بسم الله الرحمن الرحيم
صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا.
كتاب الوكالات
قال القاضي أبو محمّد رضي الله عنه: كلّ حقّ جازت فيه النيّابة، جازت الوكالة فيه، كالبيع والشّراء والإجارة واقتضاء الدّيون وخصومة الخصم والتّزويج والطّلاق، وغير ذلك.
قال الإِمام رحمه الله: يتعلّق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما الدّليل على جواز الوكالة على الجملة؟ 2 - ومن تجوز له الوكالة؟ 3 - وما الّذي تجوز فيه الوكالة؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال:
الدّليل على جواز الوكالة الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة والاعتبار.
فأمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 1. وهذا يقتضي التصرّف في مال اليتيم.
فإذا جاز ذلك بإذن من لا يملك المال حال التّصرّف فيه، فجواز ذلك بإذن من يملك التصرّف فيه أولى وأحرى.
وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ 2. وقال
تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ 1، وهذه وكالة من أصحاب الكهف.
وهذا وإن ثبت أنّه كان في شرعهم، فشرع من كان قبلنا مختلف في تعبّدنا به.
وأمّا الآثار فكثيرة، منها وكالته، عليه السلام، لحكيم بن حزام على أن يشتري له أضحية بدينار فاشتراها، ثمّ باعها بدينارين فاشترى بأحد الدّينارين شاة وأتاه بها مع الدّينار الآخر فقال له: تصدّق بالدّينار.
الحديث 2. ودفع لغيره دينارًا فاشترى به شاتين فأتاه بذلك فقال له: بارك الله لك في صفقة يمينك 3.
إلى غير ذلك من الآثار الكثيرة في هذا.
وقد تقرّر الإجماع على جواز الوكالة على الجملة.
ومن جهة الاعتبار أنّ بالنّاس ضرورة إلى النّيابة عنهم في أموالهم.
فاقتضى ذلك جواز الوكالة لأجل هذه الضّرورة، كما جاز لهم التصرّف فيه بأنفسهم لحاجتهم إلى ذلك.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال:
كلّ من جاز له التصرّف في الشّيء بنفسه، جاز أن يتسبَّب 4 غيره فيه، لأجل الحاجة إلى ذلك على الجملة كما قدّمناه.
وكذلك حكم الوكيل في نفسه، فإنّه من جاز أن يتصرف لنفسه جاز أن ينوب فيه عن غيره، ما لم يمنع من ذلك مانع.
مثل العبد فإنّه يعقد نكاح نفسه ولا يعقد نكاح ابنته، وهذا 5 ما أذن سيّده له في التصرّف في المال.
وكذلك المرأة لها أن تعقد على نفسها المعاوضة على الاستمتاع، ولكن بشرط الوكيل 6، ولا تعقد نكاح غيرها من
الإناث، إلى غير ذلك مِمّا في معناه.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال:
أمّا العبادات الّتي هي من أعمال الأبدان المحضة، فلا تجوز النّيابة فيها كالصّلاة والطّهارة، فإنّه لا ينوب فيها أحد عن غيره، وكذلك الحجّ، لكنّه إذا أوصى به، نفذت الوصيّة على ما نذكره في موضعه.
وعند المخالف يستناب فيه مع الحياة، على ما نفصّل القول فيه في موضعه، إن شاء الله تعالى، لمّا كان عبادة بدنيّة وفيها بذل مال، والأموال تصحّ النّيابة فيها.
ولكن إذا كان ذلك مِمّا لا يستناب فيه على ما قدّمناه من مذهبنا ومذهب المخالف، فإنّ العذر عن ذلك كون ركعتي الطّواف تبعًا في هذه العبادة.
وأمّا الزكاة فإنّها تصحّ النّيابة فيها من مال من ينوب، ومن مال من وجبت عليه الزّكاة.
وإن كانت من القربات، فإنّها عبادة ماليّة.
وقد استناب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عليًّا في نحو البدن 1 ونحرها قربة.
وأمّا الصّوم فإنّه لا تصحّ النّيابة فيه مع الحياة.
وأمّا مع الموت فعندنا أنّه لا يصوم أحد عن أحد حيًّا كان أو ميّتًا.
وقد روي في الصحيح الحديث المذكور فيه من مات وعليه صوم صام عنه وليّه 2. والمخالف أخذ بها 3 على حسب ما ذكرناه في الكتاب "المعلم".
وبه أخذ الشّافعيّ في أحد قوليه.
وأمّا الحدود فتجوز النّيابة فيها أيضًا.
وقد قال عليه السلام: (واغْدُ يا أُنَيْس على امرأة الآخر فإن اعترفتْ فارجمها 4.
وعند الشافعية اختلاف في جواز الوكالة على استيفائها مع غيبة الموكِل.
وتجوز الوكالة في اقتضاء الحقوق.
وقد قال عليه السلام لجابر: خذ لي
من وكيلي في خيبر خمسة عشر وسقا 1.
وكذلك في إجرائها، وفي حديث فاطمة بنت قيس إقامة وكيل يجري عليها النفقة 2.
وتجوز النيابة في عقد النكاح.
وقد وكل عليه السلام عمرو بن أمية في عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة 3، ووكَّل أبا رافع في عقد نكاح ميمونة بنت الحارث 4.
وتجوز النيابة في الطلاق، وقد قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ 5.
إلى غير ذلك من سائر المعاملات المالية.
وأما الوكالة على الخصومة فإنه لا خلاف في جوازها عند الضرورة إليها لأجل غيبة الموكل أو مرضه أو كونه امرأة ذات خدر.
لأن هؤلاء في حكم من لا تتأتّى منه الخصومة (فضمت الضرورة إلى إباحتها بهم) 6.
وأما وكالة الحاضر على الخصومة فإن ذلك يصحّ عندنا، وعند الشافعية.
ويمنع عند أبي حنيفة، وخالفه أصحابه في ذلك، أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وتعلق من الظواهر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ 7. فإذا طلب بحق فلم يحضر مجلس الحكومة واستناب، فقد أعرض، والإعراض قد تضمنت هذه الآية ذمَّ من فعله.
وهذا استدلال ضعيف، والقصد به ذم من لم يؤمن، ألا تراه قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ 1 وهذه أوصاف الكفار.
وتعلقوا بقوله، عليه السلام: "من ولي بين اثنين فَليسَاوِ بينهما في المجلس والنظر" 2. وهذا يقتضى حضور الخصمين جميعًا حتى تقع المساواة بينهما.
وهذا كما كتب عمر، رضي الله عنه، لأبي موسى الأشعري: "ساو بين الخصمين من مجلسك ولفظك ولحظك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأَس ضعيف من عدلك" 3.
وهذا التعلق أيضًا ضعيف, لأن المساواة تحصل بين الوكيل والخصم والوكيل يحل محل الموكل، والمساواة ها هنا بين الوكيل والخصم كالمساواة بين الموكل والخصم، مع كون الخصم له أن يوكّل فيستويان في سائر الأحوال.
فإذا لم يمنعه من ذلك فقد وقعت المساواة بينهما.
وهكذا إن قالوا: أحد الخصمين يتمرّث بالخصومة وحضور مجلس المحاكمة، وقد يضع من نفسه بذلك، فإذا وكل الآخر وتنزه عن ذلك لم يستويا, لأنه، أيضًا، لم يُمنع هو من أن يوكِّل، واختار أن ينوب بنفسه، فترْك المساواة بينهما من قِبَله لا من قبل الحاكم.
وتعلق بأن 4 لا تنقل الشهادة عن شهود حاضرين، فإذا لم تقبل شهادة الفرع مع حضور الأصل فكذلك لا تقبل الوكالة مع حضور الموكل إذا لم يرض الخصم بذلك.
وأجيب عن هذا بأن لسان الوكيل كلسان الموكل وكلامه ككلامه، وشهود الفرع إنما شهدوا بنقل شهادة، وشهود الأصل شهدوا بالحق من أصله، فلم يكن ذلك كالوكالة.
وأيضًا فإن القاضي يلزمه البحث عن عدالة الشهود، فإذا التزم
قبول شهادة الفرع كشف عن فرقتين شهود الفرع وشهود الأصل، وهذا فيه كلفة، بخلاف الوكالة.
وأيضًا فإن عدول شهود الأصل عن الحضور، مع عدم العذر، مما يستراب، إذ لو حضروا لَظهر للقاضي من حالهم وتأدية شهادتهم ما يوجب الوقف.
وقد قال بعض أصحاب الشافعي: الفرق بينهما أن الوكالة تجوز من الحاضر إذا رضي خصمه، ولا تجوز قبل 1 شهادة الفرع مع حضور الأصل وإن رضي الخصم.
وهذا الذي ذكروه، من الفرق، وكون الرضى لا ينفع، ونقل الشهادة والرضى ينفع في قبول الوكالة، يفتقر إلى تفصيل.
ويعتمد من يجيز الوكالة على الخصومة، وإن كان الموكل حاضرًا، على أن إباء الخصم من التوكيل عليه تعنيت وإضرار بالغير من غير فائدة، وهذا ممنوع في الشرع، ألا ترى أن من عليه حق فوكل على قضائه فإن 2 ليس من حق من له الدين أن يمتنع من قبوله من يد الوكيل لما كان لا فائدة له في هذا الامتناع.
ويجيب المخالف عن هذا بأن الامتناع من قبول الخصام بوكالة فيه غرض صحيح, لأنه قد يوكل الخصِم الألدّ الحاذق بالتحيّل في الخصومات وإبراز الباطل في صورة الحق، ولو تُرك الخصم مع خصمه لأَمِن من ذلك، مع كون الوكيل لا علم عنده من صحة الطلب أو بطلانه أو 3 المرافعة عنه هل هي حق أو باطل، وقد يتعدى فيها بما 4 يجوز، فلهذا يجب أن تمنع وكالة الحاضر.
بخلاف الوكالة على قضاء الدين فإن تناوله من يد الموكل والوكيل سواء لا يتصور اختلاف الأغراض فيه.
وليس منازلة الخصم المطلوب أو الطالب، وهو مغفّل، كمنازلة الوكيل العارف بوجوه الخصام والمناقضات.
فإن قيل: قد صار للطالب حق في مجاوبة المطلوب، وإذا كان ذلك حقًا
له لم يلزمه أن ينتقل عنه حقه في ذلك إلى غير من استحقه عليه، ألا ترى أن الحوالة لا تلزم بغير رضي من له الدين لما كان استحق دينًا في ذمة فلا يلزمهُ التنقل إلى غيرها.
وأجيب عن هذا بأن إلزامه للحوالة إسقاط ملك له عن ذمة واشتراء ذمة أخرى، والبيع والشراء لا يكون إلا بالتراضي.
وهذا المعنى لا يتصور في الوكالة.
