الذي له مقدار كثير من الثمن والمثمون، فإنه لا يبيح لهما أن يتعاقدا بيعًا جزافًا، وهما يعلمان من أنفسهما أن غلطهما يتفاحش ويعظم حتى يقعا في الغرر والتخاطر.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: تحقيق مقادير المبيعات يكون بثلاث صور: أحدها الكيل والآخر الوزن والآخر العدد.
فأما المكيلات فالحنطة والشعير والقطاني وغيرها من ضروب المكيلات فإنه لا يختلف في جواز بيعها جزافًا على الجملة.
وكذلك الموزونات أيضًا كاللحم وشبهه.
وأما المعدودات فقد وقع في المذهب روايات تشير إلى الاضطراب في هذا.
فوقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ أنه قال، في بيع الإبل والغنم والخيل والرقيق جزافًا: إن ذلك لا يجوز.
ولا يجوز الجزاف فيما يعد عدًّا 1. وهذا الإطلاقال في وقع في الموطأ يقتضي ظاهره منع بيع المعدود جزافًا، بخلاف المكيل والموزون.
وإن ترك على ظاهره كانت التفرقة بينه وبين المكيل والموزون أن المكيال والميزان التي لا يمكن العلم بالمبلغ في الحنطة واللحم إلا بحضورهما، وقد لا يوجدان أو يشق إحضارهما، فرخص في ذلك لأجل هذه المشقة.
والعدد لا يفتقر فيه العاد إلى آلة قد يتعذر إحضارها.
فلم يكن في تكليفه العدد مشقة.
فلهذا عفي 2 عنه.
لكن الحذاق من المتأخرين يشيرون إلى أن قول مالك رضي الله عنه هذا متأول فيما يكون المراد منه أعيان آحاده لا العلم بمبلغه.
فلهذا مثل في الموطأ لما ذكر هذا بالإبل والغنم والخيل والرقيق.
وهذه الأصناف التي ذكرها المراد أعيان آحادها والإحاطة بصفاتها، كل شيء منها على حياله، ليعلم بذلك قدر ثمن كل واحد على انفراده، فيحصل له من ذلك كونه غابنا أو مغبونا.
فلو بيعت الجمال أو الجواري عددًا من غير اطلاع على صفات كل واحد منها على انفراده، لعظم في ذلك الغرر واتضح الخطر.
فيحمل قول مالك: ولا يباع جزافًا ما يعد عذاة على هذه الأجناس
المراوإلاطلاع على عين آحادها.
وأمّا ما تتساوى آحاده والمراد منه معرفة المبلغ كالمراد من صبرة الحنطة معرفة مبلغها لا عين كل بُرَّةٍ منها، فإنه يجوز بيعه، وإن كان معدودًا، جزافًا، فإن اعترض هذا ما أشرنا إليه من التفرقة التي ذكرناها آنفُ ابين المعدود والمكيل قيل قد يكثر الشيء حتى يشق عدده كما يشق كيله ووزنه.
وهكذا عند القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب هذا الباب لتمييز ما المراد منه أعيان آحاده؟ أو ما المراد منه معرفة مبلغه لا أعيان آحاده؟ لكن هذا الذي ذكرناه في المعدود يقتضي أنه لو كان قليلًا لا كلفة في عدده، والعادة أن يباع بالعدد لم يسامح ببيعه جزافًا.
وقد قال مالك رضي الله عنه: لا بأس أن تباع العصافير والحيتان الصغار جزافًا.
وأما الكبير منها فلا يباع جزافًا، وإنما يعد عددًا.
وفي الموازية أنه إذا علم أحد المتعاقدين العدد فكتمه عن الآخر وتبايعا على الجزاف، أن ذلك عيب يوجب الرد.
فأشار ها هنا إلى جواز بيع المعدود جزافًا.
فتحمل هذه الروايات التي اختلفت ظوأهرها على ما قلناه من كون المعدود لا تُرادُ آحاده.
فيجوز فيه الجزاف كالجوز والبيض، على حسب ما مثل به القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب المعدود الذي يجوز بيعه جزافًا.
لكن وقع في كتاب ابن حبيب جواز بيع الأترجّ والبطيخ جزافًا، وإن اختلفت أجرام آحاده في الكبر والصغر.
وهذه الرواية لا تصح على ما أصلناه، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقديق باختلاف صغر البطيخ وكبره.
وقد ذكرنا عن مالك أنه أجاز بيع العصافير جزافًا.
لكن ابن القاسم تأوّل ذلك على أنها مذبوحة، وأما إن كانت حية فلا يجوز بيعها جزافًا لأنها يموج بعضها في بعض.
وهذه إشارة إلى أن الحية لا يتأتى حزرها لما يحدث فيها من حركات وبسط أجنحة يستر بعضها بعضا.
وهذا مسلم إن ثبت أن الحزر لا يوثق به فيما كان حيًا منها؛ لأنا شرطنا في جواز بيع الجزاف أن يكون مما لا يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فقدر ابن القاسم أن الحي من العصافير يعظم الغلط فيه ويتفاحش، فلهذا منعه.
ومن هذا الأسلوب بيع الذهب والفضة جزافًا.
فأمّا ما كان منها تبرًا أو مصوغًا فإن بيعه عندنا جزافا غير ممنوع، ولو كان العلي محش وَا لم يمنع ذلك من بيعه جزافًا إذا اختبر مقدار الحشو من الساتر من ذهب أو فضة، بأن يعلم غلظ هذا الساتر من الذهب أو الفضة فيمكن حزره.
وإذا لم يعلم مقدار غلظه من رقته لم يمكنه أن يحزر وزنه حزرًا موثوقًا به.
وأما إن كان الذهب أو الفضة مسكوكين دنانير أو دراهم، فإنه في المدونة لم يُجز بيع ذلك جزافًا.
واختلف البغداديون في هذا المنع هل هو منع كراهة أو منع تحريم؟ فقال ابن القصار: إنّه منع كراهة.
وأشار إلى هذا محمَّد بن عبد الحكم في قوله: لم أر أحدًا من أصحابنا يجترىء على فسخ بيع الدنانير والدراهم جزافًا.
وذهب أبو بكر الأبهري وأبو محمَّد عبد الوهاب إلى حمل هذا المنع على التحريم.
فمقتضى مذهب ابن القصّار لا يفسخ البيع لكونه مكروهًا لا محرمًا.
ومقتضى قول الأبهري وأبي محمَّد عبد الوهاب الفسخ، إذا لم يراعيا الخلاف في هذا.
واختلف أيضًا في تعليل منع هذا، فأشار محمَّد بن مسلمة إلى أن الجزاف إنما جاز لكون الغلط فيه إنما يقع بيسير محتقر يزيد ذلك على حزر الحازر العارف أو ينقص.
واليسير من الذهب والفضة له مقدار، وتشح النفوس عليه ما لا تشح على اليسير من غيره.. فلهذا منع بيع الدنانير والدراهم جزافًا.
وهذا الذي قاله، وإن كان يستمر على القاعدة التي قدمناها في اعتبار كون الغرر مقصودًا أو غير مقصود، فإنه ينتقض على أصل المذهب لإجازة أهل المذهب بيع التبر والذهب والفضة المصوغين جزافًا.
ويتصور من نفاسة مقدار الغلط فيها ما يتصور في الذهب والفضة المسكوكين وكذلك اللؤلؤ يتصور من نفاسة الغلط بقليله ما يتصور في الدنانير والدراهم المسكوكين.
وهذا في لؤلؤ تتسَاوى آحاده، والقصد فيه مبلغه لا الاطلاع على كل واحدة على حيالها، فإن بيع ذلك لا يجوز عندي جزافًا، وهو كبيع الرقيق والخيل.
وذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب ها هنا المنع من بيع الجوهر جزافًا
ولم يفصّل بين كبيرها وصغيرها.
والمرجع في هذا إلى العادة فيما المقصود آحاده، أو المقصود مبلغه.
وعلل المنع من هذا الشيخ أبو بكر الأبهري والقاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بأن الدنانير والدراهم ما خفّ منهما أنفقُ مما ثقل.
فصار الغرر فيها إذا بيعت جزافًا من وجهين: الجهلَ بمقدار الخفيف منها من الثقيل، والجهلَ بالمبلغ.
والغررُ إذا صار من جهتين صار مقصودًا.
والقمح واللحم إنما المقصود فيهما العلم بمبلغ قيل القمح ووزن اللحم،
فصار الغرر من جهة واحدة فخف وأجيز.
والحق أن هذا التعليل الذي وقع للأبهري إنما ذكره في بيع الدنانير والدراهم المعدودة.
هكذا قال محمَّد بن عبد الحكم في المختصر.
ولما شرح الأبهري كلامه في هذا أشار إلى ما قلناه من التعليل.
وهكذا في الموطّأ قال مالك رضي الله عنه: لا تباع الدنانير والدراهم المعدودة جزافًا، والعدول إلى الجزاف فيها غرر 1. فقيد المنع يكون الدنانير والدراهم معدودة، كما ذكر ابن عبد الحكم في المختصر.
وقد كنا نحن قدمنا ما وقع لمالك رضي الله عنه في الموطأ من بيع المعدود جزافًا ونقلنا فيما تقدم كلامه في هذا، وتأولناه بأن المراد به ما كان من المعدود يُقصد منه إلى الاطلاع على عين آحاده دون ما كان يقصد منه الاطلاع على المبلغ خاصة.
وذكرنا أنه إن تُرك قول مالك هذا على ظاهره عمومًا في كل معدود، فإنما ذلك لكون المكيل والموزون قد يتعذّر عن بيعهما وجود المكيال والميزان" والعدد لا يتعذر لأنه علم لا يفارق المتعاقدين ولا يستعينان فيه بآلة كالمكيال والميزان.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: الجزاف يجوز العقد عليه سواء كان المبيع موضوعًا على الأرض أو
موضوعًا في ظرف.
فالقمح والتمر يجوز العقد عليهما 1 وإن كانت الصبرة المصبرة من كل واحد منهما موضوعة على الأرض يحيط البصر بجميع جوانبها.
وكذلك يجوز بيعهما ولو كانا في غرارة أو شبهها؛ لأن المعتمد في هذا على الحزر الذي يحرره العارف.
ولا تختلف معرفة العارف بهذا يكون القمح موضوعًا في الأرض أو في غرارة أو في جَفنةٍ.
لكن ابن المواز لما أجاز هذه، قال: لو عقد البيع على أن يملأ له غرارة فارغة قمحًا موصوفًا أو مشاهدًا ما جاز ذلك.
وكذلك قال في الزيت: إنه يجوز بيع قارورة منه مملوءة زيتًا يعقد البيع على زيتهالأولو كانت فارغة ما جاز له أن يشتري ملأها من الزيت.
وكذلك لو اشتراها مملوءة جزافًا ما جاز له أن يعقد على ملئها ثانية.
وهذا قد يهجس في النفس استبعاد الفرق بين ما أجاز وما منع.
إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو حزره لمقدار ملئهلالكن قصارى ما يفرق بينهما 2 به، أن المقصود تغير أحكام العقود على حسب ما قدمناه مرارًا.
وإذا كانت القارورة مملوءة زيتًا والغرارة مملوءة قمحًا، صار المبيع جزافًا مرئيًا مشاهدًا.
فالقصد العقد على مرئي مشاهد فتطلب معرفة مبلغه بالحزر والتخمين حتى إذا كانت القارورة فارغة فالمشترَى جزافا غير مرئي ولا مشاهد، فالقصد العقد على قمح مكيل بمكيال غير معلوم مقداره في المكيال الذي اعتادا به التبايع.
فصار ها هنا القصد إلى التغارر لكون المبيع غير مرئي ولا مشاهد، حتى إذا كان مشاهدًا مرئيًا صار العقد على ما شاهد ورأى، لا العقد بمكيال مجهول.
