شرح التلقينصفحات 119-158

كتاب الوديعة

صفحات 119-158

غاصب، وهو لا يعلم بكونها مغصوبة، فإنه لا يُهدَم بناؤه.
وقيس على ذلك بناء الغاصب، لاستواء الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس.
وهذا الذي قاله، وإن كان هو مذهب مالك على ما نقله القاضي أبو الفرج عنه في الحاوي، وهو مذهب الجماعة الذين ذكرنا اختلافهم، فإنهم لا متعلقًا 1 لهم فيه؛ لأن الغصب 2 بني الحجر ظلمًا وعدوانًا على ملك غيره، والملك يُحترَم لمالكه، وهذا الغاصب قد أسقط حرمة ماله ببنائه على ما لا يحلّ له أن يبني عليه.. والذي بني على خشبة اشتراها غيرُ ظالم في بنائه، ولماله حرمة لم يهتكها، فلا تهتك عليه بالشرع، بخلاف الغاصب الذي هتك حرمة ماله فلا يصونه الشرع عليه.
ومما استدلوا به أيضًا أن من غصب عبدًا فأبق وهو في يديه، فإنه يحكم عليه بقيمته، وما ذلك إلا لتعذر رده، وخسارة في طلبه وتحصيله، وربما كان ما يحسن 3 الغاصب في هدم بنائه أضعاف ما يخسره فيما ينفقه في طلب الآبق.
وهذا أيضًا لا مستَروح لهم فيه؛ لأن الحجر المبني عليه حاضر مروي 4 يتمكّن من ردها إلى صاحبهالأولهذا يجوز بيعها إذا لم يكن فيها خصام، وأمكن تسليمها على ما هي عليه، والعبد الآبق غير مقدور عليه الآن ولا يجوز بيعه.
وقد قال بعض الناس: لو أمكن الغاصبَ ارتجاُعه بنفقة كثيرة لم يجبر على ذلك، بل يكون الحكم إغرامه بقيمة العبد.
وهذا يقتضي أنه في معنى الهالك.
وإن كان بعض الناس رأى أن من حق صاحب العبد أن يطلب الغاصبَ باسترجاعه وإن خسر في ذلك مالًا، ولم يلتفت في هذا إلى قلة الخسارة أو كثرتها.

ومما استدلوا به أيضًا أن من غصب خيطًا فخاط به جرحَ بهيمة، فإنه يقضى له بالقيمة، ولا يقضى لصاحب الخيط بانتزاعه من الجرح.
وقد ناظر محمَّد بن الحسن الشافعيَّ في هذه المسألة، واستدل عليه الشافعي.
لما معناه أن غاصب هذا الحجر لو طلب أخذه من صاحبه لحاجة إليه لم يجبر صاحبه على ذلك.
فإذا لم يجبر على تسليم ملكه ابتداء فكذلك لا يجبر على تسليمه انتهاء، وهو بعد البناء عليه، بخلاف الجرح فإنه قد يجبر على تسليم خيط يخاط به الجرح لحرمة الحيوان.
فكذلك لا يجبر على نزعه انتهاء بعد أن خيَّط به الجرح.
وسلم له محمَّد بن الحسن ما قاله في أنه لا يجبر على تسليم الخيط الذي خاط به الجرح.
والمتأخرون من أصحاب أبي حنيفة لا يسلمون هذا ونحن نتكلم على ما تعرف منه سبب الخلاف في هذا، وافتراق الأمو الذي تفاوت الحُرَم.
ونقرر قبل الخوض في هذا التنبيه على أن من غصب لوْحًا فأدخله في سفينته حتى صار في انْتشائها كجزء من أجزائها، فإن الحكم فيه، من ذكر خلاف ووفاق، كما قدمناه في حكم من غصب خشبة فبنى عليها، فإن مذهبنا ومذهب الشافعي كون صاحب الخشبة المبني عليها يستحق قلعها وكذلك يستحق صاحب هذا اللوح أن يقلعه من السفينة.
ولكن حكم هذا اللوح يختص بحكمٍ لا يختص بمثله الحجر والخشبة المبني عليها؛ لأن هدم الحجر والخشبة المبني عليها لا يتعلق به من الإتلاف أكثر من إتلاف بناء الغاصب، وبناء الغاصب لا حرمة له، كما قدمناه، ولكن السفينة قد يؤدي قلع هذا اللوح منها إلى إتلاف ما فيها، وقد يكون فيها حيوان، إنساني أو بهيمي، أو أموال.
فإن كان قلع هذا اللوح يمكن من غير إتلاف ما فيها، مثل أن يطلب ذلك رب اللوح، وهو على البر أو شاطى البحر، فإنه يمكّن من قلع اللوح، وإن فسد نطم ألواح السفينة، كما يمكنه من قلع الحجر وإن فسد م ابن ي عليها.
وأما إن كانت في لجة البحر، واللوح بموضع منها إن قلع غرقت وغرق ما فيها، فإنه إن كان فيها حيوان آدمي لم يمكن من القلع لكون ذلك إن مكن منه تضمن هلاك من فيها من رجال أو نساء، وكذلك إن كان فيها حيوان بهيمي فإن له حرمة أيضًا

تمنع من إهلاكه سواء كان للغاصب أو لغيره من الناس.
وإن كان ما فيها من الوسق مال، عروض أو عين، ولا يخشى من قلع اللوح هلاك أرواح، فإنه يعتبر هذا المال، فإن كان لغير الغاصب لم يقلع هذا اللوح، مثل ما قدمناه فيمن اشترى حجرًا فبنى عليه، وهو لا يعلم كونه مغصوبًا، فإنه لا يُهدَم بناؤه لكونه غير متعد في البناء، وكذلك المال الذي في السفينة إذا كان لغير الغاصب فله حرمة من جهة مالكه الذي لم يظلم ولا تعدى في حمله هذه السفينة، فلا يجوز أن يتلف ذلك عليه.
وأما إن كان ما فيها من الوسق من مال الغاصب، وهو عروض، فإن الأكثر ذهبوا إلى أنه لا يمنع صاحب اللوح من قلعه من هذه السفينة، وإن إذا 1 ذلك لهلاك مال الغاصب؛ لأن الغاصب لا حرمة لماله الذي منع به مال الغير، وهو الذي هتك حرمة ماله، فلا يَمنع ذلك من تمكين صاحب اللوح من نزعه من هذه السفينة وإن تلف مال الغاصب، كما لم يمنع كون الحجر المغصوب يمكن منها صاحبها وإن فسد بناء الغاصب الذي بناه عليها، وهذه طريقة بعض الحذاق من أصحابنا كابن القصار وأبي حاموإلاسفراييني من أصحاب الشافعي.
ومن أصحاب الشافعي من منع نزع هذا اللوح من السفينة إذا أدى إلى إتلاف مال الغاصب.
ويفرق من ذهب إلى هذا بين تمكينه من قلع الحجر التي بني عليها الغاصب وبين منعه من التمكين من نزع هذا اللوح الذي يتلف مال الغاصب، أن الحجر لا يتصور في العقل نزعه إلا بإتلاف بناء الغاصب، إذا كان البناء عليها لا يمكن تعليقه عنها حتى تنزع وحدها، وأما اللوح المغصوب فإنه يمكن نزعه من غير إتلاف مال الغاصب، بأن يؤمر صاحب اللوح بأن يبقى الطلب حتى تصل السفينة إلى المدينة التي أقلعت إليها.
فلما كان لهذا الذي هو صيانة مال الغاصب أمد يُنتَظَر، لم يمكن من القلع.
ولما كان

لا أمد يُنتَظر لصيانة بناء الغاصب وجب قلع الحجر في الحال.
وهذا فرق يتصور، ولكن إن راعيت الضرر في الانتظار إلى وصول السفينة لم يسلم هذا الفرق.
ولكن يجب أن.
تعلم أن كل موضع قلنا فيه: إن قلع اللوح لا يجب، فإن لصاحب 1 الطلب بقيمته لأجل ضرر الانتظار، ومع هذا له الخيار في التزام هذا الضرر وترك الطلب بالقيمة حتى يأتي الأمد الذي يمكن نزع هذا اللوح فيه، كما لو غصب رجل عبدًا فأبق في يده، فإن صاحبه بالخيار بين أن يغرمه القيمة؛ لأن 2 فيما يلحقه من الضرر في انتظار عودة الآبق، وله أن يتحمل مشقة هذا الضرر، وينتظر الآبق حتى يعود إليه.
واعم أنّا قدمنا الكلام في مسألة من غصب خيطًا فخاط به جرحًا، ثم أتى صاحبه فطلب نزع الخيط.
وهي مسألة كثر الاضطراب فيها، ونحن نذكر لك المقدمة التي وعدناك بالتنبيه عليها في صدر هذه المسألة.
وذلك أن الأموال تختلف مقادير جُرَمها في القوة والضعف.
فالأموال التي هي جمادات، كالدنانير والعروض، لا حرمة لها في نفسها، وإنما تكتسب حرمة من جهة حق مالكها.
وأما الحيوانات فإن لها حرمة من جهة مالكها كالجمادات، ولها حرمة في نفسها وهي جرمة الأرواح، فقد صار لجنس من الأموال حرمة واحدة وهو الجمادات، وللحيوانات حرمتان: إحداهما من جهة مالكها والثانية من جهة نفسها.
وهذه الحرمة الثانية هي حرمة راجعة إلى نفس المحترمَ تختلف أيضًا بالقوة والضعف، فليست حرمة نفوس بني آدم كحرمة البهائم، ألا ترى أن من جبره السلطان على قتل رجل مسلم، لا ذنب له يستباح به دمه، وتوعّده بأنه إن لم يقتله قتله السلطان، هو نفسه، فإنه لا تحل له صيانة دمه بإتلاف دم غيره.
ولو فرضنا المسألة في كون السلطان أمره بنحو ناقة رجل،

