كالحمالة، بطلب الغريم مع حضور المحال عليه، أو لا يمكن من طلبه؛ لأنها كحمالة شُرِط فيها التبرئة 1 بالمحيل فيوفّى بالشرط.
وقد كنا نحن قدمنا في كتاب الحمالة الاختلاف في المذهب في شرط التبْدِئة بالحميل، هل يوفى بهذا الشرط أم لا؟ واعلم أنه يقع هذا لأداء الدين عن الغريم على وجهين:
أحدهما: أن يكون الملتزم لقضاء هذا الدين قصد بذلك الهبة، وإسقاطَ الطلب عمَّن هو عليه، لا ليرجع به عليه، ولكن على جهة الضَلة والصدقة، أو يكون قصد بذلك أن يكون سلفًا لمن هو عليه، يقوم عنه بالدين الذي عليه إلى حينٍ أو إلى أن يقدر على قضائه.
وقد اختلف المتأخرون في ضبط هذه الرواية التي قدمناها، فأشار بعضهم إلى أن ما ذكر فيه أَلاَّ رجوعَ على المحيل، مَحْمَله على أنه التزم القيام بالدين على جهة الهبة، لا ليرجع به على من هو عليه.
وعلى هذا يُحمل ما وقع لابن القاسم، وما ذكرناه عن ابن وهب، مما ظاهره مخالف لما قاله ابن القاسم، فقد صرح يكون ذلك الإلزام سلفًا.
وهذا التأويل للروايات له وجه نبه عليه ابن المواز وأشار إلى اختلاف حكم الوجهين: هل هذا الالتزام سلف أو هبة؛ فإنه إذا كان سلفًا رجع مؤدي هذا الدين على من كان الدين عليه، فيقول المحال للمحال عليه: أَليس لو أخَذتُه منك لكان لك به مرجِع على غريمي، فأنا أرجع على غريمي الأصلي، وأنت غريمي الفرعي، وطلبي عليك؛ فإذا فلست، وقد توجه حقي عليك، فلي أن أرجع به على غريمك الذي كان هو غريمي الأصلَ، وأَحلّ في طلبه محلَّك، وأنا، وإن كنت أيرأته بالحوالة، فإني أطلبه من وجه آخر، وهو كونه غريمي، وغريمي الأصليّ صار غريمًا لك، حتى إذا كان التزامه للأداء على جهة الهبة ارتفعت هذه العلة، ولم يكن غريمًا لغريمي، وقد كنت أبرأته بالحوالة فلا رجوع لي عليه.
ومن المتأخرين من حمل إطلاق ابن القاسم بأن لا رجوع على المحيل،
ها هنا، على أن المراد به ما دام لم يفلس، ولم يثبت 1، فيكون ذلك موافقًا لقول ابن وهب، ولقول أشهب.
وبعض أشياخي، يعني اللخمي، يرى أن هذا الالتزام للقيام بالدين إذا كان على جهة السلف لمن عليه الدين فإنه لا يختلف المذهب في هذا الملتزم إذا أفلس كان من حق المحال أن يرجع على غريمه الأصلي الذي هو المحيل.
وكأن شيخنا هذا أنحى 2 إلى ما أشار إليه ابن المواز من أن الرجوع عليه ليس إبطالًا، (ألا ترى الذي تقدم منه) 3 وإنما رجع عليه من وجه آخر وهو كون 4 غريم غريمه.
وكأن هذا الشيخ أيضًا يرى أنه إذا كان ذلك على جهة الهبة جرى ذلك على قولين في رجل وهب مالًا فلم يقبضه الموهوب له حتى مات الواهب وقد (مكنه القابض) 5، فإن الهبة تبطل من غير خلاف عندنا.
ولو كان الموهوب له هذا المال قد أحال به رجلًا آخر ثم مات الواهب ففيه قولان:
أحدهما: بطلان الهبة لأن هذا المحال يدهُ كيد الموهوب له هذا المال، فإذا كان موت الواهب يبطل الهبة في حق الموهوب له، فكذلك يبطل موته الهبة في حق هذا المحال على الهبة.
والثاني: أن الهبة لا تبطل، لكون يد أخرى استحقتها وليست هي يد الموهوب له، فكذلك ها هنا إذا كان الملتزم لفظ الدين التزمه على جهة الهبة ثم فلس الملتزم، فإن حق المحال تعلق بهذه الهبة فلا يُبطِل حقه الفلسُ، ويحاصّ
غرماءَ المحال عليه، ولا يرجع على المحيل، وتكون الحوالة ها هنا كالقبض والاستيفاء من المحيل.
وإن قلنا إن الحوالة ها هنا ليست كالقبض والاستيفاء، وإن الفلس يبطل الهبة في حق هذا المحال، لكونه يحل محل الموهوب له، فإن المحال يرجع على المحيل.
وكان يرى أيضًا أنه لا خلاف في أنه لا يُبدَّأ بالطلب هذا الملتزم المحال عليه.
وهذا الذي أنكر أن يكون فيه خلاف، ظاهر الروايات إثبات الخلاف فيه.
وقد قدمنا لك الخلاف في شرط التبْدِئَة، هل يوفَّى بها أم لا؟ وأن الحوالة على غير دين كالحمالة المطلقة، فيما ذكرناه لك من الروايات.
وقد ذكرنا لك عن ابن الماجشون ما ظاهره منع الرجوع على المحيل، قولًا مطلقًا.
وذكرنا لك من رواية مطرت ما يقتضي تمكين المحال من الرجوع على المحيل، قولًا مطلقا.
والذي عندي من تحقيق القول في هذا الاضطراب في الروايات، والاختلاف في التأويلات، إن هذا المحال إن أبْرأَ المحيل، براءة مطلقة مؤبّدة، وصل إلى حقه من المحال عليه أو لم يصل، وصرح بذلك، وبأنه لا مرجع له على المحيل على حال، فإنه لا ينبغي أن يُختلف في كونه ممنوعًا من الرجوع
عليه.
وإن قيّد إبراءه له بأن قال: أنا أُبْرِيه ما دمت متمكنًا من الوصول إلى حقي من هذا المحال عليه، فإن تعذّر فأنا باق على حقي على المحيل.
فإنه لا ينبغي أيضًا أن يختلف في تمكينه من الرجوع.
فإنْ هَجَسَ في النفس أن الحوالة إذا كانت مبايعة فإن المبايعة على هذا الشرط تُمنع، فإنّا قدمنا أنها لم تجر مجرى البيع في سائر أحكامه، وأيضًا فإنها ها هنا ليست عن معاوضة ولا بيع دين بدين، فخرجت عما أشرْنا إليه من هذه المعارضة.
ومتى وقع الإبراء مطلقًا ولم
يصرَح بأحد الوجهين، فهاهنا قد يحسن الخلاف في منع المحال من الرجوع
على المحيل، وأنه لا يقبل قوله: إني أردت بإبرائه ما دمت متمكنًا من أخذ حقي ممن أحالني عليه، ويقبل قوله ها هنا.
وهذا تحقيق القول عندي في هذه المسألة.
فإذا كان المحيل ليس له دين على المحال عليه، وإنما التزم أن يقضي عنه الدينَ سلفًا يرجع به عليه، فإن هذا المحال عليه الملتزم لقضاء الدين إذا فُلِّس كان للمحال أن يرجع على المحيل، كما قدمنا وجه التعليل فيه من كونه غريم غريمه، على ما أشار إليه ابن المواز، على ما ذكرنا اضطراب الروايات فيه.
فإن وجده معسرًا وأراد أن يتبع المحال عليه، جرى ذلك على القولين المتقدمين في صحة هذه الهبة، التي هي هبة منافع المال, إذ لا فرق بين أن يهب رقبة المال، أو يهب الانتفاع به.
فإن قلنا: إن هذه الهبة لا يبطلها فلس الواهب لكون طالبها ليس كالموهوب له، كان للمحال أن يحاصّ غرماء المحال عليه الملتزم لهذه الهبة.
فالذي حاصهم بالذي نابه في الحصاص معهم يكون سلفًا في ذمة المحيل، يتبعه به المحال عليه، وهو المسلف له.
فإن حاص المحالُ غرماءَ المحال عليه فنابه في الحصاص خمسون دينارًا، وقد كان دينه الذي أحيل به عليه مائة دينار، فقد صار هو والسلف سِيَّان فيما يطلبان به المحيل؛ لأنه بقي للمحال من أصل دينه خمسون دينارًا، وقبض خمسين دينارًا، وهي من مال المحال عليه، فإذا طرأ للمحيل مال تحاصّ فيه غرماء الغريم الأصلي، وهو القابض خمسين دينارًا من مال المحال عليه، مما بقي له وهو خمسون دينارًا، وجب أن يرجع المحال بنصفها وهي خمسة وعشرون دينارًا، فإذا وجب أن يرجع بنصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا، فقدإنتقض بالحصاص 1 الأول؛ لأنه كان حاص غرماء المحال عليه بجميع دينه، وهو مائة دينار، فلما طرأ لغريمه خمسون دينارًا وأخذ منها نصفها وهو خمسة وعشرون دينارًا وبقيت الخمسة وعشرون دينارًا الأخرى للمسلف، تبين لنا أن الحصاص كان على وجه
الغلط، وإنما كان حقه أن يحاص بخمسة وسبعين دينارًا، وهي الفاضلة عن هذه الخمسة والعشرين التي أخذها من غريمه الأصلي، فإذا كانت المحاصة بها لم تكن بالمساواة، كما فعلنا أوّلًا، فلأن غرماء المحال عليه إذا كان دينهم مائةً، وهذا المحال به مائةٌ، كان الحصاص على التساوي يقسم المال نصفين، فإذا صار للمحال خمسة وسبعون كان الحصاص على سبعة أجزاء: للمسلف أربعةُ أجزاء خمسة وعشرون.
والذي انكشف لنا أن دينه خمسة وسبعون ثلاثة أجزاء، كل جزء خمسة وعشرون، فيرد المحال من الخمسين، التي قبض، سبعةَ دنانير
وسيعًا وهي التي زدنا له في الحصاص غلطًا، وبقي في يده ثلاثة وسبعون غير سبع دينار، فإذا بقي له ذلك حصل الحصاص له بثلاثة أجزاء؛ لأنه قد ردّ جزءًا من سبعة، فيكون الباقي في يديه ثلاثةَ أجزاء من سبعة فتضاف هذه السبعة وسبع إلى الخمسة وعشرين التي طرأت للغريم الأصلي، وهو المحيل، فيكون الجميع اثنين وثلاثين دينارًا وسبع دينار، فيصير ذلك مالًا للمحيل يقسمه غرماؤه، وهما المحال والمسلف أسباعًا، ثلاثة أجزاء منه للمحال وأربعة أجزاء للمسلف يأخذها غريمه.
