شرح التلقينصفحات 958-997
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 958-997

أسقط السيد حقه وجت.
وقد ذكرنا ما حكاه ابن القصار من اختلاف أصحابنا في كونها مفروضة على العبد في الأصل، وإنما يسقطها حق السيد.
وذلك الخلاف مما ينبني عليه الخلاف في إمامته.
ومن صفته أن يكون مقيمًا ليس بمسافر.
فإن قلنا بما قاله ابن الماجشون في ثُمانية 1. أبي زيد أنها لا تجزي المسافر إذا كان مأمومًا.
وإن كان فرضه ركعتين لأنه صلاها على نية الجمعة فالمنع من إمامته فيها أولى، لأن المرأة تجزيها مأمومة ولا يصح أن تكون إمامًا فيها.
وإن قلنا بقول مالك والمعروف من المذهب أنها تجزي المسافر إذا صلاها مأمومًا قياسًا على المرأة التي تجزيها، وإن كانت غير واجبة عليها وفرضها في الأصل أربع.
فهل تصح إمامة المسافر فيها؟ اختلف في ذلك فقال مالك في العتبية: إذا أحدث الإِمام فاستخلف المسافر لم تجزهم ويعيدون الخطبة والصلاة ما لم يذهب الوقت.
فإن ذهب الوقت أعادوا ظهرًا أربعًا.
وقال ابن القاسم لا تجزيهم وإن استخلف بعد ركعة.
وقال أشهب وسحنون تجزيهم إذا أم بهم ابتداء أو مستخلفًا.
وقال مطرف وابن الماجشون تجزيهم إذا أم بهم مستخلفًا ولا تجزيهم إذا أم بهم مبتدئًا.
فكانه في القول الأول لما رآها غير واجبة عليه لم تصح إمامته فيها كالمرأة وأمِر هو بالإعادة 2 أبدًا لأنه جهر فيها.
وكأنه عند أشهب لما حضرها صار من أهلها.
وقد قدمنا حجته في ذلك.
وكأنه عند مطرف وابن الماجشون إذا عقد إلإحرام مع الإِمام لزمه حكم الجمعة وصار تمامها فرضًا عليه، فصحت إمامته فيها 3. وإذا لم يحرم معه فإنها لا تنعقد عليه فلا تصح إمامته فيها.
وقال مالك في الإِمام المسافر: إذا مر بقرية يجمّع أهلها فجمع بهم أن الصلاة صحيحة.
وعلل أبو الوليد الباجي هذا بأن واليها مستوطن فالجمعة واجبة عليه.
فإذا وجبت عليه وجبت على المستنيب له وهو الإِمام.
وأشار إلى أن الفرق بين صلاة الجمعة وقصر الإِمام الصلاة أنه لا يصح أن يصلي

من فرضه أربعًا خلف من يصلي الجمعة.
ويصح أن يصلي المُتِمّ وراء المقصر.
فكان أبا الوليد لما رأى اختلاف الفرض من ناحية العدد لا يمنع الاقتداء لم ينقل الإِمام عن حكم القصر 1 لصحة الاقتداء به وهو قاصر.
ولما كان لا يصح الاقتداء به وفي إيجاب الجمعة عليه نظر وليس في نص الرواية ما يدل على وجوب ذلك وإنما نص المدونة قال مالك: في الأمير المؤمر على بلد من البلدان يخرج في عمله مسافرًا أنه إن مرّ بقرية من قراه 2 تجمع في مثلها الجمعة جمع بهم الجمعة وكذلك إن من بمدينة من المدائن في عمله جمع بهم الجمعة 3. ثم قال: وإنما كان للإمام أن يجمع في القرى التي تجمع الجمعةْ في مثلها إذا كان في عمله وإن كان مسافرًا، لأنه إمامهم.
فيحتمل أن يكون قوله: جمع بهم الجمعة إن اختار صلاتها.
ويكون إذا اختار ذلك لأولى بالإمامة.
وقد قال أبو الوليد: المستحب أن يصلي بهم الإِمام دون الوالي فإن صلّى الوالي جازت الصلاة.
وقال غيره معتلًا لما في المدونة أن الإِمام إذا وافق الجمعة لم ينبغ له أن يصليها خلف عامله.
وقد جمّع عمر رضي الله عنه الجمعة بأهل مكة وهو مسافر.
فأنت ترى المدونة ليس فيها نص صريح بالإيجاب.
بل قوله في المدونة: وإنما كان للأمام أن يجمّع، ظاهره ما قلناه من نفي الإيجاب.
لأن قول القائل لزيد أن يفعل كذا، ليس بنص في الإيجاب.
وإنما لفظ الإيجاب أن يقول: عليه أن يفعل كذا.
فلو أراد مالك الإيجاب لقال: وإنما كان على الإِمام أن يجمّع.
وهكذا أورد مالك المسألة في موطئه بلفظ ليس بصريح في الإيجاب أيضًا.
وإنما يتضح الإيجاب لو كان المكان قد صار بحلول الإِمام فيه وطنًا له، ولكنه لو صار كذلك لأتم الصلاة.
ولما أحس أبو الوليد الباجي بالمناقضة بالقصر أشار إلى الفرق الذي ذكرناه عنه.
وبالجملة فإن في إيجاب الجمعة على هذا الإِمام نظر عندي.
وأما لو كانت هذه القرية مما لا يجمع فيها فجمّع الإِمام بهم لما حلّ فيها

فإن المذهب اختلف في ذلك.
ففي المدونة لا تصح صلاة الإِمام ولا من خلفه، وأشار الأبهري إلى أن ذلك لأجل جهره تعمدًا فيما يسر فيه.
وإن القول باجزاء الإِمام صلاته، إنما ذلك لأنه فعل ذلك على جهة التأويل.
ويمكن عندي 1 أن يكون الإجزاء لأنه إنما غير بجهره سنة، وترك السنن عمدًا لا يفسد الصلاة في إحدى الطريقتين.
وإن كان التارك غير متأول فإذا قلنا بأحد قولي مالك أن الصلاة تجزي الإِمام فقد قال مالك إن أتم أهل القرية صلاتهم أجزأتهم.
وهكذا قال ابن القاسم ليصلوا على إثرها ركعتين، وهكذا قال ابن نافع تجزي الإِمام ومن معه من المسافرين.
وأما أهل القرية فيتمون ركعتين وتجزيهم.
ومن صفات الإِمام أن يكون بالغًا وقدمنا في باب الإمامة الدليل على اشتراط البلوغ.
وأشرنا إلى ما قيل من الاختلاف في صلاة الصبي بالبالغين في غير صلاة الجمعة وصلاة الجمعة آكد مما كنا تكلمنا فيه.
لأن الإِمام شرط في صحتها، وما أشرنا إلى ذكر الاختلاف فيه ليس الإِمام شرطًا في صحته.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وجماعة ولا حد لهذه الجماعة إلا أن يكون 2 عددًا تتقرى به قرية.

قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - لِمَ اعتبرت الجماعة في صلاة الجمعة؟.
2 - وما مقدار الجماعة؟.
3 - وما صفتها؟.
4 - وهل تعتبر في جملة 3 الصلاة؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قد قدمنا أن صلاة 4 الجمعة

أقيمت على صفات قُصد بتلك الصفات التي خصت بها الجمعة المباهاة وإظهار 1 معالم الشرع، وإذا كان الأمر كذلك ظهرت فائدة تخصيص الشرع لهذه الصلاة باشتراط الجماعة، إذ الواحد الفذ لا تحصل به المباهاة والإظهار 2. فلو صح أن يقيمها الواحد الفذ بنفسه لبطل المعنى المقصود بها.
وهذا واضح في معنى اشتراط الشرع الجماعة فيها.
ولهذا المعنى 3 خصت بالجهر دون صلوات النهار.
لأن الجهر آكد في الإظهار والإشاعة والإسرار ضرب من الإخفاء، والإخفاء ينافي الموضوع الذي قصد بها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في عدد الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة، هل هو محدود أم لا؟ والمشهور عندنا أنه ليس بمحدود وإنما المعتبر ما أشار إليه القاضي أبو محمَّد من كونهم عددًا تتقرى بهم قرية.
وقيل إن الجماعة محدودة، واختلف الحادّون فيها.
فذكر ابن حبيب عن مالك أن الثلاثين بيتًا وما قاربهم جماعة.
قال ابن حبيب وهو مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا اجتمع ثلاثون بيتًا 4. والبيت مسكن الرجل الواحد.
وفي مختصر ابن شعبان إذا كانت قرية فيها خمسون رجلًا ومسجد يجمّعون فيه الصلوات 5 فلا بأس أن يجمّعوا صلاة الخسوف.
وهذا يتخرج منه مراعاة هذا العدد في الجمعة، لأن الجمعة أحق باشتراط الجماعة، وباعتبار هذا العدد قال عمر بن عبد العزيز، وقال زيد بن بشر في حصن بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ إن كان فيه خمسون رجلًا فأكثر فليكلموا الوالي ليأمر من يخطب بهم ويجمّع.
قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي: ما علمت أحدًا ذكر عن مالك عددًا حدّه تقوم به الجمعة إلا ابن حبيب، فإنه قال الثلاثون وما قاربهم عندي جماعة.
كذلك روى مطرف وابن الماجشون عن مالك.
وقال أبو حنيفة تنعقد الجمعة

بأربعة.
وقال الشافعي بأربعين والإمام من جملتهم.
وقال الليث والأوزاعي وأبو ثور وأبو يوسف 1 بثلاثة.
وقال ربيعة بإثني عشر.
وقال عكرمة بتسعة.
وقال الحسن بن صالح بمائتين، وروي ذلك عن أبي هريرة.
فخرج من مجموع ذلك أن المسألة اختلف فيها على عشرة أقوال.
نفي التحديد.
وآثنان، وثلاثة، وأربعة، وتسعة، وآثنا عشر، وما قارب الثلاثين، وأربعون، وخمسون، ومائتان.
فأما نحن فإذا نفينا التحديد واعتبرنا ما أشرنا إليه من كون الجماعة على صفة ما، فإنا إنما عولنا في ذلك على الظاهر.
وقد قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 2. وهذه إشارة إلى قوم لهم سوق للبيع والشراء، وهذا لا يحصر بعدد كما لم تحصره الآية.
وقد يجب مع وجود عدد تارة إذا حصلت فيهم الصفة التي أشار إليها الظاهر، وتسقط مع وجود أكثر منه إذا لم يكن على الصفة التي اقتضاها الظاهر.
وأما من اعتبر الثلاثين ونحوها فإنه يعتمد على ما رواه القاسم بن محمَّد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا اجتمع الثلاثون بيتاً فليقدموا رجلًا منهم في الجمعة 3. وأما من اعتبر أثني عشر رجلًا فيعتمد على ما روي أنه انفض الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو قائم يخطب حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا.
وظاهر هذا جواز الاقتصار على هذا العدد لأنه لم يذكر أن من انفض عنه رجع إليه.
وأيضاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى مصعب بن عُمير قبل الهجرة وكان مصعب بالمدينة فأمره أن يصلي الجمعة بعد الزوال ركعتين وأن يخطب قبلها 4. فجمّع مصعب في بيت سعد بن خيثمه باثني عشر رجلًا.
وقد روي أنهم كانوا أربعين رجلًا.
ولكن من ذكرنا حجته في رواية من روي اثني عشر رجلًا ولكن لا تصح له حجته إلا أن تصح هذه الرواية دون ما سواها، ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ذلك فأقره.
وأما من قال أربعين فيعتمد على قول جابر بن عبد الله مضت السنة على أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما من قال اثنان، قاس على

