الاستحلاف على صحة عذره أنه يتعذر عليه القضاء في الحال.
والخلاف في أخذ الحميل ينبني على الالتفات إلى ما دخل عليه الغرماء على غريمهم في الدين المؤقت بأجل محدود: هل التحديد والتوقيت دخل المتعاملان على أنه لا يتعدى، فيكون تعديه لسبب حدث بخلاف ما دخلا عليه يوجب الحميل، أو يقال إن التوقيت كالمتضمن لزيادته عليه معتادة في حكم الاقتضاء، فيصير كأنها مضافة إلى الأجل فلا يلزم الحميل كما لو طلب من له الدين حميلًا به قبل حلول الأجل.
واختلف اختيار الأشياخ: فبعض أشياخي يرى أن لا يؤخذ الحميل، وبعض أشياخي يرى التمكين من طلب الحميل.
والسبب في الخلاف ما أشرنا إليه.
وإذا طلب المفلس أن يثبت فقره ليسلم من الحبس، فهل ينجيه من الحبس أخذ حميل بوجهه أم لا؟
فمذهب ابن القاسم أنه إذا أتى بحميل لا يحبس.
ومذهب سحنون أنه لا ينجيه إتيان حميل بوجه من الحبس.
وسبب هذا الاختلاف أن حميل الوجه إذا أحضر من تحمل بوجهه، وأثبت الغريم المحَمَّل بوجهه فقره، وحلف أنه ما أخفى مالًا ولا يجد ما يقضي، فإن الحمالة تسقط، ولكن بشرطين: إحضار الغريم، وإثبات فقره.
وفقره لا يثبت بمجرد الشهادة بكونه فقيرًا حتى يحلف، كما قدمنا ذلك، وذكر مخالفة أبي حنيفة في يمينه.
فإذا تحمل رجل بوجه الغريم المفلس فإنه يمكن أن يهرب الغريم فإن أثبت الحميل فقر الغريم في غيبته بقي استقلال 1 القضاء بفقره يمينه على أنه ما أخفى مالًا، وذلك مما لم يمكن أن يحلفه الحميل عنه.
وكان ابن القاسم يرى أن هذه يمين استظهار وحبسه قد يمنعه من السعي في إثبات فقره فيلحقه الضرر بالحبس، ولا يوقع في هذا الضرر بعد يمين
استظهار.
فلو التزم الحميل أنه إن تعذرت هذه اليمين التي يُطلب بها الغريم إذا حضر لقام 1 بالمال، ارتفع هذا الخلاف بين ابن القاسم وسحنون.
وكان الخليفتان رضي الله عنهما يضيفان إلى يمين المفلس على أنه ما عنده ما يقضى منه، وأنه إن وجد مالًا في المستقبل ليقضى منه.
فأضافا رضي الله عنهما إلى اليمين على صفة الحال اليمين على ما يكون في الاستقبال.
وهذا تأكيد في الاحتياط والاستظهار لئلا يقوم الغريم بعد مدة يمكن أن يكتسب الغريم فيها مالًا فيطلب صاحب الدين استخلافه أنه لم يكتسب في هذه المدة مالًا فيتكرر ذلك فتكون تقدمة اليمين عليه كالحاسم لمضرة التكرير.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
قد تقرر في أصول الشرع بناء الأحكام على الاحتياط وصيانة الأموال على أربابها.
فإذا وجب تفرقة مال مديان على غرمائه فلا تخلو من أن يكون غير معروف بالمداينة والإكثار منها حتى يغلمب على الظن، ويقتضي ظاهر الحال ألا طالب لماله سوى (من حاول القاضي أو يقضيه دينه) 2، أو يكون مكثرًا للاستدانة حتى لا يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميع غرمائه في الحال، وإن كان كذلك، وإنما يفرق القاضي تركته على الغرماء وقد مات، فإنه يجب الاستيناء في قضاء من حضره من الغرماء والبحث عمن سواهم، حتى يغلب على الظن أنه قد أحاط بجميعهم.
وأما إن كان مفلسًا فانه اختلف: هل يستأني بقضاء من حضر من الغرماء كما يُستأنى بتركته أم لا؟ ففي المدونة قولان في هذا المعنى: فذكر ابن وهب عن مالك أن الغائب إذا مات استؤني بقسمة تركته على غرمائه.
وكذلك إذا فلس.
وقال غيره لا يستأنى قسمة مال المفلس بين غرمائه كما يستأنى في تركة
الميت.
(قد انقطعت وخربت بالضرر بالمبادرة بقسمتها على من حضر من الغرماء بعظم موقعه لجواز طريان غريم فلا يجد ما يعلى فيه دينه وإن عدى على الغرماء وهم تفرقوا شق ذلك عليه) 1.
وأما المفلس فإن هذه العلة موجودة أيضًا في ماله إذا قسم بين غرمائه، فيجب فيه الاستيناء على أحد القولين، ولا يجب على القول الآخر، لأن الضرر في ذلك يتقاصر عن الضرر في قسمة تركة الميت بين غرمائه، فلم يلحق حكمه بحكم من مات مفلسًا مع كون الغرماء استحقوا أخذ ديونهم معجلة، وتأخيرها إضرار بهم.
فغلِّب في التفليس ضررهم، بخلاف حال الموت، لعظيم الضرر فيه إذا فرق المال بين من حضر.
فإذا تقرر هذا فقضى الورثة أو الوصي ديون الميت لمن حضر، ثم طرأ غريم آخر، فإن بادروا بالقضاء وقد أمروا بتأخيره والاستيناء فيه إذا كان الميت معروفُ ابالاستدانة كما قدمناه، فقد تعَدَّوْا في المال، وأعطوا من حضر من الغرماء حقوق غيرهم، فيكونون ضامنين لهذا التعدي، فلهذا الغريم الطالب أن يرجع على الغرماء القابضين للمال بما ينويه في الحصاص لكونهم قد أخذوا عين ما استحق، ومن بيده مال استحقه آخر عليه فللمستحق أن يطالب به من هو في يديه.
فإن وجد الغرماءَ القابضين لديونهم فقراءَ فللغريم الطارئ أن يطالب الدافعَ لهم هذا المال الوارث أو الوصيَّ، لأجل تعديه في دفعه كما بيناه.
لكنه لو أراد طلب الوارث أو الوصي مع حضور الغرماء القابضين، وكونه يمكنه أخذه كما يمكن ذلك من الوارث والوصي، فإن بعض الأشياخ -يعني
أبا إسحاق- يشير إلى أنه بالخيار في طلب القابض لكونه في يديه حق الطارئ، أو طلب الدافع لكونه تعدى عليه بتسليم حقه لغيره وبعضهم يشير إلى أن المسألة على قولين في طلب الدفع.
وفي المدونة كلام فيه إشكال حمله بعضهم على التخيير وحمله بعضهم أنه اختلاف.
وقد اشتهر الخلاف في الغاصب إذا غصب شيئًا فوهبه لأحدٍ، ثم أتى المغصوب ذلك منه طالبًا له، وقد فات في يد الموهوب له، هل تكون البداية بطلب الغاصب المتعدي في الدفع لهذا المال، أو طلب القابض المنتفع به، أو يكون بالاختيار في طلب من شاء منهما؟ لكن قد قيل إن الذاهبين إلى القول بالبداية بالغاصب إنما صاروا إليه لأنه إذا غَرم لم يرجع له غرمه على الموهوب له لكونه سلطه على الإتلاف على ألاَّ عِوَضَ عليه، كما قيل فيمن أثاب 1 في صدفته ظنًّا منه أن الكفارة تلزمه، فأكلها قابضها فإنه لا يرجع عليه الدافع إليه، لأنه هو الذي سلطه على إتلاف عَين شبيه 2 على ألاَّ عوض عليه غلطًا منه على ماله.
وفي التفليس إذا رجع الغريم الطارئ على الوارث أو الوصي كان للوارث أو الوصي أن يرجع بما غرم على الغريم القابض بما دفعه إليه لأنه لم يسلّم ذلك على جهة الهبة، بل في معنى المعاوضة عمّا على أبيه الذي ورثه وإبراء لذمة أبيه.
"فإذا غرم الغريم الطارئ رجع بذلك على من دفع إليه، فلا فائدة في تمكين الغريم الطارئ من طلبه وعدوله عن الغريم القابض من غير عذر ولا فائدة له، ولا للقابض في ذلك) 3 بخلاف مسألة الغاصب فإن في العدول عن تغريم القابض فائدة له في أنه لا يرجع عليه بما أتلفه مما وهب له.
وقد قررنا أن الطارئ إذا استغرم الوارث أو الوصي الدافعين لهذا المال فإن لهما أن يرجعا على من دفعا إليه لما ذكرناه.
فقد يقال في هذه إنه قد يتخرج فيه خلاف من مسألة الوكيل إذا تعدى، والسلعة التي وكل على بيعها قائمة، إنه يضمن ما تعدى فيه، ويكون تعديه
التزامًا لغرمائه ما رسم، كوكيل أُمِر أن يبيع سلعته بعشرة فباعها بثمانية فإنه يغرم العشرة إذْ حال بين الموكل وبين أخذ سلعته بتعديه فيعد ذلك منه التزامًا لما سماه من الثمن.
لكن الدافع للغرماء إنما سلطهم على عين مال، فإذا أتى من يستحقه لم تلزمه غرامة، ولا يعد ملتزمًا لذلك، مع احتمال فعله للالتزام، أو قصد إلى مجرد التعدي خاصة.
هذا حكم المرجع في هذا التعدي.
وأما حكم ضمان القابض له فإنه إذا قدم غريم لم يعلم به وقد قسم المال بين الغرماء الحاضرين، وجعلنا له طلمب الوارث الدافع بما بقي في يديه من مال الميت فإنه إن أكله ضمنه لهذا الطارئ، لأنه أكل مال غيره، عمدًا أو خطأ، فيضمنه له.
وإن ادعى تلفه، وهو مما يغاب عليه، لم يصدق في ذلك، لأنه أمسكه لمنفعة نفسه أو لاعتقاد تمَلكّه، فلم يصدق في ضياعه، كما لا يصدق في ضمان العواري والبرهان، ولو قامت له بيّنة بضياعها من غير سبب له في ذلك فإن ابن القاسم أسقط عنه الضمان.
ولم يسقطه عنه أشهب مرورًا على أصله في العواري والبرهان أن الضمان فيها لا يسقط بإقامة البينة على الضياع.
واختار بعض أشياخي مذهب ابنْ القاسم رواه 1 مبنيًا على أصول المذهب لأن كل مستحق عينًا في يد غيره فإنما له أخذ العين من يد غيره فإن أنفقها غيره محمدًا ضمنها، وإن أتلفها خطأ ففي ضمانه قولان: إذا وضع يده عليها بوجه جائز، كمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فقتله عمدًا، ثم استحق، فإن قاتله يضمنه.
وإن قتله خطأ ففي غرامته القيمة لمستحق العبد قولان.
وإسناد هذه المسألة للأصل الذي قال، قد يقع إشكال من ناحية أن من غصب له عبد فاستحقه من يد مشتريه بوجه شبهة، فإنه إنما يستحق العين لا
أكثر.
والوارث إذا مسك مالًا فالغريم لم يستحق عينه، وإنما استحق مقداره، فلو قضاه الوارث دينه من مال آخر لم يكن له مقال.
ففارق ذلك استحقاق العين لا غيرَها.
هذا حكم ضمان الوارث لما بقي تحريره 1 من تركه الميت المفلس.
وأما ضمان الغريم القابض إلى 2 قبضه، فالمعروف من المذهب أنه يضمنه على أي حال كان تلفه، إذا قام عليه غريم طارئ طلبه في المحاصة، حتى ذكر ابن المواز أنه لو وقف لغريم غائب نصيبه من تركة الميت فضاع كان ضمانه منه.
ولو طرأ غريم وقد ضاع مال الموقوف لغرم من وقف له المال لهذا الطارئ حصته التي تجب له في المحاصة بدينه حتى كأن هذا المال الموقوف قبضه من وقف له فيجب الرجوع عليه بما قبض.
وعارض بعض الحذاق من الأشياخ هذا وقال: إنما ينبغي أن يضمن الغريم الموقوف له المال ما وقف له، بمعنى أنه يبرأ المفلس من دينه الذي قبض منه ما أوقف له لا غير ذلك.
وأما أن يكون يضمن ذلك في حق غيره فلا وجه له، كما نقول فيمن اشترى عبدًا من سوق المسلمين فاستحقه من يده رجل فإنه يأخذه، ولو وجده مستحقه قد مات في يد المشتري لم يكن له أن يغرّمه قيمته وإنما له تغريم الغاصب له، وأما مشتريه وإن كان ضامنًا له فإنما معنى ضمانه له أنه لا يرجع بالثمن على الغاصب الذي قبضه منه.
وإن كان الغيب قد كشف أنه أخذ منه ثمن ما لا يستحق أن يأخذ ثمنه فكذلك إنما يضمن هذا الغريم بما نابه في الحصاص، بمعنى أنه يسقط دينه به بمقدار ما قبض.
وأما أن يضمنه لغيره فلا يجب ذلك كما لم يضمن المشتري المغصوب منه العبد قيمتَه، وإن كان ضمانه منه لما مات في يديه.
وإذا طرأ غريم على الغرماء فقد ذكرنا أنه يقضى له عليهم بالمحاصة على
حسب ما يقضى له لو كان حاضرًا حين قسمه مال الغريم.
هذا إذا لم يبق في يد ورثة المفلس الميت شىء من التركة، بل نزع جميعًا 1 فقضي ذلك للغرماء الحاضرين.
فأمّا إن بقي شيء من تركة المفلس بيد ورثته، فإنه يحسب ذلك من دين هذا الطارئ، حتى كأنه أخذه من جملة دينه، فإنما تكون له المحاصة لما فضل من ذلك وبمقدار ذلك يرجع على الغرماء الذين اقتسموا التركة.
وهذا لأجل أن الغريم لو كان حيّا وقضى غرماعه وبقي في يديه ما يقضى آخرين (فأبيح فيه) 2 فإنه لا يرجع الغرماء الذين لم يقبضوا من دينهم شيئًا على الغرماء الذين قبضوا دينهم لكون غريمهم بقي في يديه ما يأخذه الأخ 3 فكذلك ورثته.
فلو مات رجل وترك ثلاث مائة دينار (لرجع) 4 فأخذا جميع دينهما من التركة، وبقي في يد الورثة مائة دينار، فإن من طرأ، وله دين على الميت جملته مائة دينار، لا يرجع على الغريمين القابضين للمائتين لكون غريمه قد ترك ما يأخذ هذا الطارئ في دينه منه بأسره.
ولو كانت التركة مائتين وخمسين دينارًا فقبض الغريمان الحاضران المائتين وبقي بين الورثة خمسون دينارًا".ثم طرأ رجل استحق على الميت مائة دينار، فإنه إنما يحاص الغريمين القابضين للمائتين بخمسين دينارًا؛ لأن الخمسين الباقية بيد الورثة يقدر أن هذا الطارئ قد قبضها وصارت إليه من جملة دينه فإذا لم يجب له أن يحاص إلا بالخمسين دينارًا فإذا وجبت المحاصة بما صار كان الغريم الطارئ كالمحاص معهم فتقسم المائتين وخمسين على
الثلاثة رجال الحاضرين والرجل الطارئ، فينوب كل واحد منهم ثلاثة وثمانون دينار وثلث دينار.
فهذا الطارئ يحسب عليه من ذلك ما في يد الورثة وهو الخمسون دينارًا ويبقى له ما ينوبه في الحصاص ثلاثة وثلاثون دينارًا 1 يرجع بذلك على الغريمين القابضين للمائتين، فيرجع (كل واحد منهما بسبعة دنانير إلا ثلث) 2.
فإن طرأ للميت مال فإنه يرجع فيه هذا الغريم بالخمسين دينارًا التي بقيت بيد الورثة التي قررنا أنه كالقابض لها في حكم الحصاص بينه وبين من سواه من الغرماء، ولم يقدر أنه كالقابض لها في حكم براءة ذمة غريمه حتى يصل ذلك إليه أو يوقعه له قاضٍ، فتكون يد القاضي في قبضه كيده، ويرجع أيضًا بسبعة عشر دينارًا غير ثلث التي أوجبت له المحاصة (ويقصر التركة لا يأخذها) 3 ويرجع الغريمان القابضان للمائتين بما أديا من هاتين المائتين عن الميت، وذلك ثلاثة وثلاثون دينارًا وثلثا دينار حتى يكمل دين سائر الغرماء.
هذا الحكم في المحاصة في تركة الميت إذا طرأ غريم لم يعلم به.
وأما لو كان ذلك في فلس غريم حيّ ذمته باقية، فإن ابن حبيب ذكر عن عبد الملك أنه إذا فلس رجل لقوم لهم عليه ديون، فوجد في يده ألف درهم ومائة درهم، فأخذ الغرماء ألف درهم، وأوقفت المائة الفاضلة عما أخذه الغرماء، أو رُدّت إلى الغريم فأنفقها، ثم طرأ غريم له مائة درهم فإنه يضرب مع الغرماء الذين قبضوا الألف بجزء من أحد عشر جزءا فينوب على هذا الذي ذكره أحد وتسعون درهمًا إلا جزءا من أحد عشر جزءا من درهم.
وعارض بعض الأشياخ الحذاق هذا وقال: إنما يجب أن يضرب هذا الغريم بجزء من اثني عشر جزءا.
وذلك أنه يستحق في التركة مائتي درهم،
وديون الغرماء غيره ألف درهم فله سدس المال، لكون المائتين هي سدس الألف ومائتي درهم هي جملة الديون.
فإذا حاص في المائة التي قصرت التركة عنها كان عليه في الحصاص سدسها لكون دينه من جملة الديون هو السدس، فإنه سقط عنه بالحصاص سدسها صار له مائة درهم وخمسة أسداس المائة الأخرى، وهو ثلاثة وثمانون وثلث، فيحسب عليه المائة التي أوقفت أو ردت إلى المفلس فأنفقها حتى كأنه قبضها في حكم المحاصة، ويرجع على الغرماء بخمسة أسداس المائة التي قصر الموجود بين الغريم عنها، وبقيت لسائر الغرماء في ذمة هذا الغريم.
فكأن ابن حبيب قدّر أن المائة الموقوفة لما جعلت (في حكم المحاصة) 1 في حكم المقبوض وقدر أن هذا الغريم الطارئ قبضها صار كأنه لم يكن له من الدين إلا مائة درهم، هي التي لم يعلم بها الغرماء، فأضربوا عنها في القسمة لما تحاصّوا، فيكون على هذا الطارئ إنما يضرب بهذه المائة التي لم يقبضها حسّا ولا تقديرا، حتى كأنه لم يكن له دين سواها.
وقدر من ذكرناه من الأشياخ أنه إذا لم تبرأ منها ذمة الغريم كانت المحاصة بجملة دينه المائة الموجودة التي لم يبرأ منها الغريم، والمائة الأخرى العاجزة 2 من مال المفلس.
وكذلك لو ظن أن الغريم في يده ما يفي بجميع ديونه فقضى ما في يده لغرمائه وفضلت فضلة، ثم طرأ غريم، فإنها تحسب عليه في دينه.
وذكر ابن حبيب أن هذا مذهب عبد الملك ومطرف.
قال: وخالفهما أصبغ ورأى أن الفضلة عما أخذه الغرماء الحاضرون و 3 إنما تحسب على الطارئ في باب المحاصة في فلس ميت لكون ذمته قد انقطعت فصار ما بقي
منها بعد ما أخذه الغرماء كأن الغريم الطارئ استحق عينه فيحسب عليه في حكم المحاصة خاصة.
وأما المفلس الحي فإن ذمته باقية، فلا يحسب ما فضل عن غرمائه للذين لم يقوموا بتفليسه كمديان فلسه بعض غرمائه ولم يقم بعضهم بتفليسه ولا طلب منه دينه، فيكون الدين باقيًا في ذمته في حق من لم يرض بتفليسه، حتى كأنه لم يفلس لأحد من الناس.
هذا حكم ما يكشفه الغيب من الغلط في المحاصة.
وأما البيع للتركة فإنه قد تقرر في الشرع ألا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
قال تعالى بعد أن ذكر الفرائض وما ترثه البنت والبنتان والأبوان والأزواج: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 1. فإنما ملك البارئ سبحانه من ذكر من الورثة ما سماه لهم في كتابه بعد أن تخرج ديون الميت ووصاياه.
فإن باع الورثة سلعة الميت، وهم يعلمون بأن له غرماء أو يظنون ذلك، لكونه مشهورًا بالاستدانة فإنهم قد تعدّوا في البيع لأنفسهم ليرثوا ما ترك ميّتهم من غير أن يقضوا ديونه، ولا يختلف في كونهم منهيّين عن هذا البيع، ولكن لحق غيرهم من المخلوقين وهم الغرماء، فإن فعلوا كان للغرماء نقض ما باعوه لأن الغرماء استحقوا ذلك دون الورثة.
فصار الورثة في بيعهم كمن باع سلعة غيره، فلصاحب السلعة أن يفسخ بيعه هذا إذا لم يقدر على قضاء الديون إلا بفسخ البيع في هذه السلع.
فأمّا إن قضيت الديون من غير حاجة إلى فسخ البيع، مثل أن يقبضها 2 الورثة من أموالهم أو يسقط الغرماء حقوقهم، فإن المذهب على قولين: أحدهما: أن البيع لا يفسخ.
وهو الأشهر من المذهب، لأن النهي عن
هذا البيع لحق المخلوقين وهم الغرماء فإن سقطت حقوقهم فقد ارتفعت العلة
الموجبة لفسخ البيع، فيرتفع الحكم الذي هو الفسخ بارتفاعها وهكذا النهي الواقع لحق المخلوقين ألا ترى أن النبي عليه السلام نهى عن التصرية لأجل التدليس على المشتري، فإذا اطلع المشتري على هذا العيب ورضي به لم يجب فسخ البيع لزوال حق المخلوق الذي هو علة.
النهي.
وروى أشهب عن مالك في ورثة عزلوا من التركة أضعاف الدين، وباعوا ليرثوا: إن البيع يفسخ ولو قضيت الديون.
فكأنه على هذه الرواية قدر أن هذا البيع سلم من الغرر والتحريم في ثمنه ومثمونه، فتعلق به حق الله سبحانه ففسخ.
وإن سقط حق المخلوق فيه، كبيع عند صلاة الجمعة، وبيع التفرقة بين الأم وولدها.
فإن قلنا بارتفاع الفسخ عند ارتفاع الديون ففي الموازية أن المشترين لهذه السلع إذا دفعوا قيمة ما فما أو نقص عندهم يوم قبضوه لم يكن للغرماء فسخ البيع.
وهذا لأجل أن الغرماء لم يملكوا أعيان سلع الميت وإنما ملكوا مقدار هذا 1 كان كمقدار ديونهم.
ألا ترى أن الورثة لو قضوا ديونهم لم يكن للغرماء أخذ شيء من السلع التي تركها الميت، فكذلك المشترون إذا دفعوا قيمة ما قبضوه فكأنه هو الذي استحقه الغرماء في تركة الميت فأشبه ذلك قضاء الديون.
وترجح بعض الأشياخ في هذا الذي قلنا أن للغرماء نقض البيع فيه لو كانت أمة باعها الورثة، على الصفة التي ذكرنا من كونهم تعدوا في البيع، فأعتقها المشتري أو اتخذها أم ولد، وهو لم يعلم، فقام الغرماء طالبين لديونهم هل من حقهم أن يردوا عتق هذ واستيلاده لكون البائع كأنه باع سلعة غيره، أو يمضي ذلك لكون الغرماء ها هنا لم يستحقوا عين هذا المبيع وإنما استحقوا مقداره، ولو دفع إليهم هذا المعتِق أو المستولد قيمة الأم لم يكن لهم انتزاعها من يده، على ما ذكرناه في الموازية.
فإذا أبقوه 1 حين قيامهم بديونهم فقيرا 2 لم ينقضوا ما فعل من عتق أو استيلاد لكونه قادرًا على صرفهم عن انتزاع ذلك من يديه إذا كان مليئًا يمكن 3 من دفع قيمة ذلك إليهم.
وأمّا إن باع الورثة بيعًا لم يتعدوا فيه لاعتقادهم ألا دين على ميتهم، ثم طرأ غرماء فإن المطالبة إنما تتوجه للغرماء على الورثة البائعين القابضين للأثمان دون المشترين سواء كانت السلع قائمة في يد المشترين أوفائتة كون 4 الغرماء لم يستحقوا الأعيان المعينة وإنما يستحقون أثمانها، وأثمانها قد صارت في أيدي الذين باعوها بوجه جائز، فإنما تتوجه المطالبة على الورثة خاصة لكون ما استحقه الغرماء في أيديهم لا في يد من اشترى.
وأشار بعض أشياخي إلى تخريج الخلاف في هذا النوع إذا كان المبيع جارية فأعتقها المشتري أو اتخذها أمّ ولد، ففي كتاب الخيار من المدونة لغير ابن القاسم: إنها إذا فاتت بعتق أو استيلاد لم يكن للغرماء أخذها، بدليل هذا الخطاب عنده إذا 5 لم تفت بشيء من هذا المعنى فإن للغرماء أخذها.
ولأن هذا القول ينبني على أن العتق والاستيلاد لهما حرمة تمنع من نقض البيع.
وأما إذا لم يقع الفَوت بشيء من هذا المعنى فإن الغرماء وإن لم يستحقوا أعيان هذه السلع فإن الورثة أيضًا لم يستحقوها إلا بعد قضاء الدين.
فكأنهم باعوا ما لم يستحقوا، وكان الغرماء أولى باستحقاقه من الورثة فلهذا نقض البيع فيه إذا طلب ذلك الغرماء.
وذكر ابن القاسم في العتبية في ميت مات وترك مائتي دينار، وعليه
أضعافها، وترك ورثة صغارًا فتجر الوصي لهم بها، ثم طرأ غرماء، فإنهم يأخذون ما في يد الوصي في ديونهم وأرباحه إن كان فيها ربح، ولا يضمنون هذا المال إذا تلف ولا يُرجع به عليهم، بخلاف ما لو كان الورثة كبارًا فإن الربح لهم إذا تجروا، فيه وهم ضامنون لما قبضوه إذا أنفقده أو أتلفوه، فلم يكن للغرماء في ربح ما يضمنه غيرهم، بخلاف الورثة إذا كانوا صغارًا فإن الربح للغرماء لكونهم لا يطلبون هذا المال من ذمة الصغار إذا كبروا.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال:
إذا قام رجل واحد من جملة الغرماء طالبًا لتفليس غريمه، وإيصاله إلى حقه، وتفليسه وحبسه إن لدّ وعجز عن القضاء، فإن ذلك له.
ولا يسقط حقه في ذلك إضراب الغرماء الآخرين عن مساعدته عن ذلك، إذا لا يلزم إتلاف حقه إذا رضي الآخرون في إتلاف حقوقهم أو الصبر بها.
وهذا واضح، لكنه إذا مكن من القيام بذلك فمن ساعده من الغرماء على ذلك أُعطي نصيبه أيضًا من الحصاص كما يُعطى هذا القائم نصيبه في الحصاص، أو جملة حقه إذا لم يظهر عجزه عن قضاء حقوق الآخرين.
ومن لم يقم من الغرماء طالبًا لحقه فهل يعذر أيضًا بتسليم حقوق الطالبين إليهم حتى لا يكون له بعد ذلك مرجع عليهم؟ فيه قولان في المدونة:
ذهب ابن القاسم إلى أنه ذلك منه علم أنه أسقط حقه في مشاركة أصحابه.
وقال غيره: ليس ذلك رضا بتسليم حقوقهم إليهم دون مشاركتهم إلى أن يظهر ما يدل على أنه غير 1 مسقط لحقه.
وجملة الأمران مجرد السكوت عن.
مشاركة هؤلاء الغرماء ومحاصته هل هو في العادة كقرينة دالة على رضا الساكت بإسقاط حقه بمحاصة، أو ليس ذلك بدليل في العادة؟
وحمل بعض الأشياخ هذا الخلاف المذكور في المدونة على أن المُراد به إذا كان الغرماء الساكتين حاضرين بالبلد، ولم يشاهدوا القسمة بين الغرماء القائمين بالتفليس، وقدر أن مشاهدتهم للقسمة لمال الغريم كالتصريح بإسقاط حقه فلا يحسن الخلاف فيه.
وكأن هذا المتأول للاتفاق على أن مشاهدة القسمة علم على إسقاط الحق يرى أنها في الدلالة على إسقاط الحق في المحاصّة أقوى من الدلالة على مجرد السكوت.
وكأن الغَيْرَ إلى هذا أشار في كلامه.
وهذا منشأ الكلام فيه الاستشهاد بالعادات على المقصود مثل 1 هذه الأوجه للخلاف المذكور سوى اعتبار هذا من جهة العادات.
وكأن ابن القاسم وغيره اختلفا في شهادة بعادة.
وكان سحنون يشير إلى قصر الخلاف في هذا في مال المفلس إذا قام به بعض غرمائه طالبًا تفليسه.
وأما لو كان ذلك في مال ميت فُلِسَ بعد موته وأخذ بعض غرمائه حقوقهم فإنه لا يسقط حق من سكت عن القيام معهم، وله أن يرجع على الغرماء القابضين فيحاصّهم، لأجل أن ذمة الميت خربت وانقطعت، فلا يظن أن من له حق فيها مسقط لحقه على الإطلاق وواهب له.
بخلاف المفلس الحي فإنه بقيت ذمته فيقول: الغرماء في الصبر على طلب 2 بقاء ذمتهم واكتسابه، والرجوع على الغرماء فيما قبضوه، فلا يكون سكوتهم كالهبة لحقهم على الجملة بخلاف الميت الذي انقطعت ذمته، والرجاء في اكتسابه.
وقد قال بعض الأشياخ: إن قول ابن القاسم في المدونة في سكوت بعض
الغرماء عن المفلس الحيّ إشارة إلى أن الميت بخلاف ذلك، كما قال سحنون لتقييده كلامه بحياة المفلس.
وقد قال ابن القاسم: إن الغريم إذا شاهد الورثة يقتسمون المال ولم يطلب دينه ولا عذر له في سكوته على الطلب، فإن ذلك علم على أنه أسقط حقه في طلبهم.
وهذا كله من التفرقة بين الحيّ والميت في حق بعض الغرماء أو التفرقة بين الميت إذا سكت، عند قسمة ماله، غريم، وقد قسم ماله وارث، أو غريم، وقد قاسم ماله غرماء، لا وجه له إلا الاستشهاد بمقتضى العادات في الدلالات على المقصود.
فمتى اتضحت قرينة حال تدل أن القصد إسقاط الحق سقط ومتى كانت قرينة الحال فيها التباس وإشكال لم يسقط الحق بالاحتمال.
وقد يستظهر باليمين على الساكت فيما يدغيه من قصده.
هذا الحكم من 1 الساكت من الغرماء وبين من قبض منهم دينه.
وأما إذا أوضح 2 التفليس وحكم به، ثم عامل الغريم قومًا آخرين فإن المفلِّسين القابضين لدينهم وما نابهم في الحصاص منه لا طلب لهم فيما في يده مما اكتسبه في المعاملة الثانية الحادثة بعد التفليس، لأن ما في يديه الآن مال الغرماء الذين عاملوه بعد التفليس، فليس للغرماء الأولين أن يأخذوا حق غريمهم من حقوقهم السابقة التفليس.
وأما الساكتون عن التفليس فقد ذكرنا حكمهم مع الأولين الذين فلسوه.
وأمّا حكمهم مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس، فإن في الموازية أن لهم مشاركة الآخرين إذا فلسوه.
وكأنهم لما لم يفلسوه هم جملة غرمائه.
ولو كان الغريم طالبون 3 جماعة لم يقوموا بتفليس واختلفت تواريخ
معاملتهم له، واختلف به الحال بي استغناء وفقر، فإنه إذا قام عليه الغرماء تحاصّ جميعهم في ماله، مَن عامله وهو مُثرٍ ومن عامله وهو معدم.
فكذلك هؤلاء الساكتون الذين سبق دينهم التفليس مع الذين عاملوه بعد التفليس، لكون العلة في منع التفليس الدخول مع الآخرين كونَ ما في يديه بعد التفليس، معلوم أنه مال الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس.
وهذه العلة تتصور في الساكتين عن تفليسه كما تصورت في القائمين بتفليسه.
وكأن مطرفا رأى أن الذين لم يفلسوه وسكتوا عن طلبه لم يسلموا كونه مفلسًا.
ولو قاموا كما قام أصحابهم لأظهروا له مالًا خفيًا فلا يثبت في حقهم حكم التفليس الدال على أن ما في يديه من المعاملة الثانية.
وقد وقع لابن القاسم في كتاب السرقة: إذا كانوا 1 أحد غرماء المفلس غائبًا فقدم بعد الحكم بتفليسه ومعاملته لقوم آخرين، فإن هذا الغائب القادم لم يدخل مع الآخرين بدينه، على نحو ما حكيناه عن مطرف في سكوت بعض الغرماء الحاضرين عن تفليسه.
ولو قام جميع الغرماء بتفليسه وتحاصوا في ماله فأبقى بعضهم ما نابه في الحصاص في يد غريمه، ومكنه منه، بعد أن حيل بينه وبينه، فإن هذا كمعاملة ثانية يضرب بها مع الآخرين الذين عاملوه بعد التفليس ويكون الضرب بعدد ما أعادوه 2 عليه لأن ذلك كاستئناف معاملة ثانية.
وقد وقع في كتاب ابن حبيب أن هذا الذي أبقى نصيبه في المحاصة في يد هذا الغريم يُغْرَم بدينه كله، وقدّر أن الزائد على مقدار ما أعادوه إليه مما بقي من دينه عليه كأنه لم يقم بتفليسه فيه ولا في ما نابه من الحصاص لكونه أبقى ما نابه في يد غريمه.
وقد قلنا: إن في الموازية تمكين الساكت من الغرماء على التفليس من دخوله مع الذين عاملوه بعد التفليس، على حسب ما تقدم بيانه.
ولو أن هذا الذي فلس وعامله قوم آخرون طرأ له مال في فائدة يُعلم أنها ليست من مال الآخرين، كميراث ورثه أو أرش جناية أخذها، أو ربح حصله في المعاملة الثانية، لكانت المحاصة تجب في هذه الفائدة للغرماء الأولين
والآخرين إذا قام الأولون بتفليسه، لارتفاع العلة التي ذكرنا أنها هي المعاملة المانعة لدخول الأولين فيما عامله به الآخرون وهي العلم بما في يديه هو من مال الآخرين لا حقّ للأولين فيه.
فإذا طرأ على الآخرين انتقاصٌ في ديونهم ضربوا بما انتقص لهم في الفائدة الطارئة واشترك فيها الأولون والآخرون.
وإذا لم يفلسه الآخرون وطرأت فائدة فقام الأولون طالبين لأخذ بقية حقوقهم منها مكّنوا من ذلك، ولم يمنعهم الذين عاملوه بعد التفليس من ذلك، لأنه ما دام قائم الوجه، للمبيع 1 ويشتري ويعامل.
الناس، فهو محمول على أن ما داينه به الآخرون باق في يديه.
لكن لو تبين انتقاصىُ ديونهم من يده لكان من حقه 2 الكشف على ذلك حتى ينكشف ما يوجب مشاركتهم في هذه الفائدة الطارئة.
وقد ذكر في الموازية عن أشهب في رجل مات وعليه لرجلين ألفا درهم: لكل واحد منهما ألف درهم وترك الميت المديان عبدًا قيمته ألف درهم وألف في رهم ناضة فرفعت 3 الألف الناضة إلى الغريم الحاضر وبقي العبد، فإن العبد إذا هلك أو طرأ الغريم الغائب، فإنه لا يرجج على الغريم الذي قبض الألف بشيء، على ما كنا قدمناه أن ما بقي عند الورثة يحسب على الغريم الغائب، ويمنعه ذلك من الرجوع على الغريم الحاضر الذي أخذ حقه.
ولو كان العبد قيمته خمس مائة درهم يوم موت سيده، ولكنه مضى عليه ما بين سيده وموته
في نفسه (ومن) 1 كان يساوي فيه ألف درهم يحسب ذلك على الغريم الغائب وكأن سيده مات عن عبد قيمته ألف لما كان لا يمر يوم إلاَّ ومن حق الغريم الغائب أن يأخذ العبد فيه بدينه، ومن حقي الورثة أن يبيعوه ويسلموا ثمنه إلى الغريم، فما طرأ بعد ارتفاع قيمته من موت أو نقص سوق فهو محسوب على الغريم الطارئ كما تقدم بيانه فيما سلف.
ولو بيع العبد وقُضي ثمنه ألف درهم للغريم الحاضر، وبقيت الألف الناضة فضاعت لحسبت على الغريم الطارئ كما حسب العبد، إذا بقي ثم هلك، على الغريم الطارئ.
ولو بيع العبد للغريم 2 الحاضر ودفع ثمنه إليه ثم رد بعيب البيع 3 ثانية فما نقص من ثمنه من حق القابض لثمنه أن يرجع، على الغريم الطارئ إذا قبض الألف الناضة، بما ينوبه من الحصاص في مقدار ما نقصه العيب، وهذا الذي ذكره ها هنا من اعتبار أعلى قيمة مرت بالعبد من يوم مات سيده إلى يوم موت هو فحوى أحد القولين فيمن غصب عبدًا قيمته مائة دينار ثم صار بعد ذلك يساوي ألفا، ثم مات فإن الغاصب يضمن أعلى قيمة مرت به، لأنه كلَّ يوم مخاطب بأن يرد العبد على سيده، فيُعدُ كل يوم غاصبًا مبتدئًا للغصب فيمن 4 قيمته التي هي ما مرّ به.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى أن هذه المسألة التي ذكرنا عن الموازية قول ابن المواز عزل العبد للغائب: إن ذلك لأجل أنه مال مفلس مات، وأنه بخلاف المفلس الحي.
وقد قدمنا نحن فيما قبل مسألة مطرف وابن الماجشون وذكرنا أنهما يريان أن ما فضل بيد الورثة أو الغريم المفلس يحسب على الغريم
الطارئ، وذكرنا مخالفة أصبغ لهما في الفلس خاصة، وأنه لا يحسب ما بقي في يديه بعد أن يغرم إليه الغريم الطارئ.
وكذلك لا يحسب عليه ما وقف بعد قضاء الدين، فمتى طرأ غريم لم يعلم به على غرماء فإنه يطالب كل واحد منهم بمقدار ما ينوبه في الحصاص، ولو طرأ وارث على ورثة ففيه قولان:
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنه كغريم طرأ على غرماء، إنما له أن يطالب كل واحد من أصحابه بما ينويه في الحصاص خاصة، ولا يرجع عليه بأكثر من ذلك ولو غاب بقية أصحابه.
ومذهب أشهب وغيره أنه يقاسم الوارث القادم من وجد من الورثة فيما في يديه على مقتضى الفرائض التي فرضها الله تعالى في مال الميت لورثته، ثم يرجعان جميعهم على من لقياه من الورثة على هذا الأسلوب حتى يعتدلوا في المال الاعتدال التي 1 توجبه أحكام الفرائض والمواريث.
وأما طروء غريم على وارث أو موسى لهم فإنه يستوفي حقه منه لكون البارئ سبحانه قدم حق أصحاب الديون عني الورثة والموصى لهم فقال ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 2. وسنبسط هذا في كتاب القسم إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
إقرار المريض بدين لرجل يقع على وجوه، منها أن يقر بدين لأجنبي أو يقر بدين لوارث أو صديق ملاطف أو يقر بدين لأجنبي ووارث أو لأجنبي وصديق ملاطف.
وكان مقتضى الترتيب عندنا أن يجمع ذلك كله بعد ذكر فصل تذكر
فروعه، ولكنا قدمنا العذر عن سبب الاخلال بالرتبة الواجبة عندنا في حكم التأليف، وأنا قد توخينا ترتيب المدونة.
وقد تقدم كلامنا في كتاب التفليس على إقرار المريض بدين لوارث أو لأجنبي وصديق ملاطف.
وذكر في المدونة في كتاب المديان حكم إقرار المريض بدين لأجنبي أو لوارث.
فأما إقرار حكم المفلس الصحيح بعد الحجر فقد تقدم بيانه في كتاب التفليس.
وكذلك إقراره بعد الحجر وقد تبين فلسه وأقرّ لمن لا يتهم أولمن يتهم في إقراره وذكرنا الخلاف في ذلك في المذهب.
وكذلك ذكرنا قضاءه لبعض غرمائه دون بعض وقد أحاط الدين بماله.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى دينًا لبعض غرمائه ثم مات من مرضه، فالمنصوص في المذهب أن ذلك لا ينفذ لأن قضاءه حينئذ يحمل على التوبيخ 1 لمن قضاه دينه وإيثاره على من سواه من الغرماء.
بخلاف قضاء من تبين فلسه فإنه يمضي على أحد القولين لأجل أن ذمته باقية يطلبها من لم يقض دينه من الغرماء ويضايقونه في طلب حقوقهم ولا يقصد التوبيخ (1) والإيثار إلا مع إضرار نفسه بطلب من لم يقض حقه من غرمائه.
وأمّا المريض فإنه إذا قضى بعض كرمائه ثم مات ارتفع عنه بموته ضرر طلبهم فتقوم التهمة بقصده إيثار قوم من غير ضرر يلحقه من قوم آخرين.
لكن ذكر سحنون في المدونة عقيب قوله: إن قضاء المريض لا يجوز، أن غيره قال: المريض لم يحجر عليه في بيعه وشرائه أو إقراره.
فحمل هذا القول بعض الأشياخ على أن ظاهره يقتضي جواز قضائه لبعض غرمائه.
وإنما أورد هذا القول استدلالًا بجواز معاملته وإقراره على جواز قضائه، فيكون على هذا في المدونة قولان في قضاء المريض الذي أحاط الدين بماله أيضًا.
وإلى إمضاء قضاء دينه ذهب سحنون.
وأما لو كان عنده ما يوفي سائر الديون التي عليه (وليس بتصريح في إجازة القضاء لبعض الغرماء دون بعض) 1. ويمكن أن يكون أراد التنييه على مذهب المخالف الذي يمنع إقرار المريض وعليه ديون استدانها في الصحة شهد بها عليه بينة.
فإن هذه المسألة مما اختلف فيها فقهاء الأمصار:
فمذهب مالك والشافعي أنه إذا أقر بدين في مرضه لأجنبي ليس بصديق ملاطف ولا تتطرق إليه تهمة في إقراره له فإنه يحاصّ الغرماء الذين داينوه في الصحة ولهم بديونهم بينة.
ومنع ذلك أبو حنيفة ورأى أن الديون الثابتة عليه في الصحة ببينة مقدمة على حق هذا الذي أقر له كما لو أقر بعد الحجر والتفليس بدين لم يحاص هذا المقر له الغرماء الذين حجروا عليه بسببهم 2، بهذا الدين الذي أقر به بعد الحجر.
لكنه يبقى للمقر له ذمة المفلس المحجور عليه حتى يكتسب ما يقضيه منه الذي أقر له به.
والعلة في ذلك أن حقوق الغرماء المحجَّر على المديان بسبب ديونهم كأنها تعلقت بعين المال الذي حيل بينه وبينه، فليس له أن يتلفه عليهم بالإقرار.
وكذلك إقرار المريض بدين وعليه ديون استدانها في الصحة تشهد بها بينة فإنه أيضًا إنما يكون للمقر له المطالبة فيما يطرأ للميت من مال لا فيما تعلق به حق الغرماء.
ودافعه أصحابنا عن هذا القياس بأنه لو قامت بينة المقر له بعد التحجير بصحة ما أقر (له به الغريم) 3 لقضي له بذلك وحاصّ به الغرماء الذين وقف
لهم المال.
ولو قامت بينة بأنه عامل بعد الحجر واستدان لم تنفع إقامة البينة هذه في وجوب المحاصة لهذا الذي عامله بعد الحجو.
وأمّا المريض لو قامت بينة على معاملته في مرضه لقضي بصحة هذا الدين وحاص به مستحقه الغرماء الذين عاملوه في الصحة.
فقد افترق حكم البينة إذا عامل المفلسُ المحجورُ عليه بينة 1 من حكم معاملة المريض بالبينة، فإذا ثبت أن البينة إذا قامت على معاملةٍ في مرضه واستدانتها وجب أن 2 على حسب ما يقضى لمن داينه في الصحة.
فإذا أقر لمن يتهم عليه وجب أيضًا أن يقضى له ذلك، ويقام 3 البينة على إقراره كقيام البينة على معاملته في المرض، لأنه لا يمنع من الإقرار ولم يحجر عليه فيه.
ويمكن أن يكون ما ذكرناه من 4 غير ابن القاسم في المدونة إلى هذا المعنى أشار.
وإن استدل المخالف على أن من ارتهن رهنا فإنه أحق بعين رهنه من غيره من الغرماء الذين لا رهن لهم، فكذلك يجب أن يكون غرماء الصحة إذا كانت ديونهم ببينة مقلَّمين على الدين الذي أقر به في المرض، ويرجح الدين السابق في الصحة على هذا الذي أقرّ به في المرض، لكون تصرف الصحيح في ماله أبسط وأمضى لأنه له أن يهبه وليس للمريض أن يهب جميع ماله مع كون غرماء الصحة قد تعلق حقهم بعين المال فوجب أفي يقدَّموا كما قُدم المرتهن في الرهن على غيره من غرماء صاحب الرهن.
أجيب عن هذا بانا لا نسلم أن غرماء الصحة تعلق حقهم بعين مال المريض؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ضياع مال المريض منهم، ولكان لهم أن يمتنعوا من أخذ ديونهم إلا من عين ما ترك.
ولو بذل لهم أحد الورثة أو
أجنبي ديونهم لم يتعلق لهم حق في عين المال.
وكذلك الرهن لا يتعلق الحق بعينه بدليل أن صاحبه له أن يدفع الدين من غير ثمن الرهن، وأنه إذا ثبت ضياعه يسقط حقه في ضمانه.
وإنما للغرماء أن يمنعوا المريض من الإتلاف لماله المضرِّ بهم من غير معاوضة.
وأمّا ما سوى ذلك من تصرفه فيه بالمعاملات والإنفاق منه فإنهم ليس لهم منعه.
فالترجيح الذي ذكروه ما بين غرماء الصحة المقر له في المرض غير مسلم لهم بما ذكرناه.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
وأما ما ذكرناه من إقرار المريض لأحد ورثته وسقناه في خلال التقسيم فإنه أيضًا مما اختلف الناس فيه:
فذهب أبو حنيفة إلى أن إقرار المريض بدين لأحد ورثته مردود على الإطلاق.
وإطلاق القول فيه كما أطلقه في إقراره في موضعه بدين وعليه ديون ثبتت في الصحة ببينة.
وأفا الشافعي، فالمشهور عند أصحابه أن مذهبه 1 إقرار المريض لأحد ورثته بدين.
ومنهم من يحكي فيه قولين.
ومن أصحابه من ينكر الخلاف عنه في هذا، ويرى أن مذهبه إمضاء هذا الإقرار على الإطلاق.
وأما مذهب مالك وأصحابه فإنهم يعتبرون التهمة في هذا الإقرار، فمهما ظهر ارتفاعها مضى الإقرار، ومهما ظهر حصولها ووقوعها رد الإقرار.
فكأن أبا حنيفة يرى أن المريض 2 له أن يغيّر حدود الفرائض التي سماها الله سبحانه بين الورثة ولو صرح بأن مراده تغييرها لم يلتفت إلى قوله وقسم ماله على فرائض الله سبحانه بين ورثته.
فإذا لم يصرح بها ولكنه قال قولًا
يؤدي إلى تغييرها ردّ قوله.
وإذا أمضينا إقراره بدين لأحد ورثته فقد صار ذلك تفصيلًا له فيما يأخذه من ميراثه على سائر الورثة، وهو ممنوع من التصريح بالتفضيل فكذلك إذا لم يصرح به، وقال قولًا يؤدي إليه.
وكأن الشافعي رأى أنه لو أقرّ بدين لأجنبي لا يتهم في الإقرار به، ولا دين عليه لأحد، فإن إقراره ماض، وكذلك إذا أقر لأحد ورثته بدين فإنه ماض ولا يتحقق تهمة في هذا الإقرار، فيفارق حكم.
الوارث حكم الإقرار للأجنبي ومن هو كالمنصرف عن الدنيا، ومقبل على الآخرة تبعد عنه التهمة، ألا تراه لو استلحق ولدًا لقبل ذلك منه، ولحق به، ولم يتهم على أنه قصد إلى إبطال حق من سواه من الورثة، فكذلك إقراره بالدين.
ونحن نجيب عن هذا بأنه لو صرح بأن قصده أن يفضل وارثًا على وارث لم يتم مراده في ذلك، فكذلك إذا دلت قرائن الأحوال على قصده التفضيل.
وأما استلحاق الولد فأحد القولين عندنا أنه يعتبر فيه التهمة.
وعلى القول 1 الإعراض عن الالتفات إليها، فإن التهمة في استلحاق الإنسان تبعد ممن هو سائر إلى الآخرة عن قرب.
فكذلك لا يبعد أن يفترق مع قوة التهمة من قصد التفضيل وتبعد التهمة في استلحاق نسب ليس هو منه.
فإذا تقرر منشأ الخلاف، فاعلم أن المسطور في الروايات في هذه المسألة فيه اضطراب ولكن إنما يقع الاضطراب فيما التهمة فيه، وينبغي أن يعرض ما وقع في هذه المسألة من وقائع عند أصحابنا واختلاف على الالتفات إلى شهادة العوائد بالتهمة وحصولها في الإقرار، وشهادة العوائد في ارتفاعها.
ومهما اضطربت العوائد وأشكل أمرها فإلى هذا يصرف منشأ الخلاف.
فكأن من أمضى الإقرار اعتقد ارتفاع التهمة، ومن أصرفها 2 اعتقد حصولها ووقوعها، فيفتقر
حينئذ إلى النظر هل الأصل إمضاء الإقرار حتى يثبت ما يدفعه من التهمة، أو الأصل ردّه كما قال أبو حنيفة حتى يثبت ما يمضيه؟
وقد وقع في المدونة في هذا ما يوهم في هذا النوع تنافرًا.
فقال في إقرار الرجل في مرضه بدين لزوجته وله ولد: إن إقراره لها نافذ إلا أن يعرف بالميل إليها، وإبعاد لولده، فيردّ إقراره.
وهذا لأن في طباع البشر ومقتضى الجبلات الميل إلى الأبناء أكثر من الميل إلى الزوجات.
فاستدل بالعوائد ها هنا على إمضاء الإقرار إلا أن يثبت الحال ما يناقض هذا الاستدل الذي كونه عوف منه ضد مقتضى العادات في هذه الزوجة وهذا الولد.
ثم قيل له بعد ذلك: فغير الزوجة والولد من القرابات؟
فقال: لم أسمع من مالك في هذا شيئًا، وأشار إلى رد الإقرار مع التساوي في القرب.
وقد اختلف في شهادة رجل لأحد ولديه على الآخر وهما متساويان في المنزلة عنده: هل تمضي شهادته لأن التهمة في المشهود له يدفعها بعد التهمة في المشهود عليه.
ولم يذكر اختلافًا في إقراره بدين لأحد ولديه ويرث مع هذا الولد ولد آخر مساويه في المنزلة.
ولا يبعد تخريج الخلاف في الإقرار بالدين من الشهادة لأحد الولدين على الآخر إلا أن يقال: إن الشهادة للولد مردودة من ناحية السنة والشريعة فلا ينفصل القول فيها.
وقد اختلف في إقراره بدين لولد عاقّ، وله ولد سواه غير عاق، بإمضاء هذا الإقرار لارتفاع التهمة لأجل عقوق المقر له، ورُدّ لأجل أنه يمكن أن يكون يحنو على العاق ويرحمه، ويخشى عليه الفقر يعد موته لسبب سوء سيرته وتدبيره.
وقد اختلف أيضًا في الإقرار إذا تطرقت إليه التهمة من جانب وارتفعت من جانب آخر.
مثل أن يقر بدين لزوجته ووارثه ابن عمه، فإن العادات تشهد بإيثار الزوجة على ابن عمه.. ولو أقر لابن عمه لمضى ذلك له، لكون الزوجة آثر
عنده من ابن عمه.
فلو انضاف إلى هذ ابن ت للمقر فإنه اختلف في نفوذ إقراره لزوجته.
فقيل: يرد إقراره لأن الإقرار لها ينقص ميراث ابن عمه فيتهم بقصده تفضيلها على ابن عمه.
وقيل: بل يقضي هذا الإقرار لكون ابنته التي هي آثر عنده من زوجته يلحقها من هذا الإقرار انتقاص من حقها أيضًا ومن مقدار ميراثها.
فما يلحقها من الضرر في هذا الجانب يرفع التهمة من الجانب الآخر وهو قصد الضرر بابن عمه.
وكذلك لو أودع ولده وديعة ببينة ثم أقر في مرضه أنه أخذها منه من غير بينة تشهد للودد بالردّ، فإنه قد قيل: إقرار الأب مردود لأن دعوى ردّ الوديعة المأخوذ ببينة لا يقبل إلا أن يقيم الذي ردها بينة تشهد بردها فكانه أبرأه مما لا يصدقه الشرع في البراءة منه.
وقيل: بل ينفذ هذا الإقرار لأن الولد لو ادّعى ضيعها لقبل ذلك منه بغير بينة، فترتفع التهمة في هذا الجانب الآخر أيضًا وإن ثبت من جانب سواه كما صورناه.
وهذا على إحدى الطريقتين لأن قول المودع مقول 1 في الرد بغير بينة لقدرته على ادعاء الضياع فيصدق على ما يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وهذا كله يشير إلى إشكال في كون الأصل إمضاء الإقرار حتى يتضح ما يوجب ردّه، أو الأصل ردّه حتى يتضح ما يوجب إمضاءه.
وقد ذكر في المدونة أن أصل قول مالك والذي يعتمد عليه في هذا اعتبار التهمة فإذا ظهرت ردّ الإقرار.
وظاهر بعض الروايات كون الإقرار ماضيًا حتى تظهر تهمة فيه.
وكذلك الإقرار في المرض بدين لصديق ملاطف تعتبر فيه أيضًا التهمة.
وهي تتصور بأن يكون عليه دين ببينة لقوم أباعد من القرابات فيتَهم أيضًا أن يؤثر صديقه عليهم.
ولكن ذهب ابن عبد الحكم إلى إمضاء إقراره للصديق الملاطف وإن كان ورثته أباعد.
وذهب أحمد بن ميسر في هذه المسألة إلى اعتبار حال المقرّ في اعتقاده ودِينه: فإن كان يعتقد التأثيم في ذلك فقصده التوليج 1، وهو من أهل الدين والصلاح، فإن إقراره نافذ.
ولو كان من 2 الأباعد بنت لهذا المقر لجرى ذلك على الاختلاف الذي قدمناه من كون التهمة تتصور من جانب هروبه بماله من عصبته الأباعد، وترتفع من جهة ما يلحق ابنته من انتقاص فرضها.
وقد اختلف في أحد الأبوين إذا.
أقر بدين لصديق ملاطف: هل يتهم لإيثار الصديق عليهما بماله، على حسب ما ذكرناه في كتاب الوصايا الأول من المدونة أو لا يتهم في ذلك، كما ذكره في الموازية، وهو الأشبه في مقتضى العادات.
وإذا رددنا إقراره لصديقه الملاطف لتصور التهمة التي بناها 3 فإنه يجري في ذلك مجرى اختلاف من وجه آخر وهو ارتفاع التهمة يكون ما أقرّ به للصديق الملاطف يقدر على أن يعدل عن الإقرار به ويجعله وصية له، فلا يكون لأحد رذه.
فإذا تصورت التهمة من جانب وارتفعت عن هذا الجانب اللاحق وهو قدرة المقر على أن يجعل ذلك وصية لصديق فلا ترد.
وهذا كما ذكرناه في المكاتب إذا أقر في مرضه أنه قبض كتابته واتهم في ذلك فإنه إذا كانت الكتابة تخرج من ثلثه نفذ إقراره، وعجل عتقه، لارتفاع التهمة في هذا الإقرار بالقبض، أن يجعله وصية فلا يرد.
ويتخرج أيضًا على قول آخر: إن هذا الإقرار، وإن لم يحمل جميعَه الثلث، فينفذ منه مقدار ما حمله الثلث.
ويكون ذلك على التخريج الأول من رأس المال لأن الديون إنما تقضى من رأس المال.
وهذا التخريج الثاني مما ذكره في المدونة في كتاب العتق في إقراره بتعيين من أعتق أن فضلة قيمته تكون في الثلث، فلا يخرج هذا إلا من الثلث.
وجميع ما صورناه من التهمة في إقرار بدين في المرض يتصور في إبراء المريض من ديون له أيضًا وجميع أيضًا 1 ما ذكرناه مما يوجب رده التهمة فإنه إذا ظهر ما يدل على صدق المقر له على الجملة دون التفصيل نفذ الإقرار، كما قال في الأخت المقرَّ لها بدين فرد إقراره، قال: ألا يعلم أنها كانت تقتضيه منه في صحته.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
إذا أقر أحد ولدي الميت على أبيه بألف درهم، ولم يترك الميت الألفي 2 درهم ولا وارث له سوى ولده المقر بهذا وولد آخر وهو منكر لهذا الإقرار، فعن مالك في هذا روايتان:
إحداهما أن هذا المقر لا يلزمه إلا إذا 3 نصف هذا الدين الذي أقر به، يدفع ذلك للمقر له مما ورثه عن أبيه، وقد ورث ألف درهم، وورث أخوه الألف الآخر.
فماذا سقط الدين على الألفين ناب كل ألف منها خمس مائة درهم، والمقر إنما في يده نصف التركة وهو ألف درهم، فعليه منها نصف الدين وهو خمس مائة درهم، ويبقى في يده خمس مائة درهم يرثها، ويُحيل
المقر له على أخيه فيستحلفه على الخمس مائة درهم التي بقيت من دينه إن تمادى على جحوده.
هذه رواية ابن القاسم عن مالك وبها أخذ ابن القاسم وإليه ذهب أبو حنيفة.
وروى أشهب عن مالك أن المقر له يأخذ جميع دينه من الألف التي هي جميع ما ورثه المقر.
وبهذه الرواية أخذ أشهب.
وإليه ذهب الشافعي.
ومشاهد 1 الخلاف اعتبار الموجود من هذه التركة الذي أخذه الولد المنكر للدين: هل يقدر ذلك كالجوائح التي تطرأ على بعض التركة، كغصب بعضها، أو ذهابها بأمر من الله سبحانه.
فإن الدين ينحصر إلى ما بقي منها، فلا ميراث إلا ما فضل عن الباقي منها بعد الجوائح.
فيقدر أن ما أخذ الولد المنكر للإقرار لما ظلم في أخذه، صار كذهاب بعض التركة بالغصب، فتعين قضاء الدين مما فضل عن الغصب، ولا يستحق أحد فيها ميراثًا إلا بعد قضاء الدين كله.
ألا ترى أنه لو قامت بينة بالدين، ووجد الغريم الذي له الدين بعض التركة في يد بعض الورثة، وبقيتها قد أتلفه من أخذه من الورثة، وهو فقير، فإنه لا خلاف أن يؤخذ الدين كله من جميع الموجود في يد الوارث الحاضر، ويصير ما أخذه الوارث الآخر كأن الميت لم يتركه، فيتعين قضاء الدين من الموجود الذي اختص به الوارث الحاضر المليء.
فكذلك يجري حكم الإقرار مجرى حكم إقامة البينة.
وأما الرواية الأخرى فقد أشار إلى تعليلها بأنه لو أخذنا المقر بجميع الدين، ونزعنا جميع ما في يديه، لم يقر أحد من الورثة بدين على أبيه، لأجل أنه يؤخذ منه جميع ميراثه فيه ويبقى بلا ميراث دون غيره من الورثة.
فاقتضت
المصلحة على هذا المذهب تسهيل باب الإقرار بالحقوق على الورثة، فإذا علم الوارث أنه لا يؤخذ منه إلا مقدار ما ينوب ميراثه من الدين إذا قسط الدين على ما في يد المقر ويد غيره خف عليه الإقرار وانتصل 1 من هذا الحق.
وإذا علم أنه يؤخذ من يديه ما يُستحق عليه منه وما يستحق على بقية الورثة هرب من هذا الإقرار وكان هذا من الدواعي المعينة على جحد الحق.
وهذا كما يقال: إن شاهد الزور إذا أقر أنه شهد بالزور لم يعاقب، إذ لو عوقب لم يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بالزور، فكانت المصلحة تقتضي رفع حق الله سبحانه ها هنا في العقوبة على شهادة الزور، كما كانت المصلحة تقتضي ألا يؤخذ المقر من الورثة إلا بما ينوبه ويسقط حق المقر له لأجل هذه المصلحة أيضًا.
وإن كان الموجود من المال بيد الوارث الذي يعتقد أنه ليس بغاصب له ولا ظالم في جحوده الدين، على ظاهر ما يقول يقدر كأنه موجود لم يقسم فيكون قضاء الدين مقسطا على جميع المال، وعلى ما في يد كل وارث إذا كان جميعهم حضورًا أملياء.
وإذا وجد التقسيط كان الجاحِد من الورثة كأنه انفرد بالظلم من إمساك حق هذا المقرّ له.
وقد اعتمد بعض البغداديين من أصحابنا على القياس على الوصية فقال: اتفق على أن أحد الورثة إذا أقر بوصية من أبيه لرجل فإنه لا يؤخذ بجميعها مما في يديه، بل من ثلث ما في يديه، حتى كأن التركة حاضرة لم تقسم، فيكون الثلث مقسطًا على جميعها.
وسنتكلم نحن إن شاء الله تعالى على طروء موصىً له على أحد الورثة وكيف تكون مقاسمته له في كتاب القسم.
وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر بين ابن القاسم وأشهب في مسألة وارثين شهدا بأن أباهما أعتق عبدًا له معيَّنًا، وهو مقدار ثلث التركة، فردّت شهادتهما للتهمة في جرّ ولأنه، إن كان ممن يرغب في ولأنه، وجازت شهادة الأجنبيين
بالوصية بالثلث، فأخذ الثلث الموصى له بثنث المال، وصار العبد بالمقاسة إلى الوارثين.
فمذهب ابن القاسم أنه يعتق ثلثا العبد عليهما، وثلثه الباقي قد طرأ الغصب عليه فيه، وقد أخذ المشهود له بثلث المال بناء على أن الموجود من المال كأنه باق لم يقسم.
وذهب أشهب إلى أنه يعتق عليهما جميع العبد، بناء على أصله الذي قدمناه من وجوب أخذ الدين كله من يد المقِرّ من الورثة.
وسنبسط الكلام على هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرناه من إقرار أحد الولدين على أبيه، والولد الآخر منكر، إنما يكون الحكم فيه ما ذكرناه إذا كان المقر غير مقبول الشهادة، لعدم العدالة، أو لكونه سفيها في ماله لكنه عدل، على أحد القولين في منع قبول شهادة السفيه وإن كان عدلًا.
وأما على القول بقبول شهادة السفيه إذا كان عدلًا في غير ما فيه إتلاف ماله فإن المقر له يحلف مع شهادة الولد، ويستحق جميع الدين، لأن من قام له شاهد بمال على ميت حلف مع شهادته واستحق جميعه.
وإذا كان الشاهد سفيهًا لكنه عدل، وقُضي بأحد القولين في قبول شهادته، فإنه ها هنا إذا حلف المقرّ له مع شهادة المقر أخذ جميع دينه من الأخ الجاحد للدين، ويصير ذلك كالدين: إذا ثبت ببينة فإنه لا يختلف في أخذ الدين كله مما في يد أحد الورثة، سواء كان جاحد للدين أو مقرًا به.
فكذلك ها هنا إذا حلف مع شهادة الولد العدل السفيه استحق جميع الدين.
ولكن لا يؤخذ ذلك من يد هذا الشاهد السفيه العدل؛ لأنه كالإتلاف لماله بإمضاء إقراره لما يؤدي إلى تلفه.
واليمين ها هنا مع شهادة المقر تتضح فائدته 1 عندي على طريقة ابن القاسم في أنه لا يؤخذ من المقر إذا كان مردود الشهادة إلا مقدار ما ينوبه من الدين، وإذا كان
ممن تقبل شهادته أفاد المقرَّ له اليمينُ مع شهادة المقر بأن يأخذ دينه كله ويرجع على الوارث الجاحد.
وأما على طريقة أشهب، الذي يرى أنه يأخذ الدين كله مما في يد المقر فإن هذا مما ينظر فيه لكون هذا المقر له لا فائدة في يمينه إذا وجد طريقًا إلى أخذ جميع دينه من يد المقر.
فكانه إنما يحلف لإفادة غيره، وهو هذا المقرّ يفيده أن يرجع إلى أخيه، وينفي عن نفسه المطالبة بما وجب عليه.
وهذا بيان الحكم في إقرار أحد الورثة بدين في ذمة أبيه.
وأمّا لو أقر باستحقاق رجل عرضا من تركة أبيه مثل أن يترك عبدًا فيقول أحد الولدين: هذا العبد لفلان وليس لأبي.. فإن نصيب هذا المقر يُقضى به للمقر له، لكون المقر يعتقد أنه لا يحلِ له أن يرثه عن أبيه لكون هذا المقر له يستحقه.
ولا يقضي إقراره هذا في نصيب أخيه إذا لم يكن عدلًا ممن يحلف المقر له مع شهادته، ويصير العبد نصفين بين الولد الجاحد لهذا الإقرار، وبين المقر له.
ولو كان الأب ترك عبيدًا جماعة، فقد قيل: الحكم ما ذكرناه، وليس للمقر له سوى نصف العبد المقر له به.
وهو ظاهر كتاب الوصايا في المدونة، لأنه ذكر أن الميت ترك عبيدًا كثيرة، وأطلق الجواب بما ذكرناه.
وقيل: إذا لم يسلم المنكر لهذا الإقرار فإنه يكون جميعه له، ويرجع المقر له على المقر بمقدار ما زاد نصيبه في القسمة، عوضًا عن نصيبه في هذا العبد سلم، ويصير كمن باع عبدًا لغيره، فإن عوض العبد المبيع عليه العبد وإن صار بالقسمة إلى المقر أخذ جميعه المقر له لاعتراف من صار له بالقسمة أنه قد صار إلى يديه جميع العبد، وليس لأبيه فيه ملك ولا شركة في ملك، وإنما ملك جميعه هذا المقر له) 1.
ولا يلزم أن يتخرج في هذا الخلاف المشهور فيمن فدى من أيدي اللصوص شيئًا أنه يستحق على مالك الشيء المفدى ما فداه به، إن شاء ربه أخذه، لأنه لولا الفداء ما وصل إليه رَبُّه إن 1 الفادي لمال غيره دخل في ذلك باختياره، وقدر أنه من حسن النظر لرب المال، وهذا الولد المقر إذا صار إليه جميع العبد الذي أقر أنه لغير أبيه فنصفه الذي يستحق ميراثه أخوه المنكر لهذا الإقرار، وإن كان هذا المقر قد دفع عنه عوضًا من ماله حتى خلص جميعه إليه فإنما هذا إنما هو بالجرّ، وحكم الشرع يوجب القسمة ولم يدفع عوضًا باختياره ليفديه لصاحبه، بل أخوه عنده في حكم الغاصب الذي غصبه نصف هذا العبد بدفعه لأخيه المقر، وأخذ من مال أخيه عوضه.
والغاصب إذا غصب للإنسان سلعة، ودفع إليه سلعة أخرى عوضها، وجبره على ذلك كله، فإن السلعة المدفوعة لهذا المغصوب منه سلعة يستحقها صاحبها إذا كانت مغصوبة أيضًا من غير أن يدفع عنها عوضًا، فيبعد الخلاف في هذا الذي يقدر أنه فدى لما كان بالجبر والإكراه، ويحسن الخلاف فيما كان بالاختيار.
ولو فدى فاد شيئًا مما كان في يد أهل الحرب، وأخذوه في غنائم المسلمين، لرجع بما فداه لأنه كالمشتري له من قوم يستحلون في شرعهم تملكه، على ما بسطنا حكمه في كتاب الجهاد.
والجواب عن السؤال الحادي عشر 2 أن يقال:
إقرار الوصي على من في ولأنه بحق فيما تولى المعاملة لهم فيه، فيقبل قوله فيما أخذه من غرمائه أو باع منهم أو اشترى؛ لأن الشرع أقامه مقام أبيهم، وأبوهم أقام الوصي مقام نفسه.
وكذلك أقام الشرع آباءهم مقام أنفسهم، لو كانوا بالغين رشداء لعجزهم عن النظر لأنفسهم، فجعل ذلك لأبيهم، وليس لأبيهم ولا لوصيهم أن يدعي على أحد بدعوى توجب لليتامى مالًا لم يثبت.
والوصي والأب كالأجنبيين لا علاقة بينهما وبين اليتامى.
لكن ما تولى الوصي المعاملة فيه فله المطالبة به والدعوى، لأن فعله يقوم مقام فعل اليتامى بأنفسهم.
ولو ادعى اليتامى لأنفسهم، وهم رشداء لمكنوا من ذلك.
وكذلك من أحله الشرع في محفهم ونائبًا عنهم.
فلو قال الوصي: قبضت مالًا من الغريم لليتامى من سلف أسلفه أبوهم في حياته، أو ثمن سلعة باعها في حياته، لم يقبض بذلك على اليتامى، وإنما يكون شاهدًا لمن عليه الدين، من سلف أو بيع، فإن كان عدلًا حلف معه الغريم، وبرىء من الديون التي كانت للأب.
وإن لم يكن عدلًا، وردت شهادته، لم يبرأ الغرماء من الديون التي كانت للميت عليهم.
وكذلك لو كان الوصي عدلًا، ونكل الغرماء على اليمين مع شهادته، لم يبرأوا أيضًا من الدين.
واختلف هل يلزم الوصي إذا قبض هذا المال من الغرماء لليتامى أن ينظر فيه كما ينظر في غير ذلك من أموالهم أم لا؟ فقال: ليس ذلك عليه، لاعتقاده أنه أخذ ظلمًا وعدوانًا، ممن هو برىء منه.
فمقتضى قوله: يبرأ الغريم، أنه لا يحل له النظر لليتامى فيما أخذلهم من ذلك.
وقيل: بل يَنظر فيه كما ينظر فيما سواه من أموالهم التي هي على ملكهم بالوجه الواضح، لأنه قد التزم النظر في مإل هؤلاء اليتامى وصيانة مالهم فليس له التخلص من ذلك بعد التزامه وموت أبيهم الموصي عليهم، بل يتهم في هذا الاعتراف ببراءة الغريم أن يكون أراد التخفيف عن نفسه، وإسقاط المشقة عنه، في تكلف صيانة هذا المال وحفظه والنظر فيه.
وأما إقراره بأنه باع لهم سلعة كذا واشتراها، وأخذ أثمان ما تولى بيعه من أموال اليتامى فإن قوله في ذلك مقبول ما دام اليتامى في ولايته لم يرشدوا ويكون هذا الإقرار كإقرار اليتامى على أنفسهم وهم رشداء كما قدمناه.
وأما لو كان إقراره بقبض هذه الديون التي عامل بها من أموال اليتامى، فإن المذهب على قولين في الاكتفاء بمجرد إقراره:
ففي الموازية أنه لا يكتفي بذلك دون أن يحلف الغرماء الذين أبرأهم الوصي مع شهادتهم بإبرائهم إن كان عدلًا.
وهذا كنحو ما ذكر في المدونة في إقرار أحد الشريكين المتفاوضين بعد موت شريكه وانقطاع المعاوضة بالموت:
أن السلعة التي في يد فلان رهناها في كذا وكذا دينًا استدناه، فإنه جعل الشريك ها هنا شاهدًا أيضًا، مع كونه أضاف هذا الإقرار إلى من كان مقبول القول فيه على شريكه، ولكنه وقت إيقاع هذا القول لم يكن مصدقًا على شريكه.
وهذا على نحو ما اختلف في شهادة الحميل وعلى نحو ما اختلف في الوكيل على بيع سلعة إذا أقر بعد بيعها بفساد البيع، لأنه أضاف هذا الإقرار وأسنده إلى زمن كان فيه وكيلًا، ولكنه لم يُسمع منه إلا الآن في زمن انقطعت وكالته فيه.
وكذلك الوصي وقع منه هذا القول مسندًا إلى زمن كان مقبول القول فيه، ولكنه وقع منه هذا القول في زمن صار غير مقبول القول فيه.
وذهب سحنون إلى أن الوصي مصدق في ذلك.
هذا المذهب بناء على إحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما.
وقد اختلف في العامل بالقراض إذا قال بعد المعاملة: نسيتُ النفقة.
هل يصدق أم لا؟ وهو لو قال ذلك في زمن لم ينفصل فيه من رب المال لصُدِّق أيضًا 1. وإذا ادعى الوصي أنه دفع ما على الأيتام من ديون وخالفه مستحقوها، وأنكروا أن يكون دفع إليهم شيئًا، فإن القول قولهم، إذ لا يبرأ من عليه دين بمجرد قوله: إني قضيته، إلاَّ ببيّنة أو دلالة عادة.
ويضمن ذلك لليتامى، لكونه فرض 2 إذا قضى ديونهم بغير إشهاد على مستحقها.
فإن اعتذر بأنه قد أشهد ولكن الشهود غابوا أو ماتوا أو قسموا 3.
فإن أشهب لم يقرره 4، ورأى أن الأصل عدم الإشهاد، وإنما يبرأ الوصي بالإشهاد.
فظاهر فعله التعدي، ودعواه رفع التعدي لا يقبل منه بإثباتٍ
استصحابًا لحال الأصل في عدا 1 الشهادة.
ورأى سحنون أن الزمن إذا طال حتى يمكن ما قال، فإن قول الوصي مقبول.
ورأى أن الأصل براءة الذمة فنحن نستصحب حال براءة ذمته ولا نعمرها بالشك، هل صدق أم لا؟ وإذا كان الوصي عالمًا بان على الميت دينًا وخفي، له أن يقضيه ويسدده من غير أمته 2، إذ لا بينة تشهد بصحة الديون سواه، فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى أن يفعل ذلك فإن شهد به عدول عند قاض وحكم به، وجب عليه الدفع، وإن أراد الاقتصار على سماع الشهادة بنفسه وقبولها لتحققه عدالة الشهود دون الرفع إلى القاضي، فإن أشهب يسوغ له ذلك، قال: والثقة أن يرفع إلى القاضي.
وهذا لأن اليتامى لو بلغوا وجرحوا الشهود وسقطت شهادتهم، ووجب لهم استرجاع هذا المال، كان للوصي أن يسترجعه أيضًا إن ضمنّوه إياه.
وبعض الأشياخ مال إلى أنه لا يجب على الوصي ضمان في هذا المال؛ لأن القاضي لو رفعت إليه الشهادة لم يعذر فيها إلا الوصي، فإن سلمها أنفذ القضاء إذا كان الشهود عدولًا.
فلأجل انحصار هذا الأمر إليه، وإن رفع إلى القاضي، ينبغي ألاّ يتعلق به ضمان ما دفعه على هذا الوجه.
وقد ذكرنا في كتاب المديان مسائل تتعلق بأحكام الهبة واشتراط الحوز في إمضائها، وذكر منها أنه من استقرض دنانير ثم وهبها قبل قبضها لآخر، وذكر الخلاف في هذا إذا وقع الموت قبل الحوز.
وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق لغير الموهوب.
كما اختلف فيمن وهب سلعة فلم تقبض منه حتى باعها الموهوب له ثم مات الواهب: هل تبطل أم لا؟ وسبب الخلاف كون هذه الهبة يتعلق بها حق المشتري بها 3 بعوض، والمعاملات بعوض لا يبطلها عدم الحوز.
وكذلك لو
كان الأول مستقرها 1 والثاني مستقرضًا أو كان الأول موهوبًا له والثاني موهوبًا له، فإن الخلاف جار على ما ذكرناه.
لكن في فروع هذا الباب ما ينبغي أن يلتفت فيه إلى حلول القرض بموت من هو عليه وإن كان مؤجلًا، حتى يؤخذ من تركته، إلى غير ذلك مما سنبسط أصوله في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى وذكر في المدونة أيضًا أن من ضمن عن ميت دينًا لزمه الضمان.
قال: وإن علم أنه فقير ثم طرأ له مال فإنه لا يرجع عليه".
لأن الضمان عن هذا المعتقد فقده على جهة الحسبة.
ولو كشف الغيب أن له مالًا خفي عن الضامن، فإن بعض الأشياخ اختار تمكينه من الرجوع فيه، لأنه لو علم به لما ضمن ذلك عنه على أن لا يرجع عليه به.
ولو أتى المديان من عليه 2 الدين ببعض دينه، وهو معسر ببقيته، للزم صاحب الدين قبوله منه.
ولو كان موسرًا فامتنع من له الدين من أخذه إلا كاملًا، فإن ظاهر إطلاق قول مالك في هذه المسألة خير 3 من له الدين على قبول ذلك.
وقال ابن القاسم: إنه لا يجبر على ذلك.
وهذا يلتفت فيه إلى هذا التبعيض في القضاء: هل يلحق من له الدين فيه ضرر أم لا؟ ويلتفت أيضًا إن ثبت الضرر إلى ما جرت به العادة في مثل هذا.
والله أعلم.
تم كتاب الحجر والتفليس بحمد الله تعالى.
شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري 453 - 536 1061 - 1141
الجزء الثالث المجلد الثاني
تحقيق سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي
دار الغرب الإِسلامي تونس
دار الغرب الإِسلامي جميع الحقوق محفظوظة الطبعة الأولى- 2008 م
دار الغرب الإِسلامي
العنوان: ص. ب: 200 تونس 1015
جميع الحقوق محفوظة.
لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسحيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثالث المجلد الثاني