وقد ذكر ابن المواز في كتابه عن مالك وابن القاسم فيمن أحال بدين على رجل آخر، ثم تبين له أنه ليس له على المحال عليه إلا بعضه، فإنه تتم الحوالة فيما يساوي ما لَه عليه، ويصير الباقي حمالةً يتبع بها أيَّهما شاء.
وهو 1 الذي قاله ابن المواز مما يؤكد ما تعقبته على بعض أشياخي من قوله: إنه لا يختلف في أنه يُبدَّأ بالمحال عليه، وإن كانت الحوالة على غير دين، لما ذكر ابن المواز، ها هنا، من أنه يتبع بهذه الحمالة أيَّهما شاء، مع وقوعها على وجه الحوالة، وإن كانت في الباطن حوالة.
قال ابن المواز: وإذا كان لغريمك مائة دينار، والمحيل غائب، فالذي مات يحل ما عليه من دين وجمالك 2 فإنك
تحاص غرماءه بالمائة كاملة، فيصيبك بالحصاص خمسون، منها خمسة وعشرون عن الحول (6) وخمسة وعشرون على الحمالة.
فما كان منها للحمالة صار دينًا للميت على المحيل الغائب، ولك أنت عليه بقية الخمسين، التي هي حمالة، وذلك خمسة وعشرون، والميت لك، أيضًا، بها حميل، وبقي لك على الميت خمسة وعشرون الحول 1 لا ترجع بها على أحد، فإذا قدم الغائب أخذتَ منه الخمسين، التي عن الحمالة، كلها,لنفسك وللميت، فترد على الميت منها الخمسةَ وعشرين التي كنت أخذت منه في المحاصّة بسبب المحاصّة.
فالذي صار للميت منها تضرب فيه أنت بما بقي لك على الميت من الحول خاصة، وهي خمسة وعشرون، إذًا لم يبق لك من الحمالة شيء، ويضرب غرماء الميت بما بقي لهم، يريد ابن المواز وهو خمسون، فتأخذ أنت ثلثها ولهم ثلثاها.
وبنى ابن المواز على هذا وجه العمل في المحاصّة إن لم يوجد في مال القادم إلا خمسة وعشرون، وفصل حسابها على هذه الطريقة، وكذلك إن لم يوجد في يده إلا عشرون.
والجواب عن الجميع مأخوذ بما 2 قدمناه، وإنما تختلف الأجوبة الذي 3 يقتضيه الحساب.
وهي أيضًا طريقة يبيح بن عمر في مسألة الزرع الرهن الذي لم يبد صلاحه يُفلّس صاحبه، فيحاص من بيده الزرع الغرماءَ، فإذا حل بيع الزرع كان ما يأخذ من ثمنه مثل ما يقتضيه من الغريم الغائب.
وقد تقدم بيان ذلك في كتاب التفليس.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: ذكر في المدونة في الحوالة بالكتابة على مكاتب آخر فقال فيمن له عبد
مكاتب آحال سيدَه بالنجوم التي عليه على مكاتب لهذا المكاتب الأعْلى،: إن ذلك جائز إذا اشترط تعجيل عتق المكاتب الأعلى، ويتولى سيد المكاتب الأعلى قبض نجوم المكاتب الأسفل، فإن وفّاها له خرج حرًا، وإن عجل 1 كان له رقيقًا.
وهذا الذي قاله يجري مجرى بيع كتابة المكاتب، فالمذهب جوازه وإن كان فيه غرر؛ لأن مشتري الكتابة لا يدري ما يحصل له عوضًا عن الثمن الذي اشترى به الكتابة هل النجوم، التي على المكاتب، يقبض جميعها منه، ويخرج حرًا، أو يعجز عن أدائها فيصير رقيقا المشتري 2 كتابته.
وكذلك السيد الأعلى تحوّل على الكتابة التي عقدها لعبده إلى كتابة عبده لعبد عبده، لا يدري هل يستوفيها أو يأخذ عوضها عنها رقبةَ العبد المكاتب، مع ما في هذا من الغرر.
ونذكر وجهه في كتاب المكاتب إن شاء الله تعالى، والخلافَ الذي فيه.
بل هذا أخف من شراء أجنبي لكتابة مكاتب السيد الأعلى، ها هنا العَبْدَانِ جميعًا المكاتب الأعلى والمكاتب الأسفل كأنهما في حكم ملكِه إذا وقع العجز منهما عن أداء المال، والضرر ها هنا يخفّ لكون الثمن والمثمون في حكم التحول بالكتابة.
ولكن عارض الأشياخ الحذاق هذا التقييد الذي وقع في المدونة من قوله: ذلك جائز إذا اشترط تعجيل عتقه.
فقالوا: لا معنى لهذا التقييد، واشتراطِ تعجيل مَّا حُكْم يوجب تعجيل العتق وإن اشتُرِط؛ لأن السيد الأعْلى قد أخذ عوض النجوم التي له على عبده الذي كاتبه كتابة عبد لعبده، فصارت هذه مبايعة، وإذا باع السيد نجوم عبده المكاتب منه بنفسه، وأخذ عوضها صار حرًا وإن لم يشترط حريته، كما لو دفع إليه المكاتب جميع النجوم لصار حرًا بدفعها
إليه وإن لم يشترط حين الدفع أنه عتيق؛ لأن عقد الكتابة على أنه أدى 1 كتابته خرج حرًا، يعني عن هذا الاشتراط.
وما أرى هذا الاشتراط المذكور في المدونة ملغى مطرحًا، وإنما العذر فيه عندي أن السيد إذا أحيل على كتابة مكاتب لمكاتبه.، فإنه إن لم يتعجل قبض الكتابة، فيكون ذلك كما لو قبض من مكاتبه جميع الكتابة، فيكون حرًا بقبض جميعها.
وهذه ها هنا لم يقبض، فيمكن أن يكون القصد بها أن يوقف العتق حتى يعلم ما يحصل للسيد الأعلى، أو يقصدان بذلك أن لا ينادي 2 السيد الأعلى نجوم المكاتب الأسفل، فإن عجز قام له المكاتب الأعلى ببقية الكتابة التي كانت له عليه.
ولو قصد ذلك لكان ذلك ممنوعًا، في أحد القولين؛ لأن المعاوضة التي لا تجوز بين الأجنبيين سامح بها ما بين العبد المكاتب وبين سيده إذا اشترط تعجيل العتق، لكون السادات مندوبين إلى عتق عبيدهم، ويثابون على ذلك، وموعودون في الشريعة بأن الله تعالى يعتق بكل عضو أعتقوه عض وَا منهم من النار.
ولهم أن يعتقوا بغير عوض.
وندبوا أيضًا إلى أن يضعوا من آخر الكتابة شيئًا، استعجالًا للعتق، حتى إذا فعلوا ذلك من غير اشتراط تعجيل العتق أُجْرُوا مجرى الأجانب في التعاوض.
هذا أحد القولين في المذهب.
وقيل بجواز ذلك، وإن لم يشترط تعجيل العتق، التفاتًا إلى أنّ ما يأخذه السيد وما يسلمه كأنه في حكم ملكه، وكأنه نقل ملكه من جهة إلى جهة، وإلى أنه قد أجيز في المذهب قِطاعة أحد الشريكين في المكاتب عن نصيبه، وإن لم يشترط تعجيل العتق، ولا كان هو الحكم، وما ذلك إلا لأن الشريك الذي قاطع لا يقدر على تعجيل عتق نصيبه لحق شريكه فصار معذورًا في ترك الاشتراط لعدم قدرته عليه بخلاف السيد الواحد الذي تملك تعجيل عتق عبده.
فهذا العذر عندي في تقييده في المدونة بما ذكرناه عنه.
وإذا تقرر هذا فإن المكاتب إذا آحال سيده بنجم حلّ عليه على دين له ثابت على رجل أجنبي فإن ذلك جائز، وَيبرَأُ المكاتب من هذا النجم، ويتبع سيدُه المحالَ عليه، فلس أو مات أو لا مال له، كما قدمناه في حكم الحوالة.
وإن كان النجم لم يحل فإن ذلك لا يجوز لما قدمناه أيضًا في شروط جواز الحوالة وأن من شروطها أن تكون الحوالة بما حل على ما حل أو ما لم يحل.
وهذا على أحد القولين في المعاوضة بما لا يجوز بين الأجانب هل يجوز فيما بين السيد ومكاتبه إذا لم يشترط تعجيل العتق، كما بيناه وبينا وجه الخلاف فيه.
ولو كانت نجوم المكاتب لم تحلّ فأحال بجميعها على رجل له عليه دين ثابت، فذكر في المدونة عن ابن القاسم أنه منع ذلك وقاسه على ما سمعه من مالك من أنه منع أجنبيًا أن يشتري كتابة مكاتب بما لا يجوز.
وقال غيره: بل جائز، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بمائة دينار فأنت حر ثم قال له: إن جئتني بألف درهم فأنت حرّ.
وأشار الغير بهذا التشبيه إلى أن العتق إنما وقع بما يستقر الأمر عليه في آخر ما يعاقد السيد عليه مكاتبه.
وقد عارض بعض الأشياخ تشبيه ابن القاسم هذه المسألة بما حكاه عن مالك من منعه الأجنبي أن يشتري كتابة المكاتب على وجه لا يجوز، بأن ذلك إنما منعه مالك لأنها معاوضة بين أجنبيين لا تعلق لملك أحدهما بالآخر، وهاهنا وقعت المعاوضة بين السيد وعبده، وقد قدمنا أن مكاتبه وما في يديه كأنه في حكم ما يملك.
وما أرى عذر ابن القاسم عن هذا إلا أنه لما كانت ها هنا الحوالة بكتابة لمكاتب أجنبي، والمحال الذي هو سيد المكاتب، والمحال عليه، أجنبيان لا تعلق قال أحدهما بالآخر، صار المحال عليه لما قبل الحوالة عليه على هذه الصفة، والمحال أيضًا تحول على أجنبي لا شبهة له في ماله، صار ذلك كشراء أجنبي مكاتبة عبدٍ على وجه لا يجوز.