غيرها من الصلوات.
وهذا قياس غير صحيح، لأن الجماعة شرط في الجمعة وليست شرطًا في غيرها من الصلوات.
وأما من اعتبر الأربعة فإنه رأى أن الجماعة من شرط صحة الإِمام.
وأكثرها لا نهاية له ووسطها أعداد كثيرة ليس بعضها أحق من بعض، فإذا بطل أكثر بعدم النهاية والأوسط لتقابل الأعداد، لم يبق إلا الأقل.
وأقل الجمع ثلاثة عند هؤلاء.
وأما من قال ثلاثة فيمكن أن يكون سلك هذه الطريقة ولكنه رأى أن أقل الجمع اثنان.
أو يكون سلك طريقة الأولين في أن أقل الجمع ثلاثة ولكنه احتسب بالإمام في عدد الجمع.
وأما من قال مائتان فإنه يرى أن الأصل وجوب الظهر وإنما نزل وجوب الجمعة بعد وجوب الظهر واتفق على أنه لا يجب إلا بصفة وعدد فلا ينتقل عن الأصل الذي هو الظهر إلا باتفاق أو دليل ولا يثبت دليل عنده على ما دون المائتين ولا يثبت دليل بالزيادة عليهما فوجب الاقتصار عليها.
هذا جملة توجيه جميع الأقوال المذكررة.
والقول العاشر الذي هو اعتبار التسع لا أعرف له الآن وجهًا.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما صفة الجماعة فاختلف الناس فيها فقال أشهب: إن هرب الرجال الأحرار عن الإِمام فلم يبق معه إلا عبيد ونساء لا رجل معهم فليصل بهم الجمعة ركعتين.
قال سحنون: لا تقام الجمعة بالعبيد ولا بالنساء لأنها ليست عليهم.
وألحق سحنون المسافرين بالنساء والعبيد في أن الجمعة لا تنعقد بهم.
وألزم أشهب إلحاق المسافرين بهم لأن 1 الجمعة تنعقد بهم.
ومذهب الشافعي أنها لا تنعقد بالعبيد ولا بالمسافرين.
ومذهب أبي حنيفة انعقادها بهم.
والظاهر أن مذهب أبي حنيفة أنها لا تنعقد بالنساء والصبيان.
وفرّق أصحابه بينهم وبين العبيد والمسافرين: أن العبد والمسافر يصح أن يؤمّا في سائر الصلوات بخلاف المرأة.
واحتجوا لانعقادها بالمسافرين والعبيد، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة ثمانية عشر يومًا وكان يقصر بهم الصلاة وكان إمامًا 2. ولا شك أنه صلى إمامًا في الجمعة مرات وإذا صلح

المسافر إمامًا صلح مأمومًا ها هنا، بل صلاحه مأمومًا أولى.
فإذا تأدت الصلاة مع كون العبد متبوعًا ففي حال كونه تابعًا أولى.
وهكذا قال أبو حنيفة لو اجتمع أربعون مسافرون أو عبيد وعقدوا جمعة فإنها تنعقد بهم.
وقال الشافعي لا تنعقد بهم.
وقد أشار بعض المتأخرين إلى احتمال في قول أشهب ورأى أنه يمكن أن يكون إنما تكلم على هروبهم عنه بعد أن أحرم وثبت حكم الجمعة بالإحرام.
وغيره من الأشياخ حمل الرواية على ظاهرها 1 ورأى أنها تنعقد بهم عنده على كل حال.

والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في الجماعة هل هي شرط في انعقاد الجمعة أو في أدائها؟ فقال ابن القاسم وسحنون: إذا هرب الناس عن الإِمام في صلاة الجمعة لم تصح جمعته 2. قال سحنون ولو تفرقوا عنه في التشهد.
ورأى سحنون أن يجعلها نافلة.
وهذه طريقة من رأى أن الجماعة شرط في جميع هذه الصلاة.
وهذا مذهب زفر.
وقال أشهب وأبو حنيفة إن هربوا عنه بعد أن عقد ركعة أتم صلاته جمعة.
لكن أبا حنيفة رأى أن الجمعة تنعقد ها هنا بحصول ركعة وسجدة.
وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد إذا هربوا عنه بعد الإحرام أتمها جمعة.
وسبب هذا الاختلاف ما أشرنا إليه أولًا من اعتبار الجماعة في الانعقاد أو في الأداء.
فإن قلنا أن الجماعة شرط في الأداء لم تصح الجمعة للإمام إلا أن تكملها الجماعة معه، لأن كل جزء من الصلاة يفتقر في تأديته إلى ما يفتقر إليه الآخر.
ألا ترى أن الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة لما افتقر إليها في تادية الصلاة استوت جميع أجزاء الصلاة في افتقارها إلى ذلك.
وكذلك اعتبار الجامع في هذه الصلاة لما كان شرطًا في صحة التأدية افتقر إليه في جميع أجزاء- هذه الصلاة.
وقد كنا تكلمنا على رجوع الراعف إلى الجامع يوم الجمعة، وذكرنا ما قيل فيه.
وسنتكلم على = سبعة عشر.
وله أيضًا ثماني عشرة ليلة.
وروى ابن اسحق عن الزهري أنه أقام خمسة عشر يومًا.
الفتح ج 3 ص 219. وج 9 ص 53 وسيراة ابن هشام ج 4 ص 64. والسير الحلبية ج 3 ص 120/ 121.

اعتبار 1 الوقت في جميع هذه الصلاة.
وإن قلنا إن الجماعة شرط في الانعقاد صح ما قال أبو يوسف وصاحبه.
وإن قلنا أنها تنعقد بتكبيرة الإحرام وتدرك الجمعة بها.
وصح ما قاله أشهب وأبو حنيفة إن قلنا أنها لا تنعقد إلا بإدراك ركعة.
وسنتكلم على ما تدرك به الجمعة لكنّ أبا حنيفة رأى أن الركوع مع السجدة هو معظم الركعة.
وإذا حصل معظم الشيء فكان جميعه حصل.
وأصلنا نحن المشهور عندنا أن الإدراك إنما يكون بتحصيل الركوع والسجدتين جميعًا، وإن كان أشهب قد حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك ركعة 2 على أن المراد به الركوع دون السجود على ما كنا حكيناه عنه في الكلام في الأوقات.
والذي حكاه عنه ابن سحنون ها هنا أنه قال: قال أشهب إذا تفرقوا عنه بعد ما صلّى بهم ركعة من الجمعة وبقي وحده فإنه يصلي ثانية وتكون 3 له جمعة.
لقوله- صلى الله عليه وسلم -: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها 4. ويمكن عندي أن يكون أشهب يجعل الإِمام مدركًا للجمعة بالركوع خاصة لما قدمناه من مذهبه في تأويل الحديث الذي وقع في مثل هذا.
وقد رأيت بعض من صنف مسائل الخلاف ذكر أن مالكًا يقول إذا انفضوا بعد ما صلّى ركعة بسجدتين أنها جمعة.
وأورد هذا عن مالك بعد إيراده مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه.
ولم أقف لمالك على هذا.
ولعل هذا الحاكي وقف على مذهب أشهب فظن أنه مذهب مالك لكون أشهب من أصحابه.
وعلم أن المشهور من أصلنا أن الادراك إنما يكون بالركعة والسجدتين فأضاف هذا المذهب إلى مالك.
أو يكون وقف عليه حيث لم نطلع عليه نحن.
وإنما طرقنا إلى حكايته هذا الوهم لما لم يكن من أصحابنا.
وقد يُحتج لأبي حنيفة وأشهب بقوله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى 5. وينفصل الآخرون عن هذا بأن يحملوا الحديث على المسبوق، ولكنهم إن حملوه على المسبوق لزمهم أن يفرقوا بينه وبين الإِمام إذا هرب الناس عنه.
وقد أكثر الناس من الكلام

على هذا القياس لما اعتمد من اعتبر ركعة عليه وحرر 1 قياسه واستدلاله بأن قال: الجماعة شرط في الجمعة، وهي إنما تكون بالإمام والقوم.
واحتياج القوم إلى الإِمام في تصحيح صلاتهم كحاجة الإِمام إليهم في ذلك.
وحاجة الإِمام أشد لأن صلاة القوم تفسد بإفساد صلاته، ولا تفسد صلاة الإِمام بإفساد القوم صلاتهم في غير صلاة الجمعة.
وإذا تساوى الاحتياج إلى التصحيح، أو كان 2 المأموم إليه أحوج، ووجدنا مدرك ركعة من الجمعة يقضي ركعة أخرى وحده.
وإن كان مبتدىء الجمعة منفردًا لم تصح جمعته.
كذا الإِمام يجب أن يبني على ركعته ركعة أخرى.
وإن كان لو ابتدأ الجمعة وحده لم تصح صلاته.
إلى هذا المعنى أشار أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة.
قال بعض هؤلاء المسندلين بأن الجماعة شرط في الانعقاد ويكتفى بالمشاركة في تكبيرة الإحرام فكان يجب ألا يصح الشروع إلا بشرط المشاركة فيه ليصح الانعقاد.
لكن لما كان شرع للمأموم إلاَّ يكبر مقارنًا لتكبيرة الإِمام صار الإِمام إذا كبر والقوم مستعدون للتكبير كان استعدادهم للتكبير كالتكبير حتى يقدر أنهم شاركوا فيه، وتكون المشاركة في القيام مشاركة في الشروع.
وقد كثر المتكلمون على التفرقة بين بناء المأموم إذا أدركها وبين بناء الإِمام على ركعة إذا هربوا عنه.
قال ابن عبدوس في المأموم: إنما يبني على جمعة قد أقامها المأموم بشروطها.
وهكذا قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي أن الذي فاتته ركعة إنما أدرك ركعة من صلاة أكملت على حسب ما ابتدأت بالجماعة.
وهذا الذي 3 صلى ركعة ثم هرب الناس عنه يكمل الصلاة 4 على غير ما ابتدأت عليه لأنها ابتدأت بالجماعة وتكمل بغير الجماعة.
وهذا المعنى سلك غيرهما وهكذا قال أصحاب الشافعي: أن المأموم أدرك ركعة من جمعة تمت بشرائطها.
قال بعض البغداديين 5 من أصحابنا: إن تفرقة هؤلاء بقولهم: إن المأموم يبني على جمعة حاصلة لإمامه

بغيره كما بني للركوع على قرأى الإِمام، ولو لم يقرأ الإِمام، لم يصح للمأموم ركوع.
والإمام في الجمعة لم يبن علي جمعة حصلت لأجل، تفرقة 1 لا تصح.
لأن الجمعة متعلقة بكل واحد من الإِمام، والمأموم، فإذا اشتركا في الركعة فقد حصل شرط الجمعة.
وليس تقدم صلاة الإِمام على الكمال بمؤثر ها هنا لأن المأموم لم يحصل له معه إلا ركعة.
ألا ترى أنه يقرأ فيها ولا يعتد بقراءة الإِمام.
فهذه طريقة من الفرق، قد سلكها جماعة من أصحاب مالك والشافعي.
وقد خرج فيها بعض أصحابنا بهذا الذي أريناك.
وأشار بعض أصحاب أبي حنيفة إلى طريقة أخرى في التفرقة وهي أن المشاركة قد تقع للمأموم بحكم قصده للشروع في صلاة الإِمام وهي في حق الإِمام إنما تقع حكمًا بشروع القوم في صلاته.
فما ثبت من المشاركة حكمًا ينبغي أن يحصل بأبلغ ما تثبت 2 به المشاركة التي تثبت بحكم القصد.
لأن ما ثبت قصدًا إنما ثبت بنفسه.
وإذا ثبت هذا هكذا صح أن يقال على هذه الطريقة إن المأموم يبني على ركعة ولا يبني 3 عليها الإِمام، لاختلافهما في طريق المشاركة كما بيناه.
وهذه التفرقة أوردها هذا الرجل اعتذارًا عن أبي حنيفه في قوله: إن المأموم يدرك الجمعة بإدراك التكبيرعلى ما سنبينه من مذهبه 4. والإمام لا يبني إذا هرب الناس عنه على التكبير بل على ركعة.
وأوضح هذا الرجل هذه الطريقة على أصلهم بأن يصلي الفرض إذا قام إلى النفل بعد فراغه من الفرض وقبل أن يعقد أنه شرع في النفل قصدًا إليه بتحريم له فسد فرضه بنفس الشروع وإن حصل في النفل حكمًا بالقيام إليه من غير تكبير لم يفسد الفرض (2) حتى يعقد ركعة بسجدتيها.
ولما رأينا هذا الرجل أورد هذا الفرق معتذرًا عن أبي حنيفة في تفرقته بين الإِمام والمأموم في المسألتين اللتين ذكرهما عنه ونقلناه نحن إلى التفرقة بين الإِمام والمأموم في المسالتين اللتين قصدنا إلى