وأما ما ذكروه أيضًا من كون الوكيل قد يقع في المدَافعة بباطل، فإن ذلك لم يحرم عليه الوكالة, لأنه يبني أمره على صدق من وكله، ألا تراه إذا رضي الخصم بالوكالة حصل الاتفاق على جوازها مع إمكان أن يكون الوكيل يقع في باطل.
وإنما ذلك لأنه يبني أمره على صدق من وكله.
وكذلك أيضًا، اختلف الناس في جواز الوكالة على استيفاء القصاص والحقوق من غير حضور الموكل.
وذكر بعض أصحاب الشافعي أن الوكالة عليها تجوز من غير خلاف عندهم.
وقال بعضهم بالمنع من غير خلاف.
وقال بعضهم: إن مذهب الشافعي على قولين في هذا.
واعتلّوا للمنع بأنه يمكن أن يكون لو حضر الموكل لعفا وأسقط حقّه في ذلك، فيجب أن يحتاط للدماء بان لا تراق مع جواز أن تصان، فإذا حضر الموكِّل لاستيفائها أُمن من هذا الذي جوزناه.
واعتلّ المجيزون بأن هذا التجويز والإمكان لا يرفع الأصل الثابت وهو جواز النيابة قياسًا على سائر الحقوق.
وناقضوا من منع من ذلك بأن هذا الإمكان والتجويز الذي اعتلوا به يوجب، أيضًا، ألاّ يقام الحدّ إلا إذا حضر الذين شهدوا لِجوازِ أن يرجعوا عن الشهادة.
قال القاضي أبو محمَّد، رحمه الله:
"وهي من العقود الجائزة فليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له وتصرفه باطل يضمن ما أتلف.
وفي ضمانه ما يتصرف فيه بعد العزل وقبل العلم خلاف".
قال الإِمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أسئلة، منها أن يقال:
1 - هل الوكالة من العقود الجائزة أو اللازمة.
2 - وهل تصح العزلة مع كون المعزول لم يعلم بها.
3 - وهل يقوم الموت وزوال العقل مقام العزلة؟
4 - وهل يلزم الموكل إقرار وكيله؟
5 - وهل تتضمن الوكالة على العقود ما تعلق بها؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا وكل رجل رجلًا على أن ينوب عنه في ما ذكرنا أنه تجوز النيابة فيه، فإن الوكيل بالخيار بين أن يقبل الوكالة أو يمتنع من قبولها.
فإن قبلها على الفور عند خطاب الموكل فلا خفاء بصحة ذلك وجوازه.
وإن لم يقبلها إلا بعد زمن طويل، فإن أصحاب الشافعي ذكروا أن هذا القبول يصحّ في المعلوم والمجهول والموجود كما يصح ذلك في الكالة 1.
مثل أن يوكله على أن يقتضي من زيد مائة دينار، أو يقتضي من زيد ما استحقه عنده مِن غير أن يعلم مبلغه، أو يوكله على ما قد استحقه على زيد أو على ما يستحقه قِبَله.
كما يستوصي من ينظر بعد موته في معلوم أو مجهول، وما استحق وما يستحق.
فلما كانت الوصية تصحّ، وإن تأخر القبول، فكذلك تصح الوكالة وإن تأخر القبول.
وأما مذهبنا فإنه قد يخرج عندي على القولين في قول الرجل لامرأته: اختاري، أو قوله: أمرك بيدك.
فإنه اختلف قول مالك فيها إذا قامت من المجلس ولم تخْبره في أي مرة، أن حقها سقط بتراخيها عن الجواب.
وقد قال بعض أشياخي من الفقهاء: إن هذا الاختلاف ينبني على اختلاف الأصوليين في الأمر، هل هو على الفور أو التراخي؟ فذكرت هذا لإمامي في الأصول فلم يتلقه بالقبول، وقال: أوْلى من هذا أن يكون يجري، هذا على
اختلاف أهل الأصول في العموم في المعاني هل يثبت أم لا؟ لأن قوله: أمرك بيدك، لم يُذكر فيه الزمن بصيغة يتناوله من حيث لم يقيد الخطاب بزمن حمل على العموم.
وعلى طريقة هذين الشيخين يتصور الخلاف في الوكالة بحسب ما تُصوّر في التخيير والتمليك.
والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار القصود والعوائد، هل المراد بهذه الألفاظ استدعاء الجواب بِدارًا، فإن تأخر فإن المخاطب يسقط حكم خطابه، أو المراد استدعاء الجواب معجلًا أو مؤخرًا؟
وما ذكره أصحاب الشافعي من الاستدلال بالوصية فإن الأصل في هذا كله أصل واحد يرجع إلى ما قدمته.
وإن وقعت التفرقة فبحسب مقتضى المراد والمقصود في هذه الألفاظ.
والغرض في الوصية اقتضاء الجواب بعد الموت إذا كان الحكم فيها جواز قبول الوصي بعد الموت مع سماعه لخطاب الموصي في الحياة وتأخيره الجواب.
فإذا تقرر هذا فاعلم:
أن العقود على ثلاثة أضرب:
1 - عقد لازم من الطرفين جميعًا، كالبياعات والإجارات والنكاحات.
2 - وعقد جائز من الطرفين جميعًا كالجعالات والمساقاة والقراض، على أحد الأقوال، أيضًا، عندنا، فإنه قد قيل في الجعل والقراض: إنه لازم بالعقد لهما جميعًا.
وقيل: بل كل واحد منهما بالخيار، ما لم يعمل العامل، على ما سيبسط في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: هلا عددتم النكاح من العقود اللازمة من أحد الطرفين، وهو المرأة، الجائزة من الطرف الآخر وهو الزوج لكونه قادرًا على حَلِّ العقد بالطلاق وإن لم ترض الزوجة بحله.
قيل: ليس المراد بما ذكرناه إلا النظر في رفع العقد من أصله.
والزوج، ها هنا، إنما يملك قطع استدامة العقد واتصاله، لا رفع العقد من أصله، ألا تراه
إذا طلق قبل الدخول لزمه نصف العوض، وبعد الدخول يلزمه جميع العوض وهو الصداق.
فلو كان له رفع النكاح من غير غرامة لأمكن أن يلحق بالعقود اللازمة من طرف دون طرف.
وكذلك يحسن عندي أن يقال في الشركة وأن حقيقتها مبايعة، ولكن لكل واحد من الشريكين أن يدعو إلى المفاصلة، فتُحلّ الشركة.
وإنما ملك في هذا قطع الاستدامة وهو الاتصال.
فإذا تقرر هذا فإن الوكالة من العقود الجائزة من جانب الموكِّل لأنه إنما ينوّب عنه الوكيل لا لحق نفسه ومنفعتها إذا كانت الوكالة بغير عوض بالحق الموكل ومنفعته، وله أن يمتنع من هذا الانتفاع، قياسًا على الوديعة فإن له ارتجاعها بإجماع لما كان حفظها في يد المودع حقٌ له لا حقٌ عليه.
وهذا ما لم يتعلق بالوكالة حق للوكيل أو لغيره، فإن تعلق بالوكالة حق للوكيل مثل أن تكون الوكالة بعوض فإنها تكون إجارة، فإنه لا يمكن الموكل من عزلة الوكيل.
أو تتصور للوكيل منفعة من غير جهة المعاوضة.
أو يكون في ذلك حقٌ لغير الوكيل فلصاحب الحق أن يمنع الموكل من عزل الوكيل.
كما لو وكّل رجل رجلًا على مخاصمة إنسان، فإنه إذا أراد عزلته بعد أن نشب في خصام المطلوب وأشرف على الانفصال، فإن الموكل يُمنع من عزلته إذا منع من ذلك المطلوب، إلاّ لِعذر، كمرض الوكيل أو سفره، أو عجزه عما وُكل عليه، أو تفريطه فيه تفريطًا يخشى على تلف حق الموكل معه.
وأما الطرف الآخر، وهو الوكيل، فإنه في حقه من العقود الجائزة، أيضًا، على ما ذكره ابن القصار من كون الوكيل له أن يعزل نفسه.
وبعض أشياخي يرى أن المسألة تتخرج على القولين في الهبة، هل تلزم بالقول ويمنع الواهب من الرجوع عنها وإن لم تقبض، أو يكون للواهب الرجوع عنها قبل أن تقبض, لأن الوكيل وهب حركاته وتصرفاته لمن وكله فمنع من الرجوع عن ذلك، كما يمنع من الرجوع عن سلعة وهبها، إذ لا فرق بين هبة المنافع وهبة الرقاب.
وبعض أشياخي يرى أن الخلاف في ذلك مسطور، ويتعلق بما رواه ابن نافع في المبسوط عن مالك فيمن أبضع مع رجل بضاعة ليشتري له بها سلعة بعينها، فذهب الوكيل فاشتراها، ثم قال، بعد شرائه: إني لنفسي اشتريتها.
فإنه يقبل قوله، ويحلف إن اتّهم.
وذكر في ثمانية أبي زيد عن عبد الملك بن الماجشون أن السلعة تكون للَامر، إلا أن يكون قد أشهد الوكيل حين الشراء أنه اشتراها لنفسه.
فأما رواية المبسوط فإنها عنده تقتضي ما قاله ابن القصار من كون الوكالة غير لازمة للوكيل, لأنه جعل السلعة له وإن لم يشهد حين العقد أنه إنما اشتراها لنفسه وأنه قد انعزل.
هذا وقد أدخل الموكِّلَ بالتزامه للوكالة في ضرر، وهو نقل ماله من بلد إلى بلد على أن يحصل للموكِّل غرضه بهذا النقل للمال، والتغرير به.
ولو غرّر به وهو معتقد أنه يحمله إليه ليردّه لضمنه إن تلف.
وأقلّ مراتبه أن يكون كالوعد، والوعْد إذا أدخل الواعدُ من وعَده به في ضرر لزمه الوفاء به.
فإذا كان هذا هكذا اتضح عنده أن هذه الرواية تقتضي ما قاله ابن القصار.
ألا تراهم قد قالوا في الوصي: إنه لا يمكّن من الرجوع عما قبله من الوصية بعد موت الموصي.
ويمكّن من ذلك في حياته، لأجل أن الميت إذا مات قبل أن يرجع الوصي عن قبول الوصية دخل الضرر على اليتامى بانعزالة، فلم يمكّن من الرجوع، بخلاف رجوعه في حياة الأب.
وهذا الذي قاله بعض أشياخي صحيح من جهة أنه إذا أمكن 1 الوكيل من الانعزال مع ما يلحق الموكل من الضرر في هذا، فأحرى أن يُمكّن من الانعزال في ما لا ضرر فيه على الموكل.