وقد قال بعض الأشياخ: إن هذا الاختلاف الذي وقع لابن القاسم وغيره في المدونة في هذه المسألة إنما محله على أنهما فعلا ذلك ولم يشترط المكاتب تعجيل عتقه، ولا اشترط السيد بقاءه حتى يقبض ما أحاله عليه، فهاهنا يختلف ابن القاسم وغيره.
وأما لو اشترط تعجيل العتق لم يختلف ابن القاسم وهذا الغير المذكور في المدونة في جواز ذلك.
وإذا اشترط تأخير العتق حتى يقع القبض فلا يختلفان أيضًا في منع ذلك، وإنما اختلافهما مع الإضراب عن اشتراط تعجيل العتق أو تأخيره.
وقد قدمنا نحن الاختلاف في تحويل الكتابة على وجه لا يجوز بين الأجنبييْن مع عدم اشتراط تعجيل العتق.
فإن كان الغير المشار إليه في المدونة من الذاهبين إلى منع هذا مع عدم اشتراط تعجيل العتق فالذي حكيناه عن بعض الأشياخ أنهما لا يختلفان في المسألة إذا اشترطا تأخير العتق، صحيح، على ما ذهب إليه.
وقد ذكر في المدونة فيمن اكترى دارًا وأحال بالكراء على رجل آخر لا دين له عليه: أن رب الدار لا يطالب المحال عليه بالكراء إلا بعد أن يتعذر أخذ الكراء من المكتري.
وقد كنّا نحن قدمنا أنه وقع في المدونة لفظان: أحدهما يدل على أن الحوالة إذا كانت على غير دين فان البداية بالمحال عليه لأجل اتباع لفظ الحوالة وما اشتقت منه، على ما تقدم بيانه.
واللفظ الآخر يدل على أن لفظ 1 مطرح، وإنما المطلوب المعاني فإذا كانت الحوالة على غير دين فإنما هي حمالة، وتسمية الحوالة لا تغير حكم الحمالة المطلقة، وفيها قولان: هل يبدأ بالغريم أو يكون المتحفل له بالخيار بين أن يبدأ بالغريم أو بالحميل؟ وكذلك اختلف إذا اشترط التبدئة بالحميل هل يوفَى بالشرط، على ما تقدم في كتاب الحمالة، أم لا؟ وحمل بعض الأشياخ ما وقع في المدونة في هذه المسألة من أن رب الدار إنما يبدأ بالمكتري، فإذا عجز المكتري طلبه المحيل 2. على أن هذا الشرط
إنما وقع من رب الدار لمنفعة نفسه لا لمنفعة المكتري، فيكون حينئذٍ يجري ذلك مجرى الحمالة المطلقة.
وأما لو كان ذلك الاشتراط من المكتري لكانت البداية بالمحال عليه، ولا يختلف في هذا؛ لأن المنفعة ها هنا للمكتري ليقوم عنه بالكراء رجل آخر يسلفه إياه حتى يتيسر له قضاء هذا السلف فيقضيه.
وذكر في المدونة أيضًا ها هنا فيمن أكرى دارًا بدين له على آخر: أن ذلك جائز إذا شرع المكتري في السكنى.
وذكر في كتاب بيوع الآجال من المدونة أن ذلك يجوز، قولًا مطلقًالأولم يقيده يكون المكتري يشرع في السكنى.
ومنع في كتاب ابن المواز منعًا مطلقًا، والمنع لكون هذه المنافع مضمونة على ربّ الدار، فإذا انهدمت انفسخ الكراء، فصار ذلك لسبب الضمان كشراء دين بدين.
وأمّا القول بالجواز فلأجل أن المنافع لما كانت تُجتنَى من دار معينة كانت كعرض معيّن اشتراه بدين له على آخر.
وأما اشتراطه أن يشرع في السكنى فلأن ذلك كالفسخ لدين في دين، وفسخ الدين في الدين لا يجوز فيه التأخير، وإن قلّل من التأخير، ويمنع اشتراط ذلك.
وكأن الحمالة كفسخ دين في دين، فلهذا اشترط الشروع في السكنى.
وقد أجازوا أن يكتري المكتري دارًا بثمن يكون عليه مؤجلًالأولم يجعلوا هذا كدين بدين كما أجازوا أن يشترى (دين بمعين) 1، ضمانُه من بائعه جاريةً تُتواضع، أو سلعة غائبة.
واختلفوا في شراء دين بثمن يشترط تأخير قبضه الزمنَ القريبَ، كما تقدم بيانه في كتاب البيوع.
وهذه المسائل قد بسطنا كثيرًا منها في كتاب البيوع، وسنبسط إن شاء الله تعالى في كتاب الأكرية ما بقي منها.
وإنما ذكرنا ها هنا لذكرها في كتاب الحوالة من المدونة.
تم كتاب الحوالة بحمد الله تعالى.
كتاب الغصب والتعدي
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صلى الله على سيدنا محمَّد وسلم كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: ومن أتلف مالًا لغيره ظلمًا لزمه بَدَلُ ما أتلف.
والإبدال ضربان: مثْلُ المتلَف في الخلقة والصورة والجنس وقيمة 1. وذلك لانقسام المتلَفات، فالمثل يراعى في المكيل والموزون، والقيمة تراعى فيما عَدَا ذلك من سائر العروض والحيوان.
(ثم الاعتبار في القيمة حال الجناية) 2 ضربان: منها ما يبطل قدرًا من المنفعة دون جلها والمقصود من العين، فهذا يجب فيه ما نقص.
ومنها ما يذهب بجملتها، أو بالمنفعة المقصودة منها والتي 3 تراد وإن كانت العين باقية.
ففي إتلاف جملتها تجب القيمة، وفي إتلاف المقصود: إن شاء أخذ ما نقص، وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها كاملة.
وذلك كالمركوب الذي يُجنَى عليه بما لم يمكن معه ركوبه، إما مشاهدة أو عادة.
وكالعبد الذي يُتلف المنفعة منه بقطع يدهِ أو عَرَجِه، وإن بقيت هناك منافع متابعة غير مقصودة.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة منها أن يقال: 1 - ما الدليل على أن تناول الأموال بغير حق محرم؟ 2 - وما الحكم فيمن تعدى على مالِ فأتلف ذات الشيء أو بعضها؟ 3 - وما الحكم فيمن أتلف بعض الذات دون جملتها؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
تناول الأموال يقع على وجهين:
مأمور به ومنهي عنه.
فالمأمور به على وجهين: أمر على الوجوب، وأمر على الندب.
وكذلك المنهي عنه على وجهين: وجه على التحريم، ووجه على الكراهية.
هذا في العبادات، وأما في غيرها فيتناول على الإباحةِ.
فأمّا تناوله على الوجوب فأخذ الزكاة من 1 منعها، وذلك معروف للأئمة، وأخذ الحقوق مِمّن منعها، ودفعُها لمستحقها، على حسب ما يجب على الحاكم.
وأما المنهي عنه فيتنوع أنواعًا كثيرة:
فالمحرم منها أخذه بالباطل، فمن ذلك: السارق يأخذ السرقة وهي أخذه سرًا.
وإن أخذه مجاهرة اختطافُ اله، سمي نهبًا، أو على غير جهة التسور عليه بل بالتحيّل فيسمى اختلاسًا، أو بالحرابة فيسمى محاربة، أو بالإستيلاء والقهر
فيسمى غصبًا، والجميع محرم، ولكن تختلف أحكامه، فلأجل اختلافهما 1. واختلاف صفات الأخذ وضعت لكل واحد تسمية.
والمكروه ما لم يرد الشرع بالإذن فيه ولا بالنهي عنه على جهة التحريم، كثمن ما يكره بيعه كالكلب وغيره.
والدليل على تحريم ما ذكرنا أنه مجرم: الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس المعقول معناه.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 2 وجميع ما عددنا من المحرمات أكل المال بالباطل، وقد شدد الله الوعيد في ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ 3 وخصّ اليتامى بالذكر لكونهم لا يدافعون عن أموالهم ولأن الآكل له إذا اؤتمن عليه أضاف إلى قُبحِ التحريم قبحَ الجناية، وأنه لم يؤد الأمانة.
وكذلك توعد الله سبحانه مانع الزكاة بأنه يحيى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
وكذلك توعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في منع الزكاة في الأحاديث الصحيحة بأن الماشية تطأ مَن مَنَع من زكاتها بأخفافها يوم القيامة.
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في مثل هذا لشدة الوعيد.
وقد اجتمعت الأمة على تحريم أخذ أموال المسلم بغير وجه يبيح.
وأما القياس المعقول معناه فإن الله سبحانه نبّه على الحكمة والمصلحة في إيجابِهِ القِصاص من القتل فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ 4 والمراد
بذلك أن القاتل إذا قتل ولم يقتص منه استبيحت الدماء، وأفنى الناس بعضهم بعضًا بالقتل ظلمًا.. وإذا عَلِم القاتل أنه يقتل إذا قَتل مع ما ركب الله سبحانه في الطباع والغرائز من الخوف على النفس، كفّ عن القتل لئلا يقتل.
فكأن القصاص هو الذي أوجب صيانة نفسه.
فكذلك متلف الأموال إن لم يغرمها، ويعاقب عليها إذا ظَلَم في أخذها أدّى ذلك إلى الافتيات على الأموال، حتى لا يُبقي القويُّ في يد الضعيف شيئًا.
ولهذا قوله عليه السلام: "كل المسلم على المسلم حرام" 1 فذكر نفسه وعطف عليها المال والعرض، تنبيهًا منه - صلى الله عليه وسلم - على أنه لو لم يَزجِر عن ذلك ويشرع فيه ما شرع لَتَلِفَتْ الأنفس والأموال والأعراض.
وهكذا عطف المال على الدم، فيما شرعه، من المدعي لذلك، لو قبلت دعواه لاَسْتبيحت الدماء والأموال، فقال: "لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماءَ قوم وأموالَهم" 2 فقرن المال بالدم، ونبه على أن الحكمة اقتضت ألا يباح ذلك بالدعاوي.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما من أتلف على رجل شيئًا وجب عليه عوضه.
وبذلك قال تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" 3 وظاهر عموم هذا أن من أتلف شيئًا قضي عليه بمثله، من أي نوع كان هذا المتلَف.