لكنه استثنى في المدونة، لما منع البيع بمكيال مجهول، بمكيال غير معروف من الأعراب لكون المكيال عندهم يتعذر وجوده، فعفي عن ذلك للارتفاق ورفع المشاق، مع كون هذا مجهولًا في نفسه.
واختلف المذهب لو وقع التبايع بمكيال مجهول المقدار، هل يفسخ البيع
أم لا؟ فذهب أشهب إلى أنه لا يفسخ، تقريبًا منه حكم هذا من أحكام الجزاف، والجزاف جائز كما قدمناه.
ورأى غيره أنه يفسخ؛ لأن العدول عن المعتاد من المكيال إلى المجهول منها قَصْدٌ إلى الغرر والمخاطرة.
وقد حاول بعض المتأخرين أن يجعل فيما حكيناه عن ابن المواز اضطرابًا في المذهب.
هل منع شراء ملء قارورة وحل 1 غرارة لكونه جزافًا غير مرئي، أو لكونه تبايعاه بمكيال مجهول المقدار؟ وذكر الرواية الواردة يمنع أن يبيع منه قمحًا مكيلَ هذه الصبرة.
وأجاز ذلك في سلة عنب أن تشتري سلة عنب مملوءة ويملأها له ثانية، وما ذلك إلا لكون العنب مما لا يكال.
فلم يقصدا في اشتراطهما ملأها ثانية إلى البيع بمكيلة مجهولة، والقمح مما يكال.
فإذا اشترى كيلًا مثل الصبرة المعقود عليها، صار 2 هذا كالعقد بمكيال مجهول.
وهذا الذي قاله في الصبرة يفتقر إلى بسط، ولعلنا أن نبسطه في أحكام الصبر إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا استوى المتعاقدان في العلم بكيل المبيع لم يكونا عقَدا على جزاف.
وإن استويا في الجهل بكيله كانا عقدا على الجزاف وإن انفرد أحدهما بعلم كيله فإنهما ليسا بمتجازفين فلا يجوز العقد على هذا عندنا.
وأجازه أبو حنيفة والشافعي.
ولا يخلو انفراد أحدهما بعلم ذلك: إما أن يشترط على المشتري أنه لا يخبره بما علم من مبلغ الكيل ويَكِله إلى حزْر نفسه أو يكتم أنه يعلم.
ذلك ثم يطلع على ذلك بعد العقد.
فأما إن اشترط عليه في أصل العقد أنه يعلم بالكيل ولا يعلمه بذلك، فإن البيع فاسد لأجل أنهما عقدا على مخاطرة وغرر.
وقد نبهنا عليه فيما تقدم من كون المشتري إنما ينشط خاطره للشراء، ويعتقد أنه لم يغبن إذا علم أن البائع
منه إنما يعوّل على الحزر والتخمين كما عول هو عليه.
حتى إذا علم أن البائع يعلم بالكيل حقيقة لم يجبر على العقد ولم يتق بحزره وتخمينه ويسبق إلى نفسه أن البائع لما علم أنه أخطأ في حزره على نفسه أنعم له بالبيع.
وأما إذا لم يشترط العلم بذلك وكتمانَه، ولكنه اطلع على علم البائع بذلك بعد العقد، فإنه عندنا عيب في المبيع يكون للمشتري الخيار.
إن شاء التزم البيع وإن شاء رده، لما نبهنا عليه من كون المشتري لم يدخل إلا على أن البائع معول على الحزر مثل ما عول هو عليه.
وانفرد الأبهري ولم يَرَ هذا كالعيوب التي يكون للمشتري الخيار في الرد بها إذا اطلع عليها بل جعل ذلك مفسدًا للعقد كما يفسده اشتراط العلم وكتمانه.
وأشار إلى أنه خطر وغرَرٌ بخلاف العيوب.
والمعروف من المذهب أن هذا الحكم عندنا جار في انفراد علم المشتري بالكيل لجريانه في انفراد علم البائع به، وأن للبائع الخيار أيضًا إذا اطلع على انفراد المشتري بعلم ذلك.
ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافًا.
ورأى أن البائع لا خيار له؛ لأن الانفراد بالعلم كعيب يوجب الخيار كما قدمناه، لكون البائع أيضًا إنما دخل مع المشتري على أنه يساويه في الجهالة بمبلغ المبيع.
وذكر القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب أن القاضي كان يعارض هذا ويراه كالممتنع في المذهب، لأجل قولهم: إن البيع يفسد إذا اشترط البائع أنه لا يذكر للمشتري ما علم، مع قولهم: إنه إذا اطلع على علمه بعد العقد كان بالخيار في الرد والإمضاء.
وإذا قدروا انفراد البائع بعلم عيب يوجب للمشتري الخيار إذا اطلع عليه فإذا اشترطه في أصل العقد فينبغي أن لا يكون للمشتري مقال في صحة هذا البيع ولا في رده.
كما إذا بين البائع العيب في أصل العقد.
وأجاب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب عن هذا بأنه غير ممتنع أن يكون الشيء يفسد العقد إذا قارنه ولا يفسده إذا اطلع عليه بعد العقد.
كما قيل في بيع أمة مغنيّة: إنه إن اشترط كونها مغنية في أصل العقد فسد البيع، وإن لم يشترط ذلك ثم اطلع المشتري بعد العقد على كونها مغنية كان بالخيار في إمضاء العقد
أو رده بهذا العيب الذي هو كونها مغنية.
وكذلك لو غصب سلعة وباعها مِمّن يَظُن أنها مِلْكُه، ثم اطلع على أنها مغصوبة، فإن البيع لا يفسد ويثبت فيه الخيار الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولو شرط البائع كونها مغصوبة، ودخل المشتري على ذلك لفسد البيع.
فأنت ترى كيف كان الاطلاع على هذه الأمور بعد العقد لا يؤثر في صحته.
[والاطلاع 1 عليها في أصل العقد يؤثر في صحته].
وهذا الذي ذكره رحمه الله في شراء السلعة المغصوبة وشراء المغنية.
نبسط الكلام فيه في موضعه، ونكتة الأمر فيه أن اشتراط هذا بها عددًا أو وزنًا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
وعلمْه بذلك ربّما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئًا، فإذا انفرد العلم بهذا، صار المشتري أيضًا لم يدخل معه على أنه يعلم عددها فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض، وإنما يدخل على أنه لا يعلم هو ولا البائع مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
فهذا مما ينظر فيه.
كتمان ما علم من قيل الصبرة في أصل العقد يوقع في التخاطر والغرر الذي نبهنا عليه، والاطلاع على ذلك بعد العقد يدفع كون العقد وقع على غرر.
وقد قال بعض المتأخرين: إن البيع لو كان له مبلغان يباع عليهما فعلم البائع أحد المبلغين دون المشتري وبايَعه على المبلغ الآخر جزافًا، فإن ذلك يجوز، ولا مقال فيه للمشتري.
ومثَل هذا بدراهم تباع ببلد وزنًا وعددًا فباعها على الوزن مجازفة وهو منفرد نعلم العدد، ورأى أن المتبايعين لما استويا ها هنا في الجهل بالمبلغ الذي تجازفا فيه لم يكن في العقد قدح ولأ خيار.
وهذا الذي قاله فيه نظر على التعليل الذي قدمناه.
لأن الدراهم إذا كانت يتبايع بها عددًا أو وزنًا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض.
وعلمه بذلك ربما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئًا.
فإذا انفرد العلم بهذا صار المشتري أيضًا لم يدخل معه على.
أنه يعلم
عددها، فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض.
فهذا مما ينظر فيه.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد قدمنا أن البيع مجازفة فيه غرر رخص فيه للارتفاق ورفع المشاق.
وما جرى على هذا الأسلوب يجب أن لا يوسع الغرر فيه إلا بمقدار مسيس الحاجة إليه.
فإذا باع صبرة قمح منفردة أو صبرة قمح وصبرة تمر في عقد واحد وثمن متفق أو مختلف، جاز ذلك لما لّمس الحاجة إليه للمجازفة في هذين المكيلين القمح والتمر.
فلو أضاف إلى صبرة القمح جنسًا آخر أو نوعًا منها، مكيلًا أو موزونًا، فإن هذا فيه اختلاف في المذهب، هل يجوز ذلك أم لا؟ فمن أجازه رأى أن الغرر لم يكثر بإضافة هذا المكيل إلى هذا الجزاف.
ومن منع من هذا رأى أن المكيل معلوم مبلغه قطعًا، والجبزاف يظن مبلغه بالحزر.
واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظنون تخاطرًا لم يكن فيه إذا انفرد، مع كونهما كحكمين مختلفين.
وكذلك لو أضيف إلى المكيل ثوبًا أو عرضًا، فإن المذهب يختلف على دولين فيه أيضًا، كإضافة المكيل إلى الجزاف.
وقد كنا قدمنا في كتاب السلم الأول التنبيه على إجازة ذلك في المدونة في مسألة من أسلم في شعير وثوب، وأنه أجاز في هذه المسألة اجتماع مكيل وعرض.
وهذا قد وقع في كتاب ابن المواز المنع منه.
وقد وقع لابن القاسم، فيمن باع صبرة على الكيل ومعها ثوب، أن ذلك لا يجوز إذا كان يأخذ جميع الصبرة على الكيل، لكونه لا يعلم مبلغها.
فصار إضافة الثوب إليها يؤكد الغرر في هذا العقد.
وأجاز ذلك أشهب، وهذا ليس ببيع صبرة على الجزاف ولكنها على الكيل.
لكن الوقوف على مبلغ المكيلة 1 لم يتحصل فصار ذلك يثبت في العقد غررًا لما انضاف إليه ما سواه.
وقد قال أبو حامد الإسفراييني: لا يجوز بيع صبرة قمح على الكيل، كل قفيز بدرهم على أن يزيده قفيزًا، إلا أن القفيز المشترط زيادته مقسط على سائر الأقفزة، وهو لا يعلم مبلغها؛ فصار كأنه اشترى قفيزًا ومعه شيء لا يوقف على
حقيقته من القفيز المشترط زيادته.
فتضمن هذا جهلًا بالمبيع فمنع.
وقد أشرنا نحن إلى ما قاله ابن القاسم في بيع صبرة على الكيل ومعها ثوب وهو من هذا الأسلوب.
لكن أبا حامد قال: وكذلك لو باع صبرة على الكيل، كل قفيز بدرهم واستثنى منها قفيزًا لم يجز ذلك.
وأجرى النقص ها هنا مجرى الزيادة.
فأما الزيادة فالذي علل به يتصور، وقد ذكرنا ما وقع في المذهب من هذا الأسلوب.
وأما النقص فيفتقر إلى بسط.
فإن قيل: إن المستثنى كالمشترى فإنه قد يتصور ما قال كما تصوره في الزيادة.
وهذا إنما يتضح عند الكلام على المستثنى هل هو مبقى أو مشترى؟
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويجوز تصديق المشتري للبائع في كيله إذا كان ينقد ويكره في النّساء.
قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة، منها أن يقال:
- لم جاز التصديق في النقد؟
- ولم كُرِهَ في النساء؟
- وهل يجوز التصديق في السلم؟
- وهل يجوز التصديق في بيع الطعام بالطعام؟
- وهل تصديق البائع للمشتري كتصديق المشتري للبائع؟
- وإذا اختلفا في قدر المكيلة بعد التصديق القول قول من يكون منهما؟
- وإذا حَضَرَ المشتري الكيلَ هل له أن يطالب به البائع؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا اشترى الطعام كيلًا بثمن نقد، فأراد المشتري أن يقبله بقول البائع: فيه من المكيلة كذا وكذا، فإن ذلك سائغ له.
وذكر ابن حبيب أن القاسم بن محمَّد وغيره استثقل هذا، وأن كثيرًا من التابعين أجازوه.
والظاهر عندي من مذهب الشافعية أنهم يمنعونه.