الكلام عليهما لتصور الفرق في الجميع تصورًا واحدًا.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أن سبب الخلاف أن أشهب رأى أن هروبهم عنه وإبطالهم المشاركة له لا تبطل عليهم ماقد صلى بهم ويبقى بركعته حكم الجماعة.
كما أن مذهب أشهب أيضًا أن الإِمام إذا أبطل صلاته متعمداً أن صلاة المأمومين لا تفسد إذا لم يقتدوا به بعد القطع.
وإذا ثبت لركعته حكم الجماعة صح أن يبني عليها إذا هربوا عنه.
فكانه رأى أن سبب الخلاف استقرار حكم الجماعة موقوفًا فيهما حتى تكمل الصلاة.
وهذا لعمري الذي أشار إليه تلويح وإن لم يصرح به لا يبعد الاختلاف فيه على حسب ما كنا قدمنا في كتاب الطهارة من تخريج الاختلاف في الوجه إذا غسل في الطهارة الصغرى، هل يقال ارتفع الحدث عنه أو ارتفاعه عنه موقوف على كمال الطهارة، وهذا المعنى الذي أشار إليه شيخنا قدْ لوَّح به ابن عبدوس لأنه قال في كلامه على هذه المسألة: الجمعة لا تقوم إلا بالجماعة، فلما هربت الجماعة فأبطلت ما قد مضى من صلاتها مع الإِمام صار الإِمام إنما أقام الجمعة وحده.
وكذلك لو هرب الإِمام وبقيت الجماعة لبطلت ولم يجزهم أن يبنوا على ما مضى.
وعليهم أن يستأنفوا الصلاة من أولها.
وهذا الذي قال ابن عبدوس من هروب الإِمام أنه كهروبهم في إبطال الصلاة، لكونه أيضًا مقتضى قول أشهب أنه إذا هرب بعد ركعة لا يبطل عليهم كما لا يبطلون عليه إذا هربوا عنه بعد ركعة.
وقد حكينا من مذهبه أن قطع الإِمام متعمدًا لا يفسد على من خلفه.
فإذا كان هذا مذهبه تخرج على قوله أن هروبهم تعمدًا لا يبطل عليهم 1 على حسب ما ذكرناه.
وقد قال بعض أصحابنا البغداديين إذا أحدث الإِمام بعد ركعة فأتموا وحدانًا فلا تجزيهم لقدرتهم على الجمع والإمام لا يقدر على ذلك إذا هربوا، كما لو صلوا في صلاة الخوف الجمعة لصقى بكل طائفة ركعة وبنوا وأتموا، لأنهم لا يقدرون إلا على ذلك.
فأشار هذا إلى تفرقة بين هروب الإِمام عن الناس أو هروب الناس عنه.
ورأى أنه مني قدر على الجمع بالاستخلاف لم تجز الجمعة إلا جمعًا.
كما إذا لم يقدر على الجمع بأن أقام الإِمام صلاة الجمعة في

الحضر حيث تجب الجمعة وهو على خوف فإنه يسامح بإسقاط الجمع لعدم القدرة عليه لأجل ما شرع في صلاة الخوف.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ومسجد.
قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - ما الدليل على اشتراط المسجد؟.
2 - وما صفة المسجد الذي تقام فيه؟.
3 - وما حكم من صلى خارج المسجد؟ 1. 4 - وهل تقام في مساجد؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قال بعض المتأخرين من أصحابنا لا خلاف في اشتراط الجامع إلا ما لا يعتد به مما نقله القزويني عن أبي بكر الصالحين وتأوله على رواية ابن القاسم عن مالك في قوله في المدونة: إن الجمعة تقام في القرية المتصلة البنيان التي فيها 2 الأسواق، وترك ذكر الأسواق مرة أخرى.
قال الصالحين: لو كان من صفة القرية أن يكون فيها الجامع لذكره.
وهذا عندي غير صحيح، لأنه إنما قصد من ذكر القرية إلى ما يختص من صفتها دون ما هو شرط منفرد عنها.
ألا ترى أنه لم يذكر الإِمام وغيره من الشروط.
على أن في المختصر الكبير: وفيها سوق ومسجد.
فشرط المسجد.
وهذا القول قد انعقد الإجماع على خلافه.
ولا يعلم من بقي من العلماء من يقول به.
والأصل فيه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل الأئمة بعده.
وهذا الذي قاله هذا المتأخر وحكاه من تأويل من تأول الرواية وتعقبه عليه.
قد قال مالك في أهل الخصوص وهم جماعة، واتصال تلك الخصوص كاتصال البيوت أنهم يجمعون وإن لم يكن لهم وال.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي لم يقل: إذا كان لهم مسجد.
وهذه إشارة منه إلى ما تأوله الصالحين على مسألة المدونة.
ولهذا المتعقب أن يعتذر عن هذه الرواية أيضًا بما اعتذر به عن رواية المدونة.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: قال بعض المتأخرين من أصحابنا:

من شرط ما تصلى فيه الجمعة البنيان المخصوص على صفة المساجد.
والبراح الذي لا بنيان فيه أو فيه ما لا يقع عليه اسم مسجد لا تصح الجمعة فيه.
لأن الشروط ها هنا متعلقة بالأسماء.
ألا ترى أن الإِمام حكم له بحكم الجماعة في سائر الصلوات ولا يكتفي في الجمعة بما حكم له من ذلك حتى يوجد الإسم الإِمام إذا أقام الصلاة بمسجده وصلّى ولم يأته أحد فإن لصلاته حكم 1 الجماعة.
والجمعة لم يُكتف فيها بمجرد هذا الحكم، وكون الجماعة مقدرة بل لا بد من كون الجماعة موجودة.
فيمكن أن يقال إن الجماعة لو وجدت حسًا وهما اثنان أو ثلاثة لم يكتف بهم في إقامة الجمعة.
وإن كانت الجماعة قد حصلت حسًا ووجودًا.
إلا أن الجماعة في هذه الصلاة تقدر بمقدار ولا ينتهي الحكم في القوة 2 إلا أن يقدر بعدد أو مقدار.
فلهذا لا يكتفي الإِمام في الجمعة بحكم الجماعة عن وجودهم.
وسائر الصلوات لا تقدر فيها الجماعة.
فإذا حصل حكم الجماعة على الجملة أكتفي بهم.
اللهم إلا أن يقول كان يجب أن يكون للإمام في الجمعة حكم العدد المشترط 3 في الجمعة.
وهذا يفتقر إلى دليل.
والغرض إظهار طريقة ثانية يمكن أن يعلل بها فينبغي أن يعتمد في هذا الذي قاله من اشتراط البنيان المخصوص على أن الأصل فرض الظهر فلا يزال عنه إلا بدليل.
وقد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة بعده إنما أقاموا الجمعة في أبنية مخصوصة فيجب أن لا يتعدى مسلكهم في ذلك.
قال هذا المتأخر وللجامع صفة تزيد على كونه مسجدًا، فكل جامع مسجد وليس كل مسجد جامعًا.
وإنما وصف بالجامع لاجتماع الناس فيه لصلاة الجمعة فلا تقام في غيره حتى يحكم له بذلك على التأبيد دون أن ينتقل ذلك إليه في يوم بعينه.
ولو أصاب الناس ما يمنعهم من الجامع يومًا ما، لم تصح لهم جمعة في غيره من المساجد ذلك اليوم إلا أن يحكم له الإِمام بحكم الجامع، وينقل أحكام الجامع الأول إليه فيبطل

حكم الجمعة في المسجد الأول وينتقل إلى الثاني.
وكذلك في المدونة في الراعف يوم الجمعة، وهو جالس في التشهد، إذا غسل الدم رجع إلى الجامع وإن قضى الإِمام صلاته.
لأن الجمعة لا تكون إلا في الجامع، ولو كانت المساجد تنوب عنه لقال يتمها في أقرب المساجد إليه.
وقد حكى عن أبي حنيفة أنه أجاز أن تقام الجمعة خارج العصر إذا كان الموضعقريبًا منه نحو موضع صلاة العيد، وقاسها على صلاة العيد لما كانت الصلاتان شرع لهما الجماعة.
وانفصل عن ذلك بأن صلاة العيد غير منقولة، وصلاة الجمعة منقولة من فرض إلى فرض، فاختلف فيها العصر وخارج العصر كصلاة السفر.
وهذا الذي حكي عن أبي حنيفة من إجازة إقامتها خارج العصر ظاهره إسقاط اشتراط الجامع إذا كان يحيى إقامتها خارج العصر 1 في غير جامع ولست أحقق صفة مذهبه في هذا الذي حكي عنه.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد قدمنا اشتراط 2 الجامع في صلاة الجمعة وأن الجمعة يشترط فيها مكان مخصوص، بخلاف غيرها من الصلوات.
وقد كره الأحنف بن قيس والشعبي وأحمد وإسحاق وابن مُحيْريز الصلاة في المقصورة.
وقال إسحاق تجزئ إن فعلت.
وذكر عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى المسجد فأنت ترى كراهة هؤلاء الصلاة 3 في المقصورة مع كونها من جملة المسجد.
وقد قدمنا في اشتراط الجامع قولًا مقنعًا.
وأما ظهر الجامع فهل يكون له حكم الجامع أم لا؟ فأما ما سوى الجمعة فقد تقدم الكلام عليه وذكرنا أن مالكًا أجازه ثم كرهه.
وأما في صلاة الجمعة، فالمشهور من المذهب المنع من ذلك.
قال مالك في المدونة لا يجوز ذلك لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد.
وقال أصبغ: لا بأس بذلك.
واحتج بصلاة الناس بمكة على باب زمزم وغيرها مثل قعيقعان وأبي قبيس بحضرة أهل الموسم وأهل الآفاق.
وقال ابن الماجشون لا بأس أن يصلي المؤذن على ظهر المسجد؛ لأنه موضع أذانه إذا قعد الإِمام على المنبر.
وفي ثمانية أبي زيد عن

مالك ومطرف وابن الماجشون وأصبغ أن الصلاة جائزة ولا إعادة عليه.
وهكذا مذهب أشهب أنه لا يعيد.
وقال ابن القاسم في المدونة بل يعيد وإن ذهب الوقت.
وقد حمل حمديس المنع على حالة الاختيار، فقال، معنى المسألة إذا كان في داخل المسجد سعة كمن صلى في خارجه الجمعة من غير ضرورة فعليه الإعادة احتياطًا.
وأصل هذا الاختلاف على ظهر المسجد حكمه حكم باطنه أم حكمه حكم ما خرج عنه وجاوره من الديار وغيرها؟ وقد جعلوا الحالف أنه لا يدخل بيتاً أنه يحنث بقيامه على ظهرها.
وأحلوا ظهر البيت محل داخلها.
وهذا لأن الحنث يكون بالأقل فلا يعترض على الصلاة بهذا، لأن مبنى الصلاة على الاحتياط فهي تشبه 1 البرّ.
فلو حلف ليدخلنّ بيتًا لم يبرّ بقيامه على ظهرها، ولم يجعل ظهرها في البرّ كباطنها 2. ولقد كتب إلى سلطان يسألني عن الصلاة بمقصورة في قصره الحائط مشترك بينها وبين الجامع: وأحب أن يصلي على أعلى الحائط المشترك مرتفعًا عن الناس محجوبًا عنهم.
فأجبته بأن سر اشتراط الجامع والجماعة في الجمعة بخلاف غيرها من الصلوات أنها صلاة قصد بها المباهاة والاشادة والاعلان.
ولهذا جهر بالقراءة فيها، وإن كانت صلاة نهار وجعل فيها الخطبة.
فكل معنى تكمل المباهاة فيه ويزيد في بهاء الإِسلام كان أولى أن يسلك، والاخفاء والاستتار نقيض هذا الغرض الذي أشار إليه الشرع.
وقد قدمنا كراهة من كره الصلاة في المقصورة وإن كانت في المسجد فكيف بهذه التي هي كالخارجة عنه؟ وقد اختلف المذهب في صلاة الجمعة على ظهر الجامع على حسب ما قدمناه.
فمن منع هناك منع ها هنا بلا شك.
ومن أجاز هناك ففي هذه المسألة على أصله إشكال لأن عرض الحائط الحامل لسقفه هل يقدر أنه معدود من جملة السطح أو لا يعد من جملته؟ وللعلماء المتقدمين كلام على 3 المصلي على حائط الجِجْرِ 4 هل يكون كلالمصلي في "خله أو