فأما إن كان هذا المتلف مكيلًا أو موزونًا فالآية على عمومها فيه عند فقهاء الأمصار.
وينضاف إلى ذلك المعدود الذي يتماثل أفراده وآحاده، وتقع المعاوضة على العدد، كالجوز والجِلَّوْز وشبه ذلك؛ لأنه إذا تساوت آحاده لم يكن الغَرَض في عين كل واحد بل في مبلغ الجملة، ومبلغها يُعرف تارة بالكيل كالقمح والشعير، وتارة بالعدد، كما ذكرنا في الجوز والجلوز وأشباهها.
وأما إذا كان المتلَف مما لا يكال ولا يوزن ولا يعدّ، والغرض في عين آحاده، كالحيوان والعروض، حتى لا يصح بيعه جزافًا، فهل يقضى على متلفه بمثله أو بقيمته لا بالمثل؟
وذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما يقضى في المثل بالمكيل والموزون.
وذكر أبو الوليد الباجي في منتقاه عن الشافعي وأبي حنيفة أنه يقضى في ذلك بالمثل، كما حكيناه نحن عن العنبري.
وذكر أيضًا أنّها روايةٌ عن مالك، قال: ولكن الثابت عنه أنه يقضى في ذلك بالقيمة.
هكذا وجدناه في نسخ من المنتقى، وأراه وهْمًا منه، أو من الرواة الذين ذكروا ذلك عنه.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف حديثين وردا في هذا المعنى، أحدهما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق شرْكًا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه قيمة عدْل ولا وَكس فيها ولا شَطَطَ" 1 الحديث فقضى في العبد بالقيمة، وعلى هذا يعتمد مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
والحديث الآخر ما رواه حُمَيد عن أنس بن مالك "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بيت إحدى نسائه فبعثت إليه زوجته الأخرى بقصعة فيها طعام فأخذتها صاحبة البيت فكسرتها، فأخذ - صلى الله عليه وسلم - من بيت هذه الكاسرة قصعة صحيحة فأنفذها لتلك" 2 فقد قضى ها هنا في العرض بالمثل.
ولكل طائفة من هؤلاء المختلفين كلام وجواب عن الحديث الذي تعلق به الآخرون.
فأما أصحابنا فيقولون: البيتان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وما فيهما من الأواني
للاستخدام على ملكه - صلى الله عليه وسلم -، فإنها 1 نقَل ملكه من إحدى 2 بيتيه إلى بيته الأخرى (2). وللمالك أن يحوّل ملكه من مكان إلى مكان.
وقد قيل أيضًا؛ لعله - صلى الله عليه وسلم - (2) أن زوجتيه يرْضَيَان ما فعل من هذا الإِبدال.
وإذا وقع التراضي بأخذ المثل فيما تجب فيه القيمة بعد المعرفة بالقيمة فلا يختلف في جواز ذلك.
ويجيب العنبري عن حديث "من أعتق شركًا له في عبد" بأن القضاء بالمثل ها هنا يتعذر، إذ لا يوجد غالبًا 3 نصفه حر أو ثلثه أو ربعه، على حسب ما تقتضيه المشاركة في الملك، وما تعذرت فيه المثلية لم يحتجّ به في مثل هذا الذي توجد فيه المثلية.
والقضاء بالقيمة إنما يستند إلى معرفة مثل المتلَف في الخِلقة والصورة، ثم تقوم هذه المثلية فيصير ذلك اجتهادًا مبنيًا على اجتهاد.
فالقضاء بالمثلية في الخلقة والصورة أبعد من الغلط في الاجتهاد في قيمة تستند إلى اجتهاد في المثلية في الخلقة والصورة.
وإن تعلق العنبري بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 4 فقضى في الحيوان بالمثل.
أجيب عن هذا بأن الهدايا وتحريم الصيد وإثبات الجزاء في قتل الصيد عباداتٌ لم يطلب بها تبيين القضاء بما يجب في المتلفَات، لكون الجزاء مقصورًا على بهيمة الأنعام خاصة، وما يقضى في الجزاء بشيء من الحيوان الوحشي وما في معناه، مع كون الجزاء لا تراعى فيه المثلية على الحقيقة، كقاتل النعامة فإنه لا يؤدي جزاءها نعامة مثلها.
إلى غير ذلك مما يذكر في كتاب الحج.
ويعلم منه أن ذلك أصل مخالف لما نحن فيه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: الضمان يتعلق بالجاني على ملك غيره بإتلاف الشيء، كطعام يأكله، أو
ثوب يحرقه حتى لا يبقى منه شيء؛ أو بإذهاب منافعه التي يتملّك لأجلها؛ أو وضع يدٍ عادية عليه.
والإتلاف يكون بعلة مباشرةٍ، كمُحرِق ثوب بنار في يده، فإن الإتلاف علّة التضمين، وقد باشره من أحرق الثوب.
أو بما يكون سببًا في وجود العلة، كحافر بئر على جهة العدوان قاصدًا لأنْ يقع فيها إنسان فوقع من ذلك ما قصد إليه.
ولكنّ هذه الأسباب تقرُب من العلة المباشرة وتبعد بحسب ما يرد في مواضعه، كمن أزال قيْد عبد قيّده سيده مخافة إباقه، فابق، أو فتح قفَصا فطار ما فيه من الطير، إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادُها، ويُلتفت فيها، على الجملة، إلى الأسباب التي يُقصد بها الإتلاف، ويقع عنها غالبا، أو ما لا يقصد به الإتلاف ولا يقع عنه غالبًا.
ثم اعلم أن العين التي أُتلِفت لاخفاء بوجوب الضمان فيها على المتلف، وكذلك إذا لم يتلف ذات الشيء، ولكن بطلت جميع منافعه أو جلها، حتى يصير الباقي في حكم العدم، فإن هذا يوجب الضمان فيه، كما يوجبه إتلاف جملة العين.
ولا يختلف في هذا.
لكن لو أتلف من منافع ذات الشيء ما هو المقصود في حق قوم يملكونه دون قصد قوم لو ملكوه فهاهنا اختلف الناس في ذلك: فذهب الشافعي إلى أن الضمان بجميع جملة ذات الشيء لا يجب.
ومذهبنا وجوب ضمان جملة الشيء وقيمته على الكمال.
وهذا كمن قطع ذنب بغلة القاضي التي يركبها، أو غيره من ذوي الهيئات (والاقدر 1 الذي) يلحقهم العار من ركوب بغلة قد قُطع ذنبها، فعندنا أن فاعل ذلك يضمن جميع القيمة كلها كما يضمن قيمتها إذا قتلها.
وعند الشافعي لا يضمن جميع قيمتها اعتبارًا بما بقي فيها من منافع
القاضي 1 وغيره من حَرْث بها أو حمل عليها، وما في معنى ذلك من المنافع المقصودة عند الناس عموماته، إلى مراعاة المنافع في عموم الناس لا في أعيان آحادهم.
ونحن التفتنا إلى أغراض المالكين بحسب اختلاف أقدارهم، فكان تلف الغرض المقصود عند جنس من الناس كالتلف الذي تعم جميع الناس الضرورة به.
وقد وقع التمثيل في هذا القسم بقطع ذنب بغلة القاضي.
وأما لو قطعت أذن بغلة القاضي فإن فيه اختلافًا:
ذهب بعض من تقدم من أصحاب مالك إلى أنه لا يضمن من 2 جميع القيمة، بخلاف الذنب.
وذهب ابن القصار إلى أنه يضمن جميع القيمة، كما يضمنها إذا قطع الذنب.
وقد كثر الاختلاف من 3 هذا الباب، والخلاف فيها هَيّن المدرك لا وجه للإطالة بتعديد المسائل؛ لأن مدارها على أن ما اختلف فيه منها ينصرف إلى الاختلاف في شهادةٍ بعادة فعلى هذا يصرف الاختلاف الذي وقع في قطع أذن بغلة القاضي، فمن رأى أن ركوب دابة مقطوعة الأذن يَعُرّ القاضي ومن كان في رتبته، ضمّن ذلك فاعلَه قيمةَ جميع البغلة.
ومن رأى أن ذلك لا يعرّه، بخلاف الذنب، لم يضمن الجاني إلا ما نقص قطعُ أذنها من قيمتها.
وكذلك ما وقع من الخلاف في قطع يد عبد أو فقء عينه، هل يضمن جميع قيمته، أو إنما يضمن ما نقص.
مع اتفاقهم على أنه لو فقأ عينيه جميعًا أو قطع يديه جميعًا لغَرم جميع قيمته.
وإنما كان ذلك كذلك لأنه اتضح عند الجميع أن قطع اليدين جميعًا أو الرجلين أو فقء العينين يصيّر العبد كالتالف وكالمعدوم، وأما قطع يد واحدة فلا يتضح كون العبد كالملحق بالعلم في ذلك
كما يتضح في قطع يديه جميعًا.
فلهذا وقع الخلاف في ذلك: ففي المدونة، في كتاب الديات، أنه لا يضمن في قطع اليد الواحدة أو فقء العين الواحدة جميعَ القيمة، وإنما يضمن ما نقص.
وفي المجموعة لمالك أنه يضمن جميع القيمة..
وفرق بعض أصحاب مالك تفرقة أشار بها التي 1 نبهنا عليه من سبب الخلاف، فمن كان من العبْيد صانعًا، قطعت إحدى يديه حتى أبطل ذلك صنعته التي إنما يكتسب من أجلها، فإنه يضمن جميع القيمة.
وكذلك لو فعل في بعض إناث البهائم ما أبطل به دَرَّها فإن الحكم في ذلك يختلف باختلاف أنواع الحيوان: فمن قطع (ابز) 2 رَمَكَةٍ لم يضمن جميع قيمتها، ومن قطع لبن شاة إنما تراه 3 للبن ضمن جميع قيمتها.
وهذا يؤكد عندك ما أصلناه من كون الخلاف في ذلك يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة.
ولو قطع فرج عبد وصيرّه خَصِيّا فإنه يضمن ما نقص.
وإن لم ينقصه ذلك شيئًا اقتصر على عقوبته دون تضمينه.
وقد قيل: إن ذلك لو زاد في قيمته لجعلت الزيادة نقصًا وضمن قيمة المقدار الذي زاد فيه.
فإن زاد الخِصاء في قيمته ثلثَها ضمن ثلث القيمة، وعُد ذلك كالقبض 4، وهذا مذهب بعيد.