وكان الشيخ أبو الحسن المعروف باللخمي رحمه الله يكره ذلك وإن كان الثمن نقدًا، ويرى أن الزمان فسد، وإباحة التصديق في هذا توقع المتبايعين في النزاع والمخاصمة والأيْمان،
وقد أمر الله سبحانه بالإشهاد في التبايع رفعًا للخصام والأيمان.
وهذا الذي اعتل به يمكن أن يكون إليه نحا القاسم بن محمَّد.
على أن مالكا رضي الله عنه ذكر في الموطأ أن هذا جائز في بياعات النقد.
ثم أشار إلى أن المنع من ذلك في بياعات النساء حماية للذريعة فيما يتخوف من الربا 1. ثم قال: والذريعة في بيع النساء أبين.
وهذا اللفظ ربما اقتضى أن في بيع النقد ذريعة ولكنها لا تَبيَّنُ كبيانها في بيع النساء.
والذي نذكره من التعليل في بيع النساء قد يصلح إجراؤه في بيع النقد.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد ذكرنا في السؤال الأول ما أشار.
إليه مالك رضي الله عنه في تعليل النهي عن التصديق في المكيلة في بيع النساء.
وبسط كلامه أن الطعام إذا بيع نسيئة ربما اطلع المشتري على نقص في الكيل فيقف على ذكره والخصام فيه لئلا يسترد البائع طعامه، ويسيء اقتضاعه الثمن عند حلول الأجل، لأجل ما قدم المشتري من طلب حقه في النقص، فيتجافى المشتري عنه رجاء: في مسامحة البائع في الاقتضاء والتأخير في الأجل.
فيكون تجافيه عن طلب هذا كهدية المديان وهي زيادة منه يرجو بها التأخير.
فضارع ذلك ربا الجاهلية، وهو قولهم: تقضي أو تُرْبِي.
مع أنه أيضًا أخذ مكيلة مجهولة المقدار عنده في حكم اليقين والقطع، ويمكن أن يكون أقل مما اشترى من الكيل أو أكثر، فيصير أخذ طعامًا في أكثر من الطعام الذي اشترى أو أقل.
فضارع ذلك ربا الفضل 2.
وهكذا رأيت أصحاب الشافعي عللوا أخذ الطعام من الغريم على التصديق بأن قالوا: أخذ ما لا يَدري هل هو مثل حقه أو أقل؟ فنهي عن ذلك لأجل هذا.
وهذا التعليل يشير إلى ما قدمناه عنهم من أن هذا يجري في بيع النقد.
ويكون هذا تعليلًا أيضًا لما حكيناه عن القاسم بن محمَّد وغيره.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اختلف في التصديق في الطعام المسلم فيه.
فأجازه في المدونة ومنعه في الموازية.
فإذا عللنا، لما أشرنا إليه وبسطناه من تعليل مالك رضي الله عنه في بيع النساء، فإنه قد يجد نقصًا فيصفح عنه رجاء أن يؤخره بالثمن المؤجل، لم يطرد هذا في السلم لقوله: لا دين يبقى بينهما بعد قبض الطعام المسلم فيه.
وأمّا إن عللنا برفع الخصام والأيْمان، فإنه يحسن النهي عن هذا في السلم وفي بياعات النقود 1 -على حسب ما قدمنا.
ولكن بياعات النقود (1) - لم يختلف فيها من تقدم من أصحابنا كما اختلفوا في السلم.
فيطلب في السلم معنى آخر، وما ظهر فيه وجه سوى أن الطعام المشترى فيه غير معين كما يكون في بياعات النقود (1) - وإنما يعطيه طعامًا من ذمته يطابق الصفة التي تواصفاها في أصل عقد السلم: فقد يعطيه أجود من الصفة التي يقضى بها عليه عند المشاحة.
فإذا اطلع على النقص تجافى عنه لئلا يسترد الطعام الذي هو أجود مما له في ذمته فيقعان بذلك في الربا لأن الأخذ في السلم طعامًا أجود وأقل كيلًا لا يجوز.
هذا حكم التصديق فيما في الذمة..
وأما التصديق في رأس مال السلم فاختلف الأشياخ فيه.
فذكر عن الشيخين أبي محمَّد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي رضي الله عنهما أنهما أجازا دفع دينار في طعام على تصديق قابض الدين دافعه في وزنه.
وإنما ينهى عن دفع الدينار بغيبر وزن ولا يعرفان وزنه، فيكون هذا جهالة في الثمن.
أو كبيع الدنانير جزافا.
وخالفهما غيرهما ونهى عن ذلك.
وما أراه إلا أنه قدر أن قابض الدنانير قد يطلع على نقص فيه 2 فيتجافى عن طلبه رجاء أن يؤخره بالسلم.
وقد قال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في الطعام المسلم فيه: إنه لو قدمه قبل الأجل لنهي عن التصديق فيه لئلا يقعا في: ضع وتعجل.
فإذا اطلع
على نقص صفح عنه لأجل تعجيل الدين قبل أجله.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: اختلف في المذهب في جواز التصديق في قيل الطعام إذا بيع بطعام آخر أو بودل به.
فقال مالك: لا يجوز.
وبه قال ابن كنانة.
واختاره سحنون.
وقال ابن القاسم وابن الماجشون: بل يجوز.
واختاره أصبغ.
وسبب الخلاف في هذا أنك قد علمت ما قدمناه في كتاب السلم الأول.
أن من شرط بيع الطعام بالطعام المناجزة - قبل الافتراق.
وهذان إذا تراضيا على أخذ الطعام بما يقوله البائع، فإن المشتري إذا اختبره بعوإلافتراق فاطلع على نقص خاصم فيه وطلب البائع به، فيكمله له، إن ثبت النقص، طعامًا، أو يرتجعه ثمنًا.
فقد حصل الافتراق ولم ينقطع التعلق بين البائع والمشتري، فلم يحصل التناجز عند مالك.
وحصل عند ابن القاسم، لأجل أنه لو لم يفارقه حتى اكتال الطعام لصح البيع باتفاق ولم يكن قدح.
فكذلك إذا صدق المشتري البائع في الكيل، فإن ذلك يحل محل مشاهدة الكيل.
ولهذا لم يصدق في دعواه النقص بعد الافتراق.
وعلى هذا الأسلوب من التعليل جرى اختلاف المذهب في التصديق في الصرف في مبايعة الدنانير بالدراهم.
ومن هذا المعنى ما وقع من الاختلاف في الطعام إذا قبضه المشتري على تصديق البائع في كيله ثم أراد أن يبيعه في الحال قبل أن يغيب عليه، فإن مالكا رضي الله عنه منع من ذلك حتى يغيب عليه، وأجازه ابن القاسم.
جَرْيًا من مالك على التعليل الذي ذكرناه من كون التصديق لا يقطع التعلقال في بين البائع والمشتري في هذا المبيع، لكونه يذهب به فيختبره فإذا وجد نقصًا طلب به فلم يحصل القبض على التمام.
ورأى ابن القاسم أن التصديق يحل محل مشاهدة الكيل، ولو شاهد الكيل وقبضه بعد أن اكتيل عليه لم يُمنع من البيع وإن لم يغب
عليه، فكذلك إذا قبضه على التصديق وإن لم يغب عليه.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
إذا دفع البائع الطعام، ووكل كيله للمشتري، وصدقه فيما يزعم أنه وجده فيه من الكيل، فإنه لا يخلو ذلك أن يكون يتأخر فيه الكيل المدة الطويلة، أو إلى غاية بعيدة يبلغها، أو يكتاله المشتري بعد مضي زمن قريب من العقد.
فإن اشترط تأخير الكيل زمنًا طويلًا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الطعام في ضمان بائعه حتى يكتال.
وبيع المعينَّ بشرط أن يبقى في ضمان البائع أمدًا طويلًا لا يجوز.
وقد قدمنا ذلك فيما مضى وأشرنا إلى علته.
[وإذا اشترط الكيل إلى أمد قريب من العقد، ارتفعت هذه العلة فلم يمنع 1]. وإن اشترط الكيل إلى أمد قريب فلا يخلو أن يشترط المشتري أنه إن وجد نقصًا رجع بمقداره من المبيع، أو بمقداره من الثمن.. فإن شرط الرجوع بمقداره من المبيع، وكان ما يرجع به حاضرًا عند البائع، وهو من الجملة التي باع ما قبضه المشتري منها، فإن ذلك جائز.
إذ لا مانع يمنع من هذا حتى إذا لم يكن ذلك عند البائع، صار ذلك من بيع ما ليس عندك.
وإن شرط المشتري أنه ينحط عنه مقدار النقص من الثمن، فإن كان لم ينقد البائعَ جاز ذلك، إذ لا مانع أيضًا يمنع من هذا الاشتراط.
وإن كان قد نقد البائع، وعقدا البيع على هذا، فإن ذلك لا يجوز، لجواز أن يجد نقصًا فيسترد بعض ما نقد من الثمن، ويكون ذلك بيعًا وسلفا.
إلا أن ينقد من الثمن ما يُومَنُ معه رد شيء منه، للعلم بأن ما قبض يقابل ما دفع من الثمن ويربي عليه.
وقد وقع في المدونة لابن كنانة النهي عن هذا من غير تفصيل، وأشار إلى أنه يكتب عليه ذكر الحق بما لم يتحصل عليه يقينًا.
قال: وفيه وجه آخر وأبواب من الفساد.
وتعليله بأنه يكتب ما يمكن أن يسقط عنه بعضه ليس من العلل اللازمة؛ لأنهما قادران أن لا يكتباها وثيقة بهذا الثمن، أو يكتباها ويشيرا فيها إلى أن الثمن لم يتحقق وجوب جميعه.
لكن قوله وأبواب من الفساد [أن] 1 أشرنا نحن إليه في هذه التفاصيل الممنوعة فهو مما بيَّنّا.
ولكن لا يحسن إطلاق الجواب في مواضع يجب فيها التفصيل.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
إذا قبض المشتري الطعام على تصديق البائع في كيله، ثم زعم أنه وجده ناقصًا، فإن شهدت بينة تصديقه 2 رجع بالقبض مكيلة، إن كان المقبوض طعامًا في الذمة أو طعامًا معينًا من صبرة قد بقي بعضها.
وإن كان طعامًا قبض جميعه، فإنه يرجع بمقدار النقص ثمنًا.
وإن لم تشهد بينة بصدقه فإن القول قول البائع.
ومذهب الشافعي أن القابض إذا صدق غريمه ثم ادعى نقصًا أن القول قول القابض، لأجل أن الطعام في ذمة البائع، وحق عليه يجب أن يوفيه.
ونحن على شك: هل صدق في التوفية أو كذب، فلا يبرأ من حق وجب عليه بالشك.
ونحن نقول: إذا صدّق البائعَ في كيله فقد أقر بخلو ذمة البائع من حقه فليس له تعميرها بعد إقراره بخلوها من حقه.
لكن رأيت أبا حامد الاسفراييني ذكر أنه إذا كانت لزيد على عمرو عشرة فوزنها له، فلما انصرف بها زيد زعم أنه وجدها تسعة، فحكى عن مالك أن القول قول القابض.
وعن أبي حنيفة أن القول قول البائع.
وحكى عن مذهبهم قولين، وقال: إن الصحيح منهما أن القول قول الدافع.
قال: وبه أُفْتِي.
وهذا الذي ذكره عن مالك بعيد من أصوله.
وما حكاه (عنه 3 أحد) من أهل المذهب.
ويعتل لأحد القولين عندهم في تصديق القابض بما قدمناه من
كون ذمة الدافع عامرة فلا يصدّق في خلوها إلا ببيان.
ولم يختلف القول عندهم في العيب فيما قبض أنه لا يصدق، وفي كونه وجد الدراهم زيوفا؛ لأن هذا دعوى عيب في المقبوض والظن 1 السلامة منه.