أو قتل فرسه، لأبحنا له قتل الفرس ونحر الناقة بل نوجب عليه ذلك إذا كان لا يخلّص نفسه من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة بينه وبين صاحب المال.
ومما يوضح أيضًا ما ذكرناه أن للحيوان مزية على الجمادات أن من خربت داره لا يجره 1 السلطان على إصلاحها ومن له دابة منعها العلفَ حتى أشرفت على الهلاك فإن القاضي يجبره على علفها خوفُ امن تلفها.
واعلم أيضًا أن الأنفُس، وإن كانت لها حرمتان، فربما سقطت بإسقاط صاحبها حرمتها، كما يقتل من قتل، ويرجم من زنى، وهو محصن.
فإذا تقررت هذه القاعدة عدنا بعدها إلى النظر في مسألة من غصب خيطًا فخاط به جرحًا، أو خاط به ثوبًا، فجاء صاحبه فطلب نزعَه وردَّه إليه، فأما إن كان خِيط به ثوب فإنه يُنزع من الثوب، إذا كان نزعه لا يتلف المنفعة به لمن يردّ عليه.
وأما إن كان لا يمكن نزعه إلا بتقطيعه حتى لا يُنتفع به، فإن له قيمته؛ لأنه طلب مَا لاَ منفعةَ له فيه.
وأما إن كان خطب 2 به جرح إنسان، وإن نزع أيضًا لم يُنتَفَع به، فلا يمكن من نزعه، وإن كان ينتفع به لكن نزعه يؤدي إلى هلاك نفس الرجل الذي خاط بهذا الخيط أو إتلاف عضو من أعضائه، فلا يختلف في أنه لا يمكن من نزعه.
لأنه لو أراد أخذه غصْبًا لمّا احتاج إلى الخياطة به ولم يجد غيره، وإن لم يخط به جرحه هلكت نفسه، فإنه يسوغ له أخذه.
وكذلك إذا أدّى نزعه إلى زيادة في الغلة 3، وحدوث المرض المخوف، فإنه قد قيل: إنه لا يمكن من نزعه.
وأما إن كان نزعه لا يُتخوف منه تلفُ النفس، أو

زيادة في المرض، وإنما يتخوف منه أيضًا تأثير 1 البرء، فإن هذا مما اختلف فيه أصحاب الشافعي.
وهذا في الحيوان الذي لا يحل أكله، كالإنسان والدواب: البغل والحمار.
وأما إن كان مما يحل ذبحه وأكله، فإنهم اختلفوا أيضًا هل يجبر على ذبحه لينزع الخيط المغصوب منه، ويردَّ على صاحبه؛ لأن هذا الجنسَ لا حرمة لروحه تقتضي منعَ ذبحه وأكله، فلهذا مكّن من ذبحه.
ومنهم من قال: لا يمكَّن من نزعه لأنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة 2. وهذا الذبح ها هنا لغير مأكلة، فلم يجب سقوط حرمة الحيوان به.
ولو كان الحيوان مما يؤمر بقتله، كالخنزير والكلب، فإنه ها هنا لا يختلف في أن هذا الخيط يُنزع منه، وإن هلك الخنزير والكلب؛ لأن هلاكهما مشروع لنا.
واعلم أن قاعدة هذا الباب ونكتته، بعد ما قدمنا لك من اعتبار الحُرَم وتفاوتها، الموازنة بين الضرر اللاحق يصاحب الخيط ومنعه عين ملكه بالقيمة، وبين ما يلحق الجريح من الضرر بنزعه.
فما اتضح من الضرر خفته، واتضح من الجانب الآخر ثقله وشدة 3 عدل إلى الأخفّ وانصُرف عن الأثقل.
هذا أصل الفقه في هذه المسائل.
وبعض المتأخرين من أئمة أهل النظر لم يجر في هذا حرمة الحيوان الإنساني والبهيمي مجرى واحدًا، كما حكيناه في هذه التفاصيل عن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي، ورأى أن بهيمة الرجل إذا أشرفت على العطب فإن مَن عنده علَفُها الذي يصون حياتها لا يجبر على بذله لها؛ بخلاف حرمة الإنسان فإنه إذا أشرف على الهلاك من الجوع وجب على من عنده طعام أن

يعطيه ما يصون به حياته.
وطرد هذا الحكم في نزع الخيط، ففرق بين نزعه من البهيمة 1. وهذا الاضطراب كله إنما يعتمد فيه على الموازنة بين الضررين، ومراعاة ما بين الحرمتين.
ومما يجري على هذا الأسلوب لو كان كبشًا أو ثورًا أدخل رأسه في قدر طباخ، ثم لم يمكن إخراجه رأسه منها، فإنه إن كان لصاحبه سبب في تمكينه إدخال رأسه في القدر، مثل أن يكون هو سائقه أو قائده، فإنه إذا كُسرت قدر الطباخ، فتخلص الثور، ضمن صاحب الثور قيمة القدر؛ لأنه بإفسادها وإن ماله، وهو السبب في تعريض ماله إلى التلف.
ولو كان الطباخ هو السبب، بأنْ وضعها وضعًا لا تسلم معه مما جرى فيها من تشبث الثور، وصاحب الثور لاسبب له، فإنه لا يضمن صاحب الثور قيمة القدر.
وكذلك إذا كانا غير مفرّطيْن جميعًا لم يضمن صاحب الثور قيمة القدر لأن جرح العجماء جبار، وكذلك لو دخل فصيل ناقة دارًا وأقام فيها حتى عظُم جِرْمه، فلم يقدر أن يخرج من الباب، فإنّا إن هدمنا الباب ليتمكن من إخراجه كان على صاحب الفصيل غرامة ما أفسد من الباب؛ لأنا صنّا ماله بإفساد مال غيره.
وهذه المسائل تجري على ما نبهناك عليه من اعتبار الضرر والموازنة بين الضررين.
وأُلْحق بذلك سقوط دينار من دواة إنسان، فَلَمْ 2 إخراجه إلا بكسرها.
وفروع هذا الباب لا تتسع، ومدار جميعها على ما أصلناه لك.
وقد كان شيخنا رحمه الله يحكي إذا ذكر هذه المسائل أن جَمَلين اجتمعا في مضيق فلم يمكن إخراج الداخل منهما ولا رد الخارج منهما، فمر بهما بعض القضاة،

فقال: يُنحر أحدهما ويشتركان في الباقي.
وقال هذه قياس منه على الحكم فيما يطرح من السفينة.
والذي قدمناه لْك يعرف الحكم منه في هذه المسألة وغيرها.

والجواب عن السؤال العاشر 1 أن يقال: إذا غصب الغاصب شيئًا ففعل به فعلًا غير به ذات الشيء المغصوب، فإن في ذلك خلافًا بين فقهاء الأمصار.
فمذهب الشافعي أن ذلك ليس بفوْت يمنع صاحب الشيء من أخذه من يد الغاصب، حتى لو غصبه بيضةً فحضنها حتى انفقأت عن فرخ، أو قمحًا فبذره في أرض حتى أسبل وصار قمحًا محصودًا، فإنه يأخذ صاحب القمح قمحه وما تنامى منه.
ومذهب أبي حنيفة أن التغير فَوت يمنع صاحب الشيء من أخذه من الغاصب، بشرط أن يكون الغاصب غيّره تغييرًا تنتقل تسميته، وتذهب به المنفعة المقصودة به.
وأما مذهبنا نحن، فعندنا ما يدل على الطريقتين جميعًا، طريقة الشافعي وطريقة أبي حنيفة.
فقد ذكر عن مالك، رضي الله هـ تعالى عنه، أنه اختلف قوله في الغاصب إذا غصب قمحًا فطحنه، وكذلك رُوي عن ابن القاسم في المجموعة أن الواجب في ذلك مثلُ القمح المغصوب.
وذكر عن أشهب في المجموعة أنه يرى أن لصاحب القمح أخذ الدقيق من غير أن يؤدي أجرة الطحن.
وظاهر هذا الخلاف فإنه 2 إنما وقع في تمكين صاحب القمح من أخذ عين الدقيق.
وأما لو أراد تضمين الغاصب مكيلة القمح الذي غصبه لم يُمنع من ذلك

عند ابن القاسم وأشهب.
وسنتكلم على تفصيل ما وقع من خلاف في بعض تغيرات 1 الغاصب عندنا، بعد أن نذكر سبب الخلاف بين فقهاء الأمصار على الجملة.
فأما مذهب الشافعي ومن وافقه من أصحابنا في بعض فروع هذا الأصل، فإنهم يرون أن التمليك فعل شرعي والغصب فعل ليس بمشروع، فلا يُتوصل بأمر غير مشروع منهي عنه إلى أمر مشروع وهو نعمة من الله سبحانه وإحسان، والغصب إثم وخسران.
وقد اعتمد ابن القصار، من أصحابنا، وغيره من أصحاب الشافعي على التعليل بظواهر أحاديث، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه" 2 وإذا أبقينا دقيق القمح المغصوب في يد غاصبه لم نجعل عليه رد ما أخذت يده.
وكذلك قوله عليه السلام: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" 3 فإذا قضينا لصاحب القمح بمثله بدلًا من الدقيقال في صار عن قمحه -ولم يكن فيه أكثر من تفريق أجزاء القمح- وأجزاءُ القمح لم يذهب عينها، وأعطيناه بدلها صونًا- استحللنا ماله بغير طيب نفس منه.
وأصحاب أبي حنيفة يقابلون هذه الظواهر بما رواه عاصم بن كليب أن النبي عليه السلام: "كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدّم إليه شاة مصلية، يعني مشوية، فأخذ منها لقمة يلوكها، فلم يسغها فقال: "إن هذه الشاة تخبرني أنها ذُبحت بغير حق.
فقالوا: يا رسول الله، إنها لجارنا ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أطعموها الأسارى" 4 فيقول أبو حنيفة وأصحابه: لولا أن تغير الشيء

المغصوب يصيّره ملكًا للغاصب ويزيل ملك صاحبه ما أمر - صلى الله عليه وسلم - بصدقتها، بل كان يأمر بردّها إلى صاحبها الذي ذبحت بغير أمره، والصدقة بمال الغير لا تجوز إلا بوجه يستحق به ذلك عليه.
وهذا الاستدلال كأنه في نفس هذا الأصل المختلف فيه.
والاستدلال بقوله "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وبقوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" استدلال بعمومات ليس المقصود منها بأن حكم هذا الأصل الذي نحن فيه.
فكان التعلّق بهذا الخاص أوّلا 1 من التعلق بالعام.
وقد اختلفت معاذير أصحابنا وأصحاب الشافعي عن هذا الحديث.
فقال بعضهم: إنه مرسل والعمل بالمراسيل فيه اختلاف بين الأصوليين.
وهذا العذر إنما يقوله من لم يقل بالعمل بالمراسيل.
وأجاب آخرون بأن الشوى مما لا يبقى بل يتغير ويفسد إذا مر زمن تغيّره، فلهذا لم يأمر برده على صاحبه إذ لعله كان غائبًا.
وهذا أيضًا تأويل بعيد لأن الحكم في مثله أن يباع الطعام الذي يخشى فساده وصاحبه غائب عنه، ويوقف له الثمن فلا يتحقق هذا الحكم على ما استقر في الشريعة إلا أن يكون كسب صاحب هذا 2 الشاة خبيثًا، والكسب الخبيث يتصدق به وإن كره صاحبه.
وهذه تأويلات، وإن بعدت، فإنها من الممكنات ولكن ليس في سياق الأكبر ما يدل عليها.
وجملة الأمران من غصب شيئًا فأتلف عينه كقصب غصبه ثم أحرقه، أو ثوب غصبه ثم أحرقه، أو عبد غصبه فقتله، فإنه لا يختلف ها هنا أن الواجب على الغاصب بدل ما غصب، المثل أو القيمة.. وإن كانت العين لم تذهب، ولا تغيرت في سوق ولا بدن، لم يختلف في أنه لا يجب عليه البدل.