كالمصلي خارجًا منه، فإن قدر كالمصلي في داخل الحجر فقد يقدر المصلي على سعة الحائط كالمصلي على ظهر الجامع.
وإن قدر كالمصلي خارجًا من الحجر فقد يقدر هذا كالمصلي خارج الجامع.
فإذا كان طائفة من أهل المذهب لا شك أنهم يمنعون وطائفة يتردد القول فيهم هذا التردد فالهروب من هذا أولى.
فلما كتبت إليه بهذا امتنع من إحداثه.
وبعثه الإيثار على الاعتزال عن الناس على أن حاول أن يخرج من قصره هذه المقصورة 1 إلى الهواء الذي يحيط به حيطان الجامع ليكون مصليًا في داخله فيرتفع ما رأيته من الإشكال فيما كتبت به إليه.
فسألني عن هذا أيضًا فأشكل عليّ أمره لمعان عرضت فيه، فهربت 2 له من إباحته على أنه أولى بالأجزاء من الصلاة في عرض الحائط.
لكون المصلي فيه مصليًا في داخل الجامع وباطنه.
وسنذكر ما قاله سحنون في الصلاة في حُجَر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الآن يصلي في المقصورة التي بداخل الجامع غير مرتفعة عن الناس.
وأما صلاة الجمعة في الأفنية المباحة التي يتصرف فيها بغير إذن فإنها جائزة إذا اتصلت الصفوف ودعت الضرورة إليها لأنه لا 3 مندوحة عن الصلاة فيها إلا بترك صلاة الجمعة.
قال مالك: ولا بأس بالصلاة يوم الجمعة لضيق المسجد في حوانيت عمرو بن العاص ورآها كالأفنية.
فأنت تراه كيف اعتبر الضيق والضرورة.
وأما الصلاة فيها من غير ضرورة فقال ابن أبي زمنين من قول ابن القاسم أن من صلى في أفنية المسجد يوم الجمعة أو قضى ركعة كانت عليه من رعاف غسله وهو يجد موضعًا في المسجد يصلي فيه أن ذلك يجزيه.
وخالفه سحنون وقال يعيد أبدًا لأن الصلاة في غير المسجد لا تجوز إلا لضيق المسجد.
وقال في مختصر ابن شعبان من صلى في أفنية الحوانيت وبينه وبين المسجد عرض الطريق ولم تتصل الصفوف من غير ضيق المسجد أجزته صلاته.
قال ابن شعبان رأى أبو هريرة أناسًا يصلون في حوانيت الرحبة فقال: لا جمعة لمن لم يصل في المسجد.
وقاله قيس بن عبادة.
وهذا الذي حكاه ابن شعبان عن أبي هريرة أن الصلاة لا تصح في الأفنية.
وقد اشتد سحنون في النكير

لذلك.
فكان يقول إذا من على الذين يجلسون للصلاة في الطريق فرع رجلك على عنقه وجرّه، ويامرهم بالدخول، ويقول إن صليتم ها هنا فصلاتكم باطلة.
فكان سحنونًا رأى أن أصلنا في اشتراط الجامع يقتضي إبطال الصلاة في إيقاعها في غير الجامع اختيارًا.
وكان مالكاً على مقتضى ظاهر ابن شعبان وابن القاسم رأى أن هذه الأفنية حكمها حكم الجامع لما كان الجامع المشروط موجودًا وقد صلّى فيه من صلى، فإن الآخرين المصلين في الأفنية يقدرون كالمصلين في الجامع.
وقال مالك في المجموعة لا أحب أن يصلى في الطريق والأفنية الجمعة إلا مثل المرأة والضعفاء ومن لا يقدر على دخول المسجد، والرجل يصيبه ذلك المرة بعد المرة.
وأما من يقعد في منزله يتنعم ويتلذذ.
فإذا خاف الفوات جاء فصلّى حيث أدركه فلا أحب أن يلتزم 1 مثل هذا أحد.
وأما الصلاة في الديار والحوانيت فإن مذهب مالك أن الصلاة فيها تجزي مؤتمًا إلا في الجمعة فلا تكون إلا في المسجد أو مواضع غير مملوكة متصلة به 2. وأبو حنيفة يجيزها في الجمعة وغيرها.
والشافعي لا يجيزها في الجمعة ولا في غيرها إلا أن تتصل الصفوف ويشاهدها.
وقد قدمنا ذكر مذهبه في ذلك لما تكلمنا على حكم الإمامة في الصلوات الخمس وحكم الجماعة.
ومما يردّ مذهبه صلاة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجرهن بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه-يخلى صلّى في بيته وصلى الناس بصلاته في المسجد 3 فلم ينكر ذلك عليهم.
ولا يعارض هذا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" 4. لأن الإِمام إذا كان في المسجد فالمقتدي به كأنه في المسجد.
وقول عائشة رضي الله عنها لنسوة صلين 5 في حجرتها لا تصلين بصلاة الإِمام فإنكنّ دونه في حجاب.
أشار بعض أصحابنا إلى حمله على حجاب يمنع الاقتداء.
وأما الحجة فإنما فرقنا بينها وبين غيرها من

الصلوات في هذا لما قدمناه من ورود الشرع باشتراط مكان مخصوص فيها.
قال بعض أصحابنا البغداديين: الإِمام لا يصلي الجمعة في هذا 1 المكان وكل ما لا يصلي فيه الإِمام لا يصلي فيه المأموم.
وكل موضع صح أن يصلي فيه الإِمام صح أن يأتم به فيه المأموم.
وإطلاق هذا طردًا وعكسًا يفتقر إلى تأمل.
أما ما تصح صلاة الإِمام فيه فلا شك في صحة صلاة المأموم فيه.
وأما عكس هذا فإنه إذا قلنا بصحة صلاة المأموم في الفناء اختيارًا فإن إطلاق ما قدمناه إباحة صلاة الإِمام في الفناء والناس بالجامع إذا تُصور ذلك.
وهذا فيه نظر.
ويفتقر هذا الإطلاق إلى تأمل.
وأما صلاة النساء في حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد اعتذر الناس عن ذلك.
فقال ابن القاسم إنما جازت صلاة الجمعة فيها لأنها لم تكن تُمنع من الناس.
قال ابن مُزين: قلت لعيسى لِمَ كان الناس يصلون في حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. من ضيق المسجد؟ فقال كانوا يدخلونها بغير إذن.
وقال سحنون لما سأله ابنه عن صلاة الناس يوم الجمعة في هذه الحجر أنها كانت في المسجد 2 وإنما كانت تلك الحجر من جريد قد قطعت بمسوح الشعر.
وأخبرني من أدرك بعضها على ذلك فهي كالأخبية في المسجد.
وأبوابها شارعة فيه وليست بمنزلة ما خرج من المسجد.
وقد كنا قدمنا فيما سئلنا عنه من بناء مقصورة في هواء المسجد ما قدمناه.
وقد يتعلق متعلق بصحة الصلاة فيه بظاهر كلام سحنون هذا وهو مما يفتقر إلى تأمل.
وفي المبسوط قال ابن مسلمة إنما قال مالك في هذه الدور التي لا تُدخل إلا بإذن لا يصلى فيها بصلاة الإِمام إذا كان الذي فيها غير متصل بصفوف المسجد، فأولئك لا ينبغي لهم ذلك لأنهم ليسوا في المسجد ولا متصلين به.
وأما لو امتلأ المسجد ورحابه وأفنيته حتى تتصل الصفوف من المسجد إلى تلك الدور فلا بأس بذلك.
وتصير الدور والشوارع حينئذ بمنزلة حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأنت تراه كيف أشار إلى أن العذر في الحجر اتصالها بالصفوف.
وأشار سحنون إلى التعليل بكونها من المسجد.
وابن القاسم وعيسى إلى كونها تدخل بغير إذن.
فإذا ثبت

المنع من صلاة الجمعة في الدور والحوانيت التي لا تدخل إلا بإذن.
فإن إذن أهلها لا يبيح صلاة الجمعة فيها.
وإن إذن أهلها 1 قاله في المدونة.
لأنا لو أبحناه بالإذن لأبحنا الصلاة فيها لأهلها لأنه ماذون لهم فيها.
وإذا قلنا بالمنع على الإطلاق في هذه المواضع التي لا تدخل إلا بإذن أو بالمنع بشرط أن لا تتصل الصفوف على ما أشار إليه ابن مسلمة.
فإن خالف المصلي وركب النهي فهل تصح صلاته أم لا؟ ذكر ابن مزين عن ابن القاسم أنه يعيد الصلاة أبدًا.
وعن ابن نافع أنه قال أكره تعمد ذلك وأرجو أن تجزيه صلاته.

والجراب عن السؤال الرابع: أن يقال: لا تقام الجمعة عندنا في البلد الواحد إلا في جامع واحد.
وبه قال الشافعي.
وأجاز محمَّد بن الحسن أن تقام فيه جمعتان.
وروي ثلاث جمع.
وأما أبو يوسف فنقل عنه بعض من صنف الخلاف أنه إن كان للبلد جانبان بأن يكون في وسطه نهر جاز أن تقام فيه جمعتان.
وإن كان جانبأواحدًا لم تُقم فيه إلا جمعة واحدة.
ونقل عنه بعض أصحابنا أنه إذا كان العصر عظيمًا كبغداد جاز، وإن كان القياس لا يجوز.
وأشار ابن القصار إلى أن هذا يُشبه أن يكون مذهب مالك.
وذهب عطاء وداود إلى جواز إقامتها في كل مسجد.
ودليلنا أنها صلاة غيّرت من فرض إلى فرض وخصت بشروط فيجب اقتفاء أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها.
ولم يقمها - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء بعده إلا في مسجد واحد.
ولو كانت إقامتها في مسجدين جائزة لفعله ولو مرة واحدة ليشعر بجوازه.
وقد قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ 2. وهذه إشارة إلى صلاة واحدة لا إلى صلوات.
قال بعض أصحابنا البغداديين ولأنه إذا بني جامع لم يجز بناء غيره لأنه يؤدي إلى الافتراق والتباين وزوال الغرض في الاجتماع.
وأيضاً فإن الجمعة إنما خصت بهذه التسمية لأجل الاجتماع فلو جاز الاجتماع لها في مواضع لبطل فائدة هذا التخصيص بهذه التسمية 3 وأما تعلق داود بأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي هريرة في البحرين أن

اجمعوا 1 حيث كنتم فإن المراد به في أي بلد كنتم.
وأما تعلق ابن الحسن بأن عليًا صلّى العيد واستخلف أبا مسعود البدري فصلّى بضَعَفَة الناس في المسجد فإنا سنتكلم على إقامته في الموضعين.
فمن الناس من أجازه بخلاف الجمعة.
فإذا ثبت منع إقامة الجمعة في جامعين على الجملة فهل يجوز ذلك عند الحاجة؟ قد قدمنا قول ابن القصار: إذا كانت المدينة ذات جامعين كبغداد فيشبه أن يجيء على المذهب أن يجمعوا في الجامعين.
وقال أبو محمَّد في غير كتابه هذا لا يجمع في مصر وإن كثر أهله إلا في موضع واحد.
وقال وكان شيخنا رحمه الله يقول هذا: إذا كان المصر على جانب واحد.
ويجب على مذهبنا إذا كان له جانبان كبغداد وواسط ولم يكن بينهما جسر فإنه يجمع في الجانبين.
فإن كان بينهما جسر 2 وقال محمَّد بن عبد الحكم لا بأس أن تقام الجمعة في موضعين كبغداد ومصر.
وقال أحمد بن حنبل يجوز أن تقام جمعتان وثلاث وأكثر إذا دعت الحاجة إلى ذلك كبغداد والبصرة وغيرهما.
وإذا وجبت إقامة الجمعة في جامع واحد وكان بالبلد جامعان فإنها تقام عندنا في الأقدم منهما.
وإن أقيمت في الأحدث وحده أجزته.
وإن أقيمت في الجامعين مع القدرة على الاكتفاء بواحد.
ففي العتبية لمالك في الأمير يستخلف من يصلي بالعصبة الجمعة ويجمع هو بطائفة في طرف العصر الجمعة.
قال: الجمعة لأهل العصبة.
وفي مختصر ابن شعبان: لا أرى الصلاة إلا لأهل العصبة وإن كانوا يصلون مع خليفة الإِمام لا معه.
فالصلاة مع خليفته جائزة.
قال ابن شعبان يريد أن الصلاة لأهل المسجد العتيق.
قال عبد الله بن عمر: لا جمعة إلا في المسجد الأكبر.
وكان مالك 3 يتجوز المسجد المحدث إلى القديم.
قال ابن الجلاب: لا تصلّى الجمعة في مقصورة في مصر واحد في مسجدين والصلاة صلاة أهل المسجد العتيق.
واعتبر بعض الناس السبق.
فقال تجزي من أقامها أولًا.
ويعيد من أقامها بعد.
وقد اختلف المذهب

