للغرماء.
وهذا أيضًا ظن من أبي حامد أنه رأى ما ذكر، ولا يثبت بالظن خبر، مع أنه أيضًا لم يذكر أن هذا الظن بأنه رأى هذه الزيادة منسوبة إلى ثقة سماه، وهذا مما لا يقدح به فيما قدمناه من وجوب حمل الرواة عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قال كذا وكذا على أنه قول النبيِّ عليه الصلاة والسلام بأسره لا على أن بعضه من كلامهم، وبعضه من كلام النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
فإذا تحقق لديك ما عرضناه عليك من هذه الأحاديث والقوادح فيها، والانفصال عن القوادح، فالإنصاف يقتضي أن قول أبي حنيفة: أن من له الدين أسوة مع الغرماء في الفلس والموت هو القياس، ولولا الأحاديث التي رويناها لم تحسن مخالفته، لكن الرجل يذكر عنه أنه كان يقدم الأقيسة على خبر الواحد، فيمكن أن يكون صار إلى ما ذهب إليه من جهة القياس ألا يختص هذا الغريم بسلعته لأجل أن ملكه قد زال عنها زوالًا محققًا متيقنًا، فصارت سلعة هذا الغريم كغيرها من السلع المأخوذة عند المفلس وفي تركة الميت.
فكما لا يختص بغيرها من سلع المفلس أو الميت بل ذلك يتساوى فيه الغرماء، فكذلك في سلعته لكونها ساوت سائر أملاكه.
وأيضًا فإن من باع سلعة بثمن في ذمة المشتري تعلق له حقان في الثمن: حق في كونه في ذمة المشتري، وحق في حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها.
فإذا أسقط أحد الحقين وهو حبس السلعة حتى يأخذ ثمنها وسلمها لمشتريها فليس له أن يرجع في هذا الحق، ويسترد السلعة إلى ملكه، ويفسخ العقد فيها حتى يعطى ثمنها.
ألا ترى أن من باع سلعة وأخذ بالثمن رهنا، ثم سلم الرهن لراهنه، فإنه يبطل حقه فيه ولا يمكن من ارتجاعه عند فلس أو موت ويساوي الغرماء في ثمن هذا الرهن.
فكذلك السلعة المبيعة إذا كان من حق البائع أن يحبسها بالثمن فسلّم حقه في ذلك وأسقطه، لم يمكّن من الرجوع في هذا الحقال في أسقط، وبقي الحق الآخر، وهو كون الثمن في الذمة، وهذا الحق استوفى 1 فيه هو وسائر الغرماء.
لكن أصحابنا وأصحاب الشافعي يقولون: إن البائع، وإن أسقط حقه في حبس السلعة، فإنا لم أقل 1: إنه أحق بها في الفلس من جهة أن له الرجوع عما أسقط، لكن من جهة أن عين المبيع قائمة، وما سواه من الغرماء قد فات ما باعوه، فيترجح عليهم يكون عين ما باعه قائمة، فلأجل هذا الترجيح قلنا: إنه أحق بعين سلعته.
وأما الرّهن فإنه لم يسبق له عليه ملك، ولا استحق عينه، فإذا أسقط حقه في كونه رهنًا لم يبق له بعد ذلك ما يترجح به في هذا الرهن على غيره من الغرماء.
وقابل أصحابنا وأصحاب الشافعي هذا القياس بأن قالوا: إن السيد إذا كاتب عبده فقد انتقل حق في عين العبد إلى معاوضة في ذمة العبد، فإذا عجز المكاتب عن الأداء رجع السيد في العين التي باعها منه، وهي رقبة 2، فالمكاتب كثمن السلعة وعجْز المكاتب عن الأداء كفلس المشترى وعجزه عن
الثمن.
وهذا، عندي، لهم أن يقولوا فيه بأن السيد لم ينتقل ملكه عن العبد لأجل الكتابة، ألا تراه من حقه أن يمنعه من السلف وإتلاف ماله وفعل ما يعيب رقبة؟ (2) وهذا يشعر بأن ملكه لم ينتقل عنه، ومشتري السلعة له أن يبيعها ويتصرف فيها كما يتصرف في سائر ملكه، فلهذا لا يكون للبائع أن ينقض هذا الملك المستقر.
فإن كان هذا الرجل قدم القياس على الخبر الذي ذكرناه فهذا الجواب عنه، مع أنّا ننقل المسألة إلى ما أمليناه في أصول الفقه من كون الخبر يجب أن يقدم على القياس، فهذا طريقةٌ في الاعتذار عنه.
والطريقة الثانية رد الخبر من جهة احتمالٍ فيه لا من جهة تقدمة قياسٍ عليه، وذلك أن أصحاب أبي حنيفة يقولون 1: عليه السلام: "فصاحب المتاع أولى بمتاعه إذا وجده بعينه" محمول على أن المتاع كان وديعة عند هذا المفلس، أو عارية، أو غصب لمالكه، فإذا احتمل هذا، وأمكن أن يراد بالحديث، لم تكن فيه حجة على أن بائع السلعة أحق بعينها إذا فلس المشتري، لأن الوديعة والعارية ملك صاحبها لم ينتقل عنها، والسلعة المبيعة قد انتقل ملكه عنها.
ويرجحون تأويلهم هذا بأنه قال: "فوجد متاعه بعينه" فهذه الإضافة أنها لا 2 تكون إضافة على الحقيقة لا على المجاز إذا كان المراد بالحديث متاعه الذي أودعه أو أعاره لأن ذلك متاع المودع والمعير، ولا يقال: إنه متاع المودَع والمستعير، والكلام يجب حمله على الحقائق.
ولنا عنه أربعة أجوبة:
أحدها: أنا ذكرنا أن في بعض طرق هذا الحديث "فوجد البائع متاعه" وهذا كالنص الذي يبطل تأويلهم.
فإن قالوا: معنى البائع ها هنا المساوم الذي لم يقبل البيع، وهو يسمى بائعًا على المجاز، فلا يُنْكرَ حمْل هذا اللفظ على المجاز كما حملتم أنتم قوله "متاعه" على المجاز، وأن معناه الذي كان متاعًا لمن باعه، لأن تجارهم لا يثمر فائدة لِما استقر من علم عند كل أحد أن من ساوم سلعة ولم ينفذ فيها بيعًا فإنه أحق بهالأوليس للمشتري المساوم فيها حق بإجماع، كما أيضًا أن هذا أحد الأجوبة عن قولهم المراد بقوله: "متاعه" أودعه أو أعاره؛ لأنه لا يخفى عن عاقل أن من أودع وديعة أو أعار عارية أحق بوديعته من غرماء المودَع عنده، وحمل كلام النبي عليه الصلاة والسلام على ما لا يفيد والعدول عما يفيد لا
يذهب إليه أحد، بل الناس يحاشون الأئمة إذا سمعوا كلامهم أو رأوه في دواوينهم من حمله على ما لا يفيد، فكيف النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما بعث ليبيّن للناس ما نزل إليهم، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ 1 والمراد به ما كان أرضًا لهم وديارًا، لأن هذا يستعمل كثيرًا مشتهرًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن الحديث مقيد بالإفلاس وقال: "إذا أفلس الرجل".
ومعلوم أن الوديعة والعارية صاحبها أحق بها، سواء من فلس وهي عنده أو كان غنيًا، فلو أراد الوديعة لقال: من أودع شيئًا فهو أحق به، ولم يكن للتقييد بالإفلاس معنى.
والجواب عن السؤال الثالث أنه قال:
((فوجده بعينه)).
والوديعة يأخذها صاحبها وجدها بعينها أو تغيرت.
والفلس سنتكلم على حكم وجود ما باع وقد تغيرت.
والجواب عن السؤال الرابع: أنه قال:
((فهو أحق بها)) ولفظة "أحق" إنما تستعمل في مفاضلة بين صنفين موجودة في اثنين كقولنا: فلان أفقه من فلان.
بمعنى أن فلانًا له فقه أكثر من فقه فلان الآخر وإن استعمل بمعنى السَّلْبِ، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ 2.
وإن كان أهل النار ليس لهم مستقر ولا مقيل حسن وكما يقال: العسل أحلى من النحل، وإن كان النحل لا حلاوة فيه، فإن هذه إنما تستعمل نادرًا على جهة التجوز.
ومما اعتمد في الرد على أبي حنيفة من جهة القياس بعض الحذاق أن الثمن والمثمر شيئان في كون أحدهما عوض الآخر لا فرق بينهما في ذلك.
ولو
أسلم رجل لآخر ثوبًا في طعام، فحلَّ الأجل، وعجز المسلم إليه عن قضاء ما عليه من الطعام وفلس، لكان من حق بائع الثوب أن يسترده، ويفسخ البيع فيه.
فإذا كان فيه: تعذر استيفاء المثمون يوجب للمشتري حقًا في الفسخ، فكذلك يجب أن يكون تعذر استيفاء الثمن يوجب للبائع حقًا، وفسخَ العقد، واسترجاعَ سلعته.
وقد ألزم بعض العلماء في السكة إذا انقطعت، أو الفلوس إذا فسدت، وكانت ثمنًا، فإن لبائع السلعة فسخَ العقد لتعذر استيفاء الثمن.
وإن كان بعض حذاق الشافعية مال عن هذا ولم يرضه، لكون الأثمان، التي هي الدراهم والدنانير، وإن لم توجد في بلد وجدت في آخر، ولو انقطعت في سائر البلاد على بعد في تصوير هذا فإنها لا عوض في عين هذا إنما العوض منها المالية لا الجنسية، وإنما تذكر في البياعات ليعلم ما تقع المطالبة فيه، والسلع، وإن كانت هي مالية، فالجنسية مقصودة فيها، فلهذا فسخ العقد ((والفلس، ولو نوقض)) 1 أبو حنيفة بكونه يرى أن من باع سلعة ولم يسلمها حتى فلس المشتري، فإن بائعها أحق بالاختصاص بها من سائر الغرماء، على اختلاف عندهم: هل يكون أحق بعينها ولو تسلمها المشتري أو تباع ويكون أحق بثمنها؟.
وهذا قول يناقض به لكون بقاء السلعة في يده يقتضي ترجيحه وكأنها رهن في يده بالثمن فهذا غاية فيما بيننا وبين أبي حنيفة.
وأما ما بيننا وبين الشافعي من الخلاف، فإنا اتفقنا وإياه على أن البائع أحق بسلعته في الفلس دون الموت.
وذهب هو إلى أنه أحق بسلعته في الوجهين جميعًا: الفلس والموت.
واعلم أيضًا أن سبب هذا الاختلاف اختلاف الروايات عن أبي هريرة، وقد قدمناها.
ومما ذكرناه فيها رواية مالك في الموطأ الحديث عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن من قول النبي عليه السلام: "إن البائع أحق بسلعته في
الفلس وهو أسوة في الموت".
والشافعي أجاب بنفسه عن هذا بأنه حديث مرسل، وهو لا يقول بالمراسيل.
فإن شئنا حاججناه في الأصل الذي خالف فيه، ونصرنا القول بقبول المراسيل من الثقاة، على أصل أصحابنا.
وإن شِئْنا منعناه من كون الحديث مرسلًا، وقلنا: قد قدمنا أن عبد الرزاق أسنده إلى أبي هريرة عن النبي عليه السلام.
وعبد الرزاق ثقة رواه عن مالك مسندًا.
وقدح الشافعي، أيضًا، في الحديث من غير جهة الإرسال، بأن قال: قوله: "وإن مات فهو أسوة الغرماء" يحتمل أن يكون استئناف جملة قالها أبو بكر بن عبد الرحمن حكايته عن مذهبه وذكرنا أن هذا تطرق إلى هدم أصول عظيمة حتى تتعطل أكثر الأحاديث.
وأما الشافعي فإنه تعلق بحديث روي عن أبي بريد عن ابن أبي ذئب عن المعتمر عن أبي خلدة عن أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر حديثًا ساوى فيه بين الفلس والموت، فقال: "إذا فلس المشتري أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه" 1.
وهذا أيضًا طعن فيه أصحابنا يكون ابن أبي ذئب انفرد بروايته دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث، والإنفراد يوهن النقل عند المحدثين.
ولكن لهم أيضًا أن يقولوا في رواية عبد الرزاق المسند لحديث الموطأ عن أبي بكر عن أبي هريرة أن عبد الرزاق انفرد بإسناده دون غيره من الأئمة الذين رووا الحديث عن مالك وسمعوا منه موطأه ولكن إذا سلكنا طريق الترجيح فرواية مالك مقدمة على رواية غيره، لأنه اشتهر القول من الأئمة: إن ما بعد كتاب الله أصح من
الموطأ، وهو إمام في الحديث، وروى عنه الشافعي الأحاديث واعتمد عليها.
وأما طريق النظر فإن الشافعي يقول: "فإنا اتفقنا على أن البائع أحق بسلعته في الفلس، ولا فرق بين الفلس والموت، فيجب أن يكون أحق بسلعته أيضًا في الموت، ومن 1 ورث السلعة عنه (أعظم أبيه أن يحل محله ويستحق ما يستحق) 2، فإن كان المشتري حيًا وحكمنا لبائع السلعة إذا فلس المشتري 3 أحق بها، فكذلك يجب أن يكون أحق بها إذا مات وتركها، لأن ورثته يحلون محله وحقهم في المال على حقه.
وهذا القياس يعتمدون عليه، ويرون أن علة كون البائع أحق بسلعته في الفلس ما طرأ على ذمة المشتري من عيب وهو خراب الذمة وفقدها، وهذه العلة بعينها موجودة في موت المشتري.
وأصحابنا يجيبون عن هذا بأن تغليب أحد الضررين أصل في العلم عظيم، فإذا قضينا يكون البائع في فلس المشتري أحق بسلعته، فقد أبقينا لمن سواه من الغرماء ذمة يرجعون إليها، وتُرْجَى عمارتها في المستقبل، وملاؤها، ولا يلحقهم ضرر كثير، ويلحق البائع إن منع من سلعته ضرر أشدّ من ضررهم.
وهذا قد عكسه القوم علينا فقالوا: إذا كان الغرماء -وهم جماعة- لا يشاركون البائع في سلعته في الموت، وهم سواء (من أن يقضى من ديونهم شيء بذلك آكد) 4 في أن لا يقدم عليهم بائع السلعة لعظم ما يلحقهم من الضرر من كونهم لا يرجون قضاء ديونهم في المستقبل، ويرجون ذلك إذا كان المفلس حيًا.
وهذا لعمري يضعف الانفصال عن هذا الانعكاس، كما أن قول أصحابنا: إن السلعة إذا كان بائعها أحق بها في الفلس إذا بقيت على ملكه فلو تعلق بها
حق للغير فإن بيعها من حر 1 أسقط باتفاق تعلق حق البائع بها، ولكن له استرجاعها، فكذلك الوارث وقد تعلق له حق بالسلعة وانتقل الملك إليه، فيكون ذلك مانعًا للبائع من أخذ سلعته.
وهذا قياس مطلوب لأن الوارث انتقلت السلعة إليه بغير عوض بذله فيها بخلاف مشتريها بعوض.
هذا أيضًا وقد لا يسلم انتقال الملك إلى الوارث إذا كانت التركة أحاطت بها الديون، لقوله تعالى في أحكام الميراث وبيان تفاصيله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 2. فإنما حكم البنت بالنصف، ولكل واحد من الأبوين السدس بعد قضاء الدين والوصية.
فجعل تمليكهم لما ترك الميت مشروطًا بعدم ديون تستغرق التركة فالأولى عندي الاعتماد على رواية مالك في الموطأ وترجيح نقله عن نقل غيره وأما الأقيسة فلا تكاد تسلم لنا من القوادح.
واعلم أيضًا أن بائع السلعة إنما يكون 3 بها إذا لم يكن في يد المشتري ما يوفي ثمنها، ويجتمع الديون عليه كما قدمناه في وصف من يفلس ومن لا يفلس وأما الموت فنحن نقول: إنه لا يكون أحق بسلعته وأصحاب الشافعي يقولون: إنه أحق بسلعته.
ولكن يشترطون أن يكون الميت لم يخلف وفاءً لما عليه من الديون.
لكن الاصطخري انفرد من جماعتهم وذهب إلى أنه يكون أحق بسلعته في الموت، وإن خلف الميت ما يقضى منه ثمنها وما عليه من الديون، تعلقًا منه بقوله عليه السلام: "إذا أفلس أو مات فهو أحق بمتاعه" الحديث المتقدم.
فتعلق بعموم قوله: "أو مات" ولم يشترط - صلى الله عليه وسلم - أن يموت وعنده وفاء بما عليه أو ليس ذلك عنده.
وقال بعض أصحاب الشافعي إن في طرق الحديث اشتراط ألَّا يخلف وفاء، فقال: هو أحق بسلعته ما لم يخلف وفاء.
وأيضًا فإن كونه أحق بالسلعة معلوم أن علته خراب الذمة وما طرأ عليها من عيب نقص به البائع من ثمن
سلعته، فإذا كان يجد ثمنها بكماله فلا معنى ولا وجه يستحق به استرجاعها، كما لو كان المشتري حيًّا وقضاه ثمنها بكماله.
واعتل الاصطخري بأنه إذا مُنع من سلعته فأُعطِي ثمنها فقد يطرأ غرماء آخرون ولم يعلم به 1 فيطلبونه باسترجاع بعض الثمن الذي قبَض بحسب ما توجبه المحاصة.
كما لو طرأ غريم لم يُعلم به على غرماء فإنه يرجع عليهم بما يوجبه الحصاص معهم.
وهذا أيضًا من المجوَّزات التي يندر وقوعها، ولم يلتفت الشرع إلى مثلها، ولو التفت إليه لوجب أيضًا أن يحرم الولد ميراث أبيه لجواز أن يطرأ دين عليه يمنعه الميراث وهذا لا يصح أن يذهب إليه أحد.
ومما ينبني على ما نحن فيه مسألة خلاف بيننا وبين الشافعي فإنا نقول في المفلس إذا طلب أحد غرمائه أخذ سلعته بعينها، فقال الورثة أو الغرماء.
نحن ندفع إليك الثمن بكماله ودعها.
فإن من حقهم ذلك ويمنع البائع من ارتجاع عين سلعته؛ لأنا قدمنا أن علة كونه أحق بسلعته خراب الذمة، وما يطرأ عليه من نقض الثمن الذي باع به، وأخرج سلعته من يده على شريطة أن يوفى له به، فإذا مكن من الثمن على كماله ارتفعت العلة التي من أجلها كان أحق بذلك يزال 2 عنه الضرورة (2)، وانتفع الغرماء بتكثير ما يأخذون من ديونهم لجواز أن يكون في السلعة ربح فإن قضوا البائع الثمن بقي لهم الريح فتوفرت به ديونهم وانتقص عن المشتري بعض ما عليه من الديون.
وقال الشافعي: لا يمكن الغرماء ولا الورثة من ذلك بل البائع أحق بسلعته ولو دفع إليه الغرماء أو الورثة جميع الثمن، تعلقًا بقوله عليه السلام: "فهو أحق بمتاعه" وهو محمول على عمومه ثم أيضًا يقول البائع: لا يلزمني قبول هذه المنة والهبة كما أني لو وهب لي أحد هبة فلم نقبلها فإني لا أجبر على قبولها، وكذلك لو تبرع إنسان بقضاء دين عن إنسان لم يجبر طالب الدين على
قبوله من غير من هو عليه عند الشافعي.
وهكذا يقولون لو قامت الزوجة طالبة للطلاق لعدم النفقة فتبرع رجل بإجراء النفقة عن الزوج، فإنه لا يلزم المرأة قبول ذلك.
وأيضًا بأن قد يطرأ غريم لم يعلموا به فيحاص هذا البائعَ في الثمن الذي أخذ على حسب ما قلناه.
ونحن لا نسلم له عموم هذا الحديث، ولا قوله: لا يجبر طالب دين على أخذه ممن يتبرع به وتطوع بقضائه عمّن هو عليه، إذا قصد بذلك التخفيف عمّن عليه الدين، ولم يقصد هبة من له الدين، على ما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: فإنه يترقب ضرر البائع بأن يطرأ غريم فيحاص فيما أخذ من الثمن، فإنا لا نسلم له ذلك، ولا نجعل لهذا الغريم الطارئ مرجعًا على هذا البائع، لكونه أحق بسلعته، فكأنه إذا أُعِطي ثمنها كمبتدي بيعها بعد التفليس برضى الغرماء، فقد سلم عوضًا عن الثمن الذي أخذ فلا يشاركه فيه أحد.
فإن تقرر أن مذهبنا على الجملة إسقاط حق البائع فالظاهر من المذهب أن ذلك يسقط حقه في عين السلعة التي باعها من المفلس على الإطلاق، خلاف قول الشافعي: إن ذلك لا يسقط حقه.
وقيل: إنما يسقط حقه في عين هذه السلعة إذا بذل له الغرماء ثمنها، إذا كان بذلهم إياه من مال غيرهم، وأما إن كان من مال أنفسهم كان ذلك لا يسقط حق البائع في عين سلعته ولا يجبر على قبول ذلك منهم.
وإلى هذا ذهب ابن كنانة.
وقيل أيضًا: لا يسقط حق البائع في عين سلعته ولو بذل الغرماء الثمن من مال الغريم، إلاَّ بأن يتلزموا زيادة على الثمن الذي باعها به بائعها ولو درهم واحد، فيعطون ذلك من ديونهم التي على الغريم.
فكأن من مكنهم من إسقاط حق البائع في عين سلعته إذا بذلوا الثمن ولو كان ذلك من أموالهم، وهو اختيار ابن الماجشون، أن البائع إنما جعل الشرع له حقًا في عين السلعة لأجل ما يلحقه من الضرر من انتقاص الثمن الذي باع به، فإذا وصل إليه على الكمال
لم يكن له في عين السلعة مقال.
وهذا التعليل يستوى فيه كون المال الذي بذلوا للبائع من مال غريمهم أو من مال أنفسهم، لا سيما على أصل مذهبنا الذي قدمنا فيمن تبرع بقضاء دين عن رجل، فإن صاحب الدين يجبر على أخذه منه سواء كان من يتبرع بقضائه فعل ذلك بأمر من عليه الدين أو بغير أمره.
وكأن ابن كنانة رأى بذل الثمن إذا كان من مال أنفسهم صاروا كالمسقطين حقه في عين سلعته 1 ملكها (1) الشرع إياها وليس ذلك من حقهم، كما ليس من حق رجل أن يشتري سلعة رجل بغير اختياره.
فإذا كان البدل من مال غريمهم، فإنهم قدموا هذا الغريم الذي هو البائع بأن يستوفي دينه من مال غريمه الذي باع السلعة منه ويبقون هم على مطالبة الغريم مما لهم في ذمته أيسر، وتصير، زيادة على ما ينوب هذا البائع في الحصاص، تفضيلًا لهذا الغريم على أنفسهم، وذلك لا يمنعون منه.
وكان أشهب رأى في المبيح لهم ذلك منفعة ترجع إلى الغريم متيقنة له في الحال، ولا يحصل ذلك إلا بأن يزيدوا على الثمن بزيادة يسقطونها من دينهم على الغريم، وتبرأ ذمته منها الآن.
وأما منفعة الغريم فلا يتحقق الآن حصولها، مثل أن يرجى في السلعة إذا أخروها وباعوها زيادةٌ في الثمن، فإن في ذلك تجويز أن يخسر فيها أو تهلك عينها فيعود ذلك إضرارًا بالغريم، لا سيما على أصل من قال: إن النماء في هذه السلعة التي افتكوها من بائعها من غريمهم مستحقة للغريم إن كان ربحًا أو
مستحقة عليه إن كانت خسارة.
وإلى هذا ذهب أشهب فقال: لا يجبر بائع السلعة على إسقاط حقه في عين سلعته إلا بأن يزيد الغرماء زيادة على الثمن يحطونها من ديونهم على الغريم.
قال: ويكون النّماء والتَّوى عليهم.
وأما ابن القاسم فإنه ذهب إلى أن الربح والنماء للغريم والخسارة عليهم.
وذهب ابن الماجشون إلى أن الربح والنماء للغريم والخسارة على الغرماء.
فتلخص من هذا أن تمكين الغرماء من أخذ السلعة بدفع ثمنها لبائعها على الكم الذيه ثلاثة أقو الذي المذهب:
أحدها: تمكينهم من ذلك على الإطلاق.
والثاني: تمكينهم بشرط أن يكون البدل من غريمهم لا من مال أنفسهم.
والثالث: أن يكون البدل بشرط زيادة على الثمن يحطون مقدار ذلك عن الغريم من ديونهم.
وكذلك في الخسارة في هذه السلعة والربح ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك من الغريم.
والثاني: أنه من الغرماء.
والثالث: أن الربح للغريم والخسارة على الغرماء.
فكأن ابن القاسم الذي ذهب إلى أن الربح والخسارة على الغريم، يقول:
قد كان ضمانها من الغريم من حين شرائه لها إلى أن قام الغرماء عليه، فإذا بذلوا الثمن رجاء ربح يزيد في مال غريمهم لم يمنعوا من ذلك لأن فيه منفعة للغريم ولهم.
وكأن من يقول: ضمانها منهم، يرى أن في هذا إضرارًا بالغريم لأن السلعة إذا أخذها بائعها برىء الغريم من خسارتها وهلاك عينها، فإذا أراد الغرماء أن يمنعوا بائعها من أخذها الذي فيه براءة مشتريها ألحقوا بمشتريها، وهو غريمهم، ضررًا في ذلك.
وكأن ابن الماجشون يرى أن الربح إذا حصل وقضي به للغريم لأجل أنهم أخذوها لمنفعة، فإن كان فيها ربح كشف الغيب أمْن مشتريها من الضرر، وإن
كان فيها خسارة كشف الغيب أن ذلك إضرارٌ بالغريم فلا يمكنون منه.
ومال بعض الأشياخ إلى مذهب ابن القاسم، لأجل ما اعتللنا من كونهم لم يدخلوا عليه ضمان أمر لم يكن لازمًا بل أنفوا 1 الضمان على ما كان عليه وأدخلوه في منفعة يرجونها.
ولو كان هذا البائع لهذه السلعة يستحق قِبَل مشتريها دينًا آخر من ثمن سلعة باعها منه وأتلفها مشتريها فينتزع الغرماء بأن يفدوا منه هذه السلعة التي باع وهي باقية بعينها في يد مشتريها فإنها إذا بيعت بربح وزيادة على الثمن الذي فدوها به من هذا البائع الذي استحق عينها فإنه يضرب معهم بثمن السلعة الفائتة في جميع ما بيد الغريم سوى هذه السلعة خاصة، فإن دخول هذا البائع، الذي استحق عينها وفدوها منه بثمنها الذي باعها به، مع سائر الغرماء في ثمنها الذي بيعت به، فيه اختلاف، ولكن مقدار ما يفدونها به، وما حصل لهم فيها من ربح، فلا يختلف في أن هذا البائع الذي فديت السلعة منه يضرب معهم في ربح سلعته هذه التي فدوها منه، وفيما سواها من مال الغريم بالدين الذي له في ذمة الغريم، وهو السلعة التي فاتت ولم توجد عينها.
هذا رأي 2 بعض الأشياخ المتأخرين أن المذهب على قولين.
والذي وقع من الرواية في هذه ما ذكره ابن المواز عن مالك وابن القاسم من قولهما: ويضرب صاحب السلعة الفائتة في ثمن هذه السلعة التي فُدِيَتْ منه مع سائر الغرماء.
ولكن ابن المواز أتبع هذا النقل عن مالك وابن القاسم بأن المراد بما قالاه أن البائع الذي فديت هذه السلعة منه يضرب في ربح هذه السلعة التي فديت منه بالدين الذي له على الغريم، ولم يرد أنه يضرب في جميع ثمنها كله.
وهكذا صرح أصبغ عن نفسه بأن الغرماء يكونون أحق بها 1 وزنوا من فدائها في الذي باعوها به.
وإنما يضرب بائع السلعة الذي فديت منه في ربحها وفيما سوى ذلك من مال الغريم.
فكأن ابن المواز أشار إلى أن إطلاق مالك وابن القاسم المراد به ما قال أصبغ.
وكان بعض الأشياخ أبقى الكلام على ظاهره وأجراه على حقيقته، لأن قوله: يضرب في ثمنها، لا يصرف إلى الربح الذي حصل فيها إلا عن تجوز وتعسّف في الكلام.
وأكد هذا عن بعض الأشياخ أن ابن القاسم وأشهب اختلفا فيمن وكل رجلًا على أن يشتري له سلعة ويسلفه ثمنها، ففعل الوكيل، ثم أراد حبسها حتى يأخذ من الذي وكله ثمنها الذي أسلفه.
فإن ابن القاسم لم يمكنه من ذلك، ولا جعله من حقه، ورأى أن السلع إنما تحبس بأن ترهن في دينٍ، 2 الموكِّل لم يقصد جعلها في يد الوكيل هنا بما أسلفه من ثمنها، ولا الوكيل هو بائعها فيكون من حقه أن يحبسها حتى يأخذ ثمنها.
وكأن أشهب رأى أن يد الوكيل كيد الموكل، ولو باشر الموكل الشراء لكان من حق بائع السلعة أن يمسكها حتى يدفع إليه ثمنها، والوكيل الذي اشتراها يحل محل بائعها، فكان من حقه أيضًا أن يحبسها حتى يأخذ ثمنها.
فكذلك هذه المسألة لما استحق بائعها عينها، وفاداها منه الغرماء بثمنها، ينبغي أن يختلف فيهم: هل يستحقون من ثمنها مقدار ما فدوها به ويحلون في ذلك محل البائع الذي فدوها منه؛ فكان من حقه أن يأخذ عينها ويبطل حق سائر الغرماء فيها، ولا يكون 3 يحلون محل البائع الذي استحق عينها وفدوها منه،
ويصير كمن أسلف الغريم مالًا فلا يستبدون بثمن 1 من ماله دون غيرهم من الغرماء، كمن لم يسلفه.
وعندي أنّا إذا قلنا: إن الضمان منه والربح لهم، كما حكيناه عن أشهب، وجب أن يكونوا أحق (من ثمنها) 2 بما فدوها به، وتتنزل منزلة سلعة اشتروها فلا يشاركهم فيها غيرهم ممن لم يشترها.
وإذا قيل: إن الضمان من الغريم والربح له والخسارة عليه، فقد يتصور ها هنا ألاّ يكونوا أحق بثمنها الذي فدوها به، وكأنها تباع على ملك غريمه.
وقد اختلف المذهب على قولين فيمن له دين على رجل فأحاله بدينه على غريم له باع منه سلعة، ففلس مشتري السلعة المحال عليه.
فقيل: يكون المحال أحق بعين السلعة المبيعة من المفلس الذي أحيل عليه بثمنها، لأن المحال إنما يطلب ثمنها كالنائب عمن أحاله بمالَهُ عليه من دين، فلما كان المحيل الذي باعها لو لم يُحِل بثمنها أحدًا، ففلس مشتريها منه، فإنه يكون أحق بعينها من سائر غرماء المفلس، فكذلك من صار إليه من ثمنها من جهته وهو المحيل الذي أحيل على ثمنها.
وهذا اختيار ابن المواز.
وقال أصبغ: لا يكون هذا المحال أحق بعين السلعة، ولا يحل محل بائعها الذي أحاله في استحقاق عينها عند المفلس، وهذا يلاحظ ما حكيناه عن بعض الأشياخ من إجراء ما قد بنيناه على مسألة الوكيل: هل له أن يحبس ما اشتراه عن موكله أم لا؟ ولكن هذه المسألة ترتبط بأصل آخر، وذلك أنه اختلف عندنا في الحوالة: هل ناحيتها ناحية البيع أو ناحية المعروف، على ما يرد في كتاب الحوالة إن شاء الله تعالى.
فلو أن من له ثمن هذه السلعة باع ثمنها الذي هو له على مشتريها بما يجوز بيعه، ففلس مشتريها، لم يكن أحق بثمن السلعة المبيعة؛ لأنه إنما وصل إلى ملك ثمنها في ذمّة مشتريها بمعاوضة، فليس هو
كالنائب عمّن أحاله.
ولو تصدق بائعها بثمنها على رجل (فليس) 1 مشتريها فإن المتصدق عليه أحق بعينها، لأن الصدقة معروف والمتصدق أحاله محل نفسه.
فإذا قلنا: إن الحوالة كالبيع لم يكن المحال أحق بعين السلعة.
(وإن قلنا: طريقها المعروف 2 فكان أحق بعين السلعة) 3، كما بيناه من أن مشتري هذا لا يكون أحق بعين السلعة لأجل ما قدمناه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد تقرر أن مشتري السلعة إذا فلس، وكانت قائمة بيد مشتريها، إن ربها الذي باعها أولى بعينها من غيره من الغرماء.
فإن أخرجها من يده ببيع بتل لا خيار فيه فقد سقط حق بائعها في استحقاق عينها لما فلس مشتريها، لكون المفلس الذي اشتراها باعها وهو يملك التصرف فيها قبل أن يفلس، فلا يصح أن يرد عقد مشتريها فيها لأمر حدث بعد العقد وهو التفليس.
هذا إذا أزال مشتري السلعة ملكه عنها، فإن لم يزِلْه ولكنْ علق به لغيره حقًّا في عينها، مثل أن يكون اشترى عبدًا فرهنه عند غيره، ثم فلس، فإن الذي في يده هذه السلعة رهنًا أوْلَى بها من بائعها ومن غيره من غرمائه، لأجل ما ذكرناه من كونه تصرف فيها بالارتهان تصرفًا كان من حقه، فلا يُبطل ذلك ما حدث بعده من الحجر عليه.
لكن لغرمائه أن يدفعوا ثمن هذه السلعة المرتهنة لبائعها حتى يسقط حقه في عينها على ما قدمناه من كون الغرماء إذا بذلوا ثمن سلعة اشتراها المفلس سقط حق بائعها في أخذ عينها، وقد تقدم ذلك، وذكْرُ مخالفة الشافعي فيه، واختلاف أصحابنا.
فإذا دفعوا له الثمن بكماله وسقط حقه، حلّوا محلّ مشتريها الذي أرهنها، فإذا دفعوا أيضًا ما هي فيه رهن لمن هي بيده سقط حقه في كونها رهنًا، إذا كانت رهنًا بما للراهن تعجيله من الحقوق.
وإن لم يبذلوا كان لبائعها أن يفتكها من يد من هي في يده رهنًا، فإذا افتكها استحق عينها، لأنها عادت بعد الفكاك كأنها لم ترهن، وهي سلعة بعينها وجدها في يد المفلس.
لكنه من حقه أن يحاصّ غرماء المفلس بما دفعه في فكاكها؛ لأنه صار له ذلك دينًا على المفلس حل فيه محل من كانت رهنًا بيده، أخذ من ثمنها ما هي به عنده رهن، وما فضل من الثمن تحاصّ فيه سائر الغرماء، على ما تقدم بيانه في أحكام الحصاص.
وقال الشافعي: إن هذا الرهن إذا كانت فيه فضلة عن دين من بيده الرهن كانت هذه الفضلة للمشتري الذي رهنها يأخذ من سلعته التي كانت رهنًا مقدار ما فضل من دين من هي بيده رهن من عين السلعة المبيعة.
ولما كان، عنده، أحق بجميعها إذا لم تكن مرتهنة ووجدت بيد المفلس، فكذلك هو أحق بعين بعضها الذي فضل عمّا بيع في الدين الذي هي به رهن.
وسنتكلم على مذهبنا في هذا الأصل إن شاء الله تعالى فيما بعد.
فلو كان عبدًا فجنى عند مشتريه، فإن للبائع أن يفتكه من المجني عليه بأرش الجناية، ويستحق عين العبد المبيع لكونه لمّا فداه كأنه لم يجن، وعاد إلى يد مشتريه، فيكون بائعه أحق به، لكنه لا يحاص سائر الغرماء بما فداه به من أرش الجناية، بخلاف ما فداه به من يد مرتهنه لكون هذا العيب طرأ على رقبة العبد.
وسنتكلم على تعيين 1 العين المبيعة بعيب وغيره.
ومما يلحق بما نحن فيه كون مشتري السلعة دفعا 2 إلى صباغ يصبغها، فصبغها الصباغ، وهي بيده، ولم يأخذ إجارتها من دافعها إليه حتى فلس، فإن أشهب ذهب إلى أن للبائع أن يفديها من يد الصباغ بالأجرة التي عاقده عليها المشتري لهذه السلعة التي 3 فلس، ثم يتحاص غرماء المشتري بما دفعه
للصباغ، ويستحق 1 أخذ سلعته التي باعها وصبغها مشتريها.
وحمل على أشهب أن هذا القول منه إشارة إلى كون الصباغ يكون للمفلس أن يشاركه به في السلعة التي اشتراها.
وهذا التأويل عليه يبعده ما قدمناه من ذكر الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وغيرها.
فإنا قدمنا أن مذهبه أن من فدى سلعة أو اشتراها فإنه يحل محل من فداها منها 2 أو اشتراها، وله إمساكها حتى يقبض ما جعلها 3 به من يد من كانت السلعة في يده.
فهكذا يجب ألا يحاص بما دفع للصباغ من أجرة بل يكون أولى بما قابل ثمن الصباغ من ثمن هذه السلعة حتى يقبض ما فداها به هذا البائع من يد الصباغ.
وقال ابن المواز لا يحاص بائع السلعة غرماء المشتري بما دفع من أجرة الصباغ.
واستبعد هذا بعض الأشياخ، وأشار إلى حمله على أن هذا الفداء لا منفعة فيه للمشتري ولا لغرمائه، ولا فائدة لهم فيه ولا ربح، فلا يحاصهم بشيء تطوّعَ به ليست فيه فائدة للغرماء ولا لمن لهم عليه الدين.
على أن مقتضى أصله أيضًا ما ذكرناه عن أشهب من أن من فدى شيئًا كان أحق به حتى يأخذ ما فداه به، فلعل ابن المواز أشار بقوله إنه لا يحاص بالأجرة التي دفعها للصباغ، إلى هذا المعنى، وهو أنه يأخذ ما دفع من قيمة الصِّباغ إذا بيعت السلعة، لا سيما على أحد الأقوال التي قدمنا من أن الغرماء إذا دفعوا لبائع السلعة ثمنها كانت الخسارة عليهم دون الغريم، لكونهم إنما يباح لهم فعل ما ينمي ما لهم دون ما ينقصه وينتقصون به من دينهم حتى يرجون 4 إلى مطالبته به إذا أيسر.
ومن هذا الأسلوب ما قيل في شقص من دار بيع وله شفيع يستحق الشفعة، فلم يقم بها، ولا علم باستحقاقه لها حتى فلّس المشتري، فقام البائع طلبًا لهذا الشقص من يد المفلس، لقوله عليه السلام: "إذا وجد البائع متاعه عند المفلس فهو أحق به" 1 فقام الشفيع يطلب هذا الشقص لقوله عليه السلام: "الشفعة فيما لم يقسم" 2 فتزاحم الحقان في عين هذا الشقص المبيع 3 وحق البائع، لأجل تعذر استيفاء الثمن الذي له من المشتري.
فمن العلماء من ذهب إلى أن حق الشفيع مقدم في هذا الشقص المبيع لكون حقه المتعلق بهذا الشقص سبق حق البائع لأن الشفعة وجبت له ساعة العقد للبيع في هذا الشقص، فقد كان المشتري 4 الذي باعه له فيه التصرف بالمعاوضة وحين تصرف فيه بهذه المعاوضة وجب للشفيع أخذه من يد مشتريه، وفلس المشتري والحجر عليه بعد ثبوت فلسه أمر ثبت ووجب للبائع بعد أن وجب الحق لغيره وهو الشفيع، فلا يبطل حق 5 تقدم واستقر وجوبه حدوثُ سبب يوجب حقًا لغير من استحق الأول.
وأيضًا، فإنه إذا تزاحم الحقان، ولم يقدّر سبق أحدهما الآخر، رُجّح بينهما فقُدّم أقواهما، وحق الشفيع في استحقاق المبيع آكد من حق البائع المستحق لأجل تفليس المشتري منه، بدليل أن هذا الشقص المبيع لو تداولته الأملاك 6 بيع مرة بعد مرة والشفيع لم يعلم لكان للشفيع نقض البياعات وأخذ الشفعة بالبيع الأول 7 أخذها بما شاء من البياعات الحادثة بعد البيع الأول.
والمشتري إذا باع ثم فلس سقط حق
البائع ولم يقدر باتفاق على نقض بيع المشتري ممن اشترى منه.
وهذا يشعر بأن حق الشفيع آكد من حق البائع ولو لم يسبق أحَدُ الحقين الآخر، (وكيف يحق للشفيع وقد سبق؟) 1 وهذان ترجيحان يجب لأجلهما أن يكون هذا الشقص الشفيع أولى به من البائع.
ومن قال: إن البائع أولى من الشفيع لكون الشفعة وجبت لنفي الضرر، ولا ينبغي أن يُنْفى ضرر عن الشفيع بإثبات ضرر على البائع.
وهذا المذهب ضعيف لأجل ما قدمناه مما رجحنا به المذهب الذي ذكرناه.
ومن الناس من التفت إلى العدل بين هذين الضررين والموازنة بينهما، بأن يقال: يقضى للشفيع بأخذ عين الشقص المبيع، ويدفع إلى بائع الشقص الثمن الذي يؤخذ من الشفعة، فيُنْفَى الضرر اللاحق بسوء المشاركة عن الشفيع بأخذ عين الشقص المبيع، وينفى عن البائع الضرر بإيصال ثمنه إليه.
وإلى هذا ذهب أشهب في كتاب ابن المواز.
وهذا لا يصعب النظر فيه على أصل مذهبنا أن البائع إذا وصل إليه جميع ثمنه فإنه لا مقال له في أخذ عين سلعته، على ما كنّا قدمنا من المشهور بين 2 مذهبنا.
وهاهنا وصل إليه جميع الثمن بكماله، لأن الشفيع يدفع إليه الثمن الذي باعه هو به ممن اشتراه منه.
ومن أصلنا أن من تبرع بقضاء دين عن رجل لم يكن لمن له الدين الامتناع من أخذه على ما قدمناه.
وإنما يحتاج إلى النظر في هذا على أصل الشافعي القائل بأنه لا يمكّن الغرماء من دفع الثمن إلى بائع السلعة إذا وقع التفليس.
فهاهنا اختلفوا على المذاهب التي ذكرناها، وذكروا فيها الثلاثة أوجه.
ولكن هذا لو قيل: إن الشفيع إذا دفع الثمن لم يكن البائع أولى به بل يحاص الغرماء فيه.
وأما إذا قلنا: إنه
أوْلى به لأنه ثمن عين سلعته، والغرماء لا حق لهم في عين السلعة، وإنما الحق فيها متردد بين الشفيع 1 البائع السلعة، وأن الظن 2 يقتضي تمكين الشفيع لكون حقه سبق تفليس المشتري للسلعة.
وإذا دفع الثمن كان بائع السلعة أحقَّ به؟، لأنه لولا الشفيع لاستحق عينها دون الغرماء، فإذا قدم الشفيع في أخذ العين، قدم البائع في أخذ عوضها الذي هو ثمن السلعة التي لولا الشفيع لكان أحق بها.
وقد قال ابن القاسم في من أصدق عبدين، ففلست المرأة وطلقها الزوج قبل البناء: إنه يرجع شريكًا في العبدين وإنه لما طلق فكأنه استحق نصف العبدين حين دفعهما للزوجة.
وللشافعية قولان: لو كان أصدقها شقصًا ففلست فطلقها قبل البناء: هل يكون الشفيع أحق بهذا الشقص، وكأنه وجبت له الشفعة قبل طلاق الزوجة، أو يكون الزوج أحق لكونه لما طلق كان نصف هذا الشقص على ملكه لم يَزَلْ من حين العقد إلى أن طلق.
وهذا الأصل مختلف فيه عندنا.
وقد اختلف في الغلة هل تكون، إذا وقع الطلاق قبل البناء، للزوجة جميعًا، أو تكون بين الزوجين؟
وينبغي أن يلتفت في هذه المسألة إلى الخلاف في أصل آخر، وهو الأخذ بالشفعة هل يجري مجرى الاستحقاق أو مجرى ابتداء بيع؛ فإن جرى مجرى الاستحقاق وترجح 3 في ذلك حق الشفيع.
ويلتفت فيها إلى أصل آخر وهو عقد الخيار، فالترقُّبات إذا وقعت هل تقدر من حين إمضائها ورفع الخيار فيها، أو تقدر أنها لم تزل منعقدة قبل إمضاء الخيار؟ فإذا قدر اختيار الشفيع لأخذ الشقص لما علم بوجوب الشفعة له كأنه لم يزل آخذًا له من حين عقد فيه البيع فإن ذلك يترجح به حقه أيضًا.
وقد اختلف المذهب عندنا على قولين في هذا، وعليه خرجنا مسائل في كتاب البيوع.
وعلى هذا اختلف الناس في مشتري السلعة على خيار إذا فلس قبل قطع الخيار: هل للغرماء أن يمنعوه من إمضاء البيع إذا كان ذلك من سوء النظر لهم، أو من فسخه إذا كان من سوء النظر لهم، بناء على أن من قطع الخيار بالإمضاء أو الرد فيه ينفذ البيع أو الفسخ فيكون المفلس كمستأنف عقد بعد الحجر عليه، فيكون للغرماء ما تعقبه، أو يقدر إمضاء العقد أو فسخه لم يزل من حين عقد الخيار فيكون الإمضاء والفسخ سبقا التفليس والحجر، فلا يكون للغرماء فيه مقال.
وقد قال في المدونة: إن من وهب هبة وفاتت في يد الموهوب بتغيرٍ بدنٍ، فإن الواهب يكون أحق بعينها في الفلس خاصة لكون ذلك كالبيع بثمن ثابت في ذمة المشتري، فكذلك القيمة إذا ثبتت في هبة الثواب.
وقال بعض الأشياخ: لو لم تفت الهبة ولم تلزم قيمتها فإن البائع يكون أحق بها في الفلس والموت لما كان الموهوب له بالخيار بين أن يقبلها أو يردها فكأنها لم ينعقد فيها بيع حتى فلس أو مات قبل أن تلزم القيمة التي كان بالخيار في التزامها.
والسؤال عن الجواب الثالث أن يقال:
الملك ينتقل في 1 يد مالكه على ثلاثة أنحاء: هبة وقرض وبيع.
1 - فأما انتقاله على جهة الهبة، التي لا تقصد مكافأة عنها، فلا مدخل له ها هنا لأن الواهب لم يستحق عوضا عن سلعته التي وهب فتعذر عليه فيكون 2 له استرجاع الهبة.
وأما إن كانت هبة طلبًا للمكافأة فحكمها حكم البيع، وقد ذكرنا ما قيل فيها.
2 - وإن انتقل الملك بعوض على جهة المتاجرة والمعاملة فبائع السلعة أحق بها في الفلس عندنا، وعند الشافعي كما تقدم.
3 - وإن كان الملك انتقل عن جهة القرض والسلف ففي ذلك قولان: أحدهما: أن المتسلف للسلعة إذا فلس لا يكون الذي أسلفه إياها أحق بها إذا فلس من تسلفها.
هكذا ذكر في "كتاب ابن المواز".
وقد قال فيه: لا يكون أحق سواء قبض السلف أو لم يقبض لأن الحديث إنما ورد في البيع.
وقوله: أو لم يقبض؛ قد يسبق إلى النفس اعتراضه لأن من في يده سلعة لم يسلمها فهو أحق بها في الفلس والموت.
لكن القرض لما كان إلى أجل، على مقتضى العادة في القرض، صار من حق المستسلف أن يطالب المسلف بالتسليم فلا يكون له حبس ما أسلف.
وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به ولو قيل: له الرجوع في ذلك، وإن لم ينتفع المتسلف بذلك، كما قيل في من أعار أرضًا فإن له الرجوع في ذلك إذا لم يؤجل كان ها هنا قد يتصور كأنه أحق لكونه يستحق الرجوع.
هذا إذا قيل: إن معير الأرض يرجع وإن لم ينتفع المستعير أصلًا.
وهذا مِمّا ينظر فيه، ويبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الأصيلي: بل يكون أحق بها كما يكون أحق بها في البيع.
فأجراها الأصيلي مجرى عقود المعاوضة.
وأيضًا، فإن في أكثر الروايات: إذا وجد متاعه بعينه فهو أحق به، على ما قدمناه لما ذكرنا نصوص الأحاديث في هذا.
ولم يفرق في هذه الرواية بين أن يكون متاعه دفعه قرضًا أو دفعه بيعًا.
وأيضًا، فإن طريق القرض المعروف والإحسان، فكأنه لم يقصد المعاملة على ذمة فخربت وافتقرت، فيكون ذلك عيبًا يوجب له ارتجاع عين سلعته.
وكأن من ذهب إلى المشهور في المذهب من كونه إنما يكون أحق في
البيع خاصة، ورأى أن في الرواية الصحيحة من الموطأ وكتاب مسلم أن البائع أحق فخص هذا الحكم البيع 1، فيبقى ما سواه على مقتضى القياس.
وقد كنّا قدمنا الإشارة إلى أن مذهب أبي حنيفة أنه لا يكون أحق في الفلس ولا في الموت.
هو القياس؛ وإنما عدلنا عنه لأجل الآثار المروية التي قدمناها، لأن الصحيح عندنا أن خبر الواحد مقدَّم على القياس، لا سيما أن المتسلف لو أراد أن يرد السلعة التي أقرضها بعينها لم يكن لصاحبها أن يمتنع من ذلك، بخلاف لو كانت بيعًا.
وهذا يشعر بأنه لم يكن القصد المعاملة له على ذمة فخربت ولحقها عيب.
وإذا قلنا: إنه يكون أحق بسلعته في الفلس، فإنما ذلك إذا كانت عروضًا أو غيرها مما ليس من أعيان النقود كالدنانير والدراهم.
فإن كان المطلوب في الفلس (ارتجاع دنانير أو دراهم ففيها قولان:
1 - ذهب ابن القاسم إلى أنها في الفلس) 2 يستحق دافعها عينها وإن كانت ثمنًا، كما يستحق أيضًا البائع عين سلعته إذا فلس مشتريها، فهكذا يستحق المشتري عين دنانيره أو دراهمه إذا فلس قابضها وانتقض البيع.
فقاس الثمن على المثمون.
وروى أشهب في الموازية أنه لا يكون [حق] وأن الثمن في هذا بخلاف المثمون.
والأحاديث إنما ذكر فيها "إذا وجد سلعته، أو وجد متاعه" والدنانير والدراهم لا تنطلق عليها هذه التسمية في عرف الخطاب، فلم تدخل في الأحاديث الواردة.
وينبني هذا الخلاف على أصل معروف فيه الخلاف عندنا وهو: هل تتعين الدنانير والدراهم كما تتعين العروض أو لا تتعين؟
فإن قلنا: إنها تتعين، ترجّح القول بأنها تُستَحَق عند الفلس.
وإن قلنا: لا تتعين، صار وجود عينها لا يفيد لما كان لقابضها أن يعطي بدلًا مثلها.
فكأنها لأجل ذلك كسلعة فاتت في يد مشتريها.
ومن شرط هذه المسألة صحة الشهادة بأنها عين الدراهم بأن تكون البينة لم تفارق قابضها ولم يشترط ذلك في كتاب الغصْب.
ومن الأشياخ من أخذ كل واحدة من المسألتين على ظاهرها.
وقال لما كان الغاصب ظالمًا ينبغي أن يحمل عليه لم يثقل عن المغصوب له في الشهادة بأن تكون البينة لم تفارق الغاصب.
وأما مسألة التفليس لم يكن قابضها ظالمًا فثقل عليه في تصحيح الشهادة.
وهذا ضعيف وإنما الأولى أن يسلم للشهود ما شهدوا به.
ومتى أيقنوا وهم من اليقظة والحذق بحيث لا يؤتي عليهم، قبلت شهادتهم.
وقد يطلعون على قرائن الأحوال أو تكون لهم علامات في الدنانير والدراهم يتحققون بها أنها هي التي رأوها فيما قبل وإن غابت عن أبصارهم.
وبالجملة فالغالب فيما لا علامة لهم فيه أنهم لا يعرفونه إذا غاب عنهم وأمكن إبدالها.
فإذا تقرر هذا فلو باع منه بدراهم فخلطها قابضها، وعلم الشهود أنها هي التي خلطت بدراهم قابضها، فإن ابن القاسم يجعل دافعها أحق بها في الفلس.
ولا يكون خلطها بمثلها مانعًا له من أخذ ما دفعه بالقسمة لهذه الدراهم.
وكذلك لو كان زيتًا أو عسلًا وما في معنى ذلك من المائعات التي لا تتعين فإنه لا يمنع خلطه بزيت آخر أو عسل آخر مثله سواء في الهبة 1 أن يقسم ويأخذ دافعه عند الفلس ما دفع، لأنا وإن قلنا: إن القسمة بيع من البيوع، فهذا الذي هو أخذه هو بعينه عوض ما صار لصاحبه مما خلطه به، فإذا كان أحق بعين الشيء كان أحق بعوضه بعينه.
وإن قلنا: إن القسمة تمييز حق، فذلك أوضح في كونه أحق بما دفع،
لأن ما أخرجته القسمة كأنه دفع ما دفع لم تقع فيه معاوضة.
وهذا إذا خلط الشيء بمثله.
وأما إن خلطه بجنس آخر، كمن باع زيت زيتون فخلطه مشتريه بزيت فجعل عنده، ثم فلس المشتري، فإن أصبغ قال لا يكون بائع الزيت أحق به، ورأى أن الزيتين متباينان ولا يتميز أحدهما من الآخر صار ذلك كالفوت؛ ولمن 1 اشترى سلعة فأفاتها فإن بائعها يحاصّ الغرماء بثمنها، وطرد أصبغ هذا الأصل، قال: وكذلك لو خلط قمحًا نقيًا بمغلوث أو بقمح مسوّس حتى أفسده، فإن ذلك فوت أيضًا.
ورأى بعض الأشياخ أن خلط القمح النقي بالمغلوث والجديد بالمسوس، لا يمنع البائع من كونه أولى بما باع بعد أن يقوّم الخليط، ويكون بائع السلعة أحق بما يصير له من القيمة.
وأجرى على المسألة المشهورة إذا اختلط شعير بقمح أو زيت بربيق فإن ذلك من استحقاق العين بعد التقويم، على ما ذكر في الروايات، فيما يستحق، مما سنبسطه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا الشافعي فإنه رأى إنْ خلط زيتًا اشتراه بزيت أجود منه، مثل أن يكون الذي اشتراه يساوي قفيزًا بدرهمين والذي خلط به يساوي قفيزًا بأربعة دراهم فإنه ذكر قولين:
فإذا قلنا: إن ذلك كالفوت فلا تفريع على هذا.
وإن قلنا: إن ذلك ليس بفوت، فظاهر كلامه يقتضي أن يكون شريكًا بالقيمة في عين الزيت.
وتأول بعض أصحابه عليه أن يكون شريكًا في عين الزيت، لما يوقع ذلك فيه من التفاضل.
وأما إن خلطه بأدنى منه، فإن أصحابه متفقون، إلاَّ من شذّ منهم، أنه من حقه أن يأخذ المكيلة التي باع من هذا الزيت المختلط؛ لأنه يأخذ
أقل من حقه، فقد باع قفيزًا طيبًا فأخذ قفيزًا دونه، ولبائع السلعة أن يأخذها بعينها وإن نقصت.
ومما يلحق بما حكاه العقود لو اشترى سلعة ثم باعها ثم فلس، فقام بائعها في طلب الثمن، فإنه إنما يجب له محاصة الغرماء بالثمن؛ لأنه لم يجد عين سلعته في يد مشتريها.
لكن إذا حكم بالمحاصة وأخذ ما صار له من مال الغريم، ثم ردها مشتريها الثاني بعيب فيها، فإن المذهب انتقاض ما سبق من المحاصّة ورد السلعة إلى يد المفلس ليأخذها البائع منه، وكأن يد 1 مشتريها الثاني لها كشف أن البيع لم ينعقد فيها لما ردت بالعيب، ويقدر أنها لم تخرج من يد مشتريها الأول، وإذا كانت لم تخرج من يده فلا شك أن بائعها أحق بعينها، فإذا استحق العين رد على الغرماء ما أخذ منهم في المحاصة.
وقد قيل في مثل هذا: إن الحكم إذا وقع لم ينقض.
وذلك أن ابن حبيب ذكر فيمن اشترى سلعة ثم باعها ولم يعلم بعيب فيها، فبعد البيع أعلم به، أخذ قيمته لكونه لا يمكنه رد السلعة بعينها.
فبعد أن أخذ قيمة العيب ردها مشتريها منه بالعيب، فإنه لا يرد على بائعها ما أخذ منه من قيمة العيب ولا يصير كسلعة لم تبع اطلع فيها على عيب، فالحكم أن المشتري غير بين أن يقبلها بعينها ولا يأخذ من الثمن شيئًا، أو يردها ويأخذ الثمن لمنع ابن حبيب من ردها، وقال: ذلك حكم مضى، يأخذ قيمة العيب، فلا ينقض.
وإذا رجعت السلعة إلى يد بائعها الثاني فكذا ينبغي إذا حكم بالحصاص لا ينتقض به أيضًا.
وهذا يلتفت فيه إلى كون الردّ بالعيب هل يكون نقضًا له من أصله حتى كأنه لم يقع فيه عقد، أو يقدر كأنه ابتداء مبايعة الآن لما رد بالعيب.
فإن قلنا: أنه نقض للبيع من أصله، تأكد ما قيل في مسألة المحاصة إنها تنتقض.
وإن قلنا: إنه كابتداء بيع تأكد القول المخرج بأنها لا تنقض.
على هذا لو اشترى سلعة ودفع ثمنها ثم اطلع على عيب وقد فلس بائعها فقضي له بالردّ فإنه إذا ردّ ووجد الثمن الذي دفعه
للبائع قد فات فإنه يحاص بالثمن.
وإن وجده باقيًا بعينه وهو عرض كان أحق بعينه وإن كان دنانير أو دراهم فعلى القولين اللذين قدمناهما.
وأما إذا لم ترد السلعة بالعيب وفلس البائع، فالمسألة على قولين هل يكون أحق بثمنها وتباع خاصة دون الغرماء على أحد الأصلين أن الرد بالعيب كابتداء بيع، فله أن يحبسها حتى يستوفي ثمنها، أو لا يكون أحق بها إذا اختار ردها، وتباع، ويكون أسوة الغرماء في ثمنها بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وكأنه لم يشترها، ولكنه له دين على صاحبها فإن وجده بعينه أخذه، وإن لم يجده بعينه حَاصَّ الغرماء بثمنها.
وقد قيل: له إمساكها ومحاصة الغرماء بقيمة العيب، وكان هذا فداها به لما كان إذا ردّها لم يرجع إليه الثمن كله الذي دفع، وصار ذلك في حقه كحدوث عيب بها، فله
إمساكها وأخذ قيمة العيب.
وكذلك لو اشتراها شراء فاسدًا وقد دفع الثمن، ففيه أيضًا قولان: هل يكون أحق بإمساكها حتى يقبض ما دفع من الثمن، وتصير في يده كالمرتهنة بالثمن، أوْ لا يمكن من ذلك، لأن انتقاض البيع ها هنا مجبوران عليه البائع والمشتري، فكأنه لم يقع فيه عقد أصلًا لما كان الشرع ردّه، فلو فاتت في يد المشتري لوجبت عليه القيمة وبقيت السلعة في يده.
ومما يخرج على هذا الأصل أيضًا ما ذكره أشهب عن مالك فيمن باع رطبًا، ففلس المشتري بعد أن صار الرطب تمرًا، فقال مالك: لا يكون البائع أحق به في الفلس.
قيل له: إن رطبه بعينه؟ فلم يجز ذلك، ورأى أنه كمن باع رطبًا بتمر، وهذا ربا لا يحل.
وقال أشهب بجوازه بناء على أن التفليس كنقض بيع من أصله، فكأن هذه الثمرة لم يقع فيها بيع فيكون بائعها أحق بها عند الفلس.
وكأن مالكًا رأى أن أخذ السلعة عند الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في
ذمة المشتري، ولا يجوز أن يأخذ عن ثمن رطبٍ تمرًا، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب.
وكذلك لو فرضنا المسألة بأنه باع شاة حية فذبحها مشتريها أو قمحًا فطحنه، أو زبدًا فصيّره سمنا، فإن ذلك كله على الخلاف الذي قدمنا: إن قلنا: أخذ السلعة عند الفلس نقض للبيع من أصله أجزناه.
وإن قلنا: إنه كابتداء بيع مضى هذا كله وقدرنا في الشاة الحية إذا ذبحت كأنه بيع اللحم بالحيوان.
فكذلك الزبدة مع السمن والقمح بالدقيق على مذهب من صار أنه لا يجوز المعاوضة في ذلك، على ما قدمناه وشرحناه في كتاب البيوع.
وعلى هذا الخلاف المذكور فيمن باع عبدًا فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أشهب إلى أن بائعه ليس له طلبه وترك المحاصة، بل يتعين حقه في المحاصة بثمنه، بناء على أن الأخذ 1 عند المفلس كابتداء بيع، فليس له أن يبتدىء شراء آبق بدين له في الذمة.
وذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن طلب الآبق جائز.
واختلفا إن لم يجده: فقال ابن القاسم ليس له الرجوع إلى المحاصة، وقدر أنه لما تركها بطلب الآبق كأنه أسقط حقه فيها.
وهذ ابن اء على أن أخذ السلعة نقض للبيع من أصله، فكأن البيع لم ينعقد، فيكون لبائع العبد طلبه وان أبق.
ومقتضى هذا البناء ألاّ يرجع إلى المحاصة لانتقاض الثمن بانتقاض البيع.
وكأن أشهب استخف رجوعه إلى المحاصة وقدّر أنه ليس بتارك لحقه فيها لما (أخذ عين العبد) 2 فلم يحصل له ما رجاه.
وقد عورض أصبغ في منعه اختيار طلب الآبق لأجل أنه كمشتري آبق بما نابه، إذا قدر ذلك فيه، ومنع منه لأجل الغرر في شراء الآبق، فإنه يقدر فيه أيضًا
كأنّه كبيع آبق لما يصير له في المحاصة فلم ينفك الاختيار لأحد الأمرين من غرر فلا ينبغي أن يمنع أحدهما ويسوّغ للآخر.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
قد قدمنا أن الأحاديث الواردة في كون البائع أحق بسلعته في الفلس شُرِط فيها: إذا كانت السلعة قائمة بعينها.
وقد علم أن السلعة قد توجد بعينها لم يتغير شيء من صفاتها، أو يوجد عينها وقد تغيرت صفاتها.
فأما القسم الأول وهو وجودها ولم تتغير، فلا إشكال فيه لأنه أمر محسوس.
وأما القسم الثاني، وهو تغيرها، فإن الضابط في هذا الوجه اعتبار التغير هل أفرط حتى صار الشيء كأنه جنس آخر ويراد لغرض آخر، فيكون كفوات العين، يجب للبائع المحاصة ولا يكون له حق في العين، أو يكون التغير يسيرًا فلا يبطل حقه في العين إذا شاء.
وقد نبه مالك على هذه المسائل عن من اشترى ثيابًا فقطعها، فقال: لا أدري، لكن لو كان اشترى جلودًا فقطعها نعالًا لكان ذلك فوتًا.
فأنت ترى كيف أسقط حق البائع في النعال لما كان الغرض في الجلد المبيع خلاف الغرض في النعال.
وقطع الجلد نعالًا تغيير شديد.
وأشكل الأمر عنده في الثياب، فقال: لا
أدري.
لكون السؤال فيه إجمال لاختلاف تفصيل الثياب.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحادث في المبيع قد يكون بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، أو يكون بجناية جان، أو يكون بفعل فعله المشتري.
فإن كان الحادث فيه عيبًا حدث من قبل الله، فإن المعروف من المذهب تخيير البائع بين أخذ سلعته على ما هي عليه من عيب، وبين تركها والرجوع إلى
المحاصة مع الغرماء، قولًا مطلقًا من غير تفصيل لحكم العيب.
لكن بعض الأشياخ أشار إلى ما كنّا قدمناه في صدر هذه المسألة، فقال: لو اشترى عبدًا فهرم عنده ثم فلس، أو كان صغيرًا فكبر ثم فلس، لجرى ذلك على القولين في الكبر والهرم: هل هي فوت يمنعان الردّ بالعيب أم لا؟ وقد ذكر ابن شعبان في مختصره عن مالك أنه قال: إذا اشترى جارية فحدث بها عيب، فالبائع بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها أو يتركها ويحاص بالثمن.
وجعل بعض أشياخي هذه الرواية على أن المراد به يأخذها بقيمتها بأن ينسب ذلك من الثمن الذي وقع به البيع، فيحط عن البائع مقدار النقص الذاهب الذي عابها، ويكون له الخيار فيها سواه: هل يأخذه بما قابله من الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن، كمشتري سلعتين فاتت إحداهما في يديه ثم فلس.
ويحتمل عندي أن يكون المراد أخذها بقيمتها على ما هي عليه، ويحاسب بذلك من الثمن؛ لأن الغرماء لا حق لهم في عين سلع المفلس إذا لم يكونوا هم باعوها منه، وإنما حقهم في مقدارها فإذا دفع البائع لهم قيمتها على ما هو 1 عليه من عيب، كان أوْلى بها ويحاسب بذلك من الثمن، وتكون قيمتها بدل عينها فيكون ذلك بما قلنا: إن الغرماء إذا دفعوا إليه ثمن سلعته سقط حقه في عينها، فكذلك إذا دفع هو إليهم قيمة السلعة المعينة كان هو أحق منهم أيضًا، إذ لا فائدة لهم في عينها.
وأما القسم الثاني، وهو أن يكون العيب الحادث كان عن جناية جان، فإن البائع أحق بعين سلعته بمقدار قيمة ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بجناية الجاني، بسبب 2 ذلك من الثمن.
فإن كانت الجناية برِئت على غير
نقص ولا عيب في الأمة المجني عليها أو العبد المجني عليه، وقد أخذ المشتري بذلك أرشًا، فإن البائع إذا اختار أخذ الجارية لا يكون 1 حق في الأرش الذي أخذه المشتري بل يكون ذلك.
كالغلة التي لا يردها.
وقد قال ابن المواز: لو أخذ المشتري أرش موضحة وبرئت على غير عيب، ثم اطلع على عيب فرده به فإنه لا يرد أرش الموضحة، وأجراه مجرى الغلات لما كان ذلك لا يورث 2 في الذات.
وأما إن كانت بجناية المشتري بأن يكون لبس الثوب حتى خلق فإنه يكون الذاهب بلباسه كالذاهب بأمر من الله سبحانه لا يحط عن البائع لأجله شيء إذا اختار أخذ العين، فإما أن يأخذ الثوب الخلق بجميع الثمن أو يتركه ويحاص بثمنه.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب قد بلي بلاءً فاحشًا فيكون ذلك فوتًا.
والأوْلى ها هنا أن يكون كما لو ذهب بجنايته، فيحط عن البائع مقدار ما أذهبه اللباس على صفة ما ذكرنا من التقويم ونسب من الثمن.
وأما التغيير في الجارية المعينة 3 من جهة الولادة فإن المعروف من المذهب عندنا أن الولد ليس بغلة، بل هو كعضو من أعضائها، فيجب رده معها في التفليس، كما يرد يدها أو رجلها، فكذلك ولدها.
فإذا قدرناه كعضو من أعضائها، فالبائع بالخيار من أن يأخذها وولدها، أو يتركها ويحاص بجميع الثمن.
ولو مات أحدهما إما الأم وإما الولد لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع.
لكان الباقي منهما كأنه جميع المبيع فالبائع بالخيار بين أن يأخذه بجميع الثمن، أو يتركه ويحاص بالثمن الذي 1 الموت ها هنا مجرى عضو ذهب بأمر من الله سبحانه فلا يكون للبائع إذا اختيار 2 العين مقال في أن يحط عنه مقدار ما ذهب إما الأم وإما الولد.
(لكن ينبغي أن يتحمل ما حكيناه عن ابن شعبان) 3 من كون العيب الحادث من الله سبحانه للبائع فيه مقال إذا اختار أخذ العين وكانت الأم هي الميتة وبقي الولد.
وأما لو كان الذاهب ليس بموت، ولكن ببيع عقده المشتري قبل أن يفلس، فإنه يعتبر في ذلك: هل البيع وقع في الأم خاصة وبقي الولد؟ فيكون البائع بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه وحاصّ بالثمن الذي باع به.
وإن كان البيع في الولد وبقيت الأم وحدها، فإن في الموازية عن مالك أن البائع بالخيار بين أن يأخذ الأم بجميع الثمن، ولا يحط عنه لأجل الولد شيء، أو يتركها ويحاص بالثمن.
وأنكر سحنون هذا، وقال: لا أدري ما هذا.
وقال في مختصر ابن الجلاب إنه يحط عن المبيع مقدار ما قابل الولد بالتقويم حين البيع ينسب ذلك من الثمن.
ورواه يحيى بن عمر عن ابن القاسم.
وهذا هو أصل المذهب؛ لأن الولد إذا لم يكن غلة وجب رد عينه إذا كان قائمًا من غير خلاف منصوص عندنا في المذهب، فكذلك يجب أيضًا أن يحاسب البائع بثمنه على نسبة ما قلناه في التقويم، ويكون 4 لمّا استحق أخذ عينه من غير خلاف في هذه الرواية" ولو غيرها يستحق قيمة العوض عنه من الثمن كما قدمناه.
وكان بعض الأشياخ المحققين يعني 5 السيوري يرى أن الولد غلة.
ويعتمد على هذه الرواية التي في كتاب ابن المواز لا سيما أنه قال في الرواية: لا
يحاسب بعوض الدار لأنه كغلة من الغلات فنَصَّ ها هنا على أنه يجري مجرى الغلات.
بعض أشياخى، يعني 1 اللخمي، يمنع هذا التخريج من المذهب في كون الولد غلة من هذه المسألة ويقول لما وجد الولد ثم ذهب من غير عيب لحق أمه صار ذلك بمنزلة ما قدمناه عن ابن المواز أنه أخذ أرش موضحة وبرئت على غير عيب فإنه إذا أراد 2 العبد لا يرد الأرش لما كانت العين على ما هي عليه من غير نقص.
وهذا اعتذار قد لا يسلم له لأن الولد ها هنا لما وجب رده بعينه مع أمه صار لمّا بيع كسلعة باعها البائع مع آخر فاتت إحداهما فإنه يحط عنه مقدار الفائتة إذا اختار أخذ عين السلعة الباقية.
وكذلك أيضًا تخريج الخلاف في كون الولد غلة من مسألة كتاب الرد بالعيب: أنّ الأمة إذا ولدت عند المشتري وردها بالعيب يرد معها ما نقصتها الولادة وأعابتها.
قال: إلا أن يكون قيمة الولد ما يُجبَر به عيب الولادة فلا يرد المشتري قيمة هذا العيب.
فإما 3 جعل من حق المشتري أن يدفعه عوض عيب لزمته قيمته على ذلك على أنه كالغلة يملكها المشتري ولا يردها إذا ردّ بالعيب.
واعتذر أيضًا عن هذا الولد كأنه نفس العيب الذي حدث عند المشتري وهو عيب الولادة فإذا كانت قيمته تجبر عَيب الولادة فكأن الأمة لم يلحقها عيب حدث عند المشتري.
ويؤكد هذا الاعتذار أن الولد (كان غلة) 4 لا يجب على المشتري ردّه لم يلزمه رده مع أمه، ولا كان من حقه أن يعطي عن قيمة عيب حدث عنده عبدًا آخر كما ليس من حقه أن يعطي في قيمة ما حدث عنده عوضًا.
ومن حاول من الأشياخ تخريج الخلاف في هذا من هاتين المسألتين يشير
إلى أن ما ذهب إليه الشافعي من كون الولد غلة قد قيل عندنا في المذهب والشافعي يراه غلة وذلك مشهور من مذهبه ومذهب أصحابه.
لأنه اختلف قوله في العمل: هل له حكم أم لا؟ فقال مرة: لا حكم له، بدليل أن من أعتق أمة حاملًا لحق لولدها في بطنها العتق كما يلحق يدها ورجلها.
وقال مرة: للحمل حكم، بدليل أن من أعتق ما في بطن أمته لم تعتق الأم الحامل بعتق ما في بطنها وذلك يشعر: ليس كعضو منها.
وأجرى أصحابه تفصيل هذه المسألة على هذين القولين فقالوا: لو باعها وهي غير حامل فحملت عند المشتري من زنا أو تزويج، ووضعت، فإنه إذا ردها لم يرد الولد معها.
ولو باعها وهي حامل ثم ردها قبل أن تضع لردّ الولد معها.
ولو ردّها بعد أن وضعت لجرى ذلك على القولين: هل يقال: لا حكم للحمل، فيكون الولد غلة؛ أو يقال: له حكم، فيكون الولد ليس بغلة وكأنه اشترى سلعتين.
وإذا فلس وهي حامل وقد حملت عند المشتري فإن قلنا: لا حكم للحمل، رجع فيها وفي حملها لأنه كاليد والرجل.
وإن قلنا: له حكم، كان الولد للمبتاع كالنماء المتميز.
وإن باعها وهي حامل فأسقطت ثم فلس المبتاع، فالحمل على القولين: إن قلنا: لا حكم له.
لم يكن له غير الجارية.
وإن قلنا: للحمل حكم، فكأنه باع عينين فتلفت إحداهما، ثم فلس، فإنه يأخذ الموجودة ويضرب بحصة ثمن التلف.
وإذا قلنا: في الولد المنفصل: إنه غلة، كما قال الشافعي، فالمشهور عندهم: إذا انفصل عن الأم وكان المشتري فإن التفرقة بينهما ممنوعة فتباع الجارية وولدها فيكون للبائع ثمن الجارية وللمفلس ثمن الولد تغرم 1 الجارية ذات ولد لأنه رجع فيها وهي ذات ولد فيقول: قيمتها تسعون وقيمة الولد عشرة فيكون للبائع تسعة أعشار الثمن وللمفلس عشرة إلا أن يختار البائع أن يعطي
قيمة الولد فيكون ذلك له ويأخذ الأمة وولدها.
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس له الرجوع في الأم إلا أن يعطي قيمة الولد.
والذي ذكرناه ها هنا عندهم من إعطاء قيمة الولد إذا أراد أن يأخذ الأم فيه إشارة لما كنا وجهنا به ما حكيناه عن مختصر ابن شعبان.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
النماء الحادث في الحيوان المبيع لا يخلو من أن يكون من جنسه ولا يتميز عنه كالسِّمَن، فهذا لا خلاف فيه أنه يأخذ الأمة المبيعة بعينها على ما هي عليه، إذ لا يمكن تمييز هذا النماء.
أو يكون النماء من جنس النامي، ولكنه متميز عنه كالولد.
وقد تكلمنا على حكمه.
أو يكون من غير جنسه كالغلة في الربع والعبيد، والصوف في الغنم والألبان وما يكون عنها، والثمار في الأشجار.
فأمّا غلة الرباع وما يؤخذ في أكريتها، وفي إجارة العبيد، فإن ذلك إذا قبضه المشتري، وقد استحقه، لم يرد في الفلس مع الربع والعبيد، من غير خلاف.
ولو لم يقبضه، ولكنه قد حل على المكتري فإنه أيضًا لا يقضى على المشتري برده، وإن كان لم يقبضه لأنه إذا حل واستحق على المكتري صار ذلك كالمقبوض، وكأنه حق للمشتري أخَّرَ به مَن هو عليه، فصار ذلك قبضَه، واستئنافَ إعادته إلى ذمة من هو عليه.
وأمّا ما اغتل المشتري من صوف قد جزّه وأفاته، ولم يكن موجودًا في حين عقد الشراء، أو ثمر جدّه، أو لبن حلبه، فإن هذا لا يرده أيضًا، من غير خلاف؛ لأن المبيع كان في ضمان مشتريه قبل أن ينقض البيع فيه بالتفليس،
(والخراج بالضمان) 1، كما ورد في الحديث.
وأمّا إن كان لم يقبض ذلك ولا انفصل هذا النماء عمّا هو متصل به، فإن ذلك لا يخلو من قسمين:
أحدهما أن يكون اشتراء الغنم ولا صوف عليها، والشجر لا ثمر فيها.
فإن كان الأمر كذلك فإنه إذا وقع التفليس، وقد كمل الصوف وحان جزازه، فإنه يرده مع الشاة المردودة بالتفليس، من غير خلاف منصوص عندنا فيما علمت.. وإن كان ذلك ثمرًا أثمرته الأشجار المردودة بالتفليس، ففي ذلك قولان في المذهب:
ذكر في المدونة في كتاب الشفعة أنه يرد الثمرة مع أصولها إذا وقع الحكم برده الشجر قبل أن تجدّ من أصولها، ولو كانت قد يبست، بخلاف الشفعة فإنها يأخذها الشفيع ما لم تيبس، وإن كانت لم تفارق أصولها.
وفي كتاب ابن حبيب: أنها لا ترد إذا أُبِّرَتْ، وإنما ترد إذا لم تؤبر.
فكأنه في المذهب المشهور رأى أنها ما دامت متصلة بأصولها صارت كأغصان الشجر التي ترد مع أصولها، وكالولد الذي في البطن الذي يتبع أمه في حكمها.
وكأنه في القول الآخر أنها بالإبار تصير غلة، ألا ترى أن البائع إذا باع شجرًا وفيها ثمر قد أبو فإنها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، وما ذلك إلا أنها إذا أبرت صارت كسلعة ثانية أضيفت إلى الشجر فلا تدخل في عقد البيع إلا باشتراط، فكذلك لا ترد مع الأصول في الفلس، لأنها صارت كملك حدث في يد المشتري فاستحقه وإن لم يقبضه كما يستحق المقبوض من الثمر إذا جدّه.
وأما إذا اشترى غنمًا وعليها صوف قد تمّ أو شجرًا فيها ثمر: فأمّا الصوف فإذا
وقع العقد وهو على ظهور الغنم قد كمل فالمشهور أنه لا يكون غلة للمشتري ولو جزه.
وأمّا الثمر فإن كانت موجودة حين العقد ولكنها لم تؤبر فلا خلاف في أنها لا تكون لها ها هنا حصة من الثمن، فإن أبرت فظاهر المذهب على قولين:
1 - إن لها حصة من الثمن؛ لأنها لم تدخل في البيع إلا باشتراط، واشتراطها يشعر بأن الثمن الذي بذل المشتري، لها حصة فيه، ولولا اشتراطه لها ما بذله بكماله.
2 - والقول الآخر: إنها إنما يكون لها حصة من الثمن إذا وقع العقد عليها وقد طابت وأزهت.
وهذا ظاهر كتاب ابن المواز على رأي بعض الأشياخ.
وليس هو عندي في كتاب ابن المواز كالنص الجلي.
ووجه هذا المذهب أن الثمرة إذا أزهت جاز بيعها بانفرادها.
ومن قبل أن تزهي لا يجوز بيعها بانفرادها على شرط التبقية.
وما ذلك إلا لكونها إذا أزهت وحل بيعها استقلت بحكم نفسها، وصارت لها، لأجل ذلك، حصة من الثمن، كمن بذل مالًا عوضًا عن سلعتين يجوز إفراد كل واحدة منهما بالعقد.
وذهب أشهب إلى أن لا حصة لذلك من الثمن لا في الصوف، ولا في الثمرة، ولو اشترى الصوف وقد كمل، والثمرة وقد طابت.
وقدر أنه لما كانت هذه الأشياء متصلة بأصولها، وهي في حكم البيع لها لم تقع المعاوضة إلا على أصولها خاصة من الثمن، كمال العبد إذا اشترطه المشتري.
وإذا قلنا بالمذهب المشهور من كونها لها حصة من الثمن، والثمر إذا أزهت، على أحد القولين، أو أبِّرت، على القول الآخر، فما دامت متصلة بالأصول فإنه يجب ردّها.
وإن جز الصوف أو بدت 1 الثمرة، فالمشهور أن الصوف إذا كان قائمًا
بعينه ردّ مع الغنم.
وأما الثمرة فلا تردّ مع الأصول إذا جُذّت وكانت قائمة بأعيانها.
والفرق يعتبر بينهما.
لكن أقصى ما يتصور من ذلك أن الشجر إذا اشتريت وفيها ثمر قد أزهي حتى جعلنا له حصة من الثمن، فلو قلنا: إنه إذا جذّ يرد بعينه صار كَمَنْ اشترى رطبًا وأخذ عنه تمرًا يابسًا، وبيع التمر بالرطب لا يجوز، لا سيما إذا قلنا: إن أخذ السلعة في الفلس كابتداء شرائها بالثمن الذي في ذمة مشتريها.
وقلنا: إن تغيّر صفاتها يخرجها عن كونها هي العين التي اشتريت، وقد قدمنا أن الاختلاف فيمن اشترى رطبًا ثم فلس بعد أن صار ذلك الرطب تمرًا، وأن أحد القولين عندنا أنه لا يجوز في التفليس، حمايةً للذريعة من أن يقع أخذه في بيع الرطب بالتمر.
فعلى هذا البناء يحسن أن يقال في الصوف إذا جز فإنه يرد بعينه، كمشتري سلعتين ثم يفلس فإنه ينتقض البيع فيهما إذا شاء البائع.
وأما الثمرة إذا جذّت فيتعلق بها حق الله سبحانه، وهو يمنع من بيع الرطب بالتمر، فلهذا لم ترد بأعيانها.
ولكن إذا لم ترد قسط الثمن على الشجر وعلى الثمرة يوم البيع، فما ناب هذه الثمرة المجذوذة الحاضرة حاصّ به، وما ناب الشجر سقط عن المشتري إذا اختار البائع أخذ الشجر بلا ثمر.
ولأجل هذا قيل في رد هذه الشجرة 1 التي اشتريت وهي مؤبرة 2 ردت بالعيب بعد أن جذ ثمرها، إنه يرد المشتري الثمرة بعينها مع الشجر إذا رد بالعيب، وإن فاتت مكيلتها أو قيمتها رطبًا إن جدّها رطبًا، وما ذلك إلا مخافة أن يكون البائع علم بالعيب ودلس به حتى صار كالقاصد إلى بيع الثمرة قبل الزهو بشرط التبقية.
لما كان رد العقد ها هنا بسبب البائع ومن جهته، فتطرقت إليه التهمة وحُمِيَتْ الذريعة، وردت الثمرة مخافة أن يتم للبائع مأخذ 3 إليه من الفساد بإمضاء البيع في الثمرة خاصة.
وقد اختلف المذهب على قولين إن ردت هذه الثمرة في التفليس، وقد سقاها المشتري وأنفق عليها نفقة، هل يطالب بما أنفق وسقى لأنه لولاه ما وجد عين الثمرة المردودة، أو يكون لا مطالبة به بل تكون خسارته منه لكون ذلك ليس بعين قائمة الآن، كصباغ ثوب اشتراه ثم فلس، أو (نبعه) 1 بناها ثم فلس.
وإذا قلنا: إنه لا مطالبة له بالسقي مع كون الثمرة لولا السقي لم توجد، فأحرى ألا تكون له مطالبة بأجرة الجزاز.
وإذا قلنا: إن المطالبة بالسقي نظر فيما يتخرج في الجزاز من هذا القول الآخر.
ومما يلحق بهذا ما اكتسبه العبد عند المشتري ثم فلس المشتري، (فيأخذ البائع العبد بما اكتسبه عند المشتري، إذا كان لم ينتزعه منه، ولا انتزعه المشتري منه قبل أن يفلس، لم يأخذ ذلك من يده، وبقي في جملة ما له لا يختص به البائع دون غيره من الغرماء) 2 لأنه إذا انتزعه المشتري قبل التفليس صار قد رد العبد على صفة ما أخذه عليه، وصار ما انتزعه من كسب كثمار جناها أو غلة حَصَدَها.
وأمّا لو كان في يد العبد مال اشترطه المشتري فإنه إذا بقي ذلك في يد العبد إلى أن فلس المشتري فإنه يرد ماله معه.
ولو هلك ماله قبل أن يرد بالتفليس لم يكن للبائع إلا أخذ العبد على ما هو عليه بغير مال بالثمن كله أو المحاصة بثمنه، وكذلك لو كان ذهاب ماله بانتزاع المشتري واختار البائع أخذ العبد، فإنه لا يأخذه إلا بالثمن كله من غير أن يحط منه شيئًا بسبب ما ذهب من مال العبد.
وكأنهم قدّروا أن مال العبد لا حصة له من الثمن وإنما اشترى عبدًا