فإن تغيرت فهاهنا يحسن الخلاف؛ لأن من حق صاحب الشيء المغصوب ألاّ يزال ملكه من يديه، وأفعال الغاصب كأنها من أملاكه فلا تزال أيضًا عن يده، فأي الأمرين يغلّب؟ رأى أبو حنيفة أن التغيير الذي يُذهب التسميةَ والمنفعة المقصودة، يحل محل ذهاب العين، فإنما يستحق على الغاصب البدل.
ورأى الشافعي أن ذهاب العين بالعلم يستحيل معه التملك، إذ المعدوم لا يُتملك، ولا يتصور تملكه للغاصب ولا للمغصوب منه، فلهذا أوجب البدل وانتقال الاسم والمنافع مع بقاء العين ومنافع يتعلق بها الغرض، ويقع التشاحّ فيها، يوجب سقوط ملك صاحب الشيء المغصوب، ونقل ملكه إلى ملك الغاصب، مع كون فعل الغاصب كالفرع والشيء المغصوب كالأصل، وهو الجوهر، وفعل الغاصب كالعرض، والتغليب يكون للأصل على الفرع، لا للفرع على الأصل، وللجواهر على الأعراض لا للأعراض على الجواهر.
وأما ضبط مذهبنا وما وقع فيه: فإن المغصوب إذا كان مكيلًا أو موزونًا مما فيه الربا، كالذهب والفضة والقمح، فغصب الغاصب ذلك فصنع من الفضة التي غصبها حليّا أو دراهم، أو طحن القمح فرده دقيقًا.
أو كان المكيل والموزون مما لا ربا فيه، كالنحاس والحديد والقطن، فغصب حديدًا أو نحاسًا فصنع منه آنية، أو نسج من القطن ثوبًا بعد أن غزله، فإن في ذلك أقوالًا على الجملة: أحدها: أن الواجب فيه مثل الذي غصبه الغاصب، وتكون صنعته كالفوت لعينه.
والقول الآخر: ذلك لا يكون فوتًا للعين، ولا يمنع صاحب الشيء المغصوب من أن يأخذ عين ما غصب له، وإن غيّره الغاصب بما ذكرنا.
والقول الثالث: أن ذلك يكون مما فيه الربا فإن هذه الصنعة كالفوت فيه.

وعلل ذلك ابن القاسم وأشهب أن الحكم برده إلى صاحبه من غير أن يغرم عوض الصنعة، كان ذلك ظلمًا للغاصب، وإن أغرم قيمة الصنعة كان ذلك تفاضل أبي ن ما فيه الربا، فيكون صاحب الشيء المغصوب كأنه دفع فضة ومعها أجرة الغاصب وأخذ عنها دراهم.
قال أشهب: وليس ذلك مثل القمح يُغصب، فيصيّره الغاصب سويقًا مَلْتوتًا، هذا مما يجوز فيه التفاضل.
فأما ابن القاسم فإن طرد أصله في ذلك، وكان مذهبه يضاهي مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن التغيرات على الشروط التي ذكرناها عنه، تصيّر الشيء المغصوب كالفائت المعدوم.
وأما أشهب فإنه ذكر أن من غصب قمحًا فطحنه دقيقًا، فإن لصاحب القمح أن يأخذه من غير أن يُلزم غرامةَ أجرة الطحن.
قال في قمح غصبه الغاصب فلتَّه سويقًا أن الحكم فيه غرامة الغاصب القمح.
وهذا كأنه إن اعتبرنا مذهبه من ناحية ما قال في السويق صار كأنه يلاحظ مذهب أبي حنيفة، وإن اعتبرنا ما قاله في الدقيق يلاحظ مذهب الشافعي.
وقد قدمنا أن أبا حنيفة يرى أن تغيّر العين لا يكون فوتًا فيها إلا بأن يفعل الغاصب فعلًا ينقل به الاسم ويبدله ويبدل أيضًا لمنفعة المقصودة، والمعنى المطلوب الذي خلق الشيء له، فيقول بأن الدقيق لا يسمى قمحًا وكذلك القمح لا يسمى دقيقًا إلا مجازًا واستعارة له اسم المال كما قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ 1 فسمى العنب خمرًا لأنه يؤول إلى الخمر.
وكذلك المنفعة المقصودة والمعنى الذي خلق الشيء له، والصورة والشكل، قد يتبدل كله، والقمح صورته غير صورة الدقيق، واسمه غير اسمه، والمعنى الذي خلق له، وهو احتكاره قوتًا، وزراعته في الأرض، لا يوجد ذلك في الدقيق.
فلعل أشهب رأى أن هذه الأوصاف تحصل في السّويق، ولا تحصل في الدقيق،

لقرب ما بين الدقيق والقمح من المنفعة، وكأنه هو الطريق إلى تصيير القمح قوتًا، وهذا بخلاف السويق.
وما ذكرناه عن أبي حنيفة من أنه يراعي تبدل الأسماء، قد قاله أصحابنا.
وذلك أن أشهب فرق بين من غصب ثوبًا فصبغه، أو قطعه وخاطه، فقال: يرد ذلك على صاحبه إن شاء، بخلاف أن يصير القمح سويقًا لأن الثوب، وإن صبغ وقطع، فالاسم عليه قائم ويسمى ثوبًا، أبيض كان أو مصبوغًا، بخلاف السويق فإنه لا يسمى قمحًا.
وهذا 1 قال سحنون أيضًا: كلما غُير حتى انتقل اسمه فإن ذلك فوت.
فأنت ترى هذين من أئمة أصحابنا اعتبرا تغير الاسم كلما 2 اعتبره أبو حنيفة.
وقد وقع لهم أيضًا في التفرقة بين من غصب خشبة فصنَعَها بابًا، وبين من غصب خشبة فبنى عليها، تعليل آخر.
وذلك أنه قال: إنما حكمنا بأن يبقى التاتوب 3 للغاصب ويغرم قيمة الخشبة؛ لأنه صنع شيئًا لا يقدر على ردّه إلى هيئته.
وقد وقع لابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أن من غصب ثوبًا فصبغه أو فضة فصاغها، أو قمحًا فطحنه، فإن يرد إلى صاحبه، ولا حجة للغاصب بأن يقول: يُتْلف علىّ صنعتي؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس لعرق ظالم... " 4 وقد وقع أيضًا لعبد الملك بن الماجشون في المبسوط أن الغاصب إذا صنع فيما غصب شيئًا يسيرًا، فإن صاحب الشيء يأخذه، ولا يغرم قيمة الصنعة.
وإن صنع فيه شيئًا كثيرأوافى ثمنَه، فإنه لا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة، أو يضمن الغاصب ما غصبه، أو يكونا شريكين.
وفي الشركة قولان: أثبتها ها هنا عبد الملك، ونفاها ابن القاسم.

وكذلك اختلف فيما فعله الغاصب إذا كان له طلب عوضه، هل يعطَى قيمة صنعته، أو يعطى ما زادته صنعته في الثوب المصبوغ، وما في معنى ذلك مما يفعله في الشيء المغصوب، وكأن ما يقعله الغاصب في الشيء المغصوب، إن كان مما يُتملك وأضافه إلى الشيء المغصوب، كحجر له يبنيه في أرض غصبها، فإن حقه لا يسقط من عين الحجر إلا بعوض إذا كان أُسلِم 1 إليه انتفع به.
وإن كان أضاف إلى الشيء المغصوب ما يتملك، وهو عين مرئية مشاهدة، ولكنها لا تتميز من الشيء المغصوب، ولا يمكن تفرقتها منه كالصباغ، فإن ابن القاسم 2 أن صاحب الثوب لا يمكّن من أخذه إلا بعد أن يعطي عوض الصباغ، قياسًا على الحجر التي هي عين قائمة ولكنها تتميز.
ورأى أشهب وعبد الملك أن صاحب الثوب يمكّن منه من غير أن يدفع عوض الصبغ، قياسًا على ما يحدثه الغاصب مما ليس بعين قائمة، ولا مما يتميّز بالتفرقة بينه وبين الشيء المغصوب، كالنقش والتزويق فصار الصباغ كفرع بين هذين الأصلين.

والجواب عن السؤال الحادي عشر 3 أن يقال: إذا غصب الرجل غرسًا فغرسه في أرضه، وفعل ذلك غصبًا أو تعديًا، أو فعل ذلك على وجه شبهة إما بإدلال على صاحب الغرس، ومثله يشبه أن يدلّ عليه، أو يشري ممن يُظن بأنه باعه من ذلك ما يملك، فإن المذهب متفق على أن هذا الغرس يردّ لصاحبه، وإن ثبت في أرض الذي نقله إن كان بحدْثانِ أخذِه.
ولا يفترق في هذا الحكم الغاصبُ والمدلُّ والمشتري.
وإن طلبَ صاحبه أخذه بعد زمان، وزيادة نماء، افترق حكم الغاصب من حكم المدلّ والمشتري، فيمكّن صاحب الغرس من قلعه في أرض الغاصب الذي غصبه له، ولا يمكن من قلعه من أرض المدل والمشتري، لكن يُلزمان بان يدفعا لصاحب الغرس