في جمع من كان قرب مدائن الجمع.
فقال ابن حبيب من كان من أهل القرى الحاضرة أو القرى التي يجمع فيها على أقل من بريد، فلا يجمع حتى يكونوا على 1 بريد فأكثر.
وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز وقال يحيى بن عمر: لا تجمعوا حتى تكونوا على ستة أميال.
وقال زيد بن بشير 2 يجمعون وإن كانوا على أكثر من فرسخ.
قال بعض المتأخرين هذا هو الصحيح لأن كل موضع لا يلزم أهله النزول إلى الجمعة لبعدهم وكملت فيهم شروط الجمعة فإنه تلزمهم إقامتها في موضعهم كأهل مصر.
وأشار هذا المتأخر إلى أنه يجب أن يكون بين الجامع وبين جامع أقدم منه مسافة لا يجب المضي منها إلى الجامع الأقدم 3 وقد قال ابن القصار فيمن كان خارج المسجد تجب عليهم الجمعة.
إذا كان لهم مسجد وسوق يقدمون من يصلي بهم، وإن كانوا من العصر على فرسخ.
وهذا فيه جواز إقامتها بموضع يخاطب المنفرد به أن يأتي الجمعة في العصر.
وسننقل نص كلامه في باب مقدار ما تجب منه الجمعة.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وخطبة.

قال الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
منها أن يقال: 1 - هل الخطبة فرض أم لا؟.
2 - وما مقدارها؟.
3 - وما الصفات التي يؤمر الخطيب أن يكون عليها؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف الناس في خطبة الجمعة هل هي فرض أم لا؟ فعند مالك والشافعي أنها فرض وشرط في صحة الصلاة فلا تجزي الصلاة إلا بها.
وقال الحسن وداود هي مستحبة.
وإلى هذه الطريقة ذهب ابن الماجشون من أصحابنا فقال: الخطبة سنّة.
ومن صلّى بغير خطبة أجزأه ولم يعد.
وفي الثمانية لمالك أن الجمعة تجزيه.
وقال ابن الجهم هي سنّة واجبة.

ودليلنا على وجوبها أن الله سبحانه أمر بفعل الجمعة وبين - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر بفعله فكان يخطب ولم يترك الخطبة في حال من الأحوال.
فدلّ على وجوبها.
وأيضًا ققد قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 1. وأول الذكر في الجمعة الخطبة.
فيجب حمل هذا الظاهر عليه ولا يعدل به إلى الذكر المفعول في الصلاة.
إلا بدليل.
وأيضًا فإن الله حرم البيع حين النداء.
فلو كانت الخطبة غير واجبة لم يحرم البيع إلا عند الدخول في الصلاة.
وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ 2. معناه تخطب.
وظاهر هذا التوبيخ على تركه وهو يخطب.
والتوبيخ لا يكون إلا على ترك واجب.
وأيضاً فإنها أقيمت مقام ركعتين.
ألا ترى قول عمر رضي الله عنه: قصرت الصلاة لأجل الخطبة.
وإذا كانت أقيمت مقام ركعتين وجب أن تكون فرضًا.
ولهذا قال أصحابنا في الإِمام يخطب قبل الزوال ويصلي بعده أنه يعيد الخطبة والصلاة، لما رأوها مقام الركعتين.
فراعوا الوقت فيها كما يراعى في الركعتين.
وهذا يرد قياس من أنكر الوجوب قياسًا على غيرها من الخطب.
لأن هذه الخطبة جعلت عوضاً عن واجب.
وغيرها من الخطب لم تجعل عوضاً عن واجب.
ولهذا قال سحنون إذا خطب الإِمام جنباً أعادوا الصلاة أبدًا.
وسنتكلم على اشتراط الطهارة إن شاء الله تعالى.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف الناس في المقدار الواجب من الخطبة.
فذكر القاضي أبو محمَّد في غير كتابه هذا أن في مقدار ما يجب من الخطبة روايتين.
إحداهما: أنها لا تجزي إلا بما له بال، ويقع عليه اسم خطبة.
والثانية أنه إن سبّح وهلل، أو سبّح فقط فليعد، ما لم يصل.
فإن صلى أجزأه.
وفي الثمانية عن مطرف إذا تكلم بما قل أو كثر فجمعته جمعة.
وقال أبو حنيفة تجزي في الخطبة التحميدة والتسبيحة.
وقال صاحباه والمعتبر قدر ما يتعارف أنها 3 خطبة.
ويمتاز عن سائر أنواع الكلام.
وقال ابن القاسم إن سبّح أو هلل

لم يجزه إلا أن يأتي بكلام يكون عند العرب خطبة.
وقال ابن عبد الحكم تجزيه لأنه لفظ فيه تعظيم وتكبير لله تعالى وقال الشافعي أقل ما يجزي أن يحمد الله تعالى ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله عَزَّ وَجَلَّ ويقرأ آية من القرآن.
وفي الثانية يحمد الله تعالى ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله عَزَّ وَجَلَّ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات.
فأما أبو حنيفة فإنه يتعلق بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 1. فإطلاق هذا يقتضي جواز الاقتصار على القول سبحان الله والحمد لله.
والشافعي يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل نحوًا 2 مما قال فجعله بيانًا للأجزاء.
ويقول أبو حنيفة بل هو بيان للكمال.
ونقول نحن الخطبة يُشار بها في اللغة إلى كلام واقع على نظام مخصوص، فيجب ألا يكتفى إلا بما تقع عليه هذه التسمية.
ولو كان كل كلام يسمى خطبة لكان كل أحد خطيبًا 3. ولا تعلق في أمره - صلى الله عليه وسلم - بتقصير الخطبة، فإن ذلك محمول على النهي عن التطويل والتكثير لا على تقصير يمنع من تسمية الكلام خطبة.
وكذلك ما ذكر أن عثمان خطب فارتج عليه فقال: الحمد لله.
فمحمول على خطبة البيعة.
ثم لم يقتصر على هذا القدر حتى أضاف إليه ما قال من الكلام.
ولو جاز الاقتصار على التسبيح لجاز الاقتصار على القول الله أكبر.
ولا معنى لقولهم إن الخطبة مأخوذة من المخاطبة لأنا قدمنا أن هذه التسمية مقصورة على نظم ولا معنى لقولهم إن الخطبة الثانية من جنس الأولى فلا معنى لتكريرها لأن الركعات والسجدات مكررات، وإن كان قد تماثل ما تكرر منها.
ولا معنى لقولهم لما لم يقيد بعدد دل على أن القصد إيراد ما فيه تعظيم لأن الجماعة معتبرة في هذه الصلاة.
وترك تقييدها بعدد لم يسقط وجوب اعتبارها.
وقد اختلف المذهب في الخطبة الثانية فذهب ابن القاسم في كتاب ابن حبيب إلى أنه إذا لم يخطب من الثانية ما له بال لم يجزهم.
وحكى ابن حبيب عن بعض أصحابه أنه إن نسي الثانية أو أحصر عنها فالأولى تكفيهم.
وقال ابن حبيب لا يلقق فيما تعاصم فيه من الخطبة.
وأما ما يقرأ فيها من القرآن فلا بأس

أن يلقن فيه.
وعندي أنه إنما فرق 1 بين الأمرين لأن القرآن متعين لا يصح إبداله والخطبة يصح إبدالها.
فقد يورد إذا تعالى إبدال اللفظ 2. وقال ابن حبيب: ويترك في تلجلجه وإحصاره في الخطبة وليخرج هو إلى ما تيسر عليه من الثناء على الله سبحانه وعلى نبيه - صلى الله عليه وسلم -. فأنت تراه 3 كيف أشار إلى القدرة على الخروج والإبدال.
على أن القرآن أيضًا 4 وإن لم يكن له أن يبدله من تلقاء نفسه ففي قدرته أن يقرأ سورة أخرى.
وهذا مما يتأمل.
وهذا الكلام في مقدار ما يجزي من الخطبة.
وأما المستحب فيها فقال ابن حبيب ليققر الخطبتين، والثانية أقصرهما.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير باصبعه إذا دعا أو وعظ.
وكان لا يدع أن يقرأ في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 5. وينبغي أن يقرأ في الخطبة بسورة تامة من قصار المفصل.
وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ تارة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وتارة ﴿وَالْعَصْرِ﴾.
وقال أشهب في المجموعة نحوه.
قال فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه.
وفي المختصر يبدأ في الخطبة بالحمد دئه ويختم بأن يقول: أستغفر الله لي ولكم.
وإن قال: اذكروا الله يذكركم فحسن.

والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: يُؤمر الخطيب في الجمعة أن يكون متطهرًا.
وهل هذا الأمر على الاستحباب أو على الوجوب؟ المذهب على قولين: فذهب القاضي أبو محمَّد إلى أن الخطبة فرض والطهارة مستحبة.
وقال ابن الجلاب: الاختيار أن يخطب على طهارة.
فإن خطب على غير طهارة أساء، والخطبة صحيحة.
وقال مالك في المختصر: من خطب غير متوضئ ثم ذكر أجزأه وبئس ما طبع.
قال ابن المواز يعيد الخطبة.
وقال سحنون إذا خطب جنبًا

أعادوا الصلاة أبدًا.
قال أبو محمَّد يريد وهو ذاكر.
قال سحنون وإن ذكر في الخطبة أنه جنب نزل وانتظروه إن قرب، وبنى.
قال: وقال بعض أصحابنا: فإن لم يفعل وتمادى في خطبته واستخلف للصلاة أجزأهم.
وقال المغيرة: إن ذكر في الخطبة أنه غير متوضئ، فليأمرهم أن يمكثوا حتى يتوضأ، إن 1 كان اغتسل برواحه وإلا اغتسل ثم ابتدأ الخطبة، وكذلك من ينتقض وضؤوه.
وإن ذكر صلاة نسيها صلاّها وبنى على خطبته.
فأما ما حكيناه من الاستحباب للطهارة فقد نص عليه من حكيناه عنه.
وأما ما حكيناه من أنها فرض فكذا قال بعض أشياخي، اختلف في الطهارة للخطبة على القول بأن الخطبة فرض هل هي فرض أو تجزي بغير طهارة؟ وهذا الذي نقلناه عن سحنون أشار بعض المتأخرين إلى أنه بناء على أن الطهارة فرض وليس عندي بنص جليّ.
لأنه لم يذكر هل صلّى بهم أم لا؟ وإن كان لا شك في أن المفهوم منه أنه خطب جنباً وصقى متطهرًا.
إذ لو كان معناه أنه صلّى جنباً لكان تعليق الأمر بالإعادة بذكر صلاته جنباً أولى من تعادى بذكر خطبته جنباً.
لكن قوله أنه يبني إذا ذكر في خطبته أنه جنب فيه إشارة إلى الاعتداد بما فعله وهو جنب.
وكذلك ما حكاه عن بعض أصحابنا أنه إن تمادى على الخطبة تجزيه إلا أن يتعسف متعسف فيتاول مذهبه من البناء على أنه يورد بعد الطهارة من الخطبة ما يجزي بمجرده على حسب ما تقدمت الإشارة إليه في القدر الكافي.
فلا يتعلق بما ذكره من البناء.
لكن ما حكاه عن بعض أصحابنا نص 2 في إجزاء الخطبة بغير طهارة.
وهو مطابق لما قاله أبو محمَّد وابن الجلاب من كون الطهارة مستحبة وهو مذهب أبي حنيفة وإبن حنبل واحد قولي الشافعي وله قول آخر أن الطهارة من الحدث والنجس شرط في الخطبة.
وسبب الاختلاف أن الأذان ذكر يتقدم الصلاة كما أن تكبيرة الإحرام ذكر في الصلاة.
والأذان ذكر لا يشترط فيه الطهارة فتقاس الخطبة عليه وتكبيرة الإحرام ذكر في الصلاة ومن شرطها الطهارة فتقاس الخطبة أيضًا عليها.
لا سيما أن الخطبة بدل من الركعتين فيتأكد إيجاب الطهارة لها لكون الطهارة شرطًا فيما هي