لكن قد يقال ها هنا في العذر عن هذه الرواية: إنه إنما جعل السلعة لمشتريها لأجل أنه قد باع البائع منه على أن يملّكها للوكيل، فملكه إياها، وكونه اعتقد شراءها لنفسه استحالت الوكالة عليها، فسقطت الوكالة من أجل
فوات ما وكّل فيه لا من جهة كونه له الانعزال.
كما لو وكله على شراء عبد بعينه، فوجده قد عَتَق أو قد مات، فإن الوكالة بطلت من جهة فوت ما وكّل فيه لا من جهة الانعزال.
وأما قول أصبغ: إنها للموكِّل وإن أشهد الوكيل.
فإن هذا أيضًا قد حاول بعض أشياخي أن يجعله قولًا ثانيًا في كون الوكيل لا يُمكّن من عزل نفسه.
لكن هذا الترجيح أيضًا يُقدح فيه بما أشرنا إليه من كون الموكل قد لحقه الضرر في نقل ماله فلم تمكّن الوكيل من إلحاق الضرر به مع التزامه لما ينفعه لا لما يضره.
وأما سبب الاختلاف في عدم الإشهاد، هل يكون ذلك للموكل أو للوكيل، على ما حكيناه عن الثمانية لأبي زيد، فإن ذلك مبني على الأصل أن تصرّفات الإنسان لنفسه.
كما يعارض الاحتمالات في كونه اشترى لنفسه أو للموكل.
وكما نقول في تعارض الشهادات: إنه يرجح بالأعدل منهما.
وأما من ذهب إلى أن الشِراء للآمر فإنه استصحب الحال التي خرج عليها الوكيل فلم يبِن عنها إلا بتصريح من الوكيل.
وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في من وْكِّل على شراء سلعة فاشتراها،
فعند شرائه قال: إني اشتريتها لنفسي.
فقال محمَّد بن الحسن: هي للموكِّل.
وقال أبو يوسف: هي للوكيل ..
وظاهر الأمرأن هذين الرجلين لم يختلفا، إذا وكِّل على شراء سلعة بعينها فاشتراها، أنها للاَمر، إذا اشتراها بغير تصريح لذكر من اشتراها له.
لكون التعيين ترجيحًا، فيضاف إلى ترجيح الأصل وهو كون تصرف الإنسان لنفسه.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
ذكرنا ما في المذاهب من حكم عزل الوكيل نفسه، وذكرنا ما ذكره ابن القصار من تمكينه من عزل نفسه، وعليه أبو حنيفة والشافعي.
وهذا مع حضور الموكل.
فأما مع غيبته فإن أبا حنيفة شرط في صحة العزلة حضور الموكل، قياسًا على المودَع، فإنه لا يخرج عن حكم الإيداع مغ غيبة المودع.
وأيضًا فإن إجازة العزلة مغ غيبة ربّ المال إضرار به والإضرار ممنوع.
والحجة عليه أنه إذا كان لا يشترط رضاء الموكل في العزلة، لو كان حاضرًا، فلا فائدة في اشتراط حضوره، بل غيبته وحضورهُ سيان، إذا كان تمكّن الوكيل من أن يعزل نفسه وإنْ لم يرض الموكل.
ألا ترى أن الزوجة لما لم يشترط في وقوع الطلاق عليها رضاها به لم يشترط حضورها بل يقع عليها وإن كانت غائبة.
وأما المودَع فلا يُتصوَّر عزل نفسه إلا بردّ الوديعة لمالكها أو إخراجها لحاكم على وجه يسوغ للحاكم معه قبولها من المودعَ.
وأما الوكيل فإنه إنما يفيد عزل نفسه قطعَ التصرف في المال الذي وكّل عليه، فذلك جائز ولا مانع منه.
إلا أن يتعلق بالوكالة حق أو منفعة للوكيل أو لغير الوكيل، كمطلوب وكّل الطالب رجلًا على خصامه، وأشرفا على إنجاز الحكم، فإنه لا يمكِّن الموكِّل من عزل الوكيل إذا امتنع من ذلك المطلوب بما يلحقه من الضرر.
وأما إن كان الوكيل غائبًا فعزله الموكل، وبلغته العزلة وعلمها، فإنه يتحقق عليه حكمها، ويكون متعديًا في التصرف في المال الذي عزل عنه.
وأما إن لم تبلغه العزلة، وتصرف بعدها وقبْل العلم بها، فإن المذهب على قولين: هل يثبت حكم المنع من التصرف في باطن الأمر أم لا يثبت؟ وكذلك عند الشافعية قولان في هذا، أيضًا، واختار أبو حامد الاسفرائيني ثبوت حكم العزلة وإن لم يعلم بها الوكيل، قال: وبهذا نفتي.
ومذهب أبي حنيفة أن العزلة لا يثبت حكمها حتى يعلم الوكيل بها.
وقد جرى الرسم في المذاكرات بين الفقهاء وأهل الأصول في إجراء هذه المسألة على اختلاف الأصوليين في النسخ هل يتحقق حكمه عند بلوغ الخطاب للنبي عليه السلام وإن لم يبلغه للمكلفين، أو لا يتحقق حتى يبلغه إليهم.
وذُكر
في مثال ذلك ما جرى من نسخ القبلة التي كانت إلى بيت المقدس فحولت إلى الكعبة، فأتى وجل بعض الصحابة وهم يصلون، وضي الله عنهم، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا، واعتدّوا بما مضى من الصلاة.
وإن كان قد وقع منهم هذا الفعل بعد النسخ، في ظاهر الأمر.
وعلى هذا يجري في المذاكرات الاختلاف الذي وقع في خطيب خطب يوم الجمعة، وهو معزول ولم يعلم بالعزلة، هل يُعتَد بتلك الخطبة أم تعاد؟ فكذلك يجري الأمر في الوكيل فإن الإذن له في التصرف كالأمر به، والعزل له كالنهي.
فيختلف فيه، أيضًا، هل يتحقق حكم النهي من المخلوق قبل العلم به.
كما قلناه في نهي الخالق تعالى.
ومن الناس من ذهب إلى التفرقة بين ثبوت الناسخ ولم يعلم به المكلف، وبين مسألة الوكيل.
فإن العبادات وأمور الديانات بخلاف المعاملات, لأن المكلف إذا أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فإنه حرام عليه الصلاة لغيرها، ويؤثَّم إن فعل وهو مأمور بالصلاة إليها، فلا يتحقق كونه يثبت عليه حكم النهي عن الصلاة إليها.
وأما تصرف الوكيل فإنه من المباحات، إن شاء تمادى عليه، وإن شاء تركه فيتوجه عليه حكم النهي عن التصرف.
ولا مناقضة في ذلك لأنه كان له ألا يتصرف.
ولم يمكن المصلي إلى بيت المقدس ألاّ يصلي إليها.
فإذا باع الوكيل ما وكِّل على بيعه، وهو معزول ولم يعلم بالعزلة، فإن البيع يمضي على الموكِّل إذا قلنا بأن حكم العزلة إنما يتحقق بعد العلم، وإن قلنا: إن حكمها يتحقق قبل العلم كان للموكل أن ينقض البيع ويرتجع سلعته إن كانت موجودة، ويجري الأمر فيها على حكم الاستحقاق.
وقد ذكر ابن القاسم أن من وكِّل على قبض دين، ثم عزل عنه ولم يعلم بالعزلة، متى قبض الدين فإن المديان لا يبرأ في الدفع إليه.
وأشار سحنون إلى مناقضة من قال بهذا في الدين، وقال في البيع بإمضائه.
والظاهر أنه اختلاف.
وقد تقرر اختلاف المذهب في من أتلف مال
غيره غلطًا، بإذن تقدم، هل يضمن أم لا؟ فقيل بضمانه لكون الخطإ والعمد في مال الناس سواءً.
وقيل: لا يضمن لأجل شبهة الإذن.
فكذلك يجب الاختلاف في تصرف الوكيل قبل أن يعلم بالعزلة على هذا الأصل لأنه تصرف بوجه شبهة الإذن.
وقد قال في المرأة إذا أنفقت من مال زوجها، بعد أن طلقها ولم تعلم بطلاقه: إنه لا يرجع عليها لأنه أخطأت على مال زوجها بشبهة الإذن.
خلاف أن يموت زوجها فتنفق من ماله بعد الموت فإنها تُطلب بالنفقة لما كان خطؤها ها هنا على مال الورثة، وهم لم يتقدم لهم إذن لها، بخلاف خطإها على مال زوجها وهو حي.
وكذلك اختلف المذهب في تصرف الوكيل بعد أن مات الموكِّل ولم يعلم بموته.
فقيل: تصرفه غير ماض، وللورثة أن يردوا بيعه.
وذكر ابن المنذر أن هذا إجماع من أهل العلم.
وليس كما قال، بل في المدونة إمضاء تصرفه، في ظاهر ما قال.
وذهب مطرف إلى أن دفعه وقبضه بعد موت الموكل ماض وإن علم بموته.
وهذا إفراط, لأن تصرفه قبل العلم فيه من الإشكال ما بيناه ورَدَدْناهُ إلى مسألة أصولية، وأما بعد العلم واعتقاده أن الورثة صار المال إليهم، فلا وجه له.
إلا أن يرى أن هذا حق استُحِق على الورثة قبل أن يرثوا هذا المال، فلهذا أمضاه.
وهذا بعيد.
وما ذكرناه من اختلاف المذهب في تصرفه، وما أشرنا إليه من بنائه على الأصل الذي قررناه وهو الخطأ على مال الغير بشبهة إذْن تقدمَ و 1 يقتضي إجراء الخلاف في رد فعله من بياعات وكونه 2 اقتضائه لا يبرأ به الغريم، وكونه هو في نفسه ضامن 3 للمال.
وإلى هذا أشار بعض الأشياخ ورأى أن ما وقع في
الروايات، من كون الغريم لا يبرأ بالدفع للوكيل إذا لم يعلم بالعزلة، يقتضي أن صاحب الدين إذا طلب المديان وضمّنه، كان للمديان أن يضمِّن من قبض منه، وهو الوكيل.
وبعض أشياخي يشير إلى حمل مثل هذا، مما وقع في الروايات، على تصور الخلاف في ردّ أفعاله لا في ضمانه.
وتضمين الغريم من غير أن يُجعَل له مرجع على من قبض منه بتَعدّ.
وقد أشار ابن المواز إلى استبعاد ضمان الغريم، حتى قال: ولو كان الغريم علم عزل الوكيل لبرىء بالدفع إليه إذا كان القاضي قد قضى بذلك عليه، لكونه مجبورًا على الدفع.
وهذا الإجبار من سبب رب المال مع ما فيه من التغرير بالناس والتحيّل على إتلاف أموالهم.
وإذا ثبت أن العلم بالعزلة له يمنع من قبض الدين فإن هذا في دين خص بالتوكيل.