قيمته قائمًا إن لم يختر أخذ عينه.
ولو كان الغصب في غصن أخذه من شجرة، فأنبته في أرضه، وثبت فيها وطال زمانه، فإن المذهب متفق على أنه لا يؤخذ من يد غارسه، كان غصبًا أو مدلًا أو مشتريًا.
وإن طلبه صاحبه بحدثان ذلك أخذه، فيفترق ها هنا حكم الغاصب والمشتري والمدلّ: فيقلع من أرض الغاصب، ويبقى في أرض المشتري والمدل، ويغرمان قيمته مقلوعًا.
وكأن هذا المعنى يُلتفت فيه إلى ما سنذكره، إن شاء الله تعالى، فيمن غصب أرضًا فزرعها.
وذلك أن نماء هذه الشجرة لم يكن من مجرد ذاتها بنفسها، ولا من مجرد ذات الأرض، وإنما كان النماء بمجموعهما: الأرض والشجر.
ومقدار ما كان من كلِّ هذين من النماء لا يتميز، أو لا يوقف على حده، وإذا لم يوقف على حده وجب إضافة النماء إلى أوْلاهما.
بالتأثير 1 بالغرس إذا أخذ في النماء وطال زمان ذلك، كانت إضافة النماء فيه إلى نفسه أوْلى من إضافتها إلى الأرض، فلهذا يقلع من أرض الغاصب.
وطَرْد هذا التعليل يقتضي أن تقلع من أرض المدلّ والمشتري وإن طال الزمان، لكن قال عليه السلام "ليس لعرق ظالم حق" 2 والغاصب ظالم فلم يكن لتنميته أرضه حق، والمشتري والمدل غير ظالمين فكان لعرقهما حق، فلهذا أُبْقِي إذا طال الزمان.
وأما إذا قصر فكأن عين الغرس لم يتغير فيكون المستحق له أوْلى بعينه.
وأما مَلْخُ عود من شجرة فإن إضافة التنمية إليه بتعدّ ولا تتصور إلا بعد واسطة، وهو أن يعرق ويطول مقامه في الأرض، فلذلك يأخذ في الارتجاع والنماء، فلهذا كان حكمه غير حكم الغرس.
وقد عارض بعض المتأخرين ما وقع في الرواية في هذه المسألة: من أخذ

غصنًا ملْخًا من شجرة على جهة الإدلال بغير 1 قيمته مملوخًا، وإن كان أهونَ 2 قلعُه الشجرةَ كان عليه غرامة ما نقص من قوة الشجرة.
ورأى أن المطالبة بالنقص تغني عن قيمة العود.
وهذا لأن كلَّ أمرين متباينين لا يتضمن أحدهما الآخر لا تكون 3 غرامة أحدهما وتقويمُه عن تقويم الآخر وغرامته.
فإذا كانا متلازمين، لا ينفك أحدهما عنْ الآخر، فكان تقويم نقص الشجرة بالرهن 4 الذي حدث فيها يدخل فيه تقويم الملخ الذي أخذ منها.
وقد اضطرب المتأخرون فيمن اكترى دابة إلى مسافة معلومة فتعدى المسافة بأميال يسيرة لا يجب عليه لتعديه قيمة الدابة، فإنه إنما يغرم كراء الأميال التي تعدى.
ولو أحدث في الأميال، التي تعدى فيها، بالدابة عيبًا تلزمه غرامة ما نقص، فإن بعض الأشياخ رأى أن هذا العيب إن كان بسبب التسيير لم يطلب بغرامتين: غرامة الكراء وغرامة النقص؛ لأن أحدهما قد تضمن الآخرَ.
فإن كان العيب من غير جهة التيسير 5 طلب بالأمرين: الكراء وقيمة العيب الذي حدث.
وهذا نحو ما نبهناك عليه من مراعاة تضمن شيء لشيء.
وإن كان بعض الأشياخ رأى أن المطلوب كراء التعدي، ولكن إذا استقر وعلم مبلغه قُوّم العيب الحادث، وحُطَّ من الكراء بمقدار ما حَطّ العيب من قيمة الدابة كلها.
فإن كان قُوِّم الكراء بخمسة دنانير، وحَطّ العيبُ الخمسَ من قيمة جميع الداب، 6 من الكراء خمسُهُ، لأن الدابة لا يضمن مَن سيَّرها متعديًا عليها جميعَ قيمتها 7 ثمَّ التعدي عليها لم يلزمه الكراء.
فكذلك إذا ضمن قيمة جزء منها لم يلزمه ما

ينوب ذلك من الكراء قياسًا للجزء على الكل.
وفي الموازية فيمن غصب دجاجة فحضن تحتها بيض غيرها، فإنه يطالبه صاحب الدجاجة بأجرة الحضانة.
وربما نقصت الحضانة من قيمتها.
وعارض هذا بعض المتأخرين، وأشار إلى أن الطلب بقيمة النقص الذي حدث لأجل الحضانة يعني 1 عن الطلب بأجرة الحضانة، لأن الأجرة داخلة في قيمة عين النقص الذي حدث لأجل الحضانة.
وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا أيضًا إشارة إلى 2 الغاصب لا يضمن جميع القيمة بالعيب اليسير إذا حدث في الشيء المغصوب.
وقد قدمنا الكلام على هذا.

والجواب عن السؤال الثاني عشر 3 أن يقال: أما خلط الغاصب ما غصب بشيء من مال نفسه، فإنه لا يخلو من أن يكون خلط بنوع آخر، أو خلط نوعًا بمثله.
ولا يخلو أيضًا هذان القسمان من أن يكون المختلط من مال الغاصب بالشيء الذي غصبه مما يمكن تمييز بعضها من بعض، أو لا يمكن.
ثم أيضًا يقسم ذلك كله على قسمين من جهة أخرى، وهو أن يكون المختلطان لا تفسد أحدُهما الآخرَ، أو يكون يفسد كل واحد منهما صاحبه، أو يختص الإفساد بأحدهما.
فإن خلط الشيء بخلافه، وهو مما يتميز، ولا يُفسد أحدهما الآخر، فإن الغاصب يكلّف تمييزَ بعضها من بعض، ليُمكنه ردّ ما غصبه بعينه على حاله.

وذلك كخلط جوز بقمح، أو رمان يجوز، أو تفاح بالترنج، فإن الغاصب يكلف تمييز ما غصبه مما خلطه به، ليتمكن من رده إلى صاحبه.
وإن لم يمكن التمييز إلا بخسارة إجارة، أو غير ذلك، فغرامة ذلك على الغاصِب، لأنه ظالم، وفعل في مال غيره، تعديًا منه، ما أحوجه إلى إجارة يغرمها في تمييزه.
ولكن يجب أن تُعتبر هذه المشقة في التمييز.
فظاهر مذهبنا أن المشقة إذا عظمت، والخسارة إذا كثرت، حتى كاد ذلك بري 1 على قيمة المخلوط، فإن ذلك يصيِّر المخلوط في معنى الهالك التالف، ولهذا قال أصحابنا: إذا خلط الغاصب قمحًا بشعير ضمن لصاحب القمح مثل قمحه، ولصاحب الشعير مثل شعيره.
ولم يقولوا: يُكلَّف الغاصب التمييزَ.
وبعض أصحاب الشافعي ذكر هذه المسألة، ومثل بالقمح والشعير، وجعل الحكم فيه التمييز.
وهذا عندي قد لا يختلف فيه، إذا عظمت المشقة حتى كاد التمييز يستحيل، أن ذلك في معنى الهالك.
وإن قلا 2 الطعام حتى يمكن تمييزه، ولكن بعد مشقة، فإن ذلك مما لا يمتنع أن يكون الواجب تمييزَه.
وأما إذا كان أحدهما يفسد الآخر، فوقع الإفساد فلا شك في التضمين، ووجوب الغرامة على الغاصب.
وإن لم يقع الإفساد، ولكنه تعدى في غلط 3 ما يسري إلى الإفساد، فضاع قبل أن يفسد، وليس بغاصب، فيضمن بمجرد الغصب.
فإن أشهب ذهب إلى تضمين هذا المتعدي في الخلط بمجرد الضياع وإن لم ينته الأمر إلى الفساد.

وأنكر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد هذا وقال: كيف يضمن، ومجرد الخلط لا يوجب ضمانًا والفساد لم يقع؟ وهذا الذي استبعده الشيخ أبو محمَّد من قول أشهب ربما ظهر له وجه يليق بالمذهب.
وقد ذكر في المدونة، فيمن اكترى على حمل دُهن، فشده الحمّال بحبال ضعيفة، فهلك وقد خرج به، ووصل العريش فهلك حينئذٍ، أنه يضمن قيمة 1 يومَ شدَّه لا يوم هلكَ.
وقدر أنه لما فعل ما تعرض به إلى هلاك الشيء صار ضامنًا له بتعريضه للهلاك وإن لم يهلك.
وقد يُقوَّى هذا القول بالمترقَّبات إذا وقعت كأنها واقهعة من يوم السبب الذي أوقعها، وحصلت عنده.
على أن مسألة العريش قد وقع فيها ما نتخوفه من الضياع بسبب قد تقدم.
والذي ذكره أشهب لم يقع بالتخوف منه من الإفساد بالخلط، لكنه إذا أضيف إليه التعدي لحصول السبب، صار ضامنًا وإن لم يحصل السبب.
على أن الذي قاله الشيخ أبو محمَّد أظهر.
وأما إن خلط الشيء بمثله، مثل أن يخلط زيتًا بمثله، فإن في هذا اختلافًا: هل من حق المغصوب منه الزيت أن يأخذ الزيت الذي غُصب له من عين هذا المخلوط، أو ليس له ذلك وإنما له مثل ما غصب؟ فمذهب أشهب أن له الأخذ من عين الزيت المخلوط و 2 يترك ذلك ويقبل ما يعطَى من غيره مما هو مثل ما غصب له.
وذلك أنه قال، في رجل خلط زيتين لرجلين غصبهما منهما جميعًا، فضاع بعض الزيت، قال أشهب:

هو ضامن لما ضاع ولما بقي، وصاحب الزيت إن شاء أخذ ما يقي من الزيت الذي لم يضع أو تركاه.
فجعل أشهب لهما الاختيارَ في أخذ حقهما من غير هذا المخلوط.
وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي.
وذهب الشافعي إلى أن الغاصب مخيَّر أن يعطي الزيت، إذا خلطه الغاصب بزيت نفسه، مكيلةَ ما غصب له من غير هذا المخلوط، أو يعطيَه مثله.. وسبب هذا الاختلاف أنه قد تقرر أن من غصب مكيلا فعليه مثله، وإن غصب عينًا وجب عليه ردَّها بعينها على الجملة.
فهل خلط هذا الزيت بغيره يصيّره كأنه ليس بعين الزيت المغصوب، لأنه إذا أعطى صاحبَ الزيت المغصوب من الزيت المخلوط فإنه لم يعط عين زيته صار كمن غصب زيتًا مكيلًا فأكله، فإنه مثله 1. وقدر أشهب وبعض أصحاب الشافعي أنه معلوم قطعًا أن عين الزيت المغصوب لم تذهب عينه، وإنما اختلط بعين أخرى على وجه لا يتميز بعضها عن بعض، فإذا امتنع المغصوب زيته أن يأخذه من عين هذا الزيت المختلط، مع العلم بأن الذي يعطاه فيه آخرًا هو عين زيته، كان تمكينه من هذا أوْلى من صرفه عن عين زيته إلى مثله، هذا إذا تساوى الزيتان في الطيب.
وأما إن كان أحدهما أجود من الآخر مثل أن يغصب الغاصب زيتًا جيدًا فيخلطه بزيت دنيء أو يغصب زيتًا دنيئًا فيخلطه بزيت جيد، من زيت هو له، فإن الحكم، على أصل مذهبنا، أن يغرم مثل الذي غصب كان أدنى من زيته أو أجود.
وقال ابن القاسم من غصب قمحأ فخلطه بشعير له، إنه يضمن مثل