وذكر أيضًا أنهم يمنعون بيع الطعام المقبوض على التصديق، واعتل بما عللنا به مذهب مالك رضي الله عنه من كون المعلق لم ينقطع، فصار القبض لأجل هذا قبضًا ليس بتمام.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
ذكر أصبغ: أن من اشترى طعاما ذكر له البائع كيله أن هذا لا يدفع عن البائع ما وجب عليه من كيله للمشتري، وأن العقد على ما ذكر من هذا ليس بتصديق من المشتري للبائع.
لكن لو صدق المشتري البائع والتزم أخذه على التصديق للبائع، فإنه قد سقط حقه في وجوب الكيل على البائع.
ولو حضر المشتري قيل هذا الطعام على البائع منه، لكان من حقه أن يطالب البائع بأن يكيله عليه لأجل حقه أنه يضمنه له حتى يكتال، ولأنه قد يكون البائع سامح من المُشْتَرِي منه مسامحة لا يرضى بها هذا المشتري الذي حضر الكيل، فإذا صدق البائع والتزم أخذه على التصديق، لم يُمَكَّنْ من الرجوع عن ذلك لما يتعلق للبائع من فائدة في هذا التصديق وهو سقوط الضمان عنه، ومنع المشتري أن يشاحّه في الكيل ويطلبه بالنقص.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله.
وإذا اختلف المتبايعان فلا يخلو اختلافهما أن يكون إلى 2 ما يؤدي إلى فساد في العقد أو إلى نَفْي لزومه أو إلى سقوط بعض حقوقه.
فإن كان
اختلافهما (مما) 1 يؤدي إلى فساد العقد مثل أن يقول أحدهما 2 بعت لك هذه السلعة ولم ترها ولم أصفها لك أو بثمن إلى أجل مجهول 3 وما أشبه ذلك، ويدعي الآخر أنه قد رآها ووصفت له وأن الأجل في الثمن معلوم، فالقول قول مدعي الصحة منهما مع يمينه.
وإن كان اختلافهما فيما ينفي اللزوم مثل أن يدعي أحدهما أنه شرط الخيار لنفسه وينكر إلآخر ذلك، فالقول قوْل من ينكر، وعلى مدعي اشتراطه البينة.
وإن كان ذلك في حق من حقوق العقد فإن كان ذلك في عين الثمن وجنسه تحالفا وتفاسخا.
وإن كان في مقداره فالأظهر من المذهب أنه إن كان قبل القبض تحالفا وتفاسخا.
وإن كان بعده فالقول قول المشتري مع يمينه 4. وإن كان الاختلاف في قبض الثمن رُجِع إلى العرف في موضعهما وحلف من يشهد له العرف منهما.
وإن لم يكن عرف فالقول قول البائع مع يمينه.
قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال 5:
- الاختلاف في الأعواض يكون في الماهية والكمية والكيفية والزمان والمكان والايصال والأحكام،
- فالماهية اختلاف المتبايعين في جنسين، مثل أن يقول البائع: بعتك بمائة دينار مائة قفيز تمرًا، ويقول المشتري: بل اشتريت منك بها مائة قفيز قمحًا.
- والاختلاف في الكمية أن يقول البائع: بعتك ثوبي هذا بعشرة دراهم، ويقول المشتري: بل بعته منّي بثمانية دراهم.
- والاختلاف في الكيفية أن يقول اليائع: أسلمت إليَّ عشرة دنانير في عشرة أقفزة محمولة، ويقول المشتري: بل بعته منّي إلى شهرين، أو يقول البائع: بعته منك بثمن حالٍّ، ويقول المشتري: بل إلى شهر.
- والاختلاف في المكان، مثل أن يقول البائع: أسلمت إليّ في عشرة أقفزة قمحًا نأخذها بمكة، ويقول المشتري: بل بالمدينة.
- والاختلاف في الأيصال أن يقول المشتري: دفعت الثمن، ويقول البائع: لَم أقبضه، أو يقول البائع: سلمت لك السلعة، ويقول المشتري: لم تسلمها إليّ.
- والاختلاف في الأحكام أن يقول المشتري: عقدنا حلال ويقول البائع: بل حرام.
فكان مقتضى هذا الترتيب أن نبدأ بالكلام على اختلافهما في الماهية، وهي قوله: ما الشيء، قبل الكلام في الكمية وهي قولنا (...) 1 كيف الشيء؟ وللسؤال عن الماهية قبل الكمية والكيفيّة، وهو قد بدأ فيها بالكلام في الاختلاف في الكمية.
واعلم أنّ اختلاف المتبايعين 2 لا يخلو أن يختلفا في ذلك والسلعة بيد البائع 3 أو قبضها وانصرف بهالأولم تتغير في نفسها ولا سوقها أو تغيرت 4 أو سوقها.
فهذه الأربعة أقسام في كل قسم في المذهب عندنا قولان، هل يجب 5 أو يصدق فيه المشتري سوى اختلافهما 6 والسلعة في يد البائع فإنه لا خلاف عندنا وعند فقهاء الأمصار أن الحكم التحالف والتفاسخ.
وذهب أبو ثور إلى أن القول
قول المشتري في مقدار الثمن.
وهذا نوع يضبط به الخلاف في هذه المسألة.
وإن شئت أن تقول: في المذهب خمسة أقوالذي هذه المسألة:
أحدها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان فا لم يقبضها المشتري.
وإذا قبضها صُدق في الثمن.
والقول الثاني: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يَبِينَ بها المشتري فيصدق.
وهذه الرواية مذكررة عن مالك في كتاب المكاتب من المدونة.
ويشير بعض الأشياخ إلى أن قوله في كتاب الرواحل والدواب حكايته عن قول غير ابن القاسم إذا قال: بعت منك بهذه المائة التي قبضتها مائة إردبّ إلى سنة.
وقال المشتري: أكثر من ذلك.
أن قوله: بهذه المائة، يشير إلى أنهما لم يفترقا حتى اختلفا؛ ولم يجعلهما يتحالفان ويتفاسخان.
وهذا التعليل إن كان هو الذي أراد بما أشار إليه في كلامه فإن فيه احتمالًا وقد يكون افترقا ثم عاد القابض فأشار إلى المائة وخالف في المشتري بها.
والقول الثالث: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها المشتري وبأن بهما، إلا أن يفوت بتغير سوق أو بدن فيكون القول قول المشتري.
هذه رواية ابن القاسم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم، وهي مذهب أبي حنيفة وتبعه تلميذه القاضي أبو يوسف.
والقول الرابع: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن فاتت.
روى هذا أشهب عن مالك، وبه أخذ أشهب، وهو مذهب الشافعي، وتابعه محمَّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة.
وهذا المذهب الذي كان يفتي به شيخنا رحمه الله، وأنا أمَّتي به أيضًا.
والقول الخامس: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كانت السلعة قائمة وادعيا جميعًا ما يشبه.
فأما إن ادعى أحدهما ما لا يشبه وادعى الآخر ما يشبه، فإن الذي ادعى ما يشبه هو المصدق فصار هذا قولًا خامسًا إذا ادعى أحدهما ما يشبه والآخر ما لا يشبه.
فأما إذا ادعيا جميعًا ما يشبه فليس في المذهب سوى
الأربعة أقوال التي ذكرنا.
وسبب هذا الخلاف تعارض آثار وطرق أعيان.
فأمّا الآثار فإنه عليه السلام قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 1 وهذا وإن لم يرد فيما نحن فيه من هذه المسألة فإن عمومه يحسن أن ينطبق عليها، فيقول مالك في أحد أقواله، والشافعي الموافق له على هذا القول: كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، فالمشتري يدعي البائع عليه زيادة في الثمن، فإذا قال البائع: بعتك هذه السلعة بمائة، وقال.
المشتري: بل بخمسين فلا شك أن المشتري مدعى عليه بخمسين وهو ينكرها، فعلى البائع البينة لكونه هو المدعي لها، وعلى المشتري اليمين في إنكارها.
وكذلك حال البائع فإنه مدعى عليه أنه باع سلعة بخمسين، ونقل ملكه عنها بهذا المقدار، وهو يقول: لم أبعها إلا.
بمائة، وإنما نصفها هو المبيع بخمسين، والملك قد ثبت في الأصل له، فهو مدعى عليه فيه فيكون القول قوله فيما أنكر من ذلك، وعلى المشتري المدعي 2 أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه.
وقد ورد هذا الحديث 3 هذا تحليفهما جميعًا على ما أنكراه وتبقى كل منكر مصدقًا فيما أنكره 4 يقتضي الفسخ.
وهذا التصوير واضح معقول المعنى وواضح دخوله 5 عند من قال بالعموم.
وإذا تقرر هذا التصوير واشتمال الحديث عليه، فهذا في حال فوت السلعة على حسب ما تصور في قيامها من غير فرق بينهما 6 التحالف والتفاسخ وإن فاتت السلعة.
ويعضد هذا الاستدلال الاتفاق على أن رجلًا إذا قال لآخر: بعت منك سلعتك بكذا وكذا،
وقال صاحب السلعة: لم أبعها منك أصلًا، فإن القول قول صاحبها في إنكار بيعها جملة، فكذلك إنكاره في بيعها، إلا على الصفة التي ذكرها.
وأيضًا فإنهما لو اختلفا في جنسين لتحالفا لأن البائع إذا قال: بعت منك تمرًا، وقال المشتري: ما اشتريت منك إلا قمحًا، وكل واحد منهما ينكر صاحبه فيحلف على ما أنكر، فكذلك اختلافهما في الثمن لأن البيع بمائة غير البع بخمسين، فصار ذلك كعقدين مفترقين اختلفا فيهما، فلابد من تحالفهما، فيحلف كل واحد منهما على ما أنكر من العقد الذي ادعى عليه به.
على أن هذا قد يجاب عنه بأن يقال: هما متفقان على أن لم يكن بينهما سوى عقد واحد، فلم يتضمن اختلافهما (سواه عزى) 1 البائع على المشتري عمارة ذمته بدراهم لم يقر بهما فيجب تصديق المشتري المدعى عليه وهذا المعنى الذي قاد أبا ثور إلى أن جعل القول قول المشتري بمجرد اتفاقهما على أن العقد قد وقع، ويزعم أنهما متفقان على أن الملك انتقل للمشتري وما اتفقا عليه لا يقدر فيه تحالف بينهما.
وإذا علم من ناحية العقل، عند تتبع أصول الشرع، أن اليمين إنما يكون فيما اختلفا فيه لا فيما اتفقا عليه، وعُلم ها هنا أنهما متفقان على انتقال الملك لم يتصور بينهما الاختلاف إلا في تعمير ذمة المشتري بدراهم، وهو ينكرها، فيصدق في إنكاره.
وكذلك أيضًا يجاب عن استبعاد حال الفسخ مع القيام، وإسقاطه مع الفوت؛ لأن المطلع على عيب فيما اشتراه له الفسخ مع قيام السلعة، ولا فسخ له مع فوتها، وإنما له الأرش.
وينفصل عن هذا بأن العيب الغرض منه استدراك المشتري ظلامة ظلم بها، فمنع 2 القيام يتجه استدراكها بالفسخ، ورد المبيع، ومع الفوت يتجه استدراكها بأخذ قيمة العيب، إذ لا يتصور استدراك ظلامة في رد قيمة السالم من هذه السلعة، بل ربما كان في هذا ضرر عليه، والتحالف في اختلاف المتبايعين في اليمين ليس طريقه طريق
استدراك الظلامة، ولا يعرف مَن الظالم منهما فلا ترتفع الظلامة إلا بأن تراث 1 العقد ويفسخاه.
