ليس كالمعزول عن البيع من نفسه، ولا كالغاصب الذي لا تأويل له ولا شبهة؛ لأنه إنما علل بتهمته فيما فعل، فإذا ارتفعت التهمة مضى فعله، على مقتضى ما حكيناه عن القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وقال أيضًا غير ابن القاسم في كتاب القراض: كل من وكِّل على بيع فباعه من نفسه، وأعتق العبد الذي اشتراه من نفسه، فإن عتقه مردود، إلاَّ المقارض إذا 2 كان له فيما أعتق شركة من ناحية الربح، فلم ير عتق الوكيل الذي اشترى من نفسه ماضيًا ولا أمضى العتق بحِرمته، بل جعله كالغاصب يعتق ما غصب، فإن عتقه غي رنا فذ إذا رده مالك العبد.
ولو أراد مالك العبد إلزام الغاصب قيمة العبد، لأجل عتقه إياه، فإن ابن شعبان ذكر في هذا قولين: أحدهما أن ذلك ليس من حقه، لكون العبد لم يتغير في نفسه ولا سوقه، ولم يُحدث الغاصب سوى كلام لا تأثير له في عين العبد المغصوب.
والقول الآخر أن ذلك من حقه، وما هذا إلا أنه قدر أن الغاصب لما أعتقه فكأنه التزم قيمته لربه، فلرب العبد أن يطلبه بما التزم.

وذكر ابن حبيب أن الوكيل على بيع سلعة فاشتراها وباعها بربح، أن الربح للموكِّل، وكذلك الوصي إذا اشترى لنفسه من مال الأيتام الذين في ولأنه شيئًا وباعه بربح، فإن الربح لهم.
وهذا الذي ذكره قد يهجس في النفس أنه أمضى شراءه من نفسه، فلهذا لم يقل: إن للموكل أن ينقض ما فعل، ويشتري ما باعه الوكيل بعد أن اشتراه لنفسه.
لكن يمكن أن يكون إنما لم يقل ذلك لأنه رأى أن بيعه من نفسه غير واقع ولا لازم وهو كالعدم، فبيعه بعد ذلك نافذ بحكم ما تقدم من وكالة رب السلعة، ولم تعتبر نيته وقصده فيما باع أنه إنما باعه على ملك نفسه لا على ملك من وكله.
فأنت ترى هذا الاضطراب المشعر بما ذكرناه من رد المسألة إلى كون الوكيل معزولًا عن البيع من نفسمعتى يكون متعديًا في ذلك إن فعل، أو ليس كالمعزول لأجل تأويله، وللشبهة التي يتعلق بها في هذا من الإذن له في البيع عمومًا، مع كون الموكل إنما غَرَضُه تحصيل الثمن لا النظر في أعيان من يشتري سلعته.
وإذا كان البيع وقع عن ملك أو شبهة الملك نُفِّذ كما ينفذ بيع من اشترى سلعة شراء فاسدًا ثم باعها بيعًا صحيحًا، على ما سيرد بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما بيعه مِمن تتطرق التهمة إليه في البيع منه، كبيعه من ولده الصغير الذي في ولايته أو يتيم في ولايته، فإنه منع ذلك في المدونة، ورأى ذلك يتنزل منزلة نفسه في تطرق التهمة إليه، وأجاز ذلك سحنون لما كانت العهدة في مال ابنه ويتيمه لا في مال نفسه، فلم يمنع من ذلك كما لم يمنع من بيعه من ولده الكبير ومن زوجته.
والنكتة التي تعتبر في هذا ما قدمناه من تطرق التهمة إليه وقربها منه أو بعدها عنه.
هذا سبب الاضطراب في بيع الوكيل ممن في ولايته.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: اعلم أن هذا السؤال جوابه يدور على ما قدمناه من اعتبار ما صرح به الموكّل، أو قام مقام التصريح بدلالة قرائن الأحوال أو العادة.
فإنا نقيد مطلق

الأقوال بقرائن الأحوال، فإذا وكل رجل رجلًا على شراء ثوب أو خادم، فاشترى له من الثياب أو الخدم ما يصلح للباسه وخدمتهء فإنه يلزمه ذلك.
وإن اشترى له ما لا يصلح له ولا يليق به من ذلك، فالمذهب على قولين: لم يُلزمه ابن القاسم ذلك.
وألزمه إياه أشهب.
وخلافهما راجع إلى ما قدمناه، فقد علمت أن قوله: اشتر لي ثوبًا؛ عموم ينطلق على كل ما يسمى ثوبًا، كان الثوب مما يصلح للموكِّل أو لا يصلح له.
لكن ربما اقتضت العوائد دلالة على قصده أنه أراد شراء ثوب يصلح للباسه.
فمن اعتبر عموم المقال، ولم يخصصه بالعوائد، قال بمذهب أشهب.
وبين الأصوليين خلاف في تخصيص العموم بالعادة.
والموكّل على شراء سلعة لا يخلو أن يكون يُقيِّد المثمون والثمن، أوْ لا يقيدهما جميعًا، أو يقيد المثمون دون الثمن، أو الثمن دون المثمون.
فإن قيدهما فخالف الوكيل ما قيّد له، كان متعديًا من غير خلاف، مثل أن يقول له: اشتر لي ثوبًا يصلح للباسي بأربعين دينارًا.
فاشترى له ثوبًا لا يصلح للباسه بخمسين دينارًا.
فإنه لا يلزم الموكل لكونه خالف ما قيد له في الثمن والمثمون.
وهذا لا خلاف فيه.
وإن أطلقهما جميعًا فقال: اشتر لي ثوبا.
فإنه إن اشترى ثوبًا يصلح للبالس الموكل بقيمة مثلِه، فإنه يلزم الموكِّلَ ذلك.
وإن اشترى له ثوبًا بثمن فاحش خارج عن العادة لم يلزم ذلك الموكلَ؛ لأنه كمُتْلِف مالِه عليه، ولم يوكّله على إضاعة ماله وإتلافه.
وسواء في هذا اشتري له ما يصلح للباسه، أو لا يصلح للباسه.
وإن قيد المثمون دون الثمن، فقال: اشتر لي ثوبا.
يصلح للباسي، فإنه إن اشتراه بقيمته لزم ذلك الموكلَ، وإن اشتراه بزيادة خارجة عن المعتاد على قيمته، لم يلزم ذلك الموكلَ.
وإن قيد الثمن دون المثمون، بأن يقول له: اشتر لي ثوبًا بأربعين دينارًا.

فها هنا.
اختلاف بين الأشياخ، ما الذي يقتضيه مذهب ابن القاسم ها هنا؟ فرأى بعضهم أن التقييد بالثمن يرفع التقييد في المثمون، وأنه إذا اشترى له بأربعين دينارًا ثوبًا يصلح للباسه أوْ لا يصلح للباسه، فإنه يلزمه؛ وإن كان ابن القاسم يرى أن الإطلاق في المثمون يتقيد بحكم العادة، ويُقصَر الوكيل على شراء ما يصلح للباس الموكِّل، لأجل أنه إذًا قيد الثمن ها هنا أشعر بأنه لم يقصد إلا 1 إلى تحصيل ما يساوي أربعين دينارًا على أي حال كان مما يصلح للباس الموكل أوْ لا يصلح.
ورأى بعضهم أن هذا التقييد في الثمن لا يدفع التقييد في المثمون الذي اقتضته العادة مما يصلح للباس الموكل.
واعلم أن التقييد في الثمن لا يوجب المنع من زيادة يسيرة عليه؛ لأنه قد علم في العادة أنه لا يتفق غالبًا شراء سلعة بما يحدَّد في شرائها من الثمن، ولا بدَّ عند المماكسة فيها من زيادة على ما حَدَّ من الثمن أو نقصان منه.
فأما النقصان منه فلا اعتبار به وإن كثر؛ لأن ذلك أبلغ في الاجتهاد للموكل وأنفع له.
وأما الزيادة الكثيرة فإنه لا يلزم الموكلَ الاستغناء 2 عنها.
وأما الزيادة اليسيرة كمن حد له أربعون دينارًا، فاشترى بأحد وأربعين، فإن ذلك يلزم الموكل للحاجة إلى مثل هذه الزيادة، وأنه لا يستغنى عنه.
فإن وقع الوكيل في زيادة كثيرة لم يلزم ذلك الموكل لكونه خارجًا عما حَدَّ له، وعما هو في حكم ما حد له، وإن زاد زيادة كبيرة كان الموكل بالخيار، إن شاء قبل ذلك منه ورضي به، وإن شاء ألزمَه غرامة الثمن الذي حَدّ له ودفعه إليه.
وأما الزيادة اليسيرة فإنها تلزم الموكل، على حسب ما قلناه، وبيّنا وجهه.
لكن هل يصدق الوكيل في أنه زادها، ويطلب ذمةَ الموكل بها؟ وإن هلكت السلعة التي اشتراها له هل يجري على قولين، وهما: من أمران يُخرج ما في ذمته إلى أمانته، هل يُقبل قوله، في أنه أخرج ذلك إلى أمانة،

حتى يكون مصدقًا في ضياعه، أو لا يصدق في إخراجه من ذمته؟ وسنبسط الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا وكل رجل رجلًا على أن يبيع له أو يشتري، فليس للوكيل أن يوكل غيره، لما قدمناه من كون أملاك المالكين لا يُتصرف فيها إلا على حسب ما أذنوا فيه، وهو إنما أذن لهذا الوكيل بعينه في التصرف في ماله، ورضي بأمانته دون أمانة غيره، فهو متعد إذا خالف ما رَسَم له مالك المال.
فإذا وكله على أن يُسلِم له في طعام، فوكّل الوكيل غيرَه على ذلك، فإنه لا يلزم الموكِّلَ ما فعله الوكيل الثاني، لكونه لم يُلْزَم ما عُقِدَ عليه إلا إذا فعله من أذن له فيه، وهو لم يأذن لوكيل الوكيل.
وذكر ابن حبيب أنه قد قيل: إن الوكيل الثاني إذا اجتهد، وتوثّق، وفعل ما يفعله الأول، فإن الموكل ليس له نقض هذا الفعل.
وهذا لا يصح إلا على اعتبار المفاسد، وأن رب المال قصده تحصيل عقدٍ على طعام بولغ في الاجتهاد فيه، وفي التوثق في عقده.
والمعروف من المذهب ما قدمناه، وأن ذلك لا يلزم الموكِّل الأولَ على الإطلاق.
فإذا قلنا بالمعروف من المذهب، فلا يخلو من أن يكون شعَر بذلك مالك المال، وهو لم يدفع إلى من عُقِد السلمُ عليه، أو أُسلِم إليه وهو قائم العين في يديه، أو أسلم إليه وقد ذهب الثمن من يديه وغاب عليه، أو لم يشعر بذلك إلا بعد أن حل أجل السلم وقبض المسلم فيه.
فإن شعر بذلك قبل أن يدفع الوكيل رأس المال كان رب المال بالخيار بين أن يجيز فعل هذا الوكيل الثاني، ويمضي عقده ويأمره بدفع الثمن، أو يرد عنه ويسترجع الثمن.
وكذلك إذا شعر بهذا بعد دفع الوكيل الثاني الثمن ولم يغب عليه من هو في يديه ممن أسلم إليه.
وأما إن غاب عليه فإنه صار دينًا على الوكيل الأول لتعدّيه ما أُذِن له فيه، فلرب المال، ها هنا، أن يرد فعله، ويطالبه بغرامة المال الذي دفع إليه.
وهل له أن يجيز فعله ويمضيه؟ منع ذلك في الكتاب، ورآه كفسخ دين في دين، لأجل أن هذا الثمن