وأما دين لم يخص بالتوكيل عليه في نفسه لكن مقتضى الشرع دفعه للوكيل كوكيل وُكِّل على بيع سلعة فباعها ثم مات الآمر قبل أن يقبض، فإن ابن القاسم منعه من القبض لكون المال صار لغير من وكله.
وأصبغ مكنه من القبض.
فإذا قبضه نظر فيه الحاكم.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
ذكر بعض أصحاب الشافعي أن الوكالة تنفسخ بطروّ الجنون على الوكيل أو الموكِّل.
واعتقوا في ذلك بأن الوكالة من العقود الجائزة فوجب أن تنفسخ بالجنون، لكونه طرأ على عقد غير لازم، والمجنون ليس له أن يعقد في حال جنونه، وما قبل جنونه كان العقد فيه غير لازم له.
وأيضًا فإن معنى قولنا: إن الوكالة من العقود الجائزة كونُ العقد موقوفًا على اختيار العاقد، والمجنون لا اختيار له، بخلاف النائم لكون النوم معنى طبيعي يتكرر، وينتبه النائم إذا نبّه، بخلاف المجنون.
وهذا الذي قالوه يتفصّل القول فيه عندي:
فأما إن كان الجنون طرأ على الوكيل فلا شك أن جواز التصرف لا ينتقل
إلى غيره، كما لو مات فإن ذلك لا يورث عنه، لكن إذا منعه الجنون من التصرف ثم عاد إليه عقله فأراد أن يبقى على التصرف الذي كان له قبل الجنون فإنه يمكّن من ذلك إذا كان الموكل حاضرًا ولم يعزله.
وإن كان غائبًا فلم يعلم بجنونه فيعزله فإن ذلك أيضًا لا يمنع من تمكينه من التصرف لكون الموكل أذن له بالتصرف، مع جواز القواطع له عن التصرف، فأشبه الجنونُ شغلًا قطع الوكيل عن التصرف.
وأما إن كان الجنون طرأ على الموكل فإن الأظهر، أيضًا، كونه يمكن من التصرف.
كوديعة أودعها من جنّ قبل جنونه لا تنتزع ممن هي في يديه إذا حسن المودع.
بخلاف أن يموت الموح فينتزعها الورثة.
لكن لوطال زمن الجنون به طولًا يفتقر معه إلى نظر السلطان في ماله، وأن يقيم له من يتصرف فيه، فإن هذا قد يدخل فيما ينظر له، على حسب ما بيناه في كتاب بيع الخيار.
وبين صاحبي أبي حنيفة، محمَّد وأبي يوسف، اختلاف في رقة الوكيل، هل توجب عزلته أم لا؟ والأظهر عندي أنه لا ينعزل بذلك, لأنه إنما يحجر عليه لأجل الردة في مال نفسه لأنه قد يصير للمسلمين، وأما قال غيرهِ فلم يتعلق به حق للمسلمين يوجب الحجر، إلا أن يُعلم أن مقتضى العادة أن الموكل لا يرضى بتصرفه في ماله وقد ارتدّ، فيكون ذلك مما يوجب منعه من التصرف.
وكذلك لو وكل زوجته ثم طلقها، فإْن الطلاق لا يوجب عزلتها، إلا أن يُعلم أن الموكل لا يرضى بتصرفها مع انقطاع ما بينهما من المودة والعصمة.
وكذلك لو وكل عبده ثم أعتقه، فإن بين أصحاب الشافعي خلافًا في انعزاله لأجل العتق، لأجل أن وكالة الإنسان لعبده كأمر له بخدمته، واعتاقه له يرفع وجوب إنفاذ أوامره لأجْل أنه لا يقدر على جبره على الخدمة في ماله.
ولا يقدر على ذلك في الزوجة وغيرها من الأجانب.
وكذلك لو وكل عبده ثم باعه، فإن للمشتري أن يمنعه من التصرف لبائعه.
لكنه لو أذن له فيه لكان في ذلك قولان عند أصحاب الشافعي، لأجل ما
قدمناه من كون وكالة السيد لعبده كأمر له بخدمته، فتنقطع الأوامر بالبيع، كما تنقطع بالعتق، على أحد القولين عندهم.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
اختلف الناس في حكم إقرار الوكيل على موكله على ثلاثة مذاهب:
فذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى إلى أن إقرار الوكيل على موكله غير لازم للموكل، ولا يقضى به عليه.
وبه قال زفر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم إقراره على موكله إذا كان الإقرار في مجلس الحكومة، ولايلزم إذا كان الإقرار في غير مجلس الحكومة.
وبه قال محمَّد بن الحسن.
وذهب أبو يوسف، في القول الذي رجع إليه، إلى أن إقراره لازم لموكله، سواء أقرّ في مجلس الحكومة أو في غير مجلسها.
وسبب هذا الاختلاف أن الموكِّل لا يلزمه أن يُتَصَرَّفَ 1 في حقوقه التي يملكها إلا بإذنه.
فإن صرح حين الوكِّالة أنه لم يوكل الوكيل إلا على الخصومة دون الإقرار، ونهاه عن الإقرار، وقصر الوكيل على الخصومة خاصة، لم يكن له استحْلاف الخصم، ولا قبض الحق منه، ولا مصالحته عنه.
وهذا لا خلاف فيه.
وإن وكل، على الخصومة، ولم يتعرض إلى الإقرار عنه، فهذه المسألة التي ذكرنا الثلاثة مذاهب فيها:
فيرى مالك والشافعي أن الوكالة على الخصومة ليست بصريح في التوكيل على الإقرار، ولا مما تضمّنَتْه تضمنًا لازمًا.
فكان إقرار الوكيل غير لازم، كما لو نص الموكل على نهي الوكيل عن الإقرار عنه.
ويحتجون أيضًا بأن الوكيل ليس له أن يسقط الحق لا في مجلس الحكومة ولا في غيره، وله قبض الحق إذا وكل عليه في مجلس الحكومة وفي غيره من الأمكنة.
فالإقرار ينبغي أن يكون
غير لازم في الحالين، قياسًا على الإبراء، وعكس استيفاء الحق وقبضه الذي يستوي فيه الحالان في تمكين الوكيل من القبض، فكذلك يجب أن يستوي الإقرار في الحالين في كونه غير لازم.
ويرى أبو حنيفة أن الخصومة معنى التوكيل عليها اقتضاء الجواب من الخصم، وجواب الخصم يكون بنعم، ويكون بقوله: لا.
فمن وكل على الخصومة فقد وكل على الجواب الذي يطلب منه خصمه.
والجواب يكون باللفظين جميعًا الإقرار أو الحجود.
فوجب أن يكون للوكيل الإقرار والتصديق كما كان له الحجود والتكذيب.
وأجيب عن هذا بأن الخصوم 1 معناه المدافعة والمعاندة، والإقرار مساعدة وموافقة، فلا يصح أن يتضمن الشيء ضدّه.
بخلاف الإنكار، فإن الإنكار والجحود هو في معنى المخاصمة التي هي مدافعة.
فلهذا مكن الوكيل من الجحود والإنكار، ولم يجب أن يمكن من الإقرار لأن تمكينه من ذلك ضد المخاصمة، والمخاصمة أصل والمجاوبة فرع، وإذا عاد الفرع بمناقضة أصله ومضادته بطل في نفسه دون أصله.
وقد صار بعض حذاق أصحاب أبي حنيفة بلى أن انطلاق المخاصمة بالإقرار والحجودِ مجاز، وإنما الحقيقة المخاصمة خاصة، وانطلاق اللفظة الواحدة على حقيقتها ومجازها لا يصح، كما لو قال: اقتل أسدًا، لكان المكلف مخيّرًا في سائر الأسود البهيمة، لا في رجل شجاع، يسمى على جهة المجاز أسدًا، لكون الحقيقة معناها استعمال اللفظة في ما وضعت في الأصل له، ومعنى المجاز استعمال اللفظة في ما لم يوضع في الأصل له.
فهما أمران متناقضان، فلا يصح أن يراد بالكلمة الواحدة معنيان متناقضان.
وهذا يقتضي قصر الوكيل على المخاصمة خاصة دون الإقرار لئلاّ يقع في ما منعناه من انطلاق اللفظة على حقيقتها ومجازها معًا.
والإنكار قد تظهر فيه
معنى المخاصمة فتنطلق عليه التسمية انطلاقًا هو كالحقيقة بخلاف الإقرار الذي هو ضد الخصومة، لكنه يسمى أيضًا خصومة لأن الإقرار يقابل الجحود، والشيء يسمى باسم ما قابله أو ما تعلق به، لكن لما كان الجواب في المخاصمة يكون بالجحود فيمكّن الوكيل منه باتفاق، ويكون بالإقرار فيجب أيضًا أن يمكن الوكيل منه، أخذا بالعموم والمجاز، لكون هذه اللفظة، التي هي المخاصمة، المراد بها اقتضاء الجواب، وإيقاع هذه اللفظة على الجواب مجاز، فهذا المجاز يجب أن يحمل على عمومه حتى يتضمن التوكيل الجانبين، وهما الجحود والإقرار.
وهذا كما لو حلف ألاّ وضع 1 قدمه في هذه الدار.
فدخلها ماشيًا أو راكبًا، أو على غير ذلك من الأشكال، فإنه يحنث لما كان القصد بهذا اللفظ ألاّ يدخل الدار.
وهذا المقصود بهذا اللفظ إنما ينطلق عليه لفظ اليمين مجازًا فيجب تعميم هذا المجاز في سائر أنواع الدخول.
وكمن قال: امرأته طالق يوم قدوم زيد من سفره.
فقدم زيد ليلًا، فإنه يلزمه الطلاق.
و 2 لأن المراد بقوله: يوم، الوقت، وانطلاق هذه اللفظة على الوقت مجاز، والوقت هو الليل والنهار.
فلهذا لزمه الطلاق.
وهذا الذي مثل به أصحاب أبي حنيفة مسلّم إذا كان القصد باللفظ ما ذكره واعتقده في أنه مراد القائلين بهذا اللفظ.
وقد ذكر في كتاب الصوم من المدونة في من قال: لِلَّه عليّ أن أصوم يوم يقدَم فلان، فقدِم فلان ليلًا، فإنه يصوم صبيحة تلك الليلة.
وهذا قد يُبْنَى، أيضًا، على أن المراد بذكر اليوم، ها هنا، الوقت، ليلًا كان أو نهارًا.
وهو من الأسلوب الذي أجراه ها هنا بعض أصحاب أبي حنيفة.
وقد اختلفوا أيضًا في قول الوكيل: إن الموكِّل كذب في دعواه.
هل يقبل هذا على الموكل أم لا؟ فمنهم من قال: يقبل، لما قلناه في لزوم الإقرار.