بدل منه وقد اشتمل ما قدمناه من الروايات على مراعاة الاتصال من عمل الخطبة، ولهذا قال سحنون يبني إن قرب فاشترط في البناء القرب لما كان القريب 1 في معنى المتصل.
وقال أشهب إذا خطب في وقت الظهر وصلّى في وقت العصر في الغيم فأحب إلى أن يعيدوا إلا أن يكون ما بين الخطبة والصلاة قريبًا فتجزيهم.
فأشار إلى كون الخطبة متصلة بالصلاة أو في حكم المتصل.
وهذا يشير إلى أنها تحل محل الركعتين.
فلما كانت الركعتان من حقهما الاتصال بالركعتين الأخريين كانت الخطبة كذلك.
ومن الصفات التي يؤمر الخطيب أن يكون عليها أن يخطب قائمًا.
قال ابن حبيب من السنّة أن يخطب قائمًا ويجلس شيئًا في أولها ووسطها.
وكان معاوية لما أسنّ جلس في الخطبة الأولى كلها واستأذن الناس في ذلك، وقام في الثانية.
ولا ينبغي ذلك.
وليقم فيها كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون.
وقال ابن القصار الذي يقوى عندي أن القيام والجلسة واجبان وجوب سنّه فقط.
وقالت الشافعية القيام مع القدرة في الخطبة واجب.
وقال أبو حنيفة وأحمد ليس بواجب.
وسبب الاختلاف في ذلك كسبب الاختلاف في الطهارة.
فمن رأى الخطبة ذكرًا كتكبيرة الإحرام أوجب القيام في الخطبة مع القدرة، كما تجب في تكبيرة الإحرام.
ومن رآها ذكرًا لا يشترط فيها استقبال القبلة لم يوجب فيها القيام كالأذان.
وأما الجلسة بين الخطبتين فقد ذكرنا قول ابن القصار: الذي يقوى عندي أن القيام والجلسة واجبان وجوب سنّة فقط.
وذكرنا قول ابن حبيب من السنة أن يخطب قائمًا ويجلس شيئًا في أولها ووسطها.
فأشار إلى كون الجلوس الأول والثاني من السنّة.
وقال أبو حنيفة وأحمد في الجلوس بين الخطبتين أنه مستحب.
وقال الشافعي هو واجب، ويعتمد في إيجابه على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس بين الخطبتين وخطب قائمًا.
وقد قال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ 2. وأفعاله على سبيل القرب تقتضي الوجوب على قول من قال بذلك من أهل الأصول.

وإذا ثبت أن القيام مشروع.
فقال مالك فليتوكأ على عصا.
وقال ابن حبيب وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ينبغي أن يتوكأ على عصا أو قوس غير عود المنبر الذي خطب عليه أو إلى جانبه.
وفي العتبية قال مالك ولا يرقى المنبر عندنا 1. يقوم على يسار المنبر، ومنهم من يقوم عن يمينه.
وكان عبد الله بن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمَّد وغيره يقومون عن يمينه وكل واسع.
وما أدركت من يعيب إمساك العصا في الخطبة.
ويقال فيها شغل عن مس اللحية والعبث باليد.
واختلف قول مالك في التوكؤ على القوس فروى عنه ابن وهب أنه مثل العصا وروى عنه أنه لا يتوكأ عليه إلا في السفر.
ومن صفات الخطيب أن يخطب بحضرة الجماعة.
قال ابن القصار: وليس لمالك نص في الإِمام يخطب وحده دون من تنعقد بهم الجمعة.
وأصل مذهبه عندي يدل على أنها لا تصح إلا بحضور 2 الجماعة.
وقال القاضي أبو محمَّد: هذا البخاري على المذهب ولم أجد فيه نصًا لمتقدمي المذهب.
وقال بعض المتأخرين عندي أنه نص على هذا في المدونة بقوله: ولا يجمع بالجمعة إلا الجماعة والإمام بالخطبة.
وهذا ليس بنص كما أشار إليه لإمكان أن فيكون إنما أراد التعرض لعدد الشروط على الجملة.
لا سيما وهذا الكلام إنما أورده في المدونة عقيب مسألة الإِمام يخطب فيهرب عنه الناس فلا يبقى معه إلا الواحد والإثنان وهو 3 في خطبته أو بعد ما فرغ منها.
فقال: إن لم يرجعوا إليه فيصلي بهم الجمعة صلى أربعاً.
فأنت تراه كيف قال فيمن فرّوا عنه وهو في الخطبة أنهم يرجعون إليه فيصلي بهم الجمعة.
وقد يكون فرارهم ولم يذهب من

الخطبة إلا ما لا يقع 1 به الأجزاء.
وإذا فروا والحال كذلك وعادوا للصلاة خاصة صار ذلك إشارة إلى جواز الخطبة بغير حضرة الجماعة، إذا حمل لفظ المدونة على الإطلاق والتعميم.
وهذا ضد ما زعم أنه نص فيها لكنه نقل عن المدونة إلا بالجماعة والإمام يخطب.
فنقله قد يسعده على ما قال.
ونقلنا أقرب في إمكان ما تأولناه وإلى اشتراط الجماعة ذهب الشافعي.
وذهب أبو حنيفة إلى نفي اشتراطها.
فدليلنا أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب بحضرة الجماعة فوجب الاقتداء به.
وأيضًا فإن الغرض بالخطبة الإعلام.
والإعلام إنما يراد للناس لا للإمام.
فإذا خطب وحده صار في معنى من لم يخطب أو في معنى من تحضره 2 الجماعة ولا يسمعه أحد.
وإنما جاز الأذان بغير حضرة الجماعة لأنه ليس بشرط في صحة الصلاة.
وأما أبو حنيفة فإنه يحتج بقوله: " ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ". وظاهر هذا وجود الذكر قبل السعي.
وأجيب عن هذا بأن القصد السعي لسماع الذكر، فلو سبق الذكر سعيهم لكانوا ساعين إلى السكوت.
وهذا ضد لمراده.
ويحتج بأنه كما صح أن ينفرد بالإحرام ثم يحرمون بعد ذلك 3 يصح انفراده بالخطبة.
وأجيب عن هذا بأنه لا يُحرم إلا بحضرتهم وإن تأخر إحرامهم عن إحرامه فكذلك الخطبة لا يوقعها بحضرتهم 4. ومن صفات الخطيب أن يكون هو المصلي.
وقد قال مالك فيمن قدم رجلًا فخطب وصقى هو بالناس الجمعة لم تجزهم الصلاة.
ويلزم على طرد هذا إذا خطب الإِمام ثم قدم من يصلي بالناس اختيارًا الآ تجزي الجمعة، وإنما يباح له الاستخلاف إذا دعت الضرورة إليه مثل أن يحدث أو يرعف فإن له أن يستخلف من يصلي بالناس ويبني المستخلف على فعله إن عرض هذا في أثناء الخطبة أو في أثناء الصلاة بني الثاني على فعل الأول.
وكذلك إن عرض بين الخطبة والصلاة فإن الثاني يصلي معتدًا بخطبة الأول.
والحكم ها هنا

الاستخلاف إذا كان الماء بعيدًا.
واختلف المذهب إذا كان الماء قريبًا.
فروي عن مالك أنه يستخلف.
وقال ابن كنانة وابن أبي حازم ينتظر.
وينبغي أن يكون المستخلف ممن شهد الخطبة.
قال ابن القاسم في المدونة 1 في الإِمام يحدث يستخلف من يتم بالقوم بقية ما كان عليه من خطبة أو صلاة، فإن لم يستخلف قدّم القوم لأنفسهم ويقدمون من شهد الخطبة أحب إليّ.
فإن قدموا من لم يشهدها 2 فصلّى بهم أجزت عنهم صلاتهم.
ولا يعجبني أن يتعمدوا ذلك ولا يتقدم بهم.
ولأشهب في المجموعة في إمام خطب ثم أحدث فقدم جنُبًا فقدم المقدم غيره ممن لم يشهد الخطبة فليعد الخطبة أحبّ إلى.
فإن لم يعدها أجزأهم.
وروى أشهب عن مالك في العتبية: لا بأس أن يستخلف ممن لم يحضر معه الخطبة لحدث أصابه أو مرض.
وقال أبو حنيفة والثوري وأبو ثور: لا يجوز استخلاف من لم يسمع 3 الخطبة.
وقال الشافعي لا يجوز استخلاف من لم يسمع الخطبة إلا أن يحدث الإِمام.
وقد شرع في الصلاة فيجوز استخلاف من أحرم معه.
وإن لم يكن سمع الخطبة.
ورأى أنه بالإحرام أثبت له حكم الجمعة وإن كان لم يحرم ولم يسمع الخطبة لم يثبت له حكم الجمعة.
فإذا سمعها ثبت له حكم الجمعة.
ومن صفات الخطيب أن يكون ممن له الولاية على الصلاة.
قال مالك في المدونة: وإن خطب بهم ثم قدم وال سواه لم يصل بهم بالخطبة الأولى وليبتدىء هذا القادم الخطبة.
قال ابن المواز إن قدم الثاني وقد صلّى الأول بالقوم ركعة فإنه يتم بهم الركعة الثانية ويسلم ويعيد الخطبة والصلاة.
لأن خطبة الأول باطلة.
وفي العتبية لابن القاسم: إذا تمادى الأول فصلّى بهم عالمًا فليعيدوا، وإن ذهب الوقت.
وإن صلى بإذن القادم أجزتهم إذا أعادوا الخطبة.
ولا ينفع إذنه بعد الصلاة وليعيدوا ولا يصلي بهم القادم على خطبة الأول

وليبتدئها.
ولو قدمه القادم لأمر 1 بإعادتها.
وقال سحنون إن صلى بهم القادم بخطبة الأول أعادوا أبدًا.
وكذلك إن أذن للأول فصلّى بهم ولم يعد الخطبة.
وفي كتاب ابن حبيب لا بأس أن يصلي الجمعة بالناس غير الذي خطب مثل أن يقدمه لرُعاف أو مرض، أو يقدم وال بعزل الذي خطب.
وقد قدم أبو عبيدة على خالد بن الوليد بعزله فالفاه يخطب فلما فرغ تقدم أبو عبيدة للصلاة.
وهكذا 2 رأيت لأشهب نحو ما حكاه ابن حبيب أنه إن ابتدأ الخطبة فحسن وإن صلى بتلك الخطبة أجزته، كما لو أحدث بعد الخطبة فقدم غيره.
وهذه المسألة يخرج على هذا الاختلاف فيها بين ابن حبيب وبين ما قدمنا ذكره من أصحابنا على اختلاف أهل الأصول في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه؟ هل ببلوغه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ببلوغه المكلفين؟ وكذلك ما اختلف فيه أصحابنا من إمضاء تصرف الوكيل وقد عزل ولم يعلم بعزله 3. وما جرى في صلاة أهل قباء لما تحولوا في أثناء الصلاة إلى الكعبة جار على هذا الأصل.
وقد أولع كل من شدا 4 طرفًا من الأصول بتخريج هذه المسائل على هذا.
مع أنه لم يختلف في أنه لو قدم الثاني بعد أن فرغ الأول من الصلاة أن الصلاة ماضية لا تعاد.
وطرد هذا الأصل يقتصي جريان الخلاف، ولو فرغ من الصلاة إذا كان الوقت باقيًا إلا أن يجعل الفراع يحل محل تقضي الوقت.
فإن هذا مما قد ينظر فيه ولا يكاد يستقل فرقًا محققًا.
وفي كتاب ابن سحنون.
إذا ذكر الإِمام يوم الجمعة وقد أحرم صلاة نسيها فليكلمهم ويقضي ما عليه ثم يعيد الخطبة والصلاة.
وإن لم يعد الخطبة والصلاة وصلّى أعاد ظهرًا أربعًا.
وإن ذكر بعد ركعة استخلف.
وإن ذكر بعد السلام أجزتهم.
وقد اختلف فيه عن مالك، فأنت تراه كيف جعل الخطبة تحل محل الصلاة فلا تجزي إذا أوقعها، وعليه صلاة منسية.
فلهذا قال يعيد الخطبة