المغصوب.
وقدر أن خلط الجيد 1 والدَّني بالجيد كفوت العين، والعين إذا فاتت غرم مثلها.
وقال بعض أصحاب الشافعي: أما إن غصب زيتًا دنيئًا فخلطه بزيت جيد من زيت له، فإن له أن يعطي المكيلة المغصوبة من غير هذا الزيت المخلوط.
ويجبر صاحب الزيت المغصوب على ذلك منه لأنه أُعطي أفضل مما أُخذ له.
ولم يراع من ذهب إلى هذا المذهب أنه صار كالواهب لغيره، فلا يجبر الموهوب له على قبول الهبة، لأجل أن الجودة الحادثة في الزيت الدّنِيّ المغصوب لسبب 2 بعين متميزة فيقدر أن من حق الموهوب ألاّ يقبلها، وإنما هي كصفة حدثت في المغصوب زادته جودةً، فإذا سلمها الغاصب فلا يُمكّن المغصوب له من الامتناع من القبول.
وإن امتنع الغاصب من أن يعطي المغصوب له من عين هذا الزيت لم يجيز 3 على أن يغرم للمغصوب له من هذا الزيت.
ولم يلتفت أيضًا صاحب هذا المذهب إلى الغاصب كمحدث صفة في الشيء المغصوب ليست بتميزه 4، ولا عين (4) قائمة، فيكون له أخذ المكيلة التي غصبها من عين هذا الزيت، وإن امتنع الغاصب من ذلك، كما نقول نحن فيمن غصب دارًا فزوّقها: إن صاحب الدار يأخذها بتزويقها، وليس للغاصب أن يمنعه من ذلك.
وكما نقول، في أحد القولين، فيمن غصب ثوبًا فصبغه: إن لصاحب الثوب أن يأخذه، من غير أن يغرم عوض الصباغ.
وعندي أن أصحاب هذا المذهب مذهبهم أن تزويق الغاصب لا يُؤخذ منه بغير عوض.
ولو كان الغاصب غصب زيتًا جيدًا فخلطه بزيت دنيء لكان الخيار ها هنا للمغصوب منه الزيت، عند هؤلاء، إن شاء 5 عن جود زيته، وأخذ من غير 6

هذا المخلوط، وإن شاء لم يعف وغرم للغاصب مكيلة زيته في جودته.
ومن أصحاب الشافعي من يرى في المسألتين جميعًا أن الزيت المختلط يباع ويقسم ثمنه على نسبة القِيَم الجيّد والدّنيء من الزيتين.
وهذا قول ابن القاسم في غاصب غصب قمحًا من رجل وشعيرًا من آخر فخلطهما جميعًا، ورفع الضمان عن الغاصب، فإنه يباع الطعامان، ويقسم ثمنهما على قيمة القمح، فإن كان قيمة القمح دينارين، والشعير دينارًا، بيع المختلط وقُسم على الثلث والثلثين.
وهذه المسألة مشهورة 1 عندنا الاختلاف في حكمها، ووقعت فيها من الروايات ألفاظ قد يشكل بعضها، ويوهم أن يكون خلافًا.
وتلخيصها أنّ 2 صاحب القمح والشعير إذا أَراد أن يستبدّ بالمخلوط ولا يُغرم كلُّ واحد منهما الغاصبَ بمثل ما غصب له، فإن هذا لا يمكَّنان منه عند سحنون ويمكنان منه عند ابن القاسم وأشهب وقد تأول سحنون على أشهب أنهما 3 يمنعهما من رفع التعدي، من مسألة سنذكرها.
ووقع لأشهب أنهما إذا رفعا التعدي، وتضمين الغاصب، اقتسما المخلوط على مقدار كل واحد منهما، إذا رفعا العداء تراضيًا بذلك؛ لأنهما إن اقتسماه على التفاضل ووقعا 4 في الربا وبيع الشعير بالقمح والقمح بالشعير متفاضلًا، وذلك لا يجوز.
فإن رفعا العداء على أن يكونا شريكين بقيمة مالك ل واحد منهما لم يجز ذلك عند أشهب، وأجازه ابن القاسم قولًا مطلقًا.
لكن تأوله الأشياخ على أن المراد بإجازة ذلك حصول الشركة في المختلط لا أكثر، ولكن المفاضلة فيه بالتقويم على أنه لا يباع يوقع في الربا، كما قدمناه، والشركة فيه على أنهما يقتسمان ثمنه بعد عينه 5 على حسب القيم

لا ربا فيه.
ويؤكد ما تأولُوهُ أن ابن القاسم على ما رواه أبو زيد عنه، أن هذا المختلط يباع ويقتسمان الثمن على القيم.
وروى عيسى عنه في العتبية، فيمن خلط قمحًا بشعير تعديًا، وذهب فلم يُعرَف، قال: يباع ويقسم الثمن على القيمة.
واستحب أن لا يقسماه على الكيل.
فأما سحنون فإنه لما منعهما من رفع التضمين للغاصب إلى أن الخلط كالإِفات للعين، فإنما يجب لهما على الغاصب مثل ما تلف على كل واحد منهما، ولا يلزم تسليم المختلط لأنه صار بالخلط كالفائت العين، ولهذا قال سحنون، فيما ذهب إليه: والتمثيل لهذه المسألة في رجل غصبه خشبة، وغصب نجارًا عملها: أن النجار وصاحب الخشبة لا يكونان شريكين فيهما، وإنما الواجب فيها القيمة على الغاصب.
فهذا قد يشير إلى منعهما من رفع العداء لحق الغاصب ألاّ يُؤخذ منه غير ما وجب عليه.
وعند ابن القاسم وأشهب أن التضمين للغاصب حق لهما، ومن له حق فله إسقاطه.
وان تصوِّر في هذه المسألة، مع كون الحق لهما في التضمين، حقُّ الله سبحانه، فإنما يُتصوَّر ذلك في أنهما إذا ملك كل واحد منهما أن يأخذ مثل ما أُتلِف عليه، فعدل عن ذلك إلى القناعة بأن يباع المختلط ويأخذ من ثمنه بمقدار قيمة ما أُتلف عليه، صار ينتقل عن معلوم يأخذه إلى مجهول، وهو الذي ينوبه في التقويم، ومن ملك معلومًا فليس له أن يعدل عنه إلى مجهول، لأن ذلك غرر، والغرر ممنوع.
على أن هذا الأصل فيه اضطراب في المذهب، فمن ذلك ما ذكروه في الاستحقاق لأكثر الثياب المبيعة: أنّ المشتري له رد بقية الصفقة، ويأخذ ثمنه الذي هو معلوم، وليس له التمسك ببقية الصفقة لقيمة 1 ما تمسك به، لأنه انتقل من أخذه الثمن المعلوم إلى تمكينه بقيمة مجهولة.. هذا هو المشهور.
وإن كان عندنا فيه خلاف.

ولو ضمن الغاصب أحد هذين الرجلين مثل ما خلط له، وقال الآخر: أَبْقَى معك شريكًا، ولا أُزَال عن عين مالي، فقد وقع لأشهب أن هذا لا يمكن من الشركة.
وظاهر قوله أن ذلك لأجل حق الغاصب ألا يشاركه في المختلط وإنما له بعضه.
ووقع في غير هذا الموضع ما يشير إلى أن ذلك ممنوع لحق الله تعالى.
ولو قال أحدهما لصاحبه: أنا أغرم لك مثل ما خلطه الغاصب، وآخذ المختلطَ كلَّه، فإن أشهب قال: لا يجب ذلك في القضاء ولكن بالتراخي 1 يباح لهما.
قال يحيى بن عمر: على أنهما لا يفترقان قبل التقابض.
ووقع لأشهب في موضع آخر أن ذلك لا يُعلم ولا يَجوز لأن هذا إنما رفع الضمان عن الغاصب أن يأخذ بدل قمحه قمحًا وشعيرًا، ويغرم عن الغاصب لصاحب الشعير الذي أُتلف عليه.
فأشار إلى أن للبارى سبحانه في ذلك حقًا.
ولا يتصور للبارى سبحانه في ذلك حق عندي، إلا من ناحية الانتقال عن معلوم إلى مجهول، أو من ناحية الوقوع في التفاضل الذي هو ربا محسوس، أو الربا المقدّر في منع نوع بنوع آخر، على ما بسطناه في كتاب السلم، ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في كتاب الوديعة إن شاء الله تعالى.
ومما يلحق بما نحن فيه، وإن كنا قد تكلمنا عليه في جملة أجملناها: من غصب ثوبًا فصبغه، فإنه إن كان الصباغ إذا غُسل خرج منه ما يَنتفِع به الغاصب، وطلب الغاصب استخراجه، فإنه يمكّن من ذلك، ولكن لرب الثوب أن يدفع إليه قيمة ما يستخرج من الصباغ، ويبقى ذلك في ثوبه، وإذا كان لا منفعة له في ذلك 2. وهكذا قال ابن مسلمة، من أصحابنا، وهو قياس المذهب، ألا ترى قولهم في غاصب غصب أرضًا وبنى فيها بناء: إن لرب الأرض أن يأمره بقلعه، وإن شاء أعطاه قيمة البناء مقلوعًا، بعد أن يحطّ أجر القلع، لئلا يكون الغاصب