كمًا 1 تعدّى فيه الوكيلُ الأول صار دينًا عليه لرب المال، له المطالبة به، فإذا عزل 2 عن المطالبة بهذا المال الذي صار له دينًا على الوكيل إلى الرضا بأخذ ما أسلم فيه، فإنه فسخ دينًا وهو رأس المال الذي استحقه على الوكيل المتعدي في طعام يقبضه إلى أجل من ذمة المسلم إليه.
وقيل: ذلك جائز له ولا يكون هذا فسخ دين في دين؛ لأنه لا يكون الثمن دينًا على الوكيل إلا إذا رضي رب المال بإغرامه إياه ولم يرض بإمضاء عقده، فحينئذ يكون دينًا على الوكيل فيمنع من فسخه في دين آخر.
وأما إذا لم يختر تضمين الوكيل، واختار إمضاء ما فعله، فلم يملك دينًا على الوكيل يقدَّر فيه الفسخ، فلا يمنع من الرضا بإمضاء ما فعله؛ لأنه لم يتحقق فسخُ الدين في الدين.
وهذا جَار على أصل تدور عليه فروع كثيرة تذكر في مواضعها، وهو من خُيِّر بين شيئين، وملك أن يملك، هل يُعدّ في اختياره أحد القسمين منتقلًا عن الآخر أم لا؟.
وهل يقدر فيمن ملك أن يملك كأنه استقر ملكه عليه حتى يَصير منتقلًا عنه إلى ما سواه، أم لا؟ يقدر أنه قد استقر ملكه عليه فلا يتصور فيه النقل من وجه إلى وجه؛ وهذا يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى 3 وأما إن لم يشعر بذلك حتى حل الأجل، وقُبض المسلم فيه، فإنه يكون بالخيار بين أن يطلب الوكيل برأس المال الذي تعدى فيه، أو يرضى بإمضاء فعله، ويكون الطعام له، ولا يتصور في هذا فسخ دين في دين، ولا يختلف فيه، لكون ما خير فيه قد حضر جميعُه وحل.
وقد قدمنا أن المعروف من المذهب منع الوكيل من أن يوكل غيره، لكن لو صورت المسألة في وكالة رجل مشهور بعلوّ المرتبة، وجلالة المقدار، ويعلم أنه لا يتولى مثل ما وكِّل عليه بنفسه، بل يستنيب فيه، فإنه إذا كان من وكله عالمًا بحالته هذه، فإنه لا يكون متعديًا بوكالة غيره، من غير خلاف؛ لأن الموكل لما علم حاله، وأنه لا يباشر هذه الأمور بنفسه، بل يستنيب فيها، صار

المقصود من وكالته أن يوكل على ما وكل عليه.
لكن لو كان الوكيل مشهورًا بهذا الحال من الجلالة المانعة من كونه مباشرًا لهذه الأمور بنفسه، ولم يعلم بذلك رب المال، فإن هذا مما تردد فيه كلام الشيخ أبي إسحاق، وقال: إن الأشبه ألا يضمن هذا الوكيل؛ لأنه يقول: ليس جهلُ من وكلني بالموجب عليَّ الخروجَ عن عادتي، فإنه 1 غير متعدٍّ بجرياني على عادتي.
ثم أشار إلى أن الوكيل لا يصدّق في أنه لم يعلم حاله لكونه ادعى ما يكذبه فيه العرف غالبًا.
وهذه إشارة إلى التعليل يكون الموكل عالمًا بحال الوكيل ونحن لو صورنا المسألة في علم الموكل بحالته لارتفع الإشكال.

فصل في تعدي الوكيل

إذا خالف الموكَل، فلا تخلو مخالفته له من أربعة أقسام: أحدها: أن يخالف في الجنسية أو في النقدية أو فيهما جميعًا، أو يخالف في العددية خاصة، مثل أن يأمره بأن يبيع له سلعة بدنانير، فباعها بطعام أو عرض، أو يأمره أن يبيعها بدنانير أو عرض نقدًا، فباعها بذلك إلى أجل، أو يأمره أن يبيع بعشرة فباعها بثمانية.
فأما إذا خالفه فيما أمره أن يبيع به من الأجناس، فإن الموكل لا يلزمه ما فعل الوكيل، وسلعته باقية على ملكه؛ لأنه لم يأذن بأن ينقل عن ملكه إلا على صفة شرطها على الوكيل، وإذا فعلها على صفة أخرى لم ينتقل ملك الموكل عنها، وأن شاء الموكِّل أجاز تعدِّيَهُ، وقَبِل الثمن الذي عقد الوكيل به وإن لم يكن تقدم إذنه فيه.
هذا هو الأصل لأن من تعدى له على سلعة، فبيعت بغير إذنه، فإن الخيار في إمضاء ما فعل المتعدي، من بيعها، أو نقض فعله، وإبقاه 1 على ملك نفسه، على حسب ما كانت عليه قبل الوكالة.
وقد ذكر في المدونة: أن من وُكِّل على بيع عرض أو طعام، فباعه بعرض أو طعام، فإن الوكيل ضامن، إلا أن يشاء الموكل أن يجيز فعله ومضيَّه 2، ويأخذ ما عقد به من الثمن.
ولكن أكثر القول في تعقيب هذا الجواب الذي ذكر في المدونة لأجل أنه

ذكر في السؤال أنه وكل على بيع طعام أو عرض فباعه بطعام أو عرض، ثم أجاب عن هذا بأن الوكيل 1 غير بين أن يرد ما فعل الموكِل 2 أو يمضيه، ويأخذ الثمن الذي باع به.
وقد اشتمل السؤال على وكالته على بيع طعام، فباعه بطعام وإذا كان بيعه بطعام لا يلزم الموكلَ لأنه وإن أطلق له الإذن فالعادة البيع بالدنانير والدراهم، فالمخالفة له فيما أطلق من هذا على مقتضى العادة كمخالفته فيما شرطه وأمران يباع به، نُطقًا، كان مشتري هذا الطعام من الوكيل اشترى طعامًا فيه خيار لمالك بطعام يدفعه لوكيله، ولا يجوز فيما من شرط صحة عقده التناجز أن يعقد على خيار.
وهذا يجاب عنه بأن يقال: أما لو علم المشتري بأن الوكيل متعد في هذا البيع وعقده معه على أن لمالك الطعام خيارًا في هذا العقد، إن شاء استرد طعامه من يد المشتري وإن شاء أبقاه له، وأخذ الطعام الن في دفعه المشتري ثمنًا عن طعام هذا الموكل.
فإن هذا العقد فاسد.
لأجل عدم التناجز.
وأن عقده على الخيار مانع من حصول التناجز.
وأمّا إن لم يعلم المشتري بتعدي هذا الوكيل، واعتقد أنه (عقدًا جائزًا له لازمًا) 3، فإن هذا جار على القولين المشهورين في هذا الأصل.
وابن القاسم يمنع هذا، وأشهب يجيزه.
وسبب هذا الاختلاف أن من قدّر أن العقد لم يزل منبرمًا جائزًا لما أجازه الموكل حين علم به، لم يتعقب هذا العقد، ورأى أن إجازة الموكل لفعل الوكيل يتضمن كون الوكيل لم يعقد إلا عقدًا ماضيًا جائزًا.
ومن قدر أن هذا العقد لم يُبرم ويَلزَمْ إلا الآن حين علم الموكل فأجاز، أبطل هذا العقد لأنه لم يحصل فيه التناجز حين عقده، وإنما حصل فيه التناجز حين أمضاه الموكل وأجازه.

وعلى هذا الأصل جرى الاختلاف في نكاح، حكم الولي فيه بالخيار في رده أو إمضائه، فأمضاه بعد أن وطيء الزوج زوجته، ثم زنت، فإن قدّرنا أنه لم يزل ماضيًا حين العقد لمّا أمضاه الولي الآن، كانت الزوجة بالوطء الذي تقدم إجازة الولي محصنة لأن الوطء وقع بعد عقد ماضٍ منبرم.
ومن لم يقدر ذلك، ورأى أنه إنما انعقد وانبرم حين أمضاه الولي، لم تكن بالوطء المتقدم 1 إجازته للولي محصنة؛ لأنه وطءُ "ليس بواقع في نكاح منعقد".
إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر جريانها على هذا الأصل.
فهذا بيان القول فيما تعقب من الجواب الواقع في المدونة في هذه المسألة متى بقيت دلالة ألفاظها على ظواهرها.
وأشار بعضهم إلى حملها على وجه يغني عن هذا الاعتذار، وأجراها على الخلاف، فقال: إن ما ذكر في المدونة في السؤال أنه وكل رجلًا على بيع عرض أو طعام، فباعه الوكيل بعرض أو طعام، فيمكن أن يكون لم يُرد أن البيع وقع بكل واحد من الجنسين المذكررين، في الجواب على أحد الجنسين المذكررين في السؤال، وإنما أراد به باع ما وكل عليه من العروض بطعام أو باع ما وكل عليه من طعام بعرض، فذكر هذا على جهة المقابلة، لكون نوع في الجواب لنوع خلافه وقع في السؤال.
فإذا كان المراد هذا لم يتصور في المسألة تعقب من ناحية بيع الطعام بطعام.
وقد ذكر في رواية الدباغ في المدونة جواب هذا السؤال، وقال: يباع العرض الذي أخذه الوكيل ثمنًا وإن كانت السلعة الموكَّل على بيعها قائمة.
فإن كان ثمن هذا العرض يفي بقيمة العرض الذي وكَّل الموكل على بيعه لم يبق للوكيل والموكل مطالبة، وإن زاد ثمن هذا العرض عن قيمة العرض الموكَّل على بيعه كانت هذه الزيادة للموكِّل؛ لأنها ثمن عرض يعتقد من هو في يديه أنه إنما اشتراه للموكل، وعاوض عنه بمال الموكل، فلا