والصلاة إلا أن يكون رأى فعل الصلاة المنسية قاطعًا لحكم الاتصال بين الخطبة والصلاة.
فلهذا أعاد الخطبة.
فيكون ذلك مسلكًا آخر.
وإن كان أمر بإعادتها لأنها حلّت محل الصلاة باشتراط ألا تكون عليه صلاة، فتكون المسألة من هذا الأسلوب الذي نحن فيه، وهو اشتراط كون الخطيب 1 ممن له ولاية، ويكون الجهل ليس بعذر في المسالتين جميعًا.
فلهذا لم تصح الخطبة فيهما.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: وليس.
من شرطها أن يقيمها السلطان ولا أن يكون العدد أربعين 2.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: قد تقدم الكلام على هذين الفصلين وذكرنا اشتراط الوالي في الجمعة وما قاله المخالف ومن أشار إلى موافقته من أصحابنا وأوردنا الأدلة للمذهبين وذكرنا من اشترط الأربعين وذكرنا 3 ومن اشترط عددًا سوى ذلك (3) ووجهنا كل قول بما فيه كفاية.
والمراد بقول القاضي أبي محمَّد ها هنا لافراده بالذكر تنبيه على ما فيه من الخلاف وهذا من حذقه بالتأليف.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ويجب على من كان خارج المصر المجيء إليها من ثلاثة أميال أو ما يقاربها، 4 ووقتها وقت الظهر.

قال الفقيه الأمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال: 1 - لم اعتبر في الوجوب ثلاثة أميال؟.
2 - وما وقت الجمعة هل ينتظر الإِمام إذا أخرها؟ 5.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما من كان بداخل المصر فإنه

تجب عليه الجمعة وإن لم يسمع النداء.
وقد قال بعض أصحابنا أجمع العلماء على وجوب السعي على من كان من أهل العصر وإن لم يسمع النداء، ولا أمكن أن يسمعه.
وأما من كان خارج العصر فتجب عليه الجمعة إذا سمع النداء أو أمكن أن يسمعه.
وأشار الأبهري إلى أن ثلاثة أميال هي مقدار ما يسمع فيه الأذان.
ولهذا قال أبو محمَّد ها هنا ثلاثة أميال وما قاربها.
قال ابن القصار ومن 1 كان خارج المصر فعلى ثلاثة أضرب: ضرب تجب عليهم الجمعة بأنفسهم لا بغيرهم، وهم أهل القرى التي فيها السوق والمسجد يقدمون من يصلي بهم وإن كانوا من العصر على فرسخ.
وضرب آخر لا تجب عليهم لا بأنفسهم ولا بغيرهم، وهم من كان على أكثر من ثلاثة أميال ولا سوق لهم ولا مسجد.
وضرب آخر تجب عليهم بغيرهم وهم من كان خارج المصر ويسمع النداء.
وقال أصحابنا إذا كان بينهم وبين العصر ثلاثة أميال وإن لم يسمعوا النداء.
واختلف المذهب هل المعتبر في الثلاثة أميال من المنازل أو من آخر المصر؟ وقال محمَّد بن عبد الحكم إنما ينظر إلى ثلاثة أميال من العصر، وحيث يقصر الصلاة المسافر في خروجه ولا ينظر إلى المسجد.
وقد يكون بين المسجد وآخر البلد أكثر من ثلاثة أميال.
ومن أصعحابنا من اعتبر المنار وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد وبه قالت الشافعية.
وحكي عن عبد الله بن عمر وأنس بن.
الك وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوأ: تجب الجمعة على من إذا حضرها أمكنه أن يبيت عند أهله.
وقال عطاء: تجب على من كان على عشرة أميال.
وقال الزهري: ستة أميال.
وقال محمَّد بن المنكدر: أربعة 2 أميال.
وحكي ذلك عن ربيعة أيضًا وحكي عنه أيضًا أنه قال: تجب الجمعة على من إذا نودي للصلاة وخرج من بيته ماشيًا أدرك الصلاة... وقال مالك والليث:

ثلاثة أميال.
وقد قدمنا ذكر ذلك عن مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: لا تجب على من كان خارج المصر.
ودليلنا على اعتبار استماع النداء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 1. وظاهر هذا ما قلناه من استماع النداء.
2 وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: 3 الجمعة على من سمع النداء 4. ولكن هذه الظواهر إنما تطابق مذهب من قال من أصحابنا باعتبار سماع النداء أو إمكان سماعه.
وأما من قال تجب على من كان على فرسخ وإن لم يسمع فلا يمكنه التعلق بهذه الظواهر إلا أن يقول إنه وإن لم يسمع فإن السماع ممكن من هذا المقدار.
وأما أبو حنيفة فإن تعلق بقوله لا جمعة إلا في مصر وعلى أهل مصر فقد تقدم كلامنا معه على اعتبار العصر مع أن هؤلاء إنما يجب عليهم فعلها في العصر.
ولا تعلق له 5 أيضًا في إذن عثمان رضي الله عنه لأهل العوالي في الانصراف لما اجتمع العيد والجمعة.
لما سنتكلم عليه في تأويل هذا الخبر.
وقد ذكرنا فيما نقلناه من هذه المذاهب عن ربيعة أنه قال تجب الجمعة على من إذا نودي للصلاة وخرج من بيته ماشيًا أدرك الصلاة.
وكنا قدمنا ما ذكره بعض أصحابنا من الإجماع على وجوب الجمعة على من كان بالمصر، وإن لم يسمع النداء.
فإن كان أراد ربيعة بهذا من كان خارج العصر فهذا فيه نظر.
والواجب على مثل هذا أن يسعى قبل النداء بمقدار ما يدرك فيه الفرض.
وقد رأيت لأصحابنا اضطرابًا فيمن كان منزله من الجامع على بُعد، هل يتعين عليه الفرض بالزوال أو بتقدير الوصول؟ ذكروا هذا في وقت جواز السفر يوم الجمعة على ما سنورده في موضعه.
ولعل هذا الاضطراب في جواز السعي لا في إيجاب السعي قبل الزوال لمن كان بعيد الدار.
وقد ذكر القاضي أبو محمَّد أن وجوب السعي

إذا جلس الإِمام على المنبر.
قال بعض المتأخرين إن قلنا إن حضور الخطبة واجب فيجب رواحه بمقدار ما يعلم أنه يصل ليحضر الخطبة.
وإن قلنا إن حضورها غير واجب فيجب عليه الرواح بمقدار ما يدرك الصلاة.
وهذا الذي أشار إليه هذا من إيجاب حضور الخطبة لعله أشار إلى ما قدمنا الكلام عليه من صحة خطبة الإِمام وحده دون الجماعة.
وقد اشتمل هذا الفصل على تقسيم ابن القصار من كان خارج العصر على ثلاثة أضرب.
وأشار في أحد الأقسام إلى جواز إقامة الجمعة لمن كان على فرسخ، وهو خلاف 1 المعروف من المذهب.
وقد قدمنا قول ابن حبيب لا تُقام إلا على مسافة بريد.
وقول يحيى بن عمر على ستة أميال.
وقول زيد بن بشير على كثر من فرسخ.
وقول ابن القصار هذا مخالف لهؤلاء.
وقد نبهنا على ذلك في موضعه.

والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما صلاة الجمعة فأول وقتها زوال الشمس.
وقال ابن حنبل يجوز فعلها قبل الزوال، واختلف أصحابه في وقتها.
فمنهم من قال أول وقتها صلاة العيد.
ومنهم من قال يجوز فعلها في الساعة السادسة.
وحكى بعض من صنّف الخلاف عن مالك أنه قال يجوز فعل الخطبة قبل الزوال ولا يجوز فعل الصلاة حينئذ.
وما أرى هذا الناقل إلا وَهِم عن مالك.
وقد قال مالك في كتاب ابن حبيب فيمن خطب قبل الزوال لا تجزئهم ويعيدون الجمعة بخطبة ما لم تغرب الشمس، كما لو صلوا بغير خطبة، وبه قال ابن القاسم وأشهب.
وقال ابن الماجشون يعيدون إلى وقت العصر فإن صلوا العصر أعادوها ظهرًا.
وبه قال ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال سحنون يعيدون الجمعة في الوقت ويعيدون أفذاذًا أبدًا ظهرًا.
فأنت ترى إطباق مالك وهؤلاء من أصحابه على 2 منع الإجزاء والاعتداد بالخطبة قبل الزوال.
وهذا يؤكد لك الظن بما قررناه من وَهَم هذا الناقل عن مالك.
ودليلنا على ابن حنبل قول أنس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة إذا زالت

الشمس 1. وهذا 2 يوجب الاقتصار على ما اقتصر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول وقتها وأيضاً فإن الجمعة والظهر آخر وقتهما واحد فكان أول وقتهما واحدًا كصلاة السفر والحضر.
لأن الجمعة، إما أن تكون ظهرًا قصرت، أو بدلًا من الظهر.
وكلا الأمرين يقتضي ألا تقدم قبل الزوال كالظهر.
ولا تعلق لابن حنبل بقول وكيع الأسلمي: شهدت مع أبي بكر فكانت خطبته قبل نصف النهار 3 لجواز أن يكون ظن أن النهار لم ينتصف.
وإن كانت الشمس زالت.
وهذا مما لا يكاد أن يحقق 4 إلا بعد اعتبار الوقت.
وقد أشار بعض أصحابنا إلى أنه لا يثبت هذا الخبر عن أبي بكر رضي الله عنه بأنه صلى قبل الزوال.
فإن بعض رواته مجهول لا يعرف.
ولا تعلق له أيضًا بقول أنس: كنا نقيل بعد الجمعة 5. فإن محمله على أنهم كانوا يجعلون النوم بعدها بدلًا من قائلة الضحى.
وكذلك روي أيضًا من قوله كنا نرجع وليس للجدران ظل 6 لا تعلق فيه لأن الصيف يكون ذلك حال الظل نصف النهار في ذلك المكان.
وقال مالك معناه ظل ممدود وقد زاغت الشمس.
وأما آخر وقتها فقد اختلف المذهب في آخر وقتها ما لم يدخل وقت العصر.
فمن أخرها حتى دخل وقت العصر صلى الظهر أربعًا.
قال القاضي أبو محمَّد في إشرافه: قال الشيخ أبو بكر الأبهري إن صلى ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر فإنه يتمها جمعة.
وإن صلى دون ذلك بنَى وأتمها ظهرًا.
قال ابن عبدوس مذهب ابن القاسم في الإِمام إذا أخر الصلاة أنهم ينتظرونه إلى أن

يخافوا دخول وقت العصر.
وهكذا قال أبو حنيفة والشافعي إن آخر وقت الجمعة الموسع آخر وقت الظهر.
وقيل تصلّى الجمعة ما لم تصفر الشمس.
قال ابن المواز: قال أصبغ عن ابن القاسم وإذا لم تصل الجمعة حتى اصفرت الشمس أنها تُصلى تلك الساعة جمعة.
قال أصبغ لا يعجبني أن تصلّى جمعة إذا دنا الغروب.
وقيل تصلّى الجمعة ما لم يبق بعد الجمعة إلى الغروب إلا مقدار أربع ركعات للعصر.
قال سحنون: ربما تبين لي أن وقت الجمعة ما لم يبق من النهار إلا مقدار أربع ركعات للعصر.
فذكر له قول من قال: وقتها ما لم تصفر الشمس فأنكره ولم يقل به.
وقال ابن القاسم: تصقى ما لم يبق إلا قدر ركعة للعصر 1. وقد قدمنا ما حكاه ابن حبيب عن مطرّف فيمن صلى الجمعة بغير خطبة أنهم يعيدون الصلاة بالخطبة ما بينهم وبين غروب الشمس، وإن لم يصلوا العصر إلا بعد الغروب.
وقول ابن الماجشون يعيدون ما بينهم وبين وقت العصر.
ورأيت بعض أصحابنا حكي عن المذهب قولاً آخر وهو اعتبار خمس ركعات سوى الخطبة على الوسط مما تجزي الصلاة به.
وقيل بل على إعادته في صلاته.
قال ابن القصار: كان قولي وقول الشيخ أبي بكر قد اتفق على أنه ينبغي أن يراعى مقدار ثلاث ركعات قبل الغروب ركعتان للجمعة وركعة يدرك بها العصر.
قال بعض الأشياخ: يريد بعد قدر الخطبة.
وأشار ابن القصار إلى تأويل ما حكيناه عن مالك من أن الجمعة تصلّى وإن لم يفرغ منها إلا بعد الغروب، بأن صلاة الناس تختلف بالطول والقصر.
فيعتبر كل واحد صلاة نفسه.
وصلاة الجمعة لما كانت لا تصح إلا بالجماعة اعتبر الغالب من صلاة الناس، فإذا غلب على ظنه أنه بقي من النهار قدر ثلاث ركعات دخل في الجمعة.
فإن اتفق له التطويل على حسب عادته فليصلها وإن لم تنقض صلاته إلا بعد الغروب.
لأن التقدير صح في أولها.
قال ويحتمل أن يكون حكم هذه الصلاة وحكم المنفرد واحدًا.
ويكون المنفرد إذا قدر أنه بقي عليه من النهار ثلاث ركعات فأخطأ في تقديره فإن خطاه لا يضره إذا غربت الشمس وهو على اجتهاده فحكمه التمادي على ما دخل عليه، كمسافر سافر وعليه الظهر والعصر فأخطأ في اجتهاده فصلّى

الظهر فغربت الشمس قبل أن يفرغ منها فهو على ما دخل عليه من صلاة السفر.
وكأن هذا الذي أشار إليه ابن القصار من اختلاف العادة في الطول والقصر خلاف ما كنا قدمناه في باب الكلام في الأوقات من اعتبار قدر المفروض من الركعة خاصة على ما كنا بسطنا القول فيه هناك.
وذكرنا تخريج الخلاف في اعتبار أتم القرآن على الخلاف في وجوب قراءتها وما ذكرناه هناك يغني عن مراعاة الطول والقصر.
وسبب هذا الاضطراب في وقت الجمعة أن صلاة الجمعة فرض عين وجعلت ظهرًا مقصورة أو بدلًا من الظهر على ما مرّ الكلام عليه.
ولم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها في وقت الضرورة بل لم يوقعها إلا في وقت الاختيار.
فمن اقتفى أثر فعله فيها رأى أن بدخول وقت العصر خرج وقتها لأن إثبات وقتها بعد العصر يفتقر إلى دليل ولا دليل عنده يدل على إثبات ذلك فلم يجز فعلها فيه، كما لم يجز فعلها في الليل لما لم يرد الشرع به.
ولم يسلك طريق الاقتفاء على ما هو عليه بل استعمل القياس.
قال قد ثبت أن الجمعة ظهر مقصورة أو بدل من الظهر وقد قام الدليل على أن للظهر وقت ضرورة فكذلك الصلاة التي هي هي 1 أو بدلًا منها يجب أن يكون وقتها كوقتها قبل التغيير أو كوقت ما هو بدل منها ثم يختلف هؤلاء في وقت الضرورة هل يعتبر فيه أن يبقى أربع ركعات للعصر أو ركعة واحدة؛ فإن اعتبرنا مقدار أربع ركعات أثبتنا عليه ما حكيناه عن سحنون في اعتبار 2 ذلك في وقت الجمعة.
وإن اعتبرنا مقدار ركعة للعصر أثبتنا عليه ما قال ابن القاسم ها هنا من اعتبار ركعة.
وقد كنا قدمنا في باب الأوقات ذكر الاختلاف في هذا الأصل واستدلال أهل المذهبين فيه.
وما حكاه بعض الأصحاب من اعتبار خمس ركعات، عندي أن وجهه أنه لما كان هذا المقدار هو المعتبر في أوقات الضرورة في غير يوم الجمعة اعتبره في يوم الجمعة وجعل اعتبار الركعتين ها هنا ينوب مناب اعتباره مقدار الخطبة لكنه كان ينبغي أن يعتبر هذه الخمس من غير اعتبار لمقدار 3 الخطبة.
والناقل عنه

قد أشار لاعتبارها.
فإذا وضح ما قلناه في آخر وقت صلاة الجمعة.
فما الحكم إذا خرج وقتها وهو فيها؟ قد كنا قدمنا قول مالك يصليها وإن كان لا يفرغ منها إلا بعد المغيب.
وقول الأبهري إن عقد ركعة بسجدتيها قبل خروج وقتها أتمها جمعة.
وإن لم يعقد ذلك بني وأتمها ظهرًا.
وقد كنا قدمنا الكلام علي بناء أربع ركعات على تحريمه ركعتين.
وهل يعتبر العدد في النية 1 وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب الكلام على هذه الجمل بما يغني عن إعادتها.
وقد قال أبو حنيفة ها هنا إذا دخل وقت العصر وقد بقي عليه فرض من فروضها كالسجدة والركعة والجلسة بطلت.
وقال الشافعي: يبني عليها ظهرًا.
وقد استدل بعض أصحابنا على أبي حنيفة بأن الصلاة إذا افتتحت على شرائطها لم تنتقض بطريان ما يضادها كالمتيمم يطرأ عليه الماء وقد تقدم كلامنا على اختلاف في بعض فروع هذا الأصل.
وذكرنا حجتنا على أن المتيمم لا ينتقض تيممه بطريان الماء 2 وهو في الصلاة.
فإذا ثبت لنا 3 ذلك ناقضنا به أبا حنيفة.
واستدل على الشافعي بأن صلاة الظهر والجمعة مختلفان فلا تبنى إحداهما على تحريم الأخرى كما لا تبنى العصر على تحريم الظهر.
فإن ناقضونا بالمسافر يبني أربعًا على تحريمه ركعتين فإنه لا يجزيه عندنا.
وهذا الذي قاله من أنه لا يجزيه عندنا 4 قد قدمنا نحن ذكر الاختلاف فيه.
وما في المذهب من الاضطراب في اعتبار العدد في النية.
وقد انفصل بعض أصحاب الشافعي عن القياس بأن الظهر والعصر صلاتا وقتين، فلاختلاف وقتيهما لم تبن إحداهما على الأخرى.
بخلاف الظهر والجمعة فإن وقتهما واحد فيصح فيهما البناء.
واحتج لإبطال الصلاة لأن الوقت شرط في ابتداء الجمعة بغير خلاف فيجب أن يكون شرطًا في استدامتها قياسًا على سائر شروط الصلاة كالطهارة وغيرها.
ولا تقاس الجمعة في هذا على غيرها من الصلوات، فإن غيرها من

الصلوات يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلما جاز ابتداؤها بعد خروج الوقت، جاز استدامتها لأن الاستدامة كالابتداء.
ولما كانت الجمعة لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت لم تجز استدامتها لما قدمناه من وجوب كون الاستدامة كالابتداء.
وفي المدونة إذا كان الإِمام يؤخر صلاة الجمعة ويأتي من ذلك بما يستنكر فإن القوم يجمعون لأنفسهم إن قدروا على ذلك، فإن لم يقدروا صلّوا لأنفسهم أربعاً.
ولم يذكر الوقت الذي يستنكر متى هو.
ويجب أن يبني على ذلك ما ذكرناه من الخلاف في آخر وقت الجمعة.
وأشار ابن حبيب إلى أن المخالفة إذا اشتدت حتى لا تمكنهم الصلاة، فإنهم يصيرون كالخائف من العدو لا يقدر أن يركع، فإن العلماء أجازوا له الصلاة إيماءًا.
فكذلك هؤلاء يُومون 1 برؤوسهم.
وإذا أبطأت الجماعة على الإِمام فقال ابن عبدوس مذهب ابن القاسم أنه ينتظرهم إلى وقت العصر، كالمتيمم يرجو الماء فإنه لا يكون إلا لمن لا يجد الماء.
كما أن الظهر لا تكون إلا لمن لا يجد الجماعة.
قال ابن عبدوس: إذا انتظروا الإِمام فلم يأت فصلوا لأنفسهم لم تقم الجمعة بهم لإمكان أن تكون صلاتهم معه نافلة فصاروا كإمام صلى في بيته ثم أتى الجماعة فإنه لا يؤمهم.
ولو أن الإِمام كان معه ممن لم يصل الظهر من تقوم به جمعة فإنه يصليها بهم وإن كان وقت العصر قد دخل.
ويقال لمن صلى إن شئتم فصلوا معه، ويجعل الله فرضكم أفي الصلاتين شاء.
وحكى ابن سحنون عن بعض أصحابنا 2 في الإِمام إذا تأخر صلوا الظهر أفذاذًا إذا خافوا فوات الوقت، والوقت فيه ما لم تصفّر الشمس.
وأنكره سحنون.
وقال: بل حتى لا يبقى إلا ما يصلون فيه بعض العصر بعد الغروب.
وأشار الشيخ أبو محمَّد إلى أن التأخير إذا رجوا إقامتها وأما إن أيقنوا أنه لا يأتى فلا تؤخر الظهر.
وأشار بعض أشياخ صقلية إلى أن الإِمام إن لم يعتد التأخر انتظر إلى آخر وقت الظهر.
وإن كان التأخر من عادته لم ينتظر وصليت الظهر في الوقت المستحب وهو ربع القامة إلا أن يكونوا اعتادوا التأخر إلى آخر الاختيار فينتظر.
قال وهذا بخلاف من هرب

الناس عنه فطمع برجوعهم فإنه ينتظرهم حتى يبقى للغروب مقدار الخطبة والجمعة وركعة للعصر.
وإذا اعتبرنا مقدار الخطبة ها هنا كان في فسحة إن لم يأتوا أدرك إن لم يصلوا الظهر أربعًا والعصر كذلك قبل غروب الشمس.
لأن الخطبة ربما كان فيها مقدار ركعتين أو أكثر.
وقد اختلف المذهب فيمن صلّى الجمعة ناسيًا لنجاسة أو صلاة 1 فقيل هي كغيرها من الصلوات 2. وقال أشهب وسحنون وقت الجمعة الفراغ منها.

قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله: ولها أذانان عند الزوال وعند جلوس الإِمام على المنبر يؤذن بهما جميعًا على المنار لا 3 بين يدي الإِمام.

قال الفقيه الإِمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منهما أن يقال: 1 - لم قال للجمعة أذانان؟.
2 - وما معنى قوله لا بين يدي الإِمام؟.

فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: قال مالك: لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس.
قال ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أن أول من زاد الأذان الذي يؤذن لها 4 قبل خروج الإِمام عثمان رضي الله عنه.
ولم يكن يؤذن بعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يخرج ويجلس على المنبر، فيؤذن مؤذن واحد على المنار.
قال ابن حبيب: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا- دخل إلمسجد رقى المنبر فجلس ثم أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحدًا بعد واحذ.
فإذا فرغ الثالث قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب.
وكذلك في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ثم أمر عثمان رضي الله عنه لما كثر الناس أن يؤذن بالزوراء عند الزوال.
وهو موضع السوق ليرتفع منه الناس.
فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار.
ثم إن هشام بن عبد الملك في إمارته نقل الأذان الذي كان في الزوراء إلى المسجد

فصول الكتاب · 16 فصل · 1202 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح التلقين · 1202 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الجنانز
كتاب بيوع الآجال
كتاب البيوع الفاسدة
كتاب بيع الخيار
كتاب الرّدّ بالعيب
كتاب الوكالات
كتاب بيع الغائب، والغرر
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب الصلح
كتاب الوديعةكتاب الحجر والتفليسكتاب الحمالةكتاب الاستحقاقكتاب الرهن
جارٍ التحميل