الأولى.
وكلامه هذا يشير عندي إلى سقوط إيجاب صلاة الجمعة عنه على الإطلاق إذا كان فرضه الظهر خلاف ما حكيناه عن الجماعة من إيجاب الجمعة عليه بإدراك ركعة أو على التفصيل الذي ذكره سحنون.
وأما صاحبا أبي حنيفة فإنهما رأيا أن صلاة الظهر إنما تنتقض بفعل الجمعة.
والسعي خارج عن فعل الجمعة، وإنما هو كالشرط مثل الطهارة وما في معناها ولا يكون مجرده 1 مبطلًا لما تقدم من الصلاة.
وأما أبو حنيفة، فلأنه لما رأى السعي واجبًا في هذه الصلاة الأولى دون غيرها من الصلوات صار ذلك من خصائصها.
وإذا صار من خصائصها صار كفعل من أفعالها فتبطل به الصلاة الأولى كما تبطل بفعل الجمعة.
وإذا وضح هذا الذي قلناه في صلاة المعذور قبل صلاة الإِمام.
فلو صلّى غير المعذور الظهر قبل صلاة الإِمام فقد اختلف الناس في ذلك.
فأكثر أصحابنا على أن من صلى الظهر قبل الإِمام يوم الجمعة فإنه يعيد صلاته وإن فاتته الجمعة.
سواء فعل ذلك غفلة أو مجمعًا على ترك الجمعة إذا أوقع صلاته في وقت لو مضى لأدرك ركعة من الجمعة.
وقال ابن نافع إذا صلى قبل الإِمام وهو لا يريد الرواح فلا يعيد.
وكيف يعيدها أربعًا وكذلك صلّى؟ وقال ابن وهب فيمن صلى في بيته الظهر والإمام يخطب فليمض وليصل معه.
فإن جاء وقد فرغ الإِمام أجزأته التي صلّى في بيته.
واختلف قول الشافعي.
فقال في الجديد: ما حكيناه عن أكثر أصحابنا أن صلاته لا تصح.
وبه قال أحمد وإسحاق وزفر.
وقال في القديم تصح صلاته ويجب عليه حضور الجمعة فإذا صلّى 2 احتسب الله له بايتهما شاء.
فإن فاتته الجمعة أجزأته الظهر التي صلاها.
قال أبو حنيفة تصح صلاته.
فإن سعى إلى الجمعة بطلت، وإن لم يسْع إلى الجمعة أجزأته.
وقال صاحباه تصح وتبطل بالإحرام للجمعة.
وسبب هذا الاختلاف هل الفرض حينئذ الظهر ويلزم إسقاطها بالجمعة أو الفرض الجمعة.
فإن فأتت انتقل الفرض إلى الظهر، فإن قلنا: الفرض الظهر.
ويلزم إسقاطه بالجمعة صحت الصلاة ها هنا.
وإن قلنا الفرض الجمعة لم تصح الصلاة
ها هنا 1. قمن يقول الفرض الظهر.
على صفة ما ذكرنا يحتج بالقياس 2 على سائر الأيام، وبدليل أن الجمعة إذا فأتت انتقل إلى الظهر.
فلو لم يكن الوقت للظهر لما انتقل إليه.
ومن يقول الفرض الجمعة يحتج بالإجماع على أن المكلف غير غير نجين فعل الظهر والجمعة إذا تكاملت فيه شروط الجمعة.
بل هو منهي عن فعل الظهر.
ومن المحال أن يكون ما نُهي عنه واجبًا، فكيف يقال ما قاله أصحاب أبي حنيفة أن الزوال سبب لوجوبين الظهر والجمعة، إلا أنه مأمور بأن يختار فعل الجمعة وأن يرفع بها وجوب الظهر، فإن لم يفعل حتى فأتت الجمعة عاد إلى أصل وجوب الظهر.
فإن صلى الظهر حينئذ لم يكن النهي عنها عائدًا لنفس الصلاة بل لاشتغاله بها عن الجمعة.
وإذا لم يكن النهي عائدًا إليها بل لكونها مشغلة عن صلاة الجمعة لم يمنع الاعتداد بها.
وهذا الذي قاله مبني على ما لا حقيقة له، لأنه إذا اجتمعت الأمة على أنه غير مخيّر بين الظهر والجمعة وكان فعل الظهر حينئذ منهيًا عنه استحال أن يقال إن الوقت جاء بوجوب فعل.
لكن هذا الفعل منهى عنه ولا يجوز فعله.
وهذا تناقض في الحقيقة.
وفي هذا الذي أوردنا في أحكام الجمعة كفاية.
باب في صلاة الخوف
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله قولنا: صلاة الخوف عبارة عن صفة أداء الصلاة في حال الخوف.
وهي الصلاة تحضر والمسلمون متصدون 1 لحرب العدو فيَقْسم الإِمام العسكر فريقين.
فريق يصلي معه والآخر بإزاء العدو فيصليها بأذان وإقامة ويصلي بالطائفة التي معه نصف الصلاة 2 فإن كانوا في حضر وكانت ظهرًا أو عصرًا أو عشاء صلى بهم ركعتيين، فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثالثة.
وفي رواية يشير إليهم فيتمون لأنفسهم ما بقي عليهم من الصلاة.
وإن كان في سفر فإذا رفع رأسه من سجود الركعة الأولى وقام إلى الثانية أخذوا في إتمام صلاتهم فإذا فرغوا مضوا فكانوا مكان 3 الفِرقة الأخرى ثم جاءت تلك فيصلي بهم باقي 4 تلك الصلاة من ركعة أو ركعتين ثم يسلم بهم، 5 ثم يتمون بقية صلاتهم وفي المغرب يصلي بالأولى ركعتين ثم يشير إليهم بعد فراغه من تشهده في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى يقوم إلى الثالثة ويصليها على 6 ما كان يصليها قبل ذلك من جهر أو إسرار، وهذا مع التمكن 7. فأما إن اشتد خوفهم ولم يمكّنهم العدو أو كانوا في حال المسايفة صلوا بحسب الإمكان.
قال الفقيه الإِمام - رضي الله عنه -: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة: منها أن يقال:
1 - ما معنى قول القاضي أبي محمَّد إنها عبارة عن صفة أداء الصلاة؟.
2 - وما الدليل على أن حكمها باق إلى الآن؟.
3 - وهل تصلّى في الحضر؟.
4 - وهل يتفق الإِمام والمأموم في الفرض؟.
5 - وما الدليل على اختيار الصفة التي ذكر؟.
6 - وما الحكم إن خولفت تلك الصفة؟.
7 - وما الحكم إن ارتفع الخوف في أثنائها؟.
8 - وما حكم صلاة الخوف بالمسايفة؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تنبيه القاضي أبي محمَّد على معنى هذه العبارة فإنما ذلك لأن الغالب على إطلاقات عرف الشرع أن الصلاة إنما تضاف لسبب يوجبها لا لسبب يغير أداءها.
ألا ترى 1 أن المراد بقول المسلمين: صلاة الصبح أي الصلاة الواجبة بالصبح.
وكذلك في الظهر إلى بقية الصلوات الخمس: فلما كانت هذه الإضافة تقع غالبًا نسبة إلى أسباب الوجوب وقد تقع نسبة إلى غير سبب الوجوب كما يقال صلاة المزدلفة وصلاة عرفة وصلاة المسافر.
وهذه أوصاف إضافات تشعر بتغير وقع في أداء الصلاة لا في إثبات وجوب لم يكن، نبه القاضي أبو محمَّد على هذه الصلاة من أي النوعين هي لئلا يظن ظان أن هذه الإضافة إلى الخوف المراد بها صلاة وجبت لأجل الخوف وليس الأمر كذلك.
لأن الخوف لم يوجب صلاة لم تكن وإنما هو سبب في تغيرها.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: صلاة الخوف باق حكمها إلى الآن عند فقهاء الأمصار خلافًا للمزنى وأبي يوسف في مصيرهما إلى انقطاع حكمها.
وإن اختلفت طريقتهما.
فرأى المزني أنها منسوخة.
ورأى أبو يوسف أنها كانت من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فأما المزني فاحتج بأنه عليه الصلاة والسلام أخّر يوم الخندق أربع صلوات ولم يصل صلاة الخوف.
وأجيب عن هذا بأنها لم تكن نزلت يوم الخندق أو بأنه لم يتمكن من إقامتها على حسب ما سنذكره في صلاة المسايف.
وأما أبو يوسف فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1. فشرط في إقامتها كونه عليه الصلاة والسلام موجودًا يقيم الصلاة.
وهو الآن - صلى الله عليه وسلم - ليس بموجود يقيم الصلاة.
فلم يصح أن تصلّى لفقدان الشرط.
فأجيب عن هذا بأنه لم يقصد بالآية تخصيصه لهذا الحكم - صلى الله عليه وسلم - وإنما القصد بها تعليمه وتعليم أمته صفة هذه الصلاة.
وقد قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
وخاطب أمته بفعل صلاة، فلا يكون هذا تصريحًا بقصر 2 ذلك عليه الصلاة والسلام.
وقد أنكرت الصحابة رضوان الله عليهم حجة من احتج من مانعي الزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ 3. وإن هذا خطاب بالأخذ يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس لغيره أن يأخذها.
ورأت الصحابة أن هذا لا يكون تخصيصًا.
وأن من بعده يؤمر بمثل ما أمر به.
ويرد قوليهما جميعًا، أن عليًا، رضي الله عنه صلى ليلة الهدير 4 صلاة الخوف.
وصلّى أبو موسى بأصحابه.
وكان سعيد بن العاصي على جيش حرب طبرستان، فقال: أيكم صلّى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا.
فقدمه فصلّى بهم صلاة الخوف، ولم يظهر 5 أحدٌ من الصحابة خلافًا في ذلك.
فصار هذا كالإجماع على رأي بعض أهل الأصول.
وأيضًا فإن من المصلحة الاجتماع على إمام واحد، وإظهار فضيلته بالاجتماع عليه.
فإذا صلى طائفتان بإمامين، فصلى كل طائفة الصلاة التامة على مذهب أبي يوسف بطلت هذه الحكمة والمصلحة، التي في الاتفاق على إمام واحد.
فإذا وضح ما قلناه في أن حكم صلاة الخوف باق إلى الآن،
فأداؤها على الصفة المذكررة عند ابن المواز توسعة ورخصة.
على أن الأحب إليه أن تصلّى كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: ولو صلوا بإمام واحد وبعضهم بإمام، وبعضهم أفذاذًا كانت صلاتهم جائزة.
قال بعض أشياخي: ومقتضى هذا جواز صلاة طائفتين بإمامين لأنه لو كان علة اجتماع الكل على إمام واحد أن لا يخالف على الأئمة ما جاز أن يصلي بعضهم أفذاذًا.
لأن ذلك غير جائز لمن جمعه مع الإِمام المسجد.
وهذا الذي قاله شيخنا مخالف لما ذكرناه من تعليل بعض الناس 1 بثبوت صلاة الخوف إلى الآن لأن الاجتماع على إمام واحد هو المصلحة إلا أن يريد المعلل بذلك تعليل جواز إقامتها على الصفة المذكورة، أو تعليل استحباب ذلك فيكون غير مخالف لما قاله شيخنا لأنه إنما تكلم على ما يجوز لا على ما يستحب.
على أن 2 في إلزامه لابن المواز ما ألزمه نظر.
لأن افتراق الأئمة وإظهار جماعتين، وإمامة 3 إمامين ربما كان أثقل من تأخر بعض الناس عن الصلاة عن الإِمام وعدوله عن ذلك إلى أن يصلي وحده.
وقد تقع صلاة الخوف على صفة يكون المصلي فذًا، بمكان لا يكون حاله فيه كحال من ضمّه المسجد مع الإِمام فقد 4 لا يلزم ابن المواز ما ألزمه شيخنا.
وتقييد ابن المواز قوله بما ذكره، وإضرابه عن الصلاة بإمامين قد يشير إلى ما قلناه من أنه قد لا يرى الصلاة بإمامين كصلاة البعض بإمام، والبعض أفذاذًا.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما صلاة الخوف في الحضر فإن مالكًا رضي الله عنه أجازها كما يجيزها في السفر.
ومنع صلاتها في الحضر عبد الملك بن الماجشون وقال إنما تأولها 5 أهل العلم في السفر لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ 6. ورآها مقصورة على السفر لهذه الآية، وأنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها على هذه الصفة في السفر فصارت رخصة لا يقاس عليها.
وقد
كنا قدمنا اختلاف المفسرين وأهل العلم في هذه الآية وذكرنا ما قيل في هذين الشرطين وهي قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾.
ووسعنا الكلام هنالك على هذه الآية بما يغني عن إعادتها ها هنا.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما المأموم فإنه والإمام في صلاة الخوف سيّان في عدد ركعات الصلاة.
وقال الحسن وطاوس 1 ومجاهد يصلي الإِمام ركعتين وتصلي كل طائفة ركعة.
وروي ذلك عن ابن عباس ودليلنا الأخبار الواردة في صلاة الخوف وسنورد نصوصها بعد هذا وقد تضمنت صلاة كل طائفة ركعتين.
وأيضًا فإن الإِمام والمأموم لا يختلفان في شروط الصلاة فكذلك في عدد الركعات.
وأما المخالف فإنه يحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ 2. وظاهر هذا اقتصار المأموم على ركعة واحدة في صلاة الخوف لأنه أمر تعالى الطائفة الأولى أن تذهب للمدافعة عند سجودها ولم يوجب عليها أكثر من ذلك.
فاقتضى الظاهر اقتصارها على ركعة واحدة في صلاة الخوف.
وهذا غير مسلّم لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
فتأوله من يقول إن الطائفة الأولى تكمل صلاتها قبل الإنصراف على أن المراد به إذا صلوا الركعة الأخرى التي بقيت عليهم.
وعبّر عنها بالسجود.
لأنه قد يعبر عن الركعة بالسجود.
ويعضد هذا التأويل قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾.
فظاهره سجود ينفردون به.
وهذا هو السجود الذي يكمّلون به أفذاذًا ما صلوه مع الإِمام.
ويتأوله من يقول أنهم ينصرفون قبل الإكمال ثم بعد ذلك يكملون، على أن المراد به فليكونوا من ورائكم وهم في حكم الصلاة.
ويحتج هؤلاء المتأولون لهذين التأويلين بما ورد في الآثار من صفة صلاة الخوف.
وأما ما وقع في بعض الآثار فقد كنا قدمنا في صلاة المسافرين من أن صلاة الحضر أربع والسفر ركعتان والخوف ركعة.
فالمراد 3 ركعة تفعل مع الإِمام على أنها جملة ما يصلّى.
فإن قال المخالف بأن صلاة السفر لقا رُدّت
إلى النصف من صلاة الحضر لمشقة السفر، فكذلك صلاة الخوف تردّ إلى نصف صلاة المسافر لمشقة الخوف.
فيكون المسافر يتشطر صلاته للخوف كما شطرت صلاة الحضر لمشقة السفر.
قيل له قد أثبت الشرع لمشقة الخوف تخفيفأوهو تغيير الهيئة فلم تَعْرُ مشقة الخوف من إثبات تخفيف كما أثبت مشقة السفر تخفيفًا بسببها.
وإذا كان هذا هكذا وجعل الشرع التخفيف لمشقة السفر في العدد، والتخفيف لمشقة الخوف في الهيئة، فليس لنا أن نقترح عليه في تعيين التخفيف، وهذا يرد ما قالوه.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في المختار في صلاة الخوف.
فذهب مالك رضي الله عنه إلى أن الإِمام يصلي بطائفة شطر الصلاة ركعتين إن كانت حضرًا أو ركعة إن كانت سفرًا ويتم المأمومون لأنفسهم بقية صلاتهم ويكون الإِمام منتظرًا للطائفة الثانية.
فإذا أتم من خلفه وانصرف للقتال أتت الطائفة الأخرى وصلّى بهم شطر الصلاة وهو الذي بقى عليه: ركعتين إن كانت حضرًا أو ركعة إن كانت سفرًا.
واختلف قوله هل ينتظر الطائفة الثانية إذا فرغ من صلاته حتى تقضي ما فاتها فيسلم بهم أو يسلم هو منفردًا ثم يقضون بعد سلامه؟ وذهب أشهب إلى أن الطائفة الأولى إذا صلّى بهم الإِمام شطر صلاته فإنها لا تكمل بقية صلاتها.
بل تنصرف للقتال ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها ما بقي عليه من الصلاة ثم تكمل صلاتها وتنصرف ثم تأتي الطائفة الأولى فتقضي.
هكذا قال في مدونته، وإن كان قد نقل عنه خلاف هذا وأنه روى حديث ابن عمر، وفيه أن طائفة صلّت ركعة ثم تأخرت إلى جهة العدو من غير أن تسلم ثم أتت الأخرى فصلّي بهم الركعة الثانية وسلم.
ثم قامت كل طائفة فأتمت.
وإن أشهب أخذ بهذا الحديث.
قال ابن حبيب: فإذا اشتغلت الطائفتان بالقضاء صار الإِمام وحده فيه لهما 1 فحمل ابن حبيب على أشهب أنه ذهب إلى أن الطائفتين يقضيان معًا.
والذي نقلناه عنه أولى، وهو الذي في مدونته.
وقد نقل بعض أصحابنا البغداديين عن أشهب أنه يقول بقول أبي حنيفة.
ومذهب أبي حنيفة أن الطائفة الأولى إذا صلّت ركعة مع الإِمام
انصرفوا إلى جهة العدو وهم في الصلاة.
وأتت الطائفة الأخرى فصلّي بهم ركعة وسلم ثم تنصرف هذه الطائفة إلى العدو 1 وتعود الطائفة الأولى إلى موضع الإِمام فتصلي ركعة وتسلم (1) ثم تنصرف إلى العدو.
ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإِمام وتصلي ركعة وتسلم ورأيت في بعض كتب (1) أصحابه أن الطائفة الأولى لا تقرأ فيما تكمل به صلاتها.
والطائفة الثانية تقرأ فيه.
فجعل أبو حنيفة قضاء الطائفتين مرتبًا على حسب السبق تكمل 2 الطائفة الأولى صلاتها أولًا 3. ثم تكمل الثانية بعدها 4 وهذا لم ينقل عن أشهب وإنما نقل عنه ما حكيناه عن مدونته من أن الطائفة الثانية تكمل صلاتها وتنصرف ثم تأتي الطائفة الأولى فتقضي ما بقي عليها.
وما حكيناه مما أضافه ابن حبيب إليه.
وكلاهما خلاف ما حكيناه عن أبي حنيفة من 5 رتبة الإكمال.
وإنما الموافقة بينه وبين أبي حنيفة في أن الطائفة الأولى لا تكمل قبل فراغ الإِمام.
وأما الشافعي فإنه اختلف قوله: فأخذ مرة في الطائفة الأولى بمذهب مالك في أنها تكمل صلاتها قبل فراغ الإِمام.
وأخذ مرة أخرى بأنها لا تكمل إلا بعد الفراغ كطريقة أبي حنيفة وأشهب في ذلك على الجملة.
وأخذ مرة أخرى بأنه يصلي في السفر بكل طائفة ركعتين.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث.
فقد رويت في ذلك أحاديث كثيرة مشتملة على صفات مختلفة.
وقد ذكر ابن القصار أنه ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها 6 في عشرة مواضع.
قال والذي استقر عند الفقهاء: بطن النخيل، وعُسفان وذات الرقاع.
وقد أشار غير ابن القصّار أيضًا إلى كثرة الأحاديث
الواردة فيها.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الطائفة الأولى أتمت ثم انصرفت للقتال ثم أتت الطائفة الأخرى فصلّي بها.
واختلفت الرواة هل سلم بهم أو سلّم وحده؟ وعلى هذا الأثر عوّل مالك رضي الله عنه.
واختلف قوله في سلام الإِمام بالطائفة الثانية لاختلاف الرواة في ذلك.
وقال ابن عمر صلّى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة.
والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم.
وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة ثم سلّم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة 1. وبهذا الأثر أخذ أبو حنيفة وأشهب.
قال أصحاب أبي حنيفة: ما وصفناه من صلاة الخوف رواه ابن مسعود وابن عمر.
وأما القول الثالث الذي حكيناه عن الشافعي فقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى بكل طائفة ركعتين.
قال بعض أصحابنا إن ثبت الحديث حمل ذلك على أنه فعل ذلك في الحضر لأنه لم ينقل أنه سلّم من كل ركعتين.
وقال بعض أصحاب الشافعي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى بذات الرقاع بكل طائفة ركعتين.
والمراد به ركعة مع الإِمام وركعة في حكم صلاة الإِمام.
فهؤلاء حملوه على السفر وتأولوه عليه.
وما حكيناه من أصحابنا تأول الرواية مطلقة على صلاة الحضر.
وقد رجح أصحابنا ما تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ 2.
وظاهر هذا أنهم إنما يكونون من وراء الإِمام ومن معه إذا سجدوا سجودًا ينفردون به.
ولا يتصور ذلك إلا بما قلناه من أنهم يكملون الصلاة قبل الانصراف.
ولو كان المراد انصرافهم قبل الإكمال.
كما قال أبو حنيفة، لقال فإذا سجدت بهم وإذا سجدوا معك فليكونوا من ورائكم.
والعدول عن هذا إلى ما يقتضي ظاهره سجودًا ينفردون به يرجح ما تعلق به مالك من الآثار.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
يقتضي ظاهره ردّ قول من قال إن الطائفة الثانية تحرم مع الإِمام وهي في القتال لأنه وصف هذه الطائفة بأنها لم تُصل قبل أن تأتي.
وقد جعله بعض الناس أيضًا ظاهرًا في أن
الطائفة الثانية تصلي جميع صلاتها 1 قبل الانصراف لقوله: فليصلوا معك.
وهذا يقتضي أنهم يصلون جميع صلاتهم معه.
وكونه ظاهرًا فيما أشرنا إليه في ردّ مقالة من قال: تحرم الطائفة الثانية وهي في القتال مع الإِمام، أظهر وأوضح.
وقد رُجحّت طريقة أبي حنيفة وأشهب بأنه إذا كان لا بد من الخروج عن أصل معهود في الصلاة، إما المشي والسعي في الصلاة، وإما إكمال الصلاة وأداؤها قبل أداء الإِمام لها، كان تسهيل المشي وإلغاء حكمه أولى من إلغاء مخالفة الإِمام وأداء الصلاة قبل أدائه.
لأن المشي في الصلاة له نظير في الشرع كمشي الراعف عند من رآه ومشي من عليه الحدث.
وأداء الصلاة قبل الإِمام لا نظير له في الشرع.
فكان ما له نظير أولى مما لا نظير له.
وأجاب أصحابنا عن وهذا بأنه إذا كان لا بد من مفارقة الإِمام وترك اتباعه فيما يفعل إما بالانصراف 2 كما قال أبو حنيفة وأشهب وإما بالإكمال كما (2) قال مالك كان الإكمال أولى لأنه ليس فيه مفارقة إمام يلزم اتباعه فيما يفعل وإذا لم يلزم اتباعه فيما يفعل 3 فلا معنى لمنع المخالفة عليه بالأداء قبله (2) لأنه قد سقط حكم إمامته عن الطائفة الأولى حتى لو أحدث لم تفسد عليهم الصلاة وإذا كنا نقول بأنهم 4 خرجوا عن إمامته حتى لو أفسد صلاته ما أفسدها عليهم كان الإكمال أولى بأقرب موضع.
وصلاة الخوف إنما وضعت للتحرز من العدو والاحتياط منه، ومقابلتهم العدو وهم في غير الصلاة أوثق وأحصن من تقسيم خاطرهم بين أمرين حفظًا للصلاة والتحفظ من العدو.
وقد قال سحنون إذا صلّى ركعة من صلاة الخوف في السفر ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية فليُقدم من يقوم بهم ثم يثبت المستخلف.
ويتم من خلفه ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويسلم.
ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية فلا يستخلف لأن من خلفه خرجوا من إمامته حتى لو تعمد حينئذ الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم.
فأنت ترى سحنونًا لم يأمره بالاستخلاف ولا جعل إفساده إفسادًا عليهم، وإذا كان الأمر كما قال وخرجوا من إمامته فلا معنى لمنعهم الأداء قبل أدائه.
وتد ذكرنا أنه اختلف قول مالك في انتظار الإِمام الطائفة الثانية ليسلم بهم.
وما ذكرناه من هذا الترجيح يشعر بأن الأولى سلام الإِمام قبل إكمال الطائفة الثانية.
لأنه لا داعي يدعو إلى قضائهم وهم في حكمه ومخالفتهم له في فعله.
فكان الأولى لهم أن يقضوا بعد سلامه، والأصل أن لا ينتظر الإِمام من خلفه.
ولم يختلف في أن الإِمام لو صلى فذا بعض صلاته أنه لا ينتظر المسبوق حتى يقضي فيسلم به.
وإذا كان هذا الأصل في صلاة الأمن , فصلاة الخوف كذلك إذا لم يوجد ما يدعو إلى مخالفته الأصل فيها.
وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من الاختلاف في انتظار الإِمام الطائفة الثانية وهو جالس في جلوسه المشروع.
أو ينتظرها إذا قام من جلوسه، فإن ابن حبيب ذكر أن مالكًا قال في صلاة المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ويثبت جالسًا.
ثم رجع فقال يقوم حتى تتم هي وتأتي تلك.
وإن شاء سكت أو دعا.
قال وهذه لا يقرأ فيها في قيامه لأنه لا يقرأ فيها بغير أم القرآن فخالفت غيرها.
قال بعض أشياخي في الإِمام إذا قلنا أنه لا ينتظر الطائفة الثانية إلا قائمًا وإن كان في جلوس مشروع اختلف فيه:
فقيل يقرأ الحمد وقيل لا يقرأها حتى يأتي الآخرون.
ولأشهب في مدونته ولبعض أصحابنا في المبسوط أيضًا أنه يستفتح القراءة بالطائفة الثانية بالحمد.
قال وهو أصوب لأنه ذكر نى الحديث أن الطائفة أتت فصلّي بها ركعة 1.
وظاهره أنه قرأ بهم ولو كان قرأ قبل مجيئهم لقال أتت الطائفة الثانية فركع بهم.
وقال بعض أصحاب الشافعي إذا قام الإِمام إلى الثانية نوت الطائفة الأولى مفارقته وصلّوا ركعة أخرى لأنفسهم وانصرفوا.
وتأتي الثانية فيصلي بهم ركعة.
فإذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة قاموا فأتموا لأنفسهم في أصح القولين فيصلون ركعة لأنفسهم فإذا تشهدوا سلّم بهم.
وإذا كان الحكم أن يقسم الإِمام صلاة الخوف شطرين بين الطائفتين فما
حكم ما لا يشطر كصلاة المغرب؟ عندنا 1 أنه يصلي بالطائفة الأولي ركعتين وبالثانية ركعة.
وخيّرته الشافعية بين هذا الذي قلناه وبين عكسه يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين.
وقال الحسن يصلي بكل طائفة ثلاث ركعات.
والردّ عليه أن الآية ظاهرها يقتضي 2 أن تصلي الطائفتان معه صلاة واحدة.
والحسن جعلهما يصليان معه صلاتين.
وأيضًا فإن الذي قال بهذا يؤدي إلى تفضيل طائفة على طائفة بأن تصلي إحداهما خلفه وهو يصلي فرضًا، والأخرى تصلي خلفه وهو يصلي نفلًا، ولا سبيل إلى التفضيل إذا لم يدْع إليه داع كما دعا إليه في التفضيل في عدد الركعات إذ الثلاث لا تتشطر، وجعلناه نحن يفضل الأولى حتى تكون الطائفة الثانية 3 لا تجلس في غير موضع جلوس، وتجري صلاة الخوف بين الإِمام والمأموم على سنتها في الأفعال المعهودة إلا ما استثناه الشرع من مخالفة الهيئة المختصة بصلاة الخوف.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا جهل الإِمام فصلّى صلاة المغرب بكل طائفة ركعة فاختلف فيه.
فحكى ابن حبيب أن صلاة الأولى فاسدة وصلاة الثانية والثالثة صحيحة.
وقال سحنون: صلاة الإِمام وصلاة من خلفه فاسدة, لأن ترك سنتها.
وكذلك إن صلّى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين لوقوفه في غير موضع قيام.
وكذلك قال سحنون فيمن صلّى صلاة الخوف في الحضر بكل طائفة ركعة، أن صلاة الإِمام، وجميع من خلفه فاسدة.
وذكر ابنه عن بعض أصحابنا أن صلاة الإِمام، وصلاة الثانية والرابعة تامة *وصلاة الأولى والثالثة فاسدة.
وعندي أن هؤلاء إنما أفسدوا صلاة الطائفة الأولى والثالثة لانفرادهم بفعل ما يلزمهم اتباع الإِمام فيه لأن الطائفة الأولى حقها أن تصلي معه ركعتين، فإذا صلت خلف الإِمام ركعة واحدة ثم خرجت عن إمامته في الثانية التي من حقها أن تتبعه فيها، فقد أفسدت صلاتها.
وكذلك الطائفة الثالثة حقها أن تتبعه في الرابعة، فإذا لم تفعل فقد أفسدت صلاتها.
وأما الطائفة
الثانية والرابعة فهم في حكم* 1 المسبوق ومن فاتته بعض الصلاة.
لأن من صلى الركعة الثانية كأنه من الطائفة التي تصلي شطر الصلاة الأولى وفاتهم (1) ....... 2 بعض ما شأنهم أن يصلوه مع الإِمام فلا يفسد ذلك صلاتهم.
وكذلك الطائفة الرابعة أيضًا حكمهم حكم من فاته بعض ما شأنه أن يصليه مع الإِمام فلا تفسد صلاتهم.
وكذلك وجه ما حكاه ابن حبيب في صلاة المغرب من فساد صلاة الطائفة الأولى، إنما ذلك لما قلناه من أنها خرجت من إمامة من يلزمها اتباعه في الركعة الثانية.
وأما الطائفة الثانية فهم في حكم المسبوق، فصلاتهم صحيحة على هذا الأصل.
والطائفة الثالثة كأنها لم تخالف ما أمرت به الطائفة الثانية إذا قسم الإِمام الصلاة بينهم على ما قلناه وأقاموها على سنتها.
وأما سحنون فإنه اعتل بقوله في إفساد صلاة الجميع لمخالفتهم سنة صلاة الخوف.
وإذا وضُح ما قلناه من أن الطائفة الثانية تكون في حكم المسبوق فإنها إذا كانت كذلك فقد اجتمع عليه ابن اء وقضاء.
وحكم ذلك إذا اجتمع 3 قد قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب.
ولابن القاسم في العتبية في مدرك الركعة الثانية من المغرب من الطائفة الأولى أنه إذا وقف الإِمام في الثالثة أتمّ القوم، ولا ينبغي لهذا أن يقضي الركعة إلا بعد سلام الإِمام لأن الطائفة الأولى إنما 4 تبنى ولا تقضى.
قال عنه ابن سحنون: ويقف هذا مع الإِمام حتى تأتي الطائفة الثانية فيصلي معهم ركعة ثم تقضي الأولى بعد سلام الإِمام.
وقال سحنون في أحد قوليه: يصلي ركعتين قبل سلام الإِمام.
ومن وقف على ما قدمناه من أحكام القضاء والبناء علم سبب هذا الاختلاف (4).
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: قد تقرر بما قدمناه أن صلاة الخوف شرعت على تلك الهيئة للتحرز من العدو.
فكل ما كان أحرز، رُجّح على غيره ما لم يمنع منه دليل.
ولقد قال الشافعي في آخر قوليه، وداود: يجب حمل السلاح في صلاة الخوف لما كان ذلك أحوط.
ولقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} 1. فإذا علم أن القصد بهذه الهيئة لهذه الصلاة ما ذكرناه، لم تستعمل هذه الهيئة في صلاة الآمن 2. وقد خرّج مسلم أن العدو لما كان في القبلة صف النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس خلفه صفين فكبّر وكبروا معه ثم ركع وركعوا معه ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي سجد معه.
وانحدر الصف المؤخر فسجدوا ثم قاموا.
وتقدم المؤخر وتأخر الصف المتقدم ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعوا معه ثم سجد الصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا.
وقام الصف المؤخر في نحو العدو.
فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر فسجدوا ثم سلّم النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم جميعًا 3. قال بعض أشياخي اختلف إذا كان العدو في القبلة.
هل يصلي بهم جميعًا أو بالطائفتين؟ وهذا الذي ذكر من كتاب حديث مسلم صفة حسنة عند شيخنا هذا ولأشهب في المجموعة إذا كان العدو في القبلة وأمكنه أن يصلي بالناس جميعًا فلا يفعل 4 لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغله وليصل بطائفتين سنة صلاة الخوف.
وقال في مدونته فإن صلى بهم طائفة واحدة أجزأهم.
وقالت الشافعية إذا كانوا في السفر وكان العدو في غير جهة القبلة ولم يأمنوهم وكان في المسلمين كثرة، فرّقهم الإِمام فرقتين وذكروا صفة صلاة الخوف.
وقالوا إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة قاموا فأتموا لأنفسهم في أصح القولين فيصلون ركعة لأنفسهم، والإمام ينتظرهم جالسًا.
فإذا تشهدوا سلّم بهم.
فأنت ترى ما ذكره في كتاب مسلم من صلاته - صلى الله عليه وسلم - على هذه الهيئة المذكورة طائفة واحدة لما كان العدو في جهة القبلة ولم تدع ضرورة إلى قسمتهم على طائفتين.
وقال ابن عبد الحكم إذا كانوا طالبين وعدوهم منهزم مغلوب إلا أن طلبهم أثخن في قتلهم فصلاتهم بالأرض صلاة أمن أولى من الصلاة على الدواب.
وقاله الأوزاعي.
أما الطالب فينزل وأما المطلوب فيصلي على دابته إلا أن يخاف
الطالب أن يكِرّ عليه.
ابن حبيب وهو في سعة وإن كان طالبًا ألا ينزل ويصلي إيماء لأنه مع عدوه بعد، ولم يصر إلى حقيقة أمن وقاله مالك.
وقال ابن المواز وابن حبيب إذا خاف المسلمون أن يخرج عليهم العدو ولم يروه فصلوها فهي تامة.
ابن حبيب وتكون طائفة بإزاء 1 الموضع الذي خافوا مجيئهم منه.
قال أشهب وكذلك لو رأوا شيئًا ظنوه العدو فصلوها ثم ظهر أنه ليس بعدو، فلا شيء عليهم.
ابن المواز أحب إليّ أن يعيدوا وإذا صلّى بالطائفة الأولى ركعة فذهب الخوف فليتم بمن معه وتصلي الأخرى بإمام آخر ولا يدخلون معه قاله ابن القاسم ثم رجع فقال لا بأس أن يدخلوا معه 2، وقال ابن مسلمة إذا صلى بطائفة ركعة فأتم بعضهم وانصرف وبقي بعضهم (2) لم يتم حتى ذهب الخوف أجزت صلاة من أتم وانصرف (2). وأما من لم يصلّ الركعة الثانية فلا يفارق الإِمام.
ولا ينتظر الإِمام أحدًا.
ويقرأ الإِمام ويتبعه من لم ينصرف فأمر ابن مسلمة ها هنا باتباع الإِمام في هذه الركعة من أحرم على أن يصليها فذًا.
وحكم من وجبت عليه أن يصلي فذًا ألا يقضي في جماعة.
ولكن هذا ليس بقضاء، ولكنه بني على أن يحرم على 3 أن يفعله فذًا لعلة ما.
فإذا ذهبت العلة بقي على حكم الإِمام.
ولو صلّى الإِمام بالناس طائفة واحدة , لأنه كان في أمن, فلما صلى ركعة حدث الخوف فينبغي أن يفارقه بعضهم ليكونوا وجاه العدو.
فإذا صلى بمن معه عادت الطائفة التي فارقته فتصلي لأنفسها ركعة، بقية صلاة الإِمام.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا اشتد الخوف صلّوا بحسب
الطاقة.
فإن كان إنما يخاف عند السجود خاصة، أومأ إليه، وإن خاف إذا ركع أومأ للركوع، وإن خاف أن يستقبل القبلة استدبرها.
قال ابن حبيب إذا كانوا في القتال فليؤخروا إلى آخر الوقت.
ثم يصلون حينئذ على خيولهم ويومئون وهم في قتالهم مقبلين ومدبرين وإن احتاجوا إلى الكلام في ذلك لم يقطع ذلك صلاتهم.
ابن المواز: إذا قاتلوا في البحر صلوا صلاة الخوف فإن لم يقدروا إلا وهم في القتال صلوا في القتال إذا خافوا فواتها.
وإن لم يقاتلوهم حتى دخلوا في الصلاة فأتاهم العدو فرماه المسلمون بالنبل لم يقطع ذلك صلاتهم وكذلك لو انهزموا لم يقطعها ذلك.
ابن حبيب: ولا بأس أن يصلوا صلاة الخوف في البحر في سفينة أو سفن 1.
أشهب: لو بلغ بهم الخوف ما يؤدي إلى أن يصلوها 2 بطائفتين على الدواب لجاز.
ولكن نظن إن قدروا على أن تكون الطائفة كافية للأخرى.
كذلك أنهم يقدرون أن يصلوا بالأرض.
وإذا خاف الراكب من العدو صلى على دابته قائمة إلى القبلة، فان خاف إن وقف بها، فحينئذ يصلي إيماء إلى حيث توجهت.
ومراد أشهب أنه يومئ أيضًا، وإن صلى عليها مستقبل القبلة.
وإذا خاف الإنسان أن يقف صلى جالسًا وسجد بالأرض.
ويصلي المسايف والمقاتل بقدر طاقته ولا يضره العمل فيها كما لا يضره قتل العقرب.
والخائف من اللصوص والسباع يؤخر إلى آخر الوقت ثم يصلي، فإن أمن في الوقت أعاد ولا يعيد بني خوف العدو.
وقال المغيرة فيهما، وقالت الشافعية: إذا اشتد الخوف صلّوا رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها ويومئون بالركوع والسجود، ويضربون الضربة والضربتين والطعنة والطعنتين إذا احتاجوا فإن والَوْا بين ثلاث ضربات أو ثلاث طعنات بطلت صلاتهم إلا أنهم يمضون فيها كي لا يخلو الوقت من الصلاة ويعيدون.
وقال بعضهم لا تبطل صلاتهم، وإن كثر العمل.
وقال أبو حنيفة: لا يصلوا في هذه الحالة ويؤخروا الصلاة.
ويحتج بأنه - صلى الله عليه وسلم - أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل.
وأجيب عن هذا بأن أبا سعيد الخدري قال كان ذلك قبل
نزول صلاة الخوف: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1. ومنع أبو حنيفة أيضًا صلاتهم ركبانًا جماعة لأجل أنه يصير بينهم حائل وهو الطريق.
والطريق عنده يمنع من فعل الجماعة.
وكذلك أيضًا منعت الشافعية ترك القيام في صلاة الخوف وهذا لا معنى له إذا منع منه الخوف.
وقالت الشافعية إذا صلّى ركعة راكبًا لشدة الخوف.
ثم أمن لم يتمها راكبًا.
فإن ترك 2 ولم ينحرف عن القبلة بني عليها.
وإن صلى ركعة على الأرض وهو آمن ثم لحقه شدة الخوف فركب استأنف على ظاهر مذهبهم.
وقال أبو ثور يبني في حال النزول والركوب.
وأجابوه عن ذلك بأن النزول عمل قليل يعفى عنه والركوب عمل كثير فلم يُعْفَ عنه.
وقال مكحول إن صلى ركعة بهم ثم دهمهم العدو وقد بقيت على كل طائفه ركعة فليصلوا إيماء حسبما 3 كانت وجوههم.
وقال سحنون يصلون سعيًا وركضًا كيفما قدروا.
وقالت الشافعية إذا رأوا إبلًا فظنوا بها عدوًا وأخبرهم مُخبر بالعدو فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدو لزمتهم الإعادة في أحد القولين وهو قول أبي حنيفة.
ولا يلزمهم في القول الآخر أن يعيدوا وقد قدمنا نحن ما قاله أصحابنا في جميع هذه المسائل التي حكيناها هنا عن المخالفين.
باب صلاة (1) العيدين
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: صلاة العيدين سنّة مؤكدة 2. ووقتها إذا أشرقت الشمس.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال:
1 - ما الدليل على أن صلاة العيدين سنة مؤكدة؟.
2 - ومن الذي يخاطب بها؟.
3 - وما حكمها إذا فات وقتها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: صلاة العيدين عندنا 3 ستّة.
قال مالك في المختصر صلاة العيدين سنة لأهل الآفاق.
وكذلك الظاهر من مذهب الشافعية أنها سنّة.
ومنهم من قال: هي من فروض الكفايات.
وبه قال ابن حنبل.
وقال أبو حنيفة هي واجبة وليست بفرض.
فدليلنا على كونها سنّة فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، وإقامته إياها في الجم الغفير متكررة بتكرر الأعوام.
ودليلنا على نفي الوجوب حديث الأعرابي وقوله للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر له الخمس صلوات.
قال: هل علىّ غيرها؟ قال: إلا أن تطوع 4. وهذا يثبت نفي الوجوب عن الصلوات الخارجة عن الصلوات الخمس.
وأيضًا فإنها صلاة ذات ركوع لم1
يشرع لها أذان ولا إقامة بحال.
فلم تكن واجبة بالشرع ابتداء كسائر النوافل.
ولا ينتقض قياسنا هذا بصلاة الجنازة 1 لأنها ليس فيها ركوع، ولا بصلاة من لا تُسنّ له الإقامة والأذان كالمرأة تصلي الفرض منفردة لأنا قلنا بحال.
وصلاة 2 المرأة لو أوقعتها في جماعة سن لها الأذان والإقامة، ولا بالنافلة المنذورة لأنها لم تجب ابتداء بالشرع.
وأما ابن حنبل فإنه يحتج بأنها صلاة يتكرر فيها التكبير في حال القيام.
فكانت من فروض الكفايات، كصلاة الجنازة.
وهذا إن خولف في أصله وقلنا بأحد القولين عندنا أن صلاة الجنازة سنّة وليست بفرض لم يصح له القياس لممانعته في الأصل.
وإن قلنا إن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فليس تكرر التكبير علّة في 3 الفرضية فيقاس عليها، وإن نحا به ناحية الشبه.
فأما الشافعية فناقضته بصلاة الاستسقاء لأنها ترى تكرير التكبير ومع هذا فليست بفرض.
وأما نحن فإنا إن سلمنا قياس الشبه قابلناه بشبه آخر وهو ما قدمناه من أنها صلاة لا يؤذن لها ولا يقام، على نحو ما ذكرناه 4 في قياسنا من شبهها بالنوافل.
بل شبهنا أحق.
ويكاد أن يكون فيه تلويح مقصودنا 5 لأن الأذان دعاء الجماعة إلى الصلاة.
والدعاء إلى الصلاة واقتضاء فعلها أشْعَرُ بالوجوب من ترك الأذان والإقامة.
وأما أبو حنيفة فإنه قاسها على الجمعة لعلّة 6 أنها شرعت لها الخطبة وهذا غير مسلّم.
لأنه يرى الجمعة فرضًا 7. وصلاة العيد عنده 8 ليست بفرض وان كانت واجبة فلم يطابق الفرع الأصل.
وأيضًا فإن الخطبة بدل من الركعتين على ما حكيناه في باب صلاة الجمعة.
ولهذا قدمت الخطبة على صلاة الجمعة.
والخطبة في صلاة العيد ليست ببدل من ركعتين، وإنما القصد
بها الوعظ والتعليم.
فلما لم تكن الخطبة في معنى الخطبة لم تكن الصلاة 1 كحكم الصلاة.
واختصاص الجمعة بالآذان والإقامة يشعر بالمخالفة 2 على حسب ما قدمناه وسنتكلم على الأذان لصلاة العيد إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الحواضر فإن الرجال المقيمين فيها يخاطبون بصلاة العيدين.
واضطرب المذهب في أهل القرى الذين لا تجب عليهم جمعة.
وفي المسافرين، والنساء والعبيد، والصبيان.
فقال مالك في أهل القرى يصلون صلاة العيدين كما يصلي الإِمام يكبرون مثل تكبيره: يقوم إمامهم فيخطب بهم خطبتين.
قال وأحب ذلك إلى أن يصلي أهل القرى صلاة العيدين.
ولمالك في العتبية إنما يجمّع في صلاة العيدين من تلزمه الجمعة.
قال ابن القاسم وإن شاء من لا تلزمه الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا ولكن لا خطبة عليهم فإن خطبوا فحسن.
ولو تركوا الجمعة وهي عليهم فعليهم أن يصلوا العيدين بخطبة وجماعة.
ولمالك في المجموعة في القرية فيها عشرون رجلًا أرى أن يصلوا العيدين.
قال عنه ابن نافع ليس ذلك إلا من عليه الجمعة.
قال أشهب أستحب ذلك لهم وإن لم تلزمهم الجمعة 3 قال أشهب عن مالك وينزل لها من ثلاثة أميال وفي مختصر (3) ابن شعبان وليس من أمر الناس أن يجمع أهل القرى (3) في الفطر والأضحى إذا لم تكن عليهم أئمة فإن صلّوا فلا بأس (3) وقد يصلي بهم رجل منهم ويخطب بهم.
وقد قيل إذا كانت قرية فيها عدد وحضر يوم العيد صلى بهم رجل منهم (3) وخطب ولو كانوا قليلًا أجزأتهم صلاتهم من غير خطبة.
وإذا كان في قرية نحو من عشرين لم أر أن يصلوا صلاة العيدين 4 ولا يصلي العيدين إلا من وجبت عليه صلاة الجمعة.
ابن شعبان وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه *والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وإسحق لا صلاة عيد إلا في مصر جامع.
وأما النساء ومن ذكرنا معهم من الصبيان والعبيد وفي المدونة سألت مالكًا* 1 عن العبيد والنساء والإماء هل يؤمرون بالخروج إلى العيدين؟ وهل يجب عليهم الخروج إلى العيدين؟ قال لا.
قلنا له فمن شهدها من النساء والعبيد فلما صلوا أرادوا الانصراف لحاجتهم قال لا ينصرفوا إلا بانصراف الإِمام.
والنساء إذا لم يشهدن العيد فإن صلّين فليصلين مثل صلاة الإِمام ويكّبرن مثل تكبيره.
ولا يجمع بهن 2 الصلاة أحد وليس عليهن ذلك إلا أن يشأن ذلك.
فإن صلين صلين أفذاذًا على سنة صلاة الإِمام يكبرن سبعًا وخمسًا.
وإن أردن أن يتركن فليس ذلك عليهن بواجب وكان يستحب ذلك لهن.
وقال مالك في المبسوط في الإِمام يكون في السفر فتحضر صلاة الفطر و 3 الأضحى.
قال ليس ذلك عليه ولم أسمع أحدًا ممن مضى صلى الفطر والأضحى وهو مسافر.
وقال أيضًا ليس ذلك عليهم لا جماعة ولا فرادى.
ولم أسمع أحدًا ممن مضى منع ذلك.
قال أشهب وللرجل منع عبيده من الخروج إليها ولا يمنعهم من صلاة الجمعة 4 إلا أن يُضِرّ به فيما يحتاجهم فيه.
ولا أرى لأهل مني المقيمين بها ممن لم يحج أن يصلوا العيد في جماعة لبدعة ذلك بمنى.
ولو صلاّها مصلٍ لنفسه لم أر به بأسًا.
قال ابن حبيب: ومن فاتته صلاة العيد فلا بأس أن يجمعها مع نفر من أهله.
وهي تجب على النساء والعبيد والمسافرين ويؤمر بها من يؤمر بالصلاة من الصبيان.
وفي مختصر ابن شعبان: وليس على المسافر ولا البدوي صلاة العيد.
ولا صلاة عيد بمنى.
وليس على النساء أن يصلين صلاة العيد في منازلهن ولا يؤمرن بذلك.
ولا يصلي من فاتته صلاة العيد في المصلّى.
وقد
قال بالمذكور في مختصر عبد الله وهو قول الليث بن سعد.
وقال 1 ابن وهب عن مالك في النسوان يشهدن العيدين والعُبدان ثم ينصرفون قبل الخطبة لحوائج أزواجهن وساداتهم؟ قال ترك شهودهم أحب إليّ من انصرافهم قبل الخطبة.
ومن دخل على عمل فليتمه.
وحكى ابن شعبان عنه أيضًا أن من أتى يوم العيد فوجد الناس قد انصرفوا قبل الخطبة أتى هو إليها.
وحكي أيضًا عن مالك وابن أبي ذئب والأوزاعي في الإِمام يدخل بالجيش في دار الحرب () 2 بها أنهم يخرجون في العيدين ولا يجمعون وليظهروا لُبْس السلاح.
وفي المدونة فيمن فاتته صلاة مع الإِمام إن شاء صلى وإن شاء لم يصل.
وإن صلّى فليصل مثل صلاة الإِمام ويكبر مثل تكبيره.
وقد تضمنت الروايات عند 3 بعض أشياخي اختلاف في جواز التطوع بها لمن سقطت عنه، فقيل بالنهي عنه على كل حال.
وقيل بجوازه على كل حال.
وقيل بجوازه جماعة، والنهي عنه فذًا.
وقد اختلف قول الشافعي أيضًا فقال يصليها المنفرد والمسافر والمرأة والعبد.
وقال أيضًا لا تقام إلا حيث تقام الجمعة وهو قول أبي حنيفة.
فمن أجاز فعلها للمنفرد والمسافر والمرأة قاسها على سائر النوافل.
ومن منع احتج بأنها صلاة شرعت لها الخطبة فلا يفعلها المسافر والمنفرد كالجمعة.
وأما ما ذكرناه عن ابن حبيب من الأمر بها لكل أحد ممن ذكرناه 4 عنه فإنه رأى أنها في الأمر بها كالصلوات الخمس.
فكل من أمر بالصلوات الخمس أمِر بصلاة العيدين وإن كان الأمران يختلفان.
ويحتج بقول أم عطية أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العيد أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحُيض، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلّى المسلمين ويشهدن الخير ودعوة المسلين.
قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: تلبسها أختها من جلبابها 5. وقد قدمنا من مذهبنا أن من صلاها فذًا صلاها كما يصليها الإِمام.
وقال أحمد يصلي أربعًا.
وروي ذلك عن ابن مسعود وقال
الثوري إذا شاء أن يصليها ركعتين أو أربعًا.
وقال الأوزاعي يصلي ركعتين 1 لا يجهر فيهما بالقراءة ولا يكبر كما يكبر الإِمام.
وقال إن صلاها في الجبّان 2 صلّى ركعتين كصلاة الإِمام.
وإن لم يصلها في الجبّان صلى أربعًا 3.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما وقت صلاة العيد.
فهو إذا حلّت الصلاة.
وذلك بأن ترتفع الشمس وتبيضّ وتذهب عنها العمرة.
وهكذا في النسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت إباحة النافلة أن تشرق الشمس وترتفع قيدَ رمح ويذهب شعاعها 4. والمراد بالرمح ها هنا رماح الأعراب.
قال مالك وقت العيدين أن يخرج الإِمام من منزله قدر ما يبلغ.
وقد حلت الصلاة، ويغدو الغادي حين تطلع الشمس.
وحكى ابن شعبان في مختصره أن ابن أبي ذئب ومالكًا قالا: يعجل الإِمام الخروج في الأضحى ويخف ما لا يخف في الفطر 5 لشغل الناس في ذبائحهم وانصرافهم إلى أهليهم بالعوالي وذكر حديثًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الأضحى وأخرّ الفطر شيئًا وذكّر الناس.
وحكى عن مالك وابن أبي ذئب أيضًا: في الإِمام ينادي بعد ما صلّى 6 العشاء: عجلوا الغدو على اسم الله: أنه من فعل الناس.
وهو قول أبي هريرة.
وأما منتهى وقت صلاة العيد فزوال الشمس ذلك اليوم.
قال مالك إذا لم يثبت عندهم أنه يوم العيد إلا بعد الزوال فلا يخرجوا لها ولا يصلوها ولا في الغد.
وإن كان قبل الزوال فذلك عليهم.
وقال الشافعي في آخر 7 قوليه تقضى في غد يوم العيد لما خرّجه النسائي أن قومًا رأوا الهلال فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرهم أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد 8. وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه يحتمل أن يكون
أمرهم بالخروج وإظهار الزينة والمباهاة من غير صلاة.
ولو كانت هذه الصلاة مما يُقضى في غد يومها لقضيت بعد زوال الشمس من يومها لأنه أقرب لوقتها، ولقضيت أيضًا في اليوم الثالث والرابع من يومها كما تقضى الصلوات الخمس في ذلك.
هكذا احتج أصحابنا.
ورأيت بعض أصحاب الشافعي قال إذا ثبت العيد بعد الزوال ففيه قولان: أحدهما لا يقضي وهو قول مالك وأبي ثور وداود والمزني.
والثاني يقضي وهو قول أحمد.
وقال 1 أبو حنيفة يقضي في الفطر في اليوم الثاني وفي الأضحى في اليوم الثالث والثاني.
ولنا أيضًا أنها صلاة شرعت فيها الخطبة والجماعة فلم تقض في غد يومها كما لا تقضي صلاة الجمعة يوم السبت إذا فأتت.
وأجيب عن هذا بأن الجمعة منقولة من الظهر بشرائط.
فإذا فأتت الشرائط رجعت إلى الأصل.
قال أصحاب الشافعي إن أمكن جمع الناس من وقت ثبوت العيد جمعهم وصلّى بهم حينئذ.
قال أبو حنيفة يؤخر الصلاة 2 إلى الغد بكل حال لأن البينة لو قامت في الليل أخرّت إلى الغد.
فأجيب عن هذا بأن الليل لا يمكن جمع الناس فيه فلهذا خالف النهار.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وسنتها المصلى دون المسجد إلا في حال العذر، ووقت الغدو إليها بحسب قرب المسافة من المصلى وبُعدها.
ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى.
ومن سنتها الغسل والطيب والزينة وإظهار التكبير في المشي والجلوس.
والتكبير بتكبير الإِمام والرجوع من غير الطريق الذي مضى فيه.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال:
أ- لِمَ استحب صلاتها في المصلّى؟.
2 - ولِمَ استحب أكل على صفة ما ذكر.
= إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فشهدوا أنهم رأوه بالأمس يعنون الهلال فأمرهم أن يفطروا - وأن يخرجوا من الغد.
قال شعبة أراه من آخر النهار.
مسند الإِمام أحمد ج 5 ص 57.
3 - ولم استحب الغسل والطيب والزينة؟.
4 - ولِمَ استحب التكبير على صفة ما ذكر ..
5 - ولِمَ استحب في السير والانصراف طريقين؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قال مالك: السنّة في العيد الخروج إلى المصلّى إلا لأهل مكة.
فالسنّة صلاتهم إياها في المسجد.
قال مالك لا تُصلى العيدان في موضعين.
وقال سحنون في أهل مدينة حَضَرَهم العيد وأصابهم مطر شديد ولم يقدروا على الخروج فصلوا في المسجد فلم يحملهم ولا الأفنية لا أرى لمن بقي أن يجمّعوا الصلاة.
وإن أحبوا صلّوا أفذاذًا.
وقال بعض أشياخي إن كان الذين ضاق عنهم مصلّى الناس جمْع كثير فإنه يختلف في جمعهم في مسجد آخر على حسب ما تقدم من القول في إقامة الجمعة في جامعين، وإن بقي النفر اليسير فيختلف أيضًا فيهم ويكونون كأصحاب الأعذار في الجمعة.
وقال مالك في المختصر من فاتته صلاة العيد فلا بأس أن يصليها في المصلّى أو في غيره.
فإن صلّى في المصلى فليصبر إلى فرك الخطبة.
وفي المبسوط قال مالك، فيمن تلقاه الناس منصرفين من صلاة العيد، إن شاء مضى فصلّى وإن شاء في بيته، وإن شاء ترك.
وقال الشافعي الأفضل أن يصلي الناس صلاة العيد في المسجد إلا أن يضيق بهم فيخرجوا إلى الصحراء لأنها لا تضيق بالناس.
وحجتنا عليهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في المصلى وداوم على ذلك ولا يداوم إلا على الأفضل.
واحتجوا بأنه روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى في المسجد فيُحمل ذلك على أنه الأفضل، وفعله في المصلى على أنه ضاق بالناس المسجد.
قالوا ولأنها صلاة راتبة بوقت فكان فعلها في المسجد أفضل من فعلها في المصلى كسائر الصلوات.
وأما قول القاضي أبي محمَّد وقت الغدو إليها بحسب قرب المسافة فقد كنا قدمنا الكلام على وقتها.
وقال مالك: لا بأس بالغدو إليها قبل طلوع
الشمس.
وذكرنا قوله أيضًا ويغدو الغادي حين تطلع الشمس.
وقال ابن حبيب: يخرجون عند طلوع الشمس أو قربه.
وأما الإِمام فلا يخرج حتى ترتفع الشمس وتحل السبحة فوق ذلك قليلًا إن كان في ذلك رفق بالناس.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما استحب أن يأكل في الفطر قبل الغدو إلى المصلّى وفي الأضحى بعده لما جاء به الأثر من أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل ولا يطعم في الأضحى حتى يرجع 1. وفي مختصر ابن شعبان لا بأس أن يأكل في العيدين قبل الغدو ويترك إن شاء.
ابن شعبان وقاله يحيى بن سعيد.
ويمكن أن تكون المخالفة بين العيدين لأجل أن عيد الفطر كان أمسه الأكل فيه محرمًا، فصار الأكل في يومه محللًا فيؤذن بالأكل لتحقيق المخالفة بين اليومين فعلًا كما تحققت المخالفة حكمًا.
وأما عيد الأضحى فلم يكن أكل في أمسه محرمًا فيبادر إلى المخالفة فعلًا، بل هو يوم يُراق فيه دم قربة ولا يراق إلا بعد الصلاة فاختير تأخير الأكل إلى بعد الصلاة ليكون أول طعمته من لحم قربته.
هذا الذي يستلوح عندي في ذلك.
وقال القاضي أبو محمَّد هما يومان للمساكين حق في ماله ينسب إليهما.
فكان أكله مضافًا لإيصاله إليهم.
فلما كان في الفطر يخرج الزكاة قبل الغدو كان 2 أكله في ذلك الوقت وفي الأضحى لما كان لا يضحى إلا بعد الرجوع كان أكله في ذلك الوقت 3.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قال مالك في المختصر واستحب الغسل والزينة والطيب 4 في كل عيد، والغسل فيهما قبل الفجر واسع.
وروى أشهب عنه أنه ينزل إليهما من ثلاثة أميال *وواسع أن يغتسل لها قبل الفجر.
ولا يجوز أن ينوي به الجمعة.
قال ابن حبيب: وأفضل أوقات الغسل لها
بعد صلاة الصبح.
وفي مختصر ابن شعبان من اغتسل* 1 لصلاة العيد في منزله قبل الفجر.
ثم خرج لصلاة الصبح.
فإن كان يريد الرجوع إلى منزله قبل صلاة العيد فليغتسل إذا انصرف إليه.
وإن كان لا يعود إلى منزله فذلك يجزيه.
وقال مالك في المدونة في غسل العيدين أراه حسنًا، ولا أوجبه كوجوب غسل الجمعة.
قال بعض الأشياخ هذا لأنه ورد الأمر بغسل الجمعة في الأحاديث الصحاح المشهورة ولم يرد مثل ذلك في غسل العيدين.
قال بعض الأشياخ قوله - صلى الله عليه وسلم - في الموطإ في الجمعة، إنما هذا اليوم جعله الله عيدًا للمسلمين.
فاغتسلوا 2 يشير إلى المساواة بين غسل العيد والجمعة، لإشارته إلى سبب الغسل كونه عيدًا.
فمن كانت به روائح وأحب شهود العيد وجب عليه الاغتسال لإزالتها.
قال مالك في المختصر وتستحب الزينة والطيب في كل عيد.
وفي الصحيح أن عمر وجد حلّة من استبرق في السوق، فأخذها وأتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ابتع هذه لتتجمل بها في العيدين وللوفد.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لباس من لا خلاق له 3.
والمشي للعيدين أفضل.
قال مالك من استطاع فليمش إلى العيدين.
وقال في المختصر ينزل إليها من على ثلاثة أميال.
ويستحب المشي إليها.
وروي عن علي أن من بَعُد فلا بأس أن يركب ونحن نمشي ومكاننا قريب.
وذكر ابن حبيب أن مالكًا استحب المشي للعيدين والجمعة لمن قوي.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف.
قال بعض أشياخي استحباب المشي في الذهاب إلى الصلاة لكونه ساعيًا إلى قربة فينبغي أن يذهب راجلًا كما يأتي العبد مولاه بخلاف الرجوع.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخرج إلى العيد 1 ماشيًا ويرجع راكبًا.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: التكبير يوم الفطر مستحب عندنا وهو مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين لا يستحب.
وقال النخعي إنما ذلك عمل الحوّاكين.
وقال داود هو واجب.
ودليلنا أنه مأمور به قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 2. وقد قال الشافعي سمعت بعض أهل العلم بالقرآن يقول: ولتكملوا العدة، يعني صوم رمضان ولتكبروا عند كماله على ما هداكم.
ولأجل هذا الظاهر أوجب داود التكبير لأنه أُمِر به.
والأمر على الوجوب.
وأجيب عن هذا بأن المراد به الاستحباب بدليل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 3. ودليلنا أيضًا ما رواه عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعًا صوته بالتكبير.
واحتج أبو حنيفة بأن ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال ما شأن الناس؟ فقيل له يكبرون.
فقال أمجانين الناس؟ وأجيب عن هذا 4 بأنه يعارضه ما روي أن عليًا وابن عمر وأبا أمامة وأبا رُهْم كانوا يكبرون.
ولأن ابن عباس إنما يمنع التكبير منفردين ولا يمنع من التكبير مع الإِمام.
وأما النخعي فقيل إن ما ذكره عنه غير صحيح.
فإنه روي عنه أنه كان يكبر 5 وإذا ثبت ما قلناه من إثبات التكبير يوم الفطر على الجملة.
وكذلك هو في الأضحى وقد تضمنه حديث ابن عمر الذي ذكرناه.
وقد قدمنا مخالفته لنا في تكبير الفطر.
فإنه يوافق مذهبنا في تكبير الأضحى وذلك مما نوقضوا به.
وإذا وضح ما قلناه في التكبير فمتى مبدؤه؟ قال الشافعي تكبير الفطر مبدؤه بعد غروب الشمس من ليلة الفطر.
ومذهبنا نحن أنه لا يكبر في الليل.
وأما مبدؤه عندنا فروى علي عن مالك أنه لا بأس أن يغدو إلى العيد
قبل 1 طلوع الشمس ولكن لا يكبّر حتى تطلع الشمس.
ولا ينبغي للإمام أن يأتي المصلى حتى تحين الصلاة.
قال عنه أشهب ويكبّر الرجال من حين يغدون إلى المصلّى إلى حين يرقى الإِمام المنبر.
ثم إذا كبّر في خطبته كبّر معه.
وقال مالك في العتبية من غدا إلى العيد فلا يكتر إلا عند طلوع الشمس، وعند الإسفار البين في طريقه وفي المصلّى 2 حتى يخرج الإِمام تكبيرًا وسطًا لا خَفْضَ ولا رَفْعَ.
والخروج إليها بعد طلوع الشمس عمل الفقهاء عندنا.
قال مالك في المختصر ويأتي الإِمام إلى العيدين ماشيًا مظهرًا للتكبير حتى يدخل قبلة مصلاه ويُحْرم للصلاة.
قال ابن حبيب من السنة أن يجهر بالتكبير في طريقه إليها بالتكبير والتهليل والتحميد جهرًا يسمع من يليه وفوق ذلك شيئًا حتى يأتي الإِمام فيكبر فيكبرون بتكبيره تكبيرًا ظاهرًا دون الأول ويخرجون إليها عند طلوع الشمس أو قربه.
وأما الإِمام فلا يخرج حتى ترتفع الشمس وتحل السُبحة، وفوق ذلك قليلًا إن كان في ذلك رفق بالناس.
ومن اغتدى فلا يكبّر حتى يسفر.
وأحب إليّ من التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا.
اللهم اجعلنا لك من الشاكرين لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ 3. وكان أصبغ يزيد الله أكبر، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما زدّت أو نقّصت أو قلت غيره فلا حرج.
وقال مالك في المدونة يكبّر إذا خرج عند طلوع الشَمس تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه، فإذا خرج الإِمام قطع.
وقال مالك في المبسوط يكبّر تكبير العيدين بعد صلاة الصبح.
قال عبد الملك ابن الماجشون وكذلك رأينا الآن 4 رمي الجمرة بعد
الفجر.
وقال محمَّد ابن مسلمة في المبسوط: التكبير من حين يغدو الإِمام يتحرى غدوّه فيكبر حتى يصلي فإذا كبّر في الخطبة كبّر الناس معه.
وفي مختصر ابن شعبان وتكبير العيدين في الإسفار الأعلى.
ابن شعبان.
وقد قال في المذكور في مختصر عبد الله وقد تضمنت هذه الروايات أن 1 مبدأ التكبير صلاة الصبح في قول.
والإسفار في قول.
وطلوع الشمس في قول.
وغروبها ليلة الفطر على حسب ما حكيناه عن الشافعي.
وعلى صفة ما حكيناه من مذهب أصحابنا.
وقد نقلنا رواية أشهب أن التكبير من حين يغدو، ولم يقيّد الغدّو بوقت.
وأما وقت انقطاع التكبير في عيد الفطر فقد ذكرنا قول مالك في المدونة: أنه إذا خرج الإِمام انقطع.
وحكى عن سحنون أن معناه إذا أتى المصلى يريد الصلاة.
وأشار إلى أنه بأخذه في الصلاة ينقطع التكبير.
وأشار في حكايته أخرى أنه ينقطع بأخذه في الخطبة.
وقد ذكرنا رواية أشهب أنه يكبّر من حين يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإِمام المنبر.
وقال مالك يكبّر الإِمام إذا رقى المنبر في خطبته الثانية، وليس لذلك حدّ، وينصت له فيها، وفي الاستسقاء.
قال ابن حبيب وليجلس أول خطبته ثم يفتتحها بسبع تكبيرات تباعًا ثم إذا مضت كلمات كبّر ثلاثًا.
وكذلك في الثانية إلا أنه يفتتحها بتسع 2 تكبيرات ويجلس بين الخطبتين ويكبّر الناس كلما كبّر.
وكان مالك يقول يفتتح بالتكبير ويكبّر بين أضعافها ولم يَحُدّه.
وما ذكرناه مروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقال به مطرّف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
وروي عن أبي هريرة أنه يفتتح الأولى بخمس عشرة تكبيرة والأول أحب إليّ.
وإن كان الفطرَ أن يذكر في خطبته الفطرة وسنتها، ويحض الناس على الصدقة وإن كان الأضحى ذكر الأضحية وسنتها.
وأمر بالزكاة وعلمهم فرضها وحذّرهم تضييعها.
قال مالك في المدونة 3 ويُكبّر مع الإِمام
كلما كبّر في خطبته وينصت له ويستقبل وليس من تكلم في ذلك كمن تكلم في الجمعة.
وإذا أحدث في الخطبة أو في خطبة الاستسقاء تمادى لأنها بعد الصلاة.
قال مالك في المبسوط يستفتح الإِمام الخطبة إذا صعد بالتكبير.
قال ومن السنة أن يكبّر تكبيرًا كثيرًا 1. ثم في الثانية أكثر من الأولى.
وقال المغيرة في المبسوط كنا نعد الإكثار من التكبير عيًّا.
ويستراح إليه في الخطبة.
ولم ير المغيرة أن يكبّر الناس بتكبير الإِمام فيها.
وفي مختصر ابن شعبان وينصت للإمام في خطبة العيدين ولم يبلغنا في ذلك مثل الذي بلغنا في الجمعة.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما استحب أن يرجع في العيدين من غير الطريق التي أتى منها إلى العيد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
وقد تكلم الناس في تعليل فعله هذا، وإظهار الغرض الباعث عليه.
فقيل إنما فعل - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأنه كان يتصدق في ذهابه.
فقال بعض أصحاب هذه المقالة كانت صدقته تفرغ 2 فيعدل إلى طريق أخرى لئلا يعاود في المسألة.
وقال بعضهم بل كان يعود من طريق آخر ليتصدق على من بها من المساكين أيضًا.
وقيل إنما فعل ذلك ليتقسم الناس على الطريقين فتخف مضرة الزحام بهم.
وقيل إنما فعل ذلك ليحصل الفضل للطريقين.
وقيل ليتبرك به أهل الطريقين.
وقيل ليكثر ثوابه بكثرة الخطى.
وقيل مبالغة في المباهاة وإظهار كثرة الناس.
وقيل لئلا يكمن له المنافقون في الطريق التي رأوه سلكها.
وهذه كلها أسباب يمكن أن يكون كل واحد منها هو الغرض الباعث على ما فعل.
وقد تجتمع منها أسباب يكون جميعها باعثًا على ذلك.
ولكنها تتفاضل في القرب من الإمكان والبعد منه مع كون بعضها قد يعدم في بعض البلاد وبعض الأزمان.
فقد يستلوح منه ارتفاع الاستحباب عند ارتفاع سببه، إذا قيل بزوال الحكم لزوال علته.
وهذا مما لم ينقل عن أصحاب المذهب ولا عن هؤلاء المعللين.
ولأجل هذا وكون هذه التعاليل لم يقم عليها دليل أشار القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا إلى ضعفها.
فذكر أنه علل ذلك بتعاليل كلها دعاوى فارغة، وأن المعتمد عدى الاقتداء والإتباع.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وهي ركعتان يُزاد في أولاهما ست تكبيرات بعد الإحرام وفي الثانية خمس بعد تكبيرة القيام وهي فيما عدا ذلك ركعتان كسائر الصلوات، يجهر فيهما بالقراءة بسبّح والغاشية ونحوهما ولا أذان فيهما ولا إقامة.
والخطبة فيهما بعد الصلاة خطبتان كخطبتي الجمعة 1 من جلوس متقدم ومتوسط، وما يتكأ عليه.
قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال:
1 - ما عدد التكبير المزيد في صلاة العيد؟.
2 - وما حكم من فاته التكبير؟.
3 - ولمَ نبّه على الجهر بالقراءة وأن الخطبة فيها كخطبة الجمعة، ونفي الأذان فيها؟.
4 - وهل يتنفل قبل صلاة العيد وبعدها؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في عدد التكبير المزيد في صلاة العيد.
فعندنا أنه ست تكبيرات في الأولى وخمس تكبيرات في الثانية.
فيكون التكبير في الأصل والمزيد في الأولى سبعًا، وفي الثانية ستًا لو قدّر أن تكبير القيام إلى الثانية من جملة الركعة الثانية.
وقال الشافعي المزيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية.
وذكر ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة وعائشة وابن عباس والخدري 2. وقال أبو حنيفة ستّ تكبيرات: ثلاث في الأولى وثلاث في الثانية.
وذكر ذلك عن ابن مسعود وأبي موسى وحذيفة.
وقال ابن المسيب والنخعي تكبيرات العيد تسع تسع.
وقد ذكر ذلك عن ابن عباس والمغيرة وأنس بن مالك رضي الله عنه.
وروي عن ابن عباس أنه قال في الفطر ثلاث عشرة تكبيرة يكبّرهن وهو قائم سبعًا في الركعة الأولى، منهن: تكبيرة الاستفتاح للصلاة
وتكبيرة الركوع.
وفي الثانية ستّ تكبيرات منهن تكبيرة الركوع.
وقال الحسن في الأولى خمس تكبيرات.
وفي الثانية ثلاث سوى تكبيرة الركوع.
وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال في الأولى أربع تكبيرات سوى تكبيرة الصلاة وفي الآخرة ثلاث تكبيرات بعد القراءة سوى تكبيرة الصلاة.
وروي عن الحسن رواية أخرى أن التكبير في الأضحى والفطر واحد يكبّر في الأولى ثلاثة غير تكبيرة الافتتاح وفي الثانية ثلاثة بعد القراءة، منها تكبيرة الركوع.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يكبّر في الفطر إحدى عشرة تكبيرة يكبّر واحدة ثم يقرأ ثم يكبّر خمسًا ويركع بإحداهن ثم يقوم فيكبر ثم يكبر خمسًا يركع بإحداهن.
وكان يكبر خمسًا في الأضحى تكبيرة واحدة التي يوجب بها الصلاة ثم يقرأ ثم يكبّر اثنتين يركع بإحداهما ثم يقوم فيقرأ.
ثم يكبّر اثنتين يركع بإحداهما.
وروي عنه أيضًا أنه كان يكبّر في الفطر اثنتي عشرة تكبيرة.
وفي الأضحى خمسًا.
قال يحيى بن يعمر في الأضحى يكبّر تكبيرتين في الأولى.
ثم يقرأ وفي الأخرى مثل ذلك، وفي الفطر مثل قول ابن مسعود.
وقال حماد 1 وابن أبي سليمان: ليس في تكبير العيد شيء مؤقت.
وروي عن ابن عباس أيضًا أن التكبير يوم الفطر ويوم النحر تسع تكبيرات وإحدى عشرة وثلاث عشرة.
كلٌ سُنّةٌ.
فأما مالك والشافعي فأنهما يتعلقان برواية عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يكبّر في الفطر والإضحى في الأولى سبع تكبيرات.
وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة الركوع 2. ويرى مالك أن تقييدها 3 في الثانية بأن الخمس سوى تكبيرة الركوع يشعر بأن السبع الأول محسوب فيها تكبيرة الإحرام إذ لو لم تحسب فيها لنبّهت على ذلك بأن تقول سوى تكبيرة الإحرام.
كما قالت في الثانية سوى تكبيرة الركوع.
وقد أشار بعض البغداديين من أصحابنا إلى أن التكبير الأصلي في كل ركعة من ركعات العيد وغيرها من ركعات الصلوات ست تكبيرات: تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وأربع في السجدتين والخفض فيهما،
فإذا كان العدد الأصلي المشروع في كل ركعة من ركعات الصلوات ست تكبيرات.
كان ما ذهب إليه من أن المزيد في تكبيرات العيد ست أولى من غيره من المذاهب.
لأن في الذي ذهبنا إليه مقابلة المزيد بالأصلي.
وكونهما في العدد جاريين إلى مبلغ واحد.
وقد يعضد عندي هذا الذي قال 1 بأن صلاة الكسوف كرر فيها الركوع أيضًا.
وكان في تكريره لم يخالف عدد الأصل.
لأن الركوع في التسليمة الواحدة ركوعان والمزيد في صلاة الكسوف ركوعان، ولعله إنما زيد بعض أعمال النافلة كالإشعار بأنها كنافلة أخرى وقعت بجميع أركانها وأعمالها فكرر الركوع في صلاة الكسوف كالإشعار بأن الركعتين كالأربع.
وكرر التكبير في صلاة العيد كالإشعار بأن الركعتين كالأربع.
هذا مما يمكن أن يكون هو المقصود.
وكأنه كالمؤكِد لما حكيناه عن بعض أصحابنا.
فبهذه الرواية عن عائشة وبهذا الاعتبار يتعلق مالك.
وأما الشافعي فيتعلق أيضًا بما روي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبّر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الدخول في الركوع 2. وقد روي نحو ذلك عن عمر وابن عمر وكثير بن عبد الله وعمار بن ياسر.
ويرى أن هذه الرواية التي فيها البيان والتنفيذ مصرحًا به أولى من عدد إنما أخذ من إشعار سياق اللفظ، كما قدمنا الإشارة إليه، من أن تقييدها بقولها سوى تكبيرة الركوع يشعر بأن إضرابها عن التقييد في السبع يقتضي أنه تكبيرة الإحرام معدودة فيها.
وأما أبو حنيفة فإنه تعلق بما روي أن سعيد بن أبي العاصي سأل أبا موسى وحذيفة بن اليمان عن التكبير في صلاة العيد كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبرّ 3؟ فقال أبو موسى كان يكبّر أربع تكبيرات تكبيرَهُ على الجنائز 4. قال حذيفة
صدق ثم قال أبو موسى وهكذا كنت أكبّر بالبصرة حيث كنت عليها.
وقد أجيب عن هذا بأن ما تعلق به من الآثار مالك والشافعي أزيد وأكثر فكانت أولى.
فهذه المذاهب الثلاثة المشهورة قد ذكرنا وجوهها.
وقد قدمنا اختلافًا كثيرًا في عدد التكبير.
ومع كثرة ما حكيناه من الخلاف فقد حكى ابن المواز عن أشهب في الإِمام يكبّر أكثر من سبع في الأولى وخمس في الثانية فلا يتبع.
قال وكذلك إن كبّر في الجنازة خامسة فليسكتوا حتى يسلم فيسلموا.
ولم يعتبر أشهب ما ذكرنا من الاختلاف في عدد تكبير العيد ولم يراعه.
بل رأى 1 أنه كالخطإ الذي لا يتبع الإِمام عليه.
وإذا ثبت ما قلناه في عدد التكبير المزيد فإن القراءة في ركعتي العيد بعد التكبير.
وقال أبو حنيفة التكبير في الركعة الأولى قبل القراءة وفي الركعة الثانية بعد القراءة، ودليلنا ما روي عن عبد الله ابن عمرو بن العاصي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبّر يوم الفطر سبعًا في الأولى ثم قرأ ثم كبّر في الأخرى خمسًا ثم قرأ 2. وأما أبو حنيفة فإنه يتعلق بحديث أبي موسى الأشعري وقد روي فيه: ووالى بين قراءتين.
وأجيب عن هذا بأنه لم ينقل هذا اللفظ أحد من أهل الحديث.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة لما كان لا بد في افتتاح الصلاة من إحرام أضيف إليه المزيد من التكبير ليقع التكبير متواليًا.
والركعة الثانية بخلاف ذلك إذ لا تكبير في ابتدائها يوجب الموالاة.
وكأن هذا يرى أن التكبير لقيام الثانية محسوب من الأولى لا من الثانية فلم تدع ضرورة إلى أن يقدّم التكبير على القراءة في الركعة الثانية.
وهذا الاحتجاج إنما يصح له لو ثبت أن الأصل تأخير التكبير عن القراءة فيعتذر عن ذلك بما اعتذر في تقديمه في الركعة الأولى دون الثانية.
واختلف المذهب في رفع اليدين في التكبير المزيد.
فقال مالك في المدونة يرفع في الأولى وروى مطرّف عن مالك أنه استحب رفع اليدين مع كل تكبيرة.
وروى عنه علي وليس رفع اليدين فيهما مع كل تكبيرة سنة.
ولا بأس على من فعله.
وأحب إليّ في الأولى فقط.
فحجة من استحب رفع اليدين في التكبيرات ما روي أن ابن عمر 1 رضي الله عنه كان يرفع يديه في صلاة الجنازة والفطر والأضحى.
ولأنها تكبيرات لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فأشبهت تكبيرة الافتتاح.
واحتج من لم يستحب رفع اليدين بأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فلم يستحب فيها رفع اليدين كسائر التكبيرات.
وقال مالك في المختصر ليس بين التكبير صمت إلا قدر ما يكبّر الناس.
وقال ابن حبيب يقف بين كل تكبيرتين هنيهة قدر ما يكبّر الناس.
وليس بين التكبير دعاء.
وقول ابن حبيب: وليس بين التكبير دعاء إشارة إلى ما في ذلك من الخلاف.
فقد قالت الشافعية يستحب أن يقف بين كل تكبيرتين قدر آية لا طويلة ولا قصيرة ويأتي بذكر.
فمنهم من يقول 2 سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ومنهم من يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قالوا ولو قال ما اعتاده الناس الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا 3 وصلّى الله على سيدنا محمَّد، وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
وقال عطاء يقف ما بين كل تكبيرتين ساعة يدعو الله ويذكره في نفسه، ولأجل هذا الخلاف كله أشار ابن حبيب بقوله: وليس بين التكبير دعاء.
وأما أبو حنيفة فإنه قال: يأتي بالتكبيرات متواليات.
وقد احتج أصحاب
الشافعي بما روي عن ابن مسعود، أنه قال: وقد سأله الوليد بن عقبة يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: ولأنها تكبيرات متكررة في حال القيام، فتخللها ذكر كتكبيرات الجنازة.
واحتج من نفى الدعاء بأنه لو كان بينهما دعاء مسنون لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كالذكر في الركوع والسجود، وأجابهم الآخرون بأن قالوا: قد نقله ابن مسعود.
وأيضًا فإنه إنما لم ينقل لأنه يخفى بخلاف المكتوبات، فلهذا لم ينقل النقلَ الذي أشرفم إليه.
وقالت الشافعية على أصلهم في إثبات دعاء الافتتاح إذا كبّر
لصلاة العيد تكبيرة الافتتاح ثم يأتي بالتكبيرات السبع ثم يتعوذ بعدها قبل القراءة , لأن التعوذ إنما يراد للقراءة، فلا يكون بينهما فصل، خلافًا لأبي يوسف في قوله: يتعوذ عقيب دعاء الافتتاح , لأنه هكذا في سائر الصلوات.
والفرق أن سائر الصلوات يؤتى فيها بالتعوذ عند القراءة من غير فصل.
وقال الأوزاعي يأتي بدعاء الافتتاح بعد الفراغ من التكبيرات.
وردّ عليه بأن دعاء الافتتاح في سائر الصلوات عقيب تكبيرة الافتتاح فكذلك يجب أن يكون في صلاة العيد.
وإذا سها عن التكبيرات المزيدات، فذكر التكبير المزيد في الركعة قبل أن يركعها فإنه يعود إلى التكبير ويعيد القراءة إن كان قرأها.
وقال أبو حنيفة لا يعود إلى التكبير بعد شروعه في القراءة.
واختلف قول الشافعي في هذا فقال في القديم كقولنا لكنه لم يأمر بإعادة القراءة.
والأوْلى عندهم أن تُعاد، وقال في الجديد كقول أبي حنيفة، واحتج أصحابه لهذا القول بأنه ذكر مشروع قبل القراءة، فسقط بالشروع في القراءة كدعاء الافتتاح.
وحجتنا أن التكبير محله القيام.
والقيام باق لم يفت، وإذا لم يفت محل الفعل أمر بالإتيان به.
فإذا قلنا أنه يعود إلى التكبير ويعيد القراءة فهل عليه سجود السهو أم لا؟ قال مالك يسجد للسهو بعد السلام.
وعندنا في هذا الأصل قول آخر: أن لا سجود عليه لأنه زيادة قرآن.
قال بعض أصحاب الشافعي إذا نسي تكبيرة من تكبيرات العيد لم يسجد للسهو.
وذكر أن مالكًا وأبا ثور قالا: يسجد.
واحتج عليهما بأنه هيئة من هيئات الصلاة فلا يسجد لتركها كوضع اليمنى 1 على الشمال.
وقال مالك في مختصر ابن شعبان من سها في العيدين.
فزاد تكبيرة واحدة سجد بعد السلام ولم يراع مالك رضي الله عنه في هذه الرواية خفة هذا
السهو وكونه نِزْرًا ولا كونه ذكرًا ولا ما في ذلك من الاختلاف الذي قدمناه.
وكأنه رأى أن السهو يقتضي السجود.
وهذا قد سها بزيادة فلا يعتبر خفتها ولا غير ذلك مما ذكرناه.
فإن لم يذكر المصلي التكبير المزيد حتى ركع مضى على صلاته ويسجد بعد السلام، إلا أن يكون مأمومًا فلا يسجد.
لأن الإِمام يحمل عنه ذلك.
وأ ماجهر المأموم بالتكبير فقد قال ابن حبيب يجهر بالتكبير جهرًا يسمع من يليه.
ولا بأس أن يزيد في جهره ليسمع من يقرب منه ممن لا يسمع الإِمام ويجهل بالتكبير.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما من فاته التكبير كله أو بعضه فاختلف المذهب فيه هل يقضيه أم لا؟ فقال ابن القاسم في العتبية، من سبقه الإِمام بالتكبير فليدخل معه ويكبّر سبعًا.
وإن وجده راكعًا دخل معه وكبّر تكبيرة واحدة وركع ولا شيء عليه.
وإن وجده قد رفع رأسه أو قام في الثانية فليقض ركعة ويكبر فيها سبعًا.
قال وإن وجده قائمًا في الثانية فليكبر خمسًا.
وقال ابن وهب لا يكبر إلا واحدة.
ابن حبيب إن أدرك الإِمام وهو في قراءة الثانية فليكبر للإحرام ثم يكبر خمسًا، فإذا قضى كبّر ستًا والسابعة قد كبرها للإحرام.
قال ولو كان التكبير لا يقضى كما قاله ابن الماجشون ما كان على من لم يسمع 1 تكبير الإِمام أن يتحرى التكبير فيكبر.
وفي المجموعة قال مالك: ومن فاته بعض التكبير قضاه.
قال عبد الملك إن 2 كان بين تكبير الإِمام فُرج يكبر فيها ما فاته منه قبل القراءة، فليس ذلك عليه كما لو جاء في القراءة فإنما عليه أن يحرم.
قال ومن أدرك الركعة الأخيرة منها فلم يقل أحد أنه يكبر إذا قضى سبعًا فيصير مفتتحًا مرتين.
والافتتاح لا يقضى.
قال: وقال بعض أصحابنا يكبر ستًا ولا أقوله ولا علمت تكبيرًا يقضى ولا يكون فيما يقضى قبل قراءته تكبير.
وإنما يقضى تكبير الجنازة لأنه بدل من عدد الركوع.
وذكر ابن حبيب قول ابن الماجشون.
وذكر عن ستة من أصحاب مالك أن التكبير يقضي.
قال وبه أخذ أصبغ.
وهو أحب إلينا.وفي مختصر ابن شعبان روي ابن القاسم وعثمان بن عيسى 3 وابن كنانة ومطرّف وابن نافع عن مالك فيمن أدرك الإِمام في بعض
تكبير العيد أنه يكبر ويدخل معه.
فإذا فرغ الإِمام من التكبير وأخذ في القراءة أتم هو ما بقي عليه والإمام يقرأ.
ولو أدركه وهو يقرأ كبّر سبعًا.
وإن أدركه وهو راكع كبّر تكبيرة الإحرام، وركع معه.
وقد اختلف قول الشافعي أيضًا فقال في القديم فيمن فاته بعض تكبيرات العيد، يقضي ما فاته وكذلك إذا أدركه وهو يقرأ.
وقال في الجديد لا يقضي.
ووافقنا الشافعي على أنه لا يقضي 1 إذا أدركه في حال الركوع.
ولم يختلف قوله فيها.
وإنما خالف في ذلك أبو حنيفة ومحمد فقالا: لا يكبّر في الركوع.
فأما اختلاف أصحابنا في قضاء التكبير لمن أدرك الإِمام في القراءة.
فمن قال لا يقضي رأي أن التكبير قول فلا 2 يقضيه المسبوق كما لا يقضي القراءة.
ولأن الإِمام متبع فيها إذ لا يكبر إلا بعد تكبير الإِمام فلا يخالف عليه بأن يفعل المأموم غير فعله ويخرج عن حكم اتباعه.
ومن قال إن التكبير يقضى، رأي أنه بخلاف القراءة لأن المأموم عند قراءة الإِمام صامت، والمأموم يكبّر عند تكبير الإِمام.
وأما مخالفة أبي حنيفة في قضاء التكبير في الركوع، فإنه يحتج بأن الركوع محل التكبير لأن تكبيرة الركوع من تكبيرات العيد.
وهذا لا يسلّم له.
وقد قدمنا ما يدل على أن تكبيرة الركوع من تكبيرات العيد عند ذكرنا كون التكبير المزيد قبل القراءة.
وهو يوافق على هذا في الأولى فلا معنى لهذا الذي قال.
ويحتج أيضًا بأن الركوع كالقيام، بدليل أنه تدرك به الركعة.
وهذا غير صحيح فإن الركوع يسقط القراءة والقنوت.
ولا يسقطان في حال القيام، فكذا التكبير يسقط بالركوع وإن لم يسقط بالقيام.
وإذا أدرك المأموم الإِمام جالسًا فأحرم 3 وجلس فسلم الإِمام ثم قام للقضاء فهل يسقط من عدد التكبير هذه التكبيرة التي دخل بها مع الإِمام؟ 4