وإنما التفت هذا إلى أن الخصاء محرّم، وأن بيعه بشرط كونه خصِيًا لا يجوز لكونه يعتق على من أخصاه، فيصير ذلك كالعيب فيه.
وإذا ضمنا الجاني جميع القيمة إذا قطع يدي العبد فهل يعتق عليه أو لا؟ هذا أيضًا مما اختلف فيه عندنا على قولين:
فمن أعتقه على الجاني، الذي لزمته غرامة قيمة جميعه، رآه كمن مثل بعبده، لكونه صار ملكًا له بغرامة قيمته، فصار كمن اشترى عبدًا بثمن ثم مَثّل به.
ومن لم يوجب عتقه رأى أن حكم العتق بالمُثلَة مقصور على من مثّل بعبد نفسه، لكون العتق إنما محله ملك المعتِق لا ملك غيره.
وكأن هذه الجانية 1 وقعت فأوجبت القيمة على الجاني، وأوجبت العتق بالمثلة، فهل يقدّر أن حكم القيمة وانتقال الملك إلى الجاني كالسابق، فيجب العتق، أو يرى أن العتق كالسابق لانتقال الملك بالقيمة، وصادف ملكَ الغير، ولا ينعقد فيه العتق، وإذا قطع (يد العبد وجبت) 2 جميع قيمته، فإنه إذا غرم القيمة ملك بها جسم العبد المقطوع اليدين، وصارت غرامة قيمته كشرائه بجملته.
هكذا عندنا وعند أبي حنيفة.
وذهب الشافعي إلى أنه إذا غرم قيمة جميعه لأجل قطع يده 3 يقي العبد على ملك سيده، على حسب ما كان قبل أن تقطع يداه كالحر إذا قطعت يداه، وأخذ ديته كلّها عوضًا عن يديه، فإنه يبقى حرًّا، على حسب ما كان قبل ذلك عليه، فكذلك قيمة العبد تحل محل دية الحر، وأطرافه كأطراف الحر.
فإذا وجب 4 إتلافُ أطرافه قيمةَ جميعه بقيت الجثة على حسب ما كانت عليه من الرق، و 5 كما بقيت جثة الحر على ما كانت عليه من الحرية.
وغُلّب في أطراف العبد حكم الآدمية والدينية لا حكم الملكية، فلهذا ألحق أطراف العبد بأطراف الحر.
وسلم لهم أبو حنيفة أنه إذا قطع يدًا واحدة للعبد فإنه يغرم نصف قيمته، كما تقدم في قطع اليدين جميعًا بجميع قيمته.
ثم مع هذا لا يملك الجاني بغرامة جميع القيمة، إذا قطع اليدين، شيئًا من العبد، لكون ذلك يُشعر
أن الغرامة عوض الأطراف المقطوعة لا عوض النفس.
فإذا 1 لم تكن عوض النفس، على حسب ما كانت عليه من الملك.
وأما نحن فقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في قطع اليد الواحدة، وهل يوجب ضمان جميع القيمة، و 2 إنما يوجب ما نقص من غير تحديد لقيمة النقص هل نصف القيمة أو أكثر أو أقل؟ فلا مناقضة علينا في هذا مثل ما نوقض به أبو حنيفة، وكأن أبا حنيفة يعذر عن هذا بأن القيمة إذا لم تكمل على الجاني كان الأرش عوض الطرف المقطوع، وإذا كملت على الجاني كانت عوض النفس، فينتقل ملك النفس إلى الجاني.
ونحن لا نحُدُّ في التفرقة بين كثير الجناية وقليلها حَلًّا، وذلك مصروف عندنا إلى الاجتهاد كما قدمنا.
وأبو حنيفة يحدّ في ذلك حلًّا، ويرى أن النقص إذا بلغ أكثر من نصف قيمة المجني عليه كان ذلك كثيرًا يوجب التضمين بجميع القيمة، وإذا كان مقدارَ النصف نصفَ القيمة فأقلَّ لم يوجب ذلك تضمين جميع القيمة.
وهكذا فعل في البهائم إذا فقأ عين الدابة لزمه ربع القيمة استحسانًا.
قال: لما حكي عن بعض الصحابة، والقياس نفي التحديد في ذلك.
وإذا كانت البهيمة مما يؤكل فإنه لا يحدّ في عينها حلًّا، إلا أن يكون بعيرًا فيكون في عينه ربع القيمة.
وإذا كانت الجناية في حكم الكثير على ما قدمناه من التشبيه على إسناد ذلك إلى الاجتهاد في العوائد، فإن مالكًا اختلف قوله، وظاهر الأمر هل لمالك المجنى عليه أن يغرم الجاني إذا لم يكن غاصبًا للعين وذات الشيء جميعَ قيمته، أو لا يكون له إلا قيمة ما نقص قليلًا أو كثيرًا؟ ففي المدونة من رواية ابن القاسم
ما ظاهره أن مالكًا رضي الله عنه اختلف قوله في هذا.
وهكذا ذكر بعض أصحابنا أن أصحاب مالك على قولين في هذا.
وهكذا لما ذكر ابن القصار
المسألة وأن لمالك المجنيّ عليه تغريمَ جميع القيمة في الإفساد الكثير قال: هذا المشهور عن مالك.
إشارةً إلى الخلاف الذي قدمناه.
وإن كانت الجناية يسيرة في ثوب خزق منه شيئًا يسيرًا فإن في المدونة: أنه يرفوه الجاني ويغرم ما نقص بعد الرفوِ فإن الرفوَ لا يُزيل العيب كله زوالًا كليًا.
واختلفت طريقة الأشياخ في تعليل هذا: فمنهم من رأى أن ذلك جنوح إلى القضاء بالأمث الذيما تلف من العروض إذا كانت يسيرة؛ ومنهم من رأى أن العلة في ذلك كون الجاني أحوج صاحبَ الثوب إلى رفوِه إذ لا يلبسه ممزّقًا، فكأنه أدخله في مشَقة، فعليه أن يحمل ذلك.
كما قيل في أحد القولين، في المجروح: إن على جاره 1 مداواته، ثم يغرَم بعد ذلك ما نقص، إن يرى المجروح على شيْن.
وما هذا إلا لكون الجارح أدخل المجروح في الحاجة إلى المداواة.
ومن المتأخرين من مال إلى أنه لا يبعد أن يقال بأنه يجب عليه قيمة العيب.
وكذلك تنازع المتأخرون، إذا كان كثيرًا، هل يلزم الجانيَ رفوُه ثم يغرم ما نقصه العيبُ بعد الرفو، قياسًا على ما قال مالك في الخرق إذا كان يسيرًا.
ويكون الخرق الكثير إنما تجب فيه قيمة العيب من غير رفوٍ، وتدخل إجارة الرفو في التقويم للعيب.
ورأى هؤلاء أن ظاهر المدونة التفرقة بين الخرق اليسير والكثير، لأجل أنه إنما ذكر الرفو في الخرق إذا كان يسيرًا.
ومقتضى تعليل من علل إيجاب الرفو اليسير لكونه أحوج صاحبَ الثوب إلى مشقة الرفو المساواةُ بين الخرق اليسير والكثير.
ومن علل ما ذكره في المدونة في اليسير بأنه استخف القضاء في العروض بالأمثال إذا كانت مخترقة يسيرة 2 لم يُلزِمْه ذلك في خرق الثوب إذا كان كثيرًا.
وإذا كان الفساد بالتعدي إفسادًا كثيرًا يوجب تضمين القيمة، إن اختار رب الشيء الذي أفسد عليه (فيه الغرض بعد عن ذلك) 1 إلى أن يأخذ قيمة الجناية خاصة، ويأخذ الباقي من سلعته التي أفسدت فإن في ذلك قولين: أحدهما أنه لا يمكّن من ذلك، وليس له أن يجمع ما بين شيئين أخذِ السالم من سلعته، وأخذ قيمة ما فقد منها، وإنما له أخذ منفردٌ، إما أخذ عين سلعته خاصة، وإما تضمين قيمة جميعها.
فكأنه 2 اختار ترك المؤاخذة بالتعدي والجناية، فإن له ذلك لأنه حق له، إذا شاء طلَبَه، وإن شاء العدول عن ذلك إلى أن يأخذ السالم من سلعته بانفراده لكون ذهاب الغرض منها كإذهاب عينها، وإذهاب عينها الواجبُ فيه جميعُ القيمة لا غير، إذ لا يقدر على أكثر من ذلك، فلا يجبر ها هنا.
وهذا المذهب هو الذي اختاره أشهب من كبار أصحاب مالك، واختاره اتباع أصحاب مالك: ابن المواز وسحنون، وقالوا في 3: إنه كذابح وكاسر العصا، فإن الواجب لرب الشاة ورب العصا أحَدُ أمرين: إما أخذ مذبوحة، والعصا مكسورة، وإما المطالبة بجميع قيمة الشاة وجميع قيمة العصا.
وأشاروا في ذلك إلى أنه قول مالك وأصحابه.
وهذا الذي مثلوا به وقاسوا عليه، إن عَرِيَ من الخلاف، فإنما ذلك لأنهم أن الشاة الحية إذا ذبحت فإنها صارت جنسًا آخر من الأملاك، وليس له أن جنسًا من جنس آخر أفسد عليه.
هذا، والباب كله يجري مجرى واحدًا، وإنما اعتذرنا عن احتجاجهم بذبح الشاة على خرق الثوب المفسد له.
وقيل: لصاحب السلعة التي أتلف كثير منها أن يأخذها ويغرم الجاني ما
نقص.
وهو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وعنه رواية أخرى أنه ليس له ذلك.
وإذا تقرر أحكام التعدي فإن التضمين يكون عن ثلاثة أسباب:
أحدها: العقود كالعقد على سلعة بيعًا صحيحًا و 1 فاسد (1)، وعقد (1) رهن إلى غير ذلك مما هو في معنى هذا.
والثاني: الإتلاف.
فإنه يوجب التضمين لجميع القيمة أو لبعضها، على ما تقدم بيانه.
والثالث: ضمان المتعلق باليد العاديَة، يد إلاستيلاء على الشيء، والحيلولة بينه وبين مالكه، فإن ذلك يوجب التضمين على الجملة.
ولو هلك ما أخذه الغاصب بفوْر غصبه هلاكًا لا سبب له فيه، لم يُسقِط ذلك الضمانَ عنه، ولا مطالبة 2 بالقيمة.