ومنهم من قال: لا يقبل، وفرّق بين قول الوكيل: إن موكلي قبض الحق وأبرأ منه، وبيْن قوله: كذب في دعواه أصل الحق.
لأن تكذيب المدعي الموكل في دعواه يرفع أصل الوكالة، وإذا رفعها رفع ما تضمنته من قول الوكيل.
بخلاف إِقْرارِهِ بأن الموكل قد قبض الحق بعد أن قبل الوكالة وأخذ الخصام.
وأما أبو يوسف فقدّر أن الموكل أحل الوكيل محلّ نفسه، وجعل لسانه كلسانه وقوله كقوله، فلما كان الموكل يؤخذ بإقراره، سواء كان بين يدي الحاكم أو غائبًا عنه، فكذلك وكيله.
وهذا يجاب عنه بأن الموكل إنما لزمه إقراره في الحالين بحكم حريته واستحقاقه في الشرع التصرف في ماله، ومؤاخذة الشرع له بأقواله فيه.
بخلاف الوكيل الذي إنما يستحق النظر في هذا المال بإذن المالك لا بأصل الشرع، والمالك لم يأذن له فيه، والشرع لا تتعدى حدوده ومراسمه.
والأب والوصي وإن جعل لهما الشرع في مال اليتيم، فإنه إنما جعل لهما ذلك في ما يعود بصلاحه، لا في ما يعود بضرره، فلم يجز إقرارهما على من في ولائهما 1 بحق عليهِ لمّا توليا المعاملة فيه اتباعًا لحدود الشرع في ما جعله إليهما.
وقد نوقض أبو حنيفة في المدعى عليه في ما يجب عليه فيه قصاص أو حدّ، فوكّل على المخاصمة عنه، فإن إقرار الوكيل لا يلزمه.
وانفصل عن هذا بأن الحدود تدرأ بالشبهات، والوكالة على الخصام إنما اندرج تحتها الوكالة على الإقرار بما ذكرناه من حكم التعلق تضمن هذا الخطاب 2 الذي هو مجاز، وهذه شبهة يدرأ الحد بها.
فإذا وضح مأخذ الخلاف في تضمن الوكالة الإقرار، فإن ذلك إنما يتصور الخلاف فيه مع الاقتصار على الوكالة على الخصام دون تصريح بالنهي عنه والإذن فيه.
فمتى قال المُوَكِّل: وكلتك على الخصام، ونهيتك عن الإقرار.
فإنه
لا يختلف في أن إقرار الوكيل غير لازم للموكل لنهيه.
فإذا أطلق الوكالة على الخصام والاستيفاء والاستحلاف والإقرار، فإنه إذا أقر على موكله فإن الظاهر من مذهب الشافعي أن إقرار الوكيل لازم، لنص الموكل على الإذن فيه للوكيل.
لكن ذكر أبو حامد الإسفرائيني أنه إذا قال للوكيل: أقِرّ عليّ لفلان بألف درهم.
فإن هذا عندهم على وجهين: أحدهما: لزوم ذلك للموكّل لكون هذا القبول الصادر منه كتولّيهِ الإقرار بنفسه.
والوجه الآخر: أنه غير لازم, لأنه قصارى ما فيه أنه أمر الوكيل بأن يقول قولًا، ولا يكون أمره له بان يقول قولًا من الأمر، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لعمر، لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض: مره فليراجعها 1. فلم تكن الرجعة واجبة، عندنا، على عبد الله بن عمر لما كان الأمر له بذلك من أبيه.
بخلاف أن يقول النبي عليه السلام لأبيه: أخبره أن الله أمره بالرجعة، أو أني أمرته بها، أو يأمره - صلى الله عليه وسلم - شفاها.
فكذلك قوله لرجل: أقرّ عني بألف درهم.
فإن هذا لا يعدّ إقرارًا من الآمر، بل لا يتضمن سوى الأمر للوكيل بأن يقول هذا القول، وقول إنسان لا يؤخذ به آخر.
وهذا الذي قاله أبو حامد، واستشهد به في مسألة الرجعة، لا نوافقه عليه.
بل مذهبنا أن المطلّق في الحيض يجبر على الرجعة, لأن قول النبي عليه السلام لأبيه: مره فليراجعها، الظاهر منه أنه أمره بتبليغ هذا الحكم وإخبار ولده به، وهكذا إذا قال: أقرّ عني، فالظاهر منه أن ما نطق به الوكيل هو كالنطق من الموكل، لقوله: أقرّ عني، فأضاف قول الموكل إلى نفسه.
وقد وقع في العُتببة لأصبغ فيمن وكله رجل على خصام رجل في شيء، فإن إقرار الوكيل لا يلزم الموكل.
قالوا: ولو أشهد له بأنه جعله في الإقرار عنه كنفسه فإن إقرار الوكيل يلزمه.
وظاهر هذا أنه يقول 2 كذلك في اللفظ الذي حكيناه في قوله: أقرّ عني.
وإن كان هذا اللفظ الذي ذكره أصبغ قيده بقوله: جعله في الإقرار كنفسه.
فإذا كان المراد بقوله: أقرّ عني، هذا المعنى لم يفترق اللفظان، ولا ينبغي أن يتصور الخلاف.
وربما كانت قرائن وألفاظ تحل محل النطق فلا يكون للخلاف فيها وجه.
وإن اقتضت قرائن أنه لم يرد بالخطاب أن يجعل قوله كقوله، بل أراد وجهًا آخر يمنع من صرف القول إليه، ولا يتضمن كونه معترفًا، لم يكن هذا القول الواقع على هذه الصفة بالذي يوجب على الموكل ما أقرّ به الوكيل.
ولما أشار أبو حامد إلى الاختلاف عندهم في هذا القول إذا قال له: أقرّ عني لفلان بألف درهم، فإنه أجراه، أيضًا، على الوجهين المتقدمين، هل يسقط هذا الإقرار عن الموكل أو يلزمه، ويُرجع في تقرير هذا المال إليه.
قال: ولو قال له: أقرّ عني، ولم ينصّ على عدد ما يقرّ به عنه، بل أورد هذا اللفظ مطلقًا، فإنه على وجهين:
أحدهما: أن هذا الإقرار لا يلزم الموكل، لإمكان أن يكون أراد بقوله:
أقرّ عني، بأمر غير الحقوق المالية، إما بإخبار عن حال من الأحوال، أو غير ذلك مما في معناه.
والوجه الآخر: أن هذا الإقرار يلزم الموكل، ويُرجع في تعبير ما لم يقرّ به الوكيل عنه إلى الموكل.
وهذا، أيضًا، لا يتصور فيه خلاف، إذا قال: أقرّ عني، في خصام في حقوق ومراجعة ومحاورة في ذكر مال والطلب به، حتى يفهم من هذا الإطلاق أن المراد به كالمراد بالمقيّد، وهو قوله: أقرّ عني بمال.
ومحصول الأمر في هذا يرجع إلى ما نبهناك عليه من اعتبار المفاسد بهذه الألفاظ، فهذا الذي يعتمد عليه.
والجواب عن السؤال.
الخامس أن يقال:
اختلف المذهب فيمن وكَّل على بيع سلعة أو شرائها، هل يقبل قول الوكيل، بعد انقضاء العقد، على ما يتعلق بالعقد، مما يوجب فسخه أم لا؟
فذكر في المدونة، فيمن أمر رجلًا أن يُسلِم له في طعام، ففعل، فردّ المسلم إليه دراهمَ زيوفًا، فقال: هي مما دفع إليّ الوكيل، فصدقه الوكيل في ذلك، وأقر أنها دراهم الآمر، يلزمه بدلُها، بإقرار وكيله, لأنه ائتمنه، فهو مصدق عليه في أنها دراهمه، وصار اعترافه بذلك كاعتراف الموكل.
وذكر في الموازية في وكيل وكِّل على بيع سلعة، فاطلع المشتري على عيب فيها، فشك أهل المعرفة هل حدث هذا العيب عند المشتري أو كان قديمًا عند الموكل؟ فاعترف الوكيل أنه كان عند الموكل، فإنه لا يصدق على الموكل، ولا يمكّن المشتري من الردّ بهذا العيب بمجرد قول الوكيل.
وظاهر هذا خلاف ما قال في المدونة.
وقال مطرّف وابن الماجشون، فيمن وكل على شراء سلعة، فلما اشتراها زعم أنه شرط في العقد شرطًا يفسد البيع: إنه يصدق في ذلك مع يمينه، إن كان لم يدفع السلعة إلى الموكل.
وإن نكل، عن هذه اليمين فإنه يغرم للبائع قيمة السلعة التي أفات عليه بنكوله عن هذه اليمين.
ومراده غرامة الوكيل المقرّ بهذا الفساد، لإكمال القيمة إن زادت على الثمن الذي قبضه البائع.
قال: وإن كان الوكيل لم يقر بهذا الفساد إلا بعد أن دفع السلعة إلى الموكل له على شرائها، فإن قوله غير مقبول، ويغرم القيمة للبائع، لكونه معترفًا أنه أفات على البائع سلعة يجب عليه أن يردها إليه، بدفعها لمن وكله.
وهكذا ذكر عيسى في المستخرجة أن الوكيل يصدق في إقراره بالفساد.
ولكنه أطلق القول في ذلك، ولم يفرق بين كون الوكيل أقر بهذا قبل أن يدفع السلعة إلى موكله أو بعد أن دفعها.
وظاهر هذا الإطلاق أنه يقبل قول الوكيل في الحالين، كما يقتضيه ظاهر المدونة فيما حكيناه عنها.
وإن كان قد قال بعض المتأخرين بأن الوكيل إنما صدقه، في المدونة، في كون هذه الدراهم الزيوف دراهم الآمر، لأجل كون الطعام المسلم فيه لم يقبض، وإذا كان لم يقبض فقد بقي من أفعال الوكيل في ما وكل عليه وجه، فصارت الوكالة لم تنقطع علاقتها، فصُدق الوكيل فيما يقول، حتى إذا قبض الطعام انقطعت الوكالة وعلاقتها،
فيجب ألا يصدق الوكيل.
ومن المتأخرين من أنكر هذا التأويل، ورأى أن ظاهر المدونة تصديق الوكيل ولو قبض الطعام.
وهكذا، أيضًا، يتأول بعض الأشياخ مسألة الكتاب على أن الوكيل لم يُعلم المسلم إليه بأنه وكيل، أو أعلمه بذلك إعلامًا لا يبرئه من المطالبة بالثمن.
فإذا كان من حق البائع مطالبة الوكيل بالثمن في ذمته صار الوكيل بدفعه الثمن للبائع غير بريء الذمة، والثمن باق عليه، وهو مطلوب به من جهة موكله.