(قد أبطل تلفيقًا له قيمة ولا منفعة له في إبطاله) 1 ولصاحب الأرض به انتفاع إن بقي، وهذا إضرار لا يمكّن منه، ولصاحب الأرض أن يقبل هذا الإضرار ويأمره بإزالة ما بني في أرضه.
وإن كان الصبغ لا يُنتَقَص منه شيء إن غُسل ففي ذلك اختلاف في المذهب: المشهور عن ابن القاسم أن ذلك ليس بفوت للثوب المغصوب، ولصاحب الثوب أن يأخذه.
وروي عن ابن القاسم أن ذلك كالفوت، وللغاصب أن يعطي لرب الثوب قيمته غير مصبوغ، على حسب ما أخذه وكأنه قدر أن ذلك كالفوت لعين الثوب.
واعلم أنه لا بد ها هنا من بيع ملك أحدهما على صاحبه مراعاة لملك الآخر، فأيّ الملكين أو لا 2 أن يباع على صاحبه؟: المشهور من المذهب أن مالك 3 الغاصب هو الذي يباع عليه، ويؤخذ منه باطلًا 4 بغير عوض، لأجل أنه عِرق طالق 5 والغاصب الذي غصب ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولقوله عليه السلام: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 6 وكأن من ذهب إلى أن ذلك فوت في الثوب غلّب ها هنا حق الغاصب في أنْ لا يباع عليه، أوْ يُفْعل به ما هو أشد ضررًا، وهو أن يُؤخذ منه الصباغ باطلًا بغير عوض، لأجل أن الثوب قد تغير بفعل الغاصب أخيرًا أنال 7 المنفعة

المقصودة منه وهو اللبس، والجمهور لا يلبسون الثياب المصبوغة إلا بعض الأقطار.
لما رأى الشافعي التفاوت بين هذين الحقين لم يبع على صاحب الثوب ثوبه بغير اختياره، ولا على الغاصب صبغه بغير اختياره، فقال: إنهما شريكان في الثوب المصبوغ: صاحب الثوب بقيمته أبيضَ، وصاحب الصبغ بقيمة صبغه.
وإذا قلنا بالمشهور من مذهبنا، وهو أن حق صاحب الثوب مقدم في أن لا يزال ملكه من يده بغير اختياره فإذا مكناه من أخذه فهل عليه أن يبذل عوضًا بدل الصبغ؟ اختلف المذهب فيه: فقال ابن القاسم: عليه أن يبذل عوضًا عن ذلك.
وعلى ما كنا حكيناه عن المبسوط من أنه إذا كانت المنفعة كثيرة لم يأخذه حتى 1 عوض الصنعة، أو يكونا شريكين.
وكأنه ها هنا 2 بين اليسير والكثير تغليبًا لأحد الضررين ففي الإنفاق الكثير يشتد الضرر بالغاصب إن أُخذت صبغته بغير عوض، وفي اليسير يخف ذلك.
وكأن من قال لا يأخذ الثوب حتى يأخذ قيمة الصبغ قدّر ذلك كعيْن قائمة، ولكنها، مع كونها عينًا قائمة، لا تتميز عن الثوب المغصوب، فهل يجب على آخذ الثوب عوض هذه العين بأن كانت لا تتميز، كما يجب عليه إذا أبقى بناءَ الغاصب في أرضه أن يعطيه لكونه عينًا قائمة؟ ولكنه يمكن ها هنا تميزه عن الأرض.
أو يقال: إن الصبغ، وإن كان عينًا قائمة لا تتميز، فأشبه ما فعله الغاصب من الآثار التي ليست يأعيان كتلفيق 3 البناء والتزويق والتجصيص وشبه ذلك، فإنه لا يُعطى الغاصب عوضه.
ولو غصب الغاصب ثوبًا من رجل وغصب منه نيلًا فصبغ به الثوب لكان

من حق صاحب الثوب والنيل أن يطلبه بعوض كل واحد، ويأخذهما بأعيانهما، ولا يدفع إليه الصبغ لأنها كأخذه التلفيق في الحجر إذا بناه.
وإن طلب أخذ العين، وقيمتها ناقصة عن قيمة كل واحد من الصباغ والثوب إذا جمعا، فهل له طلب النقص في أخذ العين؟ يجري على الخلاف، الذي قدمناه، في غاصب غصب عبْدًا، أو 1 طرأ عليه نقص يسير، فطلب أخذ عينه فهل له مطالبة النقص أم لا؟ فيه القولان المتقدمان.
ومما يلحق أيضًا، لو غصب أرضًا فبنى فيها، أو غرسها، فمذهبنا أن لصاحب الأرض أن يأمر الغاصب بالقلع، أو يعطيه قيمة النقوضر بعد أن يحط أجر القلع.
وعند أبي حنيفة أن الغاصب يملك الأرض بغراستها وبنائها، وتلزم قيمتها، بناءً على أصله أن الأرض قد فاتت، فعليه عوضها لتغيّر الاسم، كانت تسمّى براحًا أو أرضًا، فصارت تسمى دارًا أو بستانًا.
والمنفعة المقصودة أيضًا قد تغيّرت.
وقد مضى الكلام على هذا وضبط مذهب الشافعي فيه.
ولو أن الغاصب لما غصب الأرض حفر فيها بئرًا، أو مطمورًا، فإن لرب الأرض، إذا استحقها منه، أن يأمره بردم ما حفر ليزيل ضرر الحفر عنه، وله أن يُبقي الحفر ولا يطالبه بردْمه.
(ولو قال له الغاصب: لا بد أن تردمه وإن لم تختر صاحب الأرض) 2 فإن ظاهر مذهبنا، ومذهب بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يمكن من ذلك، إذ فيه زيادة إضرار به من غير غرض له في ذلك، وربما مُنِعَ صاحب الأرض من غرضه ومنفعته ببقائه محفورًا.
ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن من حق الغاصب ذلك، وصور له

في ذلك غرضًا بأن قال: قد يسقط إنسان أو بهيمة فيُطلب الغاصب بضمانه.. ونوقضوا هؤلاء في هذا بان قالوا: لو غصب نُقْرة فضة، فصنعها دراهم فأراد رب الدراهم أخذها، فمنعه الغاصب من ذلك، وقال: لا تأخذها حتى أسيّلها، وأردّها نقرة كما كانت.
فإنه لا يمكّن من ذلك لأنه إضرار بمالك الشيء من غير عوض الغاصب 1 في ذلك.
وأجابوهم عن ذلك بأن حفر البئر قد بينا أنه قد يتصور للغاصب غرض ومنفعة في ردمه، ورد الدراهم نقرة لا يُتصور فيها غرض أصلًا.
على أنه قد يجابوا عن غرض الغاصب بأن يقال: إذا رضي صاحب الأرض ببقائها محفورة، والتزم ضمانَ ما سقط فيها، فقد يرتفع ما صورتموه من غرض الغاصب في ردمها.
وهذا أيضًا فيه اضطراب من أصحاب هذه الطريقة في رفْع عوض 2 الغاصب بانتقال الضمان عنه إلى صاحب الأرض.
والكلام فيه يتسع في اشتراك رجلين في فعل أتلف حيوانًا، أحد الفعلين مباشر للتلف، والآخر سبب في التلف.
(وقد يقال الغاصب قد نطلب ولا ينفعني ضمانك لقيتك أو يقرك) (2). ولو كان الذي حفر البئر والمطمر حفر ذلك بوجه شبهة في أرض اشتراها، فإنه إذا استحقت من يديه طلب المستحقّ بقيمة ما أحدث فيها.
ولكن الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، رحمه الله، حمل هذه الرواية على أن المشتري طَوَى التي حفر بحجارة فهي التي تقوَّم.
وخالفه بعض المتأخرين، ورأى أن المشتري له المطالبة بقيمة ما فعل في ذلك من منفعة وعمارة بخلاف الغاصب.

وهذا الاختلاف عندي يرجع إلى اختلاف المتقدمين من أصحاب مالك في مشتر اشترى قمحًا فطحنه فأخذه المستحق من يده، فقيل: ليس على المستحق أجرة الطحن، لأنه ليس بعين.
وقيل: بل عليه أجرة الطحن.
وسنبسط هذا في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثالث عشر 1 أن يقال: إذا غصب مسلم من مسلم خمرًا فأراقها، فلا ضمان عليه، لأنه فَعَل الواجب من الإراقة التي كان مخاطبًا بها مَن هي في يديه.
ولو أمسكها حتى تخللت لوجب عليه أن يردها لمن غصبها منه، لأنها، وإن كانت حين الغصب حرامًا، ليست بمال للمسلم الذي غصبت منه، فقد عادت خلاًّ إنما 2 يتمولها المسلم الذي غصبت منه، فوجب أن يرد إليه.
ومن متأخري حذاق الأشياخ من خرج فيها خلافًا فقال: من أوجب من أصحابنا إراقتها وإخراجها من يد المسلم، ومنعه من إمساكها ليخللها، أشعر ذلك بأنه غير (جائزاها) 3 ولا يد له عليها، فإذا غصبها منه مسلم عنده بقيت ملكًا للمسلم الغاصب الذي تخللت عنده، لأنها، وإن لم يصح وضع اليد عليها وإمساكها للتخليل لا للأول ولا للثاني، فإنّها، يوم صارت خلًا، يصح حوزها وبقاء اليد عليها، فصار الغاصب التي هي تحت يديه يوم تخلّلت كمن وضع يده على طائر لا يحوزه أحد.
فأما من لم يوجب إراقتها على من حبسها للتخليل فإنه يقدّر أن من هي في يديه حائز لها، فإذا تخللت في يد الغاصب رُدت إلى الحائز الأول.
وهذا الذي قاله هذا الشيخ أبو الطيب عبد المنعم ينظر إلى ما اعتل به

ابن القاسم لما قال: إن مالكًا قال إن احتوى عليها فخللها فإنه يتملكها.
وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد، رحمه الله،: إنما كانت، إذا تخللت، لمن غصبت منه، لأن الغاصب لم تكن له فيها صنعة توجب أن يملكها بها.
وهكذا يقول الشافعي إنها ترد إلى الأوّل.
وقد ذكرنا نحن مذهبه في أن التغيير في يد الغاصب لا يرفع حق صاحب الشيء من أن يأخذ عين ملكه.. وذكرنا عن أبي حنيفة أنه متى تغير الشيء في يد الغاصب تغيّرا تغير به اسمه والمنفعة المقصودة منه، وضمنه بالقيمة، فإنه يتملك بذلك، ويسقط حق صاحبه في طلب عين هذا الذي غصب فتغيّر.
لكنه ها هنا وافقنا في هذه المسألة، ووافق الشافعي فقال: إن الخمر تبقى للغاصب.
بناء منه على ما أشرنا إليه من أنها لما كانت 1 تحل، ولا تتملك، ولا يجب على الغاصب لها من مسلم بذلها، بقيت 2 إذا تخللت.
بخلاف لو غصب عصيرًا فخلّله، فإنه يكون النحل له، ويجب عليه بذلُ 3 العصير؛ لأن العصير مما تجب غرامته على الغاصب، وقد تغير في يديه، فبقي المتغير له، ووجب عليه بذل (3) الأصل، وهو العصير.
وعندنا نحن: أن صاحب العصير غير بين أن يعطي بدله 4، ويَبقى النحل للغاصب، ويأخذه 5 من يد الغاصب، على إحدى الطرق التي قدمناها فيمن غصب قمحًا فطحنه، أو شيئًا يُقضَى فيه بالمثل، فخيرّه، أو ما يقتضى فيه بالقيمة فغيّره.

ومما يلحق بما نحن فيه إتلاف الغاصب ما لا يحل بيعه.
فقد بينا حكم غصب مسلم من مسلم خمرا.
ونتكلم الآن على غصب المسلم ذمّيا خمرًا فأتلفها عليه.
فالمذهب عندنا على قولين عن مالك وغيره من أصحابه: أن المسلم يضمن للذمي ما تلف عليه.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال إن 1 الشافعي: لا يضمن له ما أتلف عليه مما لا يحل تموله في شرعنا.
وبهذا أخذ عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك.
والذي يولغ 2 به في المذاكرات في هذه المسألة: أن الاختلاف مبني على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو غير مخاطبين، مع إجماعهم على أنهم مخاطبون بالإيمان بالله ورسوله؟ فمن يرى أنهم غير مخاطبين، والتحريم في فروع شريعتنا، اقتضى ذلك ما قاله مالك وأبو حنيفة من أن من أتلف من المسلمين على ذمي خمرًا أوخنزيرًا فإنه يغرم له قيمته، كما لو أتلف عليه ثوبًا من ثيابه، أو عبدًا من عبيده.
ومن يرى أنهم مخاطبون بفروع الشريعة اقتضى ذلك ما قاله الشافعي وعبد الملك من أن المسلم إذا أتلف على ذمّي خمرا أو خنزيرًا فإنه لا يضمن ذلك له، لأنه إنما أتلف عليهم محرمًا عليهم، فلا يضمنه، كما لو تلف 3 على مسلم خمرا.
هذه طريقة أشياخنا.
وأما البغداديون، من أصحابنا، فإنهم يحابون 4

أصحاب الشافعي بظواهر، ويحاجهم أصحاب الشافعي بظواهر أيضًا، واستدلالات منا ومنهم.
فيُخَصّ أصحاب الشافعي المسألة بعينها يكون الآية التي نزلت في تحريم الخمر إنما هي مقصورة على المسلمين لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ 1 الآية وما بعدها.
فعلّق التحريم بالمؤمنين، وأيضًا قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (1) وإنما يُرجى الفلاح باجتنابه من المسلم لا من الكافر، لأنه ما دام باقيًا على كفره دهو غير مفلح، وإن لم يشرب الخمر.
وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ 2 إنما يكره وقوعها بين المسلمين، وأما ما بين الكافرين فإنما يجب 3 وقوعها بينهم ليشتغلوا بما بينهم من الفتن عن المسلمين، وقد قال تعالى في آية آخرى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 4 فجعل هذا أحد عقوباته.
وأيضًا قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ 5 والكافر لا يصلي لأجل كفره، ان لم يشرب الخمر، والمسلم يصلي ولكن يصده السّكر عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
واحتج أصحابنا بأن عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه: أن الذمي يمر بنا ومعه التجارات والخمر.
فأجابه عمر رضي الله عنه: "ولُّوهم بيعها، وخذوا العُشُر من أثمانها" فسمى فعلهم بيعًا، فلولا أنهم يتملّكونها لم يوقِع عليها اسمَ البيع.
وأيضًا فإنه قال "ولّوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" فسمى ذلك ثَمنًا، والثمن لا يكون إلا فيما يُتملك.

وأيضًا فإنهم يتصرفون فيها بشربها وبيعها من بعضهم بعضًا، ولا ينكر ذلك عليهم أحد، فلولا أنها مما يتموّلونها ما أُقِرّوا على ذلك.
وأيضًا من جهة الاستدلال: إنه إنما يعتبر اعتقاد الإباحة، وجواز التملك، في حق المتلف عليه لا في حقال في أتلف، ألا ترى أن نَصْرانيًا لو أتلف على مسلم مصحفًا، لضمنه له، وإن كان الذمي لا يعتقد أن للمصحف قيمة.
وإذا أتلف المسلم على ذمي خمرًا، فاعتقاد المسلم أن ذلك محرم ولا قيمة عليه لا يُعتبَر، وإنما يعتبر اعتقاد الذمى أن الذي أتلف عليه مما يُتملك وله قيمة.
فإن قيل: ينتقض هذا عليكم بعبد كافر في يد رجل كافر، فأسلم العبد فلم يبعه على الكافر حتى ارتد، فقتله مسلم بعد ارتداده ورجوعه إلى ملة سيده، فإنه لا يضمنه، ولم يُعتبر ها هنا اعتقاد المتلَف عليه؛ لأن سيده عنده أنه قد أصاب وأحسن في رجوعه إلى دينه.
وانفصل عن هذا بأن العبد لما ارتد هتك حرمة نفسه، وحرمة سيده، وأباح مهجة نفسه لأجل ما فعل، فلهذا لم يضمنه قاتله، والخمر إذا كانت في 1 نصراني فهي مما يتصور (أن تبيح نفسها ومالكها أيضًا لم يبحها) 2، فلهذا أوجب ضمانها، بخلاف العبد إذا أسلم ثم رجع إلى الكفر.
ويستدل الشافعي أيضًا بأن النبي عليه السلام: "إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه وحرم الخنزير والخمر" 3 كما أن الثمن بدل منه.
وهذا يجاوب عنه بأن الثمن عبارة عما سلّمه مالكه طوعًا منه على أن يسلم إليه عوضًا منه، وأما الاستهلاك فهو بغير اختيار المالك، وإذا كان بغير

اختياره لم يتعلق به تحريم، بخلاف الثمن الذي فعله باختياره وقد تعلق به التحريم.
ألا ترى أن أم الولد لا يحل بيعها وأخذ ثمنها، ومن قتلها غرم قيمتها لسيدها فقد صار الثمن ها هنا محرمًا، والقيمة غيرَ محرمة.
وكذلك لو أحرم رجل 1 في بيته صيدًا ما جاز له أن يبيعه ويأخذ ثمنه مِمّن يذبحه، أو 2 ذبحه ذابح بغير اختياره لغرم له قيمته.
ومما يلحق بهذا أن من غصب حرًا فباعه فإنه إذا غاب به مشتريه، وطُلِب فاُيس من وجوده، فإنّ غاصبه يضمن ديته لأهله هكذا قال في كتاب ابن حبيب.. وقد تقدم ذكرنا الخلاف فيمن غصب أم الولد، وأن ابن القاسم يرى أنه يضمن قيمتها على أنها أمة إذا فاتت في يده.
وسحنون لا يضمّنه قيمةً، قال: كالحرة إذا غصبت.
ومراده أنه غصب منافعَها لا رقبتَها، وغصْب منافعها لا تُضمن به رقبتُها.
ومما يلحق بهذا غصب جلْد ميتة، فإن ابن القاسم يوجب على مستهلكه قيمته، دُبغ أو لم يدبغ.
وحكىَ أبو الفرج عن مالك أنه إذا لم يدبغ فإنه لا يضمن مستهلكه فيه شيئًا، وهكذا في المبسوط.
وأما إن دبغ فإنا إن قلنا بجواز بيعه، وأن الدباغ يطهره الطهارة الكاملة، فإنه يقوّم على أنه يجوز بيعه.
وإن قلنا: بيعه لا يجوز، وإنما تفيد الطهارة جوَازَ الانتفاع به، فإنه يقوم على أنه لا يجوز بيعه.
وذكر في المبسوط أنه إذا دبغ فإن مستهلكه إنما يغرم قيمة ما فيه من الدباغ.
وكأنه رأى أن عيْن الجلد نجِسة، والنَجس لا يباع، والدباغ كالساتر لنجاسته، وهو حلال، فهو الذي يقوّم.
وهكذا الرَّجِيع، الذي تزول 3 به الأرض، إذا أتلفه متلف، جرى على حكم جلد الميتة إذا لم يدبغ.

وكذلك الكلب المباح اتخاذه إذا قُتِل ظلمًا فإن على قاتله قيمتَه مطلقًا، أو على أنّ بيعه لايحل.
وكذلك التمر والزرع، إذا لم يُزْهَ، وأتلفه متلف، فإنه يغرم قيمته، على الرَّجاء والخوف، رجاء أن يسلم من العطب إلى أن يصير تمرًا، أو الخوف أن يعطب قبل ذلك.. وقال في ثمانية أبي زيد فيمن غصب جرة عصير، وقد صار فيها مبدأُ التخليل: يضمنها على رجاء أن تصير خلاّ، أو لمخافة أن تعطب قبل ذلك.
وجعلَها كالثمرة إذا أُتلفت قبل الزهوّ.

والجواب عن السؤال الرابع عشر 1 أن يقال: كنا قدمنا الكلام على الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وذكرنا نكتًا من حِجاج المختلفين في أصلها، وإن كان الترتيب يقتضي تقديم ما نقول ها هنا إلى ما أشرنا إليه أنه نسق، ونؤخر ذلك المتقدم إلى هذا الموضع ولكن قطع عن هذا الترتيب قاطع.
فاعلم أن من غصب عبدًا فأبق من يده، أو دابة فهربت له، أو سلعة خفي عنه مكانها لما طُلب بها، فتلزمه القيمة والضمان، لأجل تعدّيه فيما وضع يده عليه، فحكم عليه بغرامة القيمة.
ثم تمكن بعد أدائها من العين المغصوبة، فإن مذهب مالك وأبي حنيفة أن غرامة القيمة، التي قضي عليه بها، تصيّره مالكًا للعين، حتى إذا غرم قيمتها، للعجز عن ردها إلى صاحبها إذا قدر على ردها، فإن ذلك لا يبطل الحكم بالقيمة، بل يمضي عليها، إلاّ أن يتراضيا جميعًا على نقض هذا الحكم، بأن يرد صاحب السلعة السلعة المغصوبة إلى ربها، ويُقضى لصاحب السلعة المغصوبة بردها عليه، ويقضي عليه برد القيمة الذي 2 أخذ،

إلا أن يستأنفا تراضيًا منهما على ما يجوز.
وهذا إذا كان الغاصب لم يخف السلعة، وظهر أنه إنما امتنع من ردها على صاحبها عجزًا منه على ذلك، لا إخفى 1 للسلعة، ورغبة فيها، حتى يكون كالمكرِه لصاحبها على أخذ بدلها عوضًا عن عينها.
وكان بعض أشياخي يرى أنه إذا لم يعلم كون الغاصب قد عجز عن ردها، ولم يكن أكثر من دعواه أن العبد أبق، أو السلعة خفيت عنه، ثم وجدت في يديه، فإنه لا يصدق في: إني قد كنت عجزت عن ردّها على صاحبها، وتعذر ذلك عليّ.
وهذا بناء منه على استصحاب الحالين، فحاله الأولى كونها في يديه، فصار مدعيًا لخروجها من يديه.
والحالة الثانية كونها الآن بعد غرامته القيمةَ، ظهرت في يديه، فيُحمل على أنها كانت كذلك فيما سبق من الزمان.
وهذا عندي مما ينتظر 2 فيه.
وظاهر كلام أشهب أنه إذا اتُّهم بالإخفاء حلَف أنه لم يخفها.
وكأنه رأى هذا لأنّ القيمة إنما يقضى عليه بها بناءً على تصديقه فيما ادعاه من العجز عن ردها.
فإذا بُنيَ الأمر على ذلك، فإن حَمَله على أنه أخفاه حلف حينئذٍ لمقتضى الحكم بالقيمة.
وإذا تحقق أن الغاصب أخفاها، وثبت ذلك، فإنه لم يختلف مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة في أن الحكم بالقيمة ينتقض إذا طلب صاحبُها نقضَه، وأخْذَ السلعة من يد الغاصب، لِمَا نبهنا عليه من كونه كالمكرَه على بيعها بالقيمة، والمكرَه بالبيع لا يلزمه البيعُ.. ونحن، وإن كنا وافقنا أبا حنيفة، في أن الحكم لا ينتقض فإنا نخالفه في المشهور من مذهبنا في فصل آخر، وهو أن الغاصب إذا ادعى عجزَه عن ردها، وظهر صدقُه فغرم القيمة، على ما وَصف السلعةَ المغصوبة به، وحلَف على ذلك، وقد خالفه رئها على الصفة مثل أن يزعم الغاصب أنها على صفة تساوي

عشرة دنانير، فيقول صاحبها: بل هي على صفة تساوي عشرين دينارًا، فإن الغاصب إذا غرم عشرة دنانير قيمتها، ثم ظهرت، فتبين كذبُه، فإن المشهور من مذهبنا أن الغاصب إنما يلزمه إكمال القيمة الحقيقية، وهي عشرة دنانير التي جحدها، ويصير كأنه لم يُخْفِ العين بنفسها، فيلزمه غرمها إذا ظهرت، وإنما أخفى بعضَ صفاتها، وجحد بعضَ ثمنها، ويكون ما سواه قد مضى الحكم فيه بالقيمة، وما كذب عليه فيه غرم قيمته.
وهذا تغليب لما قابل القيمة الحقيقية فينفذّ فيه ملكا لغاصب.
ويستحب 1 هذا الحكم والتمليك على الجزء الذي جحده الغاصب.
وعند أبي حنيفة أنه يُنقض الحكم بالقيمة، ويَرُد صاحبُ السلعة القيمةَ التي أخذ، ويأخذ عين سلعته.
وأجرى جحود بعض صفاتها مجرى إخفائها بجملتها، حتى يصير مكرَها على بيع ما نجحده من صفاتها، كما يصير مكرَها على البيع إذا أخفاها بجملتها.
وهذا كتغليب حكم الجزء المجحود منها على الجزء المبيع بالقيمة الحقيقية.
وقد وقع عندنا اضطراب في المذهب في تغيير 2 الأثمان بالزيادة والنقصان، هل ذلك كتبدّل الأعيان أم لا؟ وقد نبهنا عليه في كتاب الوكالات.
وقد وقع عندنا في المبسوط في هذه المسألة مثلُ مذهب أبي حنيفة أن جحود بعض صفات السلعة المغصوبة كإخفائها بجملتها.
بناء 3 من قال هذا من أصحابنا على ما قدمناه في تعليل مذهب أبي حنيفة.
واعلم أن هذه المسألة مبدأ النظر فيها أن تَعلم أن كل عوض لا بدّ له من (معنا بل له) 4 في المعاوضة حتى يكون أحدهما ثمنًا والآخر مثمونًا أو

كالمثمون، ألا ترى أن من اشترى سلعة بثمن فإنه من ضرورة هذا العقد أن يكون لثمنه الذي يَدُل 1 عوض، وهو السلعة المبيعة، فكذلك إذا أخذ من الغاصب القيمة، فلا بد أن يجعل في مقابلتها عوضًا منها.
فنحن وأبو حنيفة نرى أن عوض قيمة العين المغصوبة و 2، إذا ئذلت دنانير في مقابل سلعة صح أن باذل الدنانير قد ملك السلعة بما بذل، وإذا كان قد ملكها فلا ينتقض هذا التمليك بقدرته على ردّها على صاحبها بعد أن كان عاجزًا عن ذلك.
ويقول الشافعي: إنما هذه القيمة المأخوذة من الغاصب في مقابلة الحيلولة التي فعلها بمالك السلعة، وحال بينه وبينها، ومنعه من الانتفاع بها.
وهذه الحيلولة ليست بسلعة تُملك، فإذا ذهبت الحيلولة، وهي العلة في أخذ القيمة، لم يصح التمليك للسلعة ولا كانت السلعة ملكًا للغاصب حين غرم القيمة.
وإذا لم يكن له ملك حين غرم القيمة، فإذا ظهرت بقيت على ملك ربها.
وترددت المسألة بين مسألتين أيضًا، وهي أن المتيمّم، لعجزه عن الماء، إذا تيمم ثم وجد الماء انتقل الحكم إلى حال القدرة على الماء، وبطل ما تقدم من التيمم للقدرة على الأصل الذي 3 معجوزًا عنه.
فكذلك الغاصب العاجز عن رد السلعة المغصوبة إذا أخذ منه القيمة لعجزه عن الردّ، فإذا قدر على الرد الذي هو الأصل انتقل الحكم إليه.
في مقابلة هذا أن المُظاهِر إذا عجز عن عتق رقبة، وصام إن قدر، أو أطعم إن لم يقدر، ثم وجب 4 رقبة، فإنه لا يجب الرجوع إلى الأصل الذي كان معجوزًا عنه.
ورد هذه المسألة إلى هاتين المسألتين ضعيف، لأنهما عبادتان، وحكم

العبادات خلاف حكم المعاملات.
وإذا رتب الله سبحانه في عبادة فرضًا بعد فرض، فقام المكلف بالفرض الثاني لعجزه عن الأول، فلا يلزمه أن يعود إلى الأول، فيصير كالمكلف فرضين، والله سبحانه لم يوجب عليه إلا أحدهما، والمتيمم تيممًا في 1 عبادة لم تفرض لنفسها، فإذا لم يفعل المقصود بفرضها، فكأنه لم يفعل ما هو تبَع لها ومراد من أجلها، فيصير كمن حضرت الصلاة ولم يتيمم، والماء موجود في أنه لا يختلف في أن التيمم لا يجوز له.
ومن أعظم ما عولت عليه الشافعية في مناقضة المالكية والحنفية أنهم يقولون: إن المدبّر، عندكم، لا يجوز بيعه، وإن كنا نحن نجيزه، ثم إذا غصب 2 غاصب فأبق من يده، فإنكم تقضون بالقيمة عليه، والعين التي حرم الغاصب قيمتها مما لا يصح عندكم أن تباع ولا تملك، وهذا يشعر بأن القيمة في المغصوب عوض الحيلولة، لا عوضًا لِتمليك العين المغصوبة إذ المدبّر لا يباع، وكذلك أم الولد يضمنها الغاصب بقيمتها، وهي مما لا يباع عندنا وعندكم ولا يصح تملكها.
ثم مع هذا تقضون بقيمتها على الغاصب.
فدل هذا على أن القيمة ليست عوضًا عن تمليك الأعيان، بل لأجل الحيلولة.
وهذا من آكد ما يحتجون به.
ولكنا نجيب عنه بأن المدبر يُترَقب ملكه إذا مات سيده، وعليه دين يستغرقه، فلم يتحقق فيه انتفاء الملك.
وأما أم الولد فإن فيه عندنا قولين: ذهب سحنون إلى أنها لا يضمنها الغاصب، كما لا يضمن الحرة.
فعلى هذا المذهب لا تصح مناقضتهم.
وإن قلنا بمذهب ابن القاسم: إن غاصبها يضمنها، فإنها إذا قتلت لزم قاتلها قيمتُها على أنها رق، ويتملك السيد هذه القيمة عوض الرقبة، كما يتملك أولياء الحر ديته إذا قتل، وهو مما لا يحملك.
فقد صار لسيدها حق في قيمتها إذا قتلت،

وقيمتها إذا أخذت مما يصح تملكه بإجماع.
فما انتفى الملك بالكلية.
فيجعل القيمة التي يؤديها الغاصب كالعرض 1 عما هو عوض عنها، ويتملكه السيد إذا قتلت.
ويناقض أصحاب الشافعي بأن الملك لو لم ينتقل إلى الغاصب الذي غرم القيمة لصار صاحب السلعة المغصوبة قد ملك الثمن والمثمون جميعًا، وهذا لا يصح في أصول الشرع.

والجواب عن السؤال الخامس عشر 2 أن يقال: إذا غصب الغاصب شيئأ فحدث فيه زيادة عنده، فهل تكون مضمونة في يده كضمان العين المغصوبة، فإن تلفت في 3 هذه الزيادة طولب بها، أو تكون في يديه كأنها أمانة فلا يطالب بها إذا ذهبت من يديه، كما لا يطالب بالوديعة إذا ضاعت؟ وكذلك 4 مثل أن يغصب جارية فتسمن عنده، ثم يذهب الثمن 5، أو تتعلم القرآن عنده وتحفظه ثم تنساه، وتلد ولدًا، وهي في يد الغاصب.
فإذا أُحدِثتْ في يديه زيادة فلا يخلوْ أن تكون الزيادة في القيمة لارتفاع الأسواق، أو زيادة في العين، كالسمن في الجارية.
فإن كانت الزيادة الحادثة عند الغاصب ليست في العين المغصوبة، ولكن في سوقها، فإن المعروف من المذهب والمشهور أن الغاصب لا يضمن حَوالة السوق بنقص.
وفي الزاهي لابن شعبان أنه يضمن ذلك، حكاه عن أشهب وابن وهب وعبد الملك.
وهؤلاء إن ضمنوه هذه الزيادة مع هلاك العين

جارٍ التحميل