وسواء في ذلك غصب ما يُنقل ويزال به، كالثياب والحيوان والطعام، أو غصب ما 3 ينتقل ولا تتصور إزالته من مكانه، كالأرض والديار وسائر أنواع العقار.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ورأى أن غصب الديار وما لا يزال به 4 يوجب الضمان، إلا أن يفعل فيه الغاصب إتلافُ افيطلب بضمان ما أتلف.
وكأنه يشير إلى أن حكم الغصب لا يتصور في العقار، وإنما يتصور فيه أحد أسباب الضمان الثلاثة التي ذكرناها، وهي الإتلاف.
وكذلك يتصور فيه الضمان من ناحية العقود، وإن كان ذلك بمعنى آخر.
وكأنه يرى أن أصول الشريعة ما استثنى في ذلك من تضمين العاقلة ما جناه غيرها, لمصلحة اقتضت ذلك،
والغاصب لأرض أو دار لم يفعل فيها شيْئًا، لا من نقل ولا من غيره، وإنما فعل في مالك العقار بأن منعه من التصرف في ملكه، وحال بينه وبين ملكه، وأما ذات الأرض المغصوبة فلم يفعل فيها شيئًا.
فلأجل هذا نفى الضمان في العقار، (وتابعه في ذلك أبو يوسف.
وخالفه محمَّد بن الحسن فقال بقوله) 1.
ولنا عليه أن القبض يختلف باختلاف أجناس الأموال، فليس قبض الثياب كقبض العبيد، ولا قبض العبيد كقبض البهائم، ولا كقبض الطعام؛ وكذلك العقار إنما جرى العرف في قبضه بالتمكن منه، والاستيلاء عليه، وإزالة يد من كان في يديه.
وهكذا قبضه في البياعات، فكذلك يجب أن يكون في الغصوبات.. وقد تقدم (من ذنبه) 2 أن القبض في الوهن شرط في صحته فيجب أن يمنع من رهن الديار لعدم تصور القبض فيها على ما أشار إليه.
وهكذا لو كانت عند رجل وديعة فمنع صاحبها منها، وحال بينه وبينها، فإنه يكون كالغاصب على أنه لم ينقل الوديعة من يد ربها حِين اعتقاده الغصبَ إلى يده، وإنما تصور الغصب بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها.
إلى غير ذلك مما تكثر الشواهد فيه.
ومما يلحق بهذا مما وقع في مذهبنا في غاصب أمّ ولدِ رجلِ في يديه فإن ابن القاسم ضمنه قيمتها على أنها أمة مملوكة وكذلك ولد أم ولده من غيره، فإنه إذا مات في يديه ضَمِنه عند ابن القاسم، ووافقه سحنون في التضمين لولد أم الولد، وخالفه في تضمين أم الولد نفسها، فرأى أنه لا ضمان عليه فيها لأجل أن ولد أم الولد فيه الاستخدام يؤاجر فصار فيه ضرب من تموّل، فلهذا ضمِن الغاصب قيمته عندهما.
وأما أم الولد نفسها فلا تؤاجر، وإذا كانت لا تؤاجر لم يبق فيها ما يتمول ولا يباع ولا يملك.
وكأن ابن القاسم يرى أنها لو قتلت
لأخذ سيّدها أرشها، فقد ثبت أن فيها ما يتموّل ولكن ليس في الحال، ولكنه يتوقع في المآل، وتعليق الأحكام بما لا يحصل في الحال وإنما يتوقع في المآل نادر فيه اختلاف.
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه:
وهو مضمون بقيمته يوم الغصب على أيّ وجه تلف، لا يُبرْئهُ إلا ردّه.
ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال: إما أن يرده ناقصًا في بدنه، أو زائدًا فيه، أو على الحال التي غصبه عليها.
فإن رده زائدًا في بدنه لَزِمَ مالكَه أخذُه، وبرئ الغاصب.
وذلك كالصغير يكبر، والعليل يصحّ، والمهزول يسمن، وما أشبه ذلك.
وإن ردّه ناقصًا في بدنه فالمالك مخيّر بين أن يسلمه 1 ويضمّنه القيمة يوم الغصب، وبين أن يأخذه ثم ينظر في ذلك النقص، فإنْ كان من قبل الله تعالى لا بفعل من الغاصب لم يكن للمالك اتباع الغاصب بشيء من قبله، وإن كان بفعل من الغاصب فقيل: له اتباعه بالأرش، وقيل: ليس له إلا أخذه بغير أرش، أو إسلامه والرجوع بقيمته يوم الغصب.
وإن رده بحاله (أخذه ولزمه أخذه) 2.
ولا ضمان على الغاصب 3 في زيادة إن طرأت عنده، ثم تلفت في بدَن أو قيمة، ولا له في رده زيادة (قيمة معلم) 4 صنعة أو حوالة سوق.
ولا أجرة على الغاصب في المدة التي تحبس فيها العين المغصوبة من غير
انتفاع 1 ولا اغتلال.
فأما إن انتفع أو اغتلّ ففيه خلاف: قيل: عليه بدل ذلك، وقيل: لا بدل عليه، وقيل: ذلك عليه فيما عدى الحيوان.
وإذا غصب ساحة 2 وبنى عليها لزمه ردها وإن تلف بناؤهُ.
وإن أدرك المالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعةُ، إلا أن يكون وقت الزرع قد فات، فله الأجرة، وقيل: له قلعه.
قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة عشر سؤالًا، منها أن يقال: 1 - ما الفرق بين التعدي والغصب؟ 2 - وما الحكم في تغير ما في يد الغاصب، في بدن أو سوق؟ 3 - وما الحكم فيما يُحدثه الغاصب مما ليس بتغيّر في بدن العبد المغصوب، ولا في سرقة 3 من عتق؟ 4 - وما الحكم فيما يحدثه من بيع؟ 5 - وما الحكم فيما يحدثه من هبة؟ 4 6 - وما الحكم فيما أفسده الغاصب ثم أصلحه لهيئته؟ 7 - وما الحكم فيم ابن اهـ الغاصب على حجر أو خشبة غصبها؟ 8 - وما حكم المغصوبات إذا غيرها الغاصب؟ 9 - وما الحكم فيما يغصبه الغاصب من أشجار لينقلها إلى أرض فيغرسها؟
10 - وما الحكم فيما يحدثه الغاصب من خلط ما غصبه بغيره؟ 11 - وما الحكم فيما تغير في يديه مما لا يحلّ تموُّلُه؟ 12 - وما الحكم في الغاصب إذا غرم القيمة ثم ظهرت العين المغصوبة: هل يرجع على ربّها أم لا؟ 13 - وما الحكم في الزوائد الحادثة في العين المغصوبة وهي بيد الغاصب؟ 14 - وما الحكم في الإتلاف من غير مباشرة الإتلاف؟ 1
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
قد جرى على ألسنة الفقهاء العبارة عن تناول المال بغير حق على جهة الاستيلاء والقهر، لفظُ التعدي ولفظ الغصب.
وقد اختلف طرُق الأئمة في تمييز ما بين هاتين العبارتين، وأحسن ما قيل فيها أن من قصد إلى التعدي على منفعة الشيء كعبد يستخدمه، وثوب يلبسه، ولم يقصد إلى الاستيلاء على رقبة العبد والثوب، ولا الحيلولة بينها وبين صاحبها في التصرف في ملكه، على حسبْ ما يتصرف فيه المالك في الرقاب، فإن هذا يسمّى متعديًا.
وكذلك إذا أتلف بعض أجزاء الصيد 2، قاصدًا لذلك البعض معرضًا عن الاستيلاء على ما سواه من أجزاء الشيء، كرجل قطع يدَ عبدِه رجلٌ، أو قطع من ثوبه بعضَه، على أن ينتفع بذلك، وتبقى بقية الأجزاء في يد صاحبها على حسب ما كانت قبل تعدّيه.
وقيل من كان لا يستحق الربح الذي لثمرة تصرفه في المال تعديًا، فإنه هو الغاصب.
والذي لا يستبد بالربح، كالمكتري والمستعير والمبضع والمقارض،
يتعديان ما أذن لهما فيه من التَّجْر بالمال فإن هؤلاء لا يسمَّوْن غُصّابًا وإنما هم متعدون.
إلى هنا أشار سحنون..
وقيل: من كان إذا أقام بينة على تلف ما في يديه من مال غيره سقط عنه الضمان، وكذلك إذا تلف ما في يديه بأمر لا سبب له فيه، كالمقارض والمبضع والمكتري والمستعير، والمودع والصانع، فإن هؤلاء 1 يضمنو سلفًا 2 لم يكن من سهم 3.
والغاصب للرقبة يضمن ما تلف في يديه، كان ذلك التلف بسببه أو بغير سببه.
وأيضًا فإن من لا يضمن جملة ذات الشيء بعيب يسير أحدثه فيه فهو متعد وليس بغاصب.
ومن كان يضمن جملة قيمة الشيء بعيب يسير أحدثه فيه فإنه غاصب.
إلى هنا أشار ابن المواز.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
التغيّر في الذات المغصوبة يقع على وجهين:
أحدهما: تغير في ذاتها.
والثاني: تغير في سوقها.
وإذا لم تتغير في بدن ولا سوق فلا خلاف في أن ليس للمغصوب منه السلعة أن يضمّن الغاصب قيمتها إذا ردها إليه ولم تتغير في سوق ولا بدن، ولا طال مُقامها عند الغاصب، كما لا خلاف في أنها لو هلكت بفور غصبه لها فإنه يضمن قيمتها، كان هلاكها بسببه أو بغير سببه من أفعال الله سبحانه التي لا اكتساب للعباد فيها.
وأما إن حاول ردها بعد أن أحدث فيها عيبًا، وامتنع المغصوب منه
السلعة أن يقبلها فإنه إن كان العيب كثيرًا فلا خلاف في أن المغصوب منه هذه السلعة لا يلزنه قبولها, وله أن يضمّن الغاصب قيمتها إذا شاء، وله أن يأخذها بعينها ويقبلها منه، على اختلاف تقدم ذكره: إذا أخذها بعينها: هل يسقط حقه في قيمة هذا العيب الحادث فيها لكونه قادرًا على تضمين الغاصب جميع قيمتها، فلا يمكّن من العدول عن ذلك، إلا أن يأخذ عينها على ما هي عليه من نقص وعيب، ولا يكون له أن يجمع بين أخذ عين السلعة المغصوبة وأخذ دنانير أو دراهم في قيمة ما نقص؛ لأنه لما حكم له في أخذ جملة القيمة صار عدوله عنها رضىَ بأخذ العين على ما هي عليه من نقص.