هذه طريقة من رأى الفسخ وإن فاتت السلعة قد أبّنا وجه الحجة فيه من جهة الأثر وطرق العِبر، وأدرجنا في ذلك قول أبي ثور وهو طرف نقيض مع هذا المذهب؛ وما سوى هذين من أهل المذاهب المذكورة يتعلقون أيضًا بأثر آخر وهو ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه باع من الأشعث شيئًا فاختلفا في ثمنه فحكم المشتري ابن مسعود في المسألة، فقال ابن مسعود: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان" 2. وفي بعض الروايات في هذا الخبر تقييد بقوله: والسلعة قائمة.
ودليل هذا الخطاب يقتضي أنهما لا يتحالفان مع فوتها، مع القول بإثبات دليل الخطاب، ويكون هذا المستفاد من دليل الخطاب مخصصًا لعموم قوله "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" 3. وهذا ينظر فيه من جهة أصول الفقه، من القول بدليل الخطاب.
وفي تخصيص العموم بدليل الخطاب اضطراب.
وهذا مبسوط في كتب أصول الفقه.
على أن الحديث قدح في سنده، وذكر أنه مرسل.
لكن قد روي أنهما إذا كانت السلعة قائمة؛ وإن فاتت فالقول قول المشتري.
وروي إذًا اختلف المتبايعان أستُحلف البائع، فلو ثبت قوله: فإن استهلكت فالقول قول المشتري، لم يكن هذا تخصيصًا بدليل الخطاب.
وروي أنه عليه السلام قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار" (3) ولم يذكر في هذه الرواية أنهما يترادان.
وأما الرواية التي فيها "ويترادان" فإنها أيضًا تؤكد الرواية المشترط فيها قيام السلعة؛ لأن الترادّ تفاعل إنما يكون بين إثنين، وهذا لا يتصور إلا مع كون السلعة قائمة يتأتى ردها ويرد الآخر الثمن، فيكون ترادًا.
وأمّا إذا فاتت فإنما يرد المشتري القيمة، وليست القيمة هي عين السلعة، فينطلق
عليها حقيقة قوله "ويترادان".
فهذا طريقة من منع من التحالف مع الفوت.
لكن ما قيل عندنا: إن قبض المشتري يوجب تصديقه وإن لم ينصرف بالسلعة، إنما صار إلى ذلك من قال به، لأجل أنه ترجحت عنده جهة المشتري بالقبض؛ لأنها لو هلكت في يديه بعد قبضها لضمنها، وضمانه إياها يوجب قوة جهته في هذا الاختلاف.
كما قيل: إن من باع سلعة من واحد ثم من آخر، أن الآخر أحق بها إذا قبضهلالأجل ضمانه لها أيضًا، فإن تسليمها للمشتري كالائتمان له على الثمن، لكن القول الآخر أنه إنما يصدق إذا بأن بها، قدر حقيقة الائتمان في الثمن إنما يتصور إذا ترك البائعُ المشتريَ ينصرف بها، ثم يطلبه بالثمن، ولعل اشتراط الانصراف بها التفاتٌ لقول من قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.
فكأن البيع لم ينعقد إلا بالافتراق.
وأما من ذهب إلى تصديق من ادعى ما يشبه مع قيام السلعة، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون واختاره أصبغ، وحكى ابن المواز عن أشهب في اختلافهما في المقدار والجنس: أنه إن عرف صدق أحدهما وكذب الآخر كان القول قول من عرف صدقه.
وهذا موافقة لما حكيناه عن هؤلاء، وهو الذي يسبق إلى النفس عند اعتبار أصخول المذهب؛ لأن المذهب مبني على تصديق من شهد بصدقه العرف والعاهة 1، كما قالوا في اختلاف الزوجين في متاع البيت: إن ما يعرف بالرجال دون النساء يكون للرجل، وما يعرف للنساء دون الرجال يكون للمرأة.
واستدل على ملك الحائط الفاصل بين دارين بما تدل عليه العوائد من شواهد القُمُط وغيره 2؛ فكذلك إذا اختلفا في الثمن يجب أن يصدق من ادعى الثمن الذي الغالبُ التبايع به، دون من ادعى ما لا يتبايع به غالبًا في تلك السلعة.
ومن خالف هذا المذهب من أصحابنا يرى أن العوائد إنما تجعل أدلة على التصديق عند التنازع إذا لم يترجح أحد المتنازعين على صاحبه بدلالة ينفرد بها؛ والبائع ها هنا قد ترجح جانبه، فإن مِلْك السلعة سابق لهْ وهو يُدَّعَى عليه أنه انتقل عنه بثمن
ينكر البيعَ به، فصار دلالة سبق ملكه وحيازته أَرجَحَ من دلالة العرف، لا سيما إن ثبت الحديث بإيجاب التحالف عند التنازع، على حسب ما قدمناه عند ذكرنا الأحاديث.
فإنه إن ثبت لم يعدَل عنه، ولم يردّ شواهد أصول قد أُرسِيَ وجة القدح في التعلق بها.
وبعض أشياخنا يشير إلى أن هذا الاختلاف في تصديق من ادعى ما يشبه إنما يتصور إذا كانت دعوى من ادعى ما يشبه مما يمكن، لكن الغالِبَ خلافها.
وأما إذا كانتْ من الوضوح في الاستبعاد تكاد تلحق بالمحال، فإنه لا يختلف ها هنا أن من ادعى ما لا يمكن، لا يصدق، بل يصدق صاحبه، كمن زعم أنه اشترى سلعة قيمتها ألف دينار بدينار، وهو والبائع عارفان بالقيمة، فإن هذا يكاد يلحق بما لا يمكن، بل يلحق بمن أقر بالبيع والشراء وكتم الثمن، فإنه يصدق من ادعى معرفة الثمن، ويختلف في استحلافه.
وقد أشار بعض الشيوخ إلى أن الذي تقرر من الروايات عن مالَك ثلاث روايات:
- تصديق المشتري إذا قبض السلعة وبأن بها.
وأن هذه رواية ابن وهب. - وتصديقه إذا فاتت بحوالة سوق أو تغيُّر بدنٍ..
- والتحالف وإن فاتت.
وهذه الثلاث روايات رواها اين القاسم بن مالك.
وغيرُه يشير إلى أنها أربع روايات، وأن ابن وهب روى عنه: أن المشتري إذا قبضها صدّق.
فهذا ضبط الخلاف والكشف عن الطرق التي من أجلها وقع الخلاف.
وإذا وضح لك الحكم في الاختلاف في مقدار الثمن المقصود منه النزاع فيما يجب على المشتري فلنذكر الاختلاف في الثَّمن المقصود منه ما يجب على البائع رده.
وذلك يكون بثلاثة وجوه: أحدها أن يكون بفساد عقدهما ورد الثمن المقبوض، فيقول البائع: إنما كان الثمن ثمانية دنانير وهي التي قبضتُ.
ويقول المشتري: بل عشرة، وهي التي دفعتُ إليك.
فها هنا يصدق البائع لأن العقد منحلّ، فصار محصول هذا التنازع أن المشتري يدعي على البائع دينًا يستحق أخذه منه، والبائع ينكر ذلك، والمنكر هو المصدق مع يمينه.
والثاني: أن يختلفا في الثمن فيتحالفان ويتفاسخان، ويدعي المشتري على البائع أنه دفع إليه أكثر مما أقر به البائع، فيصدق البائع ها هنا أيضًا، لكون المشتري يدعي دينًا عليه وهو ينكره.
والوجه الثالث: أن يتقايلا في بيع صحيح، ويختلفا في الثمن، فها هنا قال في المدونة: إذا تناقضا السلم واختلفا في رأس المال، فالقول قول البائع.
وهذه مسألة تنازع الأشياخ في تأويلها، فقال بعضهم: محمل هذا الذي ذكر في المدونة على أنهما تناقضا البيع لكونه منقوضا في الشرع لأجل فساده، فيكون القول قول البائع، لما قدمناه في القسم الأول، ولا يكون في المسألة تعقّب؛ لأن العقد منتقض وردّ ما نقض واجب، والقول قول غارمه.
وأشار بعضهم إلى أن قوله: تناقضا السلم؛ ظاهره أنها إقالة وقعت باختيارهما؛ لأن قوله: تفاعلا، يقتضي أن كل واحد مثهما دخل في العقد كما دخل فيه الآخر باختياره، كما يقال: تضاربا وتقاتلا.
لكن حمل المسألة على أنها إقالة يكون قوله: تناقضا السلم، يشير إلى كونها إقالة تتعقب، لقول سحنون: إذا أسلم إليه في طعام فتقايلا واختلفا في رأس المال أن الإقالة منفسخة.
وقال بعض الأشياخ إنما ذكر سحنون كونها منفسخة لأجل النزاع في الثمن الذي وقع به العقد 1 بحكم التقايل بل رده يفتقر فيه إلى خصام وترافع إلى الأحكام 2، ومن شرط الإقالة في السلم أن يتناجزا في رأس المال، ولا يجوز تأخيره ولا تأجيله لئلا يقع في فسخ دين في دين، وهذا التعليل الذي عللوا به ما قاله سحنون إنما يطرد حيث لا يحضر الخصمين الحكام؛ فلو صورت المسألة في مختلفين في رأس المال وقد تقايلا، والحاكم حاضر يقضي بينهما في الحال من غير تأخير، لبطل هذا التعليل، ومن حق التعليل أن يكون متصورًا في سائر فروع المسألة وأحوالها.
فإذا وضح ارتفاع هذه العلة حيث يحضر الحكام لا سيما أن التأخير ها هنا بغلبة أحدهما وجحوده الحق، فيصير الآخر مغلوبًا
على ترك التناجز.
وسنذكر الغلبة على المناجزة في الصرف في موضعه إن شاء الله.
تطلبنا النظر في وجه آخر قد تُعقَّب به المسألة.
وذلك أن الإقالة في الطعام على أقل من رأس المال لا تجوز لكونها بيع الطعام قبل قبضه، والشرع إنما رخص في الإقالة لكون الثمن إذا رُدّ على ما هو عليه صار ذلك حَلاّ للعقد الأول، فإذا رد أقل من ذلك أو أكثر، صار ذلك ابتداء بيع الطعام قبل قبضه، فلم يجز ذلك.
فيقتضي هذا كون الإقالة فاسدة على مقتضى دعوى المشتري؛ لأنه يقول: أسلمت عشرة دنانير في طعام، ثم أقلْتُ منه، ومن شرط إقالتي وجوازها كوني لا آخذ أقل من رأس المال، (فإذن قضيتم عليّ بإمضاء الفساد وإِتمام ما لا يجوز على مقتضى قولي) 1.
وهذا التعقب دعا بعض الأشياخ إلى أن قال: يمكن أن يكون ما وقع في المدونة المراد به أن السلم وقع في عروض، والعروض يجوز بيعها قبل قبضها، والإقالة على أقل من رأس المال.
فلهذا لم يشر في المدونة إلى تعقب المسألة من جهة دعوى المشتري، ويتضمن دعواه كون فعلهما فاسدًا.
ويشير أيضًا إلى أن الإقالة وقعت على الصحة والجواز، وإنما تعاقدا على لأرأس المال لا أكثر ولا أقل.
فبعد فردت 2 الإقالة الصحيحة جحد البائع بعض الثمن فلا يؤثر ذلك في صحة الإقالة.
وهذا قد يجاب عنه بأن الإقالة ها هنا يعتبر مع صحة عقدها صحة التقابض فيهلالما قدمناه من منع تأخير رد رأس المال وإن لم يشترط في أصل الإقالة تأخيره.
وإذا كان القبض فيها معتبرًا والعقد موقوفًا على صحته اقتضى ذلك تعقب هذه الإقالة من جهة دعوى المشتري، لكونها تتضمن أن كونه فاسدًا لا يجوز العقد عليه، لكن لا يجب تصديقه في الفساد مع دعوى البائع
صحة الإقالة، إذ المختلفان في صحة العقد وفساده لا يصدق مدعي الحرام ويكذب مدعي الحلال، على ما سيرد بيانه.