يكون ربحه له مع تعديه أيضًا، وحرمان المتعدي الأرباحَ والفوائدَ قد يحسم مادة التعدي والغصب.
وقد طرح سحنون هذه الرواية لأجل أن الأصل ما قدمناه من كون المتعدي على سلعة رجل لا يضمنها ويغرم قيمتها مع قيام عينها وكونها لم تتغير في ذاتها ولا سوقها.
ولا معنى لتضمينه مع كون مِلك المالك لم يتغير بوجه من وجوه التغييه.
وقد وقع لابن القاسم في المستخرجة فيمن تعدى على طعام فباعه بعرض إلى أجل، أن هذا العرض الموكَّل لا يباع، فيأخذ صاحب الطعام ربحه.
وقال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إنما قال هذا لما كان الطعام مضمونًا بمثله، وما كان مضمونًا بمثله فعينه كالموجودة وإن ذهبت، لكون مثله يسد مسده وينوب منابه، وقدر الطعام ها هنا كالعين إذا تعدى فيه.
وذكر في كتاب ابن المواز، فيمن أودع دراهم فصارفها لربها بدنانير، فذكر أن الدنانير تباع ويشترى بها مثل الدراهم المودعة، فإن كان في الدنانير فضل كان ذلك لربها الذي أودعها، وإن قصرت الدنانير عن الدراهم غرم المودَع ما نقص من الدراهم.
وهذا أيضًا لأجل اعتقاد المودع أن الدنانير إنما صرفها لتكون ملكًا لرب الدراهم فلا يستبد بربح ما ليس بملكه، ولا يعطى ربحًا ولا فائدة مع تعديه، على حسب ما قدمناه.
وقد تعقب هذا بأنه إذا كان ممنوعًا من أخذ الدنانير التي صرفها المودع فكيف أبيح له ربحها؟ وكيف يسوغ له أخذ ربح ما يحرم عليه أخذ عينه؛ وهذا التعقب إنما ينبني على أحد القولين، وهو منع رب الدراهم المودعة إجازة صرفها له، وقد ذكرنا الخلافَ في هذا الأصل.
وسببَ الخلاف فيه.
على أنه يمكن أن يكون العذر عن هذا التعقب كونَ التحريم ليس بواضح، لأجل اختلاف أهل المذهب فيه، مع كون سبب التحريم على أحد القولين، الاحتياطَ من إمضاء عقد فضة بذهب لم يحصل فيه التناجز.
فإذا عُدِل برب المال عن قبض الدنانير التي صرفها المودَع له، وبيعت، ورد إليه رأس ماله

وهي الدراهم، فإنه لم يحصل في يديه عوض وقع فيه صرف مستأخر، وإنما أعطي ما زاد على رأس ماله لئلا يربح المتعدي، وقد بيّنا وجه منعه من الربح فيما تعدي فيه.
وقد قيل: إن قوله فيمن دفع إلى وكيلٍ دراهم ليُسْلمها له في سلعة، فصرفها بدنانير، ثم أسلم الدنانير، وكان فعله في الصرف مما لم يؤذن له فيه، لكونه غيرَ محتاج إليه، أنه إذا قبض المسلمَ فيه كان لرب رأس المال أن يقبض المسلم فيه.
وإن كان ممنوعًا من إجازة ما فعله الوكيل من الصرف له، لمنع من أخذ عوضه وهو المسلم فيه؛ لأنه إذا أسقط حقه في العوض عنه فكيف يقدّر أنه لا يباح له ملك شيء ويباح له ملك العوض عن ذلك الشيء؛ وهذا لا يصح فيه ما وقع من هذا الجواب إلا بعد أن يكون يباح له أخذ ما صرف له.
وهذا العذر عنه ما قدمناه من صرف الدراهم المودعة لربها من غير إذنه، والذي ذكرناه من رواية الدباغ من بيع العرض الذي باع به الوكيل، وأخذ الموكل ثمنه في القيمة التي وجبت له على الوكيل بتعديه.
وقد ذكره ابن المواز في كتابه وذهب إلى أن العرض الذي باع به الوكيل يباع به ليقضي ثمنه في قيمة العرض الذي تعدى الوكيل في بيعه بما لم يؤمر به، فإن كان ربح كان للموكل، وإن كانت خسارة ونقصٌ من القيمة كان ذلك على الوكيل، ورأى أن هذا هو الحكم.
وإن كانت سلعة الموكل قائمة بيد مشتريها لم تفت ولم تتغير في ذاتها ولا في سوقها فهذا الذي ذكرنا أن سحنونا أمر بطرحه في أكثر الروايات عنه، لخروجه عن الأصول هو الذي ذهب إليه ابن المواز.
وقد نص غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة على أن الوكيل لا يضمن مع قيام الطعام الذي وكل على بيعه فباعه بغير ما أذن له فيه.
ولما رأى بعض الأشياخ أن هذا الذي ذهب إليه غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة.
والذي اختاره سحنون، وأمر بطرح ما سواه، هو البخاري على الأصل، اعتذر عما وقع من القول الآخر من تضمين الوكيل وإن كانت السلعة التي باعها قائمة لم تتغير في سوقها ولا بدنها، فإن هذه الرواية محمولة على أن المشتري نازع في كون هذه

السلعة المبيعة للموكل، وزعم أن الوكيل مدع لها، وأنها للوكيل الذي باعها.
والحكم في هذا ألا يصدق الموكل أنها له إلا بإثبات، فإذا لم يمكنه الإثبات، ومنعه المشتري من استرجاعها، فقد صار الوكيل أفاتها عليه لتعديه، فلزمه قيمتها لفوتها.
وهذا التأويل إن صح حمل الرواية عليه وأن قصد من ذهب إلى هذا المذهب كون المسألة مبنية على أن الوكيل أتلفها على ربها، فإنه لا يختلف في تضمين الوكيل.
ولا يكون المذهب في هذا إلا على قول واحد، وهو سقوط تضمين الوكيل مع كون السلعة التي تعدى عليها قائمة لم تفت ولم تتغير.
هذا حكم تعدّيه في مخالفة الجنس فيما أمران يبيعه.
وأما ما أمران يشتريه فخالف في جنس الثمن، فإنه ذكر في المدونة أنه إذا أمره أن يشتري له سلعة فاشتراها بغير العين، من عرض أو مكيل أو موزون، فإن الموكل لا يلزمه ما عقد عليه من هذا، لكون الوكيل عقد عليه بخلاف ما أذن له فيه.
لكن للموكل أن يجيز فعله، أو يضمّنه 1 ويدفع إليه مثل ما أداه من الثمن.
وهذا ظاهره أن الموكل إذا أجاز فعله يعطيه مثل ما أدى من الثمن ولو كان عرضًا لا يكال ولا يوزن؛ لأنه ذكر في السؤال أنه خالف فاشترى بعرض أو بمكيل أو موزون.
فأجاب عن السؤال بقوله: إذا أجاز فعله دفع إليه مثل ما دفع ثمنًا.
ولم يفرق بين دفع الوكيل لعرض أو لمكيل أو موزون.
وقد ذكر في الأسدية عن ابن القاسم أنه إذا أجاز فعله، وقد دفع عرضًا، فإنما يدفع إليه قيمة العرض.
وقد ذكر في المدونة في كفيل صالَحَ عن دنانير بعرض، أن الذي عليه الدين إذا أجاز فعله فإنه يعطيه قيمة العرض.
وقد تردد بعض الأشياخ في هذا هل يتخرج من هذا الجواب كون الموكل

إنما تلزمه قيمة العرض الذي أداه الوكيل ثمنًا أم لا؛ وهذا التردد لأجل أن الموكل أمره أن يشتري له ويسلفه عينًا فاشترى له وأسلفه عرضًا.
فإذا أجاز فعله لزمه مثل العرض كما يلزم في السلف ردّ مثل العرض، وأجراها في السلف مجرى المكيل والموزون.
وأما الكفيل فإنه إذا صالح بغير علم مَن عليه الدين فإنه يقدر كبائع للعرض الذي دفعه عوضًا عن الدين وكأنه اشترى الدين به وإذا كان بائعًا لم يلزم من عليه الدين إلا قيمة العرض.
وقد يقدر أن العروض يقضى فيها في السلف بالمثل وفي التعدي والاستهلاك بالقيمة.
ووقع هذا الاختلاف في وكيل تعدى فاشترى بها، هل يقضى له بمثلها أو بقيمتها إذا أجاز فعله من وكله؛ وهذا ينبني على الاختلاف في المترقبات، فإن قلنا: إن الموكل إذا أجاز ما خُيِّر فيه لَمّا علم بتعدي الوكيل فإنه يقدر أنه لم يُلزَم جائزًا ولم يقع العقد إلا على إجازة الموكل ورضاه، فإنه يقضى ها هنا للموكل بمثل عرضه لأنه تحقق فيه أنه دفعه، وعقد عليه بإذن الموكل له في عقده به سلفًا له.
وإن قلنا: إنه إذا أجاز ما خُيِّر فيه، وما يترقب فيه أن يجيزه أو يردّه، فإنه إنما يقدر انبرام العقد وإجازته حين وقعت الإجازة منه، صار العرض المدفوع حين العقد.
لم يدفع عن إذن الموكل ولا رضاه، بأن يكون سلفًا عِنْدَهُ، فيكون لدافعه قيمته لا مثله.
ولو كان تعدي الوكيل في الجنسية في بيعه نسيئة، كمن يدفع إليه ذهبًا ليسلمه في ثوب فأسلمه في بساط.
فإنه لا يخلو هذا من أن يكون الموكل علم بمخالفة الوكيل له، ودنانيره بعينها قائمة في يد المسلم إليه، أو ليست بقائمة ولا معلومة العين.
فأما إن كانت قائمة بعينها، وثبت ذلك بالبينة، أو على إقرار الوكيل عند دفعها، بأنها للموكل، فإن من حق مالكها أن يسترجعها من يد المسلم إليه.
وقد ذكر في المدونة أنه لا طلب للموكل على المسلم إليه.
وهذا إنما يصح على أن الدنانير لم يثبت كونها هي عين ما دفعه الموكل، فإذا لم يثبت ذلك للموكل صارت في معْنَى ما فات عينه.
فإذا فات عين الدنانير لم يكن للموكل رجوع بها على المسلم إليه، وإنما يرجع بذلك على الوكيل الذي تعدى فيها عليه.