وهذا اختيار ابن المواز وسحنون، وهو مذهب أشهب واحد قولي ابن القاسم.
وقيل: بل له أخذ عينها وقيمة ما نقص، كما كان بحكم قيمة جميعها إذا هلك جميعها، فكذلك يحكم له بقيمة الذاهب منها خاصة حتى كأنه كلُّها، ويأخذ عين ما بقي منها.
وأما إن كان العيب يسيرًا فالمذهب المعروف المشهور أن لصاحبها أن يغرّم الغاصب قيمة جميع جملتها، كما لَه ذلك في العيب الكثير إذا أحدث بها، على حسب ما قدمناه من وفاق أو خلاف في حدوث العيب الكثير..
وفي التفريع لابن الجلاب أنه لا يضمن قيمة جميع جملتها لحدوث عيب يسير، قياسًا على ما اتفق عليه من أن المتعدي لا يضمن جملة الشيء بتعديه على إحداث عيب يسير فيه، ولم يَرَ فرقًا في هذا بين حكم المتعدي والغاصب.
وفرقت الجماعة بينهما لأجل أن الغاصب بنفس الغصب والاستيلاء على الرقبة ضمن قيمة جملتها إذا هلكت، فإذا طرأ على أصلِ ضمانِ قد ثبت بجملتها وجبت قيمة جملتها في العيب اليسير والكثير.
وأما المتعدي فلم يجب عليه ضمان جملتها بإحداث عيب يسير تعدى في إحداثه، فلما لم يكن هذا العيب الذي أحدثه المشتري مستندًا إلى أصلِ ضمان ضَعُف حكمه حتى فرق فيه بين القليل والكثير.
وهذا الفرق مما ينظر فيه بأن الضمان إنما ثبت في الغصب إذا وقع التلف،
والتلف مترقب، فإذا وُجد ما تُرقب منه كشف الغيب أنه كان ضامنًا في الأصل.
فالضمان في الغاصب لا يتقرر بمجرد الغصب حتى يمنع من رد العين أو يتغيّر في يديه، وبعض أشياخي كان يخرج ما يذكره ابن الجلاب من الخلاف في الموازية في قوله في غاصب دار انهدم بعضها في يديه فإنه لا يضمن جملة قيمتها وإنما يضمن الغاصب مقدار ما انهدم منها، ويأخذ 1 على ما هو عليه؛ وإن انهدم جلها ضمن قيمة العرض 2 كلها.
فقد فرق ها هنا في كتاب ابن المواز بين حدوث العيب اليسير والكثير في حق الغاصب كما فرق جميع أهل المذهب بين العيب اليسير والكثير في حق المتعدي.
وهذا التخريج عندي فيه نظر؛ لأنه يمكن أن تكون الدار كأنها كسلع متفرقة، فإذا تهدّم بيت وسلم سائر البيوت صار ذلك كمن غصب ثيابًا فلحق أحدَها عيبٌ وسلم بقيتها، فإنه لا يضمن السالمَ منها.
وإذا أمكن أن تُحمل هذه الرواية على ما تأوّلناه لم يثبت أن في المذهب خلافًا سوى ما ذكره ابن الجلاب.
هذا، فأما إذا لم تتغير في بدنها، وإنما تغيرت في سوقه ابن قص، مثل أن يغصب سلعةً، وقيمتُها مائة دينار، فتصير قيمتها بعد غصبه لها خمسين دينارًا، فإنه إذا ردها لصاحبها لم تكن عليه مطالبة.
بجملة قيمتها, ولا بمقدار ما نقص سوقها.
هذا المعروف من المذهب المشهور فيه.
لكن ذكر ابن شعبان في كتابه عن عبد الملك وابن وهب وأشهب أنهم يرون الغاصب إذا طُلِب بقيمة ما غصب قُضِي عليه بأعلى قيمة مرت بالسلعة المغصوبة؛ لأنه يقدَّر كل يوم كمبتدى غصب، فيومَ صارت قيمتها في يديه مائةَ دينار، وقد كانت يومَ الغصب قيمتُها خمسين دينارًا، فكأنه يومئذٍ ابتدأ غصبَها فإذا ألزمناه القيمة يوم الغصب لِمَا قررناه من كونه بكل يوم كمبتدئ غصب
السلعة، يلزمه أغلى ما مرّ بها من القيمة، سواء هلكت، أو بقيت عينها ولكن نزل سوقها، فكأنه وجب أن يضمن مانع مالك السلعة منه.
وهكذا في كتاب ابن حبيب فيمن غصب دارًا فأغلقها، أو أرضًا فَبَوَّرها ولم ينتفع بشيء من ذلك، فإنه تلزمه إجارة ما منع صاحبَ الدار والأرض مثله.
فكذلك يجب أن يضمن الغائب 1 السوقال في منع مالك السلعة المغصوبة.
وقد أشار في المدونة إلى هذه الطريقة فقال في مكتري دابة أو مستعيرها أمدًا معلومًا، ثم حَبَسها بعد ذلك، فإنْ حَبَسها زمنا يسيرًا كاليوم ونحوه فإنه لا يضمن قيمتها، وإن حبسها زمنًا طويلًا كالشهر ونحوه ضمن قيمتها لأنه حبسها عن أسواقها، وعن منفعة ربّها به.
ولكنه قال في المدونة: إن هذين بخلاف الغاصب والسارق فإنهما لا يضمنان بحبس السلعة المغصوبة عن ربّها.
وأشار ابن القاسم إلى أن لا فرق بينهما، وقال: لولا ما قاله مالك لرأيت الغاصب والسارق مثل المستعير والمتكاري.
فأشار إلى التضمين بالمنع.
وفي الثمانية لأبي زيد فيمن غصب دابة من المدينة فسار بها إلى مكة، ثم أعادها إلى ربها، وهي أحسن حالًا مما أخذها، فلربها تضمين قيمتها له، ولولا 2 حبسها مدة هذه المسافة ولم يسافرْ بها لم يضمن قيمة جميعها.
وكأنه رأى ها هنا أن الحَبْس يضمن به إذا قارنه تعدّ على المنفعة.
وذكر ابن حارث في كتابه أن ابن عبدوس روى عن ابن وهب عن مالك أن الغاصب يضمن بحوالة السوق بنقص.
وأما ما يحدث بالسلعة المغصوبة وهي في يد الغاصب فإنه لا يخلو أن يكون حدث بها ما أتلف جميع جملتها وأذهبها بالكلية، ولم 3 يتلف جميعها،
ولكنه قد أهلك بعضها.
ثم لا يخلو ذلك من أن يكون من فعل الغاصب أو من فعل جانٍ جنى عليها غيرِ الغاصب، ومن 1 الأفعال التي لا اكتساب فيها للعباد ولا جناية تضاف إليهم فيها.
فأما إذا كانت من فعل الغاصب فقد ذكرنا، أنه على قسمين: إما أن يفعل ما أتلَف به جملة السلعة المغصوبة، أو إنما أتلف بعضها:
فإن فعل ما أتلف جملتها، مثل أن يغصب عبدًا فيقتله، فإن مالك 2 السلعة التي غصبت منه أن يطالب بقيمتها يوم وضع يدَهُ عليها، وحال بينه وبينها من غير خلاف.
وإن أراد التنقّل عن تضمين القيمة يوم الغصب فإن له ذلك إذا انتقل إلى قيمتها في يوم هي فيه أعلى قيمة من يوم الغصب، على ما ذكرنا عن ابن شعبان حكاه عن أشهب وغيره.
وليس ذلك في المشهور من المذهب إلى أن يريد التنقل إلى تغريم قيمتها يوم جنى عليها الغاصب جناية تلفها، فإن في هذا اختلافًا، مثل أن يغصب عبدًا، فيبقى في يديه مدة، ثم يقتله فيريد أن يأخذ قيمته يوم القتل ويعوض قيمته يوم الغصب، فإنه يمنع من ذلك في المشهور من مذهب ابن القاسم.
وإليه ذهب أشهب.
واختلف قول سحنون في ذلك فقال: القتل فعل حادث، فله أن يطالب بالقيمة يوم هذا الفعل الحادث، وإن كان ضامنًا من يوم الغصب، كما أن المشتريَ لسلعة قد ضمنها بالثمن، ثم لو جُنِيَ عليها جناية أهلكها محمدًا، ثم أتى المستحق لها الذي غصبت منه، فإن له أن يضمّن المشتريَ قيمتَها يوم الجناية، وإن كان قد تقدم له ضمانها بالثمن.
وهذا الذي قاس عليه سحنون غير مسلم؛ لأن للآخَرِين أن يقولوا بأن ضمان الثمن إنما هو حكم فيما بينه وبين الغاصب الذي قبضه منه، فإنه إذا مات
العبد في يديه لم يرجع على الغاصب البائع منه السلعة بالثمن الذي دفَع إليه.
وأما مالك السلعة المغصوبة فلا علاقة بينه وبين المشتري في هذا الثمن الذي قبضه الغاصب.
وأما الضمان المتعلق بالغصب فإنه حكم بين الغاصب وبين مالك السلعة، وهما ضمانان: أحدهما بالغصب لهذا العيد، والآخر بالقتل.
فله أن يُرجّح حكم الضمان بالغصب ويطلبه بحكم الضمان بالتعدي عن العبد الذي قتله.
وقد رجع سحنون إلى أن ضمان العبد المقتول إنما يعتبر فيه قيمته يوم الغصب، كما قال ابن القاسم وأشهب.
وقد ذكر ابن حارث عن عبد الرحمن بأن أبا جعفر الدمياطي أنه حكى عن ابن القاسم أن لصاحب العبد أن يضمّن الغاصب الذي قتله قيمةَ يوم القتل كما ذكره 1 ابن عبدوس عن سحنون أنه اختلف قوله في ذلك، وقال في أحد قوليه: إن لرب العبد أن يضمن الغاصب قيمته يوم القتل، وهو غير بين طلب الحكم بالغصب أو التعدي والجناية.