وإذا لم يجب تصديق المشتري على البائع وجب أخذ كل واحد منهما بمقتضى قوله، فيترك البائع وما هو عليه لكونه لم يقرّ على نفسه بفساد.
ويقال للمشتري: أنت أقررت على نفسك بفساد الإقالة، وإذا فسدت وجب ردّكما إلى انعقاد السلم على ما كان عليه، فيوقف المقبوض من الثمن حتى يحل الأجل فيشتري له مثل مالَه في ذمة البائع من السلم، فإن وفَّى فلا مطالبة له ولا عليه، وإن قصر ما قبض على ثمن ما لَه في الذمة من السلم، كان ذلك جائحة عليه لكونه لا يصدق على البائع لما قدمناه.
وإن فضلت فضلة مما قبض، بعد أن اشتريت له المكيلة التي له في الذمة، كانت تلك الفضلة على قوله للبائع توقف له حتى يرجع إلى تصديق المشتري، فيأخذها أو يتصدق بها.
وقد أشار بعض الشيوخ إلى ما قدمناه من حمل مسألة المدونة على أن الإقالة كانت صحيحة لقوله: تناقضا السلم؛ وأنه قد يمكن أن يكون ذلك في العروض فلا يكون في المسألة تعقب، أو في الطعام فيعتبر يكون الإقالة انعقدت على الصحة، ووقع الجحود بعد ذلك.
لكنه بعد هذا أشار إلى أنهما في الإقالة الصحيحة يتحالفان ويتفاسخان.
وأشار بعض أشياخي إلى أن التحالف والتفاسخ هو البخاري على أصل ابن القاسم، على حسب ما يراه في اختلاف المتبايعين في الثمن، وأن القول قول البائع، كما ذكر في المدونة على رواية من يرى أن القبض فوت؛ لأن البائع قابض لرأس المال ولما عليه من السلم.
وهذا عندي يستند إلى أن الإقالة كابتداء بيع فيجري فيهما من الخلاف ما قدمناه، أو الإقالة حلّ بيع فيصدَّق الغارم، وهذا مما ينظر فيه.
وإذا تقررت أحكام الاختلاف في الثمن فإن الاختلاف في المثمون جار عليه، إذ لا فرق ها هنا بين ثمن ومثمون، بل كل واحد منهما ثمن لصاحبه ومثمونًا له، لكن العرف بتسمية الدنانير والدراهم ثمنًا، والعروض والمكيلات والموزونات مثمونات.
ومع هذه فإن البيع في هذه المثمونات ربما كان نقدأوربما كان نساء.
فأما إذا كان نقدًا فمثال إجرائه على ما قدمناه من الاختلاف في التنازع في الثمن أنه لو باع ثيابًا معينة من رجل وهي عشرة، فقال البائع: بعتك منها تسعة بمائة دينار، وهذا العاشر باق على ملكي.
وقال المشتري: بل اشتريت العشرة كلها بالمائة دينار.
فإن الثوب العاشر، الذي لم يقر البائع ببيعه ولا انتقال ملكه عنه، هو مصدق فيه، والمشتري مدع عليه أنه باعه منه.
ومن ادعى على رجل أنه باع منه ثوبه فإن القول قول صاحب الثوب: إني لم أبعه، باتفاقٍ.
وهذا الحكم لا يتغير في هذا العاشر بكونه مضافُ اإلى التسعة أثواب أخر.
وأما التسعة أثواب فإنها إذا كانت قائمة في يد البائع، لم يقبضها المشتري، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، لكونهما مختلفين في ثمنها، فالمشتري يقول: إنا نحب أن ندفع في السلعة تسعين دينارًا؛ لأني اشتريت عشرة بمائة، فكل ثوب ثمنه عشرة.
والبائع يقول: بل ثمن السلعة مائة دينار.
فهما مختلفان في ثمن السلعة فيتحالفان ويتفاسخان.
فإن قبض المشتري الثياب ولم يبِنْ بها صدّق، على رواية ابن وهب، إن بأن بها صدق على الرواية التي وقعت في كتاب المكاتَب.
وإن حال سوقها أو تغيرت في نفسها، على حسب ما بيناه في الرواية المتقدمة.
وأما الثوب العاشر فيردّ إلى بائعه، وإن تغير أو حال سوقه، وينظر في أحكام تغييره، ومَن غيّره، على حسب ما يبين في كتاب الاستحقاق.
وهذا الذي مثلنا به الاختلاف في المثمون، وصورناه في اختلافهما في عدد ثياب بيعت جار في سائر العروض والمكيلات والموزونات على حسب ما نص عليه في الموازية وغيرها.
لكن ذكر ابن حبيب عن مطرف عن مالك أنه قال، في رجلين تبايعا طعامًا، فقال البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينارة وقال المشتري: بل أربعة بدينار، إن البائع لا يؤخذ منه من الطعام بأكثر مما أقرّ به، فيؤدي في الثلاثة
أرادب ثلاثة أرباع دينار.
وهذا اختلاف في المثمون لم يوجب فيه التحالف والتفاسخ مع القيام، وعدم القبض، على ظاهر هذه الرواية.
وهذا مذهب من ذكرنا أن فقهاء الأمصار على التحالف والتفاسخ إذا لم تفت السلعة ولا قبضت، إلا أبا ثور فإنه يذهب إلى أن القول قول المشتري وإن كانت السلعة في يد البائع.
ودعا بعضَ المتأخرين شذوذُ هذه الرواية إلى أن رأى أن العذر عنها كون الاختلاف بين المتبايعين وقع في مكيل، والمكيل والموزون عنده بخلاف العروض؛ لأنه مما يعرف بعينه.
واستند في هذا التأويل إلى قوله في المدونة في اختلاف المتبايعين في السلم، هل وقع السلم في ثمانية أرادب أو في عشرة: إن القول قول البائع إذا حل الأجل؛ مع كون هذا الطعام المسلم فيه لم يقبض، لكنه لما كان مما يعرف بعينه لم يرل القبض.
وكذلك عقده لو كان الاختلاف في عروض في الذمة لجرت مجرى المكيل والموزون.
ولما كان ما في الذمة لا يتعين وهذا الذي استند إليه غير صحيح لأنه ذكر في المدونة في هذه المسألة أن اختلافهما إذا وقع بقرب العقد أو بعد أيام.
يسيرة فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وطرْد ما اعتذر به يقتضي أن يكون القول قول البائع، وإن اختلفا بقرب العقد أو بعده، إذ المسلّم فيه لا يختلف كونه غير معين بقرب العقد أو بعده.
وهذا واضح.
على أن هذا الرجل أشار إلى أن البائع إنما صدق إذا حل الأجل لكون القبض مستحقًا إذا حل الأجل.
وهكذا المعينات لما كان القبض مستحقًا فيها في بياعات النقود جعل استحقاق القبض كالقبض.
وهذا يشير إلى اعتذار آخر عما حكيناه من رواية ابن حبيب لكن هذا أيضًا ينتقض بقوله في الرواية: إن الأجل إذا طال أو حل فإن القول قول البائع، وإذا طال ولم يحل الأجل فالقبض غير مستحق.
وسننبه الآن على وجه التفرقة بين القرب والبعد.
فهذا القول في الاختلاف في المثمونات إذا بيعت نقدًا.
وأما إذا بيعت نساء فإنها أيضًا تجرى على ما قدمناه من الاختلاف في اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن.
فرواية ابن حبيب أن قبض السلعة فوت يوجب تصديق المشتري في مقدار الثمن، يقتضي أيضًا تصديقال في عليه السلم في مقدار ما عليه إذا
قبض رأس مال السلم وإن لم يَبِنْ به.
وعلى الرواية الأخرى إنما يصدق إذا قبضه وبأن به.
وعلى رواية ابن القاسم لا يصدق وإن بأن به حتى يقع الفوت.
فرأى ها هنا أن المسلم إليه إذا قبض رأس مال السلم، وطالت الأيام، فإنه قد حصل لديه انتفاع من تَجْرٍ به، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع، فصار انتفاعه به كالفوت في السلعة المقبوضة؛ لأن السوق إذا ح الذي السلعة المعينة صدق المشتري، لما يقع من الضرر بالفسخ عند التحالف.
وكذلك ها هنا إذا أوجبنا التحالف والتفاسخ لَحِق المسلم ضرر لكون مالِه انتفع به زمنًا طويلًا، ثم رُدَّ عليه من غير عوض، والمسلم إنما يعجل النقد ليحصل للمسلم إليه الانتفاع به، ولهذا يبيعه ما عليه من الطعام نسيئة برخص.
وقد قدمنا أن هذا المعنى هو العلة في جواز السلم، فوجب اعتبار طول الانتفاع برأس المال (وأن نقد وذلك فوتًا) 1. وكان بعض أشياخنا يرى هذا التعليل صحيحًالأولكنه يقل 2 الأمر إلى المسلم، فإن شاء أسقط حقه في هذا الضرر، وطلب أن يحكم بينهما بالتحالف والتفاسخ، ويرد إليه رأس ماله بعوإلانتفاع به.
وإن شاء لا يسقط حقه في الضرر فيه، وطلب أحكام الفوت، فيصدق البائع ويدفع من العوض ما أقرّ به.
وهذا ينظر إلى أحد القولين فيمن اشترى سلعة فاطلع فيها على عيب، وقد حدث عنده عيب آخر، أنه بالخيار من أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يناله من ضرر بغرامة قيمة ما حدث عنده، أو يرد ويرد ما نقص.
فإذا قال البائع: أنا أرفع عنك غرامة ما نقص فيزول عنك الضرر الموجب لك أخذ قيمة العيب مني.
فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب.
وفي قول آخر عندنا أنه يمكن.
فأنت تراه في أحد القولين كيف أوجب له خيارًا لأجل الضرر، فإذا ارتفع الضرر زال تخييره.
فهذا فيه ملاحظة لهذا الذي اختاره بعض أشياخنا.
ولو كان رأس مال السلم ثوبًا وتغير سوقه من غير انتفاع لكان ذلك فوتًا يوجب تصديق البائع فيما عليه من السلم.
وهكذا لو حال سوق السلعة في بيع
النقد، واختلف في الثمن، لكان ذلك فوتًا.
لكن قد يقال ها هنا أيضًا: هلا جعلت الخيار لمن عليه الضرر في فوت السلعة! فإن حال سوقهم ابن قص كان من حق البائع أن يقول: إنما أتحمل الضرر بنقص السوق، ولا يلزمني بيع سلعتي بأقل مما أقررت به، فنتحالف ونتفاسخ.
وشيخنا هذا لم يطرد مقاله في هذا الذي اعترضنا به وهذا مما ينظر فيه.
وأما على رواية أشهب الذي يوجب التحالف والتفاسخ وإن فات المبيع، فإن شيخنا هذا كان يرى أن الأجل إذا حل ووقع الانتفاع برأس المال، فإنهما يُحمَلان على الوسط من سلم الناس في عقدهما، لئلا يظلم المسلم برد رأس المال عليه بعد التحالف، على حسب ما قدمناه عنه.
وهذا أيضًا مما ينظر فيه على أصل أشهب.
وقد قال بعض الأشياخ: لا معنى للتفرقة التي وقعت في المدونة بين قرب زمن العقد أو بعده.
وذكرنا عن غيره أن الأجل إذا حل استحق القبض، بخلاف كونه لم يحل.
وذكرنا هذه الطريقة الثانية من اعتبار الانتفاع برأس المال وتقدير ذلك فوتا.
فعلى هذه الطريقة قد يحسن ما قاله هذا الشيخ من حملها على أصل أشهب على الوسط من سلم الناس في عقدهما.