فإذا تصورت المطالبة عليه بالثمن أشعر ذلك بأن وكالته لم تنقطع، فصدق على الآمر الذي وكله، حتى لو عقد هذا السلم على وجه لا تكون عليه مطالبة بالثمن في ذمته، مثل أن يقول المسلم إليه: هذه الدراهم لفلان، أمرني أن ندفعها إليك في طعام.
فإنه يجب ها هنا ألاّ يصدق الوكيل على الموكل، لكونه غير مطالب بالبدل ولا الثمن في ذمته.
فوكالته انقطعت بنفس دفع هذه الدراهم الزيوف، فلا يصدق على موكله.
وهذا كله تخريج على قاعدة أشرنا إليها.
وذلك أن الوكيل إذا فرغ مما وكّل عليه وانعزل صار إقراره على موكله كإقرار رجل أجنبي لا علاقة بينه وبين هذا الموكل.
وإذا كانت وكالته لم تنقض وائتمنه على ما يفعل ويعقد (ما يفعله) 1، وعقده يقع على وجوه، فقد ائتمنه على الوجه الذي يوقعه منها فوجب تصديقه.
فمن تأوّل مسألة المدونة على أن الطعام لم يقبض إنما أراد بهذا التأويل إثبات علاقة بقيت من الوكالة توجب تصديق الوكيل.
ومن اعتبر ما قلناه من كون الثمن يتعلق بذمة الوكيل إنما اعتبر أيضًا، بقاء علاقة من الوكالة توجب تصديقه، مع كون الموكل ائتمنه على ما يفعل فصار بذلك كالمصدق له فيما يذكره من الوجه الذي أوقع الفعل عليه.
وقد يهجس في الخاطر استنكار تفرقة ابن الماجشون ومطرف من كون الوكيل أقر بالفساد بعد أن دفع السلعة أو قبل أن يدفعها لكونه إذا لم يدفع بقيت من الوكالة علاقة وهي الدفع، فوجب تصديقه.
بخلاف انقطاع هذه العلاقة بدفع السلعة.
مع كون سكوته، أيضًا، عن ذكر هذا حين دفعه السلعة كالمناقض لما يقتضيه فعله من كون الدفع لها كالاعتراف بصحة ملك الموكل على شرائها.
وأيضًا، فإنه قبل أن يدفعها لو قال: إني اشتريت لنفسي وانعزلت عن الوكالة قبل شرائها، فإنه يصدق، على الخلاف الذي ذكرناه في أوَّل هذا الكتاب.
فإذا كان قبل دفعها مقبول القول في صرف الموكل عن ملكها، فلا يتهم في أن تصرفهُ بوجه آخر، وهو اعترافه بأن العقد وقع فاسدًا.
هذا حكم ما يقبل فيه قول الوكيل.
فإذا قلنا بقبول قوله فهل يصدّق بيمين على صحة ما يقول أم بغير يمين؟.
ذكر في المدونة، في المسألة التي تكلمنا عليها ها هنا، أن الوكيل إذا اعترف بأن الدراهم دراهم من وكّله فإنه يصدق، ولا يلتفت إلى إنكار الموكل، لأن الوكيل أمينه.
قال: وإن لم يعرفها الوكيل، ولكنه قبلها، فإنه يلزمه بدلها.
وله أن يحلّف الموكل على أنه لا يعلم أنها دراهمه، وأنه لم يعطه إلاّ جيادًا في علمه.
واعترض بعض الأشياخ بأن قال: تحليف الآمر بأنه لما لزم الوكيل بدل هذه الدراهم، ولم يبق بينه وبين الآمر محاكمة لوصوله إلى حقه من مال الوكيل.
فإذا ألزمنا بعد هذا المأمور أن يحلف للآمر، كان من حجة الآمر في إسقاط اليمين عنه أن يقول: لو حضرت للمحاكمة بيني وبين قابض الدراهم لكان القول قولي في أني لا أعلمها من دراهمي، ولم أعطه إلا جيادًا في علمي، ومن حقي أن ننكل عن اليمين، ونردّها على قابض الدراهم.
فبغرامتك لقابض الدراهم الزيوف بَدَلها قد حُلْتَ بيني وبين ردّ هذه اليمين، وأتلفتَ هذا الحق عليّ، ولا يتوجه لك عليّ يمين, لأن الذي توجه عليّ من اليمين في مثل هذا
إليّ ردُّه، وأنت لم تحقق أنها دراهم 1 لجواز أن يكون قابضها هو الذي أبدلها، فلا أردّ عليك اليمين فيما لم تتحققه، ولا أقدر على ردها على قابض الدراهم لكونه قد سقطت المحاكمة بيني وبينه بحصول الدراهم الطيبة من قبلك في يديه.
وأجاب عن هذا بعض الأشياخ بأن هذه اليمين، التي ألزمها في المدونه للَامر، قد توجهت عليه من جهة قابض الدراهم، فإذا أبدل الوكيل الدراهم فإنه يقول: أنا قد حللت محلّ قابض الدراهم في طلبك بهذه اليمين منك، ولا نسقطها عنك، فعلى مَا يُمنع قابضها من مخاصمتك أنت لأنه اختار مخاصمتي واخترتُ أنا غرامتها له لأجل محله في طلب هذه اليمين منك، ولا يسقطها عنك كوني شاكًا في وجوب الغرامة عليك، كما لا يسقط حق الورثة في اليمين عمّن ثبت أن الميتَ، الذي ورثوه، ذكر أن له عنده حقًا سماه، فإن الذي ادعى عليه الميت يحلف للورثة لكونهم يحلون محلّ من ورثوه.
فإن نكل المدعّى 2 عن هذه اليمين غرم.
ولم يلزم الورثة يَمينٌ لكونهم لا يعلمون صدق الميت.
فإذا تعلقت اليمين على من ادعى عليه الميت لكون الوارث يحلّ محلّ الميت، ولم يمنع من تعلقها كون هذه الدعوى قد فات بها رد اليمين لموت المدعي، فكذلك إذا فات ردّ اليمين، ها هنا، لغرامة الوكيل لهذه الدراهم.
وقال في المدونة: إن لم يعرفها المأمور ولا قبلها فإن قابضها يستحلفه.
وله أن يستحلف الموكل.
وقد وقع اضطراب في من يبدأ باستحلافه ها هنا.
فظاهر المدونة أنه يبدأ باستحلاف المأمور ثم يستحلف الآمر.
ورأى بعض الأشياخ المتأخرين أن الأوْلى بداية الآمر.
ورأى بعض أشياخي وغيره من الأشياخ يخير قابض الدراهم في من يبدأ باستحلافه منهما.
وسبب هذا الاختلاف النظر في ترجيح هذين المطلوبين باليمين على صاحبه.
فمن ابتدأ باستحلاف المأمور رأى أنه هو الذي تولى المعاملة والعقد والدفع لهذه الدراهم، وباشر قابضها بذلك، وقابضها يحقق عليه أنه أعطاه زيوفًا يجب بدلها, ولا يحقق ذلك على الآمر.
فالبداية بالمباشر للمعاملة والدفع الذي يحقق عليه الدعوى أوْلى ممن لم يباشر ولا يحقق عليه دعوى.
ومن رأى البداية بالآمر رجح جانبه، ها هنا، بأنه صاحب الدراهم، وعوضها، الذي هو السلم هو يستحقه، والوكيل ها هنا يده كيد موكله ودفعه كدفعه، ولا حق له ولا ملك في الثمن ولا في المثمون، فكانت البداية بمن له الثمن وله طلب المثمون، أوْلى.
ومن ذهب إلى تخيير القابض في البداية بمن شاء منهما، وإذا قضي بتبدية المأمور فإنه إن حلف برىء من البدل، وإن لم يحلف وردّ اليمين على قابض الدراهم، فحلف قابضها، أبدلها له، ثم ينظر في تحليفه هو الآمر، فقد قلنا: إن بعض الأشياخ عارض ما في المدونة من استحلاف المأمور للَامر بأنه قد منعه من ردّ اليمين وأفات ذلك عليه، فلم يكن له طلب باليمين.
وها هنا لم يفت عليه ردّ اليمين، بل استحلف القابض للدراهم ثم لما غرمها عاد لطلب الأول باستحلافه على أمر لا يحققه عليه, لأنه يجوز أن يكون قابض الدراهم هو الذي أبدلها، وأنه ظلم في طلب اليمين عليها.
فيجري هذا مجرى من دفع إلى رجل دراهم من دين له عليه (كونه بصدقة أو لغير ذلك مما يوجب ردها) 1 فإنه لا يحقق الدعوى على دافعها إليه الذي كانت دينًا عليه، لكونه يجوز أن يكون مَن قبضها منه هو، أيضًا، أبدلها، فيجري ذلك مجرى أيمان التهم.
بخلاف أن يكون قابضها مِمّن هو عليه دين لم يخرج من يديه فإنه يستحلف دافعها من رد اليمين عليه.
ولو أن قابض الدراهم، في المسألة التي ذكرنا عن المدونة، طلب المأمور باليمين، وبدأ به، فنكل عن اليمين وردها على قابض الدراهم فلم يحلف، فإن
حقه قد سقط في البدل، ولا يكون له ها هنا أن يستحلف الآمر, لأن الآمر يقول: أنت إذا طلبت مني اليمين على ما نكل عنه المأمور فنكلْتُ عنها فنكولك السابق منك للمأمور امتنع 1 تعلقها بي.
وقد ذكر ها هنا في صفة اليمين أن الدافع يحلف أنه ما يعلمها من دراهمه، ولا أعطاه إلا جيادًا في علمه.
والجمع بين هاتين الجملتين لا بد منه، لأن الاقتصار على إحداهما لا تنفي دعوى المدعي, لأنه إذا قال: ما أعلمها من دراهمي، يكون صادقًا، ولكنه، يمكن أن يكون حين الدفع علم أنه دفع زيوفًا يجب عليه بدلها, ولكنه لا يدري هل هذه الزيوف التي ردت عليه أم لا؟ وإذا أضاف إلى هذا: ولم أعطك إلا جيادًا في علمي، ارتفع ما يخشى منه أن يكون ألغز عليه في يمينه وكذا لو اقتصر على قوله: ما أعطيتك إلا جيادًا في علمي، لم يستقل بنفي الدعوى، لكونه يمكن أن يكون لم يعلم حين الدفع أنها زيوفًا، ولكنه لما اطلع عليها الآن علم أنها دراهمه وأنها زيوف، فلهذا كلف أن يجمع بين هاتين اللفظتين.
ولو اعترف المأمور الذي دفع هذه الدراهم أنها زيوف، ودلس بها على قابضها, لوجبت له عليه الغرامة من باب التغرير والتدليس.