وكان أشهب وابن القاسم في المشهور عنه (معنى من ذلك) 2 ورأَيَا أنّ القيمة إنما تعتبر يوم الغصب، وكأن الغاصب ملك العبد فيما وجب عليه من القيمة المستقرة في الذمة، ولا يبرأ منها إلا برد العبد بعينه، وقد فات رده واستحال بموته، فصار القتل كأنه إنما وقع وهو في ملك الغاصب، والغاصب إنما أتلف ملكَه، فلا يطالب بقيمته يوم أتلف.
وأما إن كان الغاصب لم يتلف جملة ما غصبه وإنما أتلف بعض أجزائه، فإن كان الجزء الذي أتلف من العبد المغصوب يسيرًا كإتلاف بعض أنملة من أصابعه، وشبه ذلك، فإنه يضمن بذلك قيمة الجملة، في المشهور من المذهب، إذا اختار ذلك ربّ العبد.
وقد ذكرنا في كتاب ابن الجلاب من كونه لا يضمن قيمة جميع الجملة بالعيب اليسير وأما إن أُحدِث فيه عيب له مِقدار
وبأن، فإنه يلزمه ضمان جملته، من غير خلاف عندنا، إذا شاء مالك العبد.
وأما إن اختار مالك العبد أخذ العبد المجني عليه فإنه يمكن من ذلك بغير خلاف، وهل له إذا مُكِّن من ذلك أن يطلب الغاصب الجاني بقيمة ما أتلف من الأجزاء؟ هذا فيه قولان: أحدهما أنه يمنع من ذلك، وإليه ذهب أشهب، واختاره ابن المواز وسحنون، وأشار إليه ابن القاسم، لكن المشهور عن ابن القاسم أن له أن يأخذ مع عين العبد المجني عليه قيمة الجزء التالف، كغاصب عشرة أثواب أتلف واحدًا منها، فإن لربه أخذ السلعة الباقية والمطالبة بالثوب العاشر الذي أتلفه الغاصب.
وإذا اختار الغاصب 1 أخذ عين العبد المجني عليه، والمطالبة بقيمة ما أتلفه الغاصب منه، فمتى تعتبر هذه القيمة: هل يوم الجناية أو يوم الغصب؟ نص سحنون على أنها تعتبر قيمتها يوم الغصب، (وعد إليه إذا قطعها) 2 كثوب من عشرة غصبها الغاصب فأتلف ثوبًا منها، كما قدمناه:
والظاهر من مذهب ابن القاسم إنما يغرم قيمة اليد التي قطعها الغاصب يوم الجناية عليها.
وقد عارض مذهبه بعض الأشياخ فقال: ما الفرق بين إتلاف الغاصب جميع العبد بقتله إياه وإتلاف الغاصب بعض أجزائه بقطع يده؟
واعترض بعضهم عن هذه المعارضة بأن قال: إذا قتل جملة لم يكن عوض سوى القيمة، فلا يمكن من القيمة إلا بأن يغزم يوم الغصب؛ لأن ذلك كدين ثابت في ذمته، فما حدث بعد ثبوته فهو على ملك الغاصب، كما قدمناه، وأما إذا بقيت العين، وإنما ذهب بعضها، فإن رب العبد يشحّ عليه وله عرض 3 في طلب عينه، فلا يباع عليه السالم من العبد، مع تصور الأغراض فيه، بغير اختياره.
وقد ألزم سحنون على قوله: إن قيمة اليد إنما تعتبر يوم الغصب لا يوم قطعها.
أَلاّ يفرق بين قطع اليد بجناية الغاصب أو بأمر لا صنع للخلق فيه.
فإذا تعلق الضمان بفقدها باعتبار يوم الغصب، فلا فرق أن يكون فقدها من فعل الله سبحانه أو من فعل العباد، الغاصب أو غيره، كما أن إتلاف جملة العبد، لسيّده المطالبةُ بقيمته كلها، سواء كان هلاك العبد من قبل الله سبحانه أو من قبل أحدٍ من خلقه.
ولو جنى العبد المغصوب وهو في يد الغاصب، جناية استحق بها المجني عليه أن يأخذ أرش الجناية أو يسلم العبدَ سيّلُه إليه، فإن السيد المغصوب، له تضمينُ الغاصب قيمة عبده لِمَا حَدَث فيه عند الغاصب من هذا العيب، كون الغاصب صار العبد عنده على حالة لا يمكن سيلَه التمكنُ منه إلا بغرامة يغرمها عنه، وقد قدمنا أن الغاصب يضمن بحدوث عيب يسير عنده، وإن كان بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، فكيف بهذا العبد، وهو الحيلولة بينه وبين عبده إلا بغرامة يغرمها عنه.
فإذا اختار سيد العبد تضمين الغاصب قيمة هذا العبد لأجل العيب الذي حدث فيه سقط حقه في عين العبد، وكانت المحاكمة في الجناية التي جناها العبد بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة، وبين المجني عليه،
فإن شاء الغاصب فداه بأرش الجناية، وإن شاء أسلمه في جنايته، ويحلّ في هذا التخيير محل سيد العبد، والحكم فيه هكذا بين سيده وبين المجني عليه، فكذلك يكون الحكم بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة وبين المجني عليه.
هذا مذهب ابن القاسم.
وكأن ابن القاسم اعتبر مبدأَ الحال، وحكمَ العيب الحادث، فَلَهُ أن يضمن الغاصب القيمةَ، وله أن يأخذ العبدَ، فإذا أخذه فهو الذي يغرم أرش الجناية، لكون العيب الذي حدث بهذا العبد أمرًا لا صنع فيه للغاصب.
وقد ذكرنا أن المذهب أن العيب إذا كان بأمر من الله تعالى لا صنع للخلق فيه، فإنه ليس لمالك العبد المغصوب، إذا اختار أخذ عين العبد، أن
يُغرّم الغاصب قيمة العيب الحادث عنده.
وذهب أشهب إلى أن لسيد العبد أن يطالب الغاصب بالأقل من قيمة العبد، أو أرش الجناية، لمّا كان لا محيص له ولا انكفاك من غرامةٍ: إما قيمة هذا العبد لسيده، وإما قيمة الجناية، فهو إذا غرمها للمجني عليه صار العبد سالمًا من العيب، ونحن إنما ضمّناه القيمة لأجل كون العبد قد حدث فيه عيب، فإذا زال هذا العيب زال حكمه، وصار كعبد غصبه غاصب ثم رده إلى سيده ولم يحدث فيه تغيير في بدن ولا سوق، ولما كان هذا الغاصب لا انفكاك له من غرامة طُلب بأقلّ الأمرين اللذين وجبا عليه، بخلاف عيب طرأ على العبد من الله سبحانه ولم يتوجه فيه على الغاصب غرامة بلا بُدٍّ، ولهذا لم يلزم السيدَ الفداءُ بل ألزمه للغاصب إذا هو أقل من قيمة العبد.
وهذا عندي يحمل على أن الجناية التي جناها العبد كانت خطأ منه، فإذا خلص منها بغرامة أرشها لم يبق بعد ذلك عيب.
وأما لو كانت محمدًا، وتَعَمُّد مثلها يكون عيبًا لازمًا للعبد وإن برئ منه، فإن هذا التعليل الذي ذكرناه لا يتصور فيه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اعلم أن الغاصب قد يُحدث فيما غصبه حادث 1 لا يعود إلى تغير في ذات الشيء المغصوب ولا في سوقه.
وذلك على ضروب، منها: أن يملكه لنفسه أو لغيره.
فأما تمليكه لنفسه فبأن يعتق الغاصب العبد المغصوب.
فإن عتقه بمجرد 2 لفقالا يؤثر في بدن ولا في سوق.، ولكنه لما أعتق ملك غيره لم يلزم المالكَ الحقيقي عتقُ الغاصب.
وقد قال عليه السلام في الحديث: "لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك" 3 الحديث.
كما وقع.
وهذا الغاصب أعتق قبل
أن يملك فلا ينفذ عتقه.
لكن لو أراد سيد العبد، ها هنا، أن يلزم الغاصب هذا العتق وينفذ له، فإن ابن شعبان ذكر في كتابه الزاهي أن العبد إذا كان تغير في يد الغاصب، فإن لسيده أن ينفذ عتق الغاصب فيه، ويأخذ قيمة العبد.
وإن لم يتغير العبد في يد الغاصب ففيه قولان:
ذكر أن أحدهما: أن سيد العبد يمكّن من ذلك.
وأشار إلى اختيار هذا القول من القولين اللذين حكاهما.. وقد رأيت الشيخ أبا الحسن المعروف باللخمي صاحب التبصرة، رحمه الله، لما ذكرتُ له هذا القول استبعد أن يكون قوْلًا فحكيته له عن المذهب، فسألني: أين رأيته؟ فقلت له: في الزاهي لابن شعبان، فكلفني أن وقفته عليه، فتعجب منه.
وعندي أن وجه هذا القول أن الغاصب وإن أعتق ما لا يملك، ووقع عتقه في غير محل ينفذ عتقه فيه، فإنه لما كان عالمًا بذلك صرف عتقه إلا 1 أنه التزم القيمة إن أنفذ سيلُه عتقَه، فصار كمن قال في عبد إنسان: هو حر إن قبل منّي سيدُه فيه مائة دينار.
فقال السيد: قبلت.
فإن العتق ينفذ.
وقد وقع في المدونة في وكيل تعدى فباع بغير العين أنه ضامن.
وقد تكلمنا على ذلك في كتاب البيوع، وذكرنا أن بعضهم علّل ذلك يكون الوكيل لما تعدى وباع بغير ما أذن له فيه صار ذلك علمًا على التزامه بثمن المبيع من العين الذي أمران يبيع بها.
وقول ابن شعبان: إِنْ تغيّر وأنفذ سيد العبد عتق الغاصب فيه، فإنه تلزمه القيمة.
وعَزَا ذلك من الخلاف فيه، نظرًا لِأنّ العتق وقع قبل تضمين الغاصب القيمةَ، فصادف العتق محلًا (غيرَنا بل) 2 لعتق المعتق، لكونه أعتق ما لا يملك، فإذا ضمن الغاصب القيمة لأجل التغيير، ففي إلزامه العتق نظر لكونه سابقًا لإلزامه القيمة، وكونه مردودًا، فصار كالعدم.
وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى المترقبات إذا وقعت: هل تعدّ كانّها لم تزل حاصلة من وقت وُجِد السبب