إلى هذا التأويل أشار فضل بن سلمة وقدر أن الموكل إذا استحق عين الدنانير فلا وجه لصرفه عن عين ماله، وإذا كان لا يستحق إلا مثلها في ذمةٍ، فذمة المتعدي عليه أولى بالطلب من المسلم إليه.
ولو كان دفع الموكل إليه ثوبًا ليسلمه.
له فيما ذكرناه فأسلمه في غير ذلك من الأجناس، لأخذه الموكل إن شاء، ولو غاب عليه المسلم إليه؛ لأن الغيبة عليه لا تمنع من العلم بعينه، بخلاف الدنانير وما لا يعرف بعينه.
هذا حكم رجوع الموكل مع قيام رأس المال عينًا كان أو عرضًا، وما يعرف بعينه لتعلق الأغراض فلا يلزم إمضاء العقد مع ذهاب الغرض الذي وقع العقد لأجله.
وأما إن كان رأس المال مما لا يعرف بعينه كالدنانير وما في معناها فإنه إذا ارتجعها من يد المسلم إليه لم ينفسخ العقد وأُلزِم الوكيل المتعدي غرامتَها للمسلم إليه لأنه مطلوب بالثمن، وقد استُحق ما دفعه منه.
وإذا استحق الثمن وهو عينٌ فإن العقد لا ينفسخ، ويلزم العاقدَ غرامةُ مثله، والعاقد ها هنا الدافع لهذه الدنانير المستحقة، وهو الوكيل.
لكن لو عقد السلم على وجه لا يكون عليه فيه - تباعة بالثمن، فإنْ بَيَّن أنه وكيل أو رسول الموكِّل، ليباع منه المسلَم فيه، فإنه ها هنا لا يطالب بغرامة ما استحق من الثمن.
وإذا لم يطالب بغرامة، انفسخ العقد في السلم، لكون المسلم إليه لا يجد من يطالبه برأس المال.
هذا لو ضاع رأس المال وحكم فسخ 1 العقد.
وأما لو أراد الموكل ألا يرتجع رأس المال بل يمضي العقد ويجيزه، فإنه إذن لم تَجبْ له غرامة على أحد، وإنما استحق أخذ رأس المال من يد المسلم إليه، عينا كان أو عرضًا، فإن له أن يجيز تعدي الوكيل، ويمضي العقد، ويصير قد ملك استرجاع عين رأس المال وفسْخَ العقد في حق نفسه، فلا يحرم عليه أن يستأنف عقدًا برأس المال الذي ملك استرجاعه، دنانير كان أو عرضًا.
وأما إن وجبت له غرامة مثل رأس المال أو قيمته إن كان عرضًا، قيل:

يمكّن من إجازة هذا العقد وإبقائه على ملك نفسه.
هذا فيه قولان: منعه في المدونة، وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب - وسبب هذا الاختلاف أنه قد تقرر أنه لا يجوز بيع دين بدين، والغرر 1 أنه يجوز استئناف عقد سلم بمال يدفعه المسلم.
فمن رأى أن الموكل كان بالخيار في إمضاء العقد أو ردّه وأنه إذا اختار أحد الأمرين، وهو إمضاء العقد، فكأنه لم يقع العقد إلا على رضاه، وارتفع عن العقد حكم التعدي.
وإذا قدرنا أن ما يُترقب من إجازة العقد إذا أوقعه، كأن العقد لم يزل ماضيًا جائزًا، فإنه لا يتصور ها هنا بيع دين بدين، وإن قدرنا أنه وقع ما توقيناه 2 منه من الإجازة فإن العقد لم يثبت له حكم الإمضاء في أصله، وإنما ثبت له الآن، فإن هذا يمنع لأن هذا بالعقد الذي تعدى فيه الوكيل استحق أن يغرمه رأس المال فانتقل عن هذا الذي استحق من الدفع للموكل رأسُ المال إلى أن أخذ عوضًا عنه المسلَمَ فيه، فمنع من ذلك، لكونه دينًا بدين.
وأيضًا فإنه قد ملك أن يردّ العقد؛ لأنه لم يقع عن إذنه، ومَلَكَ أن يجيزه لأن الوكيل مقر أنه إنما عقده لموكله لا لنفسه.
فإذا قلنا: من ملك أن يملك إنه كالمالك، جاز ذلك؛ لأنه لم ينتقل عن الرضا بالسلم فيه عن مال تحقق له، وإن لم ينظر الموكل في ذلك إلا بعد أن حل أجل السلم، وقبض المسلم فيه، فإن له إجازة العقد من غير خلاف، لارتفاع ما صورناه في هذا القسم من أن يُتصور فيه بيع دين بدين.
وقصارى ما يتصور فيه أنه باع ما يستحق أن يغرمه الوكيل من رأس المال بعرض يأخذه في الحال، وصارت المسألة على ثلاثة أقسام: إما إجازة الموكل، وقد استحق أخذ عين رأس المال، فإنه جائز: وإما إجازة ذلك وقد قبض السلم بعد حلوله، وهو عرض، فإنه جائز له ذلك أيضًا.
وإما إجازته ذلك، ولم يستحق أخذ عين رأس المال، ولم يحضر المسلم فيه، فيأخذه، وقد وجبت له غرامة رأس المال على الوكيل أو على المسلم إليه، فإن في تمكينه من إجازة هذا العقد قولين، ووجههما ما بيّناه.

ولو كان الوكيل تعدى فأسلم في طعام، فإنه لا يمكَّن الموكل من إجازة العقد وأخذ الطعام وإن أخذه بالفور؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، على أحد القولين المذكررين وهو تقدير كون الطعام على ملك الوكيل المتعدي فدفعه قبل كيله عوضًا عما وجب عليه من غرامة رأس المال الذي ثبت في ذمة الموكل.
وقد ذكر فضل بن سلمة أن أصل ابن القاسم وأشهب في هذا أن الموكل له أن يغرم الوكيل رأس المال الذي تعدى عليه ولا طلب له بأكثر من ذلك، أو ترك طلبه بغرامة ذلك ويباع له العرض المسلم فيه، فإن وفّى بما وجب له من رأس المال أو زاد ثمن العرض على رأس المال، فإن ذلك للموكل، وإن قبض عين العرض المسلم فيه عما وجب للموكل من رأس المال غرم الوكيل ما قبض عن ذلك لكونه ضامنًا لجملة رأس المال بتصرفه فيه.
وإن شاء الموكل أغرم الوكيل رأس المال وانتظر حلول الأجل وقبَض المسلم فيه، فإذا قبض بيع، فإن كان فيه ربح أخذه، وإن كانت خسارة كانت على الوكيل لأجل تعدّيه.
وذكر أن أشهب ذكر هذا في ديوانه وأشار إليه الدمياطي في كتبه عن ابن القاسم.
وقال الأشياخ إنما يصح بيع هذا العرض الدين إذا ظُن أن فيه ربحًا يأخذه الموكل؛ وأما إن كان لا ربح فيه يأخذه الموكل أو فيه خسارة يفتقر الوكيل إلى غرامتها فلا معنى لبيعه إذا دفع الوكيل للموكل رأس ماله، وإلزام بيع العرض الدين بخسارة يغرمها الوكيل مع كونه وفَّى الموكل حقه إضرارٌ لا فائدة فيه.
وهذا الذي قالوه هو مقتضى الأصول.
ولكن عبارة أصحاب الروايات قد تشير إلى خلافه لأنهم قالوا: يباع، فإن كانت فيه خسارة غرمها الوكيل.
والعبارة السديدة على طريقة هؤلاء الأشياخ أن يقال: يباع إن ظُن أن فيه ربحًا.
لا 1 أن يكون المراد بما وقع في الروايات أنه ظن أن فيه ربحًا فبيع لأجل ذلك فانكشف من حال بيعه أن فيه خسارة فلا تكون عبارتهم منافرة لما

تأوله الأشياخ عليهم.
وقد وقع في كلام بعض الأشياخ ما يشير إلى أن العرض المتعدَّى في بيعه بغير ما أَذِن فيه الموكل هو الذي يباع للدين الذي يبيع به إن كان ربح.
وأما لو كان المتعدَّى في بيعه طعامًا أو عينًا فإن ابن القاسم لا يرى بيع العرض الدين الذي هو ثمنه لأن غرامة مثله يصيِّره كأنه لم يفت، وكأن عينه باقية، فلا معنى لتضمين الوكيل غرامة والمتعدَّى فيه قائم أو في حكم القائم.
وإنما تَرَكَ بيعَ العرض الذي كان فيه ربح أشهبُ، ولم يعتبر كون المتعدَّى فيه عرضًا أو عينًا.
وقد قدمنا نحن ذكر الخلاف في تضمين الوكيل مع قيام عين العرض المتعدى فيه، وذكرنا تأويل ما وقع من الخلاف في ذلك، ولا معنى لإعادته.
ومما ينخرط في هذا الأسلوب الذي ذكرناه من تفرقة ابن القاسم بين التعدي على العرض فيكون الحكم فيه غرامة الوكيل المتعدِّي (فيه الغرض) 1 الذي أتلف بتعديه.
والتعدِّي على مكيل أو موزون فيباع بعرض مؤجل أنه لا يباع العرض المؤجل، على ما كنّا قدمنا حكايته عن ابن القاسم لكون المكيل والموزون، المتعدّي في بيعه، إنما يوجب الحكمُ على المتعدي غرامةَ مثله، فكأنه لم تذهب عينه إذا غرم المتعدِّي مثلَه.
فالمتعدي إنما يضمن مع إتلافه العين الذي تعدى فيها، والمكيل والموزون كأنه لم يتلفه إذا غرم مثله.
ما ذكره ابن القاسم في المستخرجة فيمن دفع عرضًا لمن يبيعه له بمكيلة من القمح نقدًا، فباعه بدنانير نقدًا، أن الوكيل يُلزَم تضمينَ تلك المكيلة التي أمره أن يبيع بها ويشتري بالدنانير التي تعدى فباع بها قمحًا، فإن كان فيه وفاءً بما حدَّ له الموكل أو زيادة على تلك المكيلة المحدودة كان ذلك للموكل، وإن قصرت الدنانير عن أن تشترى بها مثلُ المكيلة التي حدّ له فإن الوكيل مطالب بأن يكمل المكيلة ويشتري من ماله ما يكمل به المقدار الذي حد له.
قال: وإن كان أمَره أن يبيع هذا العرض بعرض سماه له، فباعه بدنانير،

فإنه لا يلزمه أن (يقوم له بمثل) 1 العرض الذي أمره أن يبيع به ولا بقيمته وإنما تلزمه قيمة العرض الذي دفع إليه ببيعه 2. والفرق بينهما أن من استهلك مكيلًا أو موزونًا فإنما عليه مثله، ومن استهلك عرضًا فإنما عليه قيمته.
وبسط هذا الذي أشار إليه ابن القاسم من التفرقة، أن الموكل على بيع سلعة له بقمح محدود المبلغ، قد حرم الوكيل الموكل أن يأخذ هذا المبلغ في سلعته، ومنعه منه بإفاتة سلعته عليه، فضمِّن ما منع منه.
ونحن إذا ضمناه ما منع منه، وصلنا المتعدَّى عليه إلى ما أراد من ثمن سلعته، فدفعنا الجنس الذي أمران تباع سلعته به.
فإذا كان الموكل إنما أمر الوكيل أن يبيع سلعته بعرض فإن العرض لا يقضى بمثله، وإنما يقضى بقيمته على من أتلفه بعينه، فكيف بمن لم يتلفه وإنما منع من التوصل إليه وإذا كان الحكم أن يقضى عليه بالقيمة لأجل أنه منع الوكيل 3 من عرضه فإن القيمة التي تضمنه 4 على العرض المرسوم له البيع به ليست هي مرادَ الموكِلْ، ولا مطابقة لغرضه، وما رسَم في سلعته، فلا يحصل على مطابقة ما رسم في سلعته في البيع بعرض إذا أغرمنا الوكيل قيمة العرض الذي رسم الموكِّل، وإذا لم يقدر على مطابقة غرض الموكل، وكان لا بد من العدول عنه إلى أعدم 5 قيمة العرض، فالعرض الذي أتلفه عليه أولى أن يضمن قيمته من عرض لم يتلفه عليه وإنما يقدَّر أنه منعه منه.
هذا وجه التفرقة التي أشار إليها ابن القاسم، وقال: إن الموكل الذي أمر أن تباع سلعته بقمح محدود لا يباح له أن يأخذ من الوكيل غير القمح

الذي أغرمناه إياه، لكونه حرمه له 1 ومنعه حقه.
فالمعتبر عنده في هذا المعنى أن يكون الوكيل أمر ببيع عرض بمكيل أو موزون نقدًا فخالف في ذلك.
وإنما يشترط كون المبيع المتعدَّى فيه عرضًا لما قدمناه من أنه لو كان مكيلًا أو موزونًا لكان تضمين الوكيل مثله يصيِّر عينه كأنها لم تذهب لكون مثله يسد مسده، والعرض لا يقضى بمثله ولا قيمة مثلٍ له فيسد مسده، فوجب لأجل هذا اعتبار كون المبيع الذي وكِّل الوكيلُ على بيعه عرضًا لا مكيلًا وموزونًا.
وكذلك اعتبر أن يرسم له ببيعه بمكيل أو موزون محدود المبلغ دون أن يرسم له أن يبيعه بعرض لأجل ما قدمناه من تفرقة ابن القاسم التي بسطنا بيانها.
وبعض الأشياخ يتعقب هذا ويرى أنه ينبغي أن يُلزِمه قيمة العرض الذي حدّ له أن يبيع به لأنه حرمه إياه ومنعه منه بإتلافٍ، فوجب أن يضمن قيمته.
وقد ذكر في المدونة أنه إذا أمره أن يبيع سلعة بعشرين دينارًا إلى أجل، فباعها بأقل من ذلك نقدًا، أن الوكيل يضمن قيمة تلك السلعة.
وهذا لكون الثمن المرسوم ها هنا مكيلًا أو موزونًا مؤجلًا، ونحن قد أخبرنا أنه يعتبر في إغرام الوكيل إياه كونُه مأمورًا أن يبيع به نقدًا.
ورأى هؤلاء المتعقبون أنه ينبغي أن تلزمه هذه الدنانير المؤجلة التي حد له البيع بهلالكونه أتلفها عليه، ومنعه منها بتعديه على سلعته، طردًا لما قاله في مخالفة الوكيل المأمور بأن يبيع السلعة بقمح نقدًا فباعها بدنانير؛ لأن جميع هذه الأنواع يتصور فيها حرمان الموكل ما سمَّى ورسم أن تباع به سلعته، لكن ينبغي إن سلك في هذا طريقة أخرى فينظر في هذا الذي سماه الموكل، فإن كان مما لا يتأتى البيع به غالبًالأولا يمكن أن يحصل له في سلعته، فإن الوكيل لا يغرمه لأجل تسميته لأنه سمّى له ما لا يصح له، كمن أمره أن يبيع سلعة، قيمتها مائة، بألف، فإنه لا يحسن ها هنا أن يقال يضمن الوكيل له ألف دينار، لأجل أنه قد سمّى له البيع بها، فكذلك إذا أمره أن يبيع سلعته بعرض لا يباع به غالبًالأولا يتأتى البيع به في غالب الأمر، فإنه لا

يحسن أن يلزم الوكيل غرامة قيمة ما لا يتأتى البيع به غالبًالأولا يتحصل مقدار قيمة العرض الذي يباع به.
ولعله لهذا فرق بين أن يأمره بأن يبيع سلعته بقمح أو بعرض، لكون العرض لا يتأتى البيع به غالبًالأولا يَنضبط أسْعارُ البيع به، وقد ينضبط بالقمح إذا كانت عادتهم التبايع به.
وهكذا ما ذكر في المدونة من أمره أن يبيع سلعته بدنانير إلى أجل محدود لا يتأتى غالبًا، لكن إن سمّى له ما يبيع به مما يتأتى غالبًا، ويمكن أن يحصّله البائع لسلعته ثمنًا لها، فإنه قد يجري هذا على القولين في تضمين المتعدي ما منع منه لا ما أتلفه.
كمن أتلف سلعة وقفت على ثمن معلوم، فإن فيها قولين: أحدهما أنه يضمن قيمتها لإتلافه إياها.
والثاني أنه يضمن الثمن الذي وقفت عليه.
من ذلك تضمينه السلعة التي حال سوقها 1.

فصل آخر في الرهن في السلم

اعلم أن النكتة المعتبرة في هذا الفصل هي المعنى المعتبر في بيوع الآجال التي ينبني الحكم فيها عندنا على حماية الذرائع واعتبار ما خرج عن اليد وصار إليه على جهة المعاوضة هل يجوز به التعاوض أم لا؟ وهل تتطرق التهمة فيه إلى المتعاوضين بأنهما قصدا لإظهار فعل يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز أم لا؟ هذا هو المعتبر على الجملة، وبسطه على التفصيل: أنا إذا فرضنا كون رجل أسلم إلى رجل آخر في شيء وأخذ المسلم من المسلم إليه رهنًا بما 1 فإنك قد علمت أن ها هنا ثلاثة أنواع مالية: رأس مال السلم، والمسلم فيه، والرهن بالسلم، فيعتبر عندي دعوى المسلم قابض الرهن عوضًا عن رأس مال السلم.
وهل يجوز أن يؤخذ عن غير المسلم فيه؛ فإن امتنعا جميعًا أو منع أحدهما منعت المقاصصة بالرهن والمشاركة على إسقاط السلم عوضًا عن الرهن المدعى تلفه.
وإن جازا جميعًا عدت إلى النظر في قيمة الرهن هل يجوز المعاوضة به عن المسلم فيه أم لا؟ وهل يعتبر جواز المعاوضة بقيمة الرهن من رأس المال أم لا؟ المذهب على قولين: ظاهر المدونة أن ذلك لا يعتبر.
وذهب ابن ميسر إلى أنه يعتبر، كما اعتبر ذلك في المعاوضة عن المسلم فيه، وتطرق التهمة ها هنا قد يقوى فيقوع.
المنع وقد يَضعف فيضعف المنع.
وإنما تتطرق التهمة إذا كان ما أظهراه من المقاصصة قد تكون طريقًا إلى التحيل على فعل ما لا يجوز إلا 2 بإظهار هذا الجائز.
وبيان هذا كله بالمال أنا إذا فرضنا كون رجل أسلم دنانير وحيوانًا أو عروضًا، وأخذ من المسلم إليه دراهم

بالسلم الذي له عليه، ثم أتى بعد ذلك فادعى ضياع الدراهم، وأراد أن يتشاركا ولا يغرم المسلم إليه بما عليه من حيوان أو عرض، فإن المذهب المنع من ذلك.
وأنت إذا عرضته على الأصل الذي قررناه لك علمت وجه المنع لأن رأس المال الذي هو دنانير لا يجوز أن يؤخذ عنه دراهم مؤخرة لكون الصرف المستأخر لا يجوز.
فقد تقرر من هذا أنهما أبطنا العقد على بيع دنانير بدراهم إلى أجل ولم يظهرا ذلك لئلا يفسخ عليهما ويُعاقبان عليه، فتشهرا بأن سميا هذا الذي أظهراه سلمًا ورهنًا.
وهذا اعتبارًا لمعاوضة عن أحد الطرفين وهي رأس المال.
ولكن هذه التهمة إنما تتصور إذا أخذت الدراهم رهنًا بعوإنقضاء مجلس السلم؛ لأن مجلس السلم إذا انقضى وأقر بأن الدنانير المدفوعة إنما هذا على أن عوضها دراهم لا ما أظهراه من السلم فيه مُنِعا من ذلك وعوقبا عليه إذا أَتياه عن علم بتحريمه، فلو صورت المسألة على أن الدراهم أُحضِرت حين عقد السلم، وحين دفع الدنانير، وقبضت في الحال رهنًا، فإن التهمة ها هنا مرتفعة، ولا حاجة بهما إلى التحيل بهذا على ما لا يجوز لأنهما لو شاءا لجعلا التقابض للدنانير والدراهم صرفُ ا. فإذا كان ذلك جائزًا لهما، أظهراه أو أبطناه، فلا حاجة بهما إلى فعل آخر يكون ظاهره خلاف باطنه.
ويجري على هذا الأسلوب لو كان الرهن دنانير ورأس المال دنانير، هل بهما حاجة إلى هذا التحيل لكون المعاوض يتضمن تفاضلًا بين ذهبين أو نوعًا من أنواع الربا فيمنع من المقاصّصة، كان ارتهان الدنانير في مجلس السلم أو بعده، أو لا يقعان في محرم إذا أظهرا ما أبطنا أم لا؛ وهذا يعرف من مسائل كتاب الصرف وأحكام المراطلة.
وأما اعتبار الطرف الآخر وهو المعاوضة عن المسلم فيه، فإنا لو فرضنا أن الرهن ثوب كتان والمسلم فيه ثوب كتان من جنس الرهن، فإنه إن أراد المقاصصة والمشاركة عند دعوى ضياع الرهن، وكان ذلك قبل حلول أجل السلم فإنه يجوز إذا كان الثوب المرتهن مثل الثوب المسلم فيه.
وأما إن كان أجودَ منه أو أدنى فإن ذلك يمنع لأن من عليه ثوب كتان إلى أجل يمنع من تعجيل ما هو أدنى منه قبل حلول الأجل لأنه حط من صفة ما عليه عوض ما

عجل ويمنع من تعجيل ما هو أجود لأنه حط عنه الضمان لأجل ما زاد من الجودة وإذا كان هذا ممنوعًا منه في السلم الذي لم يؤخذ به رهن منع في هذا السلم الذي أخذ فيه هذا الرهن لئلا يكونا إنما أظهرا تسمية الثوب المأخوذ رهنًا على أن يدعيا ضياعه ويتقابضاه.
ولو كان الثوب المرتهن مثل الثوب المسلم فيه، ليس بأجود ولا بأدنى، فإن المقاصة ها هنا جائزة كما يجوز تعجيل مثل ما عليه من الثياب قبل الأجل من غير أن يكون أدنى ولا أجود.
لكن لو حل الأجل ها هنا لم يمنعا من المقاصة لارتفاع ما صورناه من التحيل على الوقوع في: ضع وتعجل، أو حط الضمان وأزيدك.
لأن الأجل إذا حل وجب التعجيل فلا يفتقر الطالب إلى أن يسقط من حقه شيئًا ليعجل له حقه، وقَدَر المسلم على البراءة مما عليه فلا يفتقر إلى أن يزيد شيئًا فيحط عنه الضمان.
ورأى بعض أشياخي إنما يتضح فيه ارتفاع التهمة مع حلول الأجل إذا كان ارتهان الثوب مقارنًا للعقد، وأما إن كان بعد تراخي العقد فإنه قد تتطرق إليه التهمة بأن يدفعه، وهو أدنى أو هو أعلى مما عليه، عوضًا عن الثوب المسلم فيه إليه، وأخرا ذكر المقاصة إلى حلول الأجل؛ لأنهما لو حاولاها قبل حلول الأجل لمنعا من ذلك ما قدمناه 1. وهذا الذي قاله مما ينظر فيه هل تقوى فيه التهمنة أم لا؟ هذا اعتبار المعاوضة بعين الرهن عن رأس المال وعن المسلم فيه قد ذكرنا مُثُلَه.
وأما اعتبار المعاوضة بما لزم عن غرامة في الرهن، وأنا إذا فرضنا أن رجلًا باع ثوبًا بدنانير إلى أجل وأخذ ثوبًا رهنًا بالدنانير ثم ادعى بعد ذلك ضياعه، وهو مما يقوم بالدنانير، فإنما يمنع ها هنا من المقاصة والمشاركة؛ لأن الواجب لصاحب الرهن على قابضه دراهم وهي قيمة الرهن فتركها له، وقد وجب له أخذها عاجلًا، بشرط أن يضع رهنًا بدلها، وإن لم يجد رهنًا طبع عليها ووقعت رهنًا فإذا تتاركا صار ذلك صرفُ امستأخرًا لأنه ترك دنانير له مؤجلة بدراهم وجب عليه أداؤها معجلة.
هذا على المذهب المشهور في منع مصارفة العين المؤجل في

الذمم.
وأما اعتبار أخذ قيمة الرهن على رأس المال على أحد القولين المقدم ذكرهما، فإنا لَوْ فرضنا أن هذا الثوب يقوّم بالدراهم لا بالدنانير، وقيمته أكثر من مقدار رأس السلم، فإن ذلك لا يجوز على مذهب ابن ميسر، كما لا يجوز لمن أسلم دنانير في سلعة أن يقيل منها على دنانير هي أكثر من رأس المال، لأجل كونهما يتهمان على سلف بزيادة، بأن يدفع دنانير ويأخذ بعد حين أكثر منها.
وهذا القول غير مرضيّ عند بعض أشياخنا.
وقد أشار ابن المواز إلى ما يقتضي ضعف هذا الاعتبار وإن كان أوردهُ في غير هذا السؤال، وذكر أنه لا يخلو أن يكون من بيده الرهن قد علم الله سبحانه صدقه في الضياع فلا تجب عليه غرامة حتى يعتبر ما يحل ويحرم في هذه الغرامة، وإن كان كذب فعين الرهن باقية نفسها، ينظر هل تجوز المعاوضة بها أم لا؟ ومعنى النظر في قيمتها 1. وأما اعتبار قيمتها في المعاوضة عن المسلم فيه، على حسب ما حكيناه عن المذهب، فإنما ذلك لأجل أن المسلم فيه دين مستقر في الذمة سبق استقراره المعاوضةَ والمشاركة، فتجري المشاركة فيه مجرى المبايعة، ومن باع دينًا له في ذمة آخر نظر في العوض الذي يأخذ عنه هل يجوز أن يؤخذ عنه عوض أم لا؟ والذي بيده الرهن مقر على نفسه أن المعاوضة إنما كانت منه على القيمة الواجبة عليه.
وإن كان السلم في طعام وأخذ به ثوبًا رهنًا، فادعى المرتهن ضياعه، لم تجز المعاوضة لإمكان أن يكون الرهن باقيًا لم يذهب فيكون أخذه عوضًا عن الطعام الذي في الذمة بيعًا.
وإن كان قد ذهب.
ووجبت فيه القيمة وهي خلاف رأس المال فلا يجوز أيضًا لكون ذلك بيعًا للطعام قبل قبضه.. إن كانت مثل رأس المال لمنعا من ذلك، لجواز أن يكون كذب المرتهن في دعوى ضياعه، فيكون إقالة منهما على غير رأس المال.
وهذا إذا كان الطعام من بيع.
ولو كان من قرض لم يعتبر فيه هنا المعنى المعتبر في العروض، لكون بيع الطعام القرضِ جائزًا قبل قبضه.

ولو كان الرهن المأخوذ بطعام السلم دنانير مثل رأس المال، فإن ارتهانها إن وقع بعد العقد ثم ادعى من هي بيده الضياعَ فإن المعاوضة لا يعتبر فيها ها هنا بيع الطعام قبل قبضه، لكون الإقالة في ذلك على مثل رأس المال سرًّا غير ممنوعة.
لكن لو كانت الدنانير المأخوذة رهنًا قد اشترط أخذها، مطبوعًا عليها، رهنًا في أصل العقد، فإن هذا مما تنازع فيه الأشياخ، فمنعه منهم قوم، وتأول التهمة يتطرق ها هنا إلى أصل صحة العقد لا إلى نفس المشاركة، لأجل أن اشتراط تأخر رأس المال السلم لا يجوز، على حسب ما قدمناه في موضعه.
وإذا دفع إليه مائة دينار في عروض، أسلم إليه فيها، وأخذها منه مطبوعًا عليها، فكأنه لم ينقد رأس المال.
وأشار الشيخ أبو القاسم بن الكاتب إلى جواز ذلك.
وقد يحتج بقوله في المدونة: إذا أسلم في طعام وأخذ منه طعامًا رهنًا مطبوعًا عليه فإن ذلك جائز كما يجوز ارتهان الدنانير المطبوع عليها.
وقد أجبت عن هذا بأن قوله في المدونة: وأخذ طعامًا رهنًا؛ يمكن أن يريد به أنه ليس ما وقع فيه السلم، حتى لا يكون أسلم في شيء وأخذه معينًا مطبوعًا عليه على أن لا يملكه إلا إلى أجل، وإنما شبهه بالدنانير المطبوع تشبيهًا على الجملة لكون الدنانير لا تعرف بعينها كما لا يعرف الطعام بعينه، وإنما لم يتهمهما أيضًا في ارتهان الطعام المطبوع عليه بخلاف اشتراط ارتهان مثل رأس الم الذي دنانير مطبوع عليها لأجل أن هذا الطعام المرتهن مضمون بالغيبة عليه ضمان الرهبان، وبيع المعين بشرط القبض إلى أجل إنما يمنع لأجل أن الضمان من المشتري بحكم الشرع، فإذا شرطه على البائع فقد زاد في الثمن لأجل هذا الشرط فصار بيعًا للضمان، وبيع الضمان لا يجوز.
وأما اشتراط ارتهان دنانير مثل رأس المال فإن ذلك يصير العقد في صورة سلم شرط فيه تأخير رأس المال.
ولما ذكرنا ما تعلق به بعض الأشياخ من لفظ المدونة ها هنا، وكنا قدمنا في هذا الفصل أن ظاهر المدونة كون قيمة الرهن لا يعتبر مع رأس المال، فاعلم

أن اللفظ الذي يشير أيضًا إلى هذا المعنى الآخر هو قوله في الكتاب: إذا أسلم في عروض أو حيوان وأخذ رهنًا فادعى ضياعه وأراد المقاصة فإن ذلك يجوز إذا لم يكن رأس المال ذهبًا أو ورقًا.
فأطلق الجواز من غير اعتبار لقيمة الرهن وقد قدمنا إشارات ابن المواز إلى تصحيح هذا المذهب.

فصل في صلح الكفيل:

اعلم أنه ينبغي أن يقدم ها هنا الكلام على ما يجوز شراؤه من الديون الثابتة في الذمة وما لا يجوز.
والدين يكون على رجل حي أو على رجل مات.
فأمّا الدين الذي على رجل حي فإنه لا يخلو أن يريد شراءَهُ رجل لا مطالبة عليه بهذا الدين ليكفله به وضمانه عليه.
فأما أن 1 الشراء رجل لا مطالبة عليه.
بهذا الدين على حال، أو رجل قد يطالب بهذا الدين على حال، فإنه يعتبرها هنا وجهان أحدهما كون الثمن الذي يشتري به هذا الدين مما يجوز أن يُسلَم في الدين المشترَى أو لا يجوز أن يسلم فيه.
والوجه الثاني كون هذا العقد لا غرر فيه ولا خطر.. فأمّا الوجه الأول، وهو اعتبار جواز سلم الثمن ها هنا في المثمون، فمثاله أن يسلم رجل إلى رجل في ثياب معدودة موصوفة إلى أجل معلوم فإنه إذا أراد أن يبيعها بعرض نظرت في هذا العرض فإن كان مخالفًا لجنس الثياب التي أسلم فيها كبيعه الثياب بأكسية أو بحيوان فإن هذا لا يمنع؛ وإن كانت الثياب التي يأخذها ثمنًا عن الثياب المسلم فيها أقل 2 أو أدنى في الجودة فإن هذا ممنوع، إذ لا يجوز سلم قليل في كثير من جنسه أو أدنى في جيّد من جنسه لأن ذلك يكون سلفًا جر منفعة.
وكذلك لو أراد أن يشتريها بثياب هي أكثر عددًا أو أعلى في الجودة فإن ذلك يمنع؛ لأنه ضمن له الثياب التي أجّلها لِمَا ازداد من عدد أو جودة وهذا لا يجوز في بيع ما في الذمم وما يتأخر قبضه، وإنما

يجوز فيما كان يقبض على الفور كالمعينات.
وكذلك لو باع رجل من رجل ثوبًا بدنانير إلى أجل معلوم ثم أراد رجل آخر شراء هذه الدنانير منه بدراهم، فإن ذلك لا يجوز، لكونه صرفا فيه تأخير، وبيع دنانير بدراهم ليست يدًا بيد.
ونحن وإن اعتبرنا في هذه القاعدة كون الثمن ها هنا يجوز سلمه في المثمون فإنما يعتبر ذلك من ناحية الجنسية لا من ناحية الأجل، فإن الأجل معتبر في صحة السلم، على ما تقدم بيانه في كتاب السلم الأول، وها هنا لا يعتبر الأجل ولو وقع الشراء لقرب حلول أجل السلم أو عند حلوله لم يمنع ذلك؛ لأنه مشترًى قد حصل في الذمة، وحصوله في الذمة دين لم يقع عليه بهذا العقد الثاني، وإنما وقع بالعقد الأول، والعقد الأول هو الذي يراعى فيه حصول الارتفاق بضرب الآجال كما تقدم بيانه في موضعه وأمّا إذا حصل السلم دينًا في الذمة جرى بيعه مجرى المعيَّنات التي لا يشترط في صحة عقدها ضرب الأجل.
فهذا مثال الوجه الأول، وهو اعتبار جواز السلم في المثمون ها هنا.
وأما الوجه الثاني وهو اعتبار ارتفاع الغرر، فإن الغرر يتصور ها هنا في كون هذا الجميع مترددًا بين الحصول والانتفاء، فيقتضي هذا اعتبار معرفة ذمة الغريم المبيع ما عليه من دين هل هو مليء الذمة أو فقير؛ لأنه إن كان مليئًا بدين فإنه يفي بما عليه تصورت الرغبة في شراء ما عليه، وإن كان فقيرًا لا يرجى أخذ ما عليه لم يُقدم أحد على شراء ما عليه فاحتيج هذا إلى الاطلاع على مقدار ما في يديه على الجملة، حتى يقع العقد على صفة لا تخاطر فيها ولا غرر، وهذا يقتضي إمكان المعرفة بملائه من فقره، وهذا يمكن مع حضوره.
وأما إن كان غائبًا بمكان بعيد فإن المعرفة بذلك لا تمكن للجهل بحال الغائب.
ولو أتى من أخبر عنه بأنه غادره مليئًا، مكن أن يكون يتلف ما بيده أو يكثر عليه الديون حتى لا يحصّل المشترى (ما عليه شيء) 1 أو يحصل له ما لا يعرف مبلغه إذا

وقع الحصاص.
وأما إن كان قريب الغيبة، ولا بينة عليه، فإنه يمنع أيضًا لأجل ألا يحوز جحوده 1 للدين فلا يحصل للمشترى المثمون الذي بذل فيه الثمن.
وإن كان عليه بينة فإن ابن المواز اختار ها هنا الشراء، وقدر أن الخطر ها هنا والغرر يبعد.
وتعقب هذا بعض أشياخنا من جهة إمكان دعواه قضاء الدين الذي ثبت عليه، أو تجريحه للشهود فيصير المشتري غير موثوق بحصوله إذا جرح الشهود.
أو أقام بينة بالقضاء وحلف عليه إذا ردت اليمين عليه.
لكنه سلم ارتفاع التعقيب إذا ثبت أنه حين غاب كان مقرًا بالدين.
وهذا عندي أيضًا قد يتوجه فيه القدح الذي أشار إليه لجواز أن يجرح البينة الشاهدة بإقراره حين غيبته.
وأما إن كان الذي عليه الدين قد مات، فإنه ذكر ابن المواز أنه لا يجوز شراء ما عليه، ولو مات مليًّا، لأجل أنه قد يطرأ عليه غريم أو غرماء يستحقون ما ترك فيضمن 2 هذا العقد غررًا لأجل هذا الإمكان الذي قررناه.
وأشار بعض أشياخنا إلى أنه إذا كان قد مات مليًّا وهو غير معروف بمداينة الناس فإن الشراء لا يمنع.
وأشار إلى التعلق بما وقع في المدونة في كتاب المديان من قسمة ماله بين غرمائه إذا لم يعرف بمداينة الناس.
وهذا الذي أشار إلى التعلق به من مسألة المدونة قد يقدح فيه: فإن الغرماء قد استحقوا ماله بالمعاملة التي تقدمت بينهم وبينه في حياته وقد حل حقه 3 فلا وجه لإضرارهم بتأخير حقهم الذي قد حل، ويطالبهم بما وجب لهم، فدعت الضرورة من اعتبار إزاحة الضرر عنهم إلى قسمة ماله بين من استحقه، ولا ضرورة تلجىء هذا إلى شرءا دين على ميت، فاعتبر في أمر هذا الإمكانُ والتجوّز 4 لتطرق غرماء إذ ليس في اعتبار إلحاق ضرر بآخر.

هذا حكم شراء الديون إذا اشتراها من لا مطالبة عليه بها.
وأما إذا اشتراها من قد يطالب بها لِحَق كفالته وضمانه لها فإنه ذكر في المدونة، فيمن أسلم دنانير في ثياب إلى أجل وأخذ بها كفيلًا 1 وللكفيل شراؤها بما يحل له أن يشتري به إذا كان الذي عليه الدّين حاضرًا مقرًا.
فأمّا اشتراط حضوره فإنه ثابت عند رواة المدونة.
وأما اشتراط إقراره فإن الرواة اختلفوا فيه: فأثبته العسال، وأسقطه غيره من الرواة.
وذكر بعد هذا في المدونة في هذا الباب فيمن له على رجل دراهم أخذ بها كفيلًا، أنه يجوز للكفيل أن يشتريها لنفسه بقرض، ولم يشترط في هذه المسألة شرطًا كما اشترطه، في المسألة الأولى التي ذكرناها.
وكما اختلفت الرواة في لفظ الإقرار في المسألة الأولى المذكورة اختلف اختيار المتأخرين فيما صنعه الرواة من إسقاط لهذه اللفظة أو إثباتٍ، فكان أبو محمَّد اللؤلؤي وغيره يرى أنه لا حاجة إلى إثبات لفظة الإقرار لكون الكفيل ها هنا مطلوبًا بهذا (أبدا لدين الذي يكون) 2 الكفيل: إنّ من تكفلتُ عنه ظالم في جحوده كاذب في إنكاره.
وإذا كان هذا الدين لا يسقط ملك بائعه عنه على حال، لم يعتبر ها هنا إقرار من هو عليه، بخلاف ما لو اشتراه من ليس بكفيل به لأن جحود من هو عليه لا يوجب مطالبة على مشتريه، فيصير المبيع ها هنا لا يوثق بحصوله ولا بكونه ملكًا للبائع، فلم يجز العقد إلا مع الإقرار بخلاف الكفيل: وهذا إذا وقعت الكفاله على وجه يوجب مطالبة الكفيل بالدين وإن جحده من هو عليه.
وأما لو كانت كفالته به بعد معاقدة طالب الدين والمطلوب به والكفيلُ لا علم عنده يكون الطالب مستحقًا للطلب، فإن الكفيل ها هنا كغيره يشترط في صحة شرائه الإقرارُ لأن من حقه مطالبة من له الدين الذي تكفل به بإثبات دينه على من زعم أنه يستحقه عليه.

وهذا الذي أشار إليه هؤلاء من الفرق طريق صحيح في التفرقة بين حصول الغرر في شراء من لم يتكفل بالدين وشراء من تكفل به لكن المسألة عندي على طريقة هؤلاء يلاحظ مسألة أخرى، قدمنا ذكرها في كتاب السلم الأول، وهي إذا عقد السلم بوكالة على أن الموكِّل إن جحد لزم الوكيل المطالبة بالسلم، وقد قدمنا هناك أن كون هذا المبيع مترددًا بين ذمتين يقتضي فيه غررًا فيمنعه سحنون، ويجيزه ابن القاسم؛ لأنه يرى هذا التردد بين الذمتين غررًا، كما قدمنا بيان القول فيه.
وكذلك ها هنا تعليل هؤلاء يقتضي كون بائع الدين باع ما لا يدري هل يستحقه ويقبضه من ذمة المديان أو من ذمة الكفيل فإن كان يقول: إني أستحقه في الذمتين جميعًا لكن أحدهما ظالم، فإنه لا يقضى له على هذا 1 جحد بأن يسلم إليه ما ادعى به عليه.
وبعض من سلك هذه الطريقة يشير إلى أن الأصل ما ذكره في المدونة في المسألة الثانية إذا اشترى الكفيل ما تكفل به من دراهم بعرض لنفسه فإن ما اشترطه في المسألة الأولى من الإقرار يستغنَى عنه.
ومنهم من سلك خلاف هذه الطريقة، ورأى أن الكفيل يفتقر فيه إلى شرط كما يفتقر في ذلك إذا اشترى هذا الدين من لم يتكفل به، ويعتل بأنه لا يقصر الغرر على الجحود خاصة بل كل إمكان تحصل الثقة بحصول المبيع يوجب المنع إذا وقع التحرير بين الحصول والانتفاء على وجه واحد.
وها هنا يمكن أن يكون الغريم الذي عليه السلم يدعي القضاء ويقيم عليه بينة، فيسقط الطلب بالدين عنه وعن الكفيل، وينصرف الح الذي اليمين فلا يبدل الكفيل من الثمن وهو يقدر أن المشتري لا يحصل له ما يبدله وهو يعلم أن المشتري حاصل له واختلاف الثمن ها هنا يتضمن غررًا في العقد فوجب المنع إذا لم يقع إقرار.
وهؤلاء يشيرون إلى أن الأصل ثبوت الإقرار وإنما حذف الثانية اختصارًا واكتفاءًا بما تقدم.
ومنهم من يريد إبقاء كل مسألة من هاتين على ما هما عليه ويرى أن المسألة الأولى الدينُ المشترَى فيها

عروض، والعروض قد يتنازع فيها في صفتها ويكثر الخصام فيها، فلهذا اشترط الإقرار فيها.
والمسألة الثانية إنما لم يشترط الإقرار فيها لكون المتكفل به دراهم، والدراهم لا يتنازع في صفتها فيعدل عن الغرر.
وهذه الطريقة ليست سديدة ولا واضحة، وقد تُحصر العروض حصرًا لا يقع فيها تنازع ولا خصام، وتشهد البينة بذلك، فلا يكون بينها وبين الدراهم فرق، وإنما للنظر مج الذي اعتبار الغريم القضاء فيبطل الدين المبيع إذا حكم بصحة القضاء ويصير كتجويز الجحود، أوْ لا يعتبر هذا لكون دعوى القضاء في دعوى 1 النادر، وما يندر لا يوجب في العقد غررًا.. ومن الأشياخ من سلك طريقة أخرى وتوسط فيها بين هاتين الطريقتين، فرأى أن الأجل إذا كان لم يحل احتيج في شراء الكفيل إلى إقرار الغريم، لكون الكفيل لم يتوجه عليه طلب، وإذا حل الأجل لم يفتقر في شراء الكفيل إلى إقرار الغريم، لكون الطلب متوجهًا عليه.
وبعضهم يتردد في هذا التفصيل ويقول: قد لا يطلب الحميل وإن حل الأجل، وإذا أمكن أن لا يطلب إذا حل الأجل صار ذلك كشرائه قبل حلول الأجل.
وبعضهم يشير إلى أنّا إن قلنا بأحد قولي مالك من كون مستحق الدين مخيّرًا بين طلب الغريم أو الكفيل اتضح كون الكفيل كغريم اشترى ما عليه.
وإن قلنا: إنه لا يطالب إلا بعد تقرُّر أخذ الدين ممن هو عليه، أمكن ها هنا أن يعتبر الإقرار ليطلع على ملائه من فقره لما ذكرناه من التجويز المتطرق إلى غريب غائب، وأيضًا فإن الطلب يتوجه على الكفيل في عينه.
وأما مع حضوره وملائه ففيه الخلاف الذي ذكرناه.
وقد قال ابن المواز أنه لا يفتقر 2 شراء الكفيل من شراء غيره إلا في وجه واحد وهو أن الكفيل لا يجوز له أن يشتري الدين الذي تكفل به إلا بما يجوز لمن هو عليه أن يشتريه.
فإذا أسلم رجل دنانير في ثياب فإن الغريم الذي عليه الثياب لا يجوز أن يقضي

عنها دراهم أو ذهبًا أكثر مما قبض لئلا يكون قد قبض دنانير ورد أكثر منها فيكون سلفًا بفائدة، أو قبض دنانير وردّ دراهم فيكون صرفًا مؤخرًا، فكذلك الكفيل يمنع من الشراء بهذا لأنه كغريم ثانٍ.
هذا الذي أشار إليه ابن المواز.
وظاهره يقتضي أنه يفتقر في إجازة شرائه إلى إقرار الغريم كما يفتقر إلى ذلك في شراء هذا الدين من لم يتكفل به، لقوله: إنهما لا يفترقان إلا في وجه واحد.
وذكر ما حكيناه أنه أشار إليه.
وقد قال بعض الأشياخ: إن هذا الذي ذكره من منع الكفيل أن يشتري بما لا يجوز أن يُقِيل أحدهما من جميع ما عليه، وقدر أنه وإن أقاله من جميع ما عليه فإن ما سوى ذلك مما يحلّ كأنه عليه وهو غريم مطلوب به، فمتى أقاله من كل ما عليه فكأنه أقاله من بعض ما عليه، والإقالة من بعض ما عليه لا تجوز.
وهذا يشير إلى ما قال ابن المواز من أن ما يطلب به الكفيل بحق الحمالة هو كما يطلب به بحق المعاملة التي عامل لنفسه.
وبعض الأشياخ يشير إلى أن هذا إنما يحسن إذا كانت الكفاله وقعت مقارنة للعقد، فيحسن حينئذ كون الكفيل يقدّر غريمًا، وأما لو كانت الكفاله بعد العقد فإنه لا يعتبر ها هنا ما يشتري به الكفيل من دراهم أو ذهب أكثر من رأس المال، لكون العقد عليها وقع قبل كفاله الكفيل.
وبعض الأشياخ يشير إلى أنه لا يجب بمقتضى القياس اعتبار هذا في حق الكفيل لأن الغريم هو قابض الدنانير فيُتَّهَم على أنه رد أكثر منها وجعل الزيادة عوضًا لانتفاعه، والكفيل ها هنا لم يقبض ذهبًا ولا انتفع بشيء يقدر إنما زاد منه على رأس المال عوض الانتفاع.
وهذا الذي قاله له وجه على مقتضى تعليل أهل المذهب في منع الغريم أن يقضي ها هنا عمَّا عليه من ثياب ذهبًا أكثر من رأس المال الذي أخذه.
هذا حكم شراء الوكيل ما يكفل به لنفسه.
وأما لو اشتراه لغريمه فإنه لا

يلزم الغريم شراء الوكيل له بغير إذنه لكونه، عقد على جائز الأمر ما لم يوكله عليه.
ولكن من عقد بيعًا على جائز الأمر كان الخيار في إمضاء العقد أو رده للمعقود عليه، ما لم يمنع مانع من إمضاء العقد لفساد العقد فيبقى النظر ها هنا في صحة عقد الكفيل، على أن الخيار للغريم في إمضاء العقد أو ردّه.
فاعلم أنه لا يخلو أن يكون صالح الكفيل عن الغريم بجنس آخر خلاف ما على الغريم، هذا الذي صالح به إنما وقع عن دين ليس بعين دنانير أو دراهم، أو وقع الصلح عن دنانير أو دراهم ثبتت في ذمة، فصالح الكفيل عنها بما يقضى فيها بالمثل أو بما يقضى فيه بالقيمة.
فأما إذا وقع الصلح عن دين في ذمة الغريم ليس بعين، فإن كل ما صالح به الكفيل من الأجناس المخالفة لما على الغريم فيه اختلاف: هل يمكن الغريم من الرضا بما عقده الوكيل عليه لكون ما عقده عليه جائزًا؟ أو لا يمكن من ذلك لكون ما عقده الكفيل وقع فاسدًا؟ فمنع من هذا العقد في كتاب السلم من المدونة وأجازه في كتاب الحمالة.
وسبب هذا الاختلاف أنك قد علمت أن الشرع ورد بمنع العقود الواقعة على غرر وخطر، وسامح فيما طريقه المعروف والرفق والإحسان ما لم يسامح به فيما طريقه المكايسة والمتاجرة، كمنعه بيع المجهول وما لا يحاط به، وإجازته ما أعراه من تمر نخلة وإن اشتراه بخرص، على ما يرد بيانه في كتاب العراياة وما ذاك إلا لكون شراء العرايا المقصود به الرفق والإحسان" فخالف ما قصد به من العقود المكايسة والمغابنة.
وها هنا إذا تكفل الغريم بثياب في ذمة رجل ثم اشتراها من يستحقها بثياب مخالِفة أو بطعام أو حيوان أو دنانير ودراهم فإنك قد علمت أن هذه المعاوضة لا تلزم الغريم، وإذا كانت لا تلزمه، وله الخيار في إمضائها عليه وردها، (فقد صار الكفيل عوضًا) 1 لا يدري ما يأخذ عنه، إما الثياب التي على الغريم إن لم يرض بعقده عليه، أو مثل ما دفعه للكفيل إن كان له مثلٌ، فيكون

الكفيل كأنه أسلف شيئًا ورجع إليه مثله؛ وإذا كان العقد مترددًا بين أن يقع بيعًا أو سلفًا كان ذلك فاسدًا؛ لأنه في معنى سلف جر منفعة، إذ لا يسمح يكون هذا سلفًا إلا لرجائه أن يكون بيعًا فيربح فيه، وإذا تردد عقده بين هذين الأمرين وجب منعه وإفساده.
لكنا كنا قدمنا أن الشرع عَفَا عن (بعض الغَريم) 1 إذا قصد به الرفق والإحسان" على حسب ما قدمناه، والقصد هنا من الكفيل في غالب الأمر "الإحسان للغريم، ومثل هذا القصد يخرج العقد عن كونه عقد مكايسة ومخاطرة، فحسن إمضاؤه.
فهذا سبب اختلاف القول فيه.
وأيضًا فإن العقد إذا التفت فيه إلى هذا الوجه كان صحيحًا ما بين المتعاقدين، وهما طالب الدين الذي باعه والوكيل الذي اشتراه، ولا مرجع لطالب الدين في دينه، ولا خيار له في العقد، لكن إنما يتصور القدح الذي فرضنا في هذا البيع من ناحية رجل ثالث غير هذين المتعاقدين، وهو الغريم الذي عليه الدين.
فإنا ذكرنا أن له الخيار في إمضاء عقد الوكيل أو رده، فاختص هذا الغرر والفساد بفعل الكفيل فيما بينه وبين الغريم، لا فيما بينه وبين مستحق الدين الذي باعه منه.
فصار هذا كفساد طرأ على أحد المتبايعين لا مدخل لآخر 2 فيه.
وعندنا اختلاف 3 وعلم أحد المتبايعين بالفساد، فهذا أيضًا الوجه مما ينظر فيه.
وأما إن صالح الكفيل عن دنانير ودراهم بشيء يقضى فيه بالمثل فإن فيه الاختلاف، الذي ذكرناه، إذا كان ما صالح به جنسًا غير العين.
وما عللنا به الاختلاف المذكور متوجه ها هنا.
وإن صالح بعرض فرجع إلى القيمة فإن المعروف عند الأشياخ من المذهب لم يختلف في جواز هذاة لكن الشيخ أبا القاسم بن الكاتب اعترض هذا، وأشار إلى أنه ينبغي أن يجري على الاختلاف الذي قدمناه لكون الكفيل

ها هنا بذل في هذا الصلح ثوبًا لا يدري هل يمضي الغريم ما عقده عليه فيعطيه قيمة الثوب أو لا يرضى بما عقده عليه فيعطيه ما عليه من الدين، والكفيل لا يدري أيهما أكثر، فصار ما دفعه وقع على وجه فيه هذا الوجه من الغرر والخطر فيجب منعه، أو إمضاؤه لكون القصد به المكارمة، كما قدمناه.
واعتضد في هذا بأن ابن المواز ذكر في كتابه في من تحمل بدنانير وصالح عن الغريم على عرض يقضي فيه بالقيمة أن ذلك أجازه أشهب وإليه رجع ابن القاسم قال: ولم أر بين أصحابهما فيه اختلافًا.
فقوله: إن ابن القاسم رجع إلى هذا، وهو الإجازة، يقتضي أنه كان يقول بالمنع.
وهذا وإن كان ظاهر هذا اللفظ مما يشير إلى الخلاف الذي رأى أنه ينبغي أن يجري في هذه المسألة فإن ظاهر المدونة يمنع منه؛ لأنه فرق في كتاب السلم فمنع الصلح في هذه المسألة بعرض يقضى فيه بالمثل، وأجازه بعرض يقضى فيه بالقيمة.
فلو كان النوعان عنده يجريان مجرى واحدًا لم يكن لهذه التفرقة في الجواب معنى.
ولا شك أن هذه التفرقة التي وقعت في المدونة تشير إلى أن هذين النوعين لا يكون حكمهما واحدًا، فلا وجه لتقويّهم المساواة بين ما فرقوا فيه.
واعتذر بعض الحذاق.
عن الذي أشار إليه الشيخ أبو القاسم بن الكاتب من الاعترَاض، وصوره من الغرر، بأن الكفيل إذا دفع هذا العرض فالغالب أنه لا يدفعه إلا وقد عرف قيمته، وعلم أيضًا أن الغريم لا يحتاج إلا غرامة أقل المقدارين، إما الدين الذي عليه، أو قيمة العرض الذي صالح به عنه الكفيل، فيكون إذا قدرنا أنه علم مبلغ الدين ومبلغ قيمة العرض الذي دفع، وعلم أن الغريم لا يختار أن يدفع له إلا أقل المقدارين، صار كالمتطوع بزيادة قيمة عرضه على الدين، أو كالمتطوع بزيادة قيمته على الدين، وهذا يمنع تصور الغرر.
وهذا أيضًا إذا كان العرض الذي صالح به الكفيل يقوّم من العين بجنس الدين، إن كان الدين دنانير قوّم بها في المعتاد عندهم، أو كان الدين دراهم والعادة عندهم تقويمه بالدراهم.
وأما إن كان يقوم من العين بجنس آخر خلاف الدين مثل أن يكون الدين دنانير وصالح بعرض يقوم بالدراهم، فإن هذا خارج مما

نحن فيه، وراجع إلى ما قدمناه من جريه على الخلاف في أن الصلح الواقع بجنس خلاف جنس الدين كما قدمناهُ.
وكذلك اختلف القول عندنا في صلح الكفيل عن دنانير تحمل بها بدراهم، لأجل ما في هذا الصلح من تخيير الغريم بين دفع الدنانير التي عليه أو جنسًا آخر وهي الدراهم التي دفعها الكفيل عنه.
وهذا إذا حل الأجل، وأما قبل حلوله فيتصور فيه الصرف المؤخر؛ لأنا نمنع أخذ دنانير عن دراهم لم يحل أجلها، وتأخيره إذا حل الأجل، هذا هو الأشهر في تعليل الخلاف في هذا.
وقد اعتذر ابن حبيب عن كون هذا صرفا بأن قال: من أقرض طعامًا فإن للكفيل أن يصالح عن الغريم بطعام خالفه، ولا يكون هذا بيع طعام بطعام ليس بدَنانير، كما يجوز له أن يصالح عن دنانير تكفل بها بدراهم ولا يكون هذا صرفًا مستأخرًا؛ لأنه إنما يكون صرفًا أو بيعًا لطعام بطعام عند إمضاء الغريم فعل الكفيل والتزامه أن يؤدي ما أُدي عنه، فحينئذ يؤمر بالتناجز، وأما قبل أن يخيّر فيختار إمضاء فعله، فإن الذي في ذمته باق عليه، ومعاملة الكفيل ومستحق الدين (تأخير في طعام) ولا 1 في مصارفة.
وذكر أن هذا مذهب ابن كنانة، وأشار إلى اختلاف قول ابن القاسم فيه.
وقد قيل في هذا إن الغريم إذا رضي بإمضاء فعل الكفيل فإنه يخرج من ذمته الدنانير ويشتري بها الدراهم، فإن قصرت عن مبلغ الدراهم لم يلزم الغريم زيادة، وإن فضل من الدنانير فضلة كانت للغريم، ولا تكون للكفيل لأنه لا يربح فيما اشتراه لغيره، وهذا احتياط للخروج عن صرف فيه خيار.
وقد ذكرنا لك أن شراء الكفيل الدين لنفسه بخلاف شرائه 2 فإن وقع الشراء بجنس واحد غير الدين جاز ذلك إذا اشتراه الكفيل لنفسه على صفة ما بيناه واشترطناه، وإن اشتراه الغريم 3 كان فيه الخلاف الذي قررناه ونوعناه.

جارٍ التحميل