وقد قررنا اختلاف الروايات عن مالك وكون ابن القاسم اختار منها تصديق المشتري مع فوت السلعة في يديه بتغير سوق أو ذات، فيبقى النظر في هذا الفوت لو وقع، والسلعة في يد البائع، هل يكون هذا الفوت في يد البائع يوجب تصديق المشتري أم لا؟ هذا مما أخرجه أصحابنا على اختلاف قول مالك في المحبوسة بالثمن هل ضمانها من البائع أو من المشتري؟ إذ لا غرامة عليه فيما حدث بها فيكون عليه ضرر في إلزامه القيمة فيبقى الحكم على ما هو عليه من التحالف والتفاسخ.
ولو كان هذا التغيير 1 بعيب حدث لكان للمشتري الرد به من غير تحالف لكون البائع ضامنًا لهذا العيب الحادث في حال احتباسه إياها بالثمن.
وإن لم يقم المشتري بهذا العيب ورضي به، وقام بالاختلاف في الثمن، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وإن قلنا: إن ضمانها من المشتري، وهي في يد البائع
كالرهن بالثمن، فإن التغيير (6) ها هنا في سوقها أو ذاتها يوجب تصديق المشتري في الثمن، كما لو فاتت في يده.
لكن يعرض في هذه المسألة حكم آخر، وهو كون المشتري، الذي صار ها هنا راهنًا، لا يصدق في مبلغ الدين إذا ادعى منه دون قيمة الرهن، والمرتهن لا يعمر ذمة الراهن بما لم يقر له به، وإنما له حبس الثمن حتى يُفتك منه بقيمته التي ادعاها وزعم أنها دين له على المشتري والسلعة رهينة بها، ويكون الرهن شاهدًا على نفسه لا على الذمة، على إحدى الطريقتين؛ فإذا كان المبيع جارية، وحدث بها في أيام احتباسها بالثمن عور، وهو في التقدير ربع قيمتها، صار هذا الربع قد فات في يد المشتري، فيصدق في مقدار ثمنه، كما يصدق في ثمن سلعة فات جميعها في يديه.
وقد قررنا على هذه الطريقة التي يحكم فيه 1 بكونه ضامنًا لما حدث من عيوب أن هذا الحادث في يد البائع يقدر أنه حدث في يده، وما فات في يديه صدق في ثمنه، ويبقى ما يقدر أنه ثلاثة أرباع هذه الجارية في القيمة، يقِع فيه التحالف والتفاسخ، فيحلف المشتري لينفي عن ذمته ما يطلب البائع أن يقضى له به عليه، ويحلف البائع لئلا يؤخذ من يده الرهن بما لم يقر به مما هو مصدق في كون الرهن ليس برهن فيما هو أقل منه، على ما سنوضح هذه الإشارات في كتاب الرهن إذا تكلمنا على اختلاف الراهن والمرتهن إن شاء الله تعالى.
وهذه الطريقة القياسلك ابن عبدوس في هذه المسألة من تصديق المشتري في ثمن ما فات، والتحالف فيما لم يفت.
وقد ذكر بعض البغداديين من أصحابنا في مرافعته للخلاف من تأويل الحديث الذي تقدم ذكره، واشترط فيه كون السلعة قائمة، لما قال المخالف: إنما اشترط أنها إذا فاتت في يد البائع لم يكن تحالف لكونه ضامنًا لهما.
فهذا فائت ذكر اشتراط قيام السلعة الواقع في هذا الخبر.
فقال هذا الرجل من أصحابنا، وأظنه ابن القصار: ضمانها عندنا من المشتري، وفوتها في يد البائع كفوتها في يد
المشتري، فيصدق المشتري في فوتها، كان 1 هذا الفوت في يد البائع.
ورأيت القاضي إسماعيل ذكر ما يشير إلى خلاف هذا، فقال: إذا اختلفا في الثمن فإن للبائع حبسها حتى يأخذ الثمن، ولا يلزمه تسليمها بما لم يقر به، ولا يصدق على الشزي في تعمير ذمته بما لم يقر به، وفوتهما في يد البائع الحكم فيه التحالف والتفاسخ.
فلم يصدق المشتري ها هنا بهذا الفوت الواقع في يد البائع، فيمكن أن يكون بناء ذلك على أحد القولين في كون البائع ضامنًا لها، على حسب ما بيناه لما خرجنا الخلاف المذكور.
وإذا جعلنا الفوت في يد المشتري يوجب تصديقه، على ما اختاره ابن القاسم، فإن ذلك إذا ادعى ما يشبه أن يكون ثمنًا للسلعة التي فاتت في يديه.
فإن ادعى ما لا يشبه صدق البائع فيما يدعيه من الثمن إذا ادعى ما يشبه.
فإن ادعيا جميعًا ما لا يشبه رد إلى قيمة السلعة، وصار دفع قيمتها كدفع عينها.
وقد كنا قدمنا أن اختلافهما مع قيام السلعة يقتضي التحالف والتفاسخ جميعًا، لكون كل واحد منهما لا مزية له على صاحبه.
وكذلك إذا ادعيا ما لا يشبه تحالفُ اوتفاسخًا أيضًا لكونهما لا مزية لأحدهما على صاحبه.
فإذا انفرد أحدهما بدعوى ما يشبه دون الآخر كان فيه الخلاف الذي ذكرناه عن عبد الملك وغيره، والأشهر أنه لا يراعيَ دعوى الشبه مع القيام.
وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم.
فإذا فاتت السلعة فلم يقع نص خلاف عندنا في مراعاة دعوى الشبه، فيصدق من ادعاه دون صاحبه المدعي ما لا يشبه، لكون الحديث ورد فيه اشتراط قيام السلعة في التحالف والتفاسخ على الإطلاق من غير مراعاة دعوى شبه، ولكون السلعة قائمة يمكن ردها بعينها إلى مالكها، حتى إذا وقع الفوت صارت المنازعة في غرامة مال من الذمة، فلا يصدق فيه من إدعى ما لا يشبه.
وأما لو كان الاختلاف في بيع نَساء كاختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار المكيلة التي عقد السلم عليها، فإنهما إذًا ادعيا ما يشبه جرى ذلك على الخلاف المتقدم الذي بينّاه.
وإن ادعيا ما لا يشبه فإن ابن القاسم اختلف قوله في هذا، والمشهور عنه أنهما على الوسط من سلم الناس من يوم تعاقدا السلم.
ولكن في الأسدية أنه اختلف قوله.
فقال مرة بهذا، وقال مرة أخرى: بل يتحالفان ويتفاسخان.
ورأى بعض الإشياخ أن هذا القول هو البخاري على أصلهم، لقولهم، في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مكان قضاء السلم فادعى كل واحد منهما أنه شرط القضاء في بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد، ولكنهما ادعيا بلادًا بعيدة لا يشبه أن يشترط قضاء السلم فيها لبعدها، أو لمعنى آخر يستنكر معه دعوى كل واحد منهما ما لا يشبه.
وهذا عندي لا يشبه اختلافهما في المكيلة وقد ادعى كل واحد منهما ما لا يشبه لأن مقدار المكيلة ربما ضبط من جهة العوائد، فيسأل أهل المعرفة بهذا السلم، ومقتضى العادة في كم يسلم مائة دينار في قمح يوجد عند حلول سنة من يوم العقد؟.
فإذا قالوا: قول البائع: أسلمت إليه في قفيز واحد، مستنكر لا يشبه، وقول المسلم: في ألف قفيز، مستنكر لا يشبه، وإنما يشبه في العوائد أن تسلم المائة في مائة قفيز من القمح.
فهذا مما يضبطه التجار.
وأما تعيين بلد لقضاء السلم مع كثرة البلاد وتقاربها في المسافة، مشرقة عن بلدهما أو مغربة، فإن هذا مما يضبط 1 فيه تعيين بلد فلهذا قالوا فيه بالتحالف.
وألحق بعض الأشياخ بهذا الذي استشهد به من اختلافهما في البلد اختلافَهما في أجل السلم، وسنتكلم على اختلافهما في أجل السلم في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن ادعى أحدهما ما يشبه، والآخر ما لا يشبه، فإن كان من ادعى ما لا يشبه هو الذي عليه السلم فالقول قوله إذا حل الأجل، على الاختلاف الذي قدمنا بيانه وذكرناه في كونهما جميعًا ادعيا ما يشبه فكيف إذا كان الغارم هو الذي ادعى ما يشبه والآخر ادعى ما لا يشبه.
وأما إن كان المدعي ما لا يشبه هو الذي عليه السلم، والمسلم ادعى ما يشبه، فإنه ذكر في كتاب السلم من المدونة أن المسلم مصدق ويقضى على المسلم إليه بالمكيلة التي ادعاها المسلم، مع كون المسلم إليه لم يقرّ ببيع المقدار الذي ادعاه المسلم؛ خلاف ما صنع في
كتاب الأكرية في اختلاف المكري والمكتري في المسافة التي وقع العقد عليها، فقال المكرَى منه: اكتريت بمائة دينار إلى برقة.
وقال المكتري: بل إلى إفريقية.
وكانت دعوى المكري لا تشبه، فإنه لم يقض على المكري بأن يبلغ المكتري إلى إفريقية لما كانت المسافة التي زادت على برقة لم يقر بيعهالأولا يقضى على رجل ببيع سلعة لم يقر بأنه باعها.
وكان بعض أشياخي يشير إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق محقق، وبعضهم يشير إلى فرق ليس بالواضح، فيقول: إن أجزاء المسافة كسلع منفردة ادعى رجل شراء جميعها، ووهم 1 مالكها أنه لم يبع منه إلا بعضها، فإنه لا يصدق على المالك في دعواه.
وإن كان مقدار الثمن الذي اتفقا عليه لا تشبه معه دعوى البائع، مثل أن يقول المشتري: بعت منّي ثوبك هذا، وعبدك، بمائة دينار.
ويقول البائع: لم أبع منك بالمائة دينار سوى الثوب.
ويقول أهل المعرفة: لا يشبه أن تكون المائة دينار ثمنًا للثوب خاصة، ويشبه أن تكون ثمنًا للثوب والعبد.
فإنه لا ينفع المشتري كونُ البائع ادعى ما لا يشبه، في تصديقه عليه في إخراج ملكه الذي لم يقرّ ببيعه.
وكذلك الزائد من المسافة على برقة، وهو كسلعة أخرى لا يقضى على المكري بأنه باعها لكون الثمن الذي وقع به الكراء لا يشبه أن يَكون ثمنًا لمسافة نهايتها برقة، وإنما ينفع المشتريَ كونُ البائع ادعى ما لا يشبه في تصديقه في غرامة ما يغرم من الثمن في إيصاله إلى برقة، وبعض ثمن الكراء على دعوى المكتري، فيلزمه منه ما ينوب إيصاله إلى برقة، على أن نهاية المسافة إفريقية.
ورأى أن اختلافهما في مقدار المكيلة المسلم فيها اختلاف في عقد واحد عقد على ما في الذمة، وما في الذمة شيء متحد، وهو المعقود عليه، فمن ادعى في هذا المتحد ما لا يشبه لم يقبل قوله.
وهذا تخييل فيه بعد، وعدد الأقفزة يمكن أن يتصور فيه أنه كسلع مختلفة، كما صور في أجزاء المسافة، فلهذا أشار بعض أشياخي إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق.
وقال غيرهم من الأشياخ: يمكن أن يكون توقّى في السلم، إذا لم يغرم المسلم إليه ما ادعاه المسلم من المكيلة، وقضى عليه برد بعض رأس المال، أن يوقع هذين المتعاقدين في بيع وسلف، وقد علم أنه لا يجيز الإقالة من بعض رأس مال السلم، على ما يرد بيانه في موضعه، مخافة أن يكونا أظهرا كون الثمن سلما، وأبطنا كون بعضه سلفًا يرد عند أمر اتفقا عليه في الباطن، وهو وقت إظهار هذا الخلاف بينهما ليتوصلا به إلى بيع وسلف.
وهذا الذي أشار إليه الشيخ أبو إسحاق التونسي، ولكنه ذكر أنه ليس بالبيّن، وكيف جرت الحال فهو أبين من الفرقال في حكيته عن بعض الأشياخ.
وأنت إذا علمت جميع ما قدمناه من حكم اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن، وأحكمت إجراء ما شذّ عنه من فروع هذا الباب على الروايات المذكورة أمكن أن يعرف منه الحكم في نقد بعض الثمن أو بعض المثمون أو نقد البعض من هذا وهذا.
فلنذكر مثالًا لنقد بعض الثمن أو بعض المثمون يعرف منه حكم نقد بعض أحدهما دون الآخر:
فذكر ابن المواز اختلاف رجلين في بيع طعام، فقال البائع: بعتك صاعين بدينار؛ وقال المشتري: بل اشتريت منك ثلاثة آصع بدينار.
وقد قبض المشتري صاعًا وقبض البائع نصف دينار، فقال ابن المواز: عليهما اليمين ويُعطي البائع بربع دينار نصف صاع.
وهذا جواب فيه إجحاف، ونحن نبينه، ونقدم لك أن هذا الجواب الذي ذكر، إنما يجري على أحد الروايات، وهو تصديق القابض، وكون النقد المقبوض فوتا.
وأمّا من لم ير القبض فوتا فإن الحكم عنده التحالف والتفاسخ ورد ما قبض هذا وهذا.
لكن من يرى النقد المقبوض فوتا يقول: إن نصف دينار المقبوضَ مقبوضٌ على ما قبض من الطعام وما لم يقبض، فالذي ينوب الصالح المقبوضَ من النصف دينار المقبوضِ، ربعُ دينار، على مقتضى دعوى البائع؛ لأن البائع يقول: سلمت نصف الطعام على نصف ما قبضت من الذهب.
وينوب الصاعَ المقبوضَ عن دعوى المشتري سدسُ دينار؛ لأنه يقول: النصف دينار، الذي سلمتُ، يُفَضقُ على ثلاثة آصع، فينوب الصاعَ الذي قبضتُ نصفُ دينار.
وهو يحاول أن يسترد من البائع قيراطين من الربع دينار الذي ناب الصالح، على قول البائع، والبائع قد حافي هذا الربع دينار وقبضه، والنقد المقبوض فوت فيصدق القابض.
لكن يقول البائع: يبقى لي من حق الصالح الذي دفعتُ ربعُ دينار آخرُ، ويقول المشتري: لا يبقى لك سوى سدس دينار على فضّ النصف دينار، على دعوى 1 والمشتري حائز لما في ذمته، فلا يلزمه أن يغرم الزيادة على سدس دينار، وهو لم يقرّ يكون ذلك في ذمته.
فلا يقال ها هنا: هلا قلتم: لا يغرم المشتري سوى قيراطين، وهي نصف سدس، لكون البائع ظلمه في قيراطين من الربع دينار الذي صدقنا البائع فيه، على مقتضى الفض على دعوى المشتري.
قيل: لو أسقطنا على المشتري، فيما يغرم، هذين القيراطين، لم ينفع البائع كونه حائزأ للربع دينار، الذي صدقناه في كونه استحقه؛ والمسألة إنم ابن بن علي كون القابض مصدقًا فيما قبض، فلو عدنا إلى محاسبة المشتري بما يقول: إن البائع ظلمني، بجحوده له، مع اعترافه بأنه يستحق ذلك في ذمته، ودعواه أنه ظلمه البائع لبطل هذا الذي أصلناه.
وإذا اتضح حكم هذا الصالح المقبوض، فإن الصالح الذي لم يقبض ينوبه مما قبض البائع ربع دينار، فيصدق البائع في مقدار.
ما يُستحقَ عليه به الطعام، والذي يستحق عليه به من الطعام، على مقتضى دعوى 2 نصفُ صاع، فيقضى عليه بربع نصف صاع للمشتري، فيحصل للمشتري من هذه الصفقة صاع ونصف، ويحصل للبائع ثلثا دينار.
فهذا بسط ما أشار إليه ابن المواز من جواب هذه المسألة.
ولِمَا يجرُّ القول في اختلاف المتبايعين في الثمن والمثمون، مشتملًا 3
على فروع كثيرة تكرر في أجوبتها أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وجب أن نبين
حكم هذا التحالف والتفاسخ.
والكلام فيه من خمسة أوجه:
أحدها: صفة هذا التحالف، والثاني: من يبدأ فيه.
والثالث: حكم
النكول عن هذه اليمين.
والرابع: متى يقع الفسخ.
والخامس: هل يقع الفسخ ظاهرًا أو 1 باطنًا أو ظاهرًا خاصة.
أمّا الوجه الأول، وهو صفة التحالف، فإنا قد قررنا لك أوّلًا أن هذين المتبايعين كل واحد منهما مدع ومدعىً عليه، وبهذا علل مالك رضي الله عنه في موطئه كونهما يتحالفان ويتفاسخان، بأن قال: وذلك أن كل واحد منهما مدع على صاحبه.
فإذا وضح لك قول مالك: إن كل واحد مدع، ومدعىً عليه؛ وتقرر في أصل السماع بالحديث المشهور واتفاق العلماء أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والمدعى عليه منكر، فهو الذي يكون عليه اليمين، والمدعي مثبت، والمثبت عليه البينة.
ولا يكتفى بيمينه في مجرد دعواه دون عرض اليمين على المدعى عليه.
فإذا تقرر هذا الأصل فقد صار كل واحد من المتبايعين المختلفين في الثمن مدعيًا، فيكون الحكم من هذه الجهة استحلافَه، فقد صارت دعواه تتضمن نفيًا، وهو أنه لم يبع سلعته من المشتري بعشرة دنانير، كما زعم، ويتضمن إثباتًا، وهو أنه باعها منه بإثنى عشر دينارًا فوجب أن يستحلف على ما أنكر، دون ما أثبت، على ما قررناه من أصل الشرع الوارد في هذا الكتاب، لكن لما كان ها هنا مطلوب أبي مين من جهة إنكار حسن أن يضيف إليه اليمينَ على ما أثبت، لئلا ينكل صاحبه فيفتقر إلى يمين أخرى على ما أثبت، وتكرير اليمين مما يشق، والأصول تقتضي تقليل الأيمان ما أمكن.
وهذا المعنى هو الذي ننفصل به عن اعتراض من اعترض علينا في هذا فقال: لو ادعى رجل على رجل بعشرة دنانير لم يستحلفوا إلا المدعى عليه، فإنْ طلبكم المدعي المثبتُ أن تستحلفوه قبل نكول المدعى عليه لم تفعلوا، فلم
استحلفتم أحد المتبايعين على ما أثبت وهو فيه مدع قبل نكول المدعى عليه؟! وذلك أن المدعي والمدعى عليه شخصان انفرد هذا بإثبات محض، وانفرد الآخر بنفي محض، فلم يحسن، على ما قررناه من أصل الشرع، أن يستحلفه على ما أثبته أوَّلًا، وحسن ذلك في المتبايعين لما كان من إثبات قوإنضاف إلى إثباته إنكار ونفي، وهو المبدَّأُ فيه باليمين، فحسن أن يُسْنَدَ إلى هذه التبدئة وجه آخر ليس من حقه أن يبدّأ به ليرفع عن نفسه الضرر بتكرير اليمين.
وهذا فرق واضح لا إشك الذيه.
وعلى هذه الطريقة جرى أهل المذهب في تحليف من بيده الرهن على ما ادعاه من الدين، فإن كان ما ادعاه أكثر من قيمة الرهن، وهو لا يصدق فيما زاد على قيمة الرهن، وإنما يصدق في قدر قيمته مع يمينه، فلما توجهت عليه هذه اليمين على قيمة الرهن، التي هو مبدَّأ فيها على الراهن، حسن أن نضيف إليها ما ادعاه من الزيادة على قيمة الرهن، لئلا ينكل الراهن عن اليمين فيحتاج إلى يمين أخرى على ما زاد على قيمة الرهن.
وقد حكى شيخنا أبو الحسن اللخمي اختلافًا في صفة اليمين: هل يحلف على النفي أو على الإثبات؟ واختار هو أن يخير هذا المستحلَف، فإن شاء حلف على النفي، وهي اليمين التي يقضى بها عليه، ويؤخر يمينه على الإثبات إلى أن ينكل صاحبه، فيحلف حينئذ يمينًا أخرى.
فقضى عليه باليمين التي هي الواجبة في الأصل، وخيّره في اليمين التي لا تجب عليه.
وإنما مُكِّن منها لإزالة الضرر بتكرير اليمين عليه.
وهذا هو من حقوقه، فإن شاء التزم هذا الضرر، وقدم يمين الإثبات مع النفي، وحلف عليهما جميعًا.
وهذا الذي اختاره لم يبعد فيه على ما قدمناه لك من تأصيل الشرع.
لكن هذا الخلاف الذي حكاه لا أحفظ الآن نص أحدٍ من أصحابنا عليه، لكن أحفظ عن الشافعية فيه اختلافًا، فمنهم من يرى أن مذهب الشافعي أنه يحلف يمينًا واحدة على النفي والإثبات، قول واحد.
ومنهم من يخرّج له قولًا آخر، أنه يحلف يمينين: على النفي يمين، ويمين أخرى على الإثبات.
واستقراء ذلك من قوله، في رجلين أيديهما جميعًا على دار، فزعم كل واحد منهما أن جميع الدار له، فقال: يحلف على نصفها الذي حازه أنه لا حقَّ
للآخر فيه.
فإن نكل الآخر عن اليمين على النصف الذي في يده حلف الأول يمينًا أخرى: أنه لهه، بعد نكول الحائز.
ومنهم من منع هذا التخريج والاستقراء، وقال بأن كل واحد حائز لما في يديه، فلا يحسن أن يحلف أحدهما على النصف الذي في يد الآخر قبل نكول الآخر عن اليمين عليه، والمتبايعان إنما يحلفان في صفة عقد، وهما متساويان في كون كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فحسن ها هنا أن يُلزم يمينًا واحدة على النفي والإثبات، على حسب ما قدمناه.
فأنت ترى اختلاف الشافعية هل يحلف يمينًا واحدة يجمع فيها بين نفي وإثبات، أو يحلف يمينين: الأولى منهما على النفي، فإذا نكل صاحبه عن اليمين حلف يمينًا أخرى على ما أثبت.
فيقول أوَّلًا: بالله ما بعتك بعشرة.
لأنه هو الذي نفى من قول صاحبه، ويَقتصر على هذا.
ثم يقال لصاحبه: احلفْ أنت أيضًا على أنه ما باعك بإثني عشر.
فإن حلف، قيل للبائع: احلفْ على أنك بعت بإثني عشر، ثم يقال للمشتري: احلفْ على أنك اشتريت بعشرة؛ ويتفاسخان.
ومن نكل منهفا عن اليمين عاد صاحبه إلى اليمين على ما نكل هذا عنه.
وشيخنا أبو الحسن لم يورد هذا الخلاف الذي أشار إلى إسناده إلى أصحابنا، على مقتضى عادته، على هذه الصفة التي أوردناها عن أصحاب الشافعي، وإنما قال: واختلف هل يحلف أحدهما على النفي أو على الإثبات؟ وبيْن أصحاب الشافعي أيضًا اختلاف فيما تقدم في اليمين مرة واحدة، واليمينين: هل اليمين على النفي أو على الإثبات؟ فانفروإلاصطخري منهم بأن قال: يبدّأ بيمين الإثبات؛ لأن الله تعالى بدأ في اللعان بها، وهو عندنا أيْمان الزوج، وهو المثبت للزنا على زوجته.
وقال أكثر أصحاب الشافعي: بل يبدأ بيمين النفي؛ لأنها هي التي يقضى بها في الأصل لورود الشرع بتحليف المنكر، وتكليف المثبت البينة.
وهذا عندي أولى على ما فرضته من التعليل من كون يمينه على الإثبات