ولو زعم أنه علم بتزيفها ولكنه نسي بيان ذلك حين العقد لعذر بذلك، ولم يتوجه عليه غرامة، إذا كان قد عامل المسلم إليه على وجه لا يوجب عليه البدل، مثل أن يبيّن أنه رسول إليه يشتري منه بعين هذه الدراهم.
وكذلك لو وكل على بيع سلعة فردها المشتري بعيب، وزعم الوكيل بأنه علم بالعيب حين العقد ولكنه نسي بيانه، فإنه لا غرامة عليه، ولا يُستحلف على صحة عذره بالنسيان، لبعد التهمة في هذا.
بخلاف من باعه سلعة نفسه وزعم أنه أُنسي بيان العيب حين العقد، فإنه يستحلف على ذلك، لكونه يُتهم في دعوى النسيان في مال نفسه، ولا يتهم في مال غيره.
وهكذا، أيضًا، يجب في
الدراهم، التي ذكر أنه نسي أنها زيوف، ألاّ يستحلف، كما قلناه ها هنا، إلا أن يلتفت إلى أنه يمكن أن يكون خان وأبدلها زيوفًا حتى تتوجه عليه غرامتها.
فصار من هذه الجهة يقدر أنه متبوع بالطلب.
بخلاف ما قلناه في دعواه نسيان العيب فإنه لا تتصور ها هنا تهمة.
فصل
ومما يلحق بهذا المعنى رد الوكيل ما اشتراه لموكله لعيب اطلع عليه.
فإنه لم يختلف المذهب في أنه إذا وُكِّل على شراء سلعة بعينها، فإنه ليس له ردها بالعيب الذي اطلع عليه بعد العقد، إلا بعد مطالعة الموكل وإذنه له في ذلك.
وإن كانت السلعة ليست بمعينة وإنما وكل على شراء سلعة موصوفة، ففيها قولان مشهوران.
ومذهب الشافعية، على العكس من هذا، أنه لا خلاف عندهم في أن له أن يردّ بالعيب إذا وكل على شراء سلعة موصوفة.
وعندهم قولان في ما إذا وكل على شراء سلعة معينة.
وسبب الخلاف عندنا، في الموصوفة دون المعينة، أن الوصف يشعر بقصد الموكل إلى تحصيل تلك الصفات سليمة، فإذا لم تكن سليمة من العيب لم يلزم الآمر، وصار الوكيل لم يَعقد على ما أمره به، فله ردّه من غير مطالعة الموكل.
وإذا عين الموكل ما يشتري له فغرضه تحصيل العين على أي حالة كانت.
فلهذا لم يمكن الوكيل من ردها.
ومكنه من ذلك الشافعي وقدر أنه إنما أمره بشرائها بشرط أن تكون سلمية من العيوب، فإذا لم تكن كذلك صار كمن اشتراها ولم يوكل عليها، فله ردّها.
قال القاضي أبو محمَّد، رضي الله عنه:
[يجوز إطلاق] 1 الوكالة في البيع.
ومقتضى ذلك ثمن المثل نقدًا بنقد البلد.
وإن كان هو المشتري جاز.
وكذلك في الشراء، مقتضى الإطلاق ثمن المثل.
فإن كانت الوكالة في شراء جارية، للخدمة أو للوطء أو تزويج أو غير ذلك، لزم فيه 2 ما أشبه في دون ما لم يشبه.
قال الإِمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال: 1 - ما حكم تعدي الوكيل في المخالفة في صفة الثمن أو المثمون؟ 2 - وما حكمه إذا اشترى لنفسه ما وكل على بيعه؟ 3 - وما حكمه إذا تعدى في ترك الإشهاد؟ 4 - وما حكمه إذا اشترى من يعتق عليه؟ 3
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا وكل رجل رجلًا على بيع سلعة أو على شرائها، فلا يخلو من أن يكون قيد الوكالة على البيع أو على الشراء، أو أطلقها.
فإن قيدها بثمن محدود وشرط الانتقاد، مثل أن يقول: بيع سلعتي بعشرة دنانير من نعت كذا حالّة، أو اشتر لي بمثل ذلك.
فإن الوكيل منهيّ على تعدّي ما رسم له الموكل.
وإن أطلق الوكالة فلا يخلو أن يكون أطلقها في الشراء للموكِّل أو في البيع له.
فإن أطلقها في الشراء مثل أن يقول: اشتر لي ثوبًا أو عبدًا.
ويصف العبد
والثوب.
فإنه متعدٍّ إن خالف الصفة.
وإن أطلق ولم يصف العبد والثوب.
فإنه:
إن اشترى له ما يليق بمثله لزم الموكل ذلك.
وإن اشترى ما لا يليق به، ففيه قولان: مذهب ابن القاسم أن ذلك لا يلزم الموكل، لكون العرف ها هنا يحل محل التقييد بوصف العبد أو الثوب.
وقال أشهب: يلزم ذلك الموكل أخذًا بعموم لفظ الوكالة، ولإمكان أن يكون أراد العبد أو الثوب للتجارة لا للخدمة.
ومذهب ابن القاسم حمل الخطاب على ما يليق بالموكل في الاستخدام واللباس.
وكذلك حكم الثمن في الوكالة على الشراء فإنه لا يلزم الموكّل عقدُ الوكيل، إلاّ أن يشتري له بالثمن المعتاد في جنسه وفي مقداره.
وهذا لا خلاف فيه.
وأما إن وكله على بيع سلعة بعينها وأطلق الوكالة، فإن العلماء مختلفون فيه على ثلاثة مذاهب:
فمذهب مالك والشافعي أن هذا الإطلاق يتقيّد بالعرف في مقداره وجنسه وكون الثمن على الحلول.
فإن باع الوكيل بعرض أو غيره خلافَ نقد البلد كان متعديًا.
وكذلك إن باع بثمن مؤجل فإنه يكون متعديًا، أيضًا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون متعديًا في شيء من هذه الوجوه، بل للوكيل على البيع أن يبيع بما عزّ وهان، وبأي جنس من الأثمان شاء، نقدًا، أو مؤجلًا إلى أي زمن.
ووافقه صاحباه محمَّد بن الحسن وأبو يوسف في تمكينه من البيع بثمن مؤجل.
ووافقا مالكًا والشافعي في كونه متعديًا إن باع بغير نقد البلد، أو باع بثمن
بخس لا يتغابن الناس بمثله.
فأما أبو حنيفة فإنه اعتمد على وجوب الأخذ بالعموم في لفظ الموكل، كما يجب الأخذ بالعموم في لفظ صاحب.
الشرع لكونه مخاطبًا لأمته.
واللغة تقتضي حمل اللفظ على العموم، عند من صار إلى ذلك من أهل الأصول.
وكذلك يجب حمل التخاطب منا على العموم.
وإذا لم يقيد الموكل الوكالة بثمن بين الأثمان ولا حدّه بمقدار، ولا وصفه بالحلول، اقتضى ذلك إباحة عقد البيع على أي صفة شاء الوكيل.
لأن من باع بثمن مؤجِّلًا سُمي عقده بيعًا.
وكذلك من باع بثمن بخس فإن عقده يسمى بيعًا.
وكذلك إذا باع بعرض فإنه يسمى ذلك بيعًا.
فكل ما يسمى بيعًا دخل في عموم الوكالة.
ولما كان للموكل أن يبيع سلعته كيف شاء فكذلك للوكيل أن يبيعها، بمقتضى عموم اللفظ، كيف شاء مما يسمى بيعًا.
ولهذا منعناه أن يهبها، وإن كان جائز للموكل أن يهبها، لأنه إنما وكل على ما يسمى بيعًا، والهبة لا تسمى بيعًا.
وقد اعتمد أصحابنا في الرد عليه إذا باع بثمن بخس فإنه واهب لبعض السلعة التي وكل عليها، والهبة ليست إليه، كما لو وهب الوكيل جميع السلعة.
فإن من باع ما قيمته مائة دينار بعشرين دينارًا، فإنه واهب لأربعة أخماس السلعة، وليس للوكيل أن يهب.
وينفصل أبو حنيفة عن هذا بأنه يسمى هذا بيعًا، وإن كان بثمن بخس، لأن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وها هنا انتقل بعوض.
فلا مبالاة بالعوض كان قليلًا أو كثيرًا, لأن التسمية معلقة بحصوله، لا بمقداره ولا بجنسه ولا بنسيئته.
والمريض إذا باع بمحاباة فإن محاباته إنما كانت في الثلث، وإن كان له أن يبيع، لأجل تعلق حق الورثة بماله، وليس له أن يضرهم.
وكذلك الأب والوصي ليس لهما أن يبيعا مال من في ولائهما ببخس, لأن الشرع إنما ملكهما البيع عليه بشرط إحسان النظر، فإذا أساءا فيه صارا معزولين عن هذا الفعل.
كما لو قيّد الموكِّل الثمن، فإن الوكيل ليس له مخالفة ذلك،
وعمدة أصحابنا أنّا، وإن سلمنا حمل لفظ الوكالة على العموم، فإنّا قد اتفقنا على أن النصّ على التقييد لا يجوز للوكيل مخالفته.
فإذا لم يُقيَّد، وكان العرف يقوم مقام النص على التقييد، وجب أن يُمنَع الوكيل من مخالفته، أيضًا ألا ترى أن المالك لسلعة إذا باعها بمائة دينار ولم يَصِفْ سكّتها، وفي البلاد سِكك مختلفة، أن البيع فاسد.
وإذا نص على سكة بعينها صحّ البيع.
وإن لم ينصّ، وكان العرف البيع بسكة معينة، فإن البيع صحيح، لكون العرف يقوم مقام النص على تعيين سكة من هذه السكك.
ويقول أصحابنا، أيضًا: لا نسلم كون بيع العرض بالعرض بيعًا على الإطلاق، بل هو بيع من وجه وشراء من وجه، وإنما البيع المطلق بالدنانير والدراهم التي هي أثمان مختصة، فذلك هي عندنا علة الربا فيها خاصة.
والعقود تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها.
فإذا كان العرض بيع بدنانير أو دراهم على الحلول، سمي بيعًا.
وإن كان العرض مؤجلًا في الذمة، سمي ذلك سَلمًا.
وإن كان العرض معجلًا والدنانير أو الدراهم مؤجلة، سمي بيعًا بدين.
وبيع العرض بالعرض ليس أحدهما بأن يُسمّى ثمنًا والآخر مثمونًا بأحقّ بذلك من صاحبه.
وأبو حنيفة يجيب عن هذا بأنه قد حصل حقيقة البيع في من وكّل رجلًا على بيع عرض, لأن المراد أن ينقل ملكه من هذا العرْض بعوَض، وقد حصل هذا المراد، وحصلت التسمية.
وإنما يعرض ما أشرتم إليه (من حكم، وأما) 1 فنفس العقد يقتضي تسمية هذا بيعًا.
ومما يعتمد عليه أصحابنا وأصحاب الشافعي قياس الوكالة في البيع على الوكالة على الشراء.
وقد اتفقوا على أن الوكيل على الشراء ليس له أن يزيد على ثمن السلعة التي اشتراها زيادة خارجة عن العادة.
وكذلك إذا وكل على بيعها فليس له أن ينقص من الثمن المعتاد فيها.
وكذلك في جنس الثمن، وحلوله وتأخيره.
وانفصل أصحاب أبي حنيفة عن هذا بثلاث انفصالات:
أحدها أن الوكيل إذا اشترى بثمن زائد على المعتاد يتهم أن يكون إنما عقد الشراء لنفسه، فلما استغلاَه نَسَبَ ذلك إلى الموكل وألحقه به.
والوكالة مبنيّة على الإئتمان، وهو حقيقتها، وإذا تطرقت إليها التهمة بطلت حقيقتها، فوجب بطلان ما يعود بإبطال حقيقتها، كما يجب إبطال الفرع إذا عاد بمناقضة أصله وإبطاله.
ولا تتصور هذه التهمة في الوكالة على البيع.
ونوقض أصحاب أبي حنيفة في هذا بأنه قد تتصوّر التهمة في البيع بوجه آخر، وهو كون الوكيل يبذل له رشوة على أن يبيع ما وُكِّل عليه بثمن بخس.
وهذا الذي صوره أصحاب أبي حنيفة من التهمة في الشراء يشبه عندي ما قاله مالك فيمن اشترى سلعة فأخذ مالًا قراضًا فأراد أن يصرف الثمن فيها: إني أخاف أن يكون استغلى ما اشترى فصرف مال القراض فيه، وقد كان قصده شراءها لنفسه.
والانفصال الثاني لأصحاب أبي حنيفة أن الموكِّل على البيع وَكَّل على ما يملك الموكِّل التصرف فيه على الإطلاق, لأن السلعة له وسلمها لوكيله ليبيعها له، فصحّ أن ما يملكه من ذلك مثل الذي ملك بعد حصول التسمية بيعًا.
والذي وكل على أن يشتري له لا يملك السلعة التي اشترى له.
وإذا لم يملكها على الإطلاق لم يكن لوكيله أن يلزم ذمة الموكل ما شاء على الإطلاق, لأن الأثمان في الذِّمَم، والموكِّل له يملِّك الوكيل ذمتَه فينفذ فعلُه فيها كيف شاء.
والانفصال الثالث أن الوكيل إذا اشترى بزيادة ظاهرة على القيمة لزمه العقد في نفسه، وأدّى الثمن لمن باع منه، وسقط ذلك عن الموكل، لكون الوكيل قد خالف ما أمره به الموكل.
فلم يبطل حق البائع في هذا العقد الصحيح لكوْن الثمن يأخذه من الوكيل الذي عقد الشراء منه.
وإذا وكله على بيع سلعة فباعها ببخس، فإنا إذا أبطلنا ما يعقد الوكيل أبطلنا حق المشتري منه في عقد صحيح، إذ لا تتصور ها هنا مطالبة الوكيل
بإمضاء العقد.
فمراعاة حق الغير في هذا اقتضت التفرقة بين الوكالة على البيع والوكالة على الشراء.
وقد ناقضهم أبو حامد الإسفرائيني في هذا بأنه لو قال له الموكل: اشتر لي سلعة بمائة دينار.
فاشتراها الوكيل بمائة وعشرة، فإن ذلك لا يلزم الموكل، كما لا يلزمه ذلك إذا أمره أن يبيع سلعته بمائة فباعها بتسعين، مع كون الوكيل يُتَصَوَّر فيه أن يطالب، في الشراء، بالثمن الذي عقد به، ولا يطالب في البيع.
ثم هذا 1 استوى الأمر في الوكالة على اببيع والشراء في أن ذلك غير لازم للموكل.
عندي 2 أنه قد يقول القوم في هذا بأن النص على مقدار الثمن في البيع لا احتمال فيه ولا إشكال، ولا يصح دعوى العموم فيه.
فلهذا لم يلزم الموكل البيع.
وأما إذا أطلق ولم ينص على مقدار الثمن فإنه يجب حمله على العموم، وتخصيصه بالعرف كتخصيص العموم به.
وفيه اضطراب بين أهل الأصول.
هذا، على أنّهم ينازعون في ثبوت هذا العرف.
وأما صاحبا أبي حنيفة فإنهما قدّرا أن النقد والنسيئة من صفات الثمن، والصفات يعمّها لفظ الوكالة.
كما لو قال: اشتر لي أمة.
ولم ينص الموكل على قبيلتها.
فإن للوكيل أن يشتري أمة من أي قبيلة كانت.
بخلاف كون الثمن بخسًا فإنه نقصان في مقداره، وذلك خارج عن الصفات، وذلك مخالفة الجنس.
فمأخذ الاختلاف في هذه المذاهب قد بينّاه.
لكن إذا حصل هذا التقدير فما الحكم فيه؟
أما إذا وكله على بيع سلعة، وقلنا: إنه منهي عن بيعها بغير العين، فإنه إذا باعها بعرض آخر، فإن كانت السلعة قائمة التي وكل على بيعها، كان الموكل بالخيار بين أن يفسخ العقد لكونه عَقد على خلاف ما أمر به في ملكه، أو يجيزه
ويأخذ العوض الذي بيعت به سلعته.
وهل له أن يُضمّن الوكيلَ لأجل تعدّيه، مع كون سلعته التي وكل على بيعها حاضرة لم تتغير في سوق ولا بدن؟ قال غير ابن القاسم في كتاب الوكالات: ليس له ذلك.
وهذا هو أصل المذهب.
لكن ابن القاسم قال: هو ضامن.
وأطلق الجواب من غير تقييد بقيام السلعة التي وكل على بيعها أو فوتها.
وابن المواز قد نصّ على الضمان مع قيام السلعة وإن لم تتغير في سوق ولا بدن.
ودعا بعضَ المتأخرين هذا إلى الاعتذار عن ابن المواز، لما رأى ما قاله مخالفًا لأصل المذهب لكون المتعدي على مال الغير لا يلزمه غرمه مع حضور عينه، وكونِه لم يتغير في سوق أو بدن، إلى أن قال: لعل ابن المواز ذكر هذا لكون العقد يجب إمضاؤه لحق المشتري فيه وعدم البيّنة على أن هذه السلعة للموكل، فيكون الوكيل، إذا امتنع المشتري من ردها وكذَّب الوكيلَ في دعواه الوكالة، قد أتلفها على صاحبها، فحلّ ذلك محلّ إتلاف عينها.
وقد وقع في المذهب فيمن وكل على بيع سلعة وسمي له ثمنها وتعلق به الضمان أنه يلزمه ما سمي له، وإن كان أكثر من قيمتها.
وقُدر أنه كملتزم لتسمية لما خالف الموكلَ فيما أمرهُ به ونص له عليه.
فيمكن، أيضًا، أن يكون التضمين، ها هنا، إنما قدر فيه أن الوكيل ملتزم لعوضها وغرامتها، فلهذا أغرمه وضمّنه، وإن كانت قائمة.
وأما إن كان تعديه في عقدة البيع بثمن مؤخر، مثل أن يقول له: بيع هذه السلعة بعشرة نقدًا.
فيبيعها بخمسة عشر إلى أجل.
فإن السلعة إذا كانت قائمة فإن للموكل أن يفسخ البيع، لكون الوكيل تعدى في عقد البيع.
وله أن يجيز البيع ويقدّر أنه كمبتدىء عقد في سلعة، لما كان له أن يفسخ عقد الوكيل فيها مع كون الوكيل لم يتوجه له غرامة عليه إذا لم يقل: إنه التزم التسمية.
وأما إذا فاتت السلعة فإن الدين يباع.
وقد كنا ذكرنا هذا في كتاب السلم الثاني مبسوطاً، وأشبعنا القول فيه وفيما يتعلق به من مخالفة الوكيل في جنسية، مثل أن يأمرهُ
بالبيع.
بدنانير فيبيع بعرض.
أو مخالفة في النقدية بأن يأمره أن يبيع بعشرة دنانير نقدًا، فباع بدنانير إلى أجل.
أو يأمره أن يبيع بعشرة إلى أجل فيبيع بعشرة نقدًا.
وذكرنا هناك اختلاف الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد وابن التبان في هذا.
وهكذا ذكر أبو حامد الإسفرائيني أن المسألة عندهم على وجهين، أحدهما.
لزوم ذلك للموكل لأن الوكيل لم يزده بما فعل إلاّ خيرًا.
والثاني: أن ذلك لا يلزم, لأن الموكل قد يكون له غرض في بقاء الدنانير في الذمة، وقد أوعبنا الكلام على هذا في كتاب السلم الثاني.
وأما إن كانت المخالفة في مقدار الثمن، بأن يأمره أن يشتري عبدًا بمائة، فاشتراه على الصفة التي رسمها له بأقل من مائة دينار، فإن ذلك لازم للموكل، لأنه مقتضى العرف في هذا الخطاب، ومعناه: اشْتَرهِ بمائة فأقلّ.
فإن وضع للموكل، وأصلح له، فما يريد إلا ما هو الأفضَل له والأنفع.
وهكذا مذهب الشافعي.
ولكن شرطوا أن يكون العبد يساوي مائة دينار، لكون الآمر نصّ على المائة، وقد يكون له غرض في ألاّ يملك إلا من كانت قيمته مائة دينار.
ولو أمره بشراء عبد بعينه التزم الآمرُ ذلك.
ولم يشترطوا فيه أن يكون قيمة العبد مائة دينار لمّا عيّن ما يشتري له، بخلاف ما لا يعيّنه.
وأما إن اشتراه بأكثر من مائة دينار، فعندنا أنه تعتبر الزيادة على المائة هل هي يسيرة، كالدينار والدينارين في أربعين دينارًا، أو الدينارين والثلاثة في المائة دينار، فيلزم ذلك للآمر من جهة العرف والعادة، لكون السلع المبيعة على اختيار أربابها قد لا ينحصر اختيارهم إلى حدّ بعينه.
فإذا عُلِم هذا صار معنى أمر الآمر اشتراءَها بمائة دينار وما قاربها مما عادة الناس يزيدونه فيما حُدَّ لهم.
ولكن هل يقبل قول الوكيل: إنه قد زاد هذا المقدار أم لا؟ هذا يجري على القولين فيمن أمران يخرج من ذمته إلى أمانته.
وقد كنا تكلمنا على هذا الخلاف فيما سلف من كتب البيوع، وقد نعيده فيما بعد، إن شاء